Verse. 1139 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اَوَلَمْ يَنْظُرُوْا فِيْ مَلَكُوْتِ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللہُ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۙ وَّاَنْ عَسٰۗي اَنْ يَّكُوْنَ قَدِ اقْتَرَبَ اَجَلُہُمْ۝۰ۚ فَبِاَيِّ حَدِيْثٍؚبَعْدَہٗ يُؤْمِنُوْنَ۝۱۸۵
Awalam yanthuroo fee malakooti alssamawati waalardi wama khalaqa Allahu min shayin waan AAasa an yakoona qadi iqtaraba ajaluhum fabiayyi hadeethin baAAdahu yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو لم ينظروا في ملكوت» ملك «السماوات والأرض و» في «ما خلق الله من شيء» بيان لما، فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته «و» في «أن» أي أنه «عسى أن يكون قد اقترب» قرب «أجلهم» فيموتوا كفارا فيصيروا إلى النار فيبادروا إلى الإيمان «فبأي حديث بعده» أي القرآن «يؤمنون».

185

Tafseer

الرازي

تفسير : فقال: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } واعلم أن دلائل ملكوت السماوات والأرض على وجود الصانع الحكيم القديم كثيرة، وقد فصلناها في هذا الكتاب مراراً وأطواراً فلا فائدة في الإعادة. ثم قال: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } والمقصود التنبيه على أن الدلائل على التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض. بل كل ذرة من ذرات عالم الأجسام والأرواح فهي برهان باهر، ودليل قاهر على التوحيد، ولنقرر هذا المعنى بمثال. فنقول: إن الضوء إذا وقع على كوة البيت ظهر الذرات والهباآت، فلنفرض الكلام في ذرة واحدة من تلك الذرات فنقول: إنها تدل على الصانع الحكيم من جهات غير متناهية، وذلك لأنها مختصة بحيز معين من جملة الأحياز التي لا نهاية لها في الخلاء الذي لا نهاية له، وكل حيز من تلك الأحياز الغير المتناهية، فرضنا وقوع تلك الذرة فيه كان اختصاصها بذلك الحيز المعين من الممكنات والجائزات، والممكن لا بد له من مخصص ومرجح وذلك المخصص إن كان جسماً عاد السؤال فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه، وأيضاً فتلك الذرة لا تخلو عن الحركة والسكون، وكل ما كان كذلك فهو محدث، وكل محدث فإن حدوثه لا بد وأن يكون مختصاً بوقت معين مع جواز حصوله قبل ذلك وبعده، فاختصاصه بذلك الوقت المعين الذي حدث فيه، لا بد وأن يكون بتخصيص مخصص قديم فإن كان ذلك المخصص جسماً عاد السؤال فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه وتعالى، وأيضاً أن تلك الذرة مساوية لسائر الأجسام في التحيز والحجمية. ومخالفة لها في اللون والشكل والطبع والطعم وسائر الصفات. واختصاصها بكل تلك الصفات التي باعتبارها خالفت سائر الأجسام، لا بد وأن يكون من الجائزات، والجائز لا بد له من مرجح، وذلك المرجح إن كان جسماً عاد البحث الأول فيه، وإن لم يكن جسماً فهو الله سبحانه، فثبت أن تلك الذرة دالة على وجود الصانع من جهات غير متناهية، واعتبارات غير متناهية، وكذا القول في جميع أجزاء العالم الجسماني والروحاني، مفرداته ومركباته وسفلياته وعلوياته وعند هذا يظهر لك صدق ما قال الشاعر:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحدتفسير : وإذا عرفت هذا فحينئذ ظهرت الفائدة لك من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } ولما نبه الله تعالى على هذه الأسرار العجيبة والدقائق اللطيفة، أردفه بما يوجب الترغيب الشديد في الإتيان بهذا النظر والتفكر فقال: {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } ولفظة {أن} في قوله: {وَأَنْ عَسَىٰ } هي المخففة من الثقيلة تقديره: وأنه عسى، والضمير ضمير الشأن، والمعنى: لعل آجالهم قربت فهلكوا على الكفر ويصيروا إلى النار، وإذا كان هذا الاحتمال قائماً وجب على العاقل المسارعة إلى هذه الفكرة، والمبادرة إلى هذه الرؤية، سعياً في تخليص النفس من هذا الخوف الشديد والخطر العظيم، ولما ذكر تعالى هذه البيانات الجلية والدلائل العقلية قال: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُون} [الأعراف: 185] وذلك لأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ما فيه من هذه التنبيهات الظاهرة والبينات الباهرة، فكيف يرضى منهم الإيمان بغيره. واعلم أن هذه الآية دالة على مطالب كثيرة. المطلب الأول: أن التقليد غير جائز ولا بد من النظر والاستدلال، والدليل على أن الأمر كذلك قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ }. والمطلب الثاني: أن أمر النبوة متفرع على التوحيد، والدليل عليه أنه لما قال: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أتبعه بذكر ما يدل على التوحيد، ولولا أن الأمر كذلك، لما كان إلى هذا الكلام حاجة. والمطلب الثالث: تمسك الجبائي والقاضي بقوله تعالى: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } على أن القرآن ليس قديماً قالوا: لأن الحديث ضد القديم، وأيضاً فلفظ الحديث يفيد من جهة العادة حدوثه عن قرب، ولذلك يقال: إن هذا الشيء حديث، وليس بعتيق فيجعلون الحديث ضد العتيق الذي طال زمان وجوده، ويقال: في الكلام إنه حديث، لأنه يحدث حالاً بعد حال على الأسماع. وجوابنا عنه: أنه محمول على الألفاظ من الكلمات ولا نزاع في حدوثها. المطلب الرابع: أن النظر في ملكوت السموات والأرض لا يكون إلا بعد معرفة أقسامها وتفصيل الكلام في شرح أقسامها، أن يقال كل ما سوى الله تعالى، فهو إما أن يكون متحيزاً أو حالاً في المتحيز أو لا متحيزاً، ولا حالاً في المتحيز، أما المتحيز فإما أن يكون بسيطاً، وإما أن يكون مركباً، أما البسائط فهي إما علوية وإما سفلية، أما العلوية فهي الأفلاك والكواكب، ويندرج فيما ذكرناه العرش والكرسي، ويدخل فيه أيضاً الجنة والنار، والبيت المعمور، والسقف المرفوع واستقص في تفصيل هذه الأقسام، وأما السفلية فهي: طبقات العناصر الأربعة، ويدخل فيها البحار والجبال والمفاوز، وأما المركبات فهي أربعة الآثار العلوية والمعادن والنبات والحيوان، واستقص في تفصيل أنواع هذه الأجناس الأربعة، وأما الحال في المتحيز وهي الأعراض، فيقرب أجناسها من أربعين جنساً، ويدخل تحت كل جنس أنواع كثيرة، ثم إذا تأمل العاقل في عجائب أحكامها ولوازمها وآثارها ومؤثراتها فكأنه خاض في بحر لا ساحل له. وأما القسم الثالث: وهو أن الموجود لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز، فهو قسمان، لأنه إما أن يكون متعلقاً بأجسام بالتدبير والتحريك، وهو المسمى بالأرواح، وإما أن لا يكون كذلك، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام. أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش، كما قال تعالى: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ }تفسير : [الحاقة: 17] ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ }تفسير : [الزمر: 75] ويتلوها سكان الكرسي، وإليهم الإشارة بقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض} تفسير : [البقرة: 255] ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع. وإليهم الأشارة بقوله: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا فَٱلزجِرٰتِ زَجْراً فَٱلتَّـٰلِيَـٰتِ ذِكْراً } تفسير : [الصافات: 1 ـ 3] ومن صفاتهم، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله سبحانه له ألف ألف عالم وراء هذا العالم، وله في كل واحد منها عرش أعظم من هذا العرش، وكرسي أعلى من هذا الكرسي، وسموات أوسع من هذه السموات، وكيف يمكن إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته، بعد أن سمع قوله: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ }تفسير : [المدثر: 31] فإذا استحضر الإنسان هذه الأقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته وإلهيته فهم قولهم: {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32] ونعم ما قال أبو العلاء المعري:شعر : يا أيها الناس كم لله من فلك تجري النجوم به والشمس والقمر هنا على الله ماضينا وغابرنا فما لنا في نواحي غيره خطر

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيه أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ} عجب من إعراضهم عن النظر في آياته؛ ليعرفوا كمال قدرته، حسب ما بيناه في سورة «البقرة». والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك العظيم. وقد تقدّم. الثانية ـ استدل بهذه الآية ـ وما كان مثلها من قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وقولِهِ تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} تفسير : [قۤ: 6] وقولهِ: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} تفسير : [الغاشية: 17] الآية. وقولهِ: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21] ـ من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته. قالوا: وقد ذم الله تعالى من لم ينظر، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الآية. وقد اختلف العلماء في أوّل الواجبات، هل هو النظر والاستدلال، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة. فذهب القاضي وغيره إلى أن أوّل الواجبات النظر والاستدلال؛ لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته. وإلى هذا ذهب البخارِيّ رحمه الله حيث بوّب في كتابه (باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ}تفسير : ) [محمد: 19]. قال القاضي: من لم يكن عالماً بالله فهو جاهل، والجاهل به كافر. قال ابن رشد في مقدماته: وليس هذا بالبيّن؛ لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد، وبأوّل وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية. قال: وقد استدل الباجِيّ على من قال إن النظر والاستدلال أوّل الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلِّد مؤمنين. قال: فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحاً لما صح أن يسمى مؤمناً إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. قال: وأيضاً فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم: لا يحل لكم قتلنا؛ لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل. قال: وهذا يؤدّي إلى تركهم على كفرهم، وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدِلوا. قلت: هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إلۤه إلاَّ الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»تفسير : . وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف (ذكر صفة كمال الإيمان) أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إلۤه إلاَّ الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام ـ وهو بالغ صحيح العقل ـ أنه مسلم. وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتداً يجب عليه ما يجب على المرتدّ. وقال أبو حفص الزنجانيّ وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السِّمنانيّ يقول: أوّل الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به، ثم النظر والاستدلال المؤدّيان إلى معرفة الله تعالى؛ فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله. قال: وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق؛ لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال. فلو قلنا: إن أوّل الواجبات المعرفة بالله لأدّى إلى تكفير الجمّ الغفير والعدد الكثير، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس، وذلك بعيد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أُمّته، وأن أُمم الأنبياء كلهم صف واحد وأُمته ثمانون صفا. وهذا بيّن لا إشكال فيه. والحمد لله. الثالثة ـ ذهب بعض المتأخرين والمتقدّمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر؛ فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين، وأوّل من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه. وقد أورد على بعضهم هذا فقال: لا تشنّع عليّ بكثرة أهل النار. أو كما قال ـ قلت: وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه؛ لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شِرذِمة يسيرة من المتكلمين، واقتحموا في تكفير عامّة المسلمين. أين هذا من حديث : قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول، وٱنتهره أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم: اللهم ٱرحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لقد حجرت واسعاً»تفسير : . خرّجه البخاريّ والترمذيّ وغيرهما من الأئمة. أترى هذا الأعرابيّ عرف الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان؟ وأن رحمته وسعت كل شيء، وكم من مثله محكوم له بالإيمان. بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك. ألا تراه لماحديث : قال للسوداء: «أين الله»؟ قالت: في السماء. قال: «من أنا»؟ قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة»تفسير : . ولم يكن هناك نظر ولا استدلال، بل حكم بإيمانهم من أوّل وهلة، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة. والله أعلم. الرابعة ـ ولا يكون النظر أيضاً والاعتبار في الوجوه الحِسان من المُرد والنِّسوان. قال أبو الفرج الجوزِي: قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبرِيّ بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد، وربما زينته بالحلى والمصبغات من الثياب، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع. وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم. قال أبو الفرج: وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يُحِلّ الله النظر إلا على صورةٍ لا ميل للنفس إليها، ولا حظ للهوى فيها؛ بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا يقارنها لذّة. ولذلك ما بعث الله سبحانه ٱمرأة بالرسالة، ولا جعلها قاضياً ولا إماماً ولا مؤذناً؛ كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة. فمن قال: أنا أجد من الصور المستحسنة عبراً كذّبناه. وكل من ميّز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه، وإنما هذه خُدَع الشيطان للمدّعين. وقال بعض الحكماء: كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير، ولذلك قال تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 4] وقال: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21]. وقد بينا وجه التمثيل في أوّل «الأنعام». فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقاً إلى كونه خلقاً سَوِيّاً، يُعان بالأغذية ويُرَبَّى بالرّفق، ويُحفظ باللّين حتى يكتسب القُوَى ويبلغ الأشدّ. وإذا هو قد قال: أنا، وأنا، ونسي حين أتى عليه حِين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، وسيعود مقبوراً؛ فياويحه إن كان محسوراً. قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ـ إلى قوله ـ تُبْعَثُونَ}تفسير : [المؤمنون: 12 - 16] فينظر أنه عبد مربوب مكلف، مخوّف بالعذاب إن قصر، مرتجياً بالثواب إن ٱئتمَر، فيقبِل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه و لا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد من عباد الله؛ فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار. وقال ابن العربيّ: وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العلمية:شعر : كيف يَزْهُو مَن رجِيعُه أبدَ الدهر ضجيعُه فهو منه وإليه وأخوه ورضيعُه وهو يدعوه إلى الحشِّـى بصُغْر فيطيعُه تفسير : قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} معطوف على ما قبله؛ أي وفيما خلق الله من الأشياء. {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت؛ فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله. وقال ابن عباس: أراد بٱقتراب الأجل يوم بَدْر ويوم أُحُد. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } أي بأيّ قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون. وقيل: الهاء للأجل، على معنى بأيّ حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ} نظر استدلال. {فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء} مما يقع عليه اسم الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدلهم على كمال قدرة صانعها، ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها، ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} عطف على ملكوت وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم يكون والمعنى: أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم، قبل مغافصة الموت ونزول العذاب. {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي بعد القرآن. {يُؤْمِنُونَ} إذا لم يؤمنوا به، وهو النهاية في البيان كأنه إخبار عنهم بالطبع والتصميم على الكفر بعد إلزام الحجة والارشاد إلى النظر. وقيل هو متعلق بقوله: عسى أن يكون، كأنه قيل لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن، وماذا ينتظرون بعد وضوحه فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به وقوله:

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: أو لم ينظر هؤلاء المكذبون بآياتنا في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فعل من لاينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت؛ فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه. وقوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب بعد تحذير محمد صلى الله عليه وسلم وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آي كتابه يصدقون إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمد من عند الله عز وجل؟ وقد روى الإمام أحمد: عن حسن بن موسى وعفَّان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي الصلت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ليلة أسري بي كذا، فلما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا، فنظرت إلى أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الشياطين يحومون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب» تفسير : علي بن زيد بن جدعان له منكرات. ثم قال تعالى: { مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ}. يقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر فإنه لا يجزي عنه شيئاً {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} تفسير : [المائدة: 46] وكما قال تعالى: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101].

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ } ملك {ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ و } في {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ } بيان ل «ما» فيستدلوا به على قدرة صانعه ووحدانيته؟ {وَ} في {أن} أي إنه {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ } قرُب {أَجَلُهُمْ } فيموتوا كفارا فيصيروا إلى النار فيبادروا إلى الإِيمان {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } أي القرآن {يُؤْمِنُونَ }؟

البقاعي

تفسير : ولما كان النظر في أمر النبوة مفرعاً على تقرير أدلة التوحيد، وكان المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد، قال منكراً عليهم عدم النظر في دلائل التوحيد الراد عن كل حال سيىء: {أولم} ولما كان الأمر واضحاً قال: {ينظروا} أي نظر تأمل واعتبار، ودل على أنه بالبصيرة لا البصر بالصلة، فقال إشارة إلى كل ذرة فيها دلائل جمة {في ملكوت} وعظم الأمر بقوله: {السماوات والأرض} أي ملكهما البالغ من حد العظمة أمراً باهراً بظاهره الذي يعرفونه وباطنه الذي يلوح لهم ولا يدركونه. ولما كانت أدلة التوحيد تفوت الحصر، ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع باهر، قال؛ {وما} أي وفيما {خلق الله} أي على ما له من الجلال والجمال {من شيء} أي غيرهما، ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلاً عن ذلك غيره، ويتحققوا أن كتابه سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه صفته سبحانه وكلامه، فلا يلحدوا في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ظهر لهم من تمام قدرته وتمام عجز غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي جهل غيره بكل شيء إلى غير ذلك حتى يعلموا بعضامة هذا الكون أنه سبحانه عظيم، وبقهره لك شيء أنه قهار شديد، وبعجزه كل شيء عن كل شيء من أمره أنه عزيز، وبإسباغه النعمة أنه رحيم كريم إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تنطق الأشياء بها بألسنة الأحوال وتتحدث بها صدور الكائنات وإن لم يكن لها مقال، ويشرحها كلام التدبير بما له من الكمال {وأن عسى} أي وينظروا في الإشفاق والخوف من أنه ممكن وخليق وجدير {أن يكون قد اقترب} أي دنا دنوّاً عظيماً {أجلهم} أي الذي لا شك عندهم في كونه بموته من موتات هذه الأمم التي أسلفنا أخبارهم كنفس واحدة أو بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل للنجاة من أعظم الوجل، فإن كل عاقل إذا جوز خطراً ينبغي له أن ينظر في عاقبته ويجتهد في الخلاص منه. ولما كان قد تقدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا الكتاب، وبان بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بالإنذار به حق الاتصاف، وبان أن القرآن مباين لجميع المخلوقات، فثبت أنه كلام الله؛ تسبب عن ذلك الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به، والتخويف من إحلال أجله قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه، وذلك في أسلوب دال على أن الإيمان بعد هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا لانتظار كلام آخر فقال: {فبأي حديث} أي كلام يتجدد له في كل واقعة بيان المخلص منها {بعده} أي بعد هذه الرتبة العظيمة {يؤمنون*} فقد دلت هذه الآية على أن للإيمان طريقين: أحدهما سمعي، والآخر عقلي، قال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه: الحكم إنما يتلقى من خطاب الله البالغ على ألسنة رسله، وقد اتضح واشتهر أن السمع من طرق تفهم خطاب الله الذي تبلغه الرسل، وكذلك أيضاً قد تحقق لقوم من أولي الألباب أن الرؤية وسائر الحواس طريق من طرق تفهم خطاب الله أيضاً، يعي منه اللب العقلي معنى الإرسال في كتابه المخلوق كما يعي العقل معنى الإرسال من مفهوم كلامه المنطوق، وقوم ممن فهم من مرئي كتاب الله المشهود إرسالاً ولقن أحكاماً يسمون الحنيفيين كقس ابن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل، وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن كل واحد منهم "يبعث أمه واحدة" لاهتدائه من نفسه من غير رسالة هاد خارج عنه، بل من رسول موجدته وإحساسه للعالم، ولأنه إنما أخذ بكلية حكم الإيمان ووجوب المناصفة مع الخلق من شهود خلق الله، وصار مع ذلك يترقب تأكيد ما يحصل له عقلاً من مسموع خطاب الله، وعلى نحو هذه الحال - وأتم هي - حال الأنبياء والصديقين قبل مورد الوحي على النبي وقبل سماع صديقه وارد وحيه، وهؤلاء هم - الذين لا يتوقفون عن الإيمان بالنبي عند ابتداء دعوته، وكما أن النبي لا يلزم ويحكم بل يبلغ عن الله فكذلك نظر العقل لا يلزم ولا يحكم بل يبلغ عن الله فيكون الحكم الذي هو تصرف الحق في أفعال الخلق بهذا على ضربين، شرعي أي مأخوذ من الإرسال الشرعي، وعقلي أي مأخوذ من الإرسال العقلي، وحاصل ذلك أن العالم المشهود مبين عن أمر الله، وكل مبين مبلغ، فالعلم مبلغ أي بما يفهمه الفاهم من كلامه عن الله، فإن النحاة قالوا - كما ذكره ابن عصفور في شرح الإيضاح لأبي علي وكذا غيره: إن الكلام في الإصطلاح لا يقع الإ على اللفظ المركب وجوداً أو تقديراً المفيد بالوضع، قال: واحترزوا باللفظ عما يقال له كلام لغة وليس بلفظ كالخط والإشارة وما في النفس وما يفهم من حال الشيء، وقال الحرالي: نحو حال الخجل والغضبان، وبالفعل نحو الإشارة باليد والعقد بالأنامل وبآثار الفعل كالصنائع والأعمال، وباللفظ الذي يلفظ به القلب إلى ظاهر اللسان، وبآثار رقوم يحاذي بها حذو مفهوم اللفظ وهو الخط - انتهى. ولما كان ذلك كله من أعجب العجب، كانت فذلكته قطعاً تعليلاً لما قبله من إعراضهم عما لا ينبغي الإعراض عنه دليلاً على أن الأمر ليس إلا بيد منزله سبحانه قوله: {من يضلل الله} أي الذي له جميع العظمة {فلا هادي} أصلاً {له} بوجه من الوجوه؛ ولما دل بالإفراد على أن كل فرد في قبضته، وكان التقدير: بل يستمر على ضلاله، وعطف عليه بضمير الجمع دلالة علىأن جمعهم لا يغني من الله شيئاً فقال: {ويذرهم} أي يتركهم على حالة قبيحة، وعبر بالظرف إشارة إلى إحاطة حكمه بهم فقال: {في طغيانهم} أي تجاوزهم للحدود حال كونهم {يعمهون} أي يتحيرون ويترددون في الضلال لا يعرفونه طريقاً ولا يفهمون حجة. ولما بين التوحيد والنبوة والقضاء والقدر، أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة التي هي أمهات مطالب القرآن، مبيناً ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبلدهم في العمه وتلددهم في إشراك الشبه بقوله: {يسئلونك} أي مكررين لذلك {عن الساعة} أي عن وقتها سؤال استهزاء {أيان مرساها} أي أيّ وقت ثبات ثقلها واستقراره، والمرسى يكون مصدراً وزماناً ومكاناً، من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة المتشعبة، وإنما كان هذا بياناً لعمههم فإنهم وقعوا بذلك في الضلال من وجهين: السؤال عما غيره لهم أهم، وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من الأدلة، وسيكرره في هذه السورة، وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة. ولما كان السؤال عن الساعة عاماً ثم خاصاً بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب عموماً عنها بقوله: {قل إنما علمها} أي علم وقت إرسائها وغيره {عند ربي} أي المحسن إليّ بإقامتها لينعم على تبعني وينتقم ممن تركني، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه، ولا يقيمها إلا في أحسن الأوقات وأنفعها لي، وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب، فيكون أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة، ثم خصصت من حيث الوقت بقوله مشيراً إلى أن لها أشرطاً تتقدمها: {لا يجليها} أي يبينها غاية البيان {لوقتها إلا هو} . ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإرساء، وكان الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل،قال: {ثقلت} أي الساعة فغاصت إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم عليّ شأنها، ولذلك عبر بالظرف فقال: {في السماوات والأرض} أي نسبة أهلهما إلى خفائها والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء، وله أن يفعل ما يشاء - ثم قرر خفاءها على الكل فقال: {لا تأتيكم} أي في حالة من الحالات {إلا بغتة} أي على حين غفلة. ولما كانوا قد ألحفوا في سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها، وكانت صفة الربوبية المذكورة في الجملة الأولى ربما حملت على سؤاله طمعاً في تعرفها من المحسن إليه، قطع الأطماع بقوله مؤكداً للمعنى: {يسئلونك} أي عن الساعة مطلقاً في وقت وقوعها وما يحصل من أمورها ويحدث من شدائدها، أي ويلحفون في سؤالك كلما أخبرتهم أنه لا يعلمها إلا الله {كأنك حفيٌّ} أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال {عنها قل} أي قطعاً لسؤالهم {إنما علمها عند الله} أي الذي له جميع العزة والعظمة والكبرياء فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه، ولم يأذن في علمها لأحد من الخلق {ولكن أكثر الناس} أي الذين غلبت عليهم صفة الاضطراب {لا يعلمون} أي ليسوا من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون، ولو كانوا من أهله ما كذبوك، فوقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع التعنت، وتركوا ما ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن خوف انخرام الآجال وهم يهيمون في أدوية الضلال. ولما كان علم الغيب ملزوماً لجلب الخير ودفع الضير،وكانت الساعة أدق علم الغيب، أمره بنفي هذا اللازم فينتفي الأعم فينتفي بانتفائه الأخص، وقدم النفع لأنه أهم إلى النفس، وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة يونس عليه السلام، فقال آمراً بإظهار ذل العبودية: {قل لا أملك} أي في وقت من الأوقات أصلاً {لنفسي نفعاً} أي شيئاً من جلب النفع قليلاً ولا كثيراً {ولا ضراً} كذلك، فإن قدرتي قاصرة وعلمي قليل، وكل من كان عبداً كان كذلك. ولما كان من المعلوم بل المشاهد أن كل حيوان يضر وينفع، أعلم أن ذلك إنما هو بالله فقال: {إلا ما شاء الله} أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد سواه أن يقدرني عليه. ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها من المغيبات جهل منهم، لأن حاله واضح في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم الغيب، دل عليه بقوله: {ولو كنت} أي من ذاتي {أعلم الغيب} أي جنسه {لا ستكثرت} أي أوجدت لنفسي كثيراً {من الخير} باستجلاب المنافع بنصب أسبابها. ولما كان الضر لا يحتمل منه شيء قال: {وما مسني السوء} أي هذه الجنس بإقامة الموانع له عني لأن لازم إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن شاء الله تعالى في سورة طه، ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله، ختم الآيه ببيان رتبته، فقال قالباً ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله: " حديث : يا بني عبد مناف! اتقوا الله، يا بني فلان يا بني فلان" تفسير : وكذا ما لزم عن إلزامهم له بعلم الساعة من أنه يكون إلهاً: {إن أنا إلا} ولما كانت السورة للإنذار، قدمه فقال: {نذير} أي مطلقاً للكافر ليرجع عن كفره، والمؤمن ليثبت على إيمانه {وبشير لقوم يؤمنون*} أي خاصة، أو الصفتان لهم خاصة بالنظر إلى النفع، وأما ما لا نفع فيه فعدم.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏رأيت ليلة أسريَ بي، فلما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق‏.‏ قال‏:‏ وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم قلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا، فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت‏:‏ ما هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذه الشياطين يحرجون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب ‏"‏‏‏‏.‏‏!

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استئناف آخرُ مسوقٌ للإنكار والتوبـيخ بإخلالهم بالتأمل في الآيات التكوينيةِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ الشاهدةِ بصحة مضمونِ الآيات المنزلةِ إثرَ ما نُعي عليهم إخلالُهم بالتفكر في شأنه عليه الصلاة والسلام، والهمزةُ لما ذكر من الإنكار والتعجب والتوبـيخِ، والواوُ للعطف على المقدر المذكورِ أو على الجملة المنفيةِ بلم، والملكوتُ الملكُ العظيم، أي أكذبوا بها أو ألم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظرَ تأملٍ فيما تدل عليه السمواتُ والأرض من عِظَم المُلك وكمالِ القدرة {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ} أي وفيما خلق فيهما على أنه عطفٌ على ملكوت، وتخصيصُه بهما لكمال ظهورِ عِظَم المُلك فيهما، أو وفي ملكوت ما خلق على أنه عطفٌ على السموات والأرض، والتعميمُ لاشتراك الكل في الدِلالة على عظم الملكِ في الحقيقة وعليه قوله تعالى: {أية : فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } تفسير : [يس: 83] وقوله تعالى: {مِن شَىْء} بـيانٌ لما خلق مفيدٌ لعدم اختصاص الدِلالة المذكورة بجلائل المصنوعاتِ دون دقائِقها، والمعنى أولم ينظُروا في ملكوت السموات والأرض وما خُلق فيهما من جليل ودقيقٍ مما ينطلق عليه اسمُ الشيءِ ليدلَّهم ذلك على العلم بوحدانيته تعالى وبسائر شؤونِه التي ينطِق بها تلك الآياتُ فيؤمنوا بها لاتحادهما في المدلول فإن كلَّ فردٍ من أفراد الأكوانِ مما عزَّ وهانَ دليلٌ لائحٌ على الصانع المجيد وسبـيلٌ واضحٌ إلى عالم التوحيد، وقوله تعالى: {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} عطف على ملكوت، وأن مخففةٌ من أنّ، واسمُها ضميرُ الشأن وخبرُها عسى مع فاعلها الذي هو أن يكون، واسمُ يكون أيضاً ضميرُ الشأن، والخبرُ قد اقترب أجلُهم والمعنى أولم ينظروا في أن الشأن عسى أن يكون الشأنُ قد اقترب أجلُهم وقد جوز أن يكون اسمُ يكون (أجلُهم) وخبرُها (قد اقترب) على أنها جملةٌ من فعل وفاعل هو ضمير أجلهم لتقدمه حكماً وأياً ما كان فمناطُ الإنكارِ والتوبـيخِ تأخيرُهم للنظر والتأمل أي لعلهم يموتون عما قريب فما لهم لا يسارعون إلى التدبر في الآيات التكوينيةِ الشاهدة بما كذبوه من الآيات القرآنيةِ، وقد جوز أن يكون الأجلُ عبارةً عن الساعة والإضافةُ إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارِهم لها وبحثِهم عنها. وقوله تعالى: {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} قطعٌ لاحتمال إيمانِهم رأساً ونفيٌ له بالكلية مترتبٌ على ما ذكر من تكذيبهم بالآيات وإخلالِهم بالتفكر والنظر، والباءُ متعلقةٌ بـيؤمنون وضميرُ بعده للآيات على حذفِ المضاف المفهومِ من كذبوا والتذكيرُ باعتبار كونِها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور وإجراءِ الضمير مُجرى اسمِ الإشارة والمعنى أكذبوا بها ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوالِ المصنوعاتِ فبأي حديث يؤمنون بعد تكذيبه ومعه مثلُ هذه الشواهدِ القويةِ كلا وهيهات، وقيل: الضميرُ للقرآن والمعنى فبأي حديث بعد القرآنِ يؤمنون إذا لم يؤمنوا به وهو النهايةُ في البـيان، وقيل هو إنكارٌ وتبكيتٌ لهم مترتبٌ على إخلالهم بالمسارعة إلى التأمل فيما ذُكر كأنه قيل: لعل أجلَهم قد اقترب فما لهم لا يبادِرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفَوْتِ، وماذا ينتظرون بعد وضوحِ الحقِّ وبأي حديثٍ أحقَّ منه يريدون أن يؤمنوا؟ وقيل: الضميرُ لأجَلهم، والمعنى فبأي حديثٍ بعد انقضاءِ أجلِهم يؤمنون؟ وقيل: للرسول عليه الصلاة والسلام على حذف مضافٍ أي فبأي حديثٍ بعد حديثِه يؤمنون وهو أصدقُ الناس.

التستري

تفسير : وقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}[185] قال: ذكر الله تعالى قدرته في خلقه ووصف حاجتهم إليه، وما خلق من شيء سمعوه ولم يروه، فاغتروا به، ولو شاهدوا ذلك بقلوبهم لآمنوا بالغيب، فأداهم الإيمان إلى مشاهدة الغيب الذي غاب عنهم، وورثوا درجات الأبرار فصاروا أعلاماً للهدى.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ}. أطلع الله - سبحانه - أقمار الآيات، وأماط عن ضيائها سحاب الشبهات؛ فَمَنْ استضاء بها ترَّقى إلى شهود القدرة. ويقال ألاح الله تعالى - لقلوب الناظرين بعيون الفكر - حقائق التحصيل؛ فَمَنْ لم يُعَرِّج في أوطان التقصير أَنْزَلَتْه مراكبُ السِّرِّ بساحات التحقق. قوله جلّ ذكره: {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}. الناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك آجالهم، فكم من ناسجٍ لأكفانه! وكم من بانٍ لأعدائه! وكم من زارعٍ لم يحصد زرعه! هيهات! الكبش يعتلف والقَصَّابُ مسْتَعِدٌّ له!. ويقال سرعة الأَجَل تُنَغِّص لذة الأمل.

البقلي

تفسير : {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} من لم يكن من نظار الحقائق والمكاشفين اسرار الجبروت فى الملكوت من اهل الدقائق كيف ينظر الى مرأة الصفات التى يبرز فيها انوار الذات ندبهمالحق الى طلب مشاهدته وقربه والى النظر من القلوب الى الغيوب ليدركوا بصفاء العقول وابصار الارواح وعيون الفواد ما لم يدركوا بجميع العبادات لان النظر يورث الفكرة الفكرة تورث الذكر والذكر تورث المعرفة والمعرفة تورث الحكمة والحكمة تورث المحبة تورث الشوق والشوق تورث العشق والعشق يورث الانس والانس يورث الانفراد والانفراد يورث التوحيد والتوحيد يورث الفناء والفناء يورث البقاء والبقاء يورث رؤية الازل ورؤية الازل تورث رؤية الابد والعبد هناك يطير بهذه الاجنحة من الازل الى الاباد ومن الاباد الى الازل ولو كان القوم اهل مناهج الكبرى من المشاهدات احالهم الحق بالنظر اليه لا الى الملك والملكوت فان النظر منه الى غيره شرك فى التوحيد وهؤلاء ضعفاء مسالك المعرفة قال بعضهم النظر فى الملكوت يورث الاعتبار والنظر الى المالك يسقط منك الاشتغال بسواه وقال بعضهم النظر الى الملكوت على مراتب ثلث ولها النظر بعين العبرة لا بعين الشهوة والثانى النظر عين اليقين الى قدر القادر والثالث النظر بعين المعرفة م الملك الى المالك فلما النظر بيعن العبرة فانه يجد حقيقة التوحيد النظر بعين اليقين يجد حقيقة الاخلاص والنظر بعين المعرفة يجد حقيقة المعرفة قال الاستاد اطلع الله سبحانه اقمار الأيات واما طين ضياتها سحاب الشبهات فى من استضاء بها ترقى الى شهود القدرة ويقال الاح الله لقلوب الناظرين بعيون الفكر حقائق التحصيل ثمن لم يرج فى اوطان التقصير انزلته مراكب السير بمباحات التحقيق.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو لم ينظروا} الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر اى اكذبوا بها ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال {فى ملكوت السموات والارض} فيما تدل عليه السموات والارض من عظم الملك وكمال القدرة فيعلموا انه لم يخلقهما عبثا ولم يترك عباده سدى. قال بعضهم ملكوت السموات النجوم والشمس والقمر وملكوت الأرض البحور والجبال والشجر والملكوت الملك العظيم من الملك كالرهبوت من الرهب زيدت التاء للمبالغة يقال له ملكوت العراق اى الملك الاعظم متعلق به {وما خلق الله} عطف على ملكوت اى وفيما خلق الله {من شيء} بيان لما خلق مفيد لعد اختصاص الدلالة المذكورة بجلائل المصنوعات دون دقائقها اى من جليل ودقيق مما يقع عليه اسم الشيء من الاجناس التى لا يمكن حصرها اى ان كل فرد فرد من الموجودات محل للنظر والاعتبار والاستدلال على الصلنع ووحدانيته كما قيل شعر : وفى كل شيء له آية تدل على انه واحد تفسير : {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} عطف على مكلوت وان مخففة من ان واسمها ضمير الشان والخبر قد اقترب اجلهم. والمعنى او لم ينظروا فى ان الشان عسى ان يكون الشان قد اقترب اجلهم لعلهم يموتون عن قريب فمالهم لا يسارعون الى طلب الحق والتوجه الى ما ينجيهم قبل مجيء الموت ونزول العذاب شعر : زان بيش كاجل فرا رسد تنك وايام عنان ستاند ازجنك برمركب فكر خويش نه زين مردانه در آى درره دين تفسير : {فبأى حديث هو فى اللغة الجديد وفى عرف العامة الكلام {بعده} اى بعد القرآن {يؤمنون} اذا لم يؤمنوا به وهو النهاية فى البيان وليس بعده كتاب منزل ولا نبى مرسل وهو قطع لاحتمال ايمانهم ونفى له بالكلية والباء متعلقة بيؤمنون.

الجنابذي

تفسير : {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ} عطف على قوله او لم يتفكّروا او على مقدّر اى اوقفوا عن النّظر ولم ينظروا {فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ملكوت كلّ شيءٍ باطنه لانّ الملكوت مبالغة فى المالكيّة وباطن كلّ شيءٍ مالك لظاهره كباطن الانسان المسخّر لظاهره بحيث لا يتمكّن من عدم طاعته، وباطن السّماوات المسخّر لاجرامها فى حركاتها المتناسقة وملكوت الارض مثالها فى عالم المثال وهو عالم الملكوت الاعلى، والمقصود من النّظر فى ملكوتهما النّظر فى دقائق الحكم المودعة فى حركاتها المتناسقة المنتظمة المترتّب عليها كلّيّات نظام العالم وجزئيّاته الّتى لا يشكّ العاقل فى انّها ليست من اجرامها من غير علمٍ وشعورٍ، بل لها مسخّر عالم شاعر حكيم واذا عرف الانسان ذلك من السّماوات والارض لم يتوقّف فى معرفة الآخرة ومعرفة الله وصفاته ومعرفة المعاد، وورد الامر بالنّظر فى السّماوات والارض وآياتهما وآيات الآفاق والانفس ليؤدّى بالنّاظر الى مدبّرهما ومسخّرهما وملكوتهما {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} ممّا يطلق عليه اسم الشّيء كائناً ما كان فانّ فى كل شيء آية قدرته وحكمته {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} او لم ينظروا فى انّه عسى ان يكون قد اقترب اجلهم فيستعدّوا له فيميزوا بين ما ينفعهم حين الاجل وبين ما يضرّهم، فانّ تذكّر الموت يعين على التّميز بين الحقّ والباطل وعلى رفع الغشاوة والعمه عن البصيرة {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد الاجل {يُؤْمِنُونَ} ولا حديث بعده ولا ينفع نفساً ايمانها لم تكن آمنت من قبل.

اطفيش

تفسير : {أوَلَم ينْظُروا} بأعينهم نظر استدلال واعتبار أو بقلوبهم {فى مَلَكُوت السَّماوات والأرضِ} أى فى ملكه العظيم الذى هو السماوات والأرض، والإضافة للبيان، والعظم مستفاد من زيادة الواو والتاء فى ملكوت، أو الإضافة ظرفية أى فى أعظم ما ملكه فيهن {وَمَا} عطف على ملكوت، أو على السماوات أو الأرض بمعنى الذى {خَلَق اللهُ مِنْ} بيانية متعلقة بمحذوف حال من ما، أو من رابطها المحذوف {شَئٍ} وتلك الحال مؤكدة لعموم ما كأنه قيل: لو نظروا فى مخلوق ما من مخلوقاته كائنا ما كان مما يقع عليه اسم الشئ، وهو فى هذه الآية كل موجود من ذات وفعل وعرض، لعرفوا به الله قال أبو العتاهية: شعر : فى كل شئ له آية تدلُّ على أنه واحد تفسير : {وأنْ} مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وهى مع هذا مصدرية، ولا يجوز أن تكون هى الخفيفة الناصبة للمضارع إذا دخلت عليه هى التى مصدرية، لأنها داخلة على جامد خلافا للقاضى، والعطف على ملكوت {عَسَى} توقع بالنظر إليهم، واسمها ضمير الشأن أيضا وما بعدها خبرها، أو هى تامة فى ما بعدها فاعل {أنْ يَكونَ} اسمها أيضا ضمير الشأن وخبرها {قَدِ اقْتَرب أجَلُهم} ويجوز كون أجل اسم يكون، فيكون ضميره فى اقترب، وكونه اسم عسى فيكون ضميره فى يكون وفى اقترب، وسيأتى بحث فى ذلك، فإذا كانوا على توقع من اقتراب أجلهم وهو الموت قيل: أو الساعة فمالهم لا يسارعون إلى طلب الحق، وما ينجيهم قبل حلوله، فإنه لا ينفعهم بعده نظر ولا إيمان كما قال: {فَبأىِّ حَديثٍ بَعْده} أى بعد أجلهم {يُؤمنُونَ} إيمانا نافعا، أى لا حديث ينفعهم الإيمان به بعده، فانهم بعده يؤمنون بجميع الآيات، ولا ينفعهم ذلك، فالكلام متصل بما قبله، والاستفهام إنكار وتوبيخ وتعجيب، وبعده نعت حديث، أو متعلق بيؤمنون كما تعلقت به الباء، ويجوز عود الهاء لمحمد أو لأمره، ويجوز عوده للقرآن ولو لم يذكره لحضوره فى الذهن بقوله: {فبأى حديث} والمعنى فبأى حديث يؤمنون بعد القرآن الذى جاء به محمد، فإنه لا أفصح من القرآن ولا من محمد، فإذا لم يؤمنوا بهما لم يكن غيرهما سببا فى إيمانهم، ولأنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبى بعد محمد، فلا حديث يأتيهم بعدهما من الله، فيجوز أن يكون الكلام راجعا إلى محذوف أى إذا لم يؤمنوا بالقرآن أو بمحمد فبأى حديث بعده يؤمنون.

اطفيش

تفسير : {أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا} نظر استدلال، أى كذبوا ولم ينظروا، أَو أَلم يتفكروا ولم ينظرو {فِى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا} أَى وفيما {خَلَقَ اللهُ مِنْ شَىْءٍ} كائن ما، وذلك عطف على خاص، وذكر الخاص لظهور عظم الملك فيه، وهو السماوات والأَرض، ويجوز عطف ما على السماوات والأَرض، والملكوت الملك مطلقاً، أَو الملك العظيم لزيادة الواو والتاءَ، أَو الملك الغائب يسمعون به وينعون إِليه كالعرش أَو الغاضب الضمنى الذى يشاهدون ما خرج منه كالنار فى ضمن الشجر الأَخضر والحجارة و الثمار فى ضمن الأَرض والماء والخشب. وقوله: وما خلق الله من شئٍ يشمل ذرات الأَجسام والأَعراض، ففى كل ذرة دلالة على الله وكمال قدرته إِذ لا يخلقها سواه، ولا يقصرها على ما هى عليه من شكل أَو لون أَو طعم أَو غير ذلك من الصفات مع إِمكان غيرها - إِلا الله. أَمرهم الله سبحانه وتعالى أَن ينظروا فى ملكوت السماوات والأَرض، وفى كل شئ، وفى أَجلهم لعله قد اقترب فيبادروه بالإِيمان والصلاح قبل نزول العذاب أَو الموت كما قال {وَأَنْ عَسى} وفى أَنه عسى {أَنْ يَكُونَ} أَى الشأْن، فقد تكرر ضمير الشأْن ومسماهما واحد، كقولك زيد عسى أَن يقوم زيد، فى مجر التكرير، وأَجاز بعض، بل سيبويه، وارتضاه ابن هشام أَن يكون اسم أَن ضميرهم، أَى وأَنهم عسى أَن يكون {قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} فاعل اقترب والجملة خبر يكون، أَو اسم يكون ضمير الأَجل على أَنه واقترب، تنازعا فى أَجل، أَو أَجل اسمه، وفى اقترب ضميره، وفيه تقديم الخبر الفعلى بحال يلبس بالفاعلية إِلا أَن يغتفر بطلب الفعل الأَول للمرفوع إِذ لا بد له منه {فَبأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد القرآن وهو أَفضل حديث وأَصدقه ونهايته فى البيان، أَو بعد هذا الحديث وهو القرآن، أَو بعد الرسول أَى بعد حديثه، وهو القرآن، والرسول أَصدق الناس، أَو بعد أَجلهم كيف يؤمنون بعد انقضاءَ أَجلهم {يُؤمِنُونَ} إِذ هو الغاية فى البيان والصدق، وكل كلام هو دونه، فلا يتصور إِيمانهم بما هو دونه، وهذا إِقناط من إِيمانهم، للطبع عليهم، فقد انسحب على هذا ما فى قوله "أَو لم ينظروا" من التوبيخ، ويجوز كونه مرتبطاً بقوله عسى أَن يكون قد اقترب أَجلهم، أَى لم لا يتوقعون اقتراب الأَجل ويتركون الإِعراض عن الإِيمان بالقرآن، وقرر ضلالهم وعلله بالضلال المطلق الذى لا هادى له. فى قوله: {مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِى لَهُ} إِلى دين الحق {وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يترددون، والنون فى نذرهم على طريق الالتفات إِلى المتكلم من الغيبة، والواو عاطفة على جملة الشرط والجواب عطف قصة على أُخرى، لأَن الواو لا تكون حرف استئناف إِذ لا وجه لقولك أَن هذه الواو جاءَت لتدل على أَن ما بعدها مستأَنف بخلاف من الابتدائية فإِنها وضعت لتدل أَن مبدأ الفعل مدخولها، وكذلك لا تكون الواو للاعتراض، إِذ لا وجه لقولك أَن هذه الواو وضعت لتدل على أَن هذه الجملة معترضة، فلتحمل الواو فى المسأَلتين على ما يمكن من العطف أَو الحال مثلا، ولو قلت فى الاعتراضية أَنها عاطفة قبل تمام الجملة المعطوف عليها لجاز، لأَن الجمل يتوسع فيها ما لا يتوسع فى المفردات، وفى المقام مناسبة كأَنه قيل: نذرهم فى طغيانهم يعمهون لأَنهم ممن أَضل الله عز وجل. سأَل بعض اليهود كحمل بن أَبى قشير وسموأَل بن زيد وبعض قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى قيام الساعة؟ فنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} يوم القيامة سمى ساعة لوقوعه بغتة، أَو لأَنه للسعيد كساعة، أَو لسرعة الحساب فيه؛ إِذ لا يشغل الله شأن عن شأن، زعم اليهود أَنهم يعلمون متى الساعة، وهم لا يعلمونها متى هى، لكن أَرادوا إِيهامه صلى الله عليه وسلم، وقريش قالوا له: أَخبرنا بها سراً لقرابتنا، ونزلت الآية ردا عليهم، والمراد بيوم القيامة المعبر عنه بالساعة وقت موت الحيوانات كلها، وهذا أَولى من تفسير الساعة بوقت البعث، أَو ما بين موتهم وبعثهم، وعليه فقلته لمجيئه بغتة، أَو لأَنه مدهش فيقل أَو يقل ما قبله، أَو لأَنه يسير عند الله تعالى أَو لسرعة حسابه، والآية مناسبة لقوله تعالى {وأَن عسى أَن يكون قد اقترب أَجلهم} وأَيضاً من مات فقد قامت قيامته لانكشاف ماله من ثواب أَو عقاب {أَيَّانَ} متى {مُرْسَاهَا} مصدر ميمى، أَى إِرساؤها، أَى إِثباتها، وبعده أَن يكون زماناً ميمياً، ولا بأْس بظرفية عام لخاص كأَنه قيل، أَى جزء من اليوم، أَو أَى جزء من الشهر، كما تقول: أَجئ ساعة كذا من الجمعة، ويبعد أَن يكون مكاناً ميميا أَى أَين موضعها على أَن أَيان مكان، والجملة بدل من الساعة اشتمالى علق عنه يسأَل بالاستفهام {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا} علم وقت إِرسائها {عِنْدَ رَبِّى} أَخفاها عن كل ملك وكل نبى، وكل أَحد ليسارع إِلى التوبة وأَداء الواجب، ولو علم وقتها لتقوصر فيهما، إِن لم يعرف زمان علامات قربها جداً {لاَ يُجَلِّيهَا} لا يظهر وقتها على التعيين {لِوَقْتِهَا} أَى فى قرب وقتها، أَو عند وقتها، أَى عند حضور قربها كذا قيل، وهو باطل لأَنه يقتضى أَنه إِذا قرب وقتها أَظهره، وإِما بأَمارة لا بالتعيين فوارد، وإِنما المعنى لا يظهرها بإِيقاعها فى وقتها، فإِظهارها إِيقاعها، وهو تجليتها لا الإِخبار بها، نعم يعلمون بها عند حضورها، وقبل فوتهم، لكن قد يعلمون بإِحساسها إِذا حضرت ولا يعلمون أَنها هى {إِلاَّ هُو} عز وجل {ثَقُلَتْ} عظم شأنها {فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} على أَهلهما لكراهة الفناء، ولو عند الملائكة، ولأَنها تؤدى إِلى الحساب والثواب والعقاب والأَهوال وانكشاف الغطاء، أَو على نفس السماوات والأَرض، للانشقاق والتزلزل والإِفناء وزوال الشمس والقمر والنجوم، وتبدل الأَرض، وإِبطال البحار، أَو حصل ثقلها وشدتها، أَو للمبالغة فى إِخفائها فى السماوات والأَرض {لاَ تَأْتِيكُمْ} الخطاب لمجموع من يحضر الساعة ومن لا يحضرها، وغلب الموجودين بالخطاب. أَو الخطاب لمن يحضرها ولما يوجد، وفى الوجهين اعتبار أَن من وجد ومن سيوجد كفرد واحد {إِلاَّ بَغْتَةً} فجأَة على غفلة، روى الطبرى فى مرسل قتادة وهو فى البخارى ومسلم عن أَبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : أَن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه"تفسير : . ويروى: يلوط حوضه. والردل يسقى ماشيته، والرجل يقوم أَو يقم سلعته فى سوقه، وفى رواية إِسقاط فى سوقه، حديث : والرجل يخفض ميزانه ويرفعهتفسير : ، ويروى: حديث : الرجل يرفع لقمته إِلى فيهتفسير : ، وجاءَ مرفوعاً أَيضاً، حديث : أَنها تقوم والرجلان ينشران ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمهتفسير : . وجاءَ أَيضاً مرفوعاً: حديث : إِنما أَجلكم فيمن مضى قبلكم من الأُمم من صلاة العصر إِلى غروب الشمستفسير : ، وجاءَ أَيضاً: حديث : بعثت أَنا والساعة كهاتين. وأَشار بالسبابة والوسطى تفسير : {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} أَى كثير الاستقصاء عنها بالسؤال حتى أَدركت معرفة وقتها، ويلزم من كثرة الاستقصاء عن الشئ وإِدراكه، ولذلك تراهم يفسرون حفى بعليم، وعن على ظاهرها متعلقة بحفى لأَن المعنى السؤال عنها أَو البحث عنها أَو الكشف عنها، أَو متعلقة بيسأَل أَو بمعنى الباء أَى عليم بها. ويجوز تعليقها بيسأَل، ويقدر مثله لحفى عن التنازع، وجاز هذا مع أَن المهمل يعمل فى ضمير المتنازع فيه، والضمير لا يعود إِلى الضمير، لأَن اتحاد معنى الضميرين يسيغ ذلك، كما تقول أَنا أَقوم، وأَنت تقوم فتربط الخبر بضمير هو نفس المبتدأ ثم إِنه قدم يقال بجواز عود ضمير لآخر مستحق للتقديم أَو متأَخر كالتنازع إِذا أَعمل المتأَخر أَو يعلق بيسأَل، ويقدر كأَنك حفى فيها، وسؤالهم إِنكار أَو استهزاء أَو تعجيز، أَو ظن منهم أَنه يعلمها كما قيل أَنه من الحفاوة، بمعنى الشفقة، وأَن قريشاً قالوا: إِن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة!! أَى كأَنك تشفق عليهم فتخصهم بالإِخبار عنها لقرابتهم، ولكن مثل ذلك قد يقوله المستهزئ والمستعجز فجاءَت الآية على طبق كلامهم، وقيل حفى بمعنى فرح وعنها متعلق بيسأَل، أَو كأَنك تفرح بالسؤال عنها مع أَنك تكرهه لأَنه من الغيب الذى لا يخبر الله أَحداً به، أَو كأَنك صديق لهم، وهم أَعداؤك، وأَنت عدو لهم لكفرهم، وجملة كأَنك حفى فى جميع الأَوجه حال من الكاف، ولما كان المراد يسأَلونك عن الساعة أَيان مرساها كأَنك حفى عنها، وفصل بما يناسب أَعاد لفظ السؤال، ولذلك اكتفى بذكر الساعة هناك عن ذكرها هنا وفى ذلك نوع إِجمال فكرر الجواب مجملا بقوله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ} كرره متابعة لتكرر يسأَلونك وتأكيداً وإِشعاراً بالعلة {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أَنه اختص الله بعملها، ولا يخبر بها أَحداً على التعيين بأَنها عقب مائة عام، أَو عقب أَلف، أَو بعد أَلف وثلاثمائة، أَو عقب أَلف وخمسمائة عام، ونحو ذلك، والإِخبار بعلامات قربها ليس إِخباراً بعينها، وذلك الإِخفاء أَدعى إِلى الانزجار، والإِخبار بعلامة قربها أَدعى لحاضر علامتها إِلى التوبة.

الالوسي

تفسير : {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فهو مسوق للإنكار والتوبيخ بإخلالهم بالتأمل بالآيات التكوينية إثر ما نعى عليهم ما نعى، والهمزة هنا كالهمزة فيما قبل، والواو للعطف على مقدر كما تقدم أو على الجملة المنفية بلم، والملكوت الملك العظيم، أي أكذبوا أو لم يتفكروا فيما ذكر ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فيما يدل على كمال قدرة الصانع ووحدة المبدع وعظيم شأن المالك ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه ذاك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكأن التعبير بالنظر هنا دون التفكر الذي عبر به فيما قبل للإشارة إلى أن الدليل هنا أوضح منه فيما تقدم. وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْء} يحتمل أن يكون عطفاً على {مَلَكُوتِ} وتخصيصه بالسماوات والأرض لكمال ظهور عظم الملك فيهما، وأن يكون عطفاً على المضاف هو إليه فيكون منسحباً على الجميع، والتعميم لاشتراك الكل في عظم الملك في الحقيقة، و {مِن شَيْءٍ} بيان لما، وفي ذلك تنبيه على أن الدلالة على التوحيد غير مقصورة على السماوات والأرض بل كل ذرة من ذرات العالم دليل على توحيده:شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء. نعم منهم من جعل وجه الدلالة الحدوث وهو الذي عليه معظم المتكلمين، ومنهم من جعل وجهها الإمكان وهو الذي عليه الفلاسفة واختاره بعض المتكلمين، ورجح الأول قطب عصره الشيخ خالد المجددي قدس سره في «تعليقاته على حواشي عبد الحكيم على الخيالي» فارجع إليها. وقوله تعالى: / {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} عطف على {مَلَكُوتِ} فهو معمول لينظروا لكن لا يعتبر فيه بالنظر إليه أنه للاستدلال بناء على ما قالوا: إن قيد المعطوف عليه لا يلزم ملاحظته في المعطوف، وقد تقدم الكلام في ذلك، و {أَنْ} مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وخبرها {عَسَىٰ} مع فاعلها الذي هو {أَن يَكُونَ}، وخبر ضمير الشأن لا يشترط فيه الخبرية ولا يحتاج إلى التأويل كما نص عليه المحققون فلا معنى للمناقشة في ذلك، واسم يكون أيضاً ضمير الشأن والخبر {قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}، ولم يجعلوا هذا من باب التنازع لأن تنازع كان وخبرها مما لم يعهد لا لأن ذلك خلاف الأصل لما فيه من الإضمار قبل الذكر لأن ذلك لازم على جعل الاسم ضمير الشأن ولا ضير في كل، وأمر التكرار فيما ذكرنا سهل فلا يرتكب له خلاف المعهود خلافاً للقطب الرازي، وجوز أبو البقاء أن تكون مصدرية، وتعقب بأنها لا توصل إلا بالفعل المتصرف وعسى ليست كذلك، والمعنى أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم قبل مغافصة الموت ومفاجأته ونزول العذاب، فالمراد بأجلهم أجل موتهم، وجوز أن يكون عبارة عن الساعة، والإضافة إلى ضميرهم لملابستهم لها من جهة إنكارهم إياها وبحثهم عنها. وقوله جل وعلا: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} قطع لاحتمال إيمانهم رأساً ونفي له بالكلية بعد إلزام الحجة والإرشاد إلى النظر، والباء متعلقة بيؤمنون، وضمير {بَعْدَهُ} للقرآن على ما ذهب إليه غالب المفسرين وهو معلوم من السياق، والحديث بمعنى الكلام فلا دليل في الآية لمن يزعم حدوث القرآن، وقيل: ولئن سلمنا كونه دليلاً يراد من القرآن الألفاظ وهي محدثة على المشور، والمعنى إذا لم يؤمنوا بالقرآن وهو النهاية في البيان فبأي كلام يؤمنون بعده، وقيل: الضمير للآيات على حذف المضاف المفهوم من {أية : كَذَّبُوا} تفسير : [الأعراف: 182]، والتذكير باعتبار كونها قرآناً أو بتأويلها بالمذكور أو إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة. والمعنى أكذبوا بالآيات ولم يتفكروا فيما يوجب تصديقها من أحواله عليه الصلاة والسلام وأحوال المصنوعات فبأي حديث بعد تكذيبها يؤمنون وفيه بعد، وقيل: إنه يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم بتقدير مضاف أيضاً أي بعد حديثه يؤمنون وهو أصدق الناس، وقيل: المراد بعد هذا الحديث، وقيل: بعد الأجل أي كيف يؤمنون بعد انقضاء أجلهم؟، وجعل الزمخشري ذلك مرتبطاً بقوله تعالى: {وَأَنْ عَسَىٰ} الخ ارتباط التسبب عنه، والضمير للقرآن ((كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الموت وماذا ينظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا))، وتقدير ما قدر عند صاحب «الكشف» ليس لأنه لا بد من تقديره ليستقيم الكلام بل للتنبيه على معنى الاستبطاء الذي في ضمن {أَيّ}، وأنه ليس بعد هذا البيان الواضح أمر ينتظر.

ابن عاشور

تفسير : ترق في الإنكار والتعجيب من حالهم في إعراضهم عن النظر في حال رسولهم. إلى الإنكار والتعجيب من إعراضهم عن النظر فيما هو أوضح من ذلك وأعم، وهو ملكوت السمٰوات والأرض، وما خلق الله من شيء مما هو آيات من آيات وحدانية اللَّه تعالى التي دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بها. والمناسبة بين الكلامين: أن دعوة الرسول إلى التوحيد وإبطال الشرك هو من أكبر بواعثهم على تكذيبهِ {أية : أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيءٌ عُجابٌ}تفسير : [ص: 5]. وعُدِّي فعل (النظر) إلى متعلِّقه بحرف الظرفية، لأن المراد التامل بتدبر، وهو التفكر كقوله تعالى: {أية : وفي أنفسكم أفلا تبصرون}تفسير : [الذاريات: 21] وتقول نظرت في شأني، فدل بحرف الظرفية على أن هذا التفكر عميق متغلغل في أصناف الموجودات وهي ظرفية مجازية. والملكوت المُلك العظيم، وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} تفسير : في سورة الأنعام (75). وإضافته إلى السماء والأرض بيانية أي الملك الذي هو السماوات والأرض أي مُلك الله لهما، فالمراد السماء بمجموعها والأرض بمجموعها الدالين على عظم ملك الله تعالى. وعطف {وما خلق الله من شيء} على {ملكوت} فقسّم النظر إلى نظر في عظيم مُلك الله تعالى، وإلى نظر في مخلوقاته ودقائق أحوالها الدالة على عظيم قدرة الله تعالى، فالنظر إلى عظمة السمٰوات والأرض دليل على عظم ملك الله تعالى فهو الحقيق بالإلهية دون غيره، والنظر إلى المخلوقات دليل على عظم قدرته تعالى، وأنه المنفرد بالصنع فهو الحقيق بالإلهية، فلو نظروا في ذلك نظر اعتبار؛ لعلموا أن صانع ذلك كله ليس إلا إلٰه واحد، فلزال إنكارهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبطال الشرك. وقوله: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} معطوف على {وما خلق الله من شيء}. و{أنْ} هذه هي أن المفتوحه الهمزة المشددة النون خففت، فكان اسمها ضمير شأن مقدراً. وجملة: {عسى أن يكون} إلخ خبر ضمير الشأن. و{أن} التي بعد عسى مصدرية هي التي تزاد بعد عسى غالباً في الاستعمال. واسمُ {يكون} ضمير شأن أيضاً محذوف، لأن ما بعد (يكون) غير صالح لأن يعتبر اسماً لكان، والمعنى ألم ينظروا في توقع قرب أجلهم. وصيغ الكلامُ على هذا النظم؛ لإفادة تهويل الأمر عليهم وتخويفهم، بجعل متعلق النظر من معنى الإخبار للدلالة على أنه أمر من شأنه أن يخْطر في النفوس، وأن يتحدث به الناس، وأنه قد صار حديثاً وخبراً فكأنه أمر مسلم مقرر. وهذا موقع ضمير الشان حيثما ورد، ولذلك يسمى: ضميرَ القصة اعتداداً بأن جملة خبره قد صارت شيئاً مقرراً ومما يقصه الناس ويتحدثون به. ومعنى النظر في توقع اقتراب الأجل، التخوفُ من ذلك. والأجل المضاف إلى ضمير المكذبين هو أجل الأمة لا أجل الأفراد، لأن الكلام تهديد بأجل غير متعارف، نبههم إلى التفكر في توقع حلول الاستئصال بهم وإهلاكهم كما هلك المكذبون من قبلهم، لأنهم إذا تفكروا في أن صاحبهم ليس بمجنون حصل لهم العلم بأنه من العقلاء، فما كان العاقل بالذي يُحدث لقومه حادثاً عظيماً مثل هذا، ويحدث لنفسه عناء كهذا العناء لغير أمر عظيم جاء به، وما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وإذا نظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء علموا أن الله الملك الأعظم، وأنه خالق المخلوقات، فأيقنوا بأنه الإله الواحد، فآل ذلك إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام، وإبطال معتقدهم تعدد الآلهة أو آل في أقل الاحتمالات إلى الشك في ذلك، فلا جرم أن يفضي بهم إلى النظر في توقع مصير لهم مثل ما صار إليه المكذبون من قبلهم. ويجوز أن يكون المراد بالأجل مجيء الساعة، وانقراض هذا العالم، فهو أجلهم وأجل غيرهم من الناس فيكون تخويفاً من يوم الجزاء. ومن بديع نظم هذه الآيات: أنه لما أريد التبصر والتفكر في ثبوت الحقائق والنِّسب في نفس الأمر جيء مع فعلى القلب بصيغة القضية والخبر في قوله: {أية : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة}تفسير : [الأعراف: 184] وقوله: {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} ولما أريد التبصر والتفكر في صفات الذات جعل فعل القلب متعلقاً بأسماء الذوات في قوله: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء}. ثم فرع على التهديد والوعيد توبيخهم والإنكارُ عليهم بطريقة الاستفهام التعجيبي المفيد للاستبعاد بقوله: {فبأي حديث بعده يؤمنون} فهو تعجيب مشوب باستبعاد للإيمان بما أبلغ إليهم الله بلسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وما نصب لهم من الآيات في أصناف المخلوقات، فإن ذلك كله قد بلغ منتهى البيان قولاً ودلالة بحيث لا مطمع أن يكون غيره أدل منه. و(أي) هنا اسم أُشربَ معنى الاستفهام، وأصله اسم مبهم يفسره ما يضاف هو إليه، وهو اسم لحصة متميزة عما يشاركها في نوع من جنس أو صفة، فإذا أُشرب (أي) معنى الاستفهام، كان للسؤال عن تعييننِ مشارك لغيره في الوصف المدلول عليه بما تضاف إليه (أي) طلباً لتعيينه، فالمسؤول عنه بها مُساو لمماثل له معروف فقوله: {فبأي حديث} سؤال عن الحديث المجهول المماثل للحديث المعروف بين السائل والمسؤول وسيأتي الكلام على (أي) عند قوله تعالى: {أية : فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون} تفسير : في سورة القلم (5، 6). والاستفهام هنا مستعمل في الإنكار، أي لا يؤمنون بشيء من الحديث بعد هذا الحديث. وحقيقة الحديث أنه الخبر والقصة الحادثة {أية : هل أتاك حديثُ ضيف إبراهيم} تفسير : [الذاريات: 24] ويطلق مجازاً على الأمر الذي من شأنه أن يصير حديثاً وهو أعم من المعنى الحقيقي. فـ «الحديث» هنا إن حُمل على حقيقته جاز أن يراد به القرآن، كما في قوله تعالى: {أية : فليأتوا بحديثٍ مثله}تفسير : [الطور: 34] فيكون الضمير في قوله: {بعده} بمعنى بعد القرآن، أي بعدَ نزوله، وجاز أن يراد به دعوى محمد صلى الله عليه وسلم الرسالة من عند الله، وكلا الاحتمالين يناسب قوله: {أية : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة}تفسير : [الأعراف: 184]. والباء في قوله: {فبأي حديث} على هذا باء التعدية لتعدية فعل {يؤمنون}، وإن حمل على المجاز شمل القرآن وغيره من دلائل المصنوعات باعتبار أنها من شأنها أن يتحدث الناس بها كما في قوله: {أية : فبأي حديثٍ بعد الله وآياته يؤمنون}تفسير : [الجاثية: 6] فيكون الضمير في قوله: {بعده} عائداً على معنى المذكور أي ما ذُكر من ملكوت السمٰوات والأرض، وما خلق الله من شيء، وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وأفرد الضمير لتأويله بالمذكور كما في قوله تعالى: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن نحلةً فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفْساً} تفسير : في سورة النساء (4) أي فبأي شيء يستدل عليهم غير ما ذكر بعدَ أن لم ينتفعوا بدلالة ما ذكر، ولم يؤمنوا له فلا يرجى منهم إيمان بعد ذلك. والباء على هذا الوجه للسببية متعلقة بـ {يؤمنون} و(بَعد) هنا مستعارة لمعنى غير، لأن الظروف الدالة على المباعدة والمفارقة تستعمل استعمال المغاير قال تعالى: {أية : فمن يهديه من بعد الله}تفسير : [الجاثية: 23] وحمل (بعد) على حقيقتها هنا يحوج إلى تأويل، ويخرج الكلام عن سواء السبيل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (185) أَوَ لَمْ يَنْظُرْ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ إلَى مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَيَتَدبَّرُوا ذَلِكَ، وَيَعْتَبرُوا بِهِ، وَيُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَتَخَلَّوْا عَنِ الأنْدَادِ وَالأوْثَانِ؟ فَلْيَحْذَرُوا أنْ تَكُونَ آجَالُهُمْ قَدِ اقْتَرَبَتْ فَيَهْلِكُوا وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَصِيرُوا إلى عَذابٍ أليمٍ. وَإذا لَمْ يتَّعِظُّوا بِمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ، وَبِمَا حَذَّرَهُمْ مِنْهُ، فَبِأَيِّ وَسِيلَةٍ مِنَ التَّخْويفِ وَالتَّحْذِيرِ يُصَدِّقُونَ؟ وَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ القُرْآنِ يُؤْمِنُونَ، إذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ مَلَكُوتِ - المُلْكِ العَظِيمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبذلك ينتقل الجدل من الرسول المباشر لهم الذي يأخذ بيدهم إلى الإيمان الأعلى، ينتقل الجدل إلى التفكير ومسئوليته: {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} والتفكير هو إعمال العقل حتى لا يقولَنَّ أحد: إن رسول الله مجنون، لأن مجرد النظر في الكون يجعل الإنسان رائيا للسماء مرفوعة بلا عمد، والأرض مبسوطة والهواء يتحرك في انتظام دقيق. {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إذن فوقَنا سماء، وهناك ما فوق السماء، وتحتنا الأرض، وفيها ما تحت الأرض، وهناك بين السسموات والأرض. وما نراه في الظاهر هو ما يسمونه "مُلْك" أما الخفي عنك الذي لا تقدر أن تصل إليه بمعادلات تستخرج منها النتائج فاسمه "ملكوت". ويقول سبحانه في سيدنا إبراهيم: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} تفسير : [الأنعام: 75] فكلمة "ملكوت" معناها مبالغة في الملك، مثل رهبوت أي الرهبة الشديدة، ورحموت أي الرحمة الشديدة، وكلها صيغة "فعلوت" وهي صيغة المبالغة. {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} ونحن نرى السماء والأرض بوضوح، ولكن العظمة والسر ليسا في السماء والأرض فقط، بل هناك أشياء دقيقة جداً، بلغت من اللطف أنها لا تدرك بالنظر، ومع ذلك فإن فيها الحكمة العليا للخلق. وأنت قد ترى ساعة "بيج بن" الشهيرة في لندن وتكاد أن تكون أضخم ساعة في العالم، لكن الصانع المحترف من البشر صنع ساعة يد صغيرة في حجم الخاتم، وننبهر ونعجب بدقة عمله وصنعته. فما بالنا بالخالق الأعظم الذي يعظم خلقه من السمٰوات والأرض لأنها فوق إدراكات البشر، وخلق أيضاً مخلوقات دقيقة لطيفة لا تستطيع أن تدركها أنت بمجرد النظر، كالميكروب، أو تدركها بصعوبة كالذبابة والبعوضة وبكل هذه الكائنات كل مقومات حياتها، حتى الكائن الذي لا معدة له يجهزه خالقه بقدرة على امتصاص الدماء مباشرة بعقله أو غريزته ويسعى ليأكل ويملأ معدته وله أجهزة تحول غذائه ليكون دماً. إذن فليست العظمة مقصورة على خلق السمٰوات والأرض فقط، لذلك يقول الحق: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} أي من أول شيء يقال له شيء، صار محكوماً عليه وجودياً، بأنك إن نظرت إليه ستجد الأجهزة التي نعطي له الحياة، وتعينه، حتى وإن كانت حواس استشعارية في ذات هذا الكائن، ولا يقوى عليها صاحب العقل. مثال ذلك: نجد أن ما يفر قبل حدوث الزلازل هو الحمير التي نتهمها بالغباء. وحين يتأمل العقل ما وصل إليه العلم في البحث في عالم الحيوان وعالم البحار، سنجد الإيمان بضرورة وجود خالق حكيم. وإن كان الكافرون مصروفين عن النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من كائنات قد لا تراها العين المجردة، كان عليهم أن يراعوا مصلحتهم فعسى أن يكون قد اقترب أجلهم. إننا نعلم أن الإنسان جنس، وأن له نوعين: نوع ذكورة، ونوع أنوثة، وبينهما جنس مشتبه نسميه الخنثى، والأجناس لها أفراد متعددة. وكل واحد له خلق، وكل واحد له موهبة، وكل واحد له مهمة. وساعة يطلب منا الحق: إياك أن تستصغر شيئاً منك ضد فيرك، وإياك أن تستكثر شيئاً منك لغيرك، ويجب عليك أن تجعل كلمة "شيء" هذه هي المقياس، ولذلك يقول لك الشرع: إنك حين تقدم حسنة إياك أن تستكثرها، بل قل هي ليست بشيء ذي بال. وإن همّ واحد بعمل سيئة فلا يقل: وماذا ستفعل لي سيئة واحدة؟ مستصغراً شأن هذه السيئة. وهذا نقول له: لا، لأن كلمة "شيء" يجب أن تحكم الكون. إنك إن نظرت لهذه المسألة قد تجد واحداً مثلاً ضئيل التكوين، ولا بسطة له في جسمه، لكن من الجائز أن له موهبة كبيرة، وقد تجد إنساناً آخر متين التكوين وليست عنده أية موهبة؛ لأن الله قد يعطي الضئيل فكرا عميقاً، أو حيلة كبيرة، أو موهبة خاصة في أي شيء. فلا تنظر إلى شيء قليل في أي إنسان، بل انظر إلى الشيء الجميل الذي فيه وهو المخفي عنك في نفسك. {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} ولماذا تأتي هنا حكاية اقتراب الأجل؟ وللإجابة عن التساؤل أقول: إنها هامة جداً؛ لأننا مادمنا أفراداً أي جنسين أو ثلاثة أجناس، وقال عنا ربنا إننا خلفاء في الأرض، فعلينا أن نعلم أن الخليفة في الأرض جاء ليخلف من سبقوه، وقد يُميت ربنا أي إنسان في سن شهر أو سنة، أو سنتين أو خمسين عاماً؛ لأن العمر بالنسبة لكل إنسان هو أمر قد اختص به الحق - تبارك وتعالى - نفسه ولا يعلمه أحد؛ لأن غاية المتساوي لابد أن تكون متساوية، وعلى سبيل المثال: إن سألنا طلبة كلية الحقوق عن غايتهم من دراسة الحقوق قالوا: لنيل إجازة الليسانس، وسنجد منهم الطويل، والقصير، والأبيض، والأسود، والذكي والغبي، والقوي والضعيف، وهم لا يتفقون إلا على دراسة الحقوق، وكذلك لا نتساوى جميعاً كبشر إلا أمام الموت، فهناك من يموت وهو في بطن أمه، ومن يموت وهو طفل، ومن يموت وهو فتى. وإن كنا نختلف فيما بقي بعد ذلك، والمؤمن أو الكافر يرى هذه الأحداث أمامه ولا يستطيع أن يقول: لا لن أموت. ومادمت ستموت فانظر إلى مصلحتك أنت، لتثاب على ما فعلت في الدنيا بدلاً من أن تعاقب، فعسى أن يكون قد اقترب أجلك وأنت لا تعرف متى يجيء الأجل، وإبهام الأجل من الله لنا إشاعة للأجل، والإبهام هو أوضح أنواع البيان، فحين يريد ربنا أن يوضح أمراً توضيحياً كاملاً فهو يبهمه. ومثال ذلك: لو جعل الله للموت سنّاً، لصار الأمر محدداً بلا أمل. لكنه سبحانه لم يجعل للموت سنّاً أو سبباً، وأشاعة في كل زمن، والإنسان عرضة لأن يستقبل الموت في أي لحظة، ونزل الموت لا يتوقف على سبب، فقد يأتي بسبب وقد يأتي بغير سبب، ومادام الإنسان يستقبل الموت في أي وقت، فعلى العاصي ألا يستقبل الموت وهو على عصيان لله. وإياك أن تقول: كيف مات فلان وهو غير مريض؟؛ لأن هناك العديد من الأسباب للموت، واعلم أن الموت بدون أسباب هو السبب، فالإنسان الذي نفقده بالموت، مات لأن أجله قد انتهى، والحق هنا يوضح: أيها الكافرون ألا تعلمون أن منكم من مات وعمره سنة ومن مات وعمره سنتان، ومن مات وعمره ثلاث سنوات، ومن مات وهو ظالم، ومن مات وهو مظلوم، ولو لم تكن هناك حياة ثانية فماذا تساوي هذه الحياة؟. وما ذنب الذي لم يعش في الدنيا إلا شهرا؟ لابد أن تعرفوا أن هناك غاية تنتظركم، غايات فردية هي آجال الناس بذواتهم، وآجال إجماعية تتمثل في يوم القيامة. وفي قوله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} يوضح الحق تبارك وتعالى: إنه إذا كان هذا الحديث الذي أنزلته إليهم وفيه ما فيه من الإعجاز ومن الإبداع، ويجمع كل أنواع الكمالات، فماذا يريدون أكثر من ذلك؟ وهل في اتباعهم للأهواء ولتقنينات بعضهم لبعض سعادة لهم؟ بالعكس إنهم يشقوْن بذلك. وكان يجب عليهم أن يتأدبوا مع الله ومع الرسول. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ...}