Verse. 1091 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِيْنَ كَانُوْا يُسْتَضْعَفُوْنَ مَشَارِقَ الْاَرْضِ وَمَغَارِبَہَا الَّتِيْ بٰرَكْنَا فِيْہَا۝۰ۭ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنٰى عَلٰي بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ۝۰ۥۙ بِمَا صَبَرُوْا۝۰ۭ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُہٗ وَمَا كَانُوْا يَعْرِشُوْنَ۝۱۳۷
Waawrathna alqawma allatheena kanoo yustadAAafoona mashariqa alardi wamagharibaha allatee barakna feeha watammat kalimatu rabbika alhusna AAala banee israeela bima sabaroo wadammarna ma kana yasnaAAu firAAawnu waqawmuhu wama kanoo yaAArishoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون» بالاستعباد، وهم بنو إسرائيل «مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها» بالماء والشجر، صفة للأرض وهي الشام «وتمت كلمة ربَّك الحسنى» وهي قوله تعالى (ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض) إلخ «على بني إسرائيل بما صبروا» على أذى عدوهم «ودمَّرنا» أهلكنا «ما كان يصنع فرعون وقومه» من العمارة «وما كانوا يعرُِشون» بكسر الراء وضمها، يرفعون من البنيان.

137

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 129] فههنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام. ومصر ومغاربها، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضاً قوله: {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام. والقول الثاني: المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس. وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرءيلَ } قيل المراد من {كَلمةُ ربك} قوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: 5] إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } تفسير : [القصص: 6] والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة، ومعنى تمت على بني إسرائيل، مضت عليهم واستمرت، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى عليك. وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض، وإنما كان الإنجاز تماماً للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق. فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله: {بِمَا صَبَرُواْ } أي إنما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم، وحسبك به حاثاً على الصبر، ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج، وقرأ عاصم في رواية {وَتَمَّتْ كَلِمَـٰتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } ونظيره {أية : مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } تفسير : [النجم: 18] وقوله: {وَدَمَّرْنَا } قال الليث: الدمار الهلاك التام. يقال: دمر القوم يدمرون دماراً أي هلكوا، وقوله: {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } قال ابن عباس يريد الصانع {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قال الزجاج: يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني، قيل: وما كانوا يعرشون من الجنات، ومنه قوله تعالى: {أية : جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ }تفسير : [الأنعام: 141] وقيل: {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء، كصرح هامان وفرعون. وقرىء يعرشون بالكسر والضم، وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح، قال صاحب «الكشاف»: وبلغني أنه قرأ بعض الناس {يغرسون} من غرس الأشجار وما أحسبه إلا تصحيفاً منه، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ} يريد بني إسرائيل. {ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} أي يُسْتَذَلُّون بالخدمة. {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} زعم الكِسائي والفرَّاء أن الأصل «في مشارق الأرض ومغاربها» ثم حُذِفَ «في» فنصب. والظاهر أنهم وَرِثوا أرض القبط. فهما نصبٌ على المفعول الصريح؛ يقال: ورِثت المال وأورثته المال؛ فلما تعدّى الفعل بالهمزة نصب مفعولين. والأرض هي أرض الشأم ومصر. ومشارقها ومغاربها جهاتُ الشرق والغرب بها؛ فالأرض مخصوصة، عن الحسن وقَتادة وغيرهما. وقيل: أراد جميع الأرض؛ لأنّ مِن بني إسرائيل داود وسليمان وقد ملكا الأرض. {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} أي بإخراج الزروع والثمار والأنهار. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} هي قوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ}تفسير : [القصص: 5]. {بِمَا صَبَرُواْ} أي بصبرهم على أذى فرعون، وعلى أمر الله بعد أن آمنوا بموسى. {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} يقال: عَرَش يَعْرِش إذا بَنَى. قال ابن عباس ومجاهد: أي ما كانوا يبنون من القصور وغيرها. وقال الحسن: هو تعريش الكَرْم. وقرأ ٱبن عامر وأبو بكر عن عاصم «يَعْرُشون» بضم الراء. قال الكسائيّ: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة «يُعرِّشون» بتشديد الراء وضم الياء.

البيضاوي

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} بالاستبعاد وذبح الأبناء من مستضعفيهم. {مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا} يعني أرض الشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في نواحيها. {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بالخصب وسعة العيش. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِى إِسْرءيلَ } ومضت عليهم واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصرة والتمكين وهو قوله تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ }تفسير : [القصص: 5] إلى قوله: {أية : مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } تفسير : [القصص: 6] وقرىء «كلمات ربك» لتعدد المواعيد {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرهم على الشدائد. {وَدَمَّرْنَا} وخربنا. {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} من القصور والعمارات. {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} من الجنات أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي «النحل» {يَعْرِشُونَ} بالضم. وهذا آخر قصة فرعون وقومه. وقوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ} وَمَا بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله عليهم بالنعم الجسام، وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى منهم، وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. روي: أن موسى عليه الصلاة والسلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً. {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ} فمروا عليهم. {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} يقيمون على عبادتها، قيل كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم. وقيل من لخم، وقرأ حمزة والكسائي {يعكفون} بالكسر. {قَالُواْ يَا مُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا} مثالاً نعبده. {كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} يعبدونها، وما كافة للكاف. {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى عن العقل. {إِنَّ هَـؤُلآء} إشارة إلى القوم. {مُتَبَّرٌ} مكسر مدمر. {مَّا هُمْ فِيهِ} يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضاً {وَبَـٰطِلٌ} مضمحل. {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام بإيقاع {هَـؤُلاء} اسم {إن} والإِخبار عما هم فيه بالتبار وعما فعلوا بالبطلان، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبراً لأن للتنبيه على أن الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة، وأن الإِحباط الكلي لازب لما مضى عنهم تنفيراً وتحذيراً عما طلبوا. {قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا} أطلب لكم معبوداً. {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء معاملتهم حيث قابلوا تخصيص الله إياهم من أمثالهم لما لم يستحقوه تفضلاً بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } بالاستعباد، وهم بنو إسرائيل {مَشَٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا } بالماء والشجر صفة للأرض وهي الشام {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } وهي قوله: { أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [5:28] الخ {عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ } على أذى عدوّهم {وَدَمَّرْنَا } أهلكنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من العمارة {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } بكسر الراء وضمها، يرفعون من البنيان.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ } يعني: بني إسرائيل {ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } أي يذلون ويمتهون بالخدمة لفرعون وقومه {مَشَـٰرِقَ ٱلأرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } منصوبان بأورثنا. وقال الكسائي والفراء: إن الأصل في مشارق الأرض ومغاربها، جهات مغربها، ثم حذفت في فنصبا. والأوّل أظهر، لأنه يقال أورثته المال. والأرض هي مصر والشام، ومشارقها جهات مشرقها. ومغاربها، وهي التي كانت لفرعون وقومه من القبط. وقيل: المراد جميع الأرض؛ لأن داود وسليمان من بني إسرائيل، وقد ملكا الأرض. قوله: {ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } صفة للمشارق والمغارب. وقيل: صفة الأرض. والمباركة فيها إخراج الزرع والثمار منها على أتمّ ما يكون، وأنفع ما يتفق. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } أي مضت واستمرت على التمام، والكلمة هي: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } تفسير : [القصص: 5]، وهذا وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء على أملاكهم. و{الحسنى} صفة للكلمة. وهي تأنيث الأحسن. وتمام هذه الكلمة {عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ } بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه. قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } التدمير الإهلاك، أي أهلكنا بالخراب ما كانوا يصنعونه من العمارات {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم «يعرشُون» بضم الراء. قال الكسائي: هي لغة تميم. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة «يُعَرّشون» بتشديد الراء وضم حرف المضارعة. وقرأ الباقون بكسر الراء مخففة، أي ما كانوا يعرشونه من الجنات، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ } تفسير : [الأنعام: 141] وقيل: معنى يعرشون يبنون، يقال عرش يعرش أي بنى يبني. قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه. ومعنى جاوزنا ببني إسرائيل البحر: جزناه بهم وقطعناه. وقرىء «جوزنا» بالتشديد، وهو بمعنى قراءة الجمهور {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قرأ حمزة والكسائي «يعكفون» بكسر الكاف، وقرأ الباقون بضمها. يقال عكف يعكف، ويعكف بمعنى أقام على الشيء ولزمه، والمصدر منها عكوف. قيل: هؤلاء القوم الذين آتاهم بنو إسرائيل هم من لخم كانوا نازلين بالرقة، كانت أصنامهم تماثيل بقر. وقيل: كانوا من الكنعانيين {قَالُواْ } أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل {يٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا } أي صنماً نعبده كائناً كالذي لهؤلاء القوم، فالكاف متعلق بمحذوف وقع صفة لـ {إلهاً}، فأجاب عليهم موسى، و {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وصفهم بالجهل، لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله. ولكن هؤلاء القوم، أعني بني إسرائيل، أشد خلق الله عناداً وجهلاً وتلوّناً. وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك. ثم قال لهم موسى {إِنَّ هَـؤُلآء } يعني القوم العاكفين على الأصنام {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } التبار: الهلاك. وكل إناء منكسر فهو متبر، أي أن هؤلاء هالك ما هم فيه مدمّر مكسر. والذي هم فيه هو: عبادة الأصنام. أخبرهم بأن هذا الدين الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمّر لا يتمّ منه شيء. قوله: {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام. قال في الكشاف: وفي إيقاع {هؤلاء} اسماً لإن، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها، وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرّضون للتبار، وأنه لا يعدوهم ألبتة، وأنه لهم ضربة لازب، ليحذرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحبوا. قوله: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا } الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي كيف أطلب لكم غير الله إلٰهاً تعبدونه، وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي البعض منه؟ والمعنى: أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبداً. وإدخال الهمزة على {غير} للإشعار بأن المنكر هو كون المبتغى غيره سبحانه إلٰهاً، و{غير} مفعول للفعل الذي بعده. و{إلٰهاً} تمييز أو حال. وجملة: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أنه فضلكم على العالمين من أهل عصركم بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض، وإخراجكم من الذلّ والهوان إلى العزّ والرفعة، فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره؟ قوله: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } أي: واذكروا وقت إنجائنا لكم من آل فرعون، بعد أن كانوا مالكين لكم، يستعبدونكم فيما يريدونه منكم، ويمتهنونكم بأنواع الامتهانات. هذا على أن هذا الكلام محكيّ عن موسى. وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد، فهو بمعنى: اذكروا إذ أنجينا أسلافكم من آل فرعون. وجملة: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } في محل نصب على الحال، أي أنجيناكم من آل فرعون حال كونهم {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ }. ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه. وجملة: {يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } مفسرة للجملة التي قبلها، أو بدل منها، وقد سبق بيان ذلك. والإشارة بقوله: {وَفِى ذٰلِكُمْ } إلى العذاب: أي في هذا العذاب، الذي كنتم فيه {بَلاء } عليكم {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } وقيل: الإشارة إلى الإنجاء، والبلاء النعمة، والأوّل أولى. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله: {مَشَـٰرِقَ ٱلأرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } قال: الشام. وأخرج هؤلاء عن قتادة مثله. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن عبد الله بن شوذب، قال: هي فلسطين. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ ٱلْحُسْنَىٰ } قال: ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قال: يبنون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قال: لخم وجذام. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال: تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر. فذلك كان أوّل شأن العجل ليكون لله عليهم الحجة، فينتقم منهم بعد ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة، فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلٰهاً كما لهم آلهة} إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم» تفسير : وأخرج نحوه ابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جدّه مرفوعاً، وكثير ضعيف جدّاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {مُتَبَّرٌ } قال: خسران. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال: هلاك.

ابن عطية

تفسير : قوله: {الذين كانوا يستضعفون} كناية عن بني إسرائيل لاستعباد فرعون لهم وغلبته عليهم، وقوله: {مشارق الأرض ومغاربها} قال الحسن وقتادة وغيرهما: يريد أرض الشام، وقال أبو جعفر النحاس: وقيل يراد أرض مصر وهو قول الحسن في كتاب النقاش، وقالت فرقة: يريد الأرض كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا يتجه إما على المجاز لأنه ملكهم بلاداً كثيرة، وإما على الحقيقة في أنه ملك ذريتهم وهو سليمان بن داود ولكن الذي يليق بمعنى الآية وروي فيها هو أنه ملك أبناء المستضعفين بأعيانهم مشارق الأرض ومغاربها لا سيما بوصفه الأرض بأنها التي بارك فيها ولا يتصف بهذه الصفة وينفرد بها أكثر من غيرها إلا أرض الشام لما بها من الماء والشجر والنعم والفوائد، وحكى الطبري عن قائل لم يسمه وذكر الزهراوي أنه الفراء: أن {مشارق الأرض ومغاربها} نصب على الظرف أي يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله: {التي باركنا فيها} معمول لـ {أورثنا} ، وضعفه الطبري، وكذلك هو قول غير متجه، و {التي} في موضع خفض نعت لـ {الأرض}، ويجوز أن يكون في موضع نصب نعت لمشارق ومغارب، وقوله: {وتمت كلمة ربك الحسنى} أي ما سبق لهم في علمه وكلامه في الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه، قاله مجاهد، وقال المهدوي: وهي قوله {أية : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} تفسير : [القصص:5] وقيل هي قوله: {أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم} تفسير : [الأعراف:129]، وروي عن أبي عمرو "كلمات" و {يعرشون} قال ابن عباس ومجاهد معناه يبنون وعرش البيت سقفه والعرش البناء والتنضيد, وقال الحسن هي في الكروم وما أشبهها, وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ الباقون: ابن عامر وعاصم فيما روي عنه والحسن وأبو رجاء ورجاء ومجاهد بضمها، وكذلك في سورة النحل وهما لغتان، وقرأ ابن أبي عبلة "يُعَرَّشون ويُعَكِّفون" بضم الياء فيهما وفتحة العين مشددة الراء والكاف مكسورتين. قال القاضي أبو محمد: ورأيت للحسن البصري أنه احتج بقوله تعالى: {وتمت كلمة ربك} إلى آخر الآية، على أنه لا ينبغي أن يخرج على ملوك السوء وإنما ينبغي أن يصبر عليهم، فإن الله تعالى يدمرهم، ورأيت لغيره أنه قال: إذا قابل الناس البلاء بمثله وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج أتى الله بالفرج، وروي هذا القول أيضاً عن الحسن. وقرأ جمهور الناس "وجاوزنا" وقرأ الحسن بن أبي الحسن: "وجوزنا" ذكره أبو حاتم والمهدوي، والمعنى قطعناه بهم وجزعناه وهذه الآية ابتداء خبر عنهم، قال النقاش: جاوزوا البحر يوم عاشوراء، وأعطي موسى التوراة يوم النحر القابل بين الأمرين أحد عشر شهراً، وروي أن قطعهم كان من ضفة البحر إلى ضفة المناوحة الأولى وروي أنه قطع من الضفة إلى موضع آخر منها. قال القاضي أبو محمد: فإما أن يكون ذلك بوحي من الله وأمر لينفذ أمره في فرعون وقومه وهذا هو الظاهر، وإما بحسب اجتهاد موسى في التخلص بأن يكون بين وضعين أوعار وحايلات، ووقع في كتاب النقاش أنه نيل مصر. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لا تساعده رواية ولا يحتمله لفظ إلا على تحامل، وإنما هو بحر القلزوم و "القوم" المشار إليهم في الآية العرب، قيل هم الكنعانيون، وقال قتادة وقال أبو عمران الجوني: هم قوم من لخم وجذام، والقوم في كلام العرب الرجال خاصة، ومنه قول زهير: شعر : ولا أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : ومنه قوله عز وجل: {أية : لا يسخر قوم من قوم.... ولا نساء من نساء} تفسير : [الحجرات:11] وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "يعكُفون" بضم الكاف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية عبد الوارث عنه "يعكِفون" بكسرها وهما لغتان والعكوف: الملازمة بالشخص لأمر ما والإكباب عليه، ومنه الاعتكاف في المساجد ومنه قول الراجز " [الرجز] شعر : عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُون الفَنْزَجَا تفسير : و "الأصنام" في هذه الآية قيل كانت بقراً على الحقيقة، وقال ابن جريج: كانت تماثيل بقر من حجارة وعيدان ونحوه وذلك كان أول فتنة العجل. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنماً نفرده بالعبادة ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمراً حراماً فيه الإشراك في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى الله عليه وسلم في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال: "حديث : الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} لتتبعن سنن من قبلكم ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ولم يقصد أبو واقد بمقالته فساداً، وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفراً ولفظة الإله تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ذكرته أولاً أصح عندي والله تعالى أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَشَارِقَ الأَرْضِ} الشرق والغرب، أو أرض الشام ومصر، أو الشام وحدها شرقها وغربها. {بَارَكْنَا فِيهَا} بالخصب، أو بكثرة الثمار والأشجار والأنهار. {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} بإهلاك عدوهم واستخلافهم او بما وعدهم به بقوله ـ تعالى ـ: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ} تفسير : الآيتين [القصص: 5، 6] {الْحُسْنَى} لأنها وعد بما يحبون. {بِمَا صَبَرُواْ} على طاعة الله ـ تعالى ـ أو على أذى فرعون.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} يعني ومكنّا القوم الذين كانوا يقهرون ويغلبون على أنفسهم وهو أن فرعون وقومه كانوا قد تسلطوا على بني إسرائيل فقتلوا أبناءهم واستخدموهم فصيروهم مستضعفين تحت أيديهم {مشارق الأرض ومغاربها} يعني أرض الشام ومصر وأراد بمشارقها ومغاربها جميع جهاتها ونواحيها. وقيل: أراد بمشارق الأرض ومغاربها الأرض المقدسة وهو بيت المقدس وما يليه من الشرق والغرب. وقيل: أراد جميع جهات الأرض وهو اختيار الزجاج قال: لأن داود وسليمان صلوات الله وسلامه عليهما كانا من بني إسرائيل وقد ملكا الأرض. وقوله عز وجل: {التي باركنا فيها} يدل على أنها الأرض المقدسة يعني باركنا فيها بالثمار والأشجار والزروع والخصب والسعة {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} يعني وتمت كلمة الله وهي وعدهم بالنصر على عدوهم والتمكين في الأرض من بعدهم وقيل كلمة الله هي قوله {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} الآية والحسنى صفة للكلمة وهي تأنيث الأحسن وتمامها إنجاز ما وعدهم به من تمكينهم في الأرض وإهلاك عدوهم {بما صبروا} يعني إنما حصل لهم ذلك التمام وهو ما أنعم الله تعالى به عليهم من إنجاز وعده لهم بسبب صبرهم على دينه وأذى فرعون لهم {ودمرنا} يعني وأهلكنا والدمار الهلاك باستئصال {ما كان يصنع فرعون وقومه} في أرض مصر من العمارات والبينان {وما كانوا يعرشون} يعني يسقفون من ذلك البنيان وقال مجاهد: ما كانوا يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: وما كانوا يعرشون من الثمار والأعناب. قوله عز وجل: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} يعني وقطعنا ببني إسرائيل البحر بعد إهلاك فرعون وقومه وإغراقهم فيه يقال جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره. وقال الكلبي عبر موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكراً لله تعالى: {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} يعني فمر بنو إسرائيل بعد مجاوزة البحر على قوم يعكفون أي يقيمون ويواظبون على أصنام لهم يعني تماثيل لهم كانوا يعبدونها من دون الله. قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول شان العجل. وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولاً بالرقة يعني بالرقة ساحل البحر وقيل كان أولئك الأقوام من الكنعانيين الذين أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقتالهم {قالوا} يعني قال بنو إسرائيل لموسى لما رأوا ذلك التمثال {يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} يعني كما لهم أصنام يعبدونها ويعظمونها فاجعل لنا أنت إلهاً نعبده ونعظمه. قال البغوي رحمه الله: ولم يكن ذلك شكاً من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى وإنما معناه اجعل لنا شيئاً نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم وقال غيره هذا يدل على غاية جهل بني إسرائيل وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعد ما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم وعبادتهم غير الله تعالى فحملهم جهلهم على أن قالوا لنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فرد عليهم موسى عليه الصلاة والسلام بقوله {قال إنكم قوم تجهلون} يعني تجهلون عظمة الله تعالى وأنه لا يستحق أن يعبد سواه لأنه هو الذي أنجاكم من فرعون وقومه فأغرقهم في البحر وأنجاكم منه. عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل إلهاً كما لهم آلهة والذي نفسي بيده لتركبن سنن مَن كان قبلكم"تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: {إن هؤلاء متبرٍ ما هم فيه } أي مهلك والتتبير الإهلاك {وباطل ما كانوا يعملون} البطلان عبارة عن عدم الشيء إما بعدم ذاته أو بعدم فائده ونفعه والمراد من بطلان عملهم أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا يدفع عنهم ضراً لأنه عمل لغير الله تعالى فكان باطلاً لا نفع فيه {قال أغير الله أبغيكم إلهاً} لما قال بنو إسرائيل لموسى عليه الصلاة والسلام اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة حكم عليهم بالجهالة وقال مجيباً لهم على سبيل العجب والإنكار عليهم أغير الله أبغيكم إلهاً يعني أطلب لكم وأبغي لكم إلهاً {وهو فضّلكم على العالمين} والمعنى أن الإله ليس هو شيئاً يطلب ويلتمس ويتخير بل الإله هو الذي فضلكم على العالمين لأنه القادر على الإنعام والإفضال فهو هذا الذي يستحق أن يعبد ويطاع لا عبادة غيره ومعنى قوله فضلكم على العالمين يعني على عالمي زمانكم وقيل فضلهم بما خصهم به من الآيات الباهرة التي لم تحصل لغيرهم وإن كان غيرهم أفضل منهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} [الآية: 137]. قال الجنيد: رحمة الله عليه فى كتاب "مراتب أهل الصبر" فى قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} قال: طلبوا تمام الكلمة بوجود النعمة والمواظبة على الصبر واستشعروا التشبث بحبائل الوفاء عند من أبلاهم، لتتم عليهم كلمة ربك الحسنى بجميل الثناء على الصبر التى ضمن لهم إتمامها بالوفاء. قال أبو سعيد: طلبوا إتمام النعمة بالمواظبة على الصبر، واستشعروا وعده الذى وعد لهم إتمامه عند القيام بما لزمهم من شرائط الصبر.

القشيري

تفسير : مَنْ صبر على مقاساة الذُّلِّ في الله وضع الله على رأسه قلنسوة العرفان، فهو العزيز سبحانه، لا يُشْمِتُ بأوليائه أعداءهم، ولا يضيع من جميل عهده جزاءَهم.

البقلي

تفسير : {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} معنى الاية فى وارد الحكم ان الكلمة صفته الازلية وهى ذكر الله اياهم فى سابق العلم بالتوفيق فى عبوديته الخالصة وقبولهم امتحانه وبلاه بنعت الصبر والرضا وذلك عطاء محض حيث تمت تلك النعمة منه تعالى فى الازل لهم قبل وقوع الفعل والجزاء والصبر والرضا فان من تمام النعمة ان سبقت كلمة الله بنعت اتمام الدرجات لهم قبل وجودهم فالكلمة تمت باعطائهم المعرفة والتوفيق فى الطاعة ليس عناية الله الازلية متعلقة بصبرهم واحتمالهم الجافه فانهما باعطائهم المعرفة والتوفيق فى الطاعة ليس عناية الله الازلية متعلقة بصبرهم واحتمالهم الجفاه فانهما ميراث كلمة الحسنى التى سبقت بالعناية لهم ولولا ذلك ما صبرو الا ترى الى قوله تعالى وما صبرك الى بالله اى بلاله تصبروا وقوله تمت اى تمت العناية بلا علة الاكتساب وصفاته الازلية الا تحتاج الى علة الحدث ثفان اصطفائية الله منزهة عن خلل الحدثان وافعالها قال الجنيد طالبوا تمام الكلمات بوجود النعمة والمواظبة على الصبر فاستشغروا والتثبت بجبائل الوفاء عند من ابلاهم ليتم عليهم كلمة الحسنى بجميل الثناء على الصبر الذى ضمن لهم اتمامهم بالوفاء قال ابو سعيد الخراز طالبوا تمام النعمة بالمواظبة على الصبر واستغروا وعده الذى ضمن لهم اغابه عند القيام بما الزمهم من شرائط الصبر لانه تعالى قال تمت كلمة ربك الحسنى بصبرهم فى برلاءه واعطائهم مواريث الارض من الملكين ملك الدنيا وملك العقبى.

اسماعيل حقي

تفسير : {واورثنا} [ميراث داديم] {القوم الذين} يعنى بنى اسرائيل والقوم مفعول اول لاورثنا {كانوا يستضعفون} اى يستضعفهم القبط ويقهرونهم ويستذلونهم بدبح الابناء واستخدام النساء والاستعباد {مشارق الارض ومغاربها} مفعول ثان لاورثنا والارض ارض الشام ومشارقها ومغاربها جهاتها الشرقية والغربية ملكها بنو اسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا فى نواحيها {التى باركنا فيها} بالخصب وسعة الارزاق صفة للمشارق والمغارب {وتمت كلمة ربك الحسنى} المراد بالكلمة وعده تعالى اياهم بالنصر والتمكين وهو ما ذكره بقوله {ونريد ان نمن على الذين استضعفوا فى الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الارض ونرى فرعون وهامان وجنود هما منهم ما كانوا يحذرون} وتمامها مضيها وانتهاؤها الى الانجاز لان العدة بالشيء التزام لايقاعه بالعبارة واللسان وتمامها لا يكون الا بوقوع الموعود فى الخارج والعيان {على بنى اسرائيل بما صبروا} اى بسبب صبرهم على الشدائد التى كابدوها من جهة فرعون وقومه {ودمرنا} اى خربنا واهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} من العمارات والقصور اى ودمرنا الذى كان فرعون يصنعه على ان فرعون اسم كان ويصنع خبر مقدم والجملة الكونية صلة ما والعائد محذوف وقيل اسم كان ضمير عائد الى ما الموصولة ويصنع مسند الى فرعون والجملة خبر كان والعائد محذوف تقديره ودمرنا الذى كان يصنعه فرعون {وما كانوا يعرشون} اى يرفعون من الجنات اى الكروم والاشجار. قال فى زبدة التفاسير العرش سقف فى الكروم والاشجار واشارت الآية الى ان العزيز من اعزه الله والذليل من اذله الله ومن صبر على مقاساة الذل فى الله توجه بتاج العزة وجعل له حسن العاقبة والله تعالى كما وعد لبنى اسرائيل وانجز وعده فاستخلفهم فى مشارق الارض ومغاربها كذلك وعد لهذه الامة كما قال تعالى فى سورة النور {أية : وعد الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} تفسير : [النور: 55]. والمراد بالارض ارض الكفار من العرب والعجم والمراد بالذين من قبلهم بنوا اسرائيل وفى الحديث "حديث : ان الله زوى لى الارض فرأيت مشارقها ومغاربها وان ملك امتى سيبلغ ما زوى لى منها" تفسير : يقول ان الله تعالى جمع وضم هذه الارض ليلة المعراج او فى غير ذلك الوقت فرأيت جميع آفاق الارض من المشارق والمغارب ثم وعد امته بان الله تعالى يملأ الدنيا كلها عدلا وقسطا كما ملئت قبل ذلك جورا وظلما ويملك المؤمنين جميع الارض هذا على تقدير حمل اللام فى الارض على الاستغراق. وقيل اللام للعهد الخارجى كما اذا قيل اغلق الباب اذا كان مشاهدا ومن للتبيين ولا دليل على جمع جميع الارض ولم يبلغ ملك امته جميع اجزائها فأى موضع من الارض وقع نظره عليه السلام عليه كان دار الاسلام وأى مكان كان محجوبا عنه كان دار الكفر والله اعلم بحقيقة الحال ومنه الكرم والنوال واليه الرجوع والمآل.

الطوسي

تفسير : آية في الكوفي والبصري، وفي المدنيين آيتان آخر الاولى {بني إسرائيل} قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم {يعرشون} بضم الراء. الباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان: الكسر والضم، والكسر أفصح. أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه أورث الأرض مشارقها ومغاربها الذين استضعفوا في يدي فرعون وقومه. وإِنما أورثهم بأن أهلك من كان فيها ومكن هؤلاء، وحكم بأن لهم أن يتصرفوا فيها على ما أباحه الله تعالى لهم. والاستضعاف طلب الضعف بالاستطالة والقهر. وقد استعمل استضعفته بمعنى وجدته ضعيفاً بامتحاني إِياه، كأنه قال طلبت حال ضعفه بمحنته، فوجدته ضعيفاً. وقوله {باركنا فيها} يعني باخراج الزروع والثمار وسائر صنوف النبات والأشجار الى غير ذلك من العيون والأنهار وضروب المنافع للعباد. وقيل {باركنا فيها} بالخصب الذي حصل فيها. ومشارق الأرض ومغاربها يريد جهات المشرق بها والمغرب. وقال الحسن هي أرض الشام ومصر. وقال قتادة هي أرض الشام. وقال أبو علي: هي أرض مصر. وقال الزجاج: كان من بني اسرائيل داود وسليمان ملكا جميع الأرض. وقوله {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} يعني صح كلامه بانجاز الوعد الذي تقدم باهلاك عدوهم، واستخلافهم في الارض، وإِنما كان الانجاز تمام للكلام لتمام النعمة به. وقيل كلمته الحسنى هي قوله تعالى {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}. وإِنما قيل الحسنى، وإِن كانت كلمات الله كلها حسنة، لأنه وعد بما يحبون. وانتصب قوله تعالى {مشارق الأرض ومغاربها} لأحد أمرين: أحدهما - بأنه مفعول (أورثنا) كقولك: أورثه المال. الثاني - بأنه ظرف كأنه قال: أورثتهم الأرض التي باركنا فيها في مشارقها ومغاربها، والأول أظهر. وقوله {ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه} معناه أهلكنا ما كان عمله فرعون وقومه مما كانوا يستعبدونهم ويسعون في افساد أمر موسى ويستعينون به في أمرهم {وما كانوا يعرشون} معناه ما كانوا يبنونه من الأبنية والقصور - في قول ابن عباس ومجاهد. وقال الحسن: هو تعريش الكرم. وقال أبو علي: تعريش الشجر والأبنية. وأصل التعريش الرفع، قال أبو عبيدة {يعرشون} معناه يبنون، و (العرش) في هذا الموضع البناء، يقال: عروش مكة أي بناؤها، وقال أبو الحسن: هما لغتان، ومثله نبطِش ونبطُش ونحشِر ونحشُر، في أمثال ذلك.

الجنابذي

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} يعنى مشارق ملك مصر ومغاربها او ملك مصر والشّام {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بكثرة النّعم من الحبوب والثّمار وغيرها {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} عدته الحسنى بايراث الارض بقوله تعالى: {أية : وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [القصص:5]، اعلم، انّ الكلمة غير مختصّة بالحروف المركّبة الحاصلة من تقاطع الهواء التّنفّسىّ مع مخارج الحروف الموضوعة لمعنى من المعانى بل كلّ ما دلّ على غيره من الكلمات العينيّة فهو كلمة، بل التّحقيق انّ الحقّ المضاف الّذى هو المشيّة الّتى هى نفس الرّحمن واضافته الاشراقيّة والرّبّ المضاف باعتبار تعلّقه بالمخارج الحقيقيّة الّتى هى الاعيان الثّابتة والمهيّات الاعتباريّة كلمته تعالى باعتبار وحدته وكلماته باعتبار تعدّده فانّ له فى نفسه وحدةً حقيقيّةً ظلّيةً وباعتبار المهيّات كثرةً اعتباريّة، ونحن الكلمات التّامّات، كما ورد عنهم عليهم السّلام بهذا الاعتبار، وتسمية المشيّة بنفس الرّحمن باعتبار تطابق العالم الصّغير والكبير وتلك الكلمة باعتبارها فى نفسها تامّة، وباعتبار ظهورها على غيرها توصف بالتّمام وعدمه، وظهورها تامّة بان تظهر بصورة الولاية والنّبوّة والرّسالة، وتماميّتها حينئذٍ كانت اضافيّة، وتماميّتها الحقيقيّة اذا كانت بصورة الولاية المطلقة فيصير صاحبها خاتم الولاية، وبصورة النّبوّة المطلقة والرّسالة المطلقة فيصير صاحبهما خاتم النّبوّة والرّسالة كما فى محمّد (ص) وعلىّ (ع)، وتماميّة النّبوّة والرّسالة النّاقصة تماميّة اضافيّة ان تظهر بجميع ما من شأنه ان تظهر به من قبول احكامها وانجاز مواعيدها وترتّب فوائدها، ومن جملة تماميّة نبوّة موسى (ع) ظهورها باتمام مواعيدها ورفع موانع رواجها من منع فرعون وقومه، والتّوصيف بالحسنى للاشارة الى انّ كلماته باعتبارها فى انفسها تتفاوت وتتّصف بالحسن والاحسنيّة وان كان كلّها باعتبار اضافتها اليه تعالى حسنة غير متّصفةٍ بعدم الحسن، وبعدما عرفت انّ الرّبّ المضاف هو الولاية المتحقّق بمطلقها علىّ (ع) وانّ الرّسالات والنّبوّات والولايات الجزئيّة هى مراتب الولاية المطلقة وتنزّلاتها وانّ النّبوّة المطلقة والرّسالة المطلقة ايضاً ظهور الولاية المطلقة وتحت تربيتها، علمت جواز تفسير الرّبّ بعلىّ (ع) والكلمة بموسى (ع) او برسالته ونبوّتّه {بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} من الاصنام وعبادتها والصّنائع الدّقيقة وآلاتها والابنية الرّفيعة وزخارفها {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} من كروم الجنان والقصور والرّفيعة، وقوله دمّرنا عطف على تمّت او على صبروا، وكون التّدمير سبباً لتماميّة الكلمة لما فيه من الدّلالة على القدرة والرّسالة والعبرة لسالكى الآخرة.

الأعقم

تفسير : {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} وهم بني إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه يذبح الأبناء ويستخدم النساء {مشارق الأرض} مصر والشام ملكها بني اسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتصرفوا كيف شاؤوا في أطرافها ونواحيها الشرقية والغربية {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل} يعني وقعت كلمة الله تعالى وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين وهو قوله تعالى: {أية : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض} تفسير : [القصص: 5] إلى قوله: {أية : منهم ما كانوا يحذرون} تفسير : [القصص: 6] {بما صبروا} يعني بسبب صبرهم على دينهم قال جار الله: وحسبك هذا حاثاً على الصبر ودالاًّ على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله اليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج {ودمرنا} أي أهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} يشيدون من العمارات والقصور {وما كانوا يعرشون} من الجنان وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} قطعنا بهم بأن جعلنا لهم فيه طريقاً يابسة حتى عبروه وغرق فرعون، وروي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد أن أهلك الله فرعون وقومه فصاموا شكراً لله تعالى {فأتوا على قوم} فمروا على قوم {يعكفون على أصنام لهم} يواظبون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل، وقيل: كانت أوثان، وقيل: كان القوم من الكنعانيين {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً} صنماً نعتكف عليه {كما لهم آلهة} أصنام يعكفون عليها {قال} لهم موسى {إنكم قوم تجهلون إنَّ هؤلاء} يعني القوم الذين عبدوا الأصنام {مُتَبَّرٌ} مهلك مدمر {ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} ثم بيَّن تعالى النعم التي فضلهم بها على العالمين فقال سبحانه: {وإذ أنجنياكم} خلصناكم {من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} الآية، قوله تعالى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} يعني مما فعل من النجاة نعمة عليكم عظيمة لربكم، وقيل: ابتلاء عظيم، وقيل: في تخليته إياهم وقوم فرعون محنة عظيمة {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر}، روي أن موسى (عليه السلام) وعد بني اسرائيل وهو بمصر ان أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره الله تعالى بصيام ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتمَّ الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، وقيل: أوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من شهر ذي الحجة، وقيل: أمره الله تعالى بأن يصوم ثلاثين يوماً وان يفعل فيه ما يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزل الله عليه التوراة في العشر من ذي الحجة {فتمّ ميقات ربه} ما وقّت له من الوقت {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} كن خليفتي فيهم {وأصلح} وكن مصلحاً أو أصلح ما نحب أن يصلح من أمور بني إسرائيل.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَوْرَثْنَا القَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} وهم بنو إسرائيل {مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} قال الحسن وغيره: أرض الشام. وقال الكلبي: مقدس فلسطين والأردن. وإنما سكنها أبناء من كان مع موسى، لم يبقَ منهم يومئذٍ إلا يوشع بن نون معه، دخل أبناؤهم. قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى} يعني ظهور قوم موسى على فرعون في تفسير مجاهد {عَلَى بَنِي إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا} أي على دين الله. قوله: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}. قال بعضهم: وما كانوا يبنون. وقال مجاهد: وما كانوا يبنون [من البيوت والمساكن ما بلغت]، قال: وكان عنبهم غير معروش. قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. قال بعضهم: إن هؤلاء مفسَد ما هم فيه. قال بعضهم: بلغنا إنها نزلت بالسريانية. قال الحسن: لما قطعوا البحر خرجوا إلى أرض بيضاء ليس معهم فيها طعام ولا شراب ولا بناء. فظلل الله عليهم الغمام وأنزل الله عليهم المنّ والسلوى. وقال بعضهم: فعل ذلك بهم في تيههم. قال الحسن: فبينما هم كذلك نجاهم الله من البحر ومن آل فرعون، وأغرق فرعون وقومه، وأنزل عليهم المنّ والسلوى وظلل عليهم الغمام. وفيهم نبيهم، وحجرهم معهم، فيه آية عظيمة، إذا استسقوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، لكل سبط عين، قد علم كل أناس مشربهم، لا يخالط بعضهم بعضاً، إذ أتوا على قوم عندهم أوثان يعكفون على أصنام لهم، {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةً}، فارتدّوا كفاراً.

اطفيش

تفسير : {وأوْرثْنا القَوم الَّذينَ كانُوا يُسْتضعَفُون} يطلب ضعفهم ويسعى فيه باستبعادهم، وقتل أبنائهم، فالسين المطلب على أصلها، ويبالغون فى تضعيفهم، فالسين للتأكيد وهم بنو إسرائيل {مَشَارِقَ} مفعول ثان لأورثنا {الأرضِ ومغَاربَها الَّتى} نعت مشارق ومغارب، وقال الفراء: مشارق ومغارب ظرفان ليُستضعفون، والتى مفعول ثان لأورثنا وهو ضعيف {بارَكْنا فِيها} وهى أرض الشام ومصر، ومشارقها ومغاربها نواحيها، ملكوها بعد فرعون والعمالقة. وقال الحسن وقتادة: أرض الشام وهو أولى للوصف بالبركة، فإنها مبارك فيها بالخصب وسعة الرزق، وبالأنبياء الكثيرة، وقيل أرض مصر وعزاه النقاش للحسن، وقالت فرقة: يريد الأرض كلها تجوُّزاً لأنه ملَّكهم بلاداً كثيرة، أو حقيقة لأنه مَلَّك سليمان الأرض كلها وهو منهم، والظاهر غيره، لأن لفظ الآية يعطى أنك ملَّك المستضعفين لا من يأتى بعدهم، وعلى كل قول من هذه الأقوال، فالمراد بالمشارق والمغارب التعميم لا أرض مخصوصة، أو للأرض كلها لا شرقها وغربها فقط، تقول ملكت مشرق هذا الجنان ومغربه، تريد أنك ملكته كله بما ردت الجهتان، وقال الكلبى أراد بالأرض الشام، وبمشارقها فلسطين، ومغاربها الأردن، وأنهم ملكوهما فقط. {وتمَّت} وقعت {كلمةُ ربِّك الحُسْنى} هى ما قضى به فى علمه ووعده من النصر والظفر، كذا يظهر لى، ثم رأيته لمجاهد، وقيل: الوعد بالجنة، وقال المهدوى: ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا الخ، وقيل: عسى ربكم أن يهلك عدوكم الآية، وفى رواية عن أبى عمرو: كلمات بالجمع لتعدد المواعيد، وكذا قرأ عاصم، والحُسنى مؤنث الأحسن فهو دال على التفضيل، كما يدل عليه الأحسن {عَلَى بنى إسْرائيلَ} عبر بعلى دلالة على أن تلك الكلمة غمرتهم وغطتهم نعمتها {بما صَبَروا} ما مصدرية، أى بصبرهم على أذى فرعون وقومه، وقيل: على دين الله. وفى الآية حث على الصبر، ولا أجلب للفرج منه، قال الحسن البصرى: إذا قابل الناس البلاء بمثله، وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج، أتى الله بالفرج وقال أيضا: عجبت ممن خف أى طاش جزعا كيف خف، وقد سمع قول الله تعالى: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا}. وقال أيضا: إن الآية دليل على أنه ينبغي أن لا يخرج على ملوك السوء، وإنما ينبغى أن يصبر عليهم، فإن الله تبارك وتعالى يدمرهم، وأقول: لا دليل فى الآية على ذلك، لأنهم لم يخرجوا عن فرعون لعدم استطاعتهم الخروج عنه، فإنهم عبيد بين يديه، وإنما أثنى الله عليهم بمجرد الصبر. وخلاصة القول فى ذلك عندنا معشر الأباضية: أنه يجوز القعود تحت السلطان الجائر الموحد، ويأمر القاعد بالمعروف، وينهى عن المنكر إن استطاع وإن لم يستطع ذهب عن الموضع الذى فيه المنكر فى حينه، وكذا إن نهى ولم ينتهوا، وإن لم يستطع الذهاب عنه قعد واقتصر على الإنكار فى قلبه إلا المسجد والسوق، فيجوز له القعود فيهما ما دامت له حاجة فيهما، ولو نهى ولم ينتهوا، وقدر على الخروج أو لم يقدر على النهى أصلا، وإن أدى نهيه إلى قتله أو الإضرار به، وفيه منفعة، جاز له النهى والترك، ويجوز أن يخرج عنه مع غيره شراة إن كانوا أربعين، وتقييدى بالأربعين تقليد لمن تقدم لا شرط عندى، كيف لا يجوز الخروج عنه وهو ظالم لنفسه والمؤمنين ودين الله، بل أقول الخروج عنه واجب إن كانت فيه منفعة للإسلام. {ودمَّرنَا ما كَانَ} اسمها ضمير الشأن أو هى زائدة {يصْنَع فِرعَونُ} خبر كان على الأول، وصلة ما على الثانى، أو فرعون اسم كان، وعليه ففى يصنع ضمير فرعون لأنه فى نية التقديم، وإنما جاز تقديم خبرها الفعلى على اسمها لأمن اللبس لاحتياجها إلى الاسم {وقَومُه} أى خربنا ما صنعوا من قصور وعمارات وبناء {وما كانُوا يَعْرشُون} يرفعون من الأعناب والأشجار، أو من الأبنية كمساكن فرعون والصرح الذى يناله هامان وغيرهما مما بالغوا فى رفعه، أو ما كانوا يجعلونه عرشا أى سقفا، وعرش البيت سقفه، وقرأ عاصم فى رواية، وابن عامر، والحسن، وأبو رجاء، ومجاهد: بضم الراء وهو رواية عن أبى بكر وابن كثير، وكذا فى النمل، قال يزيدى: والكسر أفصح، وقرأ ابن أبى عبلة بضم الياء وفتح العين وكسر الراء مشددة للمبالغة، وقرأ بعض الناس يغرسون بالغين المعجمة والسين المهملة من غرس الشجر، قال جار الله: وما أحسبه إلا تصحيفا.

اطفيش

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا} من فرعون أَو العمالقة، وذكر الإِرث إِشارة إِلى الأَخذ بسهولة {القَوْمَ} بنى إِسرائيل {الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} يوجد ضعفاء من فعل الكفرة بهم من الاستبعاد وقتل الأَولاد أَو يفعل بهم ما يفعل بالضعيف الذى لا يرد عن نفسه لضعفه، أَو يحسبون ضعفاءَ وليسوا كذلك عند الله بل أَقوياءَ بالحق الذى عندهم أَو بالسعادة {مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} مفعول ثان لأَورث، والمراد أَرض الشام شرقه وغربه أَى كله، أَو مصر، على أَنهم رجعوا إِليها، أَو فى زمان داود، أو ملكوها بالتصرف فيها وكونها تحت أَيديهم ولو لم يدخلوها، والبركة بالرزق والثمار وكثرة الأَنبياءِ، فإِن أَرضه تنبت الثمار الكثيرة بلا ماء كثير. وليس ماؤه أَكثر من ماءِ غيره، بل ماء غيره أَكثر من ماء مواضع كثير منه، ومياه دمشق كثيرة جداً، وذكر بعض أَنه لم يبعث نبى إِلا من الشام، والنبى صلى الله عليه وسلم أسرى منها، بل بعث من أَرض هى أَفضل من الشام، ليكون كملك رعيته فى غير بلده أَيضا، قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن خوالة الأَزدى "حديث : عليك بالشام فإِنها خيرة الله من أَرضه يجتبى إِليها خيرانه من عباده"تفسير : . وقال: "حديث : يأتى زمان لا يبقى مؤمن إِلا بالشام" تفسير : وقال:"حديث : ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام" تفسير : وسميت بشام بن نوح فإِنه فى السريانية بالشين المعجمة، أَو بقوم من كنعان تشاءَموا إِليها، أَى تياسروا إِليها، أَو لأَن أَرضها شامات بيض وحمر وسود، والتى نعت لمشارق ومغارب، ويضعف كونه نعتا للأَرض للفصل بالعطف، ويجوز أَن تكون الأَرض أَرض مصر أَورثهم الله إِياها بعد فرعون فإِن فيها البركة بالنيل وغيره، ويدل له قوله تعالى "أية : كذلك وأَورثناها بنى إِسرائيل" تفسير : [الشعراء: 59] وقوله {أية : كذلك وأَورثناها قوما آخرين}تفسير : [الدخان: 28] أَو مصر والشام، ولا يصح ما قيل أَرض الدنيا المعمورة لأَنه لم يملكها بنو إِسرائيل كلها، ولا داود ولا سليمان عليهما السلام {وَتَمَّتْ} مضت ونجزت، والموعود كالمعلق والوفاء به تمام وكمال له {كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى} وعده الأَزلى أَو وعده بالمن بالنصر وإِيراثهم وتمكينهم فى الأَرض إِلى آخر ما فى قوله تعالى "أية : عسى ربكم أَن يهلك عدوكم" تفسير : [الأَعراف: 129] الآية، وفى قوله تعالى: "أية : ونريد أَن نمن على الذين" تفسير : [القصص: 5] إِلخ. {عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا} بسبب صبرهم على استعباد فرعون إِياهم وقتل الأَولاد، إِذ لم ينجوا أَنفسهم بالكفر بل بقوا على الإِسلام، ولا ينافى هذا الصبر قولهم تضجرا وتأَسفا {أية : أوذينا من قبل أَن تأتينا}تفسير : [الأَعراف: 129] إِلخ.. لأَن التأَسف لا ينافى الصبر، وإِنما ينافيه السخط للمقدور {وَدَمَّرْنَا} أَبطلنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ} من القصور والعمارات {فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} اسم كان يعود لما، أَو إِلى الشأن، أَو كان زائدة وما مصدرية، وأَجاز بعض كون فرعون اسم كان مع أَن الخبر الفعلى لا يتقدم على المبتدأ حال اللبس، وهنا يلتبس أَن فرعون فاعل يصنع، وسوغه هنا وجود فعلين يستحق كل منهما فاعلا، ويجوز تنازع كان ويصنع فى فرعون {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} يرفعون من الجنات والبناءِ العالى كصرح هامان.

الالوسي

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} بالاستعباد وذبح الأبناء، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرار الاستضعاف وتجدده، والمراد بهم بنو إسرائيل، وذكروا بهذا العنوان إظهاراً لكمال اللطف بهم وعظم الإحسان إليهم حيث رفعوا من حضيض المذلة إلى أوج العزة، ولعل فيه إشارة إلى إن الله سبحانه عند القلوب المنكسرة. ونصب {ٱلْقَوْمَ} على أنه مفعول أول لأورثنا والمفعول الثاني قوله سبحانه: {مَشَـٰرقَ ٱلأَرْض وَمَغَاربَهَا} أي جميع جهاتها ونواحيها، والمراد بها على ما روي عن الحسن وقتادة وزيد بن أسلم أرض الشام، وذكر محي السنة البغوي أنها أرض الشام ومصر، وفي رواية أنها أرض مصر التي كانت بأيدي المستضعفين، وإلى ذلك ذهب الجبائي، ورواه أبو الشيخ عن الليث بن سعد، أي أورثنا المستضعفين أرض مستضعفيهم وملكهم، ومعنى توريثهم إياها على القول بأنهم لم يدخلوها بعد أن خرجوا منها مع موسى عليه السلام إدخالها تحت ملكهم وعدم وجود مانع لهم عن التصرف فيها أو تمكين أولادهم فيها وذلك في زمن داوود وسليمان عليهما السلام، ولا يخفى أنه خلاف المتبادر كما مرت الإشارة إليه. على أن أرض مصر بعد أن فتحت في زمن داود عليه السلام لم يكن لبني إسرائيل تمكن فيها واستقرار وإنما كان ملك وتصرف وكان التمكن في الأرض المقدسة، والسوق على ما قيل يقتضي ذكر ما تمكنوا فيه لا ما ملكوه، وأقول قد يقال: المراد بالأرض هنا وفيما تقدم من قوله سبحانه: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف: 129] الأرض المقدسة التي طلب موسى عليه السلام من فرعون بني إسرائيل ليذهب بهم إليها فإنها موطن آبائهم فيكون موسى عليه السلام قد وعدهم هلاك عدوهم المانع لهم من الذهاب إليها وجعل الله تعالى إياهم خلفاء فيها بعد آبائهم وأسلافهم أو بعد من هي في يده إذ ذاك من العمالقة ثم أخبر سبحانه هنا أن الوعد قد نجز وقد أهلكنا أعداء أولئك الموعودين وأورثناهم الأرض التي منعوهم عنها ومكناهم فيها وفي حصول بغية موسى عليه السلام وما ألطف توريث الأبناء مساكن الآباء. {ٱلَّتي بَـٰرَكْنَا فيهَا} بالخصب وسعة الأرزاق أو بذلك وبكونها مساكن الأنبياء عليهم السلام والصالحين وذلك ظاهر على تقدير أن يراد بمشارق الأرض ومغاربها الشام ونواحيها. فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن أبـي أيوب الأنصاري قال ليهاجرن الرعد والبرق والبركات إلى الشام. / وأخرج ابن عساكر عن ضمرة بن ربيعة قال: سمعت أنه لم يبعث نبـي إلا من الشام فإن لم يكن منها أُسْري به إليها، وأخرج أحمد «حديث : عن عبد الله بن خوالة الأزدي أنه قال: يا رسول الله خر لي بلداً أكون فيه قال عليك بالشام فإنه خيرة الله تعالى من أرضه يجتبـي إليه خيرته من عباده»، تفسير : وأخرج ابن عساكر عن واثلة بن الأسقع قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «حديث : عليكم بالشام فإنها صفوة بلاد الله تعالى يسكنها خيرته من عباده»، وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا لحق بالشام»تفسير : وجاء من حديث أحمد والترمذي والطبراني وابن حبان والحاكم أيضاً وصححه عن زيد بن ثابت «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم قال: طوبى للشام فقيل له: ولم؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» تفسير : والأحاديث في فضل الشام كثيرة وقد جمعها غير واحد إلا أن في الكثير منها مقالاً وسبب الوضع كان قوياً، وهو اسم لأحد الأقاليم العرفية، وفي «القاموس» ((أنها بلاد عن مشأمة القبلة وسميت لذلك، [أو] لأن قوماً من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا أو سُمِّي بسام بن نوح فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود وعلى هذا لا تهمز)) وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي الأغبش وكان قد أدرك أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عما بورك من الشام أين مبلغ حده؟ فقال: أول حدوده عريش مصر والحد الآخر طرف الثنية والحد الآخر الفرات والحد الآخر جعل فيه قبر هود النبـي عليه السلام، وليس المراد بها ما هو متعارف الناس اليوم أعني دمشق نعم هي داخلة فيها، وقد تكلمنا على حدودها بأبسط من هذا في «حواشينا على شرح مختصر السمرقندية» لابن عصام، وقد ولع الناس في دمشق مدحاً وذماً فقال بعضهم:شعر : تجنب دمشق ولا تأتها وإن شاقك الجامع الجامع فسوق الفسوق بها نافق وفجر الفجور بها طالع تفسير : وقال آخر:شعر : دمشق غدت جنة للورى زها وصفا العيش في ظلها وفيها لدى النفس ما تشتهي ولا عيب فيها سوى أهلها تفسير : وقال آخر في الشام ولعله عنى متعارف الناس:شعر : قيل لي ما يقول في الشام حبر شام من بارق الهنا ما شامه قلت ماذا أقول في وصف أرض هي في وجنة المحاسن شامه تفسير : وأنا أقول إذا صح الحديث فهو مذهبـي ونعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى، والموصول صفة المشارق والمغارب، وقيل: صفة الأرض وضعفه أبو البقاء بأن فيه العطف على الموصوف قبل الصفة وهو نظير قولك: قام أم هند وأبوها العاقلة، وجوز أن يكون المفعول الثاني لأورثنا أي الأرض التي فعلى هذا يكون نصب المشارق وما عطف عليه بيستضعفون على معنى يستضعفون فيها وأن يكون المشارق منصوبة بيستضعفون والتي صفة كما في الوجه الأول والمفعول الثاني لأورثنا محذوف أي الأرض أو الملك، ولا يخفى بعده وأن المتبادر هو الأول. {وَتَمَّتْ كَلمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَى عَلَى بَني إسْرَآءيلَ} أي مضت عليهم واستمرت من قولهم: مضى على الأمر إذا استمر، والمراد من الكلمة وعده تعالى لهم بالنصر والتمكين على لسان نبيهم عليه السلام وهو قوله السابق {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 129] الخ، وذهب غير واحد إلى أنه الوعد الذي يؤذن به قوله سبحانه: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ / عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ}تفسير : [القصص: 5]، وقيل: المراد بها علمه تعالى الأزلي، والمعنى مضى واستمر عليهم ما كان مقدراً من إهلاك عدوهم وتوريثهم الأرض، و {ٱلْحُسْنَى} تأنيث الأحسن صفة للكلمة ووصفت بذلك لما فيها من الوعد بما يحبون ويستحسنون، وعن الحسن أنه أريد بالكلمة عدته سبحانه وتعالى لهم بالجنة ولا يخفى أنه يأباه السباق والسياق، والتفت من التكلم إلى الخطاب في قوله سبحانه: {رَبِّكَ} على ما قال الطيبـي لأن ما قبله من القصص كان غير معلوم له صلى الله عليه وسلم. وأما كونه جل شأنه منجزاً لما وعد ومجرياً لما قضى وقدر فهو معلوم له عليه الصلاة والسلام، وذكر في «الكشف» أنه أدمج في هذا الالتفات أنه ستتم كلمة ربك في شأنك أيضاً. وقرأ عاصم في رواية {كلمات} بالجمع لأنها مواعيد، والوصف بالحسنى لتأويله بالجماعة، وقد ذكروا أنه يجوز وصف كل جمع بمفرد مؤنث إلا أن الشائع في مثله التأنيث بالتاء؛ وقد يؤنث بالألف كما في قوله سبحانه: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. {بمَا صَبَرُوا} أي بسبب صبرهم على الشدائد التي كابدوها من فرعون وقومه وحسبك بهذا حاثاً على الصبر ودالاً على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر ضمن الله تعالى له الفرج. وأخرج ابن المنذر وغيره عن الحسن قال: لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله تعالى لم يلبثوا أن يرفع الله تعالى ذلك عنهم ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه ثم تلى هذه الآية، وفي رواية أخرى عنه قال: ما أوتيت بنو إسرائيل ما أوتيت إلا بصبرهم وما فزعت هذه الأمة إلى السيف قط فجاءت بخير. وأقول قد شاهدنا الناس سنة الألف والمائتين والثمان والأربعين قد فزعوا إلى السيف فما أغناهم شيئاً ولا تم لهم مراد ولا حمد منهم أمر، بل وقعوا في حرة رحيله، ووادي خدبات، وأم حبوكر، ورموا لعمر الله بثالثة الأثافي، وقص من جناح عزهم القدامى والخوافى ولم يعلموا أن عيش المضر حلوه مر مقر وأن الفرج إنما يصطاد بشباك الصبر وما أحسن قول الحسن:شعر : عجبت ممن خف كيف خف تفسير : وقد سمع قوله سبحانه وتلا الآية، ويعلم منها أن التحزن لا ينافي الصبر لأن الله سبحانه وصف بني إسرائيل به مع قولهم السابق لموسى عليه السلام {أية : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } تفسير : [الأعراف: 129]. {وَدَمَّرْنَا} أي خربنا وأهلكنا {مَا كَانَ يَصْنَعُ فرْعَوْنَ وَقَوْمُهُ} في أرض مصر من العمارات والقصور أي دمرنا الذي كان هو ويصنعه فرعون على أن {مَا} موصولة واسم {كَانَ} ضمير راجع إليها وجملة {يَصْنَعُ فرْعَوْنَ} من الفعل والفاعل خبر {كَانَ} والجملة صلة الموصول والعائد إليه محذوف، وجوز أن يكون فرعون اسم {كَانَ} و {يَصْنَعُ} خبر مقدم والجملة الكونية صلة {مَا} والعائد محذوف أيضاً. وتعقبه أبو البقاء بأن {يَصْنَعُ} يصلح أن يعمل في {فِرْعَوْنَ} فلا يقدر تأخيره كما لا يقدر تأخير الفعل في قولك: قام زيد وفيه غفلة عن الفرق بين المثال وما نحن فيه وهو مثل الصبح ظاهر وقيل: {مَا} مصدرية و {كَانَ} سيف خطيب والتقدير ما يصنع فرعون الخ، وقيل: كان كما ذكر و {مَا} موصولة اسمية والعائد محذوف والتقدير ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صنعه، والعدول إلى صيغة المضارع على هذين القولين لاستحضار الصورة {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البنيان كصرح هامان، وإلى الأول يشير كلام الحسن وإلى الثاني كلام مجاهد. وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي النحل [68] {أية : يَعْرِشُوَن} تفسير : بضم الراء والباقون بالكسر وهما لغتان فصيحتان والكسر / على ما ذكر اليزيدي وأبو عبيدة أفصح، وقرىء في الشواذ {يغرسون} من غرس الأشجار. وفي «الكشاف» أنها تصحيف وليس به. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ما وجدته لبعض أرباب التأويل من العارفين أن العصا إشارة إلى نفسه التي يتوكأ عليها أي يعتمد في الحركات والأفعال الحيوانية ويهش بها على غنم القوة البهيمية السليمة ورق الملكات الفاضلة والعادات الحميدة من شجرة الفكر وكانت لتقدسها منقادة لأوامره مرتدعة عن أفعالها الحيوانية إلا بإذنه كالعصا وإذا أرسلها عند الاحتجاج على الخصوم صارت كالثعبان تلقف ما يأفكون من الأكاذيب ويظهرون من حبال الشبهات وعصا المغالطات فيغلبهم ويقهرهم. وأن نزع اليد إشارة إلى إظهار القدرة الباهرة الساطعة منها أنوار الحق. وجعل بعضهم فرعون إشارة إلى النفس الأمارة وقومه إشارة إلى صفاتها وكذا السحرة وموسى إشارة إلى الروح وقومه بنو إسرائيل العقل والقلب والسر وعلى هذا القياس. وأول النيسابوري الطوفان بالعلم الكثير والجراد بالواردات والقمل بالإلهامات والضفادع بالخواطر والدم بأصناف المجاهدات والرياضات وهو كما ترى. وقد ذكر غير واحد أن السحر كان غالباً في زمن موسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته ما كانت، والطب ما كان غالباً في زمن عيسى عليه السلام فلهذا كانت معجزته من جنس الطب؛ والفصاحة كانت غالباً في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم والتفاخر بها أشهر من (قفا نبك) فلهذا كانت معجزته القرآن، وإنما كانت معجزة كل نبـي من جنس ما غلب على زمانه ليكون ذلك أدعى إلى إجابة دعواه.

ابن عاشور

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلاَْرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا}. عطف على {أية : فانتقمنا منهم}تفسير : [الأعراف: 136]. والمعنى: فأخذناهم بالعقاب الذي استحقوه وجازيّنا بني إسرائيل بنعمة عظيمة. وتقدم ءانفاً الكلام على معنى {أوْرثنا} عند قوله تعالى: {أية : أوَ لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها}تفسير : [الأعراف: 100] والمراد هنا تمليك بني إسرائيل جميع الأرض المقدسة بعد أهلها من الأمم التي كانت تملكها من الكنعانيين وغيرهم. وقد قيل إن فرعون كان له سلطان على بلاد الشام، ولا حاجة إلى هذا إذ ليس في الآية تعيين الموروث عنه. والقومُ الذين كانوا يُستْضعفون هم بنو إسرائيل كما وقع في الآية الأخرى: {أية : كذلك وأورثناها بني إسرائيل}تفسير : [الشعراء: 59]، وعدل عن تعريفهم بطريق الإضافة إلى تعريفهم بطريق الموصولية لنكتتين: أولاهما: الإيماء إلى علة الخبر، أي أن الله ملَّكهم الأرض وجعلهم أمة حاكمة جزاء لهم على ما صبروا على الاستعباد، غيرة من الله على عبيده. الثانية: التعريض ببشارة المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنهم ستكون لهم عاقبة السلطان كما كانت لبني إسرائيل، جزاء على صبرهم على الأذى في الله، ونذارةُ المشركين بزوال سلطان دينهم. ومعنى يُستضعفون: يستعْبَدون ويهانون، فالسين والتاء للحسبان مثل استنجب، أو للمبالغة كما في استجاب. والمشارق والمغارب جُمع باعتبار تعدد الجهات، لأن الجهة أمر نسبي تتعد بتعدد الأمكنة المفروضة، والمراد بهما إحاطة الأمكنة. و{الأرض} أرض الشام وهي الأرض المقدسة وهي تبتدىء من السواحل الشرقية الشمالية للبحر الأحمر وتنتهي إلى سواحل بحر الروم وهو البحر المتوسط وإلى حدود العراق وحدود بلاد العرب وحدود بلاد الترك. و{التي باركنا فيها} صفة للأرض أو لمشارقها ومَغاربها؛ لأن ما صدقيْهما متحدان، أي قدرنا لها البركة، وقد مضى الكلام على البركة عند قوله تعالى: {لَفَتَحْنا عليهم بركات} في هذه السورة (96). أي أعضناهم عن أرض مصر التي أخرجوا منها أرضاً هي خير من أرض مصر. عطف على جملة: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} الخ... والمقصود من هذا الخبر هو قوله: {بما صبروا} تنويهاً بفضيلة الصبر وحسن عاقبته، وبذلك الاعتبار عطفت هذه الجملة على التي قبلها، وإلاّ فإن كلمة الله الحسنى على بني إسرائيل تشمل إيراثهم الأرض التي بارك الله فيها، فتتنزل من جملة: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} إلى آخرها منزلة التذييل الذي لا يعطف، فكان مقتضى العطف هو قوله {بما صبروا}. وكلمة: هي القول، وهو هنا يُحتمل أن يكون المراد به اللفظ الذي وعد الله بني إسرائيل على لسان موسى في قوله: {أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض}تفسير : [الأعراف: 129] أو على لسان إبراهيم وهي وعد تمليكهم الأرض المقدسة، فتمام الكلمة تحقق وعدها، شُبّه تحققها بالشيء إذا استوفى أجزاءه، ويحتمل أنها كلمة الله في علمه وقدَره وهي أرادة الله إطلاقهم من استعباد القبط وإرادته تمليكهم الأرض المقدسة كقوله: {أية : وكلمته ألقاها إلى مريم}تفسير : [النساء: 171]. وتمام الكلمة بهذا المعنى ظهور تعلقها التنجيزي في الخارج على نحو قول موسى {أية : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم}تفسير : [المائدة: 21] وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وتمت كلمت ربك صدقاً وعدلاً} تفسير : في سورة الأنعام (115). و{الحسنى}: صفة لــــ {كلمة} وهي صفة تشريف كما يقال: الأسماء الحسنى، أي كلمة ربك المنزهة عن الخُلف، ويحتمل أن يكون المراد حسنَها لبني إسرائيل، وإن كانت سيئة على فرعون وقومه، لأن العدل حسَن وإن كان فيه إضرار بالمحكوم عليه. والخطاب في قوله: {ربك} للنبيء صلى الله عليه وسلم أدمح في ذكر القصة إشارة إلى أن الذي حقق نصر موسى وأمته على عدوهم هو ربك فسينصرك وأمتك على عدوكم؛ لأنه ذلك الرب الذي نصر المؤمنين السابقين، وتلك سنتُه وصنعه، وليس في الخطاب التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف المراد من الضمائر. وعدي فعل التمام (بعلى) للإشارة إلى تضمين {تمت} معنى الإنعام، أو معنى حقت. وباء {بما صبروا} للسببية، و(ما) مصدرية أي بصبرهم على الأذى في ذات الإلٰه وفي ذلك تنبيه على فائدة الصبر وأن الصابر صائر إلى النصر وتحقيق الأمل. والتدمير: التخريب الشديد وهو مصدر دمّر الشيء إذا جعله دامراً للتعدية متصرف من الدمار ــــ بفتح الدال ــــ وهو مصدر قاصر، يقال دَمَر القومُ ــــ بفتح الميم ــــ يدمُرون ــــ بضم الميم ــــ دَمارا، إذا هلكوا جميعاً، فهم دامرون. والظاهر أن إطلاق التدمير على إهلاك المصنوع مجازي علاقته الإطلاق لأن الظاهر أن التدمير حقيقته إهلاك الإنسان. و{ما كان يصنع فرعون}: ما شاده من المصانع، وإسناد الصنع إليه مجاز عقلي لأنه الآمر بالصنع، وأما إسناده إلى قوم فرعون فهو على الحقيقة العقلية بالنسبة إلى القوم لا بالنسبة إلى كل فرد على وجه التغليب. و{يَعْرشون} ينشئون من الجنات ذات العرايش. والعريش: ما يُرفع من دوالي الكروم، ويطلق أيضاً على النخلات العديدة تربّى في أصل واحد، ولعل جنات القبط كانت كذلك كما تشهد به بعض الصور المرسومة على هياكلهم نقشاً ودهناً، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} تفسير : في سورة الأنعام (141) وفعله عَرَش من بابي ضرَب ونصَرَ وبالأول قرأ الجمهور، وقرأ بالثاني ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وذلك أن الله خرب ديار فرعون وقومه المذكورين، ودمر جناتهم بما ظلموا بالإهمال، أو بالزلزال، أو على أيديهم جيوش أعدائهم الذين ملكوا مصر بعدهم، ويجوز أن يكون يعرشون} بمعنى يرفعون أي يشيدون من البناء مثل مباني الأهرام والهياكل وهو المناسب لفعل {دمرنا}، شبه البناء المرفوع بالعرش. ويجوز أن يكون يعرشون استعارة لقوة الملك والدولة ويكون دمرنا ترشيحاً للاستعارة. وفعل {كان} في الصلتين دال على أن ذلك دأبُه وهجيرَاه، أي ما عني به من الصنائع والجنات. وصيغة المضارع في الخبرين عن (كان) للدلالة على التجدد والتكرر.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} الآية. لم يبين هنا من هؤلاء القوم، ولكنه صرح في سورة "الشعراء": بأن المراد بهم بنو إسرائيل لقوله في القصة بعينها {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59] الآية، وأشار إلى ذلك هنا بقوله بعده: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} [الأعراف: 137] الآية. قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم، ولكنه بينها في القصص بقوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} تفسير : [القصص: 5-6].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 137- وأعطينا القوم الذين كانوا يستضعفون فى مصر - وهم بنو إسرائيل - جميع الأرض التى حباها اللَّه بالخصب والخير الكثير، فى مشارقها ومغاربها، ونفذت كلمة اللَّه الحسنى تامة، ووعد بالنصر شاملاً لبنى إسرائيل بسبب صبرهم على الشدائد، ودمَّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من الصروح والقصور المشيدة، وما كانوا يعرشونه من السقائف للنبات والشجر المتسلق كعرائش العنب، هذا شأن اللَّه، وصدق وعده الجميل لبنى إسرائيل. 138- وتجاوز بنو أسرائيل البحر بعنايتنا وتأييدنا وتيسير الأمر لهم فلما تجاوزوه مروا على قوم ملازمين لعبادة أصنام لهم، فلما شاهدوا هذه الحالة غلب عليهم ما ألفوا قديما من عبادة المصريين للأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم صنما يعبدونه، كما أن لهؤلاء القوم أصناما يعبدونها فسارع موسى - عليه السلام - موبخا لهم رادعا وقال: إنكم قوم سفهاء لا عقول لكم، لا تعرفون العبادة الحقة، ولا من هو الإله الذى يستحق أن يعبد. 139- إن هؤلاء الذين ترونهم يعبدون الأصنام، هالك ما هم فيه من الدين الباطل، وزائل عملهم لا بقاء له. 140- أأطلب لكم معبوداً غير اللَّه رب العالمين، وهو قد منحكم الفضل فأعطاكم نعما لم يعطها غيركم من أهل زمانكم؟!.

القطان

تفسير : مشارق الارض ومغاربها: جميع نواحيها، والمراد بالأرض بعض بلاد الشام تمت كلمة ربك: مضت، وهي وعدُه اياهم بالنصر. باركنا فيها: بالخصب وسعة الرزق. دمرنا: خربنا وأهلكنا. ما كانوا يعرِشون: ينصبون العرائش من الجنّات، ويشيدون من الأبنية. هذا آخر ما قصّة الله علينا وأخبرنا به من نبأ فرعون وقومه، وتكذيبهم بآيات الله. ثم أبتعه بقصَص بني إسرائيل، وما عاينوه من الآيات العظام مثل: مجاوزتهم البحر، وما أحدثوه بعد إنقاذهم من ظلم فرعون مثل: عبادتهم العجل، وطلبهم ان يروا الله جهرة، وغير ذلك من المعاصي، وذلك ليعلم حال الانسان وانه كما وصفه "ظلوم كفاّر" الا من عَصمه الله، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. وهذا كلّه ليسلّي رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أظهر بنو اسرائيل من العناد. ومع كل ذلك فقد أعطيناهم الأرض التي حباها الله بالخِصب والخير الكثير، في مشارقها ومغاربها. وقد نفذت كلمة الله الحسنى وتمّت أما وعد الله بالنصر شاملا لبني اسرائيل، فكان جزاء صبرهم على الشدائد. وأما تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه من الصروح والقصور المشيدة، وما يقيمون من عُرُوش للنبات والشجر المتسلق فهو جزاء ظلمهم وكفرانهم بالله.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَشَارِقَ} {وَمَغَارِبَهَا} {بَارَكْنَا} {ۤ إِسْرَآئِيلَ} {كَلِمَةُ} (137) - فَأَوْرَثَ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمْ الذِينَ كَانُوا مُسْتَضْعَفِينَ، يَتَحَكَّمُ فِيهِمْ فِرْعَوْنُ بِجَوْرِهِ وَطُغْيَانِهِ) مَشَارِقَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَمَغارِبِهَا، وَهِيَ فِلَسْطِينُ، التِي بَارَكَ اللهُ فِيهَا بِالخَصْبِ وَالخَيْرِ الكَثِيرِ. وَهكَذا نَفَذَتْ كَلِمَة اللهِ الحُسْنَى تَامةً، وَجَازَاهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ، وَدَمَّرَ المَبَانِي، وَخَرَّبَ المَزَارِعَ التِي كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَدْ أَقَامُوها، وَاسْتَصْلَحُوها وَعَرَشُوهَا.

الثعلبي

تفسير : [.......] فأورثهم ذلك بمهلك أهلها من العمالقة والفراعنة. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ} يعني تمت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض. وذلك قوله عز وعلى {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 5] إلى قوله {أية : مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ} تفسير : [القصص: 6]. وقيل: معناه [رحبت] نعمة ربّك الحسنى {عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} يعني أنهم مجزون الحسنى يوم القيامة {بِمَا صَبَرُواْ} على دينهم {وَدَمَّرْنَ} أهلكنا [فدمرنا] {مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} في أرض مصر من المغارات {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ}. قال الحسن: وما كانوا يعرشون من الثمار والأعشاب. وقال مجاهد: يعني يبنون البيوت، والقصور ومساكن وكان [غنيّهم] غير معروش. وقرأ ابن عامر وابن عباس: بضم الراء وهما لغتان فصيحتان عرش يعرش. وقرأ إبراهيم بن أبي علية: يعرشون بالتشديد على الكسرة {وَجَاوَزْنَا} قطعنا {بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} بعد الآيات التي رأوها والعير التي عاينوها. قال الكلبي: عبر بهم موسى يوم عاشوا بعد هلاك فرعون وقومه وصام يومئذ شكراً لله عزّ وجلّ {فَأَتَوْاْ} فمرّوا {عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ} يصلّون، قرأ حمزة والكسائي يعكفون بكسر الكاف والباقون بالضم وهما لغتان {عَلَىٰ أَصْنَامٍ} أوثان {لَّهُمْ} أوثان لهم كانوا يعبدونها من دون الله عزّ وجلّ. قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل [شأن] العجل. قال قتادة: كانوا أُولئك القوم من لخم وكانوا هؤلاء بالرمة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم فقالت بنو إسرائيل له عندما رأوا ذلك {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً} تمثالاً نعبده {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ } موسى {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} عظمة الله ونعمته وحرمته. وروى معمر عن الزهري حديث : عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بشجرة خضراء عظيمة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفّار ذات أنواط. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة والذي نفسي بيده [لتركبنّ سنن] مَنْ كان قبلكم ". تفسير : وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: "حديث : لا تقوم الساعة حتّى تأخذ أُمّتي أخذ الاُمم قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع كما قالت فارس والروم ". تفسير : {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ} مهلك ومفسد ومخسر {مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ} مضمحل زائل {مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ} أطلب وأبغي لكم فحذف حرف الصفة لقوله (واختار موسى قومه) {إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} على أهل زمانكم {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} قرأ أهل المدينة أنجيناكم، وقرأ أهل الشام وإذ أنجاكم وكذلك في مصاحفهم بغير نون. {مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ}. قرأ نافع: (يقتلون) خفيفة من القتل على القليل، وقرأ الباقون التشديد على الكثير من القتل {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي صارت مصر والشام تحت إمرة بني إسرائيل، وهي الأرض التي باركها الله، بالخصب، وبالنماء، بالزروع، بالثمار، بالحيوانات، وبكل شيء من مقومات الحياة، وترف الحياة: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي استمرت عليهم الكلمة وتم وعد الله الصادق بالتمكين لبني إسرائيل في الأرض ونصره إياهم على عدوهم، واكتملت النعمة؛ لأن الله أهلك عدوهم وأورثهم الأرض، وتحققت كلمته سبحانه التي جاءت على لسان موسى: {أية : ...وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] هكذا تمت كلمة الله بقوله سبحانه: {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: 137] ونعلم أن كلمة {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} تقال بالنسبيات؛ فليس هناك مكان اسمه مشرق وآخر اسمه مغرب، لكن هذه اتجاهات نسبية؛ فيقال هذا مشرق بالنسبة لمكان ما، وكذلك يقال له "مغرب" بالنسبة لمكان آخر. وحين ينتقل الإِنسان إلى مكان آخر يوجد مشرق آخر ومغرب آخر. وعلى سبيل المثال نجد من يسكن في الهند واليابان يعلمون أن منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لهم مغرب، ومن يسكنون أوروبا يعرفون أن الشرق الأوسط بالنسبة لهم مشرق. وقلنا من قبل: إن الحق حين جاء "بالمشرق والمغرب" بصيغة الجمع كما هنا فذلك إنما يدل على أن لكل مكان مشرقاً، ولكل مكان مغرباً؛ فإذا غربت الشمس في مكان فهي تشرق في مكان آخر. وفي رمضان نجد الشمس تغرب في القاهرة قبل الإسكندرية بدقائق. ونعلم أن سبب هذه الدورة إنما هو ليبقى ذكر الله بكل مطلوبات الله في كل أوقات الله، مثال ذلك حين نصلى نحن صلاة الفجر نجد أناساً يصلون في اللحظة نفسها صلاة الظهر، ونجد آخرين يصلون صلاة العصر، وقوماً غيرهم يصلون صلاة المغرب، وغيرهم يصلي صلاة العشاء. وبذلك تحقق إرادة الله في أن هناك عبادة في كل وقت وفي كل لحظة، فحين يؤذن مسلم قائلاً "الله أكبر" لينادي لصلاة الفجر، هناك مسلم آخر يقول: "الله أكبر" مناديًّا لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، وهذا هو الاختلاف في المطالع أراد به سبحانه أن يظل اسمه مذكوراً على كل لسان في كل مكان لتعلو "الله أكبر، الله أكبر" في كل مكان. وأنت إذا حسبت الزمن بأقل من الثانية تجد أن كون الله لا يخلو من "لا إله إلا الله" أبداً: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ}. ونعلم أن كلمة "الحسنى" وصف للمؤنث، و"كلمة" مؤنثة، والكلمة هي قوله الحق: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [القصص: 5] لقد قال الحق القصة بإيجاز، وهذه هي التي قالها ربنا وهي كلمة "الحسنى" لأنه سبحانه لم يعط لهم نعمة معاصرة لنعمة العدو، بل نعمة على أنقاض العدو، فهي نعمة تضم إهلاك عدوهم، ثم أعطاهم بعد ذلك أن جعلهم أئمة وهداة وورثهم الأرض: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}. وهم بالفعل قد صبروا على الإِيذاء الذي نالوه وذكره سبحانه من قبل حين قال: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...} تفسير : [البقرة: 49] وجاء عقاب الله لقوم فرعون: {... وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] والتدمير هو أن تدرك شيئاً وتخربه، وقد ظل ما فعله الله بقوم فرعون باقيًّا في الآثار التي تدلك على عظمة ما فعلوا، وتجد العلماء في كل يوم يكتشفون تحت الأرض آثاراً كثيرة. ومن العجيب أن كل كشوف الآثار تكون تحت الأرض، ولا يوجد كشف أثري جاء من فوق الأرض أبداً. وكلمة "دمرنا" تدل على أن الأشياء المدمرة كانت عالية الارتفاع ثم جاءت عوامل التعرية لتغطيها، ويبقى الله شواهد منها لتعطينا نوع ما عمّروا؛ كالأهرام مثلاً. وكل يوم نكتشف آثاراً جديدة موجودة تحت الأرض مثلما اكتشفنا مدينة طيبة في وادي الملوك، وكانت مغطاة بالتراب بفعل عوامل التعرية التي تنقل الرمال من مكان إلى مكان. وأنت إن غبت عن بيتك شهراً ومع أنك تغلق الأبواب والشبابيك قبل السفر؛ ثم تعود فتجد التراب يغطي جميع المنزل والأثاث؛ كل ذلك بفعل عوامل التعرية التي تنفذ من أدق الفتحات، ولذلك لو نظرت إلى القرى القديمة قبل أن تنشأ عمليات الرصف التي تثبت الأرض نجد طرقات القرية التي تقود إلى البيوت ترتفع مع الزمن شيئاً فشيئاً وكل بيت تنزل به قليلاً، وكل فترة يردمون أرضية البيوت لتعلو، وكل ذلك من عوامل التعرية التي تزيد من ارتفاع أرضية الشوارع. وكل آثار الدنيا لا تكتشف إلا بالتنقيب، إذن فكلمة "دمرنا" لها سند. والحق يقول عن أبنية فرعون: {أية : وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ} تفسير : [الفجر: 10] ونجد الهرم مثلاً كشاهد على قوة البناء، وإلى الآن لم يكتشف أحد كيف تم بناء الهرم. وكيف تتماسك صخوره دون مادة كالأسمنت مثلاً، بل يقال: إن بناء الهرم قد تم بأسلوب تفريغ الهواء، ولا أحد يعرف كيف نقل المصريون الصخرة التي على قمة الهرم. إذن فقد كانوا على علم واسع. وإذا ما نظرنا إلى هذا العلم عمارة وآثاراً وتحنيطاً لجثث القدماء، إذا نظرت إلى كل هذا وعلمت أن القائمين به كانوا من الكهنة المنسوبين للدين، لتأكدنا أن أسرار هذه المسائل كلها كانت عند رجال الدين، وأصل الدين من السماء، وإن كان قد حُرِّف. وهذا يؤكد لنا أن الحق هو الذي هدى الناس من أول الخلق إلى واسع العلم. {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137] و"يعرشون" أي يقيمون جنات معروشات، وقلنا من قبل: إن الزروع مرة تكون على سطح الأرض وليس لها ساق ومرة يكون لها ساق، وثالثة يكون لها ساق لينة فيصنعون له عريشة أو كما نسميه نحن التكعيبة لتحمله وتحمل ثمرهُ. وبعد ذلك يقول الحق: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} [الآية: 137]. وهو ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض و ما ورثهم فيها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} [الآية: 137]. يقول: وما كانوا يبنون من البيوت والمساكن ما بلغت، وكان عنبهم غير معروش.

الأندلسي

تفسير : {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ} الآية، لما قال موسى عليه السلام: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 129] كان كما ترجى عليه السلام فأغرق أعداءهم في اليم واستخلف بني إسرائيل في الأرض. و{ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ} هم بنو إسرائيل كان فرعون يستعبدهم ويستخدمهم وفي الكلام حذف مضاف تقديره وأورثنا ذرية القوم لأن القوم المستضعفين لم يعودوا إلى ديار مصر بأعيانهم إذ كانوا جاوزوا البحر وأقاموا بالأرض المقدسة وإنما ورث مصر ذريتهم ومنهم سليمان بن داود. و{مَشَارِقَ} منصوب على أنه مفعول ثان لأورثنا. وجعلت مشارق ومغارب مبالغة في كثرة بركتها. {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ} أي مضت واستمرت من قولهم تم على الأمر إذا مضى عليه. {بِمَا صَبَرُواْ} الباء سببية وما مصدرية أي بصبرهم. {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} أي خربنا قصورهم وأبنيتهم والتدمير الإِهلاك وإخراب الأبنية. {وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} أي يرفعونه من الأبنية المشيدة كصرح هامان وغيره. {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بإِهلاك عدوهم اتبع بالنعمة العظمى من إراءتهم هذه الآية العظيمة وقطعهم البحر مع السلامة والبحر بحر القلزم. ومعنى جاوزنا قطعنا بهم البحر. يقال: جاوز الوادي، إذا قطعه. والباء للتعدية، يقال: جاوز البحر إذا قطعه وجاوز بغيره البحر عبرية، وكأنه قال: وخبرنا ببني إسرائيل أي أجزناهم البحر وفاعل بمعنى فعل المجرد يقال جاوز وجاز بمعنى واحد. {فَأَتَوْاْ} أي مروا. {عَلَىٰ قَوْمٍ} هم من بني لحم وجذام. {يَعْكُفُونَ} أي يقيمون. {عَلَىٰ أَصْنَامٍ} أي على عبادة أصنام. {لَّهُمْ} والأصنام قيل: هي البقر حقيقة، وقيل: تماثيل من حجر وعيدان على صور البقر. {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً} الظاهر أن طلب مثل هذا كفر وارتداد وشقاق وعناد خرجوا في ذلك على عادتهم في تعنتهم على أنبيائهم وطلبهم ما لا ينبغي. وقد تقدم من كلامهم {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] وغير ذلك مما هو كفر، وربما كان القول من بعضهم فنسب إلى جميعهم. {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تعجب موسى عليه السلام من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ووصفهم بالجهل المطلق وأكده بأنّ لأنه لا جهل أعظم من هذه المقالة ولا أشنع وأتى بلفظ تجهلون ولم يقل جهلتم إشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل. {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} الإشارة بهؤلاء إلى العاكفين على عبادة تلك الأصنام ومعنى قبر مهلك مدمّر مكسر وأصله الكسر. قال الزمخشري: وفي إيقاع هؤلاء إسماً لأنّ، وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبر إلهاً واسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرّضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازم ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض لهم ما أحبوا. "انتهى". لا يتعين ما قاله من أنه قدم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبر لأنّ الأحسن في إعراب مثل هذا أن يكون خبر انّ مبتر وما بعده مرفوع على أنه مفعول لم يسم فاعله وكذلك ما كانوا هو فاعل بقوله: وباطل، فيكون إذ ذاك قد أخبر عن اسم انّ بمفرد لا جملة وهو نظير أن زيداً مضروب غلامه فالأحسن في الإِعراب أن يكون غلامه مرفوعاً على أنه مفعول ما لم يسم فاعل ومضروب خبر ان، والوجه الآخر وهو أن يكون مبتدأ ومضروب خبره جائز وهو مرجوح. {قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} ما أحسن ما خاطبهم موسى عليه السلام بدأهم أولاً بنسبتهم إلى الجهل ثم ثانياً أخبرهم بأن عباد الأصنام ليسوا على شىء بل مآل أمرهم إلى الهلاك وبطلان العمل وثالثاً أنكر وتعجب أن يقع هو عليه السلام في أن يبغي لهم غير الله إلهاً، أي أغير المستحق للعبادة والألوهية أطلب لكم معبوداً وهو الذي شرفكم واختصكم بالنعم التي لم يعطها من سلف من الأمم لا غيره فكيف أبغي لكم إلهاً غيره. ومعنى على العالمين، أي على عالمي زمانهم أو بكثرة الأنبياء فيهم. وانتصب غير مفعولاً بأبغيكم أي أبغي لكم غير الله، وإلهاً تمييز عن غير حال أو على الحال، وإلهاً المفعول والتقدير أبغي لكم إلهاً غير الله فكان غير صفة، فلما تقدم انتصب حالاً. وقال ابن عطية: وغير منصوبة بفعل مضمر هذا هو الظاهر، ويحتمل أن ينتصب على الحال. "انتهى". ولا يظهر نصبه بفعل مضمر لأن أبغي مفرّغ له أو لقوله إلهاً فإِن تخيّل انه منصوب بأبغي مضمرة يفسرها هذا الظاهر فلا يصح، لأن الجملة المفسرة لا رابط فيها لا من ضمير ولا من ملابس يربطها بغير فلو كان التركيب أغير الله ابغيمكوه لصح المعنى ويحتمل وهو فضلكم أن يكون حالاً وأن يكون مستأنفاً. {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} الآية، الخطاب لمن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تقريعاً لهم بما فعل أوائلهم وبما جاؤوا به وتقدم تفسير نظير هذه الآية في سورة البقرة فأغنى عن إعادته.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 289 : 11 : 15 - سفين في قوله {وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} قال، الشام. [الآية 137].

همام الصنعاني

تفسير : 929- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}: [الآية: 137]، قال: التي بارك فيها الشام. 930- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز قال: سمعت الحسن يقول: {مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الآية: 137] يقول: مشارق الشام ومغاربها.