Verse. 1140 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

مَنْ يُّضْلِلِ اللہُ فَلَا ہَادِيَ لَہٗ۝۰ۭ وَ يَذَرُہُمْ فِيْ طُغْيَانِہِمْ يَعْمَہُوْنَ۝۱۸۶
Man yudlili Allahu fala hadiya lahu wayatharuhum fee tughyanihim yaAAmahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم» بالياء والنون مع الرفع استئنافا، والجزم عطفا على محل ما بعد الفاء «في طغيانهم يعمهون» يترددون تحيُّرا.

186

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى عاد في هذه الآية مرة أخرى إلى نعت أحوال الضالين المكذبين فقال: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } واعلم أن استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن الهدى والضلال من الله مثل ما سبق في الآية السالفة، وتأويلات المعتزلة، وجوابنا عنها مثل ما تقدم فلا فائدة في الإعادة، وقوله: {وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ } رفع بالاستئناف وهو مقطوع عما قبله، وقرأ أبو عمرو «ويذرهم» بالياء ورفع الراء لتقدم اسم الله سبحانه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء والجزم، ووجه ذلك فيما يقول سيبويه: إنه عطف على موضع الفاء وما بعدها من قوله: {فَلاَ هَادِيَ لَهُ } لأن موضع الفاء وما بعدها جزم لجواب الشرط، فحمل «ويذرهم» على موضع الذي هو جزم.

القرطبي

تفسير : بيّن أن إعراضهم لأن الله أضلّهم. وهذا ردّ على القدرية. {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} بالرفع على الاستئناف. وقرىء بالجزم حملاً على موضع الفاء وما بعدها. {يَعْمَهُونَ} أي يتحيّرون. وقيل: يتردّدون. وقد مضى في أوّل «البقرة» مستوفى.

البيضاوي

تفسير : {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} كالتقرير والتعليل له. {وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ} بالرفع على الاستئناف، وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء لقوله {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ}، وحمزة والكسائي به وبالجزم عطفاً على محل {فَلاَ هَادِيَ لَهُ}، كأنه قيل: لا يهده أحد غيره {وَنَذَرُهُمْ}. {يَعْمَهُونَ} حال من هم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } بالياء والنون مع الرفع استئنافاً، والجزم عطفاً على محل ما بعد الفاء {فِي طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } يترددون تحيُّراً.

ابن عطية

تفسير : هذا شرط وجواب مضمنه اليأس منهم والمقت لهم لأن المراد أن هذا قد نزل بهم وأنهم مثال لهذا، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والحسن وأبو جعفر والأعرج وشيبة وأبو عبد الرحمن وقتادة "ونذرُهم" بالنون ورفع الراء وكذلك عاصم في رواية أبي بكر، وروى عنه حفص و "يذرُهم" بالياء والرفع، وقرأها أهل مكة وهذا على إضمار مبتدأ ونحن نذرهم أو على قطع الفعل واستئناف القول، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم، وقرأها كذلك طلحة بن مصرف والأعمش "ويذرْهم" بالياء والجزم عطفاً على موضع الفاء وما بعدها من قوله {فلا هادي له} لأنه موضع جزم، ومثله قول أبي داود: [الوافر] شعر : فأبلونـــي بليتـكــم لعــــلـي أصـــالحــكم واستـــدرج بـــويــا تفسير : ومنه قول الآخر: [الكامل] شعر : أنّى سلكت فإنني لك كاشح وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد تفسير : قال أبو علي ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى: {أية : لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} تفسير : [المنافقون:10] لأنك لو لم تلحق الفاء لقلت أصدق، وروى خارجة عن نافع "ونذرْهم" بالنون والجزم، و"الطغيان" الإفراط في الشيء وكأنه مستعمل في غير الصلاح، و "العمه" الحيرة. وقوله تعالى: {يسألونك عن الساعة} الآية، قال قتادة بن دعامة المراد يسألونك كفار قريش، وذلك أن قريشاً قالت يا محمد إنّا قرابتك فأخبرنا بوقت الساعة، قال ابن عباس: المراد بالآية اليهود، وذلك أن جبل بن أبي قشير وسمويل بن زيد قالا له إن كنت نبياً فأخبرنا بوقت الساعة فإنّا نعرفها فإن صدقت آمنا بك، والساعة القيامة موت كل شيء كان حينئذ حياً وبعث الجميع، هو كله يقع عليه اسم الساعة واسم القيامة، و {أيان} معناه متى وهو سؤال عن زمان ولتضمنها الوقت بنيت، وقرأ جمهور الناس "أيان" بفتح الهمزة، وقرأ السلمي "إيان" بكسر الهمزة، ويشبه أن يكون أصلها أي آن وهي مبنية على الفتح، وقال الشاعر: [الرجز] شعر : أيان يقضي حاجتي أيانا أما ترى لفعلها إبانا تفسير : قال أبو الفتح وزن "أيان" بفتح الهمزة فَعلان وبكسرها فِعلان، والنون فيهما زائدة، و {مرساها} رفع بالابتداء والخبر، {أيان} ومذهب المبرد أن {مرساها} مرتفع بإضمار فعل ومعناه مثبتها ومنتهاها، مأخوذة من أرسى يرسي، ثم أمر الله عز وجل بالرد إليه والتسليم لعلمه، و {يجليها} معناه يظهرها والجلاء البينة الشهود وهو مراد زهير بقوله: [الوافر]. شعر : يمين أو نفار أو جلاء تفسير : وقوله: {ثقلت في السماوات والأرض} قال السدي ومعمر عن بعض أهل التأويل: معناه ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها، قال الحسن بن أبي الحسن معناه ثقلت هيئتها والفزع منها على أهل السماوات والأرض، كما تقول خيف العدو في بلد كذا وكذا، وقال قتادة وابن جريج: معناه ثقلت على السماوات والأرض أنفسها لتفطر السماوات وتبدل الأرض ونسف الجبال، ثم أخبر تعالى خبراً يدخل فيه الكل أنها لا تأتي إلا بغتة أي فجأة دون أن يتقدم منها علم بوقتها عند أحد من الناس، و {بغتة} مصدر في موضع الحال. وقوله تعالى: {يسألونك كأنك حفيّ عنها} الآية، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: المعنى يسألونك عنها كأنك حفي أي متحف ومهتبل، وهذا ينحو إلى ما قالت قريش إنّا قرابتك فأخبرنا، وقال مجاهد أيضاً والضحاك وابن زيد: معناه كأنك حفي في المسألة عنها والاشتغال بها حتى حصلت علمها، وقرأ ابن عباس فيما ذكر أبو حاتم "كأنك حفي بها"، لأن حفي معناه مهتبل مجتهد في السؤال مبالغ في الإقبال على ما يسأل عنه، وقد يجيء {حفي} وصفاً للسؤال ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فلمّا التقينا بين السيف بيننا لسائلة عنا حفي سؤالها تفسير : ومن المعنى الأول الذي يجيء فيه {حفي} وصفاً للسائل قول الآخر: [الطويل] شعر : سؤال حفي عن أخي كأنه بذكرته وسنان أو متواسن تفسير : ثم أمره ثانية بأن يسلم العلم تأكيداً للأمر وتهمماً به إذ هو من الغيوب الخمسة التي في قوله عز وجل: {أية : إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث} تفسير : [لقمان:34]، وقيل العلم الأول علم قيامها والثاني علم كنهها وحالها، وقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} قال الطبري: معناه لا يعلمون أن هذا الأمر لا يعلمه إلا الله بل يظن أكثرهم أنه مما يعلم البشر.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَن يُضْلِلِ اللَّهُ} يحكم بضلاله في الدين، أو يضله عن طريق الجنة إلى النار. {طُغْيانِهِمْ} الطغيان: إفراط العدوان. {يَعْمَهُونَ} يتحيَّرون، العمه في القلب كالعمى في العين، أو يتردَّدون.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب‏.‏ انه خطب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال‏:‏ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له‏.‏ فقال له فتى بين يديه كلمة بالفارسية، فقال عمر لمترجم يترجم له‏:‏ ما يقول‏؟‏ قال‏:‏ يزعم أن الله لا يضل أحدا‏ً.‏ فقال عمر‏:‏ كذبت يا عدو الله، بل الله خلقك وهو أضلك، وهو يدخلك النار إن شاء الله، ولولا ولث عقد لضربت عنقك، فتفرق الناس وما يختلفون في القدر‏.‏ والله أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} استئنافٌ مقررٌ لما قبله منبىءٌ عن الطبع على قلوبهم وقوله تعالى: {وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ} بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرُهم، وقرىء بنون العظمةِ على طريقة الالتفات، أي ونحن نذرهم، وقرىء بالياء والجزمِ عطفاً على محل فلا هاديَ له كأنه قيل: من يُضللِ الله لا يهدِهِ أحدٌ ويذرْهم، وقد روي الجزمُ بالنون عن نافع وأبـي عمرو في الشواذ وقوله تعالى: {يَعْمَهُونَ} أي يتردّدون ويتحيرون، حالٌ من مفعول يذرُهم، وتوحيدُ الضمير في حيز النفي نظراً إلى لفظ مَنْ وجمعُه في حيز الإثبات نظراً إلى معناها للتنصيص على شمول النفي والإثباتِ للكل. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان بعضِ أحكامِ ضلالِهم وطغيانِهم أي عن القيامة، وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقُها عليها إما لوقوعها بغتةً أو لسرعة ما فيها من الحساب، أو لأنها ساعةٌ عند الله تعالى مع طولها في نفسها. قيل: إن قوماً من اليهود قالوا: يا محمدُ أخبرنا متى الساعةُ إن كنت نبـياً؟ فإنا نعلم متى هي، وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها، وقيل: السائلون قريشٌ وقوله تعالى: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} بفتح الهمزة وقد قرىء بكسرها وهو ظرفُ زمانٍ متضمِّنٌ لمعنى الاستفهام، ويليه المبتدأُ أو الفعلُ المضارِعُ دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما، قيل: اشتقاقُه من أيّ فَعْلانَ منه لأن معناه أيّ وقتٍ وهو من أويتُ إلى الشيء لأن البعضَ آو إلى الكل متساندٌ إليه، ومحلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ مقدمٌ ومرساها مبتدأٌ مؤخرٌ أي متى إرساؤُها أي إثباتُها وتقريرُها، فإنه مصدرٌ ميميٌّ من أرساه إذا أثبته وأقره، ولا يكاد يُستعمل إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 32] ومنه مرساةُ السفن، ومحلُّ الجملة قيل: الجرُّ على البدلية من الساعة، والتحقيقُ أن محلها النصبُ بنزع الخافضِ لأنها بدلٌ من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل: يسألونك عن الساعة عن أيان مُرساها، وفي تعليق السؤالِ بنفس الساعةِ أولاً وبوقت وقوعِها ثانياً تنبـيهٌ على أن المقصِدَ الأصليَّ من السؤال نفسُها باعتبار حلولِها في وقتِها المعين لا وقتُها باعتبار كونِه محلاً لها وقد سُلك هذا المسلكُ في الجواب الملقن أيضاً حيث أُضيف العلمُ المطلوبُ بالسؤال إلى ضميرها فأخبرها باختصاصه به عز وجل حيث قيل: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا} أي علمُها بالاعتبار المذكور {عِندَ رَبّى} ولم يقل إنما علمُ وقتِ إرسائِها ومن لم يتنبّه لهذه النُكتةِ حمل النظمَ الكريمَ على حذف المضافِ، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للإيذان بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه المذكور من باب التربـية والإرشاد، ومعنى كونِه عنده تعالى خاصة أنه تعالى قد استأثر به بحيث لم يخبِرْ به أحداً من ملك مقرّبٍ أو نبـيٍّ مرسل وقوله تعالى: {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} بـيانٌ لاستمرار تلك الحالةِ إلى حين قيامِها وإقناطٌ كليٌّ عن إظهار أمرها بطريق الإخبارِ من جهته تعالى أو من جهة غيرِه لاقتضاء الحكمةِ التشريعيةِ إياه فإنه أدعىٰ إلى الطاعة وأزجرُ عن المعصية، كما أن إخفاءَ الأجل الخاصِّ للإنسان كذلك، والمعنى لا يَكِشفُ عنها ولا يُظهر للناس أمرَها الذي تسألونني عنه إلا هو بالذات من غير أن يُشعِرَ به أحداً من المخلوقين فيتوسّط في إظهاره لهم لكن لا بأن يُخبرَهم بوقتها قبل مجيئِه كما هو المسؤولُ بل بأن يُقيمَها فيشاهدوها عِياناً كما يفصح عنه التجليةُ المُنبئةُ عن الكشف التامِّ المزيلِ للإبهام بالكلية، وقوله تعالى: {لِوَقْتِهَا} أي في وقتها، قيْدٌ للتجلية بعد ورودِ الاستثناء عليها لا قبلَه كأنه قيل: لا يجلّيها إلا هو في وقتها إلا أنه قُدّم على الاستثناء للتنبـيه من أول الأمرِ على أن تجليتَها ليست بطريق الإخبارِ بوقتها، بل بإظهار عينِها في وقتها الذي يسألون عنه وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} استئنافٌ كما قبله مقررٌ لمضمون ما قبله أي كبُرت وشقتْ على أهلهما من الملائكة والثقلين كلٌّ منهم أهمّه خفاؤُها وخروجُها عن دائرة العقولِ وقيل: عظُمت عليهم حيث يُشفقون منها ويخافون شدائدَها وأهوالَها وقيل: ثقلت فيهما إذ لا يُطيقها منهما ومما فيهما شيءٌ أصلاً والأولُ هو الأنسبُ بما قبله وبما بعده من قوله تعالى: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} فإنه أيضاً استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبله فلا بد من اعتبار الثِقَل من حيث الخفاءُ أي لا تأتيكم إلا فجأةً على غفلة كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الساعةَ تهيجُ بالناس والرجلُ يُصلح حَوضَه والرجلُ يسقي ماشيتَه والرجلُ يقوّم سلعتَه في سوقه والرجلُ يخفِض ميزانه ويرفَعُه» تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ كَأََنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان خطئِهم في توجيه السؤالِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام عالمٌ بالمسؤول عنه أو أن العلمَ بذلك من مواجب الرسالةِ إثرَ بـيانِ خطِئهم في أصل السؤال بإعلام شأنِ المسؤولِ عنه، والجملةُ التشبـيهيةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من الكاف جيء بها بـياناً لما يدعوهم إلى السؤال على زعمهم وإشعاراً بخطئهم في ذلك أي يسألونك مُشبّهاً حالُك عندهم بحال من هو حفيٌّ عنها أي مبالِغٌ في العلم بها فعيلٌ من حِفيَ، وحقيقتُه كأنك مبالغٌ في السؤال عنها فإن ذلك في حكم المبالغةِ في العلم بها لِما أن مَنْ بالغ في السؤال عن الشيء والبحثِ عنه استحكم علمُه به، ومبنىٰ التركيبِ على المبالغة والاستقصاءِ، ومنه إحفاءُ الشاربِ واحتفاءُ البقل أي استئصالُه والإحفاءُ في المسألة أي الإلحافُ فيها، وقيل: (عن) متعلقةٌ بـيسألونك وقولُه تعالى: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ} معترض، وصلةُ حفيٌّ محذوفة أي حفي بها وقد قرىء كذلك وقيل: هو من الحَفاوة بمعنى البِرِّ والشفقة فإن قريشاً قالوا له عليه الصلاة والسلام: إن بـيننا وبـينك قرابةً فقل لنا متى الساعة؟ والمعنى يسألونك كأنك حفيٌّ تتحفّى بهم فتخصّهم بتعليم وقتِها لأجل القرابة وتَزْوي أمرَها عن غيرهم، ففيه تخطئةٌ لهم من جهتين، وقيل: هو من حفِيَ بالشيء بمعنى فرح به والمعنى كأنك فرِحٌ بالسؤال عنها تحبّه مع أنك كارِهٌ له، لِما أنه تعرُّضٌ لحُرَم الغيبِ الذي استأثر الله عز وجل بعلمه. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أُمر صلى الله عليه وسلم بإعادة الجوابِ الأول تأكيداً للحكم وتقريراً له وإشعاراً بعلته على الطريقة البرهانيةِ بإيراد اسمِ الذات المُنبىءِ عن استتباعها لصفات الكمالِ التي من جملتها العلمُ وتمهيداً للتعريض بجهلهم بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون ما ذُكر من اختصاص علمِها به تعالى فبعضُهِم ينكرونها رأساً فلا يعلمون شيئاً مما ذكر قطعاً وبعضُهم يعلمون أنها واقعةٌ البتةَ ويزعُمون أنك واقفٌ على وقت وقوعِها فيسألونك عنه جهلاً، وبعضُهم يدّعون أن العلم بذلك من مواجب الرسالةِ فيتخذون السؤالَ عنه ذريعةً إلى القدح في رسالتك، والمستثنىٰ من هؤلاء هم الواقفون على جلية الحالِ من المؤمنين، وأما السائلون عنها من اليهود بطريق الامتحانِ فهم منتظِمون في سلك الجاهلين حيث لم يعمَلوا بعلمهم.

القشيري

تفسير : مَنْ حُرمَة أنوار التحقيق فهو في ضباب الجهل، فهو يَزِلُّ يميناً ويسقط شمالاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {من يضلل الله} [هركرا كمراه كرداند خداى تعالى وبقرآن نكرود] {فلا هادى له} [بس هيج راه نماينده نيست كه اورابراه آرد] {ويذرهم} بالياء والرفع على الاستئناف اى وهو تعالى يتركهم {فى طغيانهم} فى مجاوزتهم الحد فى كفرهم {يعمهون} حال من مفعول يذرهم اى حال كونهم مترددين ومتحيرين فى القاموس العمه محركة التردد فى الضلال والتحير فى منازعة او طريق او ان لا يعرف الحجة. وفى الآية حث على التفكر ودلالة على ان العاقل لو تفكر بالعقل السليم من آفات الوهم والخيال والتقليد والهوى فى حل النبى صلى الله عايه وسلم واخلاقه وسيره فضلا عن معجزاته لتحقق عنده انه النبى الصادق وان ما يدعوه اليه كله حق وصدق وانه لينجو بهذا التفكر من النار كما اخبر الله تعالى عن حال اهل النار بقوله {أية : وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير} تفسير : [الملك: 10]. وفى قوله تعالى {أية : أو لم ينظروا} تفسير : [الأعراف: 185] الخ اشارة الى ان المكونات على نوعين نوع منها ما خلق من غير شيء وهو الملكوت الذى هو باطن الكون والكون به قائم بيد القدرة كقوله تعالى {أية : فسبحان الذى بيده ملكوت كل شيء} تفسير : [يس: 83]. ونوع منها ما خلق من شيء وهو الملك الذى هو ظاهر الكون فكما ان النظر الى الملك بحسن البصر فالنظر الى الملكوت بالعقل والقلب فنظر ارباب العقول فيه يفيد رؤية الآيات والاستدلال بها على معرفة الخالق واثبات الصانع ونظر اصحاب القلوب فيه يفيد شهود شواهد الغيب بالولوج ليصير ايمانه ايقانا بل عيانا كقوله {أية : وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} تفسير : [الأنعام: 75]. وهذه الاراءة سنة آلهية قديمة للحق سبحانه يرى بها كل من جعله نبيا او وليا ناسوت العالم وملكوته وجبروته ولاهوته سواء كان عالما صغيرا او عالما كبيرا ولا تزال تلك السنة باقية الى يوم القيامة ما دام لم ينقطع السير والسلوك الى الحق سبحانه فلولاها لنوع الانسان لكان كسائر الحيوان الا ان الله الرحمن منّ بها على نوع الانسان وسار وسلك بها من شاء من اهل عنايته الى قبل الملك المنان حتى ترقى عن جميع الاكوان ونال الشهود والعيان ووصل الى الحق المحسان واتاه كمال الايقان وتمام الاحسان ثم جاء نبيا او وليا لارشاد الاخوان فقام بالحكمة والبيان وبين الاسلام والايمان ودعا الى الله الحليم الحنان وبشر بالجنان وانذر بالنيران فمن اجاب نال اللطف والاحسان ومن لم يجب خسر خسرانا مبينا وقال عليه الصلاة والسلام عن عيسى "حديث : لن يلج ملكوت السموات والارض ومن لم يولد مرتين " . تفسير : فالولوج لاصحاب القلوب والمشاهدة والنظر لارباب العقول والاستدلال كذا فى التأويلات النجمية مع مزج من كلام شيخنا العلامة احياه الله بالسلامة [روزى امام ابى حنيفة رحمه الله در مسجد نشسته بود جماعتى از زنادقة در آمدند وقصد هلاك او كردند امام كفت يك سؤال را جواب دهيد بعد ازان تيغ ظلم را آب دهيد كفتند مسئله جيست كفت من سفينة ديدم بربار كران برورى دريا روان ى آنكه هيج ملاحى محافظت ميكرد كفتند اين محالست زيرا كه كشتى بى ملاح بريك نسق رفتن محال باشد كفت سبحان الله سير جمله افلاك وكواكب ونظام عالم علوى وسفلى ازسيريك سفينه عجبترست همه ساكت كشتند واكثر مسلمان شدند]: قال الحافظ الشيرازى شعر : درحشمت سليمان هركس كه شك نمايد برعقل ودانش او خندند مرغ وماهى

الطوسي

تفسير : قرأ أهل العراق {ويذرهم} بالياء، واسكن الراء منه حمزة والكسائي وخلف الباقون بالنون وضم الراء من قرأ بالنون قال لأن الشرط من الله، فكأنه قال {من يضلل الله... فنذرهم}. ومن قرأ بالياء رده إلى اسم الله تعالى وتقديره الله يذرهم. ومن ضم الراء قطعه عن الأول ولم يجعله جواباً. ويجوز أن يكون أضمر المبتدأ وكان تقديره ونحن نذرهم، فيكون في موضع الجزم. ويجوز أن يكون استأنف الفعل فيرفعه ومن جزمه فانه عطفه على موضع الفاء وما بعدها من قوله {فلا هادي له} لان موضعه جزم، فحمل {ونذرهم} على الموضع، ومثله في الحمل على الموضع قوله تعالى {أية : فأصدق وأكن} تفسير : لأنه لو لم يلحق الفاء لقلت لولا أخرتني أصدق، لان معنى {أية : لولا أخرتني} تفسير : أخرني أصدق. فحمل قوله تعالى {وأكن} على الموضع. ومعنى قوله {من يضلل الله فلا هادي له} اي يمتحنه الله فيضل عند امتحانه وأمره إياه بالطاعة والخير والرشاد {فلا هادي له} أي لا يقدر أحد أن يأتيه بالهدى والبرهان بمثل الذي آتاه الله تعالى، ولا بما يقارنه أو يزيد عليه {ويذرهم في طغيانهم} بمعنى يخلي بينهم وبين ذلك، وترك اخراجه بالقسر والجبر، ومنعه إياه لطفه الذي يؤتيه من آمن واهتدى وقيل الوعظ. والطغيان الغلو في الكفر، والعمه: التحير والتردد في الكفر. ويحتمل ان يكون المراد من يضلل الله عن الجنة عقوبة على كفره فلا هادي له اليها وإن الله لا يحول بين الكافر بل يتركه مع اختياره لأن ما فعله من الزجر والوعيد كاف في ازاحة علة المكلف. وقيل معناه من حكم الله تعالى بضلاله وسماه ضالا بما فعله من الكفر والضلال فلا احد يقدر على إزالة هذا الاسم عنه ولا يوصف بالهداية، وكل ذلك واضح بحمد الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} جواب لسؤال ناشٍ ممّا سبق كأنّه قيل: فما بالهم لا يؤمنون بعد وضوح الحقّ وتيقّن الموت؟! {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} يتحيّرون.

الهواري

تفسير : قوله: {مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال الحسن: في ضلالتهم يتمادون، وقال غيره: في ضلالتهم يلعبون. قوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي متى قيامها في قول الكلبي. وقال الحسن: متى مجيئها. قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أي إنما علم مجيئها عند ربي {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا} أي [لا يظهرها في وقتها] الذي وقت {إِلاَّ هُوَ} قال مجاهد: لا يأتي بها إلاَّ هو. قال: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ذكرواعن عبدالله بن القاسم بن يسار مولى أبي بكر الصديق، رضي الله عنه قال: إن الوحي إذا نزل سمع أهل السماوات، قال بعضهم مثل جر السلاسل على الصخور قال: فيفزغون ويخافون أن تكون الساعة. فإذا انجلى الخوف عن قلوبهم قال أهل كل سماء لأهل السماء الذين فوقهم: ماذا قال ربكم؟ فيقولون الحق، يعنون الوحي، وهو العلي الكبير. فلا يزال ذلك من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا. وهو قوله في سورة سبإ [الآية:23] (أية : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم) تفسير : أي انجلى عن قلوبهم {قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ} وقد قال في آية أخرى: (أية : وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحَقُّ) تفسير : [الشورى:18]. وقال الحسن: ثقلت على أهل السماوات حتى تشققت لها السماوات، وانتثرت لها النجوم، وذهب الشمس والقَمر، وعلى الأرض، حتى ذهبت جبالها وذهبت بحارها. قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة. ذكر بعضهم قال: قضى الله لا تأتيكم إلا بغتة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه، فما يطويانه حتى تقوم الساعة. وتقوم الساعة والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، وتقوم الساعة والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم الساعة. وتقوم الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه، فما تصل إلى فيه حتى تقوم الساعة تفسير : قوله: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيُّ عَنْهَا}. فيها تقديم. يسألونك عنها، يعني الساعة متى قيامها، كأنك حفيٌّ بهم. وقال الكلبي: كأنك بينك وبينهم صداقة، وهو واحد. وذكر بعضهم عن مجاهد أنه قال: كأنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. ومن قال بهذا فليس فيها على هذا التفسير تقديم. قال الحسن: يعني قريشاً؛ يقول: تعلمّهم ما لا تعلّم غيرهم، أي: لقرابتهم منك. قال الكلبي: كأنك عالم بها؛ وهي عنده مقدمة. وقال بعضهم: قالت قريش: يا محمد، أَسِرَّ إلينا أمر الساعة لما بيننا وبينك من قرابة. فقال الله: {يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}، أي كأنك حفي يهم. قال: وهي في هذا التفسير مقدمة؛ (يَسْأَلُونَكَ عَنْهَا كَأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهِمْ). قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خمس لا يعلمهن إلا الله: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} تفسير : [لقمان:34].

اطفيش

تفسير : {من يُضْللِ اللهُ فلاَ هادِىَ لهُ} إخبار برسوخ كفرهم تصميمهم على الكفر، وبأن علته إضلال الله لهم {ويذَرهُم} وفى قراءة [ونذرهم] بالنون مستأنف أو معطوف على مجموع من وما بعدها، ولا حاجة إلى ما ذكره بعضهم من أنه خبر لمحذوف، أى ونحن نذرهم، وذلك قراءة نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو جعفر وغيرهم، وعاصم فى رواية، وروى خارجة عن نافع جزمه عطفا على محل جملة الجواب، وقراء عاصم فى رواية، وأبو عمرو، ويعقوب: بالياء المثناة تحت والرفع، وفيه الأوجه المذكورة، وقرأ حمزة، والكسائى، وأبو عمرو فيما قال أبو حاتم: بالمثناة تحت والجزم عطفا على محل الجملة، وكذا قرأ طلحة بن مصرف والأعمش. {فى طُغْيانِهِم} متعلق بما بعده، أو بما قبله وهو الإفراط فى الكفر هنا، وأصله الإفراط فى شئ ما {يعْمهُونَ} حال من هاء يذرهم أى يترددون ويتحيرون.

الالوسي

تفسير : وقوله عزَّ شأنه: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} استئناف مقرر لما قبله منبئ عن الطبع على قلوبهم، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، وقوله سبحانه وتعالى: {وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ} بالياء والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم، وقرأ غير واحد بنون العظمة على طريقة الالتفات أي ونحن نذرهم، وقرأ حمزة. والكسائي بالياء والجزم عطفاً على محل الجملة الاسمية الواقعة جواب الشرط كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم، ويحتمل أن يكون ذلك تسكيناً للتخفيف كما قرىء {أية : يُشْعِرُكُمْ} تفسير : [الأنعام: 109] و{أية : يَنصُرُكُمْ}تفسير : [الملك: 20] وقد روي الجزم مع النون عن / نافع وأبـي عمرو في الشواذ، وتخريجه على أحد الاحتمالين، وقوله تبارك وتعالى: {يَعْمَهُونَ} حال من مفعول {وَيَذَرُهُمْ} والعمه التردد في الضلال والتحير أو أن لا يعرف حجة، وإفراد الضمير في حيز النفي رعاية للفظ {مِنْ} وجمعه في حيز الإثبات رعاية لمعناها للتنصيص على شمول النفي والإثبات للكل كما قيل. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِى ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } تفسير : [الأعراف: 175] إشارة إلى من ابتلي بالحور بعد الكور بأن سلك حتى ظهر له ما ظهر ثم رجع من الطريق لسوء استعداده وغلبة الشقاوة والعياذ بالله تعالى عليه، وفي التعبير بانسلخ ما لا يخفى {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} إلى حظيرة القدس {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي مال إلى أرض الطبيعة السفلية {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} في إيثار السوى {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} في أخس أحواله {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ} بالزجر {يَلْهَثْ} يدلع لسانه مع التنفس الشديد {أية : أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } تفسير : [الأعراف: 176] أيضاً. والمراد أنه يلهث دائماً وكأنه إشارة إلى أن هذا المنسلخ لا يزال يطلق لسانه في أهل الكمال سواء زجر عن ذلك أو لم يزجر {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} وهم مظاهر القهر {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الأسرار {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الحجج الكونية {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} الآيات التنزيلية فهم صم بكم عمي {أُوْلَٰـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ } ليس لهم هم إلا الأكل والشرب {أية : بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الأعراف: 179] منها لأنهم لا ينزجرون إذا زجروا ولا يهتدون إذا أرشدوا. ومما يستبعد من طريق العقل ما نقله الإمام الشعراني عن شيخه علي الخواص قدس سره أن البهائم مكلفون محتجاً بقوله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ } تفسير : [الأنعام: 38] مع قوله تعالى: {أية : وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } تفسير : [فاطر: 24] وبما ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه ليؤخذ للشاة الجماء من الشاة القرناء» تفسير : وهذا وإن كان في الشاة لكن لا قائل بالفرق، ونقل عنه القول بأن كل ما في الوجود من حيوان ونبات وجماد حي دراك، ثم قال: فقلت له فهل تشبيه الحق تعالى من ضل من عباده بالأنعام بيان لنقص الانعام عن الإنسان أم لكمالها في العلم بالله تعالى؟ فقال رضي الله تعالى عنه: لا أعلم، ولكني سمعت بعضهم يقول: ليس تشبيههم بالأنعام نقصاً وإنما هو لبيان كمال مرتبتها في العلم بالله عز وجل حتى حارت فيه فالتشبيه في الحقيقة واقع في الحيرة لا في المحار فيه فلا أشد حيرة من العلماء بالله تعالى، فأعلى ما يصل إليه العلماء في العلم بربهم سبحانه وتعالى مبتدأ البهائم الذي لم تنتقل عن أصله وإن كانت منتقلة في شؤونه بتنقل الشؤون الإلهية لأنها لا تثبت على حال، ولذلك كان من وصفهم سبحانه وتعالى من هؤلاء القوم أضل سبيلاً من الأنعام لأنهم يريدون الخروج من الحيرة من طريق فكرهم ونظرهم ولا يمكن لهم ذلك، والبهائم علمت ذلك ووقفت عنده ولم تطلب الخروج عنه لشدة علمها بالله تعالى، وذكر أنها ما سميت بهائم إلا لأن أمرا قد أبهم على غالب الخلق فلم يعرفوه كما عرفه أهل الكشف انتهى. وهو كلام يورث المؤمن به حسداً للبهائم نفعنا الله تعالى بها وأعاذنا من الحسد {وَللَّهِ ٱلأََسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي يدبر كل أمر باسم منها {أية : فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 180] حسب المراتب وأعلاها الدعاء بلسان الفعل وهو التحلي بمعانيها بقدر ما يتصور في حق العبد وذلك حظ المقربين منها، وذكر حجة الإسلام الغزالي قدس سره أن حظوظهم من معاني أسمائه تعالى ثلاثة: الأول: معرفتها على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله تعالى بها انكشافاً يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهره، وكم بين هذا وبين الاعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين / تقليداً، والتصميم عليه وإن كان مقروناً بأدلة جدلية كلامية. الثاني استعظامهم ما يكشف لهم من صفات الجلال والكمال على وجه ينبعث منه شوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا بها من الحق قربا بالصفة لا بالمكان فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة المقرنين عند الله تعالى، والخلو من هذا الشوق لا يكون إلا لأحد أمرين إما لضعف المعرفة، وإما لكون القلب ممتلئاً بشوق آخر مستغرقاً به. والثالث: السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها، وبذلك يصير العبد ربانياً رفيقاً للملأ الأعلى من الملائكة شبيهاً بهم، وحينئذ لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه ذلك ويكون مقدساً عن الشهوة والغضب فلا تكون أفعاله بمقتضاهما بل الداعي إليها حينئذ طلب التقرب إلى الله تعالى ولا يلزم من هذا إثبات المماثلة بين الله سبحانه وتعالى وبين العبد، وقد قال جل وعلا: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } تفسير : [الشورى: 11] لأن المماثلة هي المشاركة في النوع والماهية لا مطلق المشاركة فالفرس الكيس وإن كان بالغاً في الكياسة ما بلغ لا يكون مماثلا للإنسان لمخالفته له بالنوع وإن شابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن المقومات للإنسانية؛ وأنت تعلم بأدنى التفات أنه لا يتصور الشركة بين الله تعالى الحي العليم المريد القادر المتكلم السميع البصير وبين العبد المتصف بالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر إلا في إطلاق الاسم لا غير، والكلام في خبر «لا زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل» الخ يستدعي الخوض في بحر لا ساحل له فخذ ما آتيناك {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَٰـئِهِ} يطلبون معانيها من غيره سبحانه وتعالى ويضيفونها إليه وهؤلاء مما ذرأهم سبحانه وتعالى لجهنم {أية : سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 180] من الالحاد {أية : وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 181] وهم المرشدون الكاملون {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} كالمنكرين على هؤلاء الأمة {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الأعراف: 182] أنا سنستدرجهم {وَأُمْلِى لَهُمْ} أمهلهم {إِنَّ كَيْدِى} أخذي {أية : مَتِينٌ } تفسير : [الأعراف: 183] شديد، وقد جرت عادة الله تعالى في المنكرين على أوليائه أن يأخذهم أشد أخذ وقد شاهدنا ذلك كثيراً نعوذ بالله تعالى من مكره، {أية : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 185] وهي الآيات التكوينية، وقد تقدم معنى الملكوت وهو في مصطلح الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم عبارة عن عالم الغيب المختص بالأرواح والنفوس وفسروا الملك بعالم الشهادة من المحسوسات الطبيعية كالعرش والكرسي وغيرهما وكل جسم يتركب من الاستقصاآت {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} إذ لا هادي سواه سبحانه:شعر : إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء {أية : وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [الأعراف: 186] يترددون لأن استعدادهم يقتضي ذلك، والله تعالى الموفق.

ابن عاشور

تفسير : هذه الجملة تعليل للإنكار في قوله: {أية : فبأي حديث بعده يؤمنون}تفسير : [الأعراف: 185]، لإفادة أن ضلالهم أمر قدر الله دوامَه، فلا طمع لأحد في هديهم، ولما كان هذا الحكم حاقاً على من اتصف بالتكذيب، وعدم التفكر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم النظر في ملكوت السمٰوات والأرض وما خلق الله، وفي توقع اقتراب استيصالهم، كان المحكوم عليهم بعدم الاهتداء فريقاً غير معروف للناس، وإنما ينفرد الله بعلمه ويُطْلع عليه رسوله عليه الصلاة والسلام، وينكشف بعض ذلك عند موت بعضهم على الشرك، وهذه هي المسألة الملقبة بالموافاة عند علماء الكلام. وعطف جملة: {ونذَرهم في طغيانهم يعمهون} على جملة: {من يضلل الله فلا هادي له} للإشارة إلى استمرار ضلالهم وانتفاء هديهم في المستقبل كما وقع في الماضي. وتفسير: {نذرهم} تقدم في قوله تعالى: {أية : وذَر الذين اتخذوا دينهم لعباً} تفسير : في سورة الأنعام (70) وتفسير «طغيان» و{يعمهون} تقدم عند قوله: {أية : في طغيانهم يعمهون} تفسير : في سورة البقرة (15). وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر: {نَذرهم} بالنون وبالرفع، على أنه عطف جملة على جملة: {من يضلل الله} على طريقة الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالياء التحتية والجزم، على أنه عطف على موضع {فلا هادي له} وهو جواب الشرط. وقرأ أبو عَمرو، وعاصم، ويعقوب: بالياء التحتية وبالرفع والوجه ظاهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {طُغْيَانِهِمْ} (186) - لَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذا القُرْآنَ أَعْظَمَ أسْبَابِ الهِدَايَةِ لِلْمُتَّقِينَ، وَجَعَلَ الرَّسُولَ المُبَلِّغَ لَهُ أقْوَى الرُّسُلِ بُرْهَاناً، وَأكْرَمَهُمْ أخْلاَقاً، فَمَنْ فَقَدَ الاسْتِعْدَادَ لِلإِيمَانِ بِهذَا الكِتَابِ، وَهَذا الرَّسُولِ، فَهُوَ الذِي أضَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ أَضَلَّهُ اللهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَيَتْرُكُ تَعَالَى هؤُلاَءِ الضَّالِّينَ فِي طُغْيَانِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي حَيْرَةٍ، وَلاََ يَهْتَدُونَ سَبيلاً لِلْخُرُوجِ مِمَّا هُمْ فِيهِ. الطُّغْيَانُ - تَجَاوُزُ الحَدِّ فِي الكُفْرِ. العَمَهُ - ظُلْمَةُ البَصِيرَةِ - أوْ هُوَ التَّرَدُّدُ وَالحَيْرَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقد كرر الحق هذا كثيراً، لأن الأشياء التي قد يقف العقل فيها، أو تأخذه مذاهب الحياة منها، ويكررها الله، ليجعلها في بؤرة الاهتمام دائماً، لعل هذا التكرار يصادف وعياً من السامع. وانظر إلى الحق وهو يعدد نعمه في سورة الرحمن فيقول بعد كل نعمة: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إنه يكرر ذكر النعم ليستقر الأمر في ذهن السامع. {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} وسبحانه لا يرغم واحداً على أن يهتدي، فإن اهتدى فلنفسه، وإن لم يهتد فليشرب مرارة الضلال. وكلنا نعرف أن الطبيب يكتب أسلوب العلاج للمريض، ليتم الشفاء بإذن من الله، الدواء إذن وسيلة إلى العافية، فإن رفض المريض تناول الدواء فهل في ذلك إساءة للطبيب؟ لا. وكذلك منهج الله. {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} لكن هل يريد الله الضلال لأحد، لا، بل سبحانه دعا الناس جميعاً بهداية الدلالة، فمن اهتدى زاده بهداية المعونة، ومن ضل فليذهب إلى الكفر كما شاء. ولذلك يقول لنا الشرع: إياك أن تشرك بالله شيئاً في أي عمل؛ لأن ربنا يقول لنا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه فيقول: قال الله تبارك وتعالى: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه " تفسير : ومعنى الشركة في عرف البشر، أن مجموعة من الناس عرفوا أن عمل كل منهم ومال كل منهم، وموهبة كل منهم، لا تكفي لإقامة مشروع ما، لذلك يكونون شركة لإنتاج معين، فهل هناك ما ينقص ربنا ليستكمله من آخر؟ حاشا لله. بل إن مجرد توهم العبد بأن هناك شريكاً يجعل الله رافضاً لعبادة العبد المشرك. لذلك يقول في الحديث القدسي: "حديث : أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه". تفسير : ومادام ربنا قد تنازل عن رعايته له فليتلق المتاعب من حيث لا يدري. ومن قوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} نتبين أنه حين يحكم الله بضلال إنسان أو بهداية آخر فلن يستطيع البشر أن يعدِّل على الله، ليجعل شيئاً من ضلال هو هدى، أو شيئاً من هدى هو ضلال. كما يتضح من تلك الآية الكريمة أن من في قلوبهم مرض يزيدهم الله مرضاً ويتركهم في طغيانهم يعمهون، والعمه هو فقدان القلب للبصيرة، والعمى هو فقدان العين للبصر. ويقل الحق - تبارك وتعالى - بعد ذلك: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ...}