Verse. 1092 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَجٰوَزْنَا بِبَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ الْبَحْرَ فَاَتَوْا عَلٰي قَوْمٍ يَّعْكُفُوْنَ عَلٰۗي اَصْنَامٍ لَّہُمْ۝۰ۚ قَالُوْا يٰمُوْسَى اجْعَلْ لَّنَاۗ اِلٰـہًا كَـمَا لَہُمْ اٰلِہَۃٌ۝۰ۭ قَالَ اِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْـہَلُوْنَ۝۱۳۸
Wajawazna bibanee israeela albahra faataw AAala qawmin yaAAkufoona AAala asnamin lahum qaloo ya moosa ijAAal lana ilahan kama lahum alihatun qala innakum qawmun tajhaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاوزنا» عبرنا «ببني إسرائيل البحر فأتوا» فمروا «على قوم يعكُِفون» بضم الكاف وكسرها «على أصنام لهم» على عبادتها «قالوا يا موسى لنا اجعل إلها» صنما نعبده «كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون» حيث قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه.

138

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنواع نعمه على بني إسرائيل بأن أهلك عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم أتبع ذلك بالنعمة العظمى، وهي أن جاوز بهم البحر مع السلامة، ولما بين تعالى في سائر السور كيف سيرهم في البحر مع السلامة، وذلك بأن فلق البحر عند ضرب موسى البحر بالعصا وجعله يبساً بين أن بني إسرائيل لما شاهدوا قوماً يعكفون على عبادة أصنامهم، جهلوا وارتدوا وقالوا: لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولا شك أن القوم لما شاهدوا المعجزات الباهرة التي أظهرها الله تعالى لموسى على فرعون، ثم شاهدوا أنه تعالى أهلك فرعون وجنوده، وخص بني إسرائيل بأنواع السلامة والكرامة ثم إنهم بعد هذه المواقف والمقامات يذكرون هذا الكلام الفاسد الباطل كانوا في نهاية الجهل وغاية الخلاف. أما قوله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ } يقال: جاوز الوادي. إذا قطعه وخلفه وراءه وجاوز بغيره، عبر به وقرىء {جوزنا} بمعنى: أجزنا. يقال: أجاز المكان وجوزه بمعنى: جازه { فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } قال الزجاج: يواظبون عليها ويلازمونها. يقال: لكل من لزم شيئاً وواظب عليه، عكف يعكف ويعكف، ومن هذا قيل لملازم المسجد متعكف. وقال قتادة: كان أولئك القوم من لخم، وكانوا نزولاً بالريف. قال ابن جريج: كانت تلك الأصنام تماثيل بقر وذلك أول بيان قصة العجل. ثم حكى تعالى عنهم أنهم {قَالُواْ يَٰمُوسىٰ ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } واعلم أن من المستحيل أن يقول العاقل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة وخالقاً ومدبراً، لأن الذي يحصل بجعل موسى وتقديره: لا يمكن أن يكون خالقاً للعالم ومدبراً له، ومن شك في ذلك لم يكن كامل العقل والأقرب أنهم طلبوا من موسى عليه السلام أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعبادتها إلى الله تعالى، وهذا القول هو الذي حكاه الله تعالى عن عبدة الأوثان حيث قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَى } تفسير : [الزمر: 3]. إذا عرفت هذا فلقائل أن يقول: لم كان هذا القول كفراً؟ فنقول: أجمع كل الأنبياء عليهم السلام على أن عبادة غير الله تعالى كفر، سواء اعتقد في ذلك الغير كونه إلهاً للعالم، أو اعتقدوا فيه أن عبادته تقربهم إلى الله تعالى لأن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام والإكرام. فإن قيل: فهذا القول صدر من كل بني إسرائيل أو من بعضهم؟ قلنا: بل من بعضهم، لأنه كان مع موسى عليه السلام السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل. ثم إنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه أجابهم فقال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وتقرير هذا الجهل ما ذكر أن العبادة غاية التعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وهي بخلق الجسم والحياة والشهوة والقدرة والعقل، وخلق الأشياء المنتفع بها، والقادر على هذه الأشياء ليس إلا الله تعالى، فوجب أن لا تليق العبادة إلا به. فإن قالوا: إذا كان مرادهم بعبادة تلك الأصنام التقرب بها إلى تعظيم الله تعالى، فما الوجه في قبح هذه العبادة؟ قلنا: فعلى هذا التقدير: لم يتخذوها آلهة أصلاً وإنما جعلوها كالقبلة، وذلك ينافي قولهم {ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } واعلم أن {مَا } في قوله: {كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } يجوز أن تكون مصدرية أي كما ثبت لهم آلهة، ويجوز أن تكون موصولة، وفي قولهم: {لَهُمْ } ضمير يعود إليه، و {ءالِهَةً } بدل من ذلك الضمير تقديره: كالذي هو لهم آلهة. ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال: {إِنَّ هَٰـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } قال الليث: التبار الهلاك. يقال: تبر الشيء يتبر تباراً والتتبير الإهلاك، ومنه قوله تعالى: {تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } ويقال للذهب المنكسر المتفتت: التبر فقوله: {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } أي مهلك مدمر، وقوله: {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قيل: البطلان عدم الشيء، إما بعدم ذاته أو بعدم فائدته ومقصوده، والمراد من بطلان عملهم: أنه لا يعود عليهم من ذلك العمل نفع ولا دفع ضرر، وتحقيق القول في هذا الباب أن المقصود من العبادة أن تصير المواظبة على تلك الأعمال سبباً لاستحكام ذكر الله تعالى في القلب حتى تصير تلك الروح سعيدة بحصول تلك المعرفة فيها. فإذا اشتغل الإنسان بعبادة غير الله تعالى، تعلق قلبه بغير الله ويصير ذلك التعلق سبباً لإعراض القلب عن ذكر الله تعالى؛ وإذا ظهر هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير الله متبر وباطل، وضائع وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، والاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله عن القلب، فكان هذا ضداً للغرض ونقيضاً للمطلوب والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} قرأ حمزة والكِسائيّ بكسر الكاف، والباقون بضمها. يقال: عَكَف يَعْكِف وَيَعْكُف بمعنى أقام على الشيء ولزمه. والمصدر منهما على فُعول. قال قتادة: كان أُولئك القوم من لَخْم، وكانوا نزولاً بالرِّقّة. وقيل: كانت أصنامهم تماثيلَ بقر؛ ولهذا أخرج لهم السامِرِيّ عجلاً. {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} نظيره حديث : قول جُهّال الأعْراب وقد رأُوا شجرة خضراء للكفار تُسَمَّى ذاتَ أنْوَاط يعظّمونها في كل سنة يوماً: يا رسول الله، ٱجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنْوَاط. فقال عليه الصلاة والسلام: «الله أكبر. قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } لتركَبُنّ سنَن مَن قبلكم حَذْوَ القُذّة بالقُذّة حتى إنهم لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلتموه»تفسير : . وكان هذا في مَخْرَجه إلى حُنَين، على ما يأتي بيانه في «براءة» إن شاء الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما قاله جهلة بني إسرائيل لموسى عليه السلام حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا: {فَأَتَوْاْ} أي: فمروا {عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ}. قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين، وقيل: كانوامن لخم. قال ابن جرير: وكانوا يعبدون أصناماً على صور البقر، فلهذا أثار ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك، فقالوا: {يَٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} أي: هالك {وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وروى الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسير هذه الآية من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر، كلهم عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: «حديث : قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} { إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة، فقلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط؛ كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، إنكم تركبون سنن من قبلكم» تفسير : أورده ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَـٰوَزْنَا } عبرنا {بِبَنِى إِسْرٰءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ } فمرّوا {عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ } بضم الكاف وكسرها {عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يقيمون على عبادتها {قَالُواْ يـَٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَٰهًا } صنماً نعبده {كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } حيث قابلتم نعمة الله عليكم بما قلتموه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} في {متبر} ثلاثة أوجه: أحدها: باطل، قاله الكلبي. والثاني: ضلال، حكاه أبو اليسع. والثالث: مهلك، ومنه التبر، الذهب. وفي تسميته بذلك قولان: أحدهما: لأن موسى يهلكه. والثاني: لكسره، وكل إناء مكسور متبّر قاله الزجاج. وقال الضحاك هي كلمة نبطية لما ذكرنا.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَٰءِيلَ ٱلْبَحْرَ }: أي: بَحْرَ القُلْزُم، {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ }، قيل: هم الكَنْعَانِيُّونَ. وقيل: هم مِنْ لَخْم وجُذام، والقَوْمُ فى كلام العرب: هم الرجَالُ خاصَّة {يَعْكُفُونَ }، العُكُوفُ: الملازمة {عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ }، قيل كانت بقراً. وقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: {ٱجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ }، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة؛ بجهلهم؛ فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسَىٰ، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك؛ وعَلىٰ هذا الذي قُلْتُ يقعُ التشابهُ الذي نصَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في « حديث : قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي ٱجْعَلَ لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ؛ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فأنكره النبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَر! قُلْتُمْ واللَّه كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ؛ {ٱجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ.... » تفسير : الحديث، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً، وقال بعضُ الناس؛ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظة «الإِلٰه» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم. قلتُ: وقولهم: { أية : هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ } تفسير : [طه:88]، وجواب موسَىٰ هنا يقوِّي ٱلاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صَدَرَتْ مِنْ أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر، قال الشيخُ الحافظُ أبو القاسِمِ عَبْدُ الرحمٰن بْنُ عبْدِ اللَّهِ الخَثْعَمِيُّ ثم السُّهَيْليُّ ذكر النَّقَّاش في قوله تعالى: {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ }؛ أنهم كانوا مِنْ لَخْمٍ، وكانو يعبُدُون أصناماً عَلىٰ صور البقر، وأنَّ السامِريَّ كان أصله منهم، ولذلك نزع إِلى عبادة العجْلِ. انتهى، واللَّه أعلم، وهذا هو معنىٰ ما تقدَّم من كلام * ع *، وقوله: {إِنَّ هَـؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ }، أي: مُهْلَكٌ، مُدَمَّر، رديءُ العاقبة، والتَّبَار: الهلاكُ، وإِنَا مُتَبَّرٌ، أي: مكسورٌ، وكسارته تِبْرٌ؛ ومنه: تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لأنه كسارة، وقوله: {مَّا هُمْ فِيهِ } يعمُّ جميع أحوالهم و{بَاطَلٌ}: معناه: فاسدٌ ذاهبٌ مضحملٌّ، و{أَبْغِيكُمْ } معناه: أطلبُ. ثم عدَّد عليهم سبحانه في هذه الآية النِّعَمَ التي يجبُ من أجلها أَلاَّ يكفروا به، ولا يَرْغَبُوا في عبادة غيره، فقال: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ...} الآية: و{يَسُومُونَكُمْ } معنا: يحمِّلُونكم، ويكلِّفونكم، ومساوَمَةُ البيع تنظر إِلى هذا؛ فإِنْ كلَّ واحد من المتساوِمَيْن يكلِّف صاحبه إِرادَتُه، ثم فَسَّرَ سوء العذاب بقوله: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ...} الآية.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} كقوله: {أية : فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [البقرة: 50] من كونِ الباء يجوز أنْ تكون للتَّعدية، وأن تكون للحاليَّة، كقوله: [الوافر] شعر : 2565 -.......................... تَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا تفسير : وقد تقدَّم. و "جاوز" بمعنى: جاز، فـ "فاعل" بمعنى "فَعَل". وقرأ الحسنُ، وإبراهيم، وأبو رجاء ويعقوب جَوَّزْنَا بالتِّشْديدِ وهو أيضاً بمعنى "فَعَلَ" المجردِ كـ قَدَرَ وقَدَّر. قوله: يَعْكُفُونَ صفة لـ "قَوْم". وقرأ الأخوان "يَعْكِفُونَ" بكسر الكاف، وتروى عن أبي عمرو أيضاً، والباقون بالضمِّ، وهما لغتان في المضارع كـ "يَعْرشُون". وقد تقدَّم معنى "العكوف" واشتقاقه في البقرة. قال قتادة: كان أولئك القومُ من لَخْم، وكانُوا نُزولاً بالرِّقَّةِ. وقال ابنُ جريج: كانت تلك الأصْنَام تماثيل بقر، وذلك أول شأن قصة العِجْلِ. قال الكلبيُّ:عبر بهم موسى البَحْرَ يومَ عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه، فصاموه شكراً للَّه عزَّ وجلَّ. قوله: {قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً} أي: مثالاً نعبده. ولم يكن ذلك شكًّا من بني إسرائيل في وحدانية اللَّهِ، وإنَّمَا معناه: اجعل لنا شيئاً نعظمه، ونتقرب بتعظيمه إلى اللَّهِ، وظَنُّوا أنَّ ذلك لا يضر الدِّيانة، وكان ذلك لشدَّة جهلهم، لأنَّ العبادة غاية التَّعظيم، فلا تليق إلا بمن يصدر عنه غاية الإنعام، وهو خالقُ الجسمِ، والحياةِ والقدرةِ، والعقلِ، والأشياءِ المنتفع بها. وليس ذلك إلاَّ الله تعالى. فصل واعْلَمْ أنَّ هذا القولَ لم يصدر عن كلّهم، وإنَّما صدرَ من بعضهم؛ لأنَّه كان مع موسى السبعون المُختارون، وفيهم من يرتفعُ عن مثل هذا السُّؤالِ. قوله كمَا لَهُمْ آلِهَةٌ الكافُ في محلِّ نصب صفة لـ "إلهاً"، أي: إلهاً مماثلاً لإلههم. وفي "ما" ثلاثةُ أوجه: أحدها: موصولةٌ حرفية، أي: تتأوَّلُ بمصدرِ، وعلى هذا فصلتُهَا محذوفة، وإذا حُذِفَتْ صلة "ما" المصدريَّة، فلا بدَّ من إبقاء معمولِ صلتها، كقولهم: لا أكلِّمكَ ما أنَّ حِرَاءَ مَكَانَهُ، أي: ما ثَبَتَ أنَّ حِرَاءَ مكانه، وكذا هنا تقديره: كما ثبت لهم آلهة، فـ "آلهة" فاعل "ثبت" المقدر، أي: كما أنَّ "أنَّ" المفتوحةَ في المثالِ المتقدم فاعل "ثبت" المقدر. وقال أبُو البقاءِ - هذا الوجه - ليس بجيد "والجملة بعدها صلةٌ لها، وحسَّن ذلك أنَّ الظرف مقدَّرٌ بالفعل". فصل قال شهابُ الدِّينِ: كلامُهُ على ظاهِره ليس بجيِّد؛ لأنَّ "ما" المصدريةَ لا تُوصَلُ بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي مَنْ يُجَوِّز ذلك، فيشترط فيها غَالِباً أن تُفْهِم الوقت كقوله: [الكامل] شعر : 2566 - وَاصِلْ خِلِيلَكَ ما التَّواصُلُ مُمْكِنٌ فلأنْتَ أوْ هُوَ عَنْ قَرِيبٍ ذَاهِبُ تفسير : ولكنَّ المراد أنَّ الجارَّ مقدَّرُ بالفعل، وحينئذٍ تؤولُ إلى جملةٍ فعليَّة، أي: كما استقرَّ لهم آلهةٌ. الثاني: أن تكون "ما" كافَّةً لكاف التَّشبيه عن العمل، فإنَّهَا حرفُ جر، وهذا كما تُكَفُّ رُبَّ فيليها الجملُ الاسميَّة، والفعليَّة، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوزُ في الكافِ وفي "رُبَّ" مع "ما" الزَّائدة بعدهما وجهان: العَمَلُ والإهمالُ، وعلى ذلك قول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2567 - وَنَنْصُرُ مَوْلاَنَا ونَعْلَمُ أنَّهُ كَمَا النَّاس مَجْرُومٌ عَليْهِ وجَارِمُ تفسير : وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 2568 - رُبَّمَا الجَامِلُ المؤبِّلُ فِيهِمْ وعَنَاجِيحُ بَيْنَهُنَّ المِهَارُ تفسير : وروي برفع "النَّاس، والجامل" وجرِّهما، هذا إذا أمكن الإعمالُ، إمَّا إذَا لم يمكن تَعَيَّنَ أن تكونَ كافَّةً كهذه الآية، إذا قيل: بأن "ما" زائدة. الثالثُ: أن تكون "ما" بمعنى "الذي"، و"لَهُمْ" صلتها، وفيه حينئذٍ ضميرٌ مرفوعٌ مستتر، و "آلهة" بدلٌ من ذلك الضَّمير، والتَّقديرُ: كالذي استقَرَّ هو لهم آلهة. وقال أبُو البقاءِ - في هذا الوجه -: والعَائِدُ محذوفٌ، و "آلهة" بدلٌ منه، تقديره: كالَّذِي هُوَ لهُم وتَسْميتُهُ هذا حَذْفاً تَسَامحٌ، لأنَّ ضمائرَ الرفع إذا كانت فاعلةً لا تُوصف بالحذف، بل بالاستتار. قوله إنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ. هؤلاءِ إشارة لِمَنْ عَكَفُوا على الأصنام، ومُتَبَّرٌ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون خبراً لـ "إنَّ" و "مَا" موصولةٌ بمعنى "الَّذي" وهُمْ فِيهِ جملةٌ اسميةٌ صلةٌ وعائده، وهذا الموصولُ مرفوعٌ باسم المفعول فتكون قد أخْبَرْتَ بمفرد رفعت به سَبَبيًّا. والثاني: أن يكون الموصولُ مبتدأ، ومُتَبَّرٌ خبره قُدِّم عليه، والجملةُ خبرٌ لـ "إنَّ". قال الزخشريُّ: وفي إيقاع "هؤلاء" اسماً لـ "إنَّ"، وتقديمُ خبر المبتدأ من الجملة الواقعةِ خبراً لها وسمٌ لعبدة الأصنام بأنَّهم هم المُعَرَّضُونَ للتَّبَار، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُم ألْبتَّة، وأنَّهُ لهم ضربةُ لازم، ليحذِّرهم عاقبة ما طلبوا، ويبغض إليهم ما أحَبُّوا. قال أبُو حيَّان: "ولا يتعيَّنُ ما قاله من تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لـ "إنَّ"، لأنَّ الأحْسَنَ في إعراب مثل هذا أن يكونُ مُتَبَّرٌ خبراً لـ "إنَّ" وما بعده مرفوعٌ" فذكر ما قرَّرْتُهُ، ونظَّره بقولك: "إنَّ زَيْداً مضروبٌ غلامُهُ". قال: فالأحْسَنُ أن يكون "غلامه" مرفوعاً بـ "مضروب"، ثم ذكر الوجه [الثاني] وهو أن يكون "مُتَبَّرٌ" خبراً مقدماً من الجملة، وجعله مرجوحاً. وهو كما قال، لأنَّ الأصلَ في الأخبارِ أن تكون مفردةً، فما أمكن فيها ذلك لا يُعْدل عنه، إلا أنَّ الزمخشريَّ لم يذكر ذلك على سبيل التَّعيين، بل على أحد الوجهين وقد يكونُ هذا عنده أرجحَ من جهة ما ذكر من المعنى، وإذا دار الأمر بين مُرَجِّح لفظيّ، ومُرَجِّح معنويٍّ فاعتبارُ المعنويِّ أولى، ولا أظُنُّ حَمَلَ الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت. وقوله {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ} كقوله {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} من جواز الوجهين وما ذُكِر فيهما. والتَتْبيرُ: الإهلاكُ، ومنه "التِّبر" وهو كسارة الذَّهب، لتهالك النَّاس عليه. وقيل: التّتبير: التَّكسير، والتَّحطيم. والبطلان قيل: عدم الشَّيءِ إمَّا بعدم ذاته، وإما بعدم فائدته ومقصوده. قوله: "أغَيْرَ اللَّهِ" الهمزةُ للإنكار، والتَّوبيخِ، وفي نَصْبِ غير وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ به لـ "أبْغِيكُمْ" على حذفِ اللاَّمِ، تقديره: أبغي لكم غير اللَّهِ، أي: أطلُبُ لكم فَلَمَّا حذف الحرف، وصل الفعل بنفسه، وهو غيرُ منقاس، وفي إلهاً على هذا وجهان: أظهرهما: أنَّهُ تمييز لـ "غير"، والثاني: أنَّهُ حالٌ، ذكره أبو حيان وفيه نظر. والثاني: من وجهي "غير": أنَّهُ منصوب على الحال من إلهاً وإلهاً هو المفعول به لـ "أبْغِيكُمْ" على ما تقرَّرَ، والأصْلُ: أبغي لكم إلهاً غير اللهِ، فـ "غير اللهِ" صفة لـ: إله، فلمَّا قُدِّمَتْ صفةُ النَّكرةِ عليها نُصِبتْ حالاً. وقال ابنُ عطيَّة: و "غير" منصوبة بفعل مضمر، وهذا هو الظَّاهِرُ، ويجوزُ أن يكون حالاً. وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةَ إليه فإن أرَادَ أنَّهُ على الاشتغال فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ شرطهُ أن يعمل المفسِّر في ضميرِ الأوَّل، أو سببه. قوله: "أبْغِيكُمْ" قال الواحديُّ. يقال: بَغَيْتُ فلاناً شيئاً وبغيتُ له. قال تعالى: {أية : يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ}تفسير : [التوبة: 47] أي: يبغون لكم. والمعنى: أطلبُ لكم غير اللَّه معبوداً. واعلم أنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما قالوا له: {ٱجْعَل لَّنَآ إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} أجابهم بوجوهٍ كثيرة: أوَّلُهَا: حكم عليهم بالجَهْل فقال: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}. وثانيها: قوله: {إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ} أيْ: بِسَبَبِ الخسران والهلاك. وثالثها: قوله: {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي هذا العَمَلُ الشَّاقُّ لا يفيدُهم نفعاً في الدُّنْيَا والدِّينِ. ورابعها: استفهامُهُ منهم على وجه الإنكار والتَّوبيخ، فقال: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي: أن الإله ليس شيئاً يطلب ويتخذ، بل الإله هو الذي يكون قادراً على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة، وجميع النِّعم، وهو المُرَادُ بقوله: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}، فهذا هو الذي يجبُ على الخلق عبادته، فكيفَ يجوزُ العُدُولُ عن عبادته إلى عبادة غيره. قوله: {وَهُوَ فَضَّلَكُمْ} يجوز أنْ يكون في محلِّ نصبٍ على الحالِ، إمَّا من اللَّهِ وإمَّا من المخاطبين، لأنَّ الجملةَ مشتملةٌ على كلٍّ مِنْ ضَميرَيْهِمَا، ويجوزُ ألاّ يكونَ لها محلٌّ، لاستئنافها. وفي هذا التَّفضيل قولان: الأول: أنَّهُ تعالى فضلكم على عالمي زمانِكم، الثاني: أنَّهُ تعالى خَصَّهُمْ بتلك الآياتِ القاهرةِ، ولم يحصل مِثْلُهَا لأحد من العالمين، وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصَال، مثل: رجل تعلم علماً واحداً، وآخر تعلم علوماً كثيرة سوى ذلك العلم، فصاحب العلم الواحدِ يفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك الواحدِ، إلاَّ أنَّ صاحب العلوم الكثيرة يفضل على صاحب العلم الواحد في الحقيقة.

البقاعي

تفسير : ولما انقضى ما أراهم سبحانه من الأفعال الهائلة التي استخلصهم بها من ذلك الجبار، شرع يذكر ما قابلوه به من الجهل به سبحانه وما قابلهم به من الحلم، ثم ما أحل بهم بعد طول المهلة من ضرب الذلة والمسخ بصورة القردة، فقال عاطفاً على قوله {فأغرقناهم في اليم} أو قوله {ثم بعثنا من بعدهم موسى}: {وجاوزنا} أي قطعنا بما لنا من العظمة - وساقه على طريق المفاعلة تعظيماً له، روي أن جوازهم كان يوم عاشوراء، وأن موسى عليه السلام صامه شكراً لله تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوهم {ببني إسرائيل} بعد الآيات التي شاهدوها {البحر} وإنما جعلته معطوفاً على أول القصة لأن هذه القصص كلها بيان لأن في الناس السيىء الجوهر الذي لايغنيه الآيات كما مضى عند قوله: {أية : والبلد الطيب }تفسير : [الأعراف: 58] وبيان قوله {أية : أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } تفسير : [الأعراف: 94] إلى آخرها، ويدل على ذلك - مع ما ابتدئت به القصص - ختمها بقوله{أية : ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } تفسير : [الأعراف: 176] وقوله: { أية : ولقد ذرأنا لجهنم} تفسير : [الأعراف: 179] وحسن موقعها بعد قوله:{ أية : وتمت كلمت ربك الحسنى} تفسير : [الأعراف: 137] لأنه لما قيل {أية : بما صبروا}تفسير : تشوفت النفس إلى فعلهم حال الرخاء هل شكروا؟ فبين أن كثيراً منهم كفروا تصديقاً لقوله {أية : وما وجدنا لأكثرهم من عهد}تفسير : [الأعراف: 102] وما شاكله، وما أحسن تعقيب ذلك - بقوله: {فأتوا} أي مروا- بفاء التعقيب {على قوم} أي ذوي قوة، قيل: كانوا من لخم {يعكفون} أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين {على أصنام لهم} أي لا قوة فيها ولا نفع، فهم في عكوفهم عليها مثل في الغباوة، وقيل: إنها كانت تماثيل بقر، وكان ذلك أول أمر العجل. ولما أخبر سبحانه بذلك، علم السامع أنهم بين أمرين: إما شكر وإما كفر، فتشوف إلى ما كان منهم، فأجاب سبحانه سؤاله بقوله: {قالوا} أي لم يلبث ذكرهم لما أراهم سبحانه من عظمته وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلهاً غيره بقولهم: {يا موسى} سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة اعتماداً على ما عمهم من بره وحلمه غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه {اجعل لنا إلهاً} أي شيئاً نراه ونطوف به تقيداً بالوهم {كما لهم آلهة} وهذا منهم قول من لا يعد الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل - شيئاً، ولا يستحضره بوجه. ولما كان هذا منهم عظيماً، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السلام لهم ما هم بقوله: {قال إنكم قوم} أي ذوو قيام في شهوات النفوس، وقال: {تجهلون*} مضارعاً إشعاراً بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - عليه اللعنة والملام - هذا الاستدلال الوجودي على قوله{أية : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} تفسير : [الأعراف: 102] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود، واستمر سبحانه في هذا الاستدلال إلى آخر السورة، وما أنسب { أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم }تفسير : [الأعراف:172] الآية، لقوله {أية : وما وجدنا لأكثرهم من عهد}تفسير : [الأعراف: 102] وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيراً لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسراءيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم، لأن ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله:{أية : اعبدوا ربكم الذي خلقكم} تفسير : [البقرة: 21] { أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} تفسير : [البقرة: 28] وما شاكله من الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم - والله أعلم. ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم، علل هذا الإنكار بقوله: {إن هؤلاء} أي القوم {متبر ما هم فيه} أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة، وإذا فسد الظرف فسد المظروف، وإليه الإشارة بجعل "هؤلاء" اسماً لإن، وإيلائه خبر الجمله الواقعه خبراً مقدماً على مبتدئه. ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الاخرة - وهو حق، أعملهم بأن هذا الهلاك إنما هو الهلاك عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو في الآخرة لبطلان ما هم فيه، فقال معبراً بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك، وإن رئي بخلافه: {وباطل} أي مضمحل زائل {ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يعملون*} أي مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله، لا وزن لشيء منها أصلاً ولا اعتبار، و - فيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي إلا للباقي الذي لا يجوز عليه التغير، فإذا كان كذلك كان العمل له أيضاً ثابتاً باقياً لا يجوز عليه البطلان، وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة إلى موجب ذلك، وأن كل من كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت عاقبته الدمار. ولما كان هذا استدلالاً على أن مثل هذه الأصنام التي مروا عليها لا تصلح لأن تعبد، كان ذلك غير كاف لهم لما - تقرر من جهلهلم، فربما ظنوا أن غيرها مما سوى الله تجوز عبادته، فكأنه قيل: هذا لا يكفي جواباً لمثل هؤلاء فهل قال لهم غير ذلك؟ فقيل: نعم! {قال} منكراً معجباً {أغير الله} أي الذي له جميع العظمة، فهو المستحق للعبادة {أبغيكم} أي أطلب لكم {إلهاً} فأنكر أن يتأله غيره، وحصر الأمر فيه ثم بينه بقوله: {وهو} أي والحال أنه هو وحده {فضلكم} دون غيركم ممن هو في زمانكم أو قبله {على العالمين*} أي لو لم يكن لوجوب اختصاصهم له بالعبادة سبب سوى اختصاصه لهم بالتفصيل على سائر عباده الذين بلغهم علمهم ممن هو أقوى منهم حالاً وأكثر عدداً وأموالاً لكان كافياً. ولما أثبت أن الإلهية لا تصلح لغيره، وأن غيره لم يكن يقدر على تفضيلهم، وكان المقام للعظمة، وكان كأنه قيل إيذاناً بغلظ أكبادهم وقله فطنتهم وسوء مقابلتهم للمنعم: اذكروا ذلك، أي تفضيله لكم باصطفاء آبائكم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وما تقدم له عندهم وعند أولادهم من النعم لا سيما يوسف عليه السلام الذي حكمه في جميع الأرض التي استذلكم أهلها؛ عطف عليه إشارة إليه قوله التفاتاً إلى مظهر العظمة تذكيراً بعظمة مدخوله: {وإذ} أي واذكروا إذ {أنجيناكم} أي على ما نحن عليه من العظمة التي أنتم لها عارفون، ولها في - كل وقت في تلك الآيات مشاهدون {من آل فرعون} وما أفضنا عليكم بعد الإنجاء من النعم الجسام وأريناكم من الآيات العظام تعرفوا أنا فضلناكم على جميع الأنام، ثم استأنف بيان ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم} أي ينزلون بكم دائماً {سوء العذاب} . ولما كان السياق - كما مضى - لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في قوتهم وجلافتهم، وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع التي أحلها بالماضين، بين سوء العذاب عادلاً في بيانه عن التذبيح - لأنه لا يكون عند الانذباح، وهو في الأصل لمطلق الشق - إلى التعبير بالقتل لأنه أدل على الإماتة وأهز، لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع والنخس والخبط وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال: {يقتلون} أي تقتيلاً كثيراً - {أبناءكم} ودل على حقيقة القتل بقوله: {ويستحيون}. ولما كان المعنى أنهم لا يعرضون للإناث صغاراً ولا كباراً، وكان إنكار ما يكون إبقاء النساء بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار، وكان مظنة العار أكبر - عبر عنهن بقولة: {نساءكم} وتنبيهاً على أن قتل الأبناء إنما هو للخوف من صيرورتهم رجالاً لئلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به كهانهم ملكهم؛ وأشار إلى شدة ذلك بقوله: {وفي ذلكم} أي الأمر الصعب المهول {بلاء} أي اختبار لكم ولهم {من ربكم} أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء، فأنه أخفى عنهم الذي قصدوا القتل لأجله، وأنقذكم به بعد أن رباه عند الذي هو مجتهد في ذبحه {عظيم}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} قال: على لخم . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} قال: هم لخم وجذام . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} قال: تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فلذلك كان أول شأن العجل لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم بعد ذلك . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} قال: يا سبحان الله...! قوم أنجاهم الله من العبودية، وأقطعهم البحر، وأهلك عدوهم، وأراهم الآيات العظام، ثم سألوا الشرك صراحية . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين، فمررنا بسدرة فقلت: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده قال: حديث : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف، ففتح الله له مكة وحنينا، حتى إذا كنا بين حنين والطائف مررنا بشجرةٍ دنوا عظيمة سدرة كان يناط بها السلام فسميت ذات أنواط ، وكانت تُعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها، فقال له رجل يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى عليه وسلم "إنها السنن قلتم. والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل {اجعل لنا آلهاً كما لهم آلهة}" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {متبر} قال: خسران . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {متبر} قال: هالك . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل} قال: المتبر المخسر، وقال المتبر والباطل سواء كله واحد كهيئة غفور رحيم، والعرب تقول: إنه البائس المتبر، وإنه البائس المخسر .

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْبَحْرَ} شروعٌ في قصة بني إسرائيلَ وشرحِ ما أحدثوه من الأمور الشنيعةِ بعد أن أنقذهم الله عز وجل من مَلَكة فرعون ومنّ عليهم من النعم العظامِ الموجبةِ للشكر وأراهم من الآيات الكبارِ ما تخِرّ له شمُّ الجبال تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفُلوا عن محاسبة أنفسِهم ومراقبةِ أحوالِهم. وجاوز بمعنى جاز، وقرىء جوّزنا بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعُدّي بالباء أي قطعنا بهم البحر. روي أنه عبر بهم موسى عليه السلام يوم عاشوراءَ بعد ما أهلك الله تعالى فرعون فصاموه شكراً لله عز وجل {فَاتُواْ} أي مروا {عَلَىٰ قَوْمٍ} قيل: كانوا من لَخْمٍ، وقيل: من العمالقة الكنعانيـين الذين أُمر موسى عليه السلام بقتالهم {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها، وقرىء بكسر الكاف، قال ابن جريج: كانت أصنامُهم تماثيلَ بقرٍ وهو أولُ شأن العجل {قَالُواْ} عندما شاهدوا أحوالَهم {يٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا} مثالاً نعبُده {كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ} الكافُ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لإلٰهاً وما موصولة ولهم صلتها وآلهة بدل من وما والتقدير اجعل لنا إلٰهاً كائناً كالذي استقر هو لهم {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تعجب (عليه السلام) من قولهم هذا إثرَ ما شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزةِ العُظمى فوصفهم بالجهل المطلقِ إذ لا جهل أعظمُ مما ظهر منهم، وأكده بقوله: {إِنَّ هَـؤُلآء} يعني القومَ الذين يعبدون تلك التماثيلَ {مُتَبَّرٌ} أي مُدمّرٌ مكسَّرٌ {مَّا هُمْ فِيهِ} أي من الدين الباطلِ أي يُتبرّ الله تعالى ويهدِم دينَهم الذي هم عليه عن قريب ويحطّم أصنامَهم ويتركها رُضاضاً، وإنما جيء بالجملة الاسميةِ للدلالةِ على التحقق {وَبَـٰطِلٌ} أي مضمحلٌّ بالكلية {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من عبادتها وإن كان قصدُهم بذلك التقريبَ إلى الله تعالى فإنه كفرٌ محضٌ، وليس هذا كما في قوله تعالى: {أية : وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } تفسير : [الفرقان: 23] كما تُوهم فإن المرادَ به أعمالُ البِرِّ التي عمِلوها في الجاهلية فإنها في أنفسها حسناتٌ لو قارنت الإيمانَ لاستتبعت أجورَها وإنما بطَلت لمقارنتها الكفرَ، وفي إيقاع (هؤلاءِ) اسماً لإن وتقديمِ الخبر من الجملة الواقعةِ خبراً لها وسْمٌ لعبدة الأصنامِ بأنهم هم المُعرَّضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتةَ وأنه لهم ضربةُ لازبٍ ليحذّرهم عاقبةَ ما طلبوا ويُبغِضَ إليهم ما أحبوا.

القشيري

تفسير : لم تَخْلُصْ في قلوبهم حقائقُ التوحيد فتاقت نفوسهم إلى عبادة غير الله، حتى قالوا لنبيِّهم موسى - عليه السلام -: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. وكذا صفة من لم يتحرر قلبُه من إثبات الأشغال والأعلال، ومن المساكنة إلى الأشكال والأمثال. ويقال مَنْ ابتغى بالصنم أن يكون معبودَه متى يُتَوَّهم في وصفِه أَنْ يُخلِصَ إلى اللهِ قصودَه؟

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر} فاعل بمعنى فعل يقال جاوز وجاز بمعنى واحد وجاوز الوادى اذا قطعه وجاوز بغيره البحر عبر به فالباء هنا معدية كالهمزة والتشديد فكأنه قال وجزنا ببنى اسرائيل البحر اى اجزناهم البحر وجوزناهم بالفارسية [وبكذرانيديم بنى اسرائيل را از دريا بسلامت] والمراد بحر القلزم واخطأ من قال انه نيل مصر. قال فى القاموس القلزم كقنفذ بلد بين مصر ومكة قرب جبل الطور واليه يضاف بحر القلزم لانه على طرفه او لانه يبتلع من ركبه لان القلزمة الابتلاع -روى- انه عبر بهم موسى عليه السلام يوم عاشوراء فصاموا شكرا لله تعالى {فأتوا} اى مروا {على قوم} كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين امر موسى عليه السلام بقتالهم وقيل كانوا من لخم وهو حى من اليمن ومنهم كانت ملوك العرب فى الجاهلية. وعن الزمخشرى انه قبيلة بمصر {يعكفون على اصنام لهم} اى يواظبون علىعبادتها ويلازمونها. قال فى تاج المصادر العكوف [كرد جيزى در آمدن ودر جايى مقيم شدن] يقال عكفه حبسه وعكف عليه اقبل عليه مواظبا {قالوا} عند ما شاهدوا احوالهم {يا موسى اجعل لنا آلها} مثالا نعبده {كما لهم آلهة} يعبدونها. والكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لآلها وما موصولة ولهم صلتها وآلهة بدل من ما والتقدير اجعل لنا آلها كائنا كالذى استقر هو لهم فالعائد محذوف وكانت اصنامهم تماثيل بقر وهو اول شأن العجل {قال انكم قوم تجهلون} وصفهم بالجهل المطلق حيث لم يذكر المفعول لبعد ما صدر عنهم عن العقل بعد ما شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزة العظمى {ان هؤلاء} يعنى القوم الذين يعبدون تلك التماثيل {متبر} اسم مفعول من باب التفعيل يقال تبره تتبيرا اى كسره واهلكه والمعنى مكسر ومهلك {ما هم فيه} اى من الدين الباطل. يعنى ان الله تعالى يهدم دينهم الذى هم عليه عن قريب ويحطم اصنامهم ويجعلها رضاضا اى فتاتا. قوله ما هم فيه مبتدأ ومتبر خبر له ويجوز ان يكون ما هم فيه فاعل متبر لاعتماده على المسند اليه {وباطل} اى مضمحل بالكلية {ما كانوا يعملون} من عبادتهم وان كان قصدهم بذلك التقرب الى الله تعالى فانه كفر محض {قال} موسى {أغير الله} أغير المستحق للعبادة {أبغيكم} بحذف اللام اى ابغى لكم اى اطلب لكم {آلها} تمييز من غير او حال فانه مفعول ابغى والهمزة فيه للانكار والمنكر هو كون المبغى غيره تعالى {وهو فضلكم على العالمين} اى والحال انه تعالى خصكم بنعم لم يعطها غيركم وهى الآيات القاهرة والمعجزات الباهرة وانما لم يحصل مثلها لاحد من العالمين. قال الحدادى على عالمى زمانكم من القبط وغيرهم بعدما كنتم مستعبدين اذلاء وفيه تنبيه على سوء معاملتهم حيث قابلوا تخصيص الله اياهم من بين امثالهم بما لم يستحقوه تفضلا بان قصدوا الى اخس شيء من مخلوقاته تعالى فجعلوه شريكا له تعالى: قال الحافظ شعر : همايى جون توعالى قدر حرص استخوان تاكى دريغ آن سايه دولت كه برنا اهل افكندى تفسير : فتبا لمن لا يعرف قدره ويعلق همته بما لا ينبغى له شعر : خلق را نيست سيرت بدران همه برسيرت زمانه روند تفسير : ثم ذكر نعمة الانجاء وما يتبعه قال تعالى {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} اى واذكروا يا بنى اسرائيل صنيعة الله معكم فى وقت انجائكم وتخليصكم من ايدى آل فرعون باهلاكهم بالكلية ثم استأنف ببيان ما انجاهم منه فقال {يسومونكم سوء العذاب} اى يبغونكم اشد العذاب وافظعه من سام السلعة اذا طلبها ثم ابدل منه وبين فقال {يقتلون أبناءكم} اى يذبحونهم {ويستحيون نساءكم} اى يستبقونهن للاستخدام {وفى ذلكم} اى الانجاء او سوء العذاب {بلاء} اى نعمة او محنة فان البلاء يطلق على كل واحد منهما قال تعالى {أية : وبلوناهم بالحسنات والسيآت} تفسير : [الأعراف: 168]. {من ربكم} من مالك اموركم فان النعمة والنقمة كلتيهما منه سبحانه وتعالى {عظيم} لا يقادر قدره. تقدم الكلام على الانجاء وفضيلة عاشوراء فى سورة البقرة فليطلب ثمة. والاشارة ان بنى اسرائيل صفات القلب كانت معذبة فى مصر القالب وصفاتها فلما خلصها الله تعالى من بحر الدنيا وفرعون النفس {فأتوا على قوم} اى وصلوا الى صفات الروح {يعكفون على اصنام لهم} من المعانى المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وارادوا العكوف على عتبة عالم الاوراح {قالوا} الموسى الوارد الربانى الذى جاوز بهم فى بحر الدنيا {يا موسى اجعل لنا آلها كمالهم آلهة} يشير الى انه لولا ان فضل الله ورحمته على العبد يثبته على قدم العبودية وصدق الطلب الى ان يبلغه الى المقصد الا على لكان العبد يركن الى كل شيء من حسائس الدنيا فضلا عن نفائس العقبى كقوله تعالى لسيد البشر عليه السلام {أية : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا} تفسير : [الإسراء: 74]. {قال} لهم موسى الوارد الربانى عند ركونهم الى الروحانية {انكم قوم تجهلون} قدر الله وعنايته معكم {ان هؤلاء} يعنى صفات الروح {متبر ما هم فيه} من الركون والعكوف على استجلاء المعانى المعقولة والمعارف الروحانية {وباطل ما كانوا يعملون} فى غير طلب الحق والوصول الى المعارف الربانية {قال أغير الله ابغيكم آلها} اى انزلكم منزلا غير الوصول والوصال {وهو فضلكم على العالمين} من الحيوانات والجن والملك تفضيل العبور من الجسمانيات والروحانيات والوصول الى المعارف والحقائق الآلهيات {واذ انجيناكم من آل فرعون} يعنى من النفس وصفاتها {يسومونكم سوء العذاب} اى سوء عذاب البعد {ويقتلون ابناءكم} اى يبطلون اعمالكم الصالحة التى هى متولدات من صفات القلب بآفة الرياء والعجب النفسانى {ويستحيون نساءكم} يعنى صفات القلب لاستخدام النفس وصفاتها {وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم} يعنى فكان فى استخدام صفات القلب للنفس وصفاتها بان تعمل الصالحات رياء وسمعة لجلب المنافع الدنيوية لحظوظ النفس بلاء عظيم من ربكم فخلصكم منه لئلا تطلبوا غيره ولا تعبدوا سواه فلا تركنوا الى الروحانية والى المعقولات لكى تظفروا بمراتب الوصول ودرجات الوصال كذا فى التأويلات النجمية. وعن بعض الكبار اول وصال العبد الحق هجرانه لنفسه واول هجران الحق العبد مواصلته لنفسه واول درجات القرب محو شواهد النفس واثبات شواهد الحق ومن طلب الدلالة فانها لا غاية لها ومن طلب الله عز وجل وجده باول خطوة يقصده بها: قال الحافظ شعر : غرض زمسجد وميخانه ام مصال شماست جز اين خيال ندارم خدا كواه منست تفسير : قال بعض الصالحين عرضت على الدنيا بزينتها فاعرضت عنها ثم عرضت الاخرى بحورها وقصورها وزينتها فاعرضت عنها فقيل لو اقبلت على الاولى حجبناك عن الاخرى ولو اقبلت على الاخرى حجبناك عنا فها نحن لك وقسمتك فى الدارين تأتيك. وقال احمد بن حضرويه رأيت رب العزة فى المنام فقال لى يا احمد كل الناس يطلبون منى الا ابا يزيد فانه يطلبنى. وقال ابراهيم بن ادهم رأيت جبريل عليه السلام فى المنام وبيده قرطاس فقلت ما تصنع به قال اكتب اسماء المحبين فقلت اكتب تحتهم محب المحبين ابراهيم بن ادهم فنودى يا جبريل اكتبه فى اولهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجاوزنا بِبني إسرائيل} أي: قطعنا بهم {البحرَ}، رُوِي أنهم عبروه يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، فصاموه شكرًا، {فأَتَوا على قوم} أي: مروا على قوم من العمالقة، وقيل: من لخم، {يعكُفُون على أصنام لهم} أي: يقيمون على عبادتها، قيل: كانت تماثيل البقر، وذلك أول شأن عبادة العجل، وهؤلاء القوم، قيل: هم الجبارُون الذين أمر موسى بقتالهم بعد وصوله إلى الشام، ولما رأهم بنو إسرائيل {قالوا يا موسى اجعل لنا إلهًا} أي: مثالاً نعبده {كما لهم آلهة} يعبدونها، {قال} لهم موسى عليه السلام: {إنكم قوم تجهلون}، وَصَفَهُم بالجهل المطلق، وأكده بإن؛ لبُعد ما صدر منهم، بعد ما رأوا من الآيات الكبرى. قال البيضاوي: ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله تعالى عليهم بالنعم الجسام، وآراهم من الآيات العظام، تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرى منهم ويلقى من التشغيب، وإيقاظًا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم. هـ. وذكر في "القوت" أن يهوديًّا قال لعلي رضي الله عنه: كيف اختلفتم وضربتم وجوه بعضكم بالسيف، ونبيكم قريب عهد بكم؟ فقال: أنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة}. هـ. ثم قال لهم موسى رضي الله عنه: {إن هؤلاء مُتَبَّرٌ}: مدمر هالك {ما هُم فيه} يعني: أن الله تعالى يهدم دينهم الذي هم فيه، ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضًا. {وباطلٌ} مضمحل {ما كانوا يعملون} من عبادتها، وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى، وإنما بالغ في هذا الكلام تنفيرًا وتحذيرًا عما طلبوا. {قال أغيرَ اللهِ أبغيكم} أطلب لكم {إلهًا} أي: معبودًا {وهو فضّلكم على العالمين} أي: والحال أنه قد خصكم بنعم لم يُعطها غيركم، وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله لهم بما استحقوه تفضلاً، بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته وأبلدَه، وهو البقر. {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} أي: واذكروا صُنعه معكم في هذا الوقت حيث نجاكم من فرعون ورهطه {يسومُونَكم} أي: يذيقونكم {سوءَ العذاب}، ثم بينَّه بقوله: {يقتلون أبناءَكم} ذكورهم {ويستحيون نساءَكم} أي: بناتكم، {وفي ذلكم بلاءٌ من ربكم عظيم} أي: وفي ذلك القتل امتحان عظيم، أو في ذلك الإنجاء نعمة عظيمة وامتنان عظيم. الإشارة: من جاوز بحر التوحيد وحاد عنه، ولم يغرق فيه، لا يخلو من طلب شرك جلي أو خفي؛ لأن النفس ما دامت لم تغرق في بحر الوحدة، ولم تسبها جمال المعاني، قطعًا تميل إلى شيء من جمال الحس، لأن الروح في أصلها عشاقة، إن لم تعشق جمال الحضرة تعشق جمال الحس، ومن ركن إلى شيء مما سوى الله فهو شرك عند الموحدين من المحققين، ويؤخذ من الآية أن شكر النعم هو تلخيص التوحيد، وانفراد الوجهة إلى الله تعالى؛ لأن بني إسرائيل لمَّا أنعم الله عليهم بالإنجاء وفلق البحر قابلوا ذلك بطلب الشرك، فسقطوا من عين الله واستمر ذلهم إلى يوم القيامة. والله تعالى أعلم. ولما استقر بنو إسرائيل بالشام طلبو من نبيهم نزول الكتاب وتقرير الشرائع، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف يعكفون - بكسر الكاف - الباقون بضمها وهما لغتان، ومثله يفسقون - بكسر السين - والضم، في أمثال ذلك. المجاوزة الاخراج عن الحد يقال: جاوز الوادي جوازاً اذا قطعه وخلَّفه وراءه وتقول: جاز يجوز جوازاً، وأجازه إِجازة، وجاوزه مجاوزة، وتجاوز تجاوزاً، واجتاز اجتيازاً، وتجوَّز تجوزاً، وجوَّزه تجويزاً، واستجاز استجازة. والبحر الواسع العظيم السعة من مستقر الماء مما هو أعظم من كل نهر، وأصله السعة، ومنه البحيرة التي يبحر أذنها أي توسع شقتها، وتبحر في العلم: اذا اتسع فيه، وقوي تصرفه به. أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه حين أجاز قوم موسى وقطع بهم البحر وأنجاهم من العدو وأغرق عدوهم فرعون وقومه، وأنهم بلغوا الى قوم عاكفين على أصنام لهم - ومعنى (العكوف) اللزوم للامر بالاقبال عليه والمراعاة له تقول: عكف عكوفاً واعتكف اعتكافاً، ومنه الاعتكاف لزوم المسجد للعبادة فيه، وعكف عليه أي واظب عليه - وأنه لمَّا رأى قوم موسى أولئك العاكفين على أصنامهم والملازمين لها دعاهم جبلتهم الى التشبيه بعبادة الأوثان، لما في طبع الانسان من الحكاية - أن قالوا لموسى: اجعل لنا إِلهاً كما لهم آلهة. وفي طبع كل حيوان الحكاية، وأقوى الحيوان طبعاً في الحكاية القرد، وله حكايات عجيبة، وهذا الطلب منهم يدل على جهل عظيم من بني اسرائيل بعد ما رأوا الآيات التي توالت على فرعون وقومه حتى غرَّقهم الله فى البحر بكفرهم بعد ما نجَّا بني اسرائيل، فلم يردعهم ذلك عن أن قالوا لموسى (ع) {اجعل لنا إِلهاً كما لهم آلهة} وتوهمهم أنه يجوز عبادة غير الله، وإِن اعتقدوا أنه لا يشبه الاشياء ولا تشبهه، ولا يدل طلبهم ذلك على أنهم مشبهة، لما قلناه. وقوله تعالى {إِنكم قوم تجهلون} حكاية عما أجابهم به موسى (ع) فقال لهم: إِنكم قوم تجهلون مَن المستحق للعبادة وما الذي يجوز أن يتقرب به الى الله تعالى، ويحتمل أن يكون أراد تجهلون من صفات الله ما يجوز عليه وما لا يجوز.

الجنابذي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} بعد مهلك فرعون وايراث الارض لدعوة العمالقة وقتالهم {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} اى على عبادتها {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} بيان لسفاهة رأيهم وانّهم لمّا استراحوا من فرعون وقومه تركوا الانقياد واظهروا الاستبداد لغاية حمقهم وجهلم {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ذمّهم اوّلاً على استبدادهم لجهلهم ثمّ بيّن لهم فساد عمل القوم وبطلانه فقال {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ}

اطفيش

تفسير : {وَجاوَزْنا} قطعنا {بِبنِى} هذه الباء هى المعاقبة لهمزة التعدية {إسْرائيلَ} هو يعقوب، وقرئ وجوزنا بتشديد المبالغة، وقيل: هو موافق لجاوزنا، وبالتشديد قرأ الحسن، ويجوز أن يكون التشديد للتعدية لاثنين، فالباء زائدة فى المعمول الأول {البَحْر} بحر القلزم على الصحيح، جاوزوه عرضا على المشهور، وقيل طولا من ضفة إلى موضع آخر من تلك الضفة بقدر ما يكفى فرعون وقومه، وذلك بوحى من الله، يضرب البحر بعصاه فسلكوا حيث كانت الطرق بالضرب، والظاهر أن ضربه على العرض أو الطول بالوحى أيضا، وأجاز بعضهم أن يكون باجتهاد موسى أن يكون فى الموضع الذى لم يضرب عليه من عرض أو طول أو عار. وقيل: بحر النيل، قال بعض: وهو خطأ، قيل قطع بهم البحر يوم عاشوراء، وأغرق عدوهم فصلوا بقيته شكرا لله، وإن كان القطع ليلا فهم أصبحوا صائمين له، وبالأول قال الكلبى، وعن الحسن: لما جاوزوا البحر خرجوا إلى أرض بيضاء ليس معهم فيها طعام ولا شراب ولا بناء، فظلل الله عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى. {فأتْوا} مرُّوا {عَلى قوم} من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وكانوا على ساحل البحر، وقيل: من الكنعانيين الذين أمر بقتالهم، وبه قال قتادة، وقال أبو عمران، الجونى: من لخم وجذام، وقيل: من لخم، ومنهم كانت ملوك العرب فى الجاهلية، ويأتى كلام فى لفظ قوم فى الحجرات إن شاء الله. {يعْكُفُون} يقيمون ويواظبون، وقرأ حمزة والكسائى بكسر الكاف، وكذا أبو عمرو فى رواية عبد الوارث، وقرأ ابن أبى عبلة بضم الياء وفتح العين وتشديد الكاف مكسورة، وذلك مبالغة {عَلَى} عبادة {أصْنامٍ} وقوله: {لَهم} نعت أصنام، وكانت على صور البقر فيما قال ابن جريج، وذلك أول شأن العجل، وكانت من حجر وعيدان وغيرها، وقيل: كانت بقرا حقيقة يعبدونها. {قالُوا يا مُوسَى اجْعَل لَنا إلهاً} نعكف على عبادته تقربا به إلى الله، ظنوا أن هذا لا يضر الديانة، فأرادوا - لما استحسنوا ذلك من القوم - أن يكون فى شرع موسى ولم يكن ذلك شكا من بنى إسرائيل فى وحدانية الله تعالى، وقيل: قصدوا بذلك الكفر، ويبعد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا إلهاً نفرده بالعبادة ونكفر بربك، وذلك نص فى غباوة وجهالة بنى إسرائيل، إذ توهموا أنه تجوز عبادة غير الله مع ما رأوا من الآيات الدالة على الوحدانية، وهذه حال الإنسان أنه: ظلوم كفَّار، جهول، كنود، إلا من عصم، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما رأى من بنى إسرائيل بالمدينة. وقال يهودى لعلى بن أبى طالب: ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم إلا خمس عشرة سنة حتى تقاتلهم؟ فقال على، ولله دره مجيبا: ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؟ وقيل: قال اليهودى اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه؟ فقال على: ما اختلفنا فيه، ولكن اختلفنا عنه، وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم اجعل لنا إلهاً. {كما لَهم آلهةٌ} ما مصدرية عند مجيز دخولها على الجملة الاسمية مطلقا أو كافة وهو أولى {قالَ إنَّكم قومٌ تَجْهلونَ} عظمة الله، وأنه مخصوص بالعبادة، لأنه خالق الآيات والنعم التى رأيتم، أو من عادتكم الجهل المتكرر العام حيث قلتم ذلك إثر آيات عظام شاهدتموها، وهذا عجيب، فإن جعل الصنم لو كان فى نفسه جائزا لمن يقربا لله لتطرق إليه التحريم من حيث إنه يجر إلى إفراد الأصنام بالعبادة، كيف وهو فى نفسه إشراك بالله، "حديث : ومر أبو واقد الليثى فى خروجهم إلى غزوة حنين على سدرة عظيمة خضراء، فقال: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، شجرة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم، ولها يوم يجتمعون إليها فيه، وأنكر عليه ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه ذريعة إلى عبادة الشجرة وقال: "الله أكبر قلتم والله كما قال بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة والذى نفسى بيده لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" تفسير : ولم يقصد أبو واقد بذلك فساداً.

اطفيش

تفسير : {وَجَاوَزْنَا} موافق للمجرد أَى وجزنا، فالباء للتعدية فى قوله. {بِبَنِى إِسْرَائِيلَ} أَى أَجزناهم، والثانى قوله {الْبَحْرَ} أَى صيرناهم جائزين بحر القلزم على الصحيح، أَو النيل، وهو خطأ، وعلى كل حال دخلوا من أَرض كنعان ورجعوا فيها بطرق مقوسة، وإِلا فعرض القلزم بعيد جدا، وبعضه الأَعلى متصل بالمحيط، والنيل لو دخلوا غربيه لاحتاجوا إِلى سفن يرجعون بها إِلى شرقه {فَأَتَوْا} مروا {عَلَى قَوْمٍ} هم العمالقة الذين أَمر الله موسى عليه السلام بعد ذلك بقتالهم، أَو هم لخم، قوم من العرب باليمن، وقيل بمصر. {يَعْكُفُونَ} يقيمون بالعبادة {عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} أَو يعكفون على عبادة أَصنام لهم، وهى بقر أَو صورها من نحاس أَو حجارة على صورتها، وأَصل عجل السامرى من ذلك. {قَالُوا} أَى بنو إِسرائيل المجاوز بهم البحر {يَا مُوسَى اجْعلْ لَنَا إِلهَا} نذكر الله به ونعبده به، وهذه ردة معنوية، إِذ علموا أَن إِلههم هو الله عز وجل، وذلك لشدة جهلهم، وقسوة قلوبهم، حتى ظنوا أّن ذلك لا يقدح فى دينهم. أَو اجعل لنا إِلها نعبده دون الله، أَو مع الله سبحانه، وهذه ردة معنوية لأَنهم يذكرون الله، والظاهر أَنها صريحة كأَهل الكتاب العابدين لغير الله بعدهم، ولشدة جهلهم ظنوا أَن عبادة غير الله تعالى لا تضر إِذا كانت تقربا إِليه أَو مع معرفته، ولم يقولوا كلهم اجعل لنا إِلها لبعد ذلك عن السبعين الذين اختارهم للميقات، قلت: إِن بعدت عنهم الردة الصريحة لم تبعد المعنوية، فقد قيل: هم القائلون: {أية : أَرنا الله جهرة}تفسير : [النساء: 153] {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} يعبدونها، وما كافة أَو مصدرية فى قول جواز دخولها على الجملة الاسمية، أَى إِلها ثابتا لهم كثبوت آلهة لهم، أَو اسم أَى كالفريق الذى هو لهم آلهة، أَو كفريق هو لهم آلهة، وحذف صدر الصلة لطولها، ويصح على ضعف أَن آلهة بدل من المستتر فى لهم، ولهم صلة أَو صفة، وروى أَن الصحابة مروا بذات أَنواط بعد فتح مكة وحنين فقال بعضهم: يا رسول الله اجعل لنا ذات أَنواط كما لهم ذات أَنواط، وهى شجرة يعلق بها المشركون سلاحهم، وربما عبدوها، والصحابى لا يريد عبادة شجرة، لكن يريد تعليق السلاح فقط، فقال: حديث : الله أَكبر، هذا كما قال قوم موسى له "اجعل لنا إِلها كما لهم آلهة" لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه، أَو ركبوا متن ضباة لركبتموها تفسير : ومال إِلى شجرة أَدنى منها واستظل تحتها، {قَالَ} موسى {إِنَّكُمْ قَوْمٌ} ذكر لفظ القوم إِيضاحا لكونهم جماعة معلومة مخصوصة موسومة بما يذمهم به من الجهل {تَجْهَلُونَ} تعتادون الجهل حتى جعلتم الإِشراك بالله بدلا من شكره وزيادة عبادته على إِنجائكم من آل فرعون وقومه وإِهلاكهم، ولكون تجهلون بمعنى تعتادون الجهل كان لازما، ولا يحسن أَن يقال هو متعد حذف مفعوله للعموم لأَنهم لا يجهلون كل شئ، وليس المقام لأَن يقال: جهلوا كل شئٍ، إِلا أَن يراد بالعموم كثرة جهلهم، وحاصله أَنكم جاهلون بحقيقة الأُلوهية أَو الجهل مطلق السفه الشامل لذلك.

الالوسي

تفسير : {وَجَاوَزْنَا ببَني إسْرَائيلَ ٱلْبَحْرَ} شروع بعد انتهاء قصة فرعون في قصة بني إسرائيل وشرح ما أحدثوه بعد أن منَّ الله تعالى عليهم بما مَنَّ وأراهم من الآيات ما أراهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما رآه من اليهود بالمدينة فإنهم جروا معه على دأب أسلافهم مع أخيه موسى عليه السلام وإيقاظاً للمؤمنين أن لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة نعم الله تعالى عليهم فإن بني إسرائيل وقعوا فيما وقعا لغفلتهم عما منَّ الله تعالى به عليهم، وجاوز بمعنى جاز وقرىء {جوزنا} بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعدى بالباء أي قطعنا بهم البحر، والمراد بالبحر بحر القلزم. وفي «مجمع البيان» أنه نيل مصر وهو كما في «البحر» خطأ، وعن الكلبـي أن موسى عليه السلام عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً لله تعالى {فَأَتَوْا} أي مروا بعد المجاوزة. {عَلَى قَوْم} قال قتادة: كانوا من لخم اسم قبيلة ينسبون كما صححه ابن عبد البر إلى لخم بن عدي بن عمرو بن سبا، وقيل: كانوا من العمالقة الكنعانيين الذين أمر موسى عليه السلام بقتالهم. {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَام لَهُمْ} أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها، وكانت كما أخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جريج تماثيل بقر من نحاس، وهو أول شأن العجل، وقيل: كانت من حجارة، وقيل: كان بقراً حقيقة وقرأ حمزة والكسائي {يعكفون} بكسر الكاف. {قَالُوا} عندما شاهدوا ذلك {يَا مُوسَى ٱجْعَلْ لَنَا إلَٰهاً} مثالاً نعبده {كَمَا لَهُمْ ءَالهَةٌ} الكاف متعلقة بمحذوف وقع صفة لإلهاً وما موصولة و {لَهُمْ} صلتها و {ءَالهَةٌ} بدل من الضمير المستتر فيه، والتقدير اجعل لنا إلۤهاً كائناً كالذي استقر هو لهم. وجوز أبو البقاء أن تكون ما كافة للكاف، ولذا وقع بعدها الجملة الإسمية وأن تكون مصدرية، / و{لَهُمْ} متعلق بفعل أي كما ثبت لهم {قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} تعجب عليه السلام من قولهم هذا بعدما شاهدوه من الآية الكبرى والبينة العظمى فوصفهم بالجهل على أتم وجه حيث لم يذكر له متعلقاً ومفعولاً لتنزيله منزلة اللازم أو لأن حذفه يدل على عمومه أي تجهلون كل شيء فيدخل فيه الجهل بالربوبية بالطريق الأولى، وأكد ذلك بإن، وتوسيط {قَوْمٍ} وجعل ما هو المقصود بالإخبار وصفاً له ليكون كما قال العلامة كالمتحقق المعلوم وهذه كما ذكر الشهاب نكتة سرية في الخبر الموطىء لادعاء أن الخبر لظهور أمره وقيام الدليل عليه كأنه معلوم متحقق فيفيد تأكيده وتقريره ولولاه لم يكن لتوسيط الموصوف وجه من البلاغة.

سيد قطب

تفسير : في هذا الدرس تمضي قصة موسى - عليه السلام - في حلقة أخرى.. مع قومه بني إسرائيل؛ بعد إذ أنجاهم الله من عدوهم؛ وأغرق فرعون وملأه؛ ودمر ما كانوا يصنعون وما كانوا يعرشون.. إن موسى - عليه السلام - لا يواجه اليوم طاغوت فرعون وملئه؛ فقد انتهت المعركة مع الطاغوت.. ولكنه يواجه معركة أخرى - لعلها أشد وأقسى وأطول أمداً - إنه يواجه المعركة مع "النفس البشرية!" يواجهها مع رواسب الجاهلية في هذه النفس؛ ويواجهها مع رواسب الذل الذي أفسد طبيعة بني إسرائيل؛ وملأها بالالتواء من ناحية؛ وبالقسوة من ناحية؛ وبالجبن من ناحية؛ وبالضعف عن حمل التبعات من ناحية. وتركها مهلهلة بين هذه النزعات جميعاً.. فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلاً؛ ومن الحياة في ظل الإرهاب والخوف والتخفي والالتواء لتفادي الأخطار والعذاب، والحركة في الظلام، مع الذعر الدائم والتوقع الدائم للبلاء! ولقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلاً؛ عاشوا في ظل الإرهاب؛ وفي ظل الوثنية الفرعونية كذلك. عاشوا يقتل فرعون أبناءهم ويستحيي نسائهم. فإذا فتر هذا النوع البشع من الإرهاب الوحشي، عاشوا حياة الذل والسخرة والمطاردة على كل حال. وفسدت نفوسهم؛ وفسدت طبيعتهم؛ والتوت فطرتهم؛ وانحرفت تصوراتهم؛ وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب، وبالحقد والقسوة من الجانب الآخر.. وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية حيثما تعرضت طويلاً للإرهاب والطغيان. لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينظر بنور الله، فيرى حقيقة تركيب النفس البشرية وطبيعتها؛ وهو يقول لعماله على الأمصار موصياً لهم بالناس: "ولا تضربوا أبشارهم فتذلوهم".. كان يعلم أن ضرب البشرة يذل الناس. وكان الإسلام في قلبه يريد منه ألا يذل الناس في حكومة الإسلام وفي مملكة الله. فالناس في مملكة الله أعزاء، ويجب أن يكونوا أعزاء؛ وألا يضربهم الحكام فيذلوهم، لأنهم ليسوا عبيداً للحكام.. إنما هم عبيد لله أعزاء على غير الله.. ولقد ضربت أبشار بني إسرائل في طاغوت الفرعونية حتى ذلوا. بل كان ضرب الأبشار هو أخف ما يتعرضون له من الأذى في فترات الرخاء! ولقد ضربت أبشار المصريين كذلك حتى ذلوا هم الآخرون واستخفهم فرعون! ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الفرعوني؛ ثم ضربت أبشارهم في عهود الطاغوت الروماني.. ولم يستنقذهم من هذا الذل إلا الإسلام، يوم جاءهم بالحرية فأطلقهم من العبودية للبشر بالعبودية لرب البشر.. فلما أن ضرب ابن عمرو بن العاص - فاتح مصر وحاكمها المسلم - ظهر ابن قبطي من أهل مصر - لعل سياط الرومان كانت آثارها على ظهره ما تزال - غضب القبطي لسوط واحد يصيب ابنه - من ابن فاتح مصر وحاكمها - وسافر شهراً على ظهر ناقة، ليشكو إلى عمر بن الخطاب - الخليفة المسلم - هذا السوط الواحد الذي نال ابنه! - وكان هو يصبر على السياط منذ سنوات قلائل في عهد الرومان - وكانت هذه هي معجزة البعث الإسلامي لنفوس الأقباط في مصر، وللنفوس في كل مكان - حتى لمن لم يعتنقوا الإسلام - كانت هذه هي معجزة هذا البعث الذي يستنقذ الأرواح من ركام آلاف السنين من الذل القديم، فتنتفض هكذا انتفاضة الكرامة التي أطلقها الإسلام في أرواحهم؛ وما كان غير الإسلام ليطلقها في مثل هذه الأرواح. عملية استصلاح نفوس بني إسرائيل من ذل الطاغوت الفرعوني هي التي سيواجهها موسى عليه السلام في هذه الحلقة - بعد خروجه ببني إسرائيل من مصر وتجاوزه بهم البحر - وسنرى من خلال القصص القرآني هذه النفوس، وهي تواجه الحرية بكل رواسب الذل؛ وتواجه الرسالة بكل رواسب الجاهلية؛ وتواجه موسى - عليه السلام - بكل الالتواءات والانحرافات والانحلالات والجهالات التي ترسبت فيها على الزمن الطويل! وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلاً، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلاً، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره! وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة، يواجه نفوساً طال عليها الأمد، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها، ثم طال عليها الأمد، فبهتت صورتها، وعادت شكلاً لا روح فيه؟ إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف. ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك.. يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة! ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة، في هذه الصورة المفصلة المكررة. لترى فيها هذه التجربة. كما قلنا من قبل. ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل. {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم. قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء مُتَبَّرٌما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال: أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين؟ وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب: يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. إنه المشهد السابع في القصة - مشهد بني إسرائيل بعد تجاوز البحر - ونحن فيه وجهاً لوجه أمام طبيعة القوم المنحرفة المستعصية على التقويم؛ بما ترسب فيها من ذلك التاريخ القديم.. إن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون الخسف في ظل الوثنية الجاهلية عند فرعون وملئه؛ ومنذ أن أنقذهم نبيهم وزعيمهم موسى - عليه السلام - باسم الله الواحد - رب العالمين- الذي أهلك عدوهم؛ وشق لهم البحر؛ وأنجاهم من العذاب الوحشي الفظيع الذي كانوا يسامون.. إنهم خارجون للتو واللحظة من مصر ووثنيتها؛ ولكن ها هم أولاء ما إن يجاوزوا البحر حتى تقع أبصارهم على قوم وثنيين، عاكفين على أصنام لهم، مستغرقين في طقوسهم الوثنية؛ وإذا هم يطلبون إلى موسى - رسول رب العالمين - الذي أخرجهم من مصر باسم الإسلام والتوحيد، أن يتخذ لهم وثناً يعبدونه من جديد! {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}! إنها العدوى تصيب الأرواح كما تصيب الأجسام! ولكنها لا تصيبها حتى يكون لديها الاستعداد والتهيؤ والقابلية. وطبيعة بني إسرائيل - كما عرضها القرآن الكريم عرضاً صادقاً دقيقاً أميناً في شتى المناسبات - طبيعة مخلخلة العزيمة، ضعيفة الروح، ما تكاد تهتدي حتى تضل، وما تكاد ترتفع حتى تنحط، وما تكاد تمضي في الطريق المستقيم حتى ترتكس وتنتكس.. ذلك إلى غلظ في الكبد، وتصلب عن الحق، وقساوة في الحس والشعور! وها هم أولاء على طبيعتهم تلك، ها هم أولاء ما يكادون يمرون بقوم يعكفون على أصنام لهم حتى ينسوا تعليم أكثر من عشرين عاماً منذ أن جاءهم موسى - عليه السلام - بالتوحيد - فقد ذكرت بعض الروايات أنه أمضى في مصر ثلاثة وعشرين عاماً منذ أن واجه فرعون وملأه برسالته إلى يوم الخروج من مصر مجتازاً ببني إسرائيل البحر - بل حتى ينسوا معجزة اللحظة التي أنقذتهم من فرعون وملئه وأهلكت هؤلاء أجمعين! وهؤلاء كانوا وثنيين، وباسم هذه الوثنية استذلوهم - حتى إن الملأ من قوم فرعون ليهيجونه على موسى ومن معه بقولهم: {أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟}.. ينسون هذا كله ليطلبوا إلى نبيهم: رسول رب العالمين أن يتخذ لهم بنفسه.. آلهة؟ ولو أنهم هم اتخذوا لهم آلهة لكان الأمر أقل غرابة من أن يطلبوا إلى رسول رب العالمين أن يتخذ لهم آلهة.. ولكنما هي إسرائيل!.. ويغضب موسى - عليه السلام - غضبة رسول رب العالمين، لرب العالمين - يغضب لربه - سبحانه - ويغار على ألوهيته أن يشرك بها قومه! فيقول قولته التي تليق بهذا الطلب العجيب: {قال: إنكم قوم تجهلون}.. ولم يقل تجهلون ماذا؟ ليكون في إطلاق اللفظ ما يعني الجهل الكامل الشامل.. الجهل من الجهالة ضد المعرفة، والجهل من الحماقة ضد العقل! فما ينبعث مثل هذا القول إلا من الجهالة والحمق إلى أبعد الحدود! ثم ليشير إلى أن الانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما ينشأ من الجهل والحماقة؛ وأن العلم والتعقل يقود كلاهما إلى الله الواحد؛ وأنه ما من علم ولا عقل يقود إلى غير هذا الطريق.. إن العلم والعقل يواجهان هذا الكون بنواميسه التي تشهد بوجود الخالق المدبر؛ وبوحدانية هذا الخالق المدبر. فعنصر التقدير والتدبير بارز في هذه النواميس، وطابع الوحدة ظاهر كذلك فيها وفي آثارها التي يكشفها النظر والتدبر - وفق المنهج الصحيح - وما يغفل عن ذلك كله، أو يعرض عن ذلك كله، إلا الحمقى والجهال. ولو ادعوا "العلم" كما يدعيه الكثيرون! ويمضي موسى - عليه السلام - يكشف لقومه عن سوء المغبة فيما يطلبون، بالكشف عن سوء عقبى القوم الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم، فأرادوا أن يقلدوهم: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون}.. إن ما هم فيه من شرك، وعكوف على الآلهة، وحياة تقوم على هذا الشرك، وتتعدد فيها الأرباب، ومن يقوم وراء الأرباب من السدنة والكهنة، ومن حكام يستمدون سلطانهم من هذا الخليط.. إلى آخر ما يتبع الانحراف عن الألوهية الواحدة من فساد في التصورات وفساد في الحياة.. إن هذا كله هالك باطل؛ ينتظره ما ينتظر كل باطل من الهلاك والدمار في نهاية المطاف! ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى - عليه السلام - على ربه والغضب له - سبحانه - والتعجب من نسيان قومه لنعمة الله عليهم - وهي حاضرة ظاهرة-: {قال: أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين؟}.. والتفضيل على العالمين - في زمانهم يتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين. وليس وراء ذلك فضل ولا منة. فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة. كما أنه اختارهم ليورثهم الأرض المقدسة - التي كانت إذا ذاك في أيد مشركة - فكيف بعد هذا كله يطلبون إلى نبيهم أن يطلب لهم إلهاً غير الله؛ وهم في نعمته وفضله يتقلبون؟! وعلى طريقة القرآن الكريم في وصل ما يحكيه عن أولياء الله بما يحكيه عن الله - سبحانه - يستطرد السياق بخطاب من الله تعالى موصول بكلام موسى - عليه السلام - موجه كذلك لقومه: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. وفي مثل هذا الوصل في القرآن الكريم، بين كلام الله - سبحانه - وما يحكيه من كلام أوليائه، تكريم أي تكريم لهؤلاء الأولياء لا ريب فيه! وهذه المنة التي يمتنها الله على بني إسرائيل - في هذا الموضع - كانت حاضرة في أذهانهم وأعصابهم. ولقد كانت هذه المنة وحدها كفيلة بأن تذكر وتشكر.. والله سبحانه وتعالى يوجه قلوبهم لما في ذلك الابتلاء من عبرة.. ابتلاء العذاب وابتلاء النجاة. الابتلاء بالشدة والابتلاء بالرخاء.. {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. فما كان شيء في ذلك كله جزافاً بلا تقدير. ولكنه الابتلاء للموعظة وللتذكير. وللتمحيص والتدريب. وللإعذار قبل الأخذ الشديد. إن لم يفلح الابتلاء في استصلاح القلوب! وينتهي هذا المشهد بين موسى وقومه، ليبدأ المشهد الثامن الذي يليه.. مشهد تهيؤ موسى - عليه السلام - للقاء ربه العظيم؛ واستعداده للموقف الهائل بين يديه في هذه الحياة الدنيا؛ ووصيته لأخيه هارون - عليه السلام - قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة، وأتممناها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة.. وقال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي، وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.. لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها. انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه؛ وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة، وفي طريقهم إلى الأرض المقدسة.. ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى.. مهمة الخلافة في الأرض بدين الله.. ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم؛ وتخلخلت عقيدة التوحيد التي جاءهم بها موسى - عليه السلام - ولم يمض إلا القليل! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم؛ وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم.. ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه. وكانت هذه المواعدة إعداداً لموسى لنفسه، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم، ويستعد لتلقيه. وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيفت إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء؛ ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل؛ وتصفو روحه وتشف وتستضيء؛ وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة.. وألقى موسى إلى أخيه هارون - قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه - بوصيته تلك: {وقال موسى لأخيه هارون: اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}.. ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه. ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم.. ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل!.. وقد تلقى هارون النصيحة. لم تثقل على نفسه! فالنصحية إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه؛ وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم!.. إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده؛ ليظهر أنه كبير!!! فأما قصة الليالي الثلاثين وإتمامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير: "فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى - عليه السلام - وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين".. ثم يأتي السياق للمشهد التاسع. المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى - عليه السلام - مشهد الخطاب المباشر بين الجليل - سبحانه - وعبد من عباده. المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا وساطة؛ ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي، وهو بعد على هذه الأرض.. ولا ندري نحن كيف.. لا ندري كيف كان كلام الله - سبحانه - لعبده موسى. ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله. فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة؛ وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة. ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح الله الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء. ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية، نريد أَن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود! {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال: رب أرني أنظر إليك، قال: لن تراني، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً، وخر موسى صعقاً. فلما أفاق قال: سبحانك! تبت إليك وأنا أول المؤمنين. قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي. فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها. سأريكم دار الفاسقين. سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟}. إننا لفي حاجة إلى اسحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله.. في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره؛ ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه.. {ولما جاء موسى لميقاتنا، وكلمه ربه، قال: رب أرني أنظر إليك}.. إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه؛ وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق! فينسى من هو، وينسى ما هو، ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض، وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض.. يطلب الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود.. حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة: {قال: لن تراني}.. ثم يترفق به الرب العظيم الجليل، فيعلمه لماذا لن يراه..إنه لا يطيق.. {ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني}.. والجبل أمكن وأثبت. والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثراً واستجابة من الكيان البشري.. ومع ذلك فماذا؟ {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً}.. فكيف كان هذا التجلي؟ نحن لا نملك أن نصفه، ولا نملك أن ندركه.. ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا بالله، حين تشف أرواحنا وتصفو، وتتجه بكليتها إلى مصدرها. فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئاً.. لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي.. ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره؛ وليس منها رواية عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئاً. {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً}.. وقد ساخت نتوءاته فبدا مسوًّى بالأرض مدكوكاً.. وأدركت موسى رهبة الموقف، وسرت في كيانه البشري الضعيف: {وخر موسى صعقاً}. مغشياً عليه، غائباً عن وعيه. {فلما أفاق}.. وثاب إلى نفسه، وأدرك مدى طاقته، واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله: {قال: سبحانك!}.. تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك. {تبت إليك}.. عن تجاوزي للمدى في سؤالك! {وأنا أول المؤمنين}.. والرسل دائماً هم أول المؤمنين بعظمة ربهم وجلاله، وبما ينزله عليهم من كلماته.. وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا، والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى. وأدركت موسى رحمة الله مرة أخرى؛ فإذا هو يتلقى منه البشرى.. بشرى الاصطفاء، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص.. وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص: {قال: يا موسى، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين}.. ونفهم من قول الله سبحانه لموسى - عليه السلام - {اني اصطفيتك على الناس برسالاتي}.. أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه - فالرسل كانوا قبل موسى وبعده - فهو الاصطفاء على جيل من الناس بحكم هذه القرينة. أما الكلام فهو الذي تفرد به موسى - عليه السلام - أما أمر الله تعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - قدوة للناس؛ وللناس فيهم أسوة؛ وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر استزادة من النعمة؛ وإصلاحاً للقلب؛ وتحرزاً من البطر؛ واتصالاً بالله.. ثم يبين السياق ماذا كان مضمون الرسالة، وكيف أوتيها موسى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء}.. وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح؛ ويصفها بعضهم أوصافاً مفصلة - نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير - ولا نجد في هذا كله شيئاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئاً أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء. والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء! {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}.. والأمر الإلهي الجليل لموسى - عليه السلام - أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.. هذا الأمر على هذا النحو فضلاً على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها.. إن العقيدة أمر هائل عند الله - سبحانه - وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ "الإنسان" وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك.. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله - سبحانه - وعبودية البشر لربوبيته وحده، منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة.. وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ "الإنسان".. يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلاً على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص، أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر.. وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين الله.. ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة.. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعدما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر. تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية، على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة. ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل، والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنباً للمشقة.. كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع؛ لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئاً! وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد الله موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض، ويورثهم دار الفاسقين عن دينه: {سأريكم دار الفاسقين}.. والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت - في ذلك الزمان - في قبضة الوثنيين، وأنها بشارة لهم بدخولها..وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى - عليه السلام - لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت، وطبيعتهم تلك لم تكن قد قوّمت، فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: {يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون!}.. ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان الله، في الدخول والاقتحام! أجابوا موسى بتوقح الجبان - كالدابة التي ترفس سائقها!-: قالوا {إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون!}.. مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام، وأمر هذا الأمر الألهي الجليل أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة.. وفي نهاية المشهد والتكليم يجيء بيان لعاقبة الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، ويعرضون عن آيات الله وتوجيهاته، يتضمن تصويراً دقيقاً لطبيعة هذا الصنف من الناس، في نصاعة وجمال التصوير القرآني الفريد لأنماط الطبائع ونماذج النفوس: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً. ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟}.. إن الله تعالى يعلن عن مشيئته في شأن أولئك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً.. إنه سيصرفهم عن آياته فلا ينتفعون بها ولا يستجيبون لها.. آياته في كتاب الكون المنظور، وآياته في كتبه المنزلة على رسله.. ذلك بسبب أنهم كذبوا بآياته سبحانه وكانوا عنها غافلين. وإن هذا النموذج من الناس ليرتسم من خلال الكلمات القرآنية، كأنما نراه بسماته وحركاته! {الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق}.. وما يتكبر عبد من عبيد الله في أرضه بالحق أبداً. فالكبرياء صفة الله وحده. لا يقبل فيها شريكاً. وحيثما تكبر إنسان في الأرض كان ذلك تكبراً بغير الحق! وشر التكبر ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد الله، ومزاولة هذا الحق بالتشريع لهم من دون الله؛ وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل، ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر. فهو أساس الشر كله ومنه ينبعث. ومن ثم تجيء بقية الملامح: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً}.. فهي جبلة تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأته، وتجنح إلى سبيل الغي حيثما لاح لها؛ كأَنما بآلية في تركيبها لا تتخلف! وهذه هي السمة التي يرسمها التعبير، ويطبع بها هذا النموذج المتكبر، الذي قضت مشيئة الله أن يجازيه على التكذيب بآيات الله والغفلة عنها بصرفه عن هذه الآيات أبداً! وإن الإنسان ليصادف هذا الصنف من الخلق بوصفه هذا وسمته وملامحه، فيرى كأنما يتجنب الرشد ويتبع الغي دون جهد منه، ودون تفكير ولا تدبير! فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه، وينشرح لطريق الغي ويتبعه! وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات الله لا يراها ولا يتدبرها ولا تلتقط أجهزته إيحاءاتها وإيقاعاتها! وسبحان الله! فمن خلال اللمسات السريعة في العبارة القرآنية العجيبة ينتفض هذا النموذج من الخلق شاخصاً بارزاً حتى ليكاد القارئ يصيح لتوه: نعم. نعم. أعرف هذا الصنف من الخلق.. إنه فلان!!! وإنه للمعنيّ الموصوف بهذه الكلمات!!! وما يظلم الله هذا الصنف من الخلق بهذا الجزاء المردي المؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة.. إنما هو الجزاء الحق لمن يكذب بآيات الله ويغفل عنها، ويتكبر في الأرض بغير الحق، ويتجنب سبيل الرشد حيثما رآه، ويهرع إلى سبيل الغي حيثما لاح له! فإنما بعمله جوزي؛ وبسلوكه أورد موارد الهلاك. {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين}.. {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}.. وحبوط الأعمال مأخوذ من قولهم: حبطت الناقة.. إذا رعت نباتاً ساماً، فانتفخ بطنها ثم نفقت.. وهو وصف ملحوظ فيه طبيعة الباطل الذي يصدر من المكذبين بآيات الله ولقاء الآخرة. فهو ينتفخ حتى يظنه الناس من عظمة وقوةَ! ثم ينفق كما تنفق الناقة التي رعت ذلك النبات السام! وإنه لجزاء كذلك حق أن تحبط وتهلك أعمال الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة.. ولكن كيف تحبط هذه الأعمال؟ من ناحية الاعتقاد.. نحن نؤمن بصدق وعيد الله لا محالة؛ أياً كانت الظواهر التي تخالف هذه العاقبة المحتومة. فحيثما كذب أحد بآيات الله ولقائه في الآخرة حبط عمله وبطل، وهلك في النهاية وذهب كأن لم يكن.. ومن ناحية النظر.. نحن نجد السبب واضحاً في حياة البشر.. إن الذي يكذب بآيات الله المبثوثة في صفحات هذا الكون المنشور، أو آياته المصاحبة للرسالات، أو التي يحملها الرسل؛ ويكذب تبعاً لهذا بلقاء الله في اليوم الآخر..إن هذا الكائن المسيخ روح ضالة شاردة عن طبيعة هذا الكون المؤمن المسلم ونواميسه.. لا تربطه بهذا الكون رابطة. وهو منقطع عن دوافع الحركة الصادقة الموصولة بغاية الوجود واتجاهه. وكل عمل يصدر عن مثل هذا المسخ المقطوع هو عمل حابط ضائع، ولو بدا أنه قائم وناجح. لأنه لا ينبعث عن البواعث الأصيلة العميقة في بنية هذا الوجود؛ ولا يتجه إلى الغاية الكبيرة التي يتجه إليها الكون كله. شأنه شأن الجدول الذي ينقطع عن النبع الأول؛ فمآله إلى الجفاف والضياع في يوم قريب أو بعيد! والذين لا يرون العلاقة الوثيقة بين تلك القيم الإيمانية وحركة التاريخ الإنساني؛ والذين يغفلون عن قدر الله الذي يجري بعاقبة الذين يتنكرون لهذه القيم.. هؤلاء إنما هم الغافلون الذين أعلن الله - سبحانه - عن مشيئته في أمرهم، بصرفهم عن رؤية آياته، وتدبر سننه.. وقدر الله يتربص بهم وهم عنه غافلون.. والذين يخدعهم ما يرونه في الأمد القصير المحدود، من فلاح بعض الذين يغفلون عن تلك القيم الإيمانية ونجاحهم؛ إنما يخدعهم الانتفاخ الذي يصيب الدابة وقد رعت النبت السام؛ فيحسبونه شحماً وسمنة وعافية وصحة.. والهلاك يترصدها بعد الانتفاخ والحبوط! والأمم التي خلت شاهد واقع. ولكن الذين سكنوا مساكنهم من بعدهم، لا يأخذون منهم عبرة، ولا يرون سنة الله التي تعمل ولا تتخلف؛ وقدر الله الذي يجري ولا يتوقف.. والله من ورائهم محيط.. وبينما كان موسى - عليه السلام - في حضرة ربه، في ذلك الموقف الفريد، الذي تستشرفه البصائر وتقصر عنه الأبصار؛ وتدركه الأرواح وتحار فيه الأفكار.. كان قوم موسى من بعده يرتكسون وينتكسون، ويتخذون لهم عجلاً جسداً له خوار - لا حياة فيه - يعبدونه من دون الله! ويفاجئنا السياق القرآني بنقلة بعيدة من المشهد التاسع إلى المشهد العاشر. نقلة هائلة من الجو العلوي السامق المشرق بسبحاته وأشواقه وابتهالاته وكلماته إلى الجو الهابط المتردي بانحرافاته وخرافاته وارتكاساته وانتكاساته: {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسدا له خوار. ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً؟ اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين}.. إنها طبيعة إسرائيل التي ما تكاد تستقيم خطوة حتى تلتوي عن الطريق؛ والتي ما تكاد ترتفع عن مدى الرؤية الحسية في التصور والاعتقاد؛ والتي يسهل انتكاسها كلما فتر عنها التوجيه والتسديد. ولقد راودوا نبيهم من قبل أن يجعل لهم إلهاً يعكفون عليه بمجرد رؤيتهم لقوم وثنيين يعكفون على أصنام لهم! فصدهم نبيهم عن ذلك الخاطر وردهم رداً شديداً. فلما خلوا إلى أنفسهم، ورأوا عجلاً جسدا من الذهب - لا حياة فيه كما تفيد كلمة جسد - صنعه لهم السامري - رجل من السامرة كما يجيء تفصيل قصته في سورة طه - واستطاع أن يجعله بهيئة بحيث يخرج صوتاً كصوت خوار الثيران.. لما رأوا ذلك العجل الجسد طاروا إليه، وتهافتوا عليه حين قال لهم السامري:{أية : هذا إلهكم وإله موسى}تفسير : الذي خرج موسى لميقاته معه؛ فنسي موسى موعده معه - ربما لزيادة الليالي العشر الأخيرة في الميقات التي لم يكن القوم يعلمونها، فلما زاد عن الثلاثين ولم يرجع قال لهم السامري: لقد نسي موسى موعده مع إلهه فهذا إلهه! - ولم يتذكروا وصية نبيهم لهم من قبل بعبادة ربهم الذي لا تراه الأبصار - رب العالمين - ولم يتدبروا حقيقة هذا العجل الذي صنعه لهم واحد منهم!.. وإنها لصورة زرية للبشرية تلك التي كان يمثلها القوم. صورة يعجب منها القرآن الكريم؛ وهو يعرضها على المشركين في مكة وهم يعبدون الأصنام! {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً؟ اتخذوه وكانوا ظالمين؟}.. وهل أظلم ممن يعبد خلقاً من صنع أيدي البشر. والله خلقهم وما يصنعون؟! وكان فيهم هارون - عليه السلام - فلم يملك لهم رداً عن هذا الضلال السخيف. وكان فيهم بعض عقلائهم فلم يملكوا زمام الجماهير الضالة المتدافعة على العجل الجسد - وبخاصة أنه من الذهب معبود إسرائيل الأصيل! وأخيراً هدأت الهيجة، وانكشفت الحقيقة، وتبين السخف، ووضح الضلال، وجاءت نوبة الندم والإقرار: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا، قالوا: لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين}.. يقال: سقط في يده إذا عدم الحيلة في دفع ما هو بصدده من أمر.. ولما رأى بنو إسرائيل أنهم صاروا - بهذه النكسة - إلى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهىّ! قالوا قولتهم هذه: {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين}.. وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح. فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته.. وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح. كل ذلك وموسى - عليه السلام - بين يدي ربه، في مناجاة وكلام، لا يدري ما أحدث القوم بعده.. إلا أن ينبئه ربه.. وهنا يرفع الستار عن المشهد الحادي عشر.. {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً. قال: بئسما خلفتموني من بعدي! أعجلتم أمر ربكم؟ وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه. قال: ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. فلا تشمت بي الأعداء، ولا تجعلني مع القوم الظالمين. قال: رب اغفر لي ولأخي، وأدخلنا في رحمتك، وأنت أرحم الراحمين}.. لقد عاد موسى إلى قومه غضبان أشد الغضب. يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله.. يبدو في قوله لقومه: {بئسما خلفتموني من بعدي! أعجلتم أمر ربكم؟}.. ويبدو في فعله إذا يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه. {وأخذ برأس أخيه يجره إليه!}.. وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية. والنقلة بعيدة: {بئسما خلفتموني من بعدي}.. تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال، وتركتكم على عبادة الله فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار! {أعجلتم أمر ربكم؟}.. أي استعجلتم قضاءه وعقابه! أو ربما كان يعني: استعجلتم موعده وميقاته! {وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه}.. وهي حركة تدل على شدة الانفعال.. فهذه الألوح هي التي كانت تحمل كلمات ربه. وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه. وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه. وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب! فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه، ويكشف له عن طبيعة موقفه، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم: {قال: ابن أم، إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني!}.. وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب؛ حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس: {ابن أم}.. بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة. {إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}.. بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه. {فلا تشمت بي الأعداء}.. وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون! {ولا تجعلني مع القوم الظالمين}.. القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق؛ فأنا لم أضل ولم أكفر معهم، وأنا بريء منهم! عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان. وعندئذ يتوجه إلى ربه، يطلب المغفرة له ولأخيه، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين: {قال: رب اغفر لي ولأخي، وأدخلنا في رحمتك، وأنت أرحم الراحمين}.. وهنا يجيء الحكم الفاصل ممن يملكه سبحانه!ّ ويتصل كلام الله سبحانه بما يحكيه القرآن الكريم من كلام عبده موسى، على النسق الذي يتكرر في السياق القرآني: {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا. وكذلك نجزي المفترين. والذين عملوا السيئات، ثم تابوا من بعدها وآمنوا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم}.. إنه حكم ووعد.. إن القوم الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا.. ذلك مع قيام القاعدة الدائمة: إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر الله لهم برحمته.. وإذن فقد علم الله أن الذين اتخذوا العجل لن يتوبوا توبة موصولة؛ وأنهم سيرتكبون ما يخرجهم من تلك القاعدة.. وهكذا كان. فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون الخطيئة بعد الخطيئة؛ ويسامحهم الله المرة بعد المرة. حتى انتهوا إلى الغضب الدائم واللعنة الأخيرة: {وكذلك نجزي المفترين}.. كل المفترين إلى يوم الدين.. فهو جزاء متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على الله، من بني إسرائيل، ومن غير بني إسرائيل.. ووعد الله صادق لا محالة. وقد كتب على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة. وكان آخر ما كتب الله عليهم أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. فإذا بدا في فترة من فترات التاريخ أنهم يطغون في الأرض؛ ويستعلون بنفوذهم على الأمميين - أو كما يقولون عنهم في التلمود: "الجوييم"! - وأنهم يملكون سلطان المال، وسلطان أجهزة الإعلام؛ وأنهم يقيمون الأوضاع الحاكمة التي تنفذ لهم ما يريدون؛ وأنهم يستذلون بعض عباد الله ويطردونهم من أرضهم وديارهم في وحشية؛ والدول الضالة تساندهم وتؤيدهم... إلى آخر ما نراه في هذا الزمان.. فليس هذا بناقض لوعيد الله لهم، ولا لما كتبه عليهم.. فهم بصفاتهم هذه وأفعالهم يختزنون النقمة في قلوب البشر؛ ويهيئون الرصيد الذي يدمرهم من السخط والغضب.. إنما هم يستطيلون على الناس في فلسطين مثلاً لأن الناس لم يعد لهم دين! ولم يعودوا مسلمين!.. إنهم يتفرقون ويتجمعون تحت رايات قومية جنسية؛ ولا يتجمعون تحت راية العقيدة الإسلامية! وهم من ثم يخيبون ويفشلون؛ وتأكلهم إسرائيل! غير أن هذه حال لن تدوم! إنها فترة الغيبوبة عن السلاح الوحيد، والمنهج الوحيد، والراية الوحيدة، التي غلبوا بها ألف عام، والتي بها يَغلبون، وبغيرها يُغلبون! إنها فترة الغيبوبة بحكم السموم التي بثتها اليهودية والصليبية في كيان الأمة "الإسلامية"! والتي تحرسها بالأوضاع التي تقيمها في هذه الأرض "الإسلامية"..ولكن هذا كله لن يدوم.. ستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة.. وسيفيء أخلاف المسلمين إلى سلاح أسلافهم المسلمين.. ومن يدري فقد تصحو البشرية كلها يوماً على طغيان اليهود! لتحقق وعيد الله لهم، وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم.. فإن لم تصح البشرية فسيصحوا أخلاف المسلمين.. هذا عندنا يقين.. وكانت هذه وقفة للتعقيب على مصير الذين اتخذوا العجل وافتروا على الله، تتوسط المشهد ثم يمضي السياق يكمل المشهد: {ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح، وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون}.. والتعبير القرآني يشخص الغضب. فكأنما هو حي. وكأنما هو مسلط على موسى، يدفعه ويحركه.. حتى إذا {سكت} عنه، وتركه لشأنه! عاد موسى إلى نفسه، فأخذ الألواح التي كان قد ألقاها بسبب دفع الغضب له وسيطرته عليه.. ثم يقرر السياق مرة أخرى أن في هذه الألواح هدى، وأن فيها رحمة، لمن يخشون ربهم ويرهبونه؛ فتتفتح قلوبهم للهدى، وينالون به الرحمة.. والهدى ذاته رحمة. فليس أشقى من القلب الضال، الذي لا يجد النور. وليس أشقى من الروح الشارد الحائر الذي لا يجد الهدى ولا يجد اليقين.. ورهبة الله وخشيته هي التي تفتح القلوب للهدى؛ وتوقظها من الغفلة، وتهيئها للاستجابة والاستقامة.. إن الله خالق هذه القلوب هو الذي يقرر هذه الحقيقة. ومن أعلم بالقلوب من رب القلوب؟ ويمضي السياق بالقصة، فإذا نحن أمام مشهد جديد. المشهد الثاني عشر. مشهد موسى وسبعين من قومه مختارين للقاء ربه: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا. فلما أخذتهم الرجفة قال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي. أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء. أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك. قال: عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}.. وتختلف الروايات في سبب هذا الميقات. وربما كان لإعلان التوبة، وطلب المغفرة لبني إسرائيل مما وقعوا فيه من الكفر والخطيئة - وفي سورة البقرة أن التكفير الذي فرض على بني إسرائيل هو: أن يقتلوا أنفسهم، فيقتل المطيع منهم من عصى؛ وقد فعلوا حتى أذن لهم الله بالكف عن ذلك، وقبل كفارتهم - وهؤلاء السبعون كانوا من شيوخهم ومن خيرتهم. أو كانوا هم خلاصتهم التي تمثلهم، فصيغة العبارة: {واختار موسى قومه سبعين رجلاً.. لميقاتنا} تجعلهم بدلاً من القوم جميعاً في الاختيار.. ومع هذا فما الذي كان من هؤلاء المختارين؟ لقد أخذتهم الرجفة فصعقوا. ذلك أنهم - كما ورد في السورة الأخرى طلبوا إلى موسى أن يروا الله جهرة، ليصدقوه فيما جاءهم به من الفرائض في الألواح.. وهي شاهدة بطبيعة بني إسرائيل، التي تشمل خيارهم وشرارهم، ولا يتفاوتون فيها إلا بمقدار، وأعجب شيء أن يقولوها وهم في مقام التوبة والاستغفار! فأما موسى - عليه السلام - فقد توجه إلى ربه، يتوسل إليه، ويطلب المغفرة والرحمة، ويعلن الخضوع والاعتراف بالقدرة: {فلما أخذتهم الرجفة قال: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي}.. فهو التسليم المطلق للقدرة المطلقة من قبل ومن بعد، يقدمه موسى بين يدي دعائه لربه أن يكشف عن القوم غضبه؛ وأن يرد عنهم فتنته، وألا يهلكهم بفعلة السفهاء منهم. {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟}.. وقد جاء الرجاء بصيغة الاستفهام. زيادة في طلب استبعاد الهلاك.. أي: رب إنه لمستبعد على رحمتك أن تهلكنا بما فعل السفهاء منا. {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء}.. يعلن موسى - عليه السلام - إدراكه لطبيعة ما يقع؛ ومعرفته أنها الفتنة والابتلاء؛ فما هو بغافل عن مشيئة ربه وفعله كالغافلين!. وهذا هو الشأن في كل فتنة: أن يهدي الله بها من يدركون طبيعتها ويأخذونها على أنها ابتلاء من ربهم وامتحان يجتازونه صاحين عارفين. وأن يضل بها من لا يدركون هذه الحقيقة ومن يمرون بها غافلين، ويخرجون منها ضالين.. وموسى - عليه السلام - يقرر هذا الأصل تمهيداً لطلب العون من الله على اجتياز الابتلاء: {أنت ولينا}.. فامنحنا عونك ومددك لاجتياز فتنتك، ونيل مغفرتك ورحمتك: {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}.. {واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، إنا هدنا إليك}.. رجعنا إليك، والتجأنا إلى حماك، وطلبنا نصرتك. وهكذا قدم موسى - عليه السلام - لطلب المغفرة والرحمة، بالتسليم لله والاعتراف بحكمة ابتلائه، وختمه بإعلان الرجعة إلى الله والالتجاء إلى رحابه. فكان دعاؤه نموذجاً لأدب العبد الصالح في حق الرب الكريم؛ ونموذجاً لأدب الدعاء في البدء والختام. ثم يجيئه الجواب: {قال: عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء}.. تقريراً لطلاقة المشيئة، التي تضع الناموس اختياراً، وتجريه اختياراً: وإن كانت لا تجريه إلا بالعدل والحق على سبيل الاختيار أيضاً، لأن العدل صفة من صفاته تعالى لا تتخلف في كل ما تجري به مشيئته، لأنه هكذا أراد.. فالعذاب يصيب به من يستحق عنده العذاب.. وبذلك تجري مشيئته.. أما رحمته فقد وسعت كل شيء؛ وهي تنال من يستحقها عنده كذلك: وبذلك تجري مشيئته، ولا تجري مشيئته - سبحانه - بالعذاب أو بالرحمة جزافاً أو مصادفة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وبعد تقرير القاعدة يطلع الله نبيه موسى على طرف من الغيب المقبل، إذا يطلعه على نبأ الملة الأخيرة التي سيكتب الله لها رحمته التي وسعت كل شيء.. بهذا التعبير الذي يجعل رحمة الله أوسع من ذلك الكون الهائل الذي خلقه، والذي لا يدرك البشر مداه.. فيالها من رحمة لا يدرك مداها إلا الله! {فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل؛ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون}. وإنه لنبأ عظيم، يشهد بأن بني إسرائيل قد جاءهم الخبر اليقين بالنبي الأمي، على يدي نبيهم موسى ونبيهم عيسى - عليهما السلام - منذ أمد بعيد. جاءهم الخبر اليقين ببعثه، وبصفاته، وبمنهج رسالته، وبخصائص ملته. فهو "النبي الأمي"، وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وهو يضع عمن يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض عليهم بسبب معصيتهم، فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به. وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم، ويؤمنون بآيات الله.. وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي؛ ويعظمونه ويوقرونه، وينصرونه ويؤيدونه، ويتبعون النور الهادي الذي معه {أولئك هم المفلحون}.. وبذلك البلاغ المبكر لبني إسرائيل- على يد نبيهم موسى عليه السلام - كشف الله سبحانه عن مستقبل دينه، وعن حامل رايته، وعن طريق أتباعه، وعن مستقر رحمته.. فلم يبق عذر لأتباع سائر الديانات السابقة، بعد ذلك البلاغ المبكر بالخبر اليقين. وهذا الخبر اليقين من رب العالمين لموسى عليه السلام - وهو والسبعون المختارون من قومه في ميقات ربه - يكشف كذلك عن مدى جريمة بني إسرائيل في استقبالهم لهذا النبي الأمي وللدين الذي جاء به. وفيه التخفيف عنهم والتيسير، إلى جانب ما فيه من البشارة بالفلاح للمؤمنين! إنها الجريمة عن علم وعن بينة! والجريمة التي لم يألوا فيها جهداً.. فقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل كانوا هم ألأم خلق وقف لهذا النبي وللدين الذي جاء به.. اليهود أولاً والصليبيون أخيراً.. وأن الحرب التي شنوها على هذا النبي ودينه وأهل دينه كانت حرباً خبيثة ماكرة لئيمة قاسية؛ وأنهم أصروا عليها ودأبوا؛ وما يزالون يصرون ويدأبون! والذي يراجع - فقط - ما حكاه القرآن الكريم من حرب أهل الكتاب للإسلام والمسلمين - وقد سبق منه في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ما سبق - يطلع على المدى الواسع المتطاول الذي أداروا فيه المعركة مع هذا الدين في عناد لئيم! والذي يراجع التاريخ بعد ذلك - منذ اليوم الذي استعلن فيه الإسلام بالمدينة، وقامت له دولة - إلى اللحظة الحاضرة، يدرك كذلك مدى الإصرار العنيد على الوقوف لهذا الدين وإرادة محوه من الوجود! ولقد استخدمت الصهيونية والصليبية في العصر الحديث من ألوان الحرب، والكيد والمكر أضعاف ما استخدمته طوال القرون الماضية.. وهي في هذه الفترة بالذات تعالج إزالة هذا الدين بجملته؛ وتحسب أنها تدخل معه في المعركة الأخيرة الفاصلة.. لذلك تستخدم جميع الأساليب التي جربتها في القرون الماضية كلها - بالإضافة إلى ما استحدثته منها - جملة واحدة! ذلك في الوقت الذي يقوم ممن ينتسبون إلى الإسلام ناس يدعون في غرارة ساذجة إلى التعاون بين أهل الإسلام وأهل بقية الأديان للوقوف في وجه تيار المادية والإلحاد! أهل بقية الأديان الذين يذبحون من ينتسبون إلى الإسلام في كل مكان؛ ويشنون عليهم حرباً تتسم بكل بشاعة الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش في الأندلس - سواء عن طريق أجهزتهم المباشرة في المستعمرات في آسيا وإفريقية أو عن طريق الأوضاع التي يقيمونها ويسندونها في البلاد (المستقلة!) لتحل محل الإسلام عقائد ومذاهب علمانية! تنكر "الغيبية" لأنها "علمية"! و"تطوّر" الأخلاق لتصبح هي أخلاق البهائم التي ينزو بعضها على بعض في "حرية!"، و "تطوّر" كذلك الفقه الإسلامي، وتقيم له مؤتمرات المستشرقين لتطويره. كيما يحل الربا والاختلاط الجنسي وسائر المحرمات الإسلامية!! إنها المعركة الوحشية الضارية يخوضها أهل الكتاب مع هذا الدين، الذي بشروا به وبنبيه منذ ذلك الأمد البعيد. ولكنهم تلقوه هذا التلقي اللئيم الخبيث العنيد! وقبل أن يمضى السياق إلى مشهد جديد من مشاهد القصة، يقف عند هذا البلاغ المبكر، يوجه الخطاب إلى النبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - يأمره بإعلان الدعوة إلى الناس جميعاً، تصديقاً لوعد الله القديم: {قل: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت. فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون}.. إنها الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة، التي لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل.. ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية قومية محدودة بفترة من الزمان - ما بين عهدي رسولين - وكانت البشرية تخطو على هدى هذه الرسالات خطوات محدودة، تأهيلاً لها للرسالة الأخيرة. وكانت كل رسالة تتضمن تعديلاً وتحويراً في الشريعة يناسب تدرج البشرية. حتى إذا جاءت الرسالة الأخيرة جاءت كاملة في أصولها، قابلة للتطبيق المتجدد في فروعها، وجاءت للبشر جميعاً، لأنه ليست هنالك رسالات بعدها للأقوام والأجيال في كل مكان. وجاءت وفق الفطرة الإنسانية التي يلتقي عندها الناس جميعاً. ومن ثم حملها النبي الأمي الذي لم يدخل على فطرته الصافية - كما خرجت من يد الله - إلا تعليم الله. فلم تشب هذه الفطرة شائبة من تعليم الأرض ومن أفكار الناس! ليحمل رسالة الفطرة إلى فطرة الناس جميعاً: {قل: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً}.. وهذه الآية التي يؤمر فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يواجه برسالته الناس جميعاً، هي آية مكية في سورة مكية.. وهي تجبه المزورين من أهل الكتاب، الذين يزعمون أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدور في خلده وهو في مكة أن يمد بصره برسالته إلى غير أهلها، وأنه إنما بدأ يفكر في أن يتجاوز بها قريشاً، ثم يجاوز بها العرب إلى دعوة أهل الكتاب. ثم يجاوز بها الجزيرة العربية إلى ما وراءها.. كل أولئك بعد أن أغراه النجاح الذي ساقته إليه الظروف! وإن هي إلا فرية من ذيول الحرب التي شنوها قديماً على هذا الدين وأهله. وما يزالون ماضين فيها! وليست البلية في أن يرصد أهل الكتاب كيدهم كله لهذا الدين وأهله. وأن يكون "المستشرقون" الذين يكتبون مثل هذا الكذب هم طليعة الهجوم على هذا الدين وأهله.. إنما البلية الكبرى أن كثيراً من السذج الأغرار ممن يسمون أنفسهم بالمسلمين يتخذون من هؤلاء المزوّرين على نبيهم ودينهم. المحاربين لهم ولعقيدتهم، أساتذة لهم، يتلقون عنهم في هذا الدين نفسه، ويستشهدون بما يكتبونه عن تاريخ هذا الدين وحقائقه، ثم يزعم هؤلاء السذج الأغرار لأنفسهم أنهم "مثقفون!".. ونعود إلى السياق القرآني بعد تكليف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن رسالته للناس جميعاً. فنجد بقية التكليف هي تعريف الناس جميعاً بربهم الحق سبحانه: {الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو، يحيي ويميت}.. إنه - صلى الله عليه وسلم - رسول للناس جميعاً من ربهم الذي يملك هذا الوجود كله - وهم من هذا الوجود - والذي يتفرد بالألوهية وحده، فالكل له عبيد. والذي تتجلى قدرته وألوهيته في أنه الذي يحيي ويميت.. والذي يملك الوجود كله، والذي له الألوهية على الخلائق وحده، والذي يملك الحياة والموت للناس جميعاً. هو الذي يستحق أن يدين الناس بدينه، الذي يبلغه إليهم رسوله.. فهو تعريف للناس بحقيقة ربهم، لتقوم على هذا التعريف عبوديتهم له، وطاعتهم لرسوله: {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، واتبعوه لعلكم تهتدون}.. وهذا النداء الأخير في هذا التعقيب يتضمن لفتات دقيقة ينبغي أن نقف أمامها لحظات: * إنه يتضمن ابتداء ذلك الأمر بالإيمان بالله ورسوله.. وهو ما تتضمنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، في صورة أخرى من صور هذا المضمون الذي لا يقوم بدونه إيمان ولا إسلام.. ذلك أن هذا الأمر بالإيمان بالله سبقه في الآية التعريف بصفاته تعالى: {الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو، يحيي ويميت}.. فالأمر بالإيمان هو أمر بالإيمان بالله الذي هذه صفاته الحقة. كما سبقه التعريف برسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس جميعاً. * ثم يتضمن ثانية أن النبي الأمي - صلوات الله وسلامه عليه - يؤمن بالله وكلماته.. ومع أن هذه بديهية، إلا أن هذه اللفتة لها مكانها ولها قيمتها. فالدعوة لا بد أن يسبقها إيمان الداعي بحقيقة ما يدعو إليه، ووضوحه في نفسه، ويقينه منه. لذلك يجيء وصف النبي المرسل إلى الناس جميعاً بأنه {الذي يؤمن بالله وكلماته}.. وهو نفس ما يدعو الناس إليه ونصه.. * ثم يتضمن أخيراً لفتة إلى مقتضى هذا الإيمان الذي يدعوهم إليه. وهو اتباعه فيما يأمر به ويشرعه، واتباعه كذلك في سنته وعمله. وهو ما يقرره قول الله سبحانه: {واتبعوه لعلكم تهتدون}.. فليس هناك رجاء في أن يهتدي الناس بما يدعوهم إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا باتباعه فيه. ولا يكفي أن يؤمنوا به في قلوبهم ما لم يتبع الإيمان الاتباع العملي.. وهو الإسلام.. إن هذا الدين يعلن عن طبيعته وعن حقيقته في كل مناسبة.. إنه ليس مجرد عقيدة تستكن في الضمير.. كما أنه كذلك ليس مجرد شعائر تؤدى وطقوس.. إنما هو الاتباع الكامل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وفيما يشرعه ويسنه.. والرسول لم يأمر الناس بالإيمان بالله ورسوله فحسب. ولم يأمرهم كذلك بالشعائر التعبدية فحسب ولكنه أبلغهم شريعة الله في قوله وفعله. ولا رجاء في أن يهتدي الناس إلا إذا اتبعوه في هذا كله.. فهذا هو دين الله.. وليس لهذا الدين من صورة أخرى إلا هذه الصورة التي تشير إليها هذه اللفتة: {واتبعوه لعلكم تهتدون} بعد الأمر بالإيمان بالله ورسوله.. ولو كان الأمر في هذا الدين أمر اعتقاد وكفى، لكان في قوله: {فآمنوا بالله ورسوله} الكفاية! ثم تمضي القصة في سياقها بعد الرجفة التي أخذت رجالات بني إسرائيل.. ولا يذكر السياق هنا ماذا كان من أمرهم بعد دعوات موسى - عليه السلام - وابتهالاته. ولكنا نعرف من سياق القصة في سور أخرى أن الله أحياهم بعد الرجفة، فعادوا إلى قومهم مؤمنين. وقبل أن يمضي السياق هنا في حلقة جديدة، يقرر حقيقة عن قوم موسى.. أنهم لم يكونوا جميعاً ضالين: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.. هكذا كانوا على عهد موسى؛ وهكذا كانت منهم طائفة تهدي بالحق وتحكم بالعدل من بعد موسى.. ومن هؤلاء من استقبلوا رسالة النبي الأمي في آخر الزمان بالقبول والاستسلام، لما يعرفونه عنها في التوراة التي كانت بين أيديهم على مبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي أولهم الصحابي الجليل: عبد الله بن سلام رضي الله عنه. الذي كان يواجه يهود زمانه بما عندهم في التوراة عن النبي الأمي، وما عندهم كذلك من شرائع تصدقها شرائع الإسلام. وبعد تقرير تلك الحقيقة تمضي القصة في أحداثها بعد الرجفة: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً؛ وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه: أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست منه اثنتا عشر عيناً. قد علم كل أناس مشربهم. وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم. وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. إنها رعاية الله ما زالت تظلل موسى وقومه - بعد أن كفروا فعبدوا العجل، ثم كفروا عن الخطيئة كما أمرهم الله، فتاب عليهم. وبعد أن طلبوا رؤية الله جهرة، فأَخذتهم الرجفة، ثم استجاب الله لدعاء موسى فأحياهم.. تتجلى هذه الرعاية في تنظيمهم حسب فروعهم في اثنتي عشرة أمة - أي جماعة كبيرة - ترجع كل جماعة منها إلى حفيد من حفداء جدهم يعقوب - وهو إسرائيل - وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية: {وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً}.. وتبدو في تخصيص عين تشرب منها كل جماعة وتعيينها لهم، فلا يعتدي بعضهم على بعض. {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه: أن اضرب بعصاك الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قد علم كل أناس مشربهم..} وتبدو في تظليل الغمام لهم من شمس هذه الصحراء المحرقة، وإنزال المن - وهو نوع من العسل البري - والسلوى، وهو طائر السماني، وتيسيره لهم ضماناً لطعامهم بعد ضمان شرابهم: {وظللنا عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى}.. وتبدو في إباحة كل هذه الطيبات لهم، حيث لم يكن قد حرم عليهم بعد شيء بسبب عصيانهم: {كلوا من طيبات ما رزقناكم}.. والرعاية واضحة في هذا كله؛ ولكن هذه الجبلة ما تزال بعد عصية على الهدى والاستقامة كما يبدو من ختام هذه الآية التي تذكر كل هذه النعم وكل هذه الخوارق: من تفجير العيون لهم من الصخر بضربة من عصا موسى. ومن تظليل الغمام لهم في الصحراء الجافة. ومن تيسير الطعام الفاخر من المن والسلوى: {وما ظلمونا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. وسيعرض السياق نماذج من ظلمهم لأنفسهم؛ بالمعصية عن أمر الله والالتواء عن طريقه.. وما يبلغون بهذا الالتواء وتلك المعصية أن يظلموا الله - سبحانه - فالله غني عنهم وعن العالمين أجمعين. وما ينقص من ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على معصيته؛ وما يزيد في ملكه أن يجتمعوا هم والعالمون على طاعته. إنما هم يؤذون أنفسهم ويظلمونها بالمعصية والالتواء، في الدنيا وفي الآخرة سواء. والآن فلننظر كيف تلقى بنو إسرائيل رعاية الله لهم؛ وكيف سارت خطواتهم الملتوية على طول الطريق: {وإذ قيل لهم: اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا: حطة، وادخلوا الباب سجداً، نغفر لكم خطيئاتكم، سنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم، فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون}.. لقد عفا الله عنهم بعد اتخاذهم العجل؛ وعفا عنهم بعد الرجفة على الجبل. ولقد أنعم عليهم بكل تلك النعم.. ثم ها هم أولاء تلتوي بهم طبيعتهم عن استقامة الطريق! ها هم أولاء يعصون الأمر، ويبدلون القول! ها هم أولاء يؤمرون بدخول قرية بعينها - أي مدينة كبيرة - لا يعين القرآن اسمها - لأنه لا يزيد في مغزى القصة شيئاً - وتباح لهم خيراتها جميعاً، على أن يقولوا دعاء بعينه وهم يدخلونها؛ وعلى أن يدخلوا بابها سجداً، إعلان للخضوع لله في ساعة النصر والاستعلاء - وذلك كما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في عام الفتح ساجداً على ظهر دابته - وفي مقابل طاعة الأمر يعدهم الله أن يغفر لهم خطيئاتهم وأن يزيد للمحسنين في حسناتهم.. فإذا فريق منهم يبدلون صيغة الدعاء التي أمروا بها، ويبدلون الهيئة التي كلفوا أن يدخلوا عليها.. لماذا؟ تلبية للانحراف الذي يلوي نفوسهم عن الاستقامة: {فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم}.. عندئذ يرسل الله عليهم من السماء عذاباً.. السماء التي تنزل عليهم منها المن والسلوى وظللهم فيها الغمام!.. {فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء بما كانوا يظلمون}.. وهكذا كان ظلم فريق منهم - أي كفرهم - ظلماً لأنفسهم بما أصابهم من عذاب الله.. ولا يفصل القرآن نوع العذاب الذي أصابهم في هذه المرة. لأن غرض القصة يتم بدون تعيينه. فالغرض هو بيان عاقبة المعصية عن أمر الله، وتحقيق النذر، ووقوع الجزاء العادل الذي لا يفلت منه العصاة. ومرة أخرى يقع القوم في المعصية والخطيئة.. وهم في هذه المرة لا يخالفون الأمر جهرة ولكنهم يحتالون على النصوص ليفلتوا منها! ويأتيهم الابتلاء فلا يصبرون عليه، لأن الصبر على الابتلاء يحتاج إلى طبيعة متماسكة في تملك الارتفاع عن الأهواء والأطماع: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر، إذ يعدون في السبت، إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون. وإذ قالت أمة منهم: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم: كونوا قردة خاسئين. وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم}.. يعدل السياق هنا عن أسلوب الحكاية عن ماضي بني إسرائيل، إلى أسلوب المواجهة لذراريهم التي كانت تواجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة.. والآيات من هنا إلى قوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة} آيات مدنية. نزلت في المدينة لمواجهة اليهود فيها؛ وضمت إلى هذه السورة المكية في هذا الموضع، تكملة للحديث عما ورد فيها من قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى. يأمر الله سبحانه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل اليهود عن هذه الواقعة المعلومة لهم في تاريخ أسلافهم. وهو يواجههم بهذا التاريخ بوصفهم أمة متصلة الأجيال؛ ويذكرهم بعصيانهم القديم، وما جره على فريق منهم من المسخ في الدنيا؛ وما جره عليهم جميعاً من كتابة الذل عليهم والغضب أبداً.. اللهم إلا الذين يتبعون الرسول النبي، فيرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. ولا يذكر اسم القرية التي كانت حاضرة البحر؛ فهي معروفة للمخاطبين! فأما الواقعة ذاتها فقد كان أبطالها جماعة من بني إسرائيل يسكنون مدينة ساحلية.. وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيداً للعبادة؛ ولا يشتغلون فيه بشؤون المعاش، فجعل لهم السبت.. ثم كان الابتلاء ليربيهم الله ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع؛ وكيف ينهضون بعهودهم حين تصطدم بهذه المغريات والأطماع.. وكان ذلك ضرورياً لبني إسرائيل الذين تخلخلت شخصياتهم وطباعهم بسبب الذل الذي عاشوا فيه طويلاً؛ ولا بد من تحرير الإرادة بعد الذل والعبودية، لتعتاد الصمود والثبات. فضلاً على أن هذا ضروري لكل من يحملون دعوة الله؛ ويؤهلون لأمانة الخلافة في الأرض.. وقد كان اختبار الإرادة والاستعلاء على الإغراء هو أول اختبار وجه من قبل إلى آدم وحواء.. فلم يصمدا له واستمعا لإغراء الشيطان بشجرة الخلد وملك لا يبلى! ثم ظل هو الاختبار الذي لا بد أن تجتازه كل جماعة قبل أن يأذن الله لها بأمانة الاستخلاف في الأرض.. إنما يختلف شكل الابتلاء، ولا تتغير فحواه! ولم يصمد فريق من بني إسرائيل - في هذه المرة - للابتلاء الذي كتبه الله عليهم بسبب ما تكرر قبل ذلك من فسوقهم وانحرافهم.. لقد جعلت الحيتان في يوم السبت تتراءى لهم على الساحل، قريبة المأخذ، سهلة الصيد. فتفوتهم وتفلت من أيديهم بسبب حرمة السبت التي قطعوها على أنفسهم! فإذا مضى السبت، وجاءتهم أيام الحل. لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة. كما كانوا يجدونها يوم الحرم!.. وهذا ما أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن يذكرهم به؛ ويذكرهم ماذا فعلوا وماذا لاقوا: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر. إذ يعدون في السبت. إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرّعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم. كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون}. فأما كيف وقع لهم هذا، وكيف جعلت الأسماك تحاورهم هذه المحاورة، وتداورهم هذه المداورة.. فهي الخارقة التي تقع بإذن الله عندما يشاء الله.. والذين لا يعلمون ينكرون أن تجري مشيئة الله بغير ما يسمونه هم" قوانين الطبيعة"! والأمر في التصور الإسلامي - وفي الواقع - ليس على هذا النحو.. إن الله سبحانه هو الذي خلق هذا الكون، وأودعه القوانين التي يسيرعليها بمشيئته الطليقة. ولكن هذه المشيئة لم تعد حبيسة هذه القوانين لا تملك أن تجري إلا بها. لقد ظلت طليقة بعد هذه القوانين كما كانت طليقة.. وهذا ما يغفل عنه الذين لا يعلمون.. وإذا كانت حكمة الله ورحمته بعباده المخاليق قد اقتضت ثبات هذه القوانين؛ فإنه لم يكن معنى هذا تقيد هذه المشيئة وانحباسها داخل هذه القوانين.. فحيثما اقتضت الحكمة جريان أمر من الأمور مخالفاً لهذه القوانين الثابتة جرت المشيئة طليقة بهذا الأمر.. ثم إن جريان هذه القوانين الثابتة في كل مرة تجري فيها إنما يقع بقدر من الله خاص بهذه المرة. فهي لا تجري جرياناً آلياً لا تدخل لقدر الله فيه.. وهذا مع ثباتها في طريقها ما لم يشأ الله أن تجري بغير ذلك.. وعلى أساس أن كل ما يقع - سواء من جريان القوانين الثابتة أو جريان غيرها - إنما يقع بقدر من الله خاص، فإنه تستوي الخارقة والقانون الثابت في جريانه بهذا القدر.. ولا آلية في نظام الكون في مرة واحدة - كما يظن الذين لا يعلمون! - ولقد بدأوا يدركون هذا في ربع القرن الأخير! على أية حال، لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل.. فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، فتتهاوى عزائمهم، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم، فيحتالون الحيل - على طريقة اليهود - للصيد في يوم السبت! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب، وتقل التقوى، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص، ويراد التفلت من ظاهر النصوص!.. إن القانون لا تحرسه نصوصه، ولا يحميه حراسه. إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتحميه. وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية! ولن تستطيع الدولة - كائناً ما كان الإرهاب فيها - أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السر والعلن.. من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية. وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر ولا سلطان فيها من الله.. ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها. وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها! وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت، الذي حرم عليهم الصيد فيه.. وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك ويحوّطون عليه في يوم السبت؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه؛ وقالوا: إنهم لم يصطادوه في السبت، فقد كان في الماء - وراء الحواجيز - غير مصيد! وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب؟ {وإذ قالت أمة منهم: لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟}. فلم تعد هناك جدوى من الوعظ لهم، ولم تعد هناك جدوى لتحذيرهم. بعدما كتب الله عليهم الهلاك أو العذاب الشديد؛ بما اقترفوه من انتهاك لحرمات الله. {قالوا: معذرة إلى ربكم، ولعلهم يتقون}.. فهو واجب نؤديه: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخويف من انتهاك الحرمات، لنبلغ إلى الله عذرنا، ويعلم أن قد أدينا واجبنا. ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فيثير فيها وجدان التقوى. وهكذا انقسم سكان الحاضرة إلى ثلاث فرق.. أو ثلاث أمم.. فالأمة في التعريف الإسلامي هي مجموعة الناس التي تدين بعقيدة واحدة وتصور واحد وتدين لقيادة واحدة، وليست كما هي في المفهوم الجاهلي القديم أو الحديث، مجموعة الناس التي تسكن في إقليم واحد من الأرض وتحكمها دولة واحدة! فهذا مفهوم لا يعرفه الإسلام، إنما هي من مصطلحات الجاهلية القديمة أو الحديثة! وقد انقسم سكان القرية الواحدة إلى ثلاث أمم: أمة عاصية محتالة. وأمة تقف في وجه المعصية والاحتيال وقفة إيجابية بالإنكار والتوجيه والنصيحة. وأمة تدع المنكر وأهله، وتقف موقف الإنكار السلبي ولا تدفعه بعمل إيجابي.. وهي طرائق متعددة من التصور والحركة، تجعل الفرق الثلاث أمماً ثلاثاً! فلما لم يجد النصح، ولم تنفع العظة، وسدر السادرون في غيهم، حقت كلمة الله، وتحققت نذره. فإذا الذين كانوا ينهون عن السوء في نجوة من السوء. وإذا الأمة العاصية يحل بها العذاب الشديد الذي سيأتي بيانه. فأما الفرقة الثالثة - أو الأمة الثالثة - فقد سكت النص عنها.. ربما تهوينا لشأنها - وإن كانت لم تؤخذ بالعذاب - إذ أنها قعدت عن الإنكار الإيجابي، ووقفت عند حدود الإنكار السلبي. فاستحقت الإهمال وإن لم تستحق العذاب: {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء، وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم: كونوا قردة خاسئين}.. لقد كان العذاب البئيس - أي الشديد - الذي حل بالعصاة المحتالين، جزاء إمعانهم في المعصية - التي يعتبرها النص هي الكفر، الذي يعبر عنه بالظلم مرة وبالفسق مرة كما هو الغالب في التعبير القرآني عن الكفر والشرك بالظلم والفسق؛ وهو تعبير يختلف عن المصطلح الفقهي المتأخر عن هذه الألفاظ إذ أن مدلولها القرآني ليس هو المدلول الذي جعل يشيع في التعبير الفقهي المتأخر - كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الآدمية إلى الصورة القردية! لقد تنازلوا هم عن آدميتهم، حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم "الحيوان" حين تخلوا عن خصائص "الإنسان". فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان! أما كيف صاروا قردة؛ وكيف حدث لهم بعد أن صاروا قردة؟ هل انقرضوا كما ينقرض كل ممسوخ يخرج عن جنسه؟ أم تناسلوا وهم قردة؟... إلى آخر هذه المسائل التي تتعدد فيها روايات التفسير... فهذا كله مسكوت عنه في القرآن الكريم؛ وليس وراءه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء.. فلا حاجة بنا نحن إلى الخوض فيه. لقد جرت كلمة الله التي يجري بها الخلق والتكوين ابتداء؛ كما يجري بها التحوير والتغيير.. كلمة "كن". {قلنا لهم: كونوا قردة خاسئين}.. فكانوا قردة مهينين. كما جرى القول الذي لا راد له؛ ولا يعجز قائله عن شيء سبحانه! ثم كانت اللعنة الأبدية على الجميع - إلا الذين يؤمنون بالنبي الأمي ويتبعونه - بما انتهى إليه أمرهم بعد فترة من المعصية التي لا تنتهي؛ وصدرت المشيئة الإلهية بالحكم الذي لا راد له ولا معقب عليه: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم}.. فهو إذْنُ الأبد الذي تحقق منذ صدروه؛ فبعث الله على اليهود في فترات من الزمان من يسومهم سوء العذاب. والذي سيظل نافذاً في عمومه، فيبعث الله عليهم بين آونة وأخرى من يسومهم سوء العذاب. وكلما انتعشوا وانتفشوا وطغوا في الأرض وبغوا، جاءتهم الضربة ممن يسلطهم الله من عباده على هذه الفئة الباغية النكدة، الناكثة العاصية، التي لا تخرج من معصية إلا لتقع في معصية؛ ولا تثوب من انحراف حتى تجنح إلى انحراف.. ولقد يبدو أحياناً أن اللعنة قد توقفت، وأن يهود قد عزت واستطالت! وإن هي إلا فترة عارضة من فترات التاريخ.. ولا يدري إلا الله من ذا الذي سيسلط عليهم في الجولة التالية، وما بعدها إلى يوم القيامة. لقد تأذن الله بهذا الأمر الدائم إلى يوم القيامة - كما أخبر الله نبيه في قرآنه - معقباً على هذا الأمر بتقرير صفة الله سبحانه في العذاب والرحمة. {إن ربك لسريع العقاب، وإنه لغفور رحيم}.. فهو بسرعة عقابه يأخذ الذين حقت عليهم كلمته بالعذاب - كما أخذ القرية التي كانت حاضرة البحر - وهو بمغفرته ورحمته يقبل التوبة ممن يثوب من بني إسرائيل، ممن يتبعون الرسول النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم، في التوراة والإنجيل.. فليس عذابه - سبحانه - عن نقمة ولا إحنة. إنما هو الجزاء العادل لمن يستحقونه، ووراءه المغفرة والرحمة.. ثم تمضي خطوات القصة مع خطوات التاريخ، من بعد موسى وخلفائه، مع الأجيال التالية في بني إسرائيل إلى الجيل الذي كان يواجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة في المدينة: {وقطعناهم في الأرض أمماً.. منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون! والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين}.. وهذه بقية الآيات المدنية الواردة في هذا السياق تكملة لقصة بني إسرائيل من بعد موسى.. ذلك حين تفرق اليهود في الأرض؛ جماعات مختلفة المذاهب والتصورات، مختلفة المشارب والمسالك. فكان منهم الصالحون وكان منهم من هم دون الصلاح. وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات. تارة بالنعماء وتارة بالبأساء، لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويثوبون إلى رشدهم، ويستقيمون على طريقهم: {وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}.. والمتابعة بالابتلاء رحمة من الله بالعباد، وتذكير دائم لهم، ووقاية من النسيان المؤدي إلى الاغترار والبوار.. {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: سيغفر لنا. وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه}.. وصفة هذا الخلف الذي جاء بعد ذلك السلف من قوم موسى: أنهم ورثوا الكتاب ودرسوه.. ولكنهم لم يتكيفوا به ولم تتأثر به قلوبهم ولا سلوكهم.. شأن العقيدة حين تتحول إلى ثقافة تدرس وعلم يحفظ.. وكلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا تهافتوا عليه، ثم تأولوا وقالوا: {سيغفر لنا}.. وهكذا كلما عرض لهم من أعراض الدنيا جديد تهافتوا عليه من جديد! ويسأل سؤال استنكار: {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق؟ ودرسوا ما فيه؟}. ألم يؤخذ عليهم ميثاق الله في الكتاب ألا يتأولوا ولا يحتالوا على النصوص، وألا يخبروا عن الله إلا بالحق.. فما بالهم يقولون: {سيغفر لنا} ويتهافتون على أعراض الحياة الدنيا؟ ويبررون لأنفسهم هذا بالتقول على الله وتأكيد غفرانه لهم، وهم يعلمون أن الله إنما يغفر لمن يتوبون حقاً؛ ويقلعون عن المعصية فعلاً؛ وليس هذا حالهم، فهم يعودون كلما رأوا عرضاً من أعراض الحياة الدنيا! وهم درسوا هذا الكتاب وعرفوا ما فيه! بلى! ولكن الدراسة لا تجدي ما لم تخالط القلوب. وكم من دارسين للدين وقلوبهم عنه بعيد. إنما يدرسونه ليتأولوا ويحتالوا، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويجدوا المخارج للفتاوى المغرضة التي تنيلهم عرض الحياة الدنيا.. وهل آفة الدين إلا الذين يدرسونه دراسة؛ ولا يأخذونه عقيدة؛ ولا يتقون الله ولا يرهبونه؟! {والدار الآخرة خير للذين يتقون. أفلا تعقلون؟}. نعم! إنها الدار الآخرة! إن وزنها في قلوب الذين يتقون هو وحده الذي يرجح الكفة. وهو وحده الذي يعصم من فتنة العرض الأدنى القريب في هذه الدنيا.. نعم إنها هي التي لا يصلح قلب ولا تصلح حياة إلا بها؛ ولا تستقيم نفس ولا تستقيم حياة إلا بملاحظتها.. وإلا فما الذي يعدل في النفس البشرية الرغبة الملحة في حيازة كل عرض يلوح لها من أعراض هذه الأرض؟ وما الذي يحجزها عن الطمع ويكفها عن البغي؟ وما الذي يهدئ فيها هياج الرغائب وسعار الشهوات وجنون المطامع؟ وما الذي يطمئنها في صراع الحياة الدنيا على النصيب الذي لا يضيع بفوات الحياة الدنيا؟ وما الذي يثبتها في المعركة بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وأعراض الأرض تفر من بين يديها وتنأى؟ والشر يتبجح والباطل يطغى؟ لا شيء يثبت على الغير والأحداث وتقلبات الأحوال في هذا الخضم الهائج وفي هذه المعركة الكبرى، إلا اليقين في الآخرة، وأنها خير للذين يتقون، ويعفون، ويترفعون، ويثبتون على الحق والخير في وجه الزعازع والأعاصير والفتن، ويمضون في الطريق لا يتلفتون.. مطمئنين واثقين، ملء قلوبهم اليقين.. وهذه الدار الآخرة غيب من الغيب الذي يريد دعاة "الاشتراكية العلمية" أن يلغوه من قلوبنا ومن عقيدتنا ومن حياتنا؛ ويحلوا محله تصوراً كافراً جاهلاً مطموساً يسمونه: "العلمية".. ومن أجل هذه المحاولة البائسة تفسد الحياة، وتفسد النفوس؛ وينطلق السعار المجنون الذي لا يكبحه إلاَّ ذلك اليقين.. ينطلق سعار الرشوة والفساد والطمع والطغيان. وينتشر داء الإهمال وقلة المبالاة والخيانة في كل مجال.. إن "العلمية" التي تناقض "الغيبية" جهالة من جهالات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. جهالة يرجع عنها "العلم البشري" ذاته، ولا يبقى يرددها في القرن العشرين إلا الجهال! جهالة تناقض فطرة "الإنسان" ومن ثم تفسد "الحياة" ذلك الإفساد الذي يهدد البشرية بالدمار! ولكنه المخطط الصهيوني الرهيب الذي يريد أن يسلب البشرية كلها قوام حياتها وصلاحها. ليسهل تطويعها لملك صهيون في نهاية المطاف! والذي تردده الببغاوات هنا وهناك، بينما الأوضاع التي أقامتها الصهيونية وكفلتها في أنحاء الأرض تمضي عن علم في تنفيذ المخطط الرهيب هنا وهناك! ولأن قضية الآخرة، وقضية التقوى قضيتان أساسيتان في العقيدة وفي الحياة، يحيل السياق القرآني المخاطبين الذين يتهافتون على عرض هذا الأدنى.. عرض الحياة الدنيا.. إلى العقل: {والدار الآخرة خير للذين يتقون.. أفلا تعقلون؟}.. ولو كان العقل هو الذي يحكم لا الهوى.. ولو كان العلم الحق لا الجهالة التي تسمى العلم هو الذي يقضي.. لكانت الدار الآخرة خيراً من عرض هذا الأدنى. ولكانت التقوى زاداً للدين والدنيا جميعاً: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إنا لا نضيع أجر المصلحين}. وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه؛ ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه، ولا يعملون به، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم؛ ولا في سلوكهم وحياتهم.. غير أن الآية تبقى - من وراء ذلك التعريض - مطلقة، تعطي مدلولها كاملاً، لكل جيل ولكل حالة. إن الصيغة اللفظية: {يمسكون}.. تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى.. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة.. الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه.. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت.. فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر.. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون "الواقع" هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله! والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة؛ وإقامة الصلاة - أي شعائر العبادة - هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة.. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه.. والإشارة إلى الإصلاح في الآية: {إنا لا نضيع أجر المصلحين}.. يشير إلى هذه الحقيقة.. حقيقة أن الاستمساك الجاد بالكتاب عملاً، وإقامة الشعائر عبادة هما أداة الإصلاح الذي لا يضيع الله أجره على المصلحين. وما تفسد الحياة كلها إلا بترك طرفي هذا المنهج الرباني.. ترك الاستمساك الجاد بالكتاب وتحكيمه في حياة الناس؛ وترك العبادة التي تصلح القلوب فتطبق الشرائع دون احتيال على النصوص، كالذي كان يصنعه أهل الكتاب؛ وكالذي يصنعه أهل كل كتاب، حين تفتر القلوب عن العبادة فتفتر عن تقوى الله.. إنه منهج متكامل. يقيم الحكم على أساس الكتاب؛ ويقيم القلب على أساس العبادة.. ومن ثم تتوافى القلوب مع الكتاب؛ فتصلح القلوب، وتصلح الحياة. إنه منهج الله، لا يعدل عنه ولا يستبدل به منهجاً آخر، إلا الذين كتبت عليهم الشقوة وحق عليهم العذاب! وفي ختام حلقات القصة في هذه السورة يذكر كيف كان الله قد أخذ على بني إسرائيل الميثاق: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم. خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون}. إنه ميثاق لا ينسى.. فقد أخذ في ظرف لا ينسى! أخذ وقد نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم! ولقد كانوا متقاعسين يومها عن إعطاء الميثاق؛ فأعطوه في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس. ولقد أمروا في ظل تلك الخارقة القوية أن يأخذوا ميثاقهم بقوة وجدية، وأن يستمسكوا به في شدة وصرامة، وألا يتخاذلوا ولا يتهاونوا ولا يتراجعوا في ميثاقهم الوثيق، وأن يظلوا ذاكرين لما فيه، لعل قلوبهم تخشع وتتقي. وتظل موصولة بالله لا تنساه! ولكن إسرائيل هي إسرائيل! نقضت الميثاق، ونسيت الله، ولجت في المعصية، حتى استحقت غضب الله ولعنته. وحق عليها القول، بعدما اختارها الله على العالمين في زمانها، وأفاء عليها من عطاياه. فلم تشكر النعمة، ولم ترع العهد، ولم تذكر الميثاق.. وما ربك بظلام للعبيد..

ابن عاشور

تفسير : لما تمت العبرة بقصة بعث موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه، وكيف نصره الله على عدوه، ونصر قومه بني إسرائيل، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر الحق على الباطل، استرسل الكلام إلى وصف تكوين أمة بني إسرائيل وما يحق أن يعتبرَ به من الأحوال العارضة لهم في خلال ذلك مما فيه طمأنينةُ نفوس المؤمنين الصالحين في صالح أعمالهم، وتحذيرهم مما يرمي بهم إلى غضب الله فيما يحقرون من المخالفات، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى أمور عبيده، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض الكفران. والمجاوزة: البعد عن المكان عقب المرور فيه، يقال: جَاوز بمعنى جاز، كما يقال: عَالى بمعنى علا، وفعله متعد إلى واحد بنفسه وإلى المفعول الثاني بالباء فإذا قلت: جُزتُ به، فأصل معناه أنك جزته مصاحباً في الجواز به للمجرور بالباء، ثم استعيرت الباء للتعدية يقال: جُزت به الطريق إذا سهلت له ذلك وإن لم تسر معه، فهو بمعنى أجزته، كما قالوا: ذَهبت به بمعنى أذهبته، فمعنى قوله هنا: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} قدرنا لهم جَوازه ويسرّناه لهم. والبحر هو بحر القُلْزُم ــــ المعروف اليوم بالبحر الأحمر ــــ وهو المراد باليمّ في الآية السابقة، فالتعريف للعهد الحضوري، أي البحر المذكور كما هو شأن المعرفة إذا أعيدت معرفة، واختلاف اللفظ تفنن، وتجنباً للإعادة، والمعنى: أنهم قطعوا البحر وخرجوا على شاطئه الشرقي. و{أتوا على قوم} معناه أتَوْا قوماً، ولما ضمن {أتَوْا} معنى مروا عدي بعلى، لأنهم لم يقصدوا الإقامة في القوم، ولكنهم ألْفَوهم في طريقهم. والقوم هم الكنعانيون ويقال لهم عند العرب العمالقةُ ويعرفون عند متأخري المؤرخين بالفنيقيين. والأصنام كانت صُورَ البقر، وقد كان البقر يعبد عند الكنعانيين، أي الفنيقيين باسم (بَعل)، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده} تفسير : في سورة البقرة (51). والعُكوف: الملازمة بنية العبادة، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} تفسير : في سورة البقرة (187)، وتعدية العكوف بحرف (على) لما فيه من معنى النزول وتمكنه كقوله: {أية : قالوا لن نبرح عليه عاكفين}تفسير : [طه: 91]. وقريء {يعكفون} ــــ بضم الكاف ــــ للجمهور، وبكسرها لحمزة والكسائي، وخَلف، وهما لغتان في مضارع عَكف. واختير طريق التنكير في أصنام ووصفُه بأنها لهم، أي القوم دون طريق الإضافة ليتوسل بالتنكير إلى إرادة تحقير الأصنام وأنها مجهولة، لأن التنكير يستلزم خفاء المعرفة. وإنما وصفت الأصنام بأنها لهم ولم يُقتصر على قوله: {أصنام} قال ابن عرفة التونسي: «عادتهم يجيبون بأنه زيادة تشنيع بهم وتنبيه على جهلهم وغوايتهم في أنهم يعبدون ما هو ملك لهم فيجعلون مملوكهم إلاههم». وفُصلت جملة {قالوا}، فلم تعطف بالفاء: لأنها لما كانت افتتاح محاور، وكان شأن المحاورة أن تكون جملها مفصولة شاع فصلها، ولو عطفت بالفاء لجاز أيضاً. ونداؤهم موسى وهو معهم مستعمل في طلب الإصغاء لما يقولونه، إظهاراً لرغبتهم فيما سيطلبون، وسموا الصنم إلاهاً لجهلهم فهم يحْسبون أن اتخاذ الصنم يُجدي صاحبه، كما لو كان إلاهُه معَه، وهذا يدل على أن بني إسرائيل قد انخلعوا في مدة إقامتهم بمصر عن عقيدة التوحيد وحنيفية إبراهيم ويعقوب التي وصى بها في قوله: {أية : فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون}تفسير : [البقرة: 132] لأنهم لما كانوا في حال ذل واستعباد ذهب علمهم وتاريخ مجدهم واندمجوا في ديانة الغالبين لهم فلم تبق لهم ميزة تميزهم إلاّ أنهم خدمة وعبيد. والتشبيه في قوله: {كما لَهم آلهة} أرادوا به حَض موسى على إجابة سؤالهم، وابتهاجاً بما رأوا من حال القوم الذين حَلّوا بين ظهرانيهم وكفَى بالأمة خسّةَ عقول أن تعُد القبيح حسناً، وأن تتخذ المظاهر المزيّنة قدوة لها، وأن تنخلع عن كمالها في اتباع نقائص غيرها. و{ما} يجوز أن تكون صلة وتوكيداً كافة عمل حرف التشبيه، ولذلك صار كاف التشبيه داخلاً على جملة لا على مفرد، وهي جملة من خبر ومبتدأ، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية غير زمانية، والجملة بعدها في تأويل مصدر، والتقدير كوجود آلهة لهم، وإن كان الغالب أن (ما) المصدرية لا تدخل إلاّ على الفعل نحو قوله تعالى: {أية : ودوا ما عنَتّم}تفسير : [آل عمران: 118] فيتعين تقدير فعل يتعلق به المجرور في قوله: {لهم} أو يكتفَى بالاستقرار الذي يقتضيه وقوع الخبر جازا ومجروراً، كقول نهْشَل بن جرير التميمي: شعر : كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه تفسير : وفصلت جملة {قال إنكم قوم تجهلون} لوقوعها في جواب المحاورة، أي: أجاب موسى كلامهم، وكان جوابه بعنف وغلظة بقوله: {إنكم قوم تجهلون} لأن ذلك هو المناسب لحالهم. والجهل: انتفاء العلم أو تصور الشيء على خلاف حقيقته، وتقدم في قوله تعالى: {أية : للذين يعملون السوء بجهالة} تفسير : في سورة النساء (17)، والمراد جهلهم بمفاسد عبادة الأصنام، وكانَ وصف موسى إياهم بالجهالة مؤكداً لما دلت عليه الجملة الاسمية من كون الجهالة صفة ثابتة فيهم وراسخة من نفوسهم، ولولا ذلك لكان لهم في باديء النظر زاجر عن مثل هذا السؤال، فالخبر مستعمل في معنييه: الصريح والكناية، مكنى به عن التعجب من فداحة جهلهم. وفي الإتيان بلفظ {قوم} وجعل ما هو مقصود بالإخبار وصفاً لقوم، تنبيه على أن وصفهم بالجهالة كالمتحقق المعلوم الداخل في تقويم قوميتهم، وفي الحكم بالجهالة على القوم كلهم تأكيد للتعجب من حال جهالتهم وعمومها فيهم بحيث لا يوجد فيهم من يشذ عن هذا الوصف مع كثرتهم، ولأجل هذه الغرابة أكد الحكم (بإن) لأن شأنه أن يتردد في ثبوته السامعُ. وجملة {إن هؤلاء متّبرٌ ما همُ فيه} بمعنى التعليل لمضمون جملة {إنكم قوم تجهلون} فلذلك فصلت عنها وقد أكدت وجعلت اسمية لمثل الأغراض التي ذكرت في أختها، وقد عُرّف المسند إليه بالإشارة لتمييزهم بتلك الحالة التي هم متلبسون بها أكمل تمييز، وللتنبيه على أنهم أحرياء بما يَرِد بعد اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم متّبرا أمرهم وباطلاً عملهم، وقُدم المسند وهو {متَبّر} على المسند إليه وهو {ما هم فيه} ليفيد تخصيصه بالمسند إليه أي: هم المعرضون للتّبار وأنه لا يعدوهم البتة، وأنه لهم ضربة لازب، ولا يصح أن يجعل {متَبر} مسنداً إليه لأن المقصود بالإخبار هو ما هم فيه. والمتَبّر: المدمّر، والتّبَار ــــ بفتح التاء ــــ الهلاك {أية : ولا تزد الظالمين إلاّ تباراً}تفسير : [نوح: 28]. يقال تَبَر الشيء ــــ كضرب وتعب وقتل ــــ وتَبّره تضعيف للتعدية، أي أهلكه والتتبير مستعار هنا لفساد الحال، فيبقى اسم المفعول على حقيقته في أنه وصف للموصوف به في زمن الحال. ويجوز أن يكون التتبير مستعاراً لسوء العاقبة، شبه حالهم المزخرفُ ظاهرهُ بحال الشيء البهيج الآيل إلى الدمار والكَسْر فيكون اسم المفعول مجازاً في الاستقبال، أي صائِر إلى السوء. و{ما هم فيه} هو حالهم، وهو عبادة الأصنام وما تقتضيه من الضلالات والسيئات ولذلك اختير في تعريفها طريق الموصولية لأن الصلة تحيط بأحوالهم التي لا يحيط بها المتكلم ولا المخاطبون. والظرفية مجازية مستعارة للملابسة، تشبيهاً للتلبس باحتواء الظرف على المظروف. والباطل اسم لضد الحق فالإخبار به كالإخبار بالمصدر يفيد مبالغة في بطلانه لأن المقام مقام التوبيخ والمبالغة في الإنكار، وقد تقدم آنفاً معنى الباطل عند قوله تعالى: {أية : فوقع الحَقُّ وبَطَل ما كانوا يعملون}تفسير : [الأعراف: 118]. وفي تقديم المسند، وهو {باطل} على المسند إليه وهو {ما كانوا يعملون} ما في نظيره من قوله: {متبر ما هم فيه}. وإعادة لفظ {قال} مستأنفاً في حكاية تكملة جواب موسى بقوله تعالى: {قال أغير الله أبغيكم} تقدم توجيه نظيره عند قوله تعالى: {أية : قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} تفسير : من هذه السورة (24) ــــ إلى قوله ــــ {أية : قال فيها تحيون} تفسير : من هذه السورة (25). والذي يظهر أنه يعاد في حكاية الأقوال إذا طال المقول، أو لأنه انتقال من غرض التوبيخ على سؤالهم إلى غرض التذكير بنعمة الله عليهم، وأن شكر النعمة يقتضي زجرهم عن محاولة عبادة غير المنعم، وهو من الارتقاء في الاستدلال على طريقة التسليم الجدَلي، أي: لو لم تكن تلك الآلهة باطلاً لكان في اشتغالكم بعبادتها والإعراض عن الإلٰه الذي أنعم عليكم كفران للنعمة ونداء على الحماقة وتنزه عن أن يُشاركهم في حماقتهم. والاستفهام بقوله: {أغير الله أبغيكم إلٰهاً} للإنكار والتعجب من طلبهم أن يجعل لهم إلاهاً غير الله، وقد أوليَ المستفهم عنه الهمزة للدلالة على أن محل الإنكار هو اتخاذ غير الله إلٰهاً، فتقديم المفعول الثاني للاختصاص، للمبالغة في الإنكار أي: اختصاص الإنكار ببغي غير الله إلٰهاً. وهمزة {أبغيكم} همزة المتكلم للفعل المضارع، وهو مضارع بغَى بمعنى طلب، ومصدره البَغاء ــــ بضم الباء. وفعله يتعدى إلى مفعول واحد، ومفعوله هو {غيرَ الله} لأنه هو الذي ينكر موسى أن يكون يبغيه لقومه. وتعديته إلى ضمير المخاطبين على طريقة الحذف والإيصال، وأصل الكلام: أبغي لكم و{إلٰهاً} تمييز لــــ {غير}. وجملة: {وهو فضلكم على العالمين} في موضع الحال، وحين كان عاملها محَل إنكار باعتبار معموله، كانت الحال أيضاً داخلة في حيز الإنكار، ومقررة لجهته. وظاهر صوغ الكلام على هذا الأسلوب أن تفضيلهم على العالمين كان معلوماً عندهم لأن ذلك هو المناسب للإنكار، ويحتمل أنه أراد إعلامهم بذلك وأنه أمر محقق. ومجيء المسند فعلياً: ليفيد تقديم المسند إليه عليه تخصيصه بذلك الخبر الفعلي أي: وهو فضلكم، لم تفضلكم الأصنام، فكان الإنكار عليهم تحميقاً لهم في أنهم مغمورون في نعمة الله ويطلبون عبادة ما لا يُنعم. والمرادُ بالعالمين: أممُ عصرهم، وتفضيلهم عليهم بأنهم ذرية رسول وأنبياءَ، وبأن منهم رسلاً وأنبياء، وبأن الله هداهم إلى التوحيد والخلاص من دين فرعون بعد أن تخبطوا فيه، وبأنه جعلهم أحراراً بعد أن كانوا عبيداً، وساقهم إلى امتلاك أرض مباركة وأيدهم بنصره وآياته، وبعث فيهم رسولاً ليقيم لهم الشريعة. وهذه الفضائِل لم تجتمع لأمة غيرهم يومئذٍ، ومن جملة العالمين هؤلاء القوم الذين أتوا عليهم، وذلك كناية عن إنكار طلبهم اتخاذَ أصنام مثلهم، لأن شأن الفاضل أن لا يقلد المفضول، لأن اقتباس أحوال الغير يتضمن اعترافاً بأنه أرجح رأياً وأحسن حالاً، في تلك الناحية.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر: أي قطعنا بهم فاجتازوه إلى ساحله. يعكفون على أصنام لهم: يجلسون إلى تماثيل بقر منحوته من حجر. اجعل لنا إلهاً: أي معبوداً يريدون تمثالاً كالذي شاهدوا. تجهلون: أي أنَّ العبادة لا تكون إلا لله تعالى. متبر ما هم فيه: هالك خاسر لا يكسبهم خيراً ولا يدفع عنهم شراً. وإذ نجيناكم: أي واذكروا نعم الله عليكم بإنجائه إياكم من آل فرعون. يسومونكم سوء العذاب: يوردونكم موارد الردى والهلاك بما يصيبونكم به من عذاب. بلاء من ربكم: أي اختبار وامتحان قاسٍ شديد. معنى الآيات: هذا بداية قصص جديد لنبي الله تعالى موسى مع قومه من بني إسرائيل إنه بعد هلاك فرعون وجنوده في اليم، انتهى الكلام على دعوة موسى لفرعون وملئه، وبذلك استقبل موسى وأخوه هارون مشاكل جديدة مع قومهما إنه بعد أن جاوز تعالى ببني إسرائيل البحر ونزلوا على شاطئه سالمين مرّوا بأناس يعكفون على تماثيل لهم وهي عبارة عن أبقار حجرية منحوته نحتاً يعبدونها وهم عاكفون عليها وما إن رأى بنو إسرائيل هؤلاء العاكفين على الأصنام حتى قالوا لموسى يا موسى اجعل لنا إلها كما لهؤلاء آلهة، وهي كلمة دالة على جهلٍ بالله تعالى وآياته، فما كان من موسى عليه السلام حتى جابههم بقوله: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} وواصل تأنيبه لهم وإنكاره الشديد عليهم فقال {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ} أي العاكفين على الأصنام والذين غرتكم حالهم {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي إنهم وما هم عليه من حال في هلاك وخسار، ثم قال لهم منكرً متعجباً {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً} أي غير ربي عز وجل أطلب لكم إلهاً تعبدونه دون الله ما لكم أين يذهب بعقولكم، وهو سبحانه وتعالى فضلكم على العالمين وشرفكم على سائر سكان المعمورة أهكذا يكون شكركم له بطلب إله غيره، وهل هناك من يستحق العبادة غيره؟ وقوله تعالى في الآية الأخيرة [141] {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي واذكروا يا من قلتم اجعل لنا إلهاً كما للمشركين آلهة اذكروا فضل الله عليكم بإنجائه إياكم من فرعون وآله وهم الذين كانوا على منهجه في الظلم والكفر من رجال حكمه وأفراد شرطه وجيوشه {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} حتى لا تكثروا، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} للامتهان والخدمة، وفي هذا التعذيب والإِنجاء منه {بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} يتطلب شكركم لا كفركم، فكيف تريدون أن تعبدوا غيره، وتشركوا به أصناماً لا تنفع ولا تضر، إن أمركم لجد مستغرب وعجب فاتقوا الله وتوبوا إليه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- طلب بني إسرائيل من موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه دال على جهل تام في بني إسرائيل ولذا قال لهم موسى {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} فالعلة في هذا الطلب العجيب هي الجهل بالله تعالى وأسمائه وصفاته، يشهد لهذا أن مسلمة الفتح لما خرج بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين مروا بسدرة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أجعلها لنا ذات أنواط ننيط بها أسلحتنا، كما للمشركين نظيرها ينيطون بها أسلحتهم لينتصروا في القتال على أعدائهم فعجب الرسول من قولهم وقال"حديث : سبحان الله ما زدتم أن قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة"تفسير : فجهل القائلين هو الذي سهل عليهم أن يقولوا مثل هذا القول، ويشهد لذلك أن آلاف الأشجار والمزارات في بلاد المسلمين تزار ويتبرك بها وتقدم لها القرابين ولا علة لذلك سوى جهل المسلمين بربهم عز وجل. 2- إنكار المنكر عند وجوده والعثور عليه بالأسلوب الذي يغيره. 3- استحباب التذكير بأيام الله خيرها وشرها لاستجلاب الموعظة للناس لعلهم يتوبون. 4- الرب تعالى يبتلي بالخير والغير، وفي كل ذلك خير لمن صبر وشكر.

القطان

تفسير : جاوزنا: عدّيناهم، نقلناهم. يعكفون: يلازمون الأصنام ويعبودنها. الاصنام، واحدها صنم: ما يُصنع من الحجارة والخشب والمعدن من التماثيل للعبادة من دون الله. وبعض العرب كان يصنع الصنم من التمر، فاذا جاع أكل الربّ الذي صنع. متبر ما هم فيه: مدمَّر، والتتبير التدمير والهلاك. باطل: زائل وهالك. اغير الله ابغيكم ربا: اطلب لكم ربا غيره. وجاز بنو اسرائيل البحر، بعنايتنا وتأييدنا، فلما قطعوه مروا على قوم كانوا منكبّين على عبادة أصنام لهم، فلما شاهدوا ذلك غلبَ عليهم ما ألِفوه قديماً من عبادة المصريين للأصنام، فطلبوا من موسى ان يجعل لهم صنماً يعبدونه كما رأوا القوم يفعلون. عندئذٍ سارع موسى الى توبيخهم قائلاً لهم: حقاً انكم قوم سفهاء لا عقول لكم، لا تعرفون العبادة الصحيحة، ولا من هو الإله الذي يستحق ان يُعبد. ان القوم الذيين ترونهم عاكفين على عبادة الاصنام قوم هالكون، وما يفعلون باطل وزائل، فهو من بابِ عبادة غيرِ الله. ويْحَكُم يا بني اسرائيل! أأطلبُ لكم، معبوداً غير الله رب العالمين وخالق السماوات والأرض! أما منحَكم من فضله، لقد خصّكم بنعمٍ لم يعطها غيركم من أهلِ زمانكم؟ ولقد فضّلكم على أهل عصركم هذا بأن هداكم الى وحدانيته! اذكروا إذ أنجاكم بعنايته من آل فرعون وظلمهم. وأنتم تعلمون انهم كانوا يذيقونكم، اشد العذاب، ويسخّرونكم لخدمتهم، ولا يرون لكم حرمة الا كما للبهائم. كانوا يقتلون ما يولد لكم من الذكور، ويسبقون الاناث لتزدادوا ضعفا بكثرتهن، وليجعلوهن خدماً لهم ويستمتعوا بهن. ان فيما نزل بكم من تعذيب فرعون وانجائكم منه اختبار عظيم من ربكم ليس وراءه بلاء واختبار.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَاوَزْنَا} {ۤ إِسْرَآئِيلَ} {يٰمُوسَىٰ} {آلِهَةٌ} (138) - وَبَعْدَ أَنْ جَاوَزَ مُوسَى بِقَوْمِهِ البَحْرَ، بِعَوْنِ اللهِ وَتَأَيِيدِهِ مَرُّوا أَثْنَاءَ سَيْرِهِمْ بِقَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَاماً (وَقِيلَ إِنَّها كَانَتْ عَلَى صُورَةِ البَقَرِ)، فَرَاقَتْ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ لِلْجَهَلَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا لِمُوسَى: اصْنَعْ لَنَا آلهةً مِثْلَ آلِهَتِهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّهُمْ قَوْمٌ يَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللهِ وَجَلاَلَهُ، وَمَا يَجِب لِذَاتِهِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْزِيهِ عَنِ الشَّرِيكَ وَعَنِ المُمَاثِلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لقد قالوا ذلك وهم مازالوا مغمورين في نعم الله إنجاء من عدو، واستخلافاً في الأرض، ومع ذلك بمجرد أن طلعوا إلى البر ورأوا جماعة يعبدون صنماً طالبوا موسى أن يجعل لهم صنماً يعبدونه. لقد حسدوا من يجهلون قيمة الإِيمان ويعكفون على عبادة الأصنام، ويعكف تعني أن يقيم إقامة لازمة، ومنه الاعتكاف في المسجد، أي الانقطاع عن حركة الحياة خارج المسجد إلى عبادة الله في بيته. {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ...} [الأعراف: 138] وهذا القول من قوم موسى هو قمة الغباء، كأن الإِله بالنسبة لهم مجهول على رغم أنه قد أسبغ عليهم من النعم الكثير، وهذه أول خيبة، وهم يريدون أن يكون الإِله مجعولاً برغم أن الإِله بكمالاته وطلاقة قدرته جاعل، ولكن عقيلتهم لم تستوعب النعم الغامرة وقلوبهم مغلقة لم يعمها الإِيمان. وقالوا: اجعل لنا إلهاً! وأرادوا أن ينحت لهم الأصنام، وقد يقول واحد منهم: رأس الإِله كبيرة قليلاً صغّرها بعض الشيء، وأنفه غير مستقيمة فلنعدلها بالإِزميل، وقولهم: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً}. وهذا ما يجعلنا نفهم أن عقولهم لم تستوعب حقيقة الإِيمان؛ لذلك يقول لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}. ولم يقل لهم: "لا تعلمون" بل قال: "تجهلون" لأن هناك فارقاً بين عدم العلم بالشيء، وبين الجهل بالشيء، فعدم العلم يعني أن الذهن قد يكون خالياً من أي قضية، أما "الجهل" فهو يعني أن تعلم مناقضاً للقضية، إذن فهناك قضية يعتقدها الجاهل ولكنها غير واقعية. أما الذي لا يعلم فليس في باله قضية، وحين تأتي له القضية يقتنع بها، ولا يحتاج ذلك إلى عملية عقلية واحدة مثل الأمي مثلاً الذي لا يعلم، لأن ذهنه خال من قضية، أما الذي يعلم قضية مخالفة فهو يحتاج من الرسول إلى عمليتين عقليتين: الأولى أن يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يخرج ما في نفسه من قضية الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يرهق العالم هم الجهلاء لا الأميون، لأن الأمي حين تعطي له المعلومة فليس عنده ما يناقضها. لكن الجاهل عنده ما يناقضها ويخالف الواقع. ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ مُتَبَّرٌ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {يَعْكُفُونَ} معناهُ يُقيمونَ.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار إلى قبح صنيع بني إسرائيل وخبث طينتهم وجهلهم المركون في جبلتهم وسخافة طبعهم، وركاكة فطنتهم؛ تسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكيراً للمؤمنين ليحترزوا عن أمثال ما أتوا به، فقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ} أي: عبرناهم سالمين غانمين {ٱلْبَحْرَ} الذي أهل عدوهم {فَأَتَوْاْ} أي: مروا في طريقهم {عَلَىٰ قَوْمٍ} من بقية العمالقة {يَعْكُفُونَ} يعبدون ويقيمون {عَلَىٰ أَصْنَامٍ} تماثيل كانت معبودات {لَّهُمْ} من دون الله. {قَالُواْ} من قسوة قلوبهم وضعف يقينهم بالله المنزه عن الأشياء والأمثال {يٰمُوسَىٰ} المبعوث المرسل إلينا من الله الواحد الأحد {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً} مثالاً واحداً مشابهاً لله نبعده ونتقرب نحوه {كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} يعبدونها ويتقربون نحوها، ونحن كيف نعبد نتقرب إلى إله موهوم لا نراه ولا نشاهده؟ وكيف نتضرع إليه ونتوجه نحوه ونستحي منه ونخاف عنه؟ ثم لما تفرس منهم موسى ما تفرس من الحجاب الكثيف والغشاوة الغليظة {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] تستمرون على جهلكم الجبلي، لم يؤثر فيكم الآيات الكبرى والبراهين العظمى، ولم تتفطنوا بالتوحيد الذاتي مع وضوحه في ذاته سيما بعد الإيضاح بالآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة. {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ} العاكفين الضالين {مُتَبَّرٌ} مهلك معدوم {مَّا هُمْ فِيهِ} من عبادة التماثيل الباطلة العاطلة الهالكة في أنفسها، لا وجود لها أصلاً {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 139] لها ولأجلها من الأطاعة والانقياد؛ إذ هو إشراك بالله الواجب الوجود، المستقل بالألوهية ما لا وجود له أصلاً. ثم: {قَالَ} موسى متأسفاً مقرعاً: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، الذي ليس كمثله شيء أصلاً {أَبْغِيكُمْ} وأطلب لكم أيها الحمقى العمي، الضالون في تيه الغفلة {إِلَـٰهاً} من مصنوعاته يعبد له بالحق ويتقرب إليه {وَ} الحال إنه {هُوَ} سبحانه {فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الأعراف: 140] إذ لا مظهر له أكمل منكم، فكيف تعبدون المفضول المرذول، وما عرض عليكم أيها الجاهلون لم تعرفوا مرتبتكم الجامعة الكاملة، وعليكم أن تعدوا نعم الله التي أنعمها عليكم لعلكم تنبهون على توحيد المنعم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إعزاز أوليائه، وإذلال أعدائه بقوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ} [الأعراف: 138] إلى قوله تعالى: {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141] والإشارة فيها: أن بني إسرائيل القلب كانت معذبة في مصر القالب وصفاتها، فلمَّا أخلص الله تعالى {وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ}؛ أي: خلصنا بني إسرائيل صفات القلب من بحر الدنيا ومن فرعون النفس، {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ} [الأعراف: 138]؛ أي: وصلوا إلى صفات الروح، {يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ} [الأعراف: 138] من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية، فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح، {قَالُواْ يٰمُوسَىٰ} [الأعراف: 138] الوارد الرباني الذي جاوز بهم بحر الدنيا. {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، يشير إلى أنه لولا فضل الله ورحمته مع العبد ثيبته على قدم العبودية وصدق الطلب إلى أن يبلغه المقصد إلاَّ إذا كان العبد يركن إلى كل شيء من حسائس الدنيا فضلاً عن نفائس العقبى كقوله تعالى لسيد البشر صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 74]، قال لهم موسى الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] قدر الله وعنايته معكم، {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ} [الأعراف: 139]؛ يعني: صفات الروح، {مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ} [الأعراف: 139] من الركون والعكوف على استجلاء المعاني والمعارف الروحانية، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعرافِ: 139] في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف والحقائق الإلهيات، {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ} [الأعراف: 141] يعني النفس وصفاتها {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الأعراف: 141]؛ أي: سوء عذاب البعد، {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} [الأعراف: 141]؛ أي: يبطلون أعمالكم الصالحة التي هي متولدات من صفات القلب بآفة الرياء والعجب النفساني، {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [الأعراف: 141]؛ يعني: صفاء القلب لاستخدام النفس وصفاتها، {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141]؛ يعني: وكان في استخدام صفات القلب النفس وصفاتها بأن يعمل الصالحات رياء وسمعة؛ لجذب المنافع الدنيوية لحظوظ النفس بلا تعظيم من ربكم، فخلصكم منه لئلا تطلبوا غيره ولا تعبدوا سواه، فلا تركنوا إلى الروحانية ولا المعقولات؛ كي تظفر بمراتب الوصول ودرجات الوصال.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً} [138] 205- أنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أنا مَعْمر، عن الزُّهري، عن سنان بن أبي سنان الدِّيلي، عن أبي واقد الليثي قال: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل / حُنَيْن، فمررنا بِسِدْرَة فقلت: يا رسول الله، اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار يَنُوطُون سلاحهم بِسِدْرة ويعكُفُون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} إنكم تركبون سَنَنَ الذين من قَبلكم ".

همام الصنعاني

تفسير : 931- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري ، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، قال: حديث : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل حنين. فَمَرَرْنَا بسِدْرَةٍ، فقلنا: يا رسول الله! اجعلْ لنا هذه ذاتَ أَنْوَاطٍ كما للكفار ذاتُ أنواطٍ؛ وكان الكفار ينوطون سِلاَحهم بسِدْرَةٍ ويَعْكُفُونَ حَوْلَهَا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}: [الآية: 138] إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم . تفسير : 932- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، أن حذيفة بن اليمان، قال: لتركبنَّ سَنَنَ بني إسرائيل حذو القذَّة بالقذَّة، وحذو الشراك بالشراكِ، حَتَّى لو فَعَلَ رَجُلٌ من بني إسرائيل كَذَا وكَذَا لفعله رجل من هذه الآمة. فقال: رجل قد كان في بني إسرائيل قردة وخنازير. قال: وهذه الأمة سيكون فيها قردة وخنازير. 933- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَتَتَّبِعنَّ سنن بني إسرائيل شبراً بشبرٍ وذِرَاعاً بِذِرَاع، حتى ولو دخل رجل من بني إسرائيل حجر ضبٍّ لاتبعتموه فيه ".