٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
184
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما بالغ في تهديد المعرضين عن آياته، الغافلين عن التأمل في دلائله وبيناته، عاد إلى الجواب عن شبهاتهم. فقال: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } والتفكر طلب المعنى بالقلب وذلك لأن فكرة القلب هو المسمى بالنظر، والتعقل في الشيء والتأمل فيه والتدبر له، وكما أن الرؤية بالبصر حالة مخصوصة من الانكشاف والجلاء، ولها مقدمة وهي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي: طلباً لتحصيل تلك الرؤية بالبصر، فكذلك الرؤية بالبصيرة، وهي المسماة بالعلم واليقين، حالة مخصوصة في الانكشاف والجلاء، ولها مقدمة وهي تقليب حدقة العقل إلى الجوانب، طلباً لذلك الانكشاف والتجلي، وذلك هو المسمى بنظر العقل وفكرته، فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } أمر بالفكر والتأمل والتدبر والتروي لطلب معرفة الأشياء كما هي عرفاناً حقيقياً تاماً، وفي اللفظ محذوف. والتقدير: أولم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة، والجنة حالة من الجنون، كالجلسة والركبة ودخول «من» في قوله: {مّن جِنَّةٍ } يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون. واعلم أن بعض الجهال من أهل مكة كانوا ينسبونه إلى الجنون لوجهين: الأول: أن فعله عليه السلام كان مخالفاً لفعلهم، وذلك لأنه عليه السلام كان معرضاً عن الدنيا مقبلاً على الآخرة، مشتغلاً بالدعوة إلى الله، فكان العمل مخالفاً لطريقتهم، فاعتقدوا فيه أنه مجنون. قال الحسن وقتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذا من قريش. فقال يا بني فلان يا بني فلان، وكان يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، واظب على الصياح طول هذه الليلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية وحثهم على التفكر في أمر الرسول عليه السلام، ليعلموا أنه إنما دعا للإنذار لا لما نسبه إليه الجهال. الثاني: أنه عليه السلام كان يغشاه حالة عجيبة عند نزول الوحي فيتغير وجهه ويصفر لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، فالجهال كانوا يقولون إنه جنون فالله تعالى بين في هذه الآية أنه ليس به نوع من أنواع الجنون، وذلك لأنه عليه السلام كان يدعوهم إلى الله، ويقيم الدلائل القاطعة والبينات الباهرة، بألفاظ فصيحة بلغت في الفصاحة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الخلق، طيب العشرة، مرضي الطريقة نقي السيرة، مواظباً على أعمال حسنة صار بسببها قدوة للعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون، وإذا ثبت هذا ظهر أن اجتهاده على الدعوة إلى الدين إنما كان لأنه نذير مبين، أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين، وترغيب المؤمنين، ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على تقرير دلائل التوحيد، لا جرم ذكر عقيبه ما يدل على التوحيد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أي فيما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. والوقف على «يَتَفَكَّرُوا» حسن. ثم قال: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} ردّ لقولهم: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6]. وقيل: نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة على الصّفا يدعو قريشاً، فخِذا فخذاً؛ فيقول: «يا بني فلان». يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبهم هذا لمجنون، بات يصوّت حتى الصباح.
البيضاوي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {مّن جِنَّةٍ} من جنون. روي: أنه صلى الله عليه وسلم صعد على الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله تعالى فقال: قائلهم إن صاحبكم لمجنون بات يهوت إلى الصباح، فنزلت. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} موضح انذاره بحيث لا يخفى على ناظر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} هؤلاء المكذبون بآياتنا {مَا بِصَاحِبِهِم} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم{مِّن جِنَّةٍ} أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقاً، دعا إلى حق {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي: ظاهر؛ لمن كان له لب وقلب يعقل به، ويعي به، كما قال تعالى: {أية : وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [التكوير: 22] وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } تفسير : [سبأ: 46] يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا قياماً خالصاً لله، ليس فيه تعصب ولا عناد {أية : مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} تفسير : [سبأ: 46]، أي: مجتمعين ومتفرقين، {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} في هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله، أبه جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك بان لكم وظهر أنه رسول الله حقاً وصدقاً، وقال قتادة بن دعامة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان على الصفا، فدعا قريشاً، فجعل يفخذهم فخذاً فخذاً؛ يا بني فلان يا بني فلان فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، أو: حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } فيعلموا {مَا بِصَاحِبِهِم } محمد صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ } جنون {إن} ما {هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بيِّن الإِنذار؟
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِي لَهُ} فيه قولان: أحدهما: معنى يضله يحكم بضلالته في الدين. والثاني: يضله عن طريق الجنة إلى النار. {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} والطغيان إفراط العدوان. وفي {يَعْمَهُونَ} وجهان: أحدهما: يتحيرون، والعمه في القلب كالعمى في العين. والثاني: يترددون، قاله قطرب واستشهد بقول الشاعر: شعر : متى يعمه إلى عثمان يعمه إلى ضخم السرادق والقطار.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {من جنة} يعني من جنون قال قتادة ذكر لنا حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلاً فجعل يدعو قريشاً فخذاً فخذاً "يا بني فلان يا بني فلان إني لكم نذير مبين"تفسير : وكان يحذرهم بأس الله ووقائعه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت إلى الصباح فأنزل الله عز وجل: {أولم يتفكروا} والتفكر التأمل وإعمال الخاطر في عاقبة الأمر والمعنى أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم من جِنة والجنة. حالة من الجنون وإدخال لفظة من في قوله من جنة يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه لأنهم رأوا أنه صلى الله عليه وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال لأنه كان معرضاً عن الدنيا ولذاتها مقبلاً على الآخرة ونعيمها مشتغلاً بالدعاء إلى الله عز وجل وإنذارهم بأسه ونقمته ليلاً ونهاراً من غير ملال ولا ضجر فعند ذلك نسبوه إلى الجنون فبرأه الله سبحانه وتعالى من الجنون فقال تعالى: {إن هو} يعني ما هو {إلا نذير مبين} ثم حثَّهم على النظر المؤدي إلى العلم بالوحدانية فقال سبحانه وتعالى: {أولم ينظروا} يعني نظر اعتبار واستدلال {في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء} والمقصود التنبيه على أن الدلالة على الوحدانية ووجود الصانع القديم غير مقصورة على ملك السموات والأرض بل كل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى وبرأه فيه دليل على وحدانية الله سبحانه وتعالى وآثار قدرته كما قال الشاعر: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} والمعنى ولعل أجلهم يكون قد اقترب فيموتوا على الكفر قبل أن يؤمنوا فيصيروا إلى النار وإذا كان الأمر كذلك وجب على العاقل المبادرة إلى التفكر والاعتبار والنظر المؤدي إلى الفوز بالنعيم المقيم {فبأي حديث بعده} يعني القرآن {يؤمنون} يعني يصدقون. والمعنى فبأي كتاب بعد الكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون وليس بعد محمد نبي ولا بعد كتابه كتاب لأنه خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب لانقطاع الوحي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال سبحانه وتعالى: {من يضلل الله فلا هادي له} يعني أن إعراض هؤلاء عن الإيمان لإضلال الله إياهم فلو هداهم لآمنوا {ويذرهم في طغيانهم يعمهون} يعني ويتركهم في ضلالتهم وتماديهم في الكفر يترددون متحيرين لا يهتدون سبيلاً. قوله عز وجل: {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس: قال جبل بن أبي قبشير وشمول بن زيد، وهما من اليهود، لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فإنا نعلم متى الساعة فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الساعة يعني عن خبر القيامة. سميت ساعة لأنها تقوم في ساعة غفلة وبغتة أو لأن حساب الخلائق ينقضي فيها في ساعة واحدة أيان سؤال استفهام عن الوقت الذي تقوم فيه الساعة ومعناه متى مرساها. قال ابن عباس: يعني منتهاها أي متى وقوعها. قالوا والساعة الوقت الذي تموت فيه الخلائق وأصل الإرساء الثبات يقول رسا يرسو إذا ثبت {قل} أي قل لهم يا محمد {إنما علمها عند ربي} أي لا يعلم الوقت الذي تقوم فيه إلا الله استأثر الله بعلمها فلم يطلع عليه أحد ومر حديث الإيمان والإسلام والإحسان وسؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني عن الساعة قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال المحققون: وسبب إخفاء علم الساعة ووقت قيامها عن العباد ليكونوا على خوف وحذر منها لأنهم إذا لم يعلموا متى يكون ذلك الوقت كانوا على وجل وخوف وإشفاق منها فيكون ذلك أدعى لهم إلى الطاعة والتوبة وأزجر لهم عن المعصية {لا يجليها لوقتها إلا هو} قال مجاهد لا يأتي بها إلا هو، وقال السدي: لا يرسلها لوقتها إلا هو والتجلية إظهار الشيء بعد خفائه، والمعنى: لا يظهرها لوقتها المعين إلا الله ولا يقدر على ذلك غيره {ثقلت في السموات والأرض} يعني ثقل أمرها وخفي علمها على أهل السموات والأرض فكل شيء خفي فهو ثقيل شديد. وقال الحسن: إذا جاءت ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض وإنما ثقلت عليهم لأن فيها فناءهم وموتهم وذلك ثقيل على القلوب {لا تأتيكم إلا بغتة} يعني فجأة على حين غفلة من الخلق (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها"تفسير : اللَّقحة بفتح اللام وكسرها: الناقة القريبة العهد بالنتاج. قوله: يليط حوضه ويروى يلوط حوضه يعني يطينه ويصلحه يقال لاط حوضه يليطه أو يلوطه إذا طينه وأصله من اللصوق. الأُكلة: بضم الهمزة اللقمة. وقوله سبحانه وتعالى: {يسألونك كأنك حفي عنها} يعني يسألونك قومك عن الساعة كأنك حفي بهم بمعنى بارّ بهم شفيق عليهم فعلى هذا القول فيه تقديم وتأخير تقديره يسألونك عنها كأنك حفي بهم. قال ابن عباس: يقول كأن بينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم. قال ابن عباس لما سأل الناس محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً صلى الله عليه وسلم حفي بهم فأوحى الله عز وجل إليه إنما علمها عنده استأثر بعلمها فلم يطلع عليها ملكاً ولا رسولاً وقيل معناه يسألونك عنها كأنك حفي بها أي عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة إذا بالغت في السؤال عنها حتى علمتها {قل} يعني يا محمد {إنما علمها عند الله} يعني استأثر الله بعلمها فلا يعلم متى الساعة إلا الله عز وجل. فإن قلت: قوله سبحانه وتعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها وقوله سبحانه وتعالى ثانياً يسألونك كأنك حفي عنها فيه تكرار؟ قلت: ليس فيه تكرار لأن السؤال الأول سؤال عن وقت قيام الساعة والسؤال الثاني سؤال عن أحوالها من ثقلها وشدائدها فلم يلزم التكرار. فإن قلت: عبر عن الجواب في السؤال الأول بقوله تعالى: علمها عند ربي وعن الجواب في السؤال الثاني بقوله تعالى: علمها عند الله فهل من فرق بين الصورتين في الجوابين. قلت: فيه فرق لطيف وهو أنه لما كان السؤال الأول واقعاً عن قيام وقت الساعة عبر عن الجواب فيه بقوله تعالى علم وقت قيامها عند ربي. ولما كان السؤال الثاني واقعاً عن أحوالها وشدائدها وثقلها عبر عن الجواب فيه بقوله سبحانه وتعالى عند الله لأنه أعظم الأسماء {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يعني لا يعملون أن علمها عند الله وأنه استأثر بعلم ذلك حتى لا يسألوا عنه. وقيل: ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي من أجله أخفى علم وقت قيامها المغيب عن الخلق.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فبأي} بتليين الهمزة حيث كان: الأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف {ويذرهم} بالياء مرفوعاً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم غير عياش والمفضل {ويذرهم} بالياء مجزوماً: عياش وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون مرفوعاً {أن أنا إلا} بالمد: أبو نشيط {شركاً} بكسر الشين وسكون الراء: أبو جعفر ونافع وأبو بكر وحماد. الآخرون: {شركاء} على الجميع {يتبعوكم} مخففاً: نافع. الباقون: بالتشديد. {يبطشون} بضم الطاء يزيد {قل ادعوا} بكسر اللام للساكنين وكذا بابه: حمزة وعاصم وسهل ويعقوب وعياش. الآخرون: بالضم للإتباع {كيدوني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل والحلواني عن هشام في الوصل {ينظرون} بالياء في الحالين: يعقوب وافق سهل وعياش في الوصل. {إن وليّ الله} بياء واحدة مشددة: أبو زيد عن المفضل وشجاع وعياش إذا قرأ الإدغام الكبير {وليي} بثلاث ياآت: رويس والبرجمي. الباقون: بياءين أولاهما مشددة مكسورة والثانية مفتوحة. الوقوف: {من جنة} ط {مبين} ه {من شيء} لا لأن التقدير وفي أن عسى {أجلهم} ط لابتداء الاستفهام مع الفاء {يؤمنون} ه {هادي له} ط لمن قرأ {ويذرهم}. بالرفع على الاستئناف، ومن جزم فلا وقف لأنه معطوف على موضع {فلا هادي له}، {يعمهون} ه {مرساها} ط {عند ربي} ج لاختلاف الجملتين {إلا هو} ط {والأرض} ط {بغتة} ط {عنها} ط {لا يعلمون} ه {ما شاء الله} ط {من الخير} ج لاحتمال أن يفسر السوء بالجوع فيكون معطوفاً على جواب "لو". واحتمال أن يفسر بالجنون الذي نسبوه إليه فيكون ابتداء نفي {يؤمنون} ه {إليها} ج لأجل الفاء {فمرت به} ج لذلك {الشاكرين} ه {فيما آتاهما} ج لابتداء التنزيه ووجه الوصل تعجيل التنزيه {يشركون} ه {وهم يخلقون} ه والوصل أولى للعطف {ينصرون} ه {لا يتبعوكم} ط {صامتين} ه {صادقين} ه {يمشون بها} ز لأن "أم" عاطفة مع أنها في معنى ابتداء استفهام للإنكار الثانية والثالثة كذلك {يسمعون بها} ط {ينظرون} ه {الكتاب} ط والوصل أولى لتكون الواو عاطفة {الصالحين} ه {وينصرون} ه {لا يسمعوا} ط {لا يبصرون} ه. التفسير: إنه تعالى لما بالغ في تهديد الملحدين المعرضين عن آياته الغافلين عن التأمل في بيناته عاد إلى الجواب عن شبهاتهم فقال {أو لم يتفكروا} وإذا علم أن الرؤية بالصبر حالة مخصوصة بالانكشاف والجلاء ولها مقدمة هي تقليب الحدقة إلى جهة المرئي، كذلك رؤية البصيرة وهي المسماة بالعلم واليقين حال متعينة بالوضوح والإنارة ولها مقدمة هي تقليب حدقة القلب إلى الجوانب طلباً لذلك، وهذه الحالة تسمى بنظر العقل وفكرته. وفي اللفظ محذوف والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم من جنة وهي حالة من الجنون كالجلسة. كان جهال أهل مكة ينسبونه إلى الجنون لوجهين: أحدهما أنه صلى الله عليه وسلم كان يغشاه حالة عجيبة عند الوحي شبيهة بالغشي يتربد وجهه ويتغير لونه، والثاني أن فعله وهو الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة والدعاء إلى الله تعالى كان مخالفاً لفعلهم. وعن الحسن وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلاً على الصفا يدعو فخذاً فخذاً من قريش: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه. فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون واظب على الصياح إلى الصباح. فأمرهم الله تعالى بالتفكر والتدبر في أمره وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى عبادة الله وحده ويقيم عليهم الدلائل القاطعة بألفاظ فصيحة عجز الأولون والآخرون عن معارضتها، وكان حسن الأخلاق طيب العشرة مرضي السيرة مواظباً على أعمال حسنة، صار بسببها قدوة لعقلاء العالمين، ومن المعلوم بالضرورة أن مثل هذا الإنسان لا يمكن وصفه بالجنون وإنما هو نذير مبين أرسله رب العالمين لترهيب الكافرين وترغيب المؤمنين. ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على دلائل التوحيد قال {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} أي في مدلولاتهما. والملكوت الملك العظيم، وفي إنكار عدم النظر دلالة على وجوب الاستدلال فيما للعقل إليه سبيل وقد مر في هذا الكتاب كيفية دلالة السموات والأرض على وجود الصانع ولا سيما في سورة البقرة عند قوله{أية : إن في خلق السموات والأرض}تفسير : [البقرة: 164] ثم قال {وما خلق الله من شيء} أي مما يقع عليه اسم الشيء من اجناس غير محصورة. والغرض التنبيه على أن الدلالة على التوحيد ليست مقصورة على السموات والأرض، بل كل ذرة من ذارت هذا العالم. فيها برهان باهر ودليل ظاهر على الوحدانية لأنها مختصة بحيز معين من الأحياز غير المتناهية، وبقدر معين من الأقدار، وبوضع معين من الأوضاع وكذا الكلام في لونها وشكلها وطبعها وطعمها وسائر صفاتها، وكل واحد من هذه الاختصاصات لا بد له من مخصص ولا بد من الانتهاء إلى واجب واحد في ذاته وفي جميع اعتباراته {وأن عسى} هي مخففة من الثقيلة والأصل "وأنه عسى" على أن الضمير للشأن وفي أن يكون ضمير الشأن أيضاً والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى {أن يكون} الشأن {قد اقترب أجلهم} الموت أو القيامة. وإذا كان أحد هذين الاحتمالين قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذا الفكر والنظر سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، أما قوله {فبأي حديث بعده يؤمنون} فمتعلق بقوله {عسى أن يكون} كأنه قيل: لعل أجلهم قد أقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا. ودلالة في إطلاق لفظ الحديث على القرآن على أنه ليس بقديم لأن المراد بالحديث ما يرادف الكلام، ولو سلم فإنه محمول على الألفاظ والكلمات ولا نزاع في حدوثها، قوله {من يضلل الله} قد سبق تفسير مثله، ثم لما تكلم في النبوة والتوحيد والقضاء والقدر أتبعه الكلام في المعاد فقال {يسألونك عن الساعة} وأيضاً لما ذكر اقتراب الأجل بين أن وقت الساعة مكتوم عن الأفهام ليصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الفرائض. ومن السائل؟ عن ابن عباس أنهم اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فإنا نعلم متى هي. وعن قتادة. إنهم قريش قالوا: يا محمد إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة. قال في الكشاف. الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، سميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها كما يقال للحبشي أبو البيضاء، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق و{أيان} استفهام عن الزمان ويختص بالأمور العظام نحو {أية : أيان مرساها}تفسير : [النازعات: 42]{أية : أيان يوم الدين}تفسير : [الذاريات: 12] ولا يقال أيان نمت. وكسر همزته لغة بني سليم. وعن ابن جني أن اشتقاقه من أيّ "فعلان" منه وأيّ فعل من أويت إليه لأن البعض يأوي إلى الكل، وأنكر أن يكون اشتقاقه من "أين" لأنه للزمان و "أين" للمكان ولقلة "فعال" في الأسماء وكثرة "فعلان" فيها. وقال الأندلسي: أصله "أي أو أن" حذفت الهمزة مع الياء الأخيرة فبقي "أيوان" فأدغم بعد القلب. وقيل: أصله "أي آن" بمعنى "أيّ حين" فخفف بحذف الهمزة فاتصلت الألف فاتصلت الألف والنون بأي. ورد بأن "آنا" لا يستعمل إلا بلام التعريف. والمرسى بمعنى الإرساء والإثبات، والرسّو الثبات والاستقرار ولعله لا يطلق إلا على ما فيه ثقل ومنه رسا الجبل وأرست السفينة ولا أثقل من الساعة على الخلائق {قل إنما علمها} أي علم وقت إرسائها وإثباتها وإقرارها {عند ربي} قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل يكاد يخفيها من نفسه ليكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى وقت الموت لذلك {لا يجليها} لا يظهرها {لوقتها} أي للخبر عن وقتها قبل مجيئها أحد {إلا هو} والحاصل أنه لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإخبار والإعلام إلا هو {ثقلت في السموات والأرض} قال الحسن: أي ثقل مجيئها على أهل السموات لانشقاق السماء وتكوير الشمس وانتثار النجوم، وعلى أهل اللأرض لأن في ذلك اليوم فناءهم وهلاكهم. أو ثقل هذا اليوم على الخلائق بما فيه من الشدائد والأهوال، أو ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين عليهم أي أشكل واستبهم حتى صار ثقيلاً على الأفهام {لا تأتيكم إلا بغتة} إلا فجأة على حين غفلة منكم. وهذه الجمل مؤكدات ومبينات لما تقدمها ولهذا فقد العاطف. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه" تفسير : وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك"تفسير : . ثم كرر {يسألونك} للتأكيد ولما نيط به من زيادة قوله {كأنك حفي عنها} فكان السؤال الأول عن وقت قيام الساعة، والسؤال الثاني عن كنه ثقل الساعة شدتها ومهابتها ولهذا خص باسم الله في قوله {قل إنما علمها عند الله} لأن أعظم أسماء الله مهابة هو الله، وأما الرب فيدل على التربية والرحمة دون الهيبة والعزة، وفي الحفي وجوه: فقيل إنه البار اللطيف و "عن" بمعنى "الباء" أي كأنك بارّ بهم لطيف العشرة معهم وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، والضمير عائد إلى قريش التي ادعت القرابة وجعلوها وسيلة إلى أن يخبرهم بالساعة. والمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم ولو أخبرت بوقتها وأمرت بالإخبار عنها لكنت مبلغه القريب والبعيد من غير تخصيص كسائر ما أوحي إليك. وعلى هذا القول جاز أن يكون {عنها} متعلقاً بـ {يسألونك} أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها فحذف قوله "بها" لطول الكلام أو لأنه معلوم. وقيل: {عنها} يتعلق بمحذوف. وحفي "فعيل" من حفي فلان بالمسألة أي استقصى، والمعنى كأنك بليغ في السؤال عنها لأن من أكثر السؤال علم. وهذا التركيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وأحفى في المسألة إذا ألحف. وقيل: المراد كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره يعني أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنه مختص بذلك العلم أو لا يعلمون أن القيامة حق وإنما يقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا، أو لا يعلمون السبب الذي لأجله خفيت معرفة وقتها المعين عن الخلق. ثم أمر نبيه بإظهار ذلة العبودية حتى لا ينسب إليه نقص ولا يعاب من قبل عدم العلم بالغيب فقال {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} وفيه أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك، والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليس إلا لله تعالى. واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال قالوا: الإيمان نفع والكفر ضر فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى. وأجابت المعتزلة بأن المراد لا أملك لنفسي من النفع والضر إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه. وظاهر الآية وإن كان عاماً إلا أنها مخصوصة بصورة النزول. قال الكلبي: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترتحل عنها إلى ما قد أخصب، فأنزل الله هذه الآية، فالمراد بالخير في قوله {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} هو جلب منافع الدنيا وخيراتها من الخصب والأرباح والأكساب. وقيل: المراد ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم بالغيب لكنت أعلم أن الدعوة إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في لك فكنت أشتغل بدعوة هذا دون ذاك. وقال بعضهم: حديث : لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق جاء في الطريق ريح نفرت ناقته منها فأخبر صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة وكان فيه غيظ للمنافقين وقال: "انظروا أين ناقتي". فقال عبد الله بن أبيّ لقومه: ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته. فقال صلى الله عليه وآله: "إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة" فوجدوها على ما قال فنزلتتفسير : . أما قوله {وما مسني السوء} فمعناه لكان حالي على خلاف ما هي عليه من المغلوبية في بعض الحروب والخسران في بعض التجارات والأخطاء في بعض التدبير {إن أنا} إلا عبد مرسل للنذارة والبشارة وما من شأني أن أعلم الغيب. وقوله {لقوم يؤمنون} إما أن يتعلق بالبشير وحده ويكون المتعلق بالنذير وهو للكافرين محذوفاً للعلم به كقوله {أية : سرابيل تقيكم الحر} تفسير : [النحل: 81] أو يتعلق بالوصفين جميعاً إلا أن المؤمنين لما كانوا هم المنتفعين به خصوا بالذكر كقوله{أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] واعلم أن أكثر ما جاء في القرآن من لفظي الضر والنفع معاً جاءا بتقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ثانياً يؤيده قوله{أية : يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}تفسير : [السجدة: 16] وحيثما تقدم النفع على الضر فذلك لسابقة لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة تقدم لفظ الهداية على الضلال في قوله{أية : من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل}تفسير : [الكهف: 17] وتقدم الخير على السوء في قوله{أية : لاستكثرت من الخير وما مسني السوء}تفسير : وفي الرعد تقدم ذكر الركوع في قوله{أية : طوعاً وكرهاً}تفسير : [آل عمران: 83] والطوع نفع. وفي الفرقان تقدم قوله{أية : هذا عذاب فرات}تفسير : [الفرقان: 53] وهو نفع وفي سبأ تقدم البسط في قوله {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}تفسير : [الرعد: 26] وقس على هذا. ثم رجع إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك فقال {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم وقد تقدم مثل ذلك في أول سورة النساء. قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث وذلك قوله {فلما آتاهما صالحاً} ولداً سوياً {جعلا} يعني آدم وحوّاء {له شركاء} والمراد تسميته بعبد الحرث وهذا تمام القصة وقد زيفها النقاد بوجوه منها: أنه تعالى قال {فتعالى الله عما يشركون} بلفظ الجمع لا التثنية ومنها قوله {أيشركون ما لا يخلق شيئاً} إلى آخر الآيات وفي ذلك تصريح بأن المراد الأصنام ولو كان المراد إبليس لكان "أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهو يخلق"؟. ومنها أن آدم عليه السلام كان عالماً بجميع الأسماء فكيف ضاقت عليه الأسماء، أم كيف لم يعرف أن اسم إبليس كان حارثاً، أم كيف لم يتنبه لغدر إبليس بعد أن جرى عليه منه ما جرى؟ ومنها أنه أراد بذلك اسم علم أو اسم صفة والأوّل لا يستلزم محذوراً إلا أن أسماء الأعلام لا تفيد في المسميات فائدة فلا يلزم الإشراك، والثاني يوجب الكفر الصريح ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً: أحدها أن هذا مثل فكأنه تعالى يقول هو الذي خلقكم أي كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعد ما أنث حملاً على المعنى ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى {فلما تغشاها} أي جامعها لأنه إذا علاها صار كالغاشية لها {حملت حملاً خفيفاً} قالوا: يريد النطفة. والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الجرة، وبكسر الحاء ما حمل على الظهر أو على الدابة {فمرت به} أي استمرت وقضت على ذلك الحمل من غير إذلاق. وقيل: فقامت وقعدت به من غير ما ثقل. وقيل: المراد بالخفة أنها لم تلق ما تلقاه بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى {فلما أثقلت} كان وقت ثقل حملها ولادتها {دعوا} أي الزوج والزوجة {الله ربهما} ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعى ويلتجأ إليه فقالا {لئن آتيتنا صالحاً} ولداً قد صلح بدنه أو ولد ذكراً لأن الذكورة من الصلاح والجودة {لنكونن من الشاكرين} لنعمائك {فلما آتاهما صالحاً} كما طلب {جعلا له شركاء} ومن قرأ {شركاً} فعلى حذف المضاف أي ذوي شرك وهم الشركاء أيضاً. أو المراد أحدث لله إشراكاً في الولد لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، وتارة إلى الكواكب، وتارة إلى الأوثان والأصنام، وثانيها أن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصيّ والمعنى: هو الذي خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية قرشية، فلما أتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار. والضمير في {يشركون} لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وثالثها سلمنا أن الآية وردت في قصة آدم إلا أنه لا يجوز أن يكون قوله {جعلا} وارداً بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد؟. ثم قال {فتعالى الله عما يشركون} أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقول لذلك المنعم إن ذلك المنعم عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة إنه بريء من ذلك. فغرضه من قوله "إنه يقابلني بالشر" النفي والتبعيد. أو نقول: لم لا يجوز أن يكون قوله {جعلا له} على حذف المضاف أي جعلا أولادهما له شريكاً؟ وكذا فيما {آتاهما} أي آتى أولادهما عبر عنهم بلفظ التثنية مرة لكونهم صنفين أو نوعين ذكراً وأنثى وبلفظ الجمع أخرى وهو قوله {فتعالى الله عما يشركون} سلمنا أن الضمير في {جعلا} وفي آتاهما} لآدم وحواء إلا أنهما كانا عزماً أن يجعلا وقفاً على خدمة الله وطاعته ثم بدا لهما فكانا ينتفعان به في مصالح الدنيا، فأريد بالشرك هذا القدر. وعلى هذا فإنما قال تعالى {عما يشركون} لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. أو نقول: إنما سمياه عبد الحرث اعتقاداً منهما إنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وقد يسمى المنعم عليه عبد المنعم ومنه قول بعض العلماء أنا عبد من علمني حرفاً. فلما حصل الإشراك في لفظ العبد صارا معاتبين بذلك والله تعالى أعلم. ثم أقام الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقال {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون} اعتبر اللفظ أوّلاً فوحد والمعنى ثانياً، وإنما جمع بالواو والنون بناء على معتقدهم أنهم عقلاء. واحتجت الأشاعرة بها في مسألة خلق الأعمال فإنها تدل على أن غير الله لا يخلق ثم بيّن أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فقال {ولا يستطيعون لهم نصراً} وهو المعونة على العدة {ولا أنفسهم ينصرون} ولا يدفعون عن أنفسهم مكروها فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه. والحاصل أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تقتص ممن عصاها بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم ويحامون عليهم. ثم ذكر أنها كما لا تنفع ولا تضر فكذلك لا علم لها بشيء من الأشياء وأنها لا يصح منها إذا دعيت إلى الخير والصلاح الاتباع ولا ينفصل حال من يخاطبهم ممن يسكت عنهم فقال {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} ويجوز أن يكون المراد وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير لا يتبعوكم إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله بدليل قوله بعد {فادعوهم فليستجيبوا لكم} ثم قوّى هذا الكلام بقوله {سواء عليكم أدعوتموهم أو أنتم صامتون} وإعرابه شبيه بما تقدم في أول سورة البقرة في قوله{أية : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم}تفسير : [البقرة: 6] وإنما عطف الاسمية على الفعلية لأن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم ومعضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم: لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم. ثم أكد بيان أنها لا تصلح للإلهية بقوله {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} فسئل أنه كيف يحسن وصف الجمادات بأنها عباد؟ وأجيب بعد تسليم اختصاص العباد بالعقلاء بأن ذلك ورد على معتقدهم أنها عقلاء. وفيه أيضاً نوع من الاستهزاء أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم قبلتموها آلهة لكم وأرباباً؟. ثم بين عدم التفاضل بقوله {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في أنها آلهة ولام الأمر للتعجيز فإنه إذا ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للعبودية وأنها والعباد سواء بل هم أخس وأدون بدليل قوله {ألهم أرجل يمشون بها} الآية. وذلك أن كل ما هو من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء والآلات فإذا كان فيها قوي محركة ومدركة كان هو أفضل ممن خلت أعضاؤه عن هذه القوى فكيف يليق بالأفضل الأكرم الأشرف خدمة المفضول الخسيس الدنيء؟ وإنما قلنا كل ما من شأنه أن يكون له هذه الأعضاء لأن من جل عن ثبوت هذه الأعضاء والجوارح له فعدم هذه الأشياء بالنسبة إليه فضيلة وكمال، فإن القادر القاهر من غير افتقار إلى آلة وعدّة كان أشرف ممن يفتقر في أفعاله إلى الآلات فضلاً عمن لا فعل لآلته، فلا يرد اعتراض بعض أغمار المشبهة أن الله تعالى لو لم تكن له هذه الأعضاء لكان عدمها دليلاً على عدم إلهيته. ثم إنهم كانوا يخوّفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بآلهتهم كما قال قوم هود{أية : أن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء}تفسير : [هود: 54] فقال عز من قائل لنبيه {قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون} أمر من الكيد المكر {فلا تنظرون} نهي عن الإنظار والإمهال والخطاب لهم ولشركائهم جميعاً. وهذا قول واثق بعصمة الله أن لا يبالي بغي الله كائناً من كان. ثم لما أمره صلى الله عليه وسلم بالتبري حثه على التولي فقال {إن وليي} أي ناصري عليكم {الله} الآية. وفيه أن الواجب على كل عامل عبادة الذي يتولى تحصيل منافع الدارين. أما الدينية الأخروية فبسبب إنزال الكتاب المشتمل على العلوم الجمة، وأما الدنيوية فهو المراد بقوله {وهو يتولى الصالحين} أي من عباده أن ينصرهم فلا يضرهم عداوة من عاداهم في ذلك يأس المشركين أن يضره كيدهم. يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان لا يدخر لأولاده شيئاً فقيل له في ذلك فقال: إما أن يكون ولدي من الصالحين فوليه الله ولا حاجة له إلى مالي، وإما أن يكون من المجرمين وقد قال تعالى {فلن أكون ظهيراً للمجرمين} ومن رده الله لم أشتغل باصلاح مهماته. أقول: وفي التقريب بالآية الثانية نظر لأنها حكاية كلام موسى اللهم إلا أن يقال التقريب في التقرير. ثم أعاد وصف الأصنام بمثل الصفات المذكورة فقال {والذين تدعون من دونه} الآية. قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من يجوز له العبادة وبين من لا يجوز كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} لا سماع سمع ولا سماع إجابة {وتراهم} تحسبهم {ينظرون إليك} يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوّروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليك {وهم لا يبصرون} لا يدركون المرئي. وقيل: الضمير في قوله {وإن تدعوهم} إلى آخر الآية يعود إلى المشركين المار ذكرهم في قوله {قل ادعوا} والمراد أنهم بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ألبتة {وتراهم} إلى الناس وإليك ينظرون ولكنهم لشدّة إعراضهم عن قبول الحق لم ينتفعوا بذلك النظر فكأنهم عمي يصدقه قوله في موضع آخر{أية : فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} تفسير : [الحج: 46]. التأويل: {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} لأرباب العقول النظر والاستدلال لتحصيل الإيمان، ولأرباب القلوب الولوج والكشف لحصول الإيقان والعيان {وما خلق الله من شيء} يعني عالم الملك المخلوق من مادة بخلاف عالم الملكوت الذي أبدع من غير شيء {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} يعني أجل فنائهم عما سوى الحق، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً {فبأي حديث بعده} أي بعد النظر {يؤمنون}، {يسألونك عن الساعة} يريد الساعة التي يظهر الله تعالى فيها آثار صفة القهارية لإفناء عالم الصورة فلا يبقى منه داع ولا مجيب فيجيب هو بنفسه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار {لاستكثرت من الخير} من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية. {خلقكم من نفس واحدة} هي الروح {وخلق منها زوجها} وهي القلب {يسكن إليها} لأن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن فكان الروح يشم من القلب نسائم نفحات ألطاف الحق {حملت حملاً خفيفاً} في البداية بظهر أدنى أثر من آثار الصفات البشرية في القلب الروحاني {فلما أثقلت} كثرت آثار الصفات خاف الروح والقلب على أنفسهما عن تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية {فدعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً} قابلاً للعبودية {لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحاً جعلا} أي الروح والقلب {له شركاء} أي جعلا وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدينار. {ولا يستطيعون لهم نصراً} أي لا تستطيع الدنيا ومن فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله {ولا أنفسهم ينصرون} للبقاء والدوام.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ...} الآية: تقريرٌ يقارنه توبيخٌ للكُفَّار، والوَقْف على قوله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ}، ثم ابتدأ القولَ بنَفْي ما ذكروه، فقال: {مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ} أي: بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ويحتملُ أنْ يكون المعنَىٰ: أو لم يتفكَّروا أنه ما بصاحبهم مِنْ جِنَّةٍ، ويظهر مِنْ رصف الآية أنها باعثةٌ لهم على الفِكْرة في أَمره صلى الله عليه وسلم وأنه ليس به جنَّةٌ كما أحالهم بعد هذه الآية على النَّظَرْ. وقال الفَخْر: قوله تعالَى: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } أمر بالفِكْرِ والتأمُّل والتدُّبر، وفي اللفظ محذوفٌ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلَمُوا مَا بِصَاحِبهمْ منْ جِنَّة، والجِنَّة: حالَةٌ مِنَ الجُنُون، كَالجِلْسَةِ، ودخولُ «مِنْ» في قوله: {مِّن جِنَّةٍ } ينفي أنواع الجنون. انتهى. وقوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الاية: النَّظَرُ هنا بالقَلْب عِبْرَة وفكراً، و{مَلَكُوتِ}: بناءُ عظمةٍ ومبالغةٍ. وقوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}: لفظٌ يعمُّ جميع ما ينظر فيه، ويستدلُّ به من الصنعة الدالَّة على الصانع، ومِنْ نَفْس الإِنسان وحواسَّه ومواضِعِ رزْقه، والشَّيْءُ: واقعٌ على الموجودات، {وَأَنْ عَسَى}: عطْفٌ على قوله: {فِي مَلَكُوتِ }، والمعنى: توقيفُهُمْ علَى أنْ لم يَقَعْ لهم نَظَرٌ في شيء من هذا، ولا في أنهم قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فماتُوا فَفَاتَ أوانُ التدَارُكِ، ووجَبَ عليهم المحذورُ، ثم وقفهم «بِأَيِّ حديثٍ» أو أمْرٍ يقعُ إيمانُهم وتَصْدِيقُهم؛ إِذا لم يقع بأمْرٍ فيه نجاتُهم، ودخولُهم الجَنَّةَ؛ ونحو هذا المعنى قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : ................... وَعنْ أَيّ نَفْسٍ دُونَ نَفْسِي أُقَاتِلُ تفسير : والضمير في {بَعْدَهُ} يراد به القُرْآن. وقيل: المراد به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقصَّتُهُ وأمْرُهُ أجْمَعَ، وقيل: هو عائد على الأجَلِ، أي: بعد الأجل، إِذ لا عَمَلَ بعد الموت. وقوله سبحانه: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ...} الآية: هذا شرطٌ وجوابٌ، مضمَّنه اليأْسُ منهم، والمَقْتُ لهم؛ لأن المراد أَنَّ هذا قد نزل بهم، والطغيان: الإفراطُ في الشيء، وكأنه مستعملٌ في غير الصَّلاح، والعَمَهُ: الحَيْرَةُ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}. يجوزُ في "ما" أوجه: أحدها: أن تكون استفهامية في محلِّ رفع بالابتداء، والخبرُ "بصَاحبهم" أي: أيُّ شيء استقرَّ بصاحبهم من الجُنُونِ؟ فـ: الجِنَّة: مصدرٌ يراد بها الهيئة، كـ: الرِّكْبَةِ، والجلسة. وقيل: المراد بالجِنَّة: الجِنُّ، كقوله {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ}تفسير : [الناس: 6] ولا بدَّ حينئذٍ من حذف مضافٍ. أي: مَسِّ جنة، أو تخبيط جنَّة. والثاني: أنَّ "ما" نافية، أي: ليس بصاحبهم جنون، ولا مسُّ جِنّ. وفي هاتين الجملتين أعني الاستفهامية أو المنفية، فيهما وجهان: أظهرهما: أنَّهما في محلِّ نصب بعد إسقاط الخافض؛ لأنَّهُمَا علَّقا "التَّفكُّر"؛ لأنَّهُ من أفعال القلوب. والثاني: أنَّ الكلام تمَّ عند قوله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ}، ثمَّ ابتدأ كلاماً آخر، إمَّا استفهام إنكار، وإمَّا نفياً. وقال الحوفيُّ إنَّ "مَا بِصَاحبِهِم" معلقةٌ لفعلٍ محذوف، دلَّ عليه الكلامُ، والتقديرُ: أو لم يتفكروا فيعلمُوا ما بصاحبهم. قال: و "تفكَّر" لا يعلَّقُ؛ لأنَّهُ لم يدخل على جملة. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أن فعل القَلْبِ المتعدِّي بحرف جرٍّ أو إلى واحد إذا عُلِّقَ هل يبقى على حاله أو يُضَمَّن ما يتعدَّى لاثنينِ؟ الثالث: أن تكون "مَا" موصولة بمعنى "الذي"، تقديره: أو لم يتفكَّرُوا في الذي بصاحبهم وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم، وعلى قولنا: إنَّهَا نافيةٌ يكونُ "مِن جِنَّةٍ" مبتدأ، ومِنْ مزيدةٌ فيه، وبِصَاحِبِهم خبره، أي: مَا جِنَّةٌ بِصَاحِبِهم. فصل دخول "مِنْ" في قوله من جنَّةٍ يوجب أن لا يكون به نوع من أنواع الجنون. قال الحسنُ وقتادةُ: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام ليلةً على الصَّفَا يدعو قريشاً فخذاً فخذاً، يا بني فلان، يا بني فلان، يُحذرُهم بأسَ الله وعقابه. فقال قَائِلُهُمْ: إنَّ صاحبكم هذا المجنون، بات يُصوِّت إلى الصَّباحِ، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية. وقيل: إنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام كان يَغْشَاهُ حالة عجيبة عند نزولِ الوحي فيتغيَّر وجهه ويصفر لونه، وتعرض له حالة شبيهة بالغشي، والجهال كانوا يقولون: إنَّهُ جُنُونٌ، فبيَّنَ اللَّهُ تعالى في هذه الآية أنَّه ليس بمجنون إنَّمَا هُو نذير مبينٌ من ربِّ العالمين. قوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. لمَّا كانَ النَّظرُ في أمر النُّبُوَّةِ مفرعاً على تقرير دلائل التَّوحيد، لا جرم ذكر عقيبهُ ما يدلُّ على التَّوحيد، فقال: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} واعلم أنَّ دلائل ملكوت السَّمواتِ والأرض على وجود الصَّانع الحكيم كثيرة وقد تقدَّمت. ثم قال: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أي: أن الدَّلائل على التَّوحيد غير مقصورةٍ على السَّموات والأرض، بل كلُّ ذرَّة من ذرات العالم، فهي برهان قاهرٌ على التَّوحيد، وتقريره أن الشَّمس إذا وقعت على كوة البيت ظهرت ذرَّات، فيفرض الكلامُ في ذرَّةٍ واحدةٍ من تلك الذرات. فنقول: إنَّها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية؛ لأنَّها مختصة بحيِّز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له، فكلُّ حَيِّزٍ من تلك الأحياز الغيرِ متناهية فرضنا وقوع تلك الذَّرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيِّز من الممكنات والجائزات، والممكن لا بدَّ له من مُخَصّص ومرجح، وذلك المخصص إن كان جسماً عادَ السُّؤالُ فيه، وإن لم يكن جسماً كان هو اللَّهُ تعالى. وأيضاً فتلك الذَّرَّةُ لا تخلو من الحركةِ والسُّكُونِ، وكلُّ ما كان كذلك فهو محدثٌ، وكل محدث فإنَّ حدوثه لا بد وأن يكون مختصًّا بوقتٍ معيَّنٍ مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده واختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه، لا بُد وأن يكون بتخصيص مخصصٍ قديم ثمَّ إن كان ذلك المُخَصِّص جسماً عاد السُّؤالُ فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله تعالى وأيضاً فتلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجميَّة، ومخالفة لها في اللَّون والشَّكل والطبع والطعم وسائر الصِّفاتِ، فاختصاصها بكلِّ تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام، لا بد وأن يكون من الجائزات، والجائزُ لا بد له من مرجح، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البَحْثُ الأوَّلُ فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله تعالى، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصَّانع من جهات تتناهى، واعتبارات غير متناهية، وكذا القولُ في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني بمفرداته ومركَّباته، وعند هذا ظهر صدْقُ القائل: [المتقارب]. شعر : 2638 - وَفِي كُلِّ شيءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ على أنَّهُ وَاحِدٌ تفسير : ولمَّا نبَّه تعالى على هذه الأسرار العجيبة بقوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} أردفه بما يوجب التَّرغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكُّر فقال: "وأنْ عَسَى"، و "أنْ" فيها وجهان: أصحهما: أنَّهَا المخففةُ من الثقيلة، واسمُها ضمير الأمر والشأن، والمعنى: لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيرُوا إلى النَّارِ، وإذا كان هذا الاحتمالُ قائماً؛ وجب على العاقل المُسارعة إلى هذا الفكر، ليسعى في تخليص نصفه من هذا الخوف الشَّديد، و "عسى" وما حيَّزها في محلِّ الرفع خبراً لها، ولم يفصل بَيْنَ "أنْ" والخبر وإن كان فعلاً؛ لأنَّ الفعل الجامد الذي لا يتصرَّف يشبهُ الأسماء، ومثله {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم: 39] {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهَآ} [النور: 9] في قراءة نافع لأنَّهُ دعاء. فصل وقد وقع خبرُ "أنْ" جملةً طلبية في هاتين الآيتين الأخيرتين، فإنَّ عَسَى للإنشاء و "غَضَبَ اللَّه" دعاء. والثاني: أنَّها المصدرية؛ قاله أبُو البقاءِ، يعني التي تنصب المضارع، الثنائية الوضع، وهذا ليس بجيِّدٍ؛ لأنَّ النُّحاة نَصُّوا على أنَّ المصدرية لا تُوصَل إلاَّ بالفعل المتصرف مطلقاً، أي: ماضٍ، ومضارع وأمر، و "عَسَى" لا يتصرف فكيف يقع صلة لها؟ وأنْ على كلا الوجهين في محل جر نسقاً على "ملكوت"، أي: أو لم ينظروا في أنَّ الأمر والشأن عسى أن يكون، و "أن يكُون" فاعل "عَسَى" وهي حينئذٍ تامَّةٌ؛ لأنَّها متى رفعت "أنْ" وما في حيَّزها كانت تامةً، ومثلها في ذلك: أوشك، واخلولق. وفي اسم: "يَكُون" قولان: أحدهما: هو ضميرُ الشَّأنِ، ويكونُ: {قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} خبراً لها. والثاني: أنه: "أجْلُهُمْ"، و "قَدِ اقتربَ" جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ هو ضمير "أجَلُهُم" ولكن قدَّم الخبر وهو جملة فعليَّة على اسمها. وقد تقدَّم أن ابن مالك يجيزه وابن عصفور يمنعه عند قوله: {أية : مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}تفسير : [الأعراف: 137]. قوله: "فَبِأيِّ" مُتعلّق بـ "يُؤمِنُونَ" وهي جملةٌ استفهامية سيقتْ للتَّعجب، أي: إذَا لم يُؤمِنُوا بهذا الحديث فكيف يُؤمِنُونَ بغيره؟ والهاءُ في: "بَعْدَهُ" تحتملُ العَوْدَ على القرآن وأن تعُود على الرَّسُولِ، ويكون الكلامُ على حذف مضافٍ، أي: بعد خبره وقصته، وأن تعود على: "أجَلُهُمْ"، أي: إنَّهم إذا ماتوا وانقضى أجلهم؛ فكيف يُؤمنُون بعد انقضاءِ أجلهم؟ قال الزمخشريُّ: فإن قلت: بم تُعلِّق قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؟ قلت: بقوله: {عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}؛ كأنه قيل: لعلَّ أجلهم قد اقترب فما لهُم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الموت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ؟ وبأيَّ حديثٍ أحقُّ منه يرون أن يؤمنوا؟ يعني التعلُّق المعنويَّ المرتبطَ بما قبله لا الصناعي وهو واضح. قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} الآية. لمَّا ذكر إعراضهُم عن الإيمان، بيَّن ههنا علَّة إعراضهم. فقال: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} وهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ الهُدى والضلال من الله تعالى كما سبق في الآيةِ المُتقدمة وتأويلات المعتزلة والأجوبة عنها. قوله: "ويَذَرْهُمْ" قرأ الأخوان بالياء وجزم الفعل، وعاصم وأبو عمرو بالياء أيضاً، ورفع الفعل، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنُّون ورفع الفعل أيضاً، وقد رُوي الجزمُ أيضاً عن نافع، وأبي عمرو في الشواذ. فالرفعُ من وجهٍ واحدٍ، وهو الاستئناف، أي: وهو يذرهم، ونحن نذرهم، على حسب القراءتين، وأمَّا السُّكونُ فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه جزم نسقاً على محلِّ قوله: {فَلاَ هَادِيَ لَهُ}؛ لأنَّ الجملةَ المنفيَّة جوابٌ للشرط فهي في محلِّ جزم فعطف على محلِّها وهو كقوله تعالى: {أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ}تفسير : [البقرة: 271] بجزم "يُكَفّر"؛ وكقول الشاعر: [الكامل] شعر : 2639 - أنَّى سَلَكْتَ فإنَّنِي لَكَ كَاشِحٌ وعَلى انتقِاصِكَ في الحياةِ وأزْدَدِ تفسير : وأنشد الواحديُّ أيضاً قول الآخر: [الوافر] شعر : 2640 - فأبْلُونِي بَلِيَّتَكُمْ لَعَلِّي أصَالِحُكُمْ وأستدرج نَوَيَّا تفسير : قال: حمل "أسْتَدرِجْ" على موضع الفاء المحذوفة، من قوله: لَعَلِّي أصَالِحُكُمْ. والثاني: أنه سكونُ تخفيف، كقراءة أبي عمرو {يَنصُرْكُمُ} [آل عمران: 160] و {يُشْعِرْكُمْ} [الأنعام: 109] ونحوه، وأمَّا الغيبة فجرياً على اسم الله تعالى، والتَّكلم على الالتفات من الغيبة إلى التَّكلم تعظيماً ويَعْمَهُونَ مترددون متحيرون.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا، فدعا قريشاً فخذا فخذا: يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح، حتى قال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت حتى أصبح، فأنزل الله {أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين} .
ابو السعود
تفسير : {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ} كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لإنكار عدمِ تفكرهم في شأنه عليه الصلاة والسلام وجهلهم بحقيقة حالِه الموجبةِ للإيمان به وبما أنزل عليه من الآيات التي كذبوا بها، والهمزةُ للإنكار والتعجيبِ والتوبـيخ، والواوُ للعطف على مقدر يستدعيه سِباقُ النظمِ الكريم وسياقهُ، و(ما) إما استفهاميةٌ إنكاريةٌ في محل الرفِع بالابتداء والخبرُ بصاحبهم، وإما نافيةٌ اسمُها جِنةٌ وخبرُها بصاحبهم، والجِنةُ من المصادر التي يُراد بها الهيئةُ كالرِّغبة والجِلْسة، وتنكيرُها للتقليل والتحقير، والجملةُ معلقةٌ لفعل التفكر لكونه من أفعال القلوب ومحلُها على الوجهين النصبُ على نزع الجارِّ أي أكذّبوا بها ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائنٍ بصاحبهم الذي هو أعظمُ الأمةِ الهادية بالحق وعليه أنزلت تلك الآيات، أو في أنه ليس بصاحبهم شيءٌ من جِنّة حتى يؤدِّيَهم التفكرُ في ذلك إلى الوقوف على صدقه وصحةِ نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات، وقيل قد تم الكلامُ عند قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أي أكذّبوا بها ولم يفعلوا التفكرَ؟ ثم ابتُدىء فقيل: أيُّ شيءٍ بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت، أو قيل: ليس بصاحبهم شيءٌ منها، والتعبـيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبهم للإيذان بأن طولَ مصاحبتِهم له عليه الصلاة والسلام عن شائبة ما ذكر ففيه تأكيدٌ للنكير وتشديدٌ له، والتعرضُ لنفي الجنونِ عنه عليه الصلاة والسلام مع وضوح استحالةِ ثبوتِه له عليه الصلاة والسلام لما أن التكلمَ بما هو خارقٌ لقضية العقولِ والعادات لا يصدُر إلا عمن به مسُّ الجنونِ كيفما اتفق من غير أن يكون له أصلٌ ومعنى، أو عمن له تأيـيد إلٰهيٌّ يخبر به عن الأمور الغيبـية، وإذ ليس به عليه السلام شائبةُ الأولِ تعين أنه عليه الصلاة والسلام مؤيدٌ من عند الله تعالى، وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام علا الصفا ليلاً فجعل يدعو قريشاً فخِذاً فخِذاً يحذّرهم بأسَ الله تعالى فقال قائلُهم: إن صاحبَكم هذا لمجنونٌ بات يهوت إلى الصباح فنزلت. فالتصريحُ بنفي الجنونِ حينئذ للرد على عظيمتهم الشنعاءِ، والتعبـيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبهم واردٌ على شاكلة كلامِهم مع ما فيه من النكتة المذكورة، وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} جملةٌ مقررة لمضمون ما قبلها ومبـينةٌ لحقيقة حالِه عليه الصلاة والسلام على منهاج قوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }تفسير : [يوسف: 31] بعد قوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَرًا} تفسير : أي ما هو صلى الله عليه وسلم إلا مبالغٌ في الإنذار مظهرٌ له غايةَ الإظهار إبرازاً لكمال الرأفةِ ومبالغةً في الإعذار.
القشيري
تفسير : أو لم يتأملوا بأنوار البصائر ليشهدوا أخلاق آثار التقريب بجملة أحواله - عليه السلام - ليعلموا أن ذلك الشاهد ليس بشاهد متخرص. ويقال إن برود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - كانت بنسيم القربة معطرة، ولكن لا يُدْرَكُ ذلك النَّشْرُ إلا بِشَمِّ العرفان، فمَنْ فَقَدَ ذلك - فأي خبر له عن حقيقة حاله - صلوات الله عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {أو لم يتفكروا ما بصاحبكم من جنة} - روى - انه عليه الصلاة والسلام كان كثيرا ما يحذر قريشا عقوبة الله تعالى ووقائعه النازلة فى الامم الماضية فقام ليلا على الصفا وجعل يدعوهم الى عبادة الله تعالى قبيلة قبيلة يا بنى فلان يا بنى فلان الى الصباح يحذرهم بأس الله فقال قائلهم ان صاحبكم هذا يعنى محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم لمجنون بات يهوت الى الصباح فنزلت والهمزة للانكار والتعجب والتوبيخ والواو للعطف على مقدر وما اما استفهامية انكارية فى محل الرفع بالابتداء والخبر بصاحبهم واما نافية اسمها جنة وخبرها بصاحبهم والجملة معلقة لفعل التفكر لكونه من افعال القلوب ومحلها على الوجهين النصب على نزع الجار والجنة بناء نوع من الجنون ودخول من يدل على انه ليس به نوع من انواع الجنون. والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فى أى شيء من جنون ما كائن بصاحبهم او فى انه ليس بصاحبهم شيء من جنة حتى يؤديهم التفكر فى ذلك الى الوقوف على صدقة وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما انزل عليه من الآيات فالتصريح بنفى الجنون للرد على عظيمتهم الشنعاء والتعبير عليه الصلاة والسلام بصاحبهم وارد على شاكلة كلامهم مع ما فيه من الايذان بان طول مصاحبتهم له عليه السلام مما يطلعهم على نزاهته عليه السلام عن شائبة الجنة وقد كانوا يسمونه قبل اظهار النبوة محمدا الامين صلى الله تعالى عليه وسلم وسلم {ان هو} اى ما هو عليه السلام {الا نذير مبين} اى مبالغ فى الانذار مظهر له غاية الاظهار ابرازا لكمال الرأفة ومبالغة فى الاعذار.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وما خلق}: عطف على {ملكوت}، و {أن عسى}: مخففة، و {أن يكون}: مصدرية، أو عطف على {ملكوت} أيضًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَ لم يتفكروا} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم؛ حتى يتحققوا أنه {ما بصاحبهم من جِنَّة}؛ يعني: نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم. رُوِي أنه صلى الله عليه وسلم لما أُمر بالإنذار صعد الصَّفا، فدعاهم، فَخْذًا فخذًا، يُحذّرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون، بات يُصوِّت إلى الصباح، فنزلت. {إن هو إِلا نذير مبين} أي: بيّن الإنذار واضح أمره، لا يخفى على ناظر. {أو لم ينظروا} نظر استدلال {في ملكوت السماوات والأرض} أي: في عظمتهما وما اشتملتا عليه من العجائب، {وما خَلَق الله من شيء} أي: وينظروا فيما خلق الله من شيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها، لتدلهم على كمال قدرة صانعها ووحدة مبدعها، وعظم شأن مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم} أي: أوَ لم ينظروا أيضًا في اقتراب أجلهم وتوقع حلول الموت بهم، فيسارعوا إلى طلب الحق، والتوجه إلى ما ينجيهم من عذابه، قبل مفاجأة الموت ونزول العذاب. {فبأي حديث بعده} أي: بعد القرآن، {يُؤمنون} إن لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان؟ كأنه إخبار عنهم بالطبع على القلوب والتصميم على الكفر، بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، وقيل: هو متعلق بقوله: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم}؛ كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يُبادرون بالإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه؟ وإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به؟!.. قاله البيضاوي. ثم بيَّن أن أمرهم بيده، فقال: {من يُضلل الله فلا هاديَ له} أصلاً، ولا يقدر أحد عليه، {ونذرهم في طُغيانهم يعمهون}: يتحيرون. ومن قرأ بالياء فمناسب لقوله: {من يضلل}، ومن جزمه فعطف على محل: {فلا هادي له}؛ لأنه جواب الشرط. الإشارة: قد أرشد الحق ـ تعالى ـ عباده إلى التفكر والاعتبار، وقد تقدم الكلام عليه في "آل عمران"، وقد علَّم هنا أهل الاستدلال كيفيته؛ وهو أن ينظر الإنسان في آمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ظهر على يديه من المعجزات وخوارق العادات، وأعظمها القرآن العظيم، ثم ما أتى به من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، وما نطق به من الحكم العجيبة، وما أخبر به من قصص الأمم الدارسة والشرائع المتقدمة، مع كونه أميًّا لم يقرأ ولم يكتب، ولم يجالس أحدًا ممن له خبرة بذلك، فتطلع عليه شمس المعرفة به حتى لا يخالطه وهمٌ، ولا يخطر بساحته خاطر سوء، ثم يتفكر في عجائب ملكوت السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من ضروب المصنوعات، وعجائب المخلوقات، فيتحقق بوجود الصانع القادر على كل شيء، هذا إن لم يجد شيخًا يُخرجه من سجن الدليل، وإن وجده استغنى عن هذا بإشراق شمس العرفان، والخروج إلى فضاء الشهود والعيان. ثم ذكر أمر الساعة، التي خوَّفهم بها بقوله: {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}، فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا ينسبون النبي صلى الله عليه وآله إلى الجنون على وجه التوبيخ لهم والتقريع {أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} اي وليس بالنبي صلى الله عليه وآله جنة وهي الجنون، فانه لا يأتي بمثل ما يأتي به المجنون، وهم يرون الاصحاء منقطعين دونه ويرون صحة تدبيره واستقامة أعماله وذلك ينافي أعمال المجانين. وبين انه ليس به صلى الله عليه وآله إلا الخوف للعباد من عقاب الله، لأن الانذار هو الاعلام عن المخاوف، فبين لهم ما عليهم من أليم العذاب بمخالفته ثم قال {أولم ينظروا} ومعناه يفكروا {في ملكوت السماوات والأرض} وعجيب صنعهما فينظروا فيهما نظر مستدل معتبر، فيعرفون بما يرون من اقامة السماوات والارض مع عظم أجسامهما وثقلهما على غير عمدو تسكينها من غير آلة فيستدلوا بذلك على انه خالقها ومالكها وأنه لا يشبهها ولا تشبهه. وقوله {وما خلق الله من شيء} يعني وينظروا فيما خلق الله تعالى من اصناف خلقه فيستدلوا بذلك على انه تعالى خالق جميع الاجسام وأنه أولى بالالهية من الاجسام المحدثة. وقوله تعالى {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} معناه اولم يتفكروا في ان عسى ان يكون قد اقترب اجلهم، وهو اجل موتهم فيدعوهم ذلك إلى ان يحتاطوا لدينهم ولانفسهم فيما يصيرون اليه بعد الموت من امور الآخرة ويزهدهم في الدنيا وفيما يطلبونه من فخرها وعزها وشرفها فيدعوهم ذلك إلى النظر في الأمور التي أمرهم بالنظر فيها. وقوله تعالى {فبأي حديث بعده يؤمنون} معناه بأي حديث بعد القرآن يؤمنون مع وضوح دلالته على أنه كلام الله إذ كان معجزاً لا يقدر أحد من البشر ان يأتي بمثله، وسماه حديثاً لأنه محدث غير قديم لأن إثباته حديثاً ينافي كونه قديماً. وفي الآية دلالة على وجوب النظر وفساد التقليد، لان النظر المراد به الفكر دون نظر العين، لان البهائم ايضاً تنظر بالعين، وكذلك الاطفال والمجانين، والفكر موقوف على العقلاء. وقال الحسن وقتادة سبب نزول الآية ان النبي صلى الله عليه وآله وقف على الصفا يدعوا قريشاً فخذاً فخذاً، فيقول: يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال قائلهم: إن صاحبكم لمجنون بأن يصوت على الصباح: فأنزل الله الآية. والملكوت هو الملك الاعظم للمالك الذي ليس بمملك.
الجنابذي
تفسير : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} ءانكروا محمّداً (ص) ولم يتفكّروا {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} كما يقولون انّه لمجنون {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} ظاهر او مظهر ان انذاره من الله.
اطفيش
تفسير : {أوَلَم} أى قالوا ذلك ولم، أو أعرضوا ولم {يتفكَّرُوا وامَا} نافية {بصَاحِبِهم} محمد أى فيه أو الباء للإلصاق {مِنْ جنَّةٍ} من جنون، ومن صلة مؤكدة للنفى مستغرقة، وجملة المبتدأ والخبر، أو الجار والمجرور فإنه علهما مع حرف النفى مفعول ليتفكروا، مستعملا فى معنى يعلموا استعمال الملزوم والسبب، مقام اللازم والمسبب، أو ليعلموا محذوفا أى فيعلموا ما به من جنون، ويجوز جعل ذلك مفعولا للتفكر بلا تأويل على تقدير المعادل، أى أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جِنَّة أم به جِنَّة على تقدير الاستفهام قبل حرف النفى، ولو تفكروا لم يقولوا ذلك، لأنه ليس فيه من الجنون شئ ما، وقد خالطوه وعاشروه، وما رأوا به شيئا يوهم الجنون، ولذلك عبر يلفظ دال على الهيئة وهو الجنة بكسر الجيم بوزن فعله بكسر فإسكان {إنْ} ما {هُو إلا نَذيرٌ مُبينٌ} واضح لا يلتبس بلاعب أولاه، أو مجنون أو موضح لإنذاره بحيث لا يخفى على من ينذرهم لفصاحته وإكثاره وإدمانه، والإنذار فى الشر ولا يستعمل فى الخير إلا مقيدا به.
اطفيش
تفسير : {أَوَلمْ يَتَفَكَّرُوا} أَكذبوا ولم يتفكروا، {مَا بِصَاحِبِهِمْ} فى صاحبهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِنْ جِنَّةٍ} من نوع من أَنواع الجنون، وما نافية أَو استفهامية إِنكارية علقت بتفكر لأَنه فعل، قلت: والتعليق تعطيل عامل عن معموله الذى يتوصل إِليه بنفسه أَو بحرف جر، وها هنا فى، ومن صلة للتأكيد فى المبتدأ أَو فى العامل، وفى ذلك التعليق غنى عن تقدير، أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة. وفى هذا التقدير أَيضاً تعليق، وعن دعوى تمام الكلام فى يتفكروا واستئناف نفى الجنون بقوله ما بصاحبهم نفياً خالصاً أَو إِنكارياً، وقدر بعض: أَولم يتفكروا فى الذى فى صاحبهم من جنون فى زعمهم فيفهموا أَنه باطل، وإِنما ينسبونه صلى الله عليه وسلم إِلى الجنون بهتاناً محضاً، أَو لكونه قد يتغير وجهه من شدة الوحى بصفرة، أَو كلامه بحرصه فى التبليغ، وكونه قد يغلف رأسه بالحناء من شدة وجعه، وكونه معرضاً عما لا يعنى وعن اللذات التى يلتذون بها وتعبه فى العبادة ولا يعتقدون لها ثمرة، ومداومته على حال لا يعتادونها وهى دعاؤهم إِلى الله تعالى، وأَنه صعد على الصفا فدعاهم فخذا فخذا إِلى الإِيمان، فأَصبح فقال قائلهم: إِن صاحبكم لمجنون بات يهوِّن، أَى يصيح، فنزل: {أَو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} ظاهر الإِنذار فصاحة ومعنى وصدقاً، وفى الآية إِن شاءَ الله عز وجل تعريض بهم بأَنهم مجانين ديناً، وكمجانين الحس إِذ حسبوا ما هو بعيد جداً عند العقلاء ولو منهم جنونا.
الالوسي
تفسير : {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ} فالهمزة للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدر يستدعيه السياق والسباق، والخلاف في مثل هذا التركيب مشهور وقد تقدمت الإشارة إليه. و {مَا} قال أبو البقاء: تحتمل أن تكون استفهامية إنكارية في محل الرفع بالابتداء والخبر {بِصَاحِبِهِم} وأن تكون نافية اسمها {جَنَّةُ} وخبرها {بِصَاحِبِهِم}. وجوز أن تكون موصولة، وفيه بعد. والجنة مصدر كالجلسة بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن كما في قوله تعالى: {أية : مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ } تفسير : [هود: 911] لأنه يحتاج إلى تقدير مضاف أي مس جنة أو تخبطها، والتنكير للتقليل والتحقير، والتفكر التأمل وإعمال الخاطر في الأمر، وهو من أفعال القلوب فحكمه حكمها في أمر التعليق، ومحل الجملة على الوجهين النصب على نزع الخافض، ومحل الموصول نصب على ذلك في الوجه الأخير، أي أكذبوا ولم يتفكروا في أي شيء من جنون ما كائن بصاحبهم الذي هو أعظم الهادين للحق وعليه أنزلت الآيات، أو في أنه ليس بصاحبهم شيء من جنة حتى يؤديهم التفكر في ذلك إلى الوقوف / على صدقه وصحة نبوته فيؤمنوا به وبما أنزل عليه من الآيات أو في الذي بصاحبهم من جنة بزعمهم ليعلموا أن ذلك ليس من الجنة في شيء فيؤمنوا، واختار الطبرسي أن الكلام قد تم عند قوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ} أي أكذبوا ولم يتفكروا في أقواله وأفعاله أو أولم يفعلوا التفكر، ثم ابتدىء فقيل: أي شيء بصاحبهم من جنة ما على طريقة الإنكار والتعجيب والتبكيت، أو قيل: ليس بصاحبهم شيء منها. والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك لتأكيد النكير وتشديده لأن الصحبة مما يطلعهم على نزاهته صلى الله عليه وسلم عن شائبة مما ذكر، والتعرض لنفي الجنون عنه عليه الصلاة والسلام مع وضوح استحالة ثبوته له لما أن التكلم بما هو خارق لا يصدر إلا عمن به مس من الجنة كيفما اتفق من غير أن يكون له أصل أو عمن له تأييد إلهي يخبر به عن الغيوب، وإذ ليس به عليه الصلاة والسلام شيء من الأول تعين الثاني. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا فدعا قريشاً فخذاً فخذاً يا بني فلان يحذرهم بأس الله تعالى ووقائعه إلى الصباح حتى قال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت حتى أصبح فانزل الله تعالى الآية، وعليه فالتصريح بنفي الجنون للرد على عظيمتهم الشنعاء عند من له أدنى عقل، والتعبير بصاحبهم وارد على مشاكلة كلامهم مع ما فيه من النكتة السالفة. وذكر بعضهم في سبب النزول أنهم كانوا إذا رأوا ما يعرض له صلى الله عليه وسلم من برحاء الوحي قالوا: جن فنزلت. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} تقرير لما قبله وتكذيب لهم فيما يزعمونه حيث تبين فيه حقيقة حاله صلى الله عليه وسلم أي ما هو عليه الصلاة والسلام إلا مبالغ في الإنذار مظهر له غاية الإظهار، ثم لما كان أمر النبوة مفرعاً على التوحيد ذكر سبحانه ما يدل عليه فقال جل شأنه: {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ...}.
ابن عاشور
تفسير : لما كان تكذيبهم بالآيات منبعثاً عن تكذيبهم من جاء بها، وناشئاً عن ظن أن آيات الله لا يجيء بها البشر، وأن مَن يدعي أنه مرسل من الله مجنون، عقب الإخبار عن المكذبين ووعيدهم بدعوتهم للنظر في حال الرسول، وأنه ليس بمجنون كما يزعمون. واستعمال العرب همزة الاستفهام مع حروف العطف المشركة في الحكم استعمال عجيب تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسولٌ بما لا تهوى أنفسكم أستكبرتم} تفسير : في سورة البقرة (87). والجملة مستأنفة، وهي ابتداء كلام في محاجتهم وتنبيههم بعد الإخبار عنهم بأنهم مستدرجون ومملى لهم. والاستفهام للتعجيب من حالهم والانكار عليهم، و(ما) في قوله: {ما بصاحبهم من جنة} نافية كما يؤذن به دخول (من) على منفى ما، لتأكيد الاستغراق. وفعل {يتفكروا} منزل منزلة اللازم، فلا يقدر له متعلق للاستغناء عن ذلك بما دل عليه النفي في قوله: {ما بصاحبهم من جنة} أي ألم يكونوا من المفكرين أهل النظر، والفعل المعلق عن العمل لا يقدر له مفعول ولا متعلق. والمقصود من تعليق الفعل هو الانتقال من علم الظان إلى تحقيق الخبر المظنون وجعله قضية مستقلة، فيصير الكلام بمنزلة خبرين خبر من جانب الظان ونحوه، وخبر من جانب المتكلم دخل في قسم الواقعات فنحو قوله تعالى: {أية : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون}تفسير : [الأنبياء: 65] هو في قوة أن يقال: لقد علمت لا ينطقون ما هؤلاء ينطقون، أي ذلك علمك وهذا علمي، وقوله هنا: {أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة} في قوة: أو لم يتفكروا صاحبهم غير مجنون، ما بصاحبهم من جنة. فتعليق أفعال القلب ضرب من ضروب الإيجاز، وأحسب هذا هو الغرض من أسلوب التعليق لم يُنبه عليه علماء المعاني، وأن خصائص العربية لا تنحصر. و«الصاحب» حقيقته الذي يلازم غيره في حالة من سفر أو نحوه، ومنه قوله تعالى: {أية : يا صاحبي السجن}تفسير : [يوسف: 41]، وسميت الزوجة صاحبة، ويطلق مجازاً على الذي له مع غيره حادث عظيم وخبر، تنزيلاً لملازمة الذكر منزلة ملازمة الذات، ومنه قول أبي معبد الخزاعي لامرأته، أم معبد، لما أخبرته بدخول النبي صلى الله عليه وسلم بيتها في طريق الهجرة ووصفت له هديه وبركتَه: «هذا صاحب قريش»، وقولُ الحجاج في بعض خطبه لأهل العراق «ألَسْتُم أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدر واستبطنتُم الكفر» يريد أنهم الذين قاتلوه بالأهواز، فمعنى كونهم أصحابه أنه كثر اشتغاله بهم، وقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي:شعر : كلُّ له نيّةٌ في بُغْض صاحبه بنعمة اللَّه نقليكم وتقلونا تفسير : فوصفُ الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صاحب الذين كذبوا بالآيات: هو بمعنى الذي اشتغلوا بشأنه ولزموا الخوض في أمره، وقد تكرر ذلك في القرآن كقوله تعالى: {أية : وما صاحبكم بمجنونٍ} تفسير : [التكوير: 22]. والجنة ــــ بكسر الجيم ــــ اسم للجنون، وهو الخبال الذي يعتري الإنسان من أثر مسّ الجن إيّاه في عرف الناس، ولذلك علقت الجنة بفعل الكون المقدر، بحرف الباء الدال على الملابسة. وإنما أنكر عليهم وعُجّب من إعراضهم عن التفكر في شأن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه غير مجنون، رداً عليهم وصفهم إياه بالجنون {أية : وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون} تفسير : [الحجر: 6]، {أية : وقالوا معلمٌ مجنونٌ}تفسير : [الدخان: 14] وهذا كقوله تعالى: {أية : وما صاحبكم بمجنون} تفسير : [التكوير: 22]. وجملة: {إن هو إلا نذير مبين} استئناف بياني لجواب سائِل منهم يقول: فماذا شأنه، أو هي تقرير لحكم جملة: {ما بصاحبهم من جنة} ففصلت لكمال الاتصال بينهما المغني عن العطف. والنذير المحذر من شيء يضر، وأصله الذي يخبر القوم بقدوم عدوهم، ومنه المثل «أنا النذير العُريان» يقال أنذر نذارة بكسر النون مثل بشارة فهو منذر ونذير. وهذا مما جاء فيه فعيل في موضع مُفْعل، مثل الحكيم، بمعنى المحكم، وقول عمرو بن معديكرب:شعر : أمنْ رَيْحانةَ الداعي السميعُ تفسير : أي المُسْمع. والمبين اسم فاعل من أبان إذا أوضح، ووقع هذا الوصف عقب الإخبار بـ (نذير) يقتضي أنه وصف للخبر، فالمعنى أنه النذير المبين لنذارته بحيث لا يغادر شكاً في صدقه، ولا في تصوير الحال المحذر منها، فالغرض من اتباع «النذير» بوصف «المبين» التعريض بالذين لم ينصاعوا لنذارته، ولم يأخذوا حذرهم من شر ما حذرهم منه، وذلك يقطع عذرهم. ويجوز جعل {مبين} خبراً ثانياً عن ضمير صاحبهم، والمعنى أنه نذير وأنه مبين فيما يبلغه من نذارة وغيرها. والقصر المستفاد من النفي والاستثناء قصر موصوف على صفة، وهو يقتضي انحصار أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم في النذارة والبيان، وذلك قصر إضافي، هو قصر قلب، أي هو نذير مبين لا مجنون كما يزعمون، وفي هذا استغباء أو تسفيهٌ لهم بأن حاله لا يلتبس بحال المجنون للبون الواضح بين حال النذارة البينة وحال هذيان المجنون. فدعواهم جنونه: إما غباوة منهم بحيث التبست عليهم الحقائق المتمايزة، وإما مكابرة وعناد وافتراء على الرسول.
الواحدي
تفسير : {أَوَلَم يتفكروا} فيعلموا {ما بصاحبهم} محمَّدٍ {من جنة} من جنونٍ. {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض} ليستدلُّوا بها على توحيد الله، وفسَّرنا ملكوت السَّموات والأرضِ في سورة الأنعام {وما خلق الله من شيء} وفيما خلق الله من الأشياء كلها {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} وفي أنْ لعلَّ آجالهم قريبة، فيهلكوا على الكفر، ويصيروا إلى النَّار {فبأيِّ حديث بعده يؤمنون} فبأيِّ قرآنٍ غير ما جاء به محمَّد يُصدِّقون؟ يعني: إنَّه خاتم الرُّسل، ولا وحي بعده، ثمَّ ذكر علَّة إعراضهم عن الإِيمان، فقال: {ومَنْ يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون}. {يسألونك عن الساعة} أَي: السَّاعة التي يموت فيها الخلق. يعني: القيامة نزلت في قريش قالت لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: أسرَّ إلينا متى السَّاعة {إيَّان مرساها} متى وقوها وثبوتها؟ {قل إنما علمها} العلم بوقتها ووقوعها {عند ربي لا يجليها لوقتها إلاَّ هو} لا يظهرها في وقتها إلاَّ هو {ثقلت في السموات والأرض} ثقل وقوعها وكَبًُر على أهل السَّموات والأرض لما فيها من الأهوال {لا تأتيكم إلاَّ بغتة} فجأة {يسألونك كأنك حَفِيٌّ عنها} عالمٌ بها مسؤول عنها {قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أنَّ علمها عند الله حين سألوا محمداً عن ذلك.
د. أسعد حومد
تفسير : (184) - لَقَدْ بَادَرَ هَؤُلاءِ الضَّالُّونَ المُكَذِّبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، إلَى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ، وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي حَالِهِ مِنْ بَدْءِ نَشْأتِهِ، وَفِي حَقِيقَةِ دَعْوَتِهِ، وَدَلائِلِ رِسَالَتِهِ، وَآيَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إعَادَةِ الخَلْقِ إلى الحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى، كَمَا بَدَأَهُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، إنَّهُمْ إنْ تَفَكَّرُوا فِي ذَلِكَ أدْرَكُوا أنَّ صَاحِبَهُمْ مُحَمَّداً لَيْسَ مَجْنُوناً، وَإنَّمَا هُوَ نَذِيرٌ نَاصِحٌ، وَمُبَلِّغٌ عَنْ رَبِّهِ. فَهُوَ يُنْذِرُهُمْ مَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنْ عَذابٍ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ إذا لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ. جِنَّةٍ - جُنُونٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يُنَبّه الحقُّ سبحانه وتعالى كلَّ الخلق أن يتفكروا في أمر الرسول المبلغ الذي ينقلُ عن القوة العليا مرادَها من الخلق. وأول ما يستحق التفكير فيه أن نعرف هل هذا الإنسان الذي يقول عنه رسول صادق أو غير صادق؟ ولقد ثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل نزول الرسالة عليه، وجاءت الرسالة لتأخذ بيد الخلق إلى الإيمان بالله. لكنهم لا يريدون أن يسمعوا، ليوجدوا لأنفسهم مبررات بالنكوص عن المنهج، فقال بعضهم اتهاما للرسول: إنه مجنون، مثلما قال بعضهم من قبل: إنه ساحر، وكاهن، وقالوا: شاعر، ويرد ربنا على كل تلك الأقاويل. ونتساءل: من هو المجنون؟. نعلم أن المجنون هو من فقد التوازن الفكري في الاختيار بين البدائل، وحين يأخذ منه هذه القدرة على التوازن الفكري، يصبح غير أهل للتكليف؛ لأن التكليف فيه اختيار أن تفعل كذا ولا تفعل كذا، والمجنون لا يملك القدرة على هذا الترجيح. والحق سبحانه وتعالى لم يكلف الإنسان إلا حين يبلغ ويعقل؛ لأنه حين يبلغ تصير له ذاتية مستقلة عن أهله وعن أبيه وأمه؛ لذلك نلاحظ الطفل وهو صغير يختار له والدهُ أو والدتُه الملابس والطعام، وبعد أن يكبر نجد الطفل قد صار مراهقاً يتمرد ويقرر أن يختار لنفسه ما يريده لأنه قد صارت له ذاتية، والذاتية - كما نعلم - توجد في النبات وفي الحيوان والإنسان وذلك بمجرد أن يصير الفرد منها قادراً على إنجاب مثله، سواء كان هذا الفرد من النبات أو الحيوان أو الإنسان. أما إن كان الإنسان قد صارت له ذاتية في الإنجاب والنسل، وليست له ذاتية ناجحة عاقلة في التفكير؛ فهنا يسقط عنه التكليف؛ لأنه مكره بفقدان العقل. وهكذا نعرف أن التكليف يسقط عن الذي لم يَبْلغ، والمجنون والمكره بمن هو أقوى منه، وهذه عدالة الجزاء من الحق، وهكذا نجد أن التكليف لا يلزم إلا من بلغ جسمه ونضج عقله، وبهذا يحرس رَبُّنا الكون بِقَيُّومِيَّتِه. وإذا كان المجنون هو فاقد الميزان العقلي الذي يختار بين البديلات، فكيف يقولون ذلك على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو قد عاش بينهم، ولم يكن قط فاقداً لميزان الاختيار بين البديلات، بل كانوا يعتبرونه الصادق الأمين، وكانوا يحفظون عنده كل غالٍ نفيس لهم حتى وهم كافرون به. وخلقه الفاضل ذاتي مستمر ودائم. لقد قالوا ذلك على محمد ظلماً له، وبغَوْغَائِيَّة، وكل واحد يلقى اتهاماً ليس له من الواقع نصيب؛ لذلك قال الحقَ تبارَك وتعالى لأصحاب هذه الاتهامات: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ...} تفسير : [سبأ: 46] أي أن يجلس كل اثنين ويتدارسا: هل محمد عاقل أم مجنون؟ وسيجد كل منهما من واقع تجربته أنَّ محمدَّا هو أكثر الناس أمانة، وكان الجميع يسمونه الأمين، حتى قبل أن يتصل به الوحي، وليس من المعقول أن يضره الوحي، أو أن يفقد بالوحي توازنه الخلقي، لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 1-4] كان خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقاً عظيماً؛ لأن الخُلق هو الصفات التي تؤهل الإنسان لأن يعيش في مجتمع سليم وهو مسالم. ومادام خُلُقه سليماً، فمعيار الحكم عنده سليم. وبعد ذلك قالوا عنه: إنه "ساحر"، ونقول لهؤلاء: لماذا إذن لم يسحر كبار رجال قريش ليؤمنوا برسالته؟ إن كل ذلك جدل خائب، والمسألة ليس فيها سحر على الإطلاق. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} الجنَّة التي تقولون عليها وتفترون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم - هي منتَهى العقل ومنتهى الخلق، فمحمد صلى الله عليه وسلم نذير واضح، جاءكم أولاً بالبشارة لكنكم في غيكم لا تستحقون البشارة، بل تستحقون الإنذار. ويقول الحق بعد ذلك: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} معناهُ من جنونٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):