٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
187
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في نظم الآية وجهين: الأول: أنه تعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبعه بالكلام في المعاد، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة. الثاني: أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {أية : وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ }تفسير : [الأعراف: 185] باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق، فيصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن ذلك السائل من هو؟ قال ابن عباس: إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية، وقال الحسن وقتادة: إن قريشاً قالوا: يا محمد بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة؟ المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق. المسألة الثالثة: أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى، وفي اشتقاقه قولان: المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال: {أَيَّانَ } سؤال عن الزمان، وأين سؤال عن المكان، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر. والثاني: وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه، لأن معناه أي وقت ولفظة أي، فعل من أويت إليه، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا. قال ابن جني: وقرأ السلمي (إيان) بكسر الهمز. المسألة الرابعة: مرساها «المرسي» ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا }تفسير : [هود: 41] أي إجراؤها وإرساؤها، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا؛ إذا ثبت. قال تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 32] فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلاً ومنه إرساء الجبل، وإرساء السفينة، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة، بدليل قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء. ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا } تفسير : [الحج: 7] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } تفسير : [طه: 15] ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: متى الساعة فقال عليه السلام: «حديث : ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل»تفسير : قال المحققون: والسبب في إخفاء الساعة عن العباد؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون، كانوا على حذر منها، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة، وأزجر عن المعصية، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا } التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره، والمعنى: لا يظهرها في وقتها المعين {إِلاَّ هُوَ } أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو. ثم قال تعالى: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى: {أية : وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } تفسير : [الإنسان: 27] وأيضاً وصف الله تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال: {أية : إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْء عَظِيمٌ } تفسير : [الحج: 1] ووصف عذابها بالشدة فقال: {أية : وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ } تفسير : [الحج: 2]. إذا عرفت هذا فنقول: للمفسرين في تفسير قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } وجوه: قال الحسن: ثقل مجيئها على السموات والأرض، لأجل أن عند مجيئها شققت السموات وتكورت الشمس والقمر وانتثرت النجوم وثقلت على الأرض لأجل أن في ذلك اليوم تبدل الأرض غير الأرض، وتبطل الجبال والبحار، وقال أبو بكر الأصم: إن هذا اليوم ثقيل جداً على أهل السماء والأرض، لأن فيه فناءهم وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب. وقال قوم: إن هذا اليوم عظيم الثقل على القلوب بسبب أن الخلق يعلمون أنهم يصيرون بعدها إلى البعث والحساب والسؤال والخوف من الله في مثل هذا اليوم شديد. وقال السدي: {ثَقُلَتْ } أي خفيت في السموات والأرض ولم يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها. وقال قوم: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ثقل تحصيل العلم بوقتها المعين على أهل السموات والأرض، وكما يقال في المحمول الذي يتعذر حمله أنه قد ثقل على حامله، فكذلك يقال في العلم الذي استأثر الله تعالى به أنه يثقل عليهم. ثم قال: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } وهذا أيضاً تأكيد لما تقدم وتقرير لكونها بحيث لا تجيء إلا بغتة فجأة على حين غفلة من الخلق. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الساعة تفجأ الناس، فالرجل يصلح موضعه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم بسلعته في سوقه. والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " تفسير : وروى الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لتقومن الساعة وإن الرجل ليرفع اللقمة إلى فيه حتى تحول الساعة بينه وبين ذلك»تفسير : . ثم قال تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الحفي وجوه: الأول: الحفي البار اللطيف قال ابن الأعرابي: يقال حفى بي حفاوة وتحفى بي تحفياً، والحفي الكلام واللقاء الحسن، ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } أي باراً لطيفاً يجيب دعائي إذا دعوته، فعلى هذا التقدير يسألونك كأنك بار بهم لطيف العشرة معهم وعلى هذا قول الحسن وقتادة والسدي، ويؤيد هذا القول ما روي في تفسيره إن قريشاً قالت لمحمد عليه السلام: إن بيننا وبينك قرابة، فاذكر لنا متى الساعة. فقال تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا} أي كأنك صديق لهم بار بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما داموا على كفرهم. والقول الثاني: {حَفِىٌّ عَنْهَا } أي كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها، وعلى هذا القول {حَفِىٌّ } فعيل من الإحفاء وهو الإلحاح والإلحاف في السؤال، ومن أكثر السؤال والبحث عن الشيء علمه، قال أبو عبيدة هو من قولهم تحفى في المسألة، أي استقصى. فقوله: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } أي كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها. قال صاحب «الكشاف»: هذا الترتيب يفيد المبالغة ومنه إحفاء الشارب، وإحفاء البقل استئصاله، وأحفى في المسألة إذا ألحف، وحفى بفلان وتحفى به بالغ في البر به، وعلى هذا التقدير: فالقولان الأولان متقاربان. المسألة الثانية: في قوله: {عَنْهَا } وجهان: الأول: أن يكون فيه تقديم وتأخير والتقدير: يسألونك عنها كأنك حفي بها ثم حذف قوله: «بها» لطول الكلام ولأنه معلوم لا يحصل الالتباس بسبب حذفه. والثاني: أن يكون التقدير: يسألونك كأنك حفي بهم لأن لفظ الحفي يجوز أن يعدى تارة بالباء وأخرى بكلمة عن ويؤكد هذا الوجه بقراءة ابن مسعود {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ بِهَا}. المسألة الثالثة: قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } سؤال عن وقت قيام الساعة وقوله ثانياً: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا} سؤال عن كنه ثقل الساعة وشدتها ومهابتها، فلم يلزم التكرار: أجاب عن الأول بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي }. وأجاب عن الثاني بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } والفرق بين الصورتين أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت قيام الساعة. والسؤال الثاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها، وأعظم أسماء الله مهابة وعظمة هو قوله عند السؤال عن مقدار شدة القيامة الاسم الدال على غاية المهابة، وهو قولنا الله ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه: أحدها: ولكن أكثر الناس لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفيت معرفة وقته المعين عن الخلق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} «أَيَّانَ» سؤال عن الزمان؛ مثل متى. قال الراجز:شعر : أيّان تقضِي حاجتي أيّان أما ترى لِنجحِها أوَانَا تفسير : وكانت اليهود تقول للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً فأخبرنا عن الساعة متى تقوم. وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار. و «مُرْسَاهَا» في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، والخبر «أيان». وهو ظرف مبني على الفتح؛ بني لأن فيه معنى الاستفهام. و «مُرْسَاهَا» بضم الميم، من أرساها الله، أي أثبتها، أي متى مُثْبَتُها، أي متى وقوعها. وبفتح الميم من رَسَتْ، أي ثبتت ووقفت؛ ومنه {أية : وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}تفسير : [سبأ: 13]. قال قتادة: أي ثابتات. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} ابتداء وخبر، أي لم يبينها لأحد؛ حتى يكون العبد أبداً على حذر {لاَ يُجَلِّيهَا} أي لا يظهرها. {لِوَقْتِهَآ} أي في وقتها {إِلاَّ هُوَ}. والتجلِية: إظهار الشيء؛ يقال: جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه. ومعنى {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خفِي علمها على أهل السموات والأرض. وكل ما خفِي علمه فهو ثقيل على الفؤاد. وقيل: كبر مجيئها على أهل السموات والأرض؛ عن الحسن وغيره. ابن جريج والسدي: عظم وصفها على أهل السموات والأرض. وقال قتادة وغيره: المعنى لا تطيقها السموات والأرض لعظمها: لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضُب. وقيل: المعنى ثقلت المسألة عنها. {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة، مصدر في موضع الحال {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي عالم بها كثير السؤال عنها. قال ابن فارس: الحفِيّ العالِم بالشيء. والحفِيّ: المستقصي في السؤال. قال الأعشى:شعر : فإن تسألي عنِّي فيا رب سائل حَفِيٍّ عن الأعشَى به حيثُ أصْعَدَا تفسير : يقال: أحفى في المسألة وفي الطلب، فهو محفٍ وحفِي على التكثير، مثل مخصِب وخصيب. قال محمد ابن يزيد: المعنى يسألونك كأنك حفِي بالمسألة عنها، أي ملحٌّ. يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير. وقال ابن عباس وغيره: هو على التقديم والتأخير، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفِيّ بهم أي حفي ببرهم وفرِح بسؤالهم. وذلك لأنهم قالوا: بيننا وبينك قرابة فأسِرّ إلينا بوقت الساعة. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ليس هذا تكريراً، ولكن أحد العِلمين لوقوعها والآخر لكنهها.
البيضاوي
تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} أي عن القيامة، وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو لأنها على طولها عند الله كساعة. {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} متى إرساؤها أي إثباتها واستقرارها ورسو الشيء ثباته واستقراره، ومنه رسا الجبل وأرسى السفينة، واشتقاق {أَيَّانَ} من أي لأن معناه أي وقت، وهو من أويت إليه لأن البعض أوى إلى الكل. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي} استأثر به لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. {وَلاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا} لا يظهر أمرها في وقتها. {إِلاَّ هُوَ} والمعنى أن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها، واللام للتأقيت كاللام في قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }تفسير : [الإسراء: 78]. {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} إلا فجأة على غفلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه»تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} عالم بها، فعيل من حفى عن الشيء إذا سأل عنه، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه فيه، ولذلك عدي بعن. وقيل هي صلة {يَسْأَلُونَكَ}. وقيل هو من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشاً قالوا له: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة، والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم فتحضهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها. وقيل معناه كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه، من حفى بالشيء إذا فرح أن تكثره لأنه من الغيب الذي استأثر الله بعلمه. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} كرره لتكرير يسألونك لما نيط به من هذه الزيادة وللمبالغة. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن علمها عند الله لم يؤته أحداً من خلقه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} كما قال تعالى: {أية : يَسْـئَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [الأحزاب: 63] قيل: نزلت في قريش، وقيل: في نفر من اليهود، والأول أشبه؛ لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة؛ استبعاداً لوقوعها، وتكذيباً بوجودها، كما قال تعالى: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} تفسير : [يس: 48] وقال تعالى: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ أَلاَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فَي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلاَلَ بَعِيدٍ} تفسير : [الشورى: 18]. وقوله: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: منتهاها، أي: متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي هو أول وقت الساعة؟ {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن وقت الساعة أن يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض؛ أنهم لا يعلمون، قال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كبرت عليهم. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة، وقال ابن جريج {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال: إذا جاءت، انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله عز وجل، فذلك ثقلها، واختار ابن جرير رحمه الله أن المراد ثقل علم وقتها على أهل السموات والأرض؛ كما قال قتادة، وهو كما قالاه؛ كقوله تعالى: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم. وقال السدي: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يقول: خفيت في السموات والأرض، فلا يعلم قيامها حين تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} يبغتهم قيامها؛ تأتيهم على غفلة. وقال قتادة في قوله تعالى: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} قضى الله أنها {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} قال: وذكر لنا أن نبي الله كان يقول: «حديث : إن الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه»تفسير : . وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا أبو الزناد عن عبد الرحمن عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» تفسير : وقال مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به، قال: «حديث : تقوم الساعة والرجل يحلب لقحته، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يلوط حوضه، فما يصدر حتى تقوم»تفسير : وقوله: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} اختلف المفسرون في معناه، فقيل: معناه كما قال العوفي عن ابن عباس: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} يقول: كأن بينك وبينهم مودة، كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى الله إليه إنما علمها عنده، استأثر به، فلم يطلع الله عليها ملكاً مقرباً، ولا رسولاً، وقال قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله عز وجل: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي، وهذا قول، والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها، وكذا قال الضحاك عن ابن عباس: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ}. وقال معمر عن بعضهم: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} كأنك عالم بها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا} كأنك بها عالم، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [لقمان: 34] الآية، وهذا القول أرجح في المقام من الأول، والله أعلم، ولهذا قال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ولهذا لما جاء جبريل عليه السلام في صورة أعرابي ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس السائل المسترشد، وسأله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» تفسير : أي: لست أعلم بها منك، ولا أحد بها من أحد، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] الآية. وفي رواية: فسأله عن أشراط الساعة، فبين له أشراط الساعة، ثم قال: «حديث : في خمس لا يعلمهن إلا الله» تفسير : وقرأ هذه الآية، وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: صدقت، ولهذا عجب الصحابة من هذا السائل يسأله ويصدقه، ثم لما انصرف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» تفسير : وفي رواية قال: «حديث : وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها، إلا صورته هذه» تفسير : وقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، ولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جهوري، فقال: يا محمد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هاؤم» تفسير : على نحو من صوته، قال: يا محمد متى الساعة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها؟» تفسير : قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، ولكنني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المرء مع من أحب» تفسير : فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث، وهذا له طرق متعددة في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : المرء مع من أحب» تفسير : وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين، ففيه أنه عليه السلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه، أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك، والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته. ولهذا قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان منهم، فيقول: «حديث : إن يعش هذا، لم يدركه الهرم حتى قامت عليكم ساعتكم» تفسير : يعني: بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة. ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يعش هذا الغلام، فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» تفسير : انفرد به مسلم. وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا معبد بن هلال العنزي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة، فقال: «حديث : إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» تفسير : قال أنس: ذلك الغلام من أترابي، وقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة، وكان من أترابي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» تفسير : ورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه عن عمرو بن عاصم عن همام بن يحيى عن قتادة عن أنس: أن رجلاً من أهل البادية قال: يا رسول الله متى الساعة؟ فذكر الحديث، وفي آخره: فمر غلام للمغيرة بن شعبة، وذكره، وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة رضي الله عنها. وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر: «حديث : تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة»تفسير : رواه مسلم. وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله، قال ابن عمر: وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام ذلك القرن. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أنبأنا العوام عن جبلة بن سحيم عن موثر بن عفارة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة - قال - فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال عيسى: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله عز وجل، وفيما عهد إلي ربي عز وجل أن الدجال خارج - قال - ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله عز وجل إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافراً، فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله عز وجل، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إلي، فيشكونهم، فأدعو الله عز وجل عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، أي: تنتن، قال: فينزل الله عز وجل المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر» تفسير : قال الإمام أحمد: قال يزيد بن هارون: ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم، ثم رجع إلى حديث هشيم، قال: «حديث : ففيما عهد إلي ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المتمّ لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادتها ليلاً أو نهاراً» تفسير : ورواه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب بسنده نحوه، فهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين، ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام، فتكلم على أشراطها؛ لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذاً لأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتل المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا عبيد بن إياد بن لقيط، قال: سمعت أبي يذكر عن حذيفة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: «حديث : علمها عند ربي عز وجل لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجاً» تفسير : قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها، فما الهرج؟ قال: «حديث : بلسان الحبشة القتل» تفسير : قال: «حديث : ويلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد يعرف أحداً» تفسير : لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه. وقال وكيع: حدثنا ابن أبي خالد عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} الآية، ورواه النسائي من حديث عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به، وهذا إسناد جيد قوي، فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وسلامه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفى والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهما: «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين» تفسير : وقرن بين أصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله، قد أمره الله أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ } أي أهل مكة {عَنِ ٱلسَّاعَةِ } القيامة {أَيَّانَ } متى {مُرْسَٰهَا قُلْ } لهم {إِنَّمَا عِلْمُهَا } متى تكون {عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا } يظهرها {لِوَقْتِهَآ } اللام بمعنى (في) {إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ } عظمت {فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وٱلأَرْضِ } على أهلهما لهولها {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } فجأة {يَسْئَلُونَكَ كأَنَّكَ حَفِيٌّ } مبالغ في السؤال {عَنْهَا } حتى علمتها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } تأكيد {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن علمها عنده تعالى.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } السائلون: هم اليهود. وقيل: قريش. والساعة: القيامة. وهي من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على القيامة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها. و{أيان} ظرف زمان مبني على الفتح. قال الراجز:شعر : أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها أوانا تفسير : ومعناه معنى متى، واشتقاقه من أيّ. وقيل من أين. وقرأ السلمي «إيان» بكسر الهمزة وهو في موضع رفع على الخبر. و{مُرْسَـٰهَا } المبتدأ عند سيبويه. و{مرساها} بضم الميم، أي وقت إرسائها من أرساها الله، أي أثبتها، وبفتح الميم من رست، أي ثبتت، ومنه: {أية : وَقُدُورٍ راسِيَـٰتٍ } تفسير : [سبأ: 13]، ومنه رسا الجبل. والمعنى: متى يرسيها الله، أي يثبتها ويوقعها. وظاهر {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } أن السؤال عن نفس الساعة، وظاهر {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } أن السؤال عن وقتها، فحصل من الجميع أن السؤال المذكور هو عن الساعة. باعتبار وقوعها في الوقت المعين لذلك، ثم أمره الله سبحانه بأن يجيب عنهم بقوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } أي: علمها باعتبار وقوعها عند الله، لا يعلمها غيره ولا يهتدي إليها سواه {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } أي: لا يظهرها لوقتها، ولا يكشف عنها إلا الله سبحانه. والتجلية: إظهار الشيء، يقال جلى لي فلان الخبر: إذا أظهره وأوضحه، وفي استئثار الله سبحانه بعلم الساعة حكمة عظيمة، وتدبير بليغ كسائر الأشياء التي أخفاها الله واستأثر بعلمها. وهذه الجملة مقررة لمضمون التي قبلها. قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قيل معنى ذلك: أنه لما خفي علمها على أهل السموات والأرض كانت ثقيلة، لأن كل ما خفي علمه ثقيل على القلوب. وقيل المعنى: لا تطيقها السموات والأرض لعظمها، لأن السماء تنشق، والنجوم تتناثر، والبحار تنضب. وقيل: عظم وصفها عليهم. وقيل: ثقلت المسألة عنها. وهذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها أيضاً. {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } إلا فجأة على غفلة. والبغتة مصدر في موضع الحال. وهذه الجملة كالتي قبلها في التقرير. قوله: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}. قال ابن فارس: الحفيّ العالم بالشيء، والحفي المستقصى في السؤال، ومنه قول الأعشى:شعر : فإن تسألي عني فيارب سائل حفيّ عن الأعشى به حيث أصعدا تفسير : يقال أحفى في المسألة وفي الطلب فهو محف، وحفيّ على التكثير مثل مخصب وخصيب. والمعنى: يسألونك عن الساعة كأنك عالم بها، أو كأنك مستقص للسؤال عنها ومستكثر منه. والجملة التشبيهية في محل نصب على الحال، أي: يسألونك مشبهاً حالك حال من هو حفيّ عنها. وقيل المعنى: يسألونك عنها كأنك حفيّ بهم، أي حفيّ ببرهم وفرح بسؤالهم. والأوّل: هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي. قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } أمره الله سبحانه بأن يكرّر ما أجاب به عليهم سابقاً لتقرير الحكم وتأكيده. وقيل: ليس بتكرير، بل أحدهما معناه الاستئثار بوقوعها، والآخر الاستئثار بكنهها نفسها {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } باستئثار الله بهذا، وعدم علم خلقه به، لم يعلمه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل. قوله: {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } هذه الجملة متضمنة لتأكيد ما تقدّم من عدم علمه بالساعة أيان تكون ومتى تقع، لأنه إذا كان لا يقدر على جلب نفع له، أو دفع ضرّ عنه إلا ماشاء الله سبحانه من النفع له والدفع عنه، فبالأولى أن لا يقدر على علم ما استأثر الله بعلمه، وفي هذا من إظهار العبودية والإقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد، والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له صلى الله عليه وسلم ما فيه أعظم زاجر، وأبلغ واعظ لمن يدّعي لنفسه ما ليس من شأنها، وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق بالحصا أو الزجر. ثم أكّد هذا وقرّره بقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } أي: لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرّضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي، وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي، ولا ما قضاه فيَّ وقدره لي، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه؟ وقيل المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله عزّ وجلّ مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته. وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب، لقاتلت فلم أغلب. وقيل: لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه، والأولى حمل الآية على العموم، فتندرج هذه الأمور وغيرها تحتها. وقد قيل: إن {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء } كلام مستأنف، أي: ليس بي ما تزعمون من الجنون والأولى: أنه متصل بما قبله. والمعنى: لو علمت الغيب ما مسني السوء، ولحذرت عنه كما قدّمنا ذلك. قوله: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: ما أنا إلا مبلغ عن الله لأحكامه أنذر بها قوماً، وأبشر بها آخرين، ولست أعلم بغيب الله سبحانه. واللام في {لِقَوْمٍ } متعلق بكلا الصفتين: أي بشير لقوم. ونذير لقوم، وقيل: هو متعلق ببشير، والمتعلق بنذير محذوف، أي نذير لقوم يكفرون، وبشير لقوم يؤمنون. قوله: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نعم الله على عباده وعدم مكافأتهم لها، مما يجب من الشكر والاعتراف بالعبودية، وأنه المنفرد بالإلهية. قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة. آدم، وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } معطوف على {خَلَقَكُمْ } أي: هو الذي خلقكم من نفس آدم، وجعل من هذه النفس زوجها، وهي حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه. وقيل المعنى {جَعَلَ مِنْهَا } من جنسها، كما في قوله: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } تفسير : [النحل: 72] والأوّل: أولى. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } علة للجعل، أي جعله منها لأجل {يسكن إليها} يأنس إليها. ويطمئن بها، فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس. وكان هذا في الجنة، كما وردت بذلك الأخبار. ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا }، والتغشي كناية عن الوقاع، أي فلما جامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } علقت به بعد الجماع، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء النطفة أخفّ منه عند كونه علقة، وعند كونه علقة أخفّ منه عند كونه مضغة، وعند كونه مضغة أخفّ مما بعده. وقيل: إنه خفّ عليها هذا الحمل من ابتدائه إلى انتهائه، ولم تجد منه ثقلاً. كما تجده الحوامل من النساء، لقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } أي: استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد، وتمضى في حوائجها لا تجد به ثقلاً، والوجه الأوّل، لقوله: {فَلَمَّا أَثْقَلَت } فإن معناه: فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها. وقرىء «فمرت به» بالتخفيف، أي فجزعت لذلك، وقرىء «فمارت به» من المور، وهو المجيء والذهاب. وقيل المعنى: فاستمرّت به. وقد رويت قراءة التخفيف عن ابن عباس، ويحيى بن يعمر. ورويت قراءة «فمارت» عن عبد الله بن عمر. وروي عن ابن عباس أنه قرأ «فاستمرت به». قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا } جواب لما، أي: دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً } أي: ولداً صالحاً، واللام جواب قسم محذوف، و{لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } جواب القسم سادّ مسدّ جواب الشرط، أي من الشاكرين لك على هذه النعمة. وفي هذا الدعاء دليل على أنهما قد علما أن ما حدث في بطن حواء من أثر ذلك الجماع هو من جنسهما، وعلما بثبوت النسل المتأثر عن ذلك السبب {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا } ما طلباه من الولد الصالح، وأجاب دعاءهما {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } قال كثير من المفسرين: إنه جاء إبليس إلى حواء وقال لها: إن ولدت ولداً فسميه باسمى فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث ولو سمى لها نفسه لعرفته، فسمته عبد الحارث، فكان هذا شركاً في التسمية، ولم يكن شركاً في العبادة. وإنما قصدا أن الحارث كان سبب نجاة الولد، كما يسمى الرجل نفسه عبد ضيفه، كما قال حاتم الطائي:شعر : وإني لعبد الضيف مادام ثاويا وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد تفسير : وقال جماعة من المفسرين: إن الجاعل شركاً فيما آتاهما هم جنس بني آدم، كما وقع من المشركين منهم، ولم يكن ذلك من آدم وحواء، ويدلّ على هذا جمع الضمير في قوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى {مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } من هيئة واحدة وشكل واحد {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي: من جنسها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } يعني جنس الذكر جنس الأنثى. وعلى هذا لا يكون لآدم وحوّاء ذكر في الآية، وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين. وقد قدّمنا الإشارة إلى نحو هذا، وذكرنا أنه خلاف الأولى لأمور منها {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } بأن هذا إنما هو لحواء. ومنها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا } فإن كل مولود يولد بين الجنسين، لا يكون منهما عند مقاربة وضعه هذا الدعاء. وقد قرأ أهل المدينة وعاصم «شركاً» على التوحيد. وقرأ أبو عمرو، وسائر أهل الكوفة بالجمع. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى. وأجيب عنه بأنها صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا شرك، أو ذوي شرك. والاستفهام في {أَيُشْرِكُونَ مَالا يَخْلُقُ شَيْئاً } للتقريع والتوبيخ، أي كيف يجعلون لله شريكاً لا يخلق شيئاً ولا يقدر على نفع لهم، ولا دفع عنهم. قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } عطف على {مَالا يَخْلُقُ } والضمير راجع إلى الشركاء الذين لا يخلقون شيئاً، أي وهؤلاء الذين جعلوهم شركاء من الأصنام أو الشياطين مخلوقون. وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ } أي: لمن جعلهم شركاء {نَصْراً } إن طلبه منهم {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } إن حصل عليهم شيء من جهة غيرهم، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن عباس، قال: قال حمل بن أبي قيس، وشمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } إلى قوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } أي: متى قيامها؟ {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } قال: قالت قريش يا محمد أسرّ إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟ قال: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ الله} وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : تهيج الساعة بالناس، والرجل يسقي على ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يقيم سلعته في السوق، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة» تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } قال: {منتهاها}. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } يقول: لا يأتي بها إلا الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في الآية قال: هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض. يقول كبرت عليهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكوّرت الشمس، وسيرت الجبال، وما يصيب الأرض. وكان ما قال الله سبحانه فذلك ثقلها فيهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } قال: فجأة آمنين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في البعث، عن مجاهد، في قوله: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } يقول: كأنك عالم بها، أي لست تعلمها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي عنه {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } قال: لطيف بها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عنه أيضاً {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } يقول: كأن بينك وبينهم مودّة كأنك صديق لهم. قال لما سأل الناس محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفيّ بهم، فأوحى الله إليه: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } استأثر بعلمها فلم يطلع ملكاً ولا رسولاً. وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ «كأنك حفيّ بها». وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضراً} قال: الهدى والضلالة {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } متى أموت {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } قال: العمل الصالح. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس، في قوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } قال: لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً لاربح فيه {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء } قال: ولا يصيبني الفقر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد في قوله: {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء } قال: لاجتنبت ما يكون من الشرّ قبل أن يكون. وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والروياني، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحى الشيطان وأمره»تفسير : وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، عن سمرة في قوله: {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } قال: سمياه عبد الحارث. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن أبيّ بن كعب، نحو حديث سمرة المرفوع موقوفاً عليه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: حملت حواء فأتاها إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعنني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلنّ، ولأفعلنّ، يخوّفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حبّ الولد، فسمياه عبد الحارث. فذلك قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا }. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن، في الآية قال: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه، عن سمرة، في قوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } لم يستبن {فَمَرَّتْ بِهِ } لما استبان حملها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } قال: فشكت أحملت أم لا؟ وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن أيوب قال: سئل الحسن عن قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } قال: لو كنت عربياً لعرفتها، إنما هي استمرّت بالحمل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن السدّي، في قوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } قال: هي النطفة {فَمَرَّتْ بِهِ } يقول: استمرت به. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } قال: فاستمرت به. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران {فَمَرَّتْ بِهِ } يقول: استخفته. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي صالح في قوله: {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً } فقال: أشفق أن يكون بهيمة، فقالا لئن آتيتنا بشراً سوياً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال غلاماً سوياً. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس، في قوله: {جعلا له شركاء} قال: كان شريكاً في طاعة، ولم يكن شريكاً في عبادة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه، قال: ما أشرك آدم إنّ أوّلها شكر، وآخرها مثل ضربه لمن بعده. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } هذا فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الحسن، في الآية قال: هذا في الكفار يدعون الله، فإذا آتاهما صالحاً هوّداً أو نصراً، ثم قال: {أَيُشْرِكُونَ مَالا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } يقول: يطيعون مالا يخلق شيئاً، وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } يقول لمن يدعوهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ} فيه قولان: أحدهما: أن السائل عنها اليهود، قاله ابن عباس. والثاني: أن السائل عنها قريش، قاله الحسن، وقتادة. {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أما {أَيَّانَ} فمعنى متى، ومنه قول الراجز: شعر : أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها أوانا تفسير : وأما {مُرْسَاهَا} ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: قيامها، قالها السدي. والثاني: منتهاها، قاله ابن عباس. والثالث: ظهورها، قاله الأخفش. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّيِ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} لا يعلم وقتها إلا هو، نفياً أن يعلمها غير الله {ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: كبر على أهل السموات والأرض مجيء الساعة، قاله الحسن. والثاني: ثقل عليهم قيام الساعة، قاله السدي. والثالث: معناه عظم وصفها على أهل السموات والأرض، قاله ابن جريج. {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} يعني على غفلة لأنه لا يعلمها غير الله، ولم ترد الأخبار عنها من جهة الله فصار مجيئها بغتة وذلك أشد لها كما قال الشاعر: شعر : وأنكأ شيء حين يفجؤك البغتُ تفسير : {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} فيه تأويلان: أحدهما: معناه عالِمٌ بها، قاله مجاهد، والضحاك، وابن زيد، ومعمر. والثاني: معنى الكلام يسألونك عنها كأن حفي بهم، على التقديم والتأخير، أي كأنك بينك وبينهم مودة توجب برهم، من قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} تفسير : [مريم: 46] قاله ابن عباس.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاَعَةِ} اليهود، أو قريش. {أَيَّانَ مُرْسَاهَا}: متى، {مُرْسَاهَا}:قيامها، أو منتهاها، أو ظهورها. {حَفِىُّ عَنْهَا} عالم بها، أو تقديره: يسألونك عنها كأنك حفي بهم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ }، قال قتادة: السائِلُونَ: هم قريش. وقال ابن عباس: هم أحبار اليهود. * ت *: وفي «السِّيرَة» لابنِ هشامٍ: أَن السائلين من أحبار اليهود: حَمَلُ بْنُ أبي قُشَيْرٍ، وَسَمَوْءلُ بْنُ زَيْدٍ. انتهى. والساعة: القيامة مُوِّتَ كُلّ من كان حَيًّا حينئذٍ، وبُعِث الجميع، و{أَيَّانَ}: معناه مَتَى، وهي مبنيَّةٌ على الفتْحِ، قال الشاعر: [الرجز] شعر : أَيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أَيَّانَا أَمَا تَرَىٰ لِفعْلِهَا أَبَانَا تفسير : و{مُرْسَـٰهَا } معناه: مُثْبَتُها ومُنْتَهَاها؛ مأخوذٌ من: أرْسَىٰ يُرْسِي، فـــ «مُرْسَاهَا»: رَفْعٌ بٱلابتداء، والخبرُ «أَيَّانَ»، وعبارة البخاريِّ: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا }: مَتَى خروجُها. انتهى، و{يُجَلِّيهَا }: معناه يُظْهرها. وقوله سبحانه: {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...}، قيل: معناه: ثَقُلَ أنْ تُعْلَم ويُوقَفَ عَلى حقيقةٍ وَقْتها، وقال الحسنُ بن أبي الحَسَن: معناه: ثَقُلَتْ هيئتها والفزعُ عَلَى أَهْل السمٰوات والأرض، {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}، أي: فجأةً. وقوله سبحانه: {يَسْـئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}، قالَ ابن عبَّاس وغيره: المعنى يسألونك كأنكَ حَفِيٌّ، أي: مُتْحَفٌ ومُهْتَبِلٌ بهم، وهذا ينحُو إلى ما قالَتْ قريشٌ: يا محمَّدُ، إِنا قرابَتُكَ، فأخبرْنا بوَقْت السَّاعة. وقال ابن زَيْد وغيره: معناه: كأنك حفيٌّ في المسألة عَنْها، والاشتغالِ بها، حتى حصَّلَتْ علمها. وقرأ ابن عبَّاس فيما ذكر أبو حاتم: «كأَنَّكَ حَفِيٌّ بِهَا». وقوله سبحانه: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } قال الطَّبريُّ: معناه: لا يعلمُونَ أنَّ هذا الأَمْرَ لا يعلمه إِلا اللَّهُ، بل يظنُّ أكثرهم أنه ممَّا يعلمه البَشَرُ. وقوله سبحانه: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ...} الآية: هذا أمر بأنْ يبالِغَ في الاستسلام، ويتجَّردَ من المشاركةِ في قُدْرة اللَّه، وغَيْبِه، وأنَّ يصفَ نفسه لهؤلاءِ السائلين؛ بأنه لا يملكُ من منافع نفسه ومضارِّها إِلا مَا سَنَّى اللَّه وشاءَ ويَسَّر، وهذا الاستثناءُ منقطعٌ، وأخبر أنه لو كان يَعْلَمُ الغَيْبَ، لعمل بحَسَب ما يأتي، وٱستعدَّ لكلِّ شيءٍ ٱستعدادَ مَنْ يعلم قَدْرَ ما يَسْتَعِدُّ له، وهذا لفظٌ عامٌّ في كل شيء. وقوله: {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوءُ} يحتمل وجْهين، وبكليهما قيل. أحدهما: أن «ما» معطوفةٌ على قوله: {لاَسْتَكْثَرْتُ} أي: وَلَمَا مسني السوءُ. والثاني: أن يكون الكلامُ مقطوعاً تَمَّ في قوله: {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } وابتدأ يخبرُ بنَفْي السوءِ عنه، وهو الجُنُون الذي رَمَوْهُ به. قال مؤرِّجٌ السَّدُوسيُّ: {ٱلسَّوءُ } الجنون؛ بلغة هُذَيْلٍ. * ت *: وأما على التأويل الأول، فلا يريد بـــ «السوء» الجنونَ، ويترجَّح الثاني بنحو قوله سبحانه: { أية : مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ... } تفسير : [سبأ:46]، و{لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }: يحتملُ معنيين: أحدهما: أنْ يريد: لقومٍ يُطْلَبُ منهم الإِيمانُ، وهؤلاء الناسُ أجمع. والثاني: أن يخبر أنه نذير، ويتمُّ الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشيرٌ للمؤمنين به، ففي هذا وعْدٌ لمن حصل إِيمانه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} الآية. في كيفية النَّظْمِ وجهان: الأول: لمَّا تكلم في التَّوحيد، والنُّبَّوةِ، والقضاء، والقدر أتبعه بالكلام في المعاد لما تقدَّم من أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلاَّ هذه الأربعة. الثاني: لمَّا قال في الآية المتقدمة: {أية : وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}تفسير : [الأعراف: 185] باعثاً بذلك عن المبادرة إلى التَّوبة قال بعده: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} ليتحقَّقَ في القلوب أنَّ وقت الساعة مكتوم عن الخلق ليصير المكلف مسارعاً إلى التوبة وأداء الواجبات. فصل قال ابنُ عباس: إنَّ قوماً من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية. وقال الحسن وقتادة: إن قريشاً قالوا يا محمد: بيننا وبينك قرابة فاذكر لنا متى الساعة؟ قال الزمخشريُّ: السَّاعة من الأسماءِ الغالبة كالنجم للثريَّا، وسُمِّيت القيامة بالسَّاعة لوقوعها بغتة؛ ولأنَّ حساب الخَلْقِ يقضى فيها في ساعة واحدة، فلهذا سُمِّيت بالسَّاعة أو لأنها على طُولها كساعةٍ واحدةٍ على الخَلْقِ. قوله: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} فيه وجهان: أحدهما: أنَّ أيَّانَ خبر مقدم، ومُرْسَاهَا مبتدأ مؤخر، والثاني: أن أيَّان منصوب على الظَّرْفِ بفعل مضمر، ذلك الفعل رافع لـ "مُرْسَاهَا" بالفاعليَّةِ، وهو مذهب أبي العباس، وهذه الجملة في محلِّ نصب بدل من السَّاعة بدل اشتمال، وحينئذٍ كان ينبغي أن لا تكون في محل جرٍّ؛ لأنها بدل [من] مجرور وقد صرَّح بذلك أبُو البقاءِ فقال: والجملةُ في موضع جرٍّ بدلاً من السَّاعة تقديره: يسألونك عن زمان حلول الساعة. إلاَّ أنَّهُ مَنَعَ من كونها مجرورة المحل أنَّ البدل في نيَّة تكرار العامل،والعامل هو يَسْألُونَكَ والسُّؤالُ تعلق بالاستفهام وهو مُتَعَدٍّ بـ "عَنْ" فتكون الجملة الاستفهامية في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الخافض، كأنَّهُ قيل: يَسْألُونَكَ أيَّان مُرْسَى السَّاعةِ، فهو في الحقيقة بدلٌ من موضع عن السَّاعةِ لأن موضع المجرور نصب، ونظيرهُ في البدل على أحسن الوجوهِ فيه: عَرَفْتُ زيداً أبُو مَنْ هُو. و "أيَّانَ" ظرفُ زمانٍ مبني لتضمُّنه معنى الاستفهام، ولا يتصرَّفُ، ويليه المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي، بخلاف "متى" فإنَّها يليها النَّوعان، وأكثرُ ما يكون [أيَّان] استفهاماً، كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 2641 - إيَّانَ تَقْضِيَ حَاجَتِي أيَّانَا أمَا تَرَى لِفعْلِهَا أبَّانَا تفسير : وقد تأتي شرطيةً جازمة لفعلين. قال الشاعرُ: [البسيط] شعر : 2642 - أيَّانَ نُؤمِنْكَ تأمَنْ غَيْرنَا وإذَا لَمْ تُدْرِك الأمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حَذِراً تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2643 - إذَا النَّعْجَةُ الأذْنَاءُ كَانَتْ بِقَفْرَةٍ فأيَّان ما تَعْدِلْ بها الرِّيحُ تَنْزِلِ تفسير : والفَصِيحُ فتح همزتها، وهي قراءة العامَّة. وقرأ السُّلمي بِكسْرِهَا، وهي لغة سُلَيْم. فصل واختلف النحويون في أيَّانَ هل هي بسيطة أم مركبة؟ فذهب بعضهم إلى أنَّ أصلها أي أوانٍ فحذفت الهمزة على غير قياس، ولم يُعَوَّضْ منها شيءٌ، وقُلبت الواوُ ياءً على غير قياسٍ؛ فاجتمع ثلاثُ ياءات فاستُثْقِلَ ذلك فحُذفت إحداهن وبُنيت الكلمةُ على الفتحِ فصارت أيَّانَ. واختلفوا فيها أيضاً هل هي مشتقةٌ أم لا؟ فذهب أبُو الفتحِ إلى أنَّها مشتقةٌ من "أوَيْتُ إليه"؛ لأنَّ البضع آوٍ إلى الكل، والمعنى: أي وقت، وأي فعلٍ؟ ووزنه فَعْلان أو فِعْلان بحسب اللُّغتين ومنع أن يكون ومنه فَعَّالاً مشتقةً من: "أين"؛ لأنَّ "أيْنَ" ظرف مكان، وأيَّان ظرفُ زمانٍ. ومُرْسَاهَا يجوزُ أن يكون اسم مصدر، وأن يكون اسم زمان. وقال الزمخشريُّ: مُرْسَاهَا إرساؤُهَا، أو وقت إرسائها: أي: إثباتها وإقرارها. قال أبو حيَّان: وتقديره: وقت إرسائها ليس بجيدٍ؛ لأنَّ أيَّانَ استفهام عن الزمان فلا يصحُّ أن يكون خبراً عن الوقت إلاَّ بمجازٍ، لأنه يكون التقدير: في أي وقتٍ وقتُ إرسائها وهو حسنٌ. ويقال: رَسَا يَرْسُو: أي ثبت، ولا يقال إلاَّ في الشيء الثقيل، نحو: رَسَت السفينةُ تَرْسُو وأرْسَيْتها، قال تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا}تفسير : [النازعات: 32] ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة؛ لقوله {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} لا جرم سمَّى الله وقوعها وثبوتها بالإرساء. قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} عِلْمُهَا مصدرٌ مضاف للمفعول، والظَّرف خبره أي: أنَّ الله استأثر بعلمها لا يعلمها غيره. وقوله لا يُجَلِّيها أي لا يكشفها ولا يظهرها. والتَّجَلّي هو الظهور. وقال مجاهد: لا يأتي بها لوقتها إلاَّ هُوَ نظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [لقمان: 34] وقوله {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه: 15] حديث : ولمَّا سأل جبريل - عليه السلام - رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: متى السَّاعةُ. فقال: "ما المَسْئُولُ عنها بأعْلَم من السَّائِلِ" . تفسير : قال المحققون: والسَّببُ في إخفاء السَّاعةِ عن العبادِ ليكونوا على حذر، فيكون ذلك أوعى للطَّاعةِ وأزجر عن المعصية؛ فإنَّهُ متى علمها المكلف تقاعس عن التَّوبة، وأخرها، وكذلك إخفاء ليلة القدر؛ ليجتهد المكلف كل ليالي الشَّهْرِ في العبادة، وكذلك إخفاءُ ساعة الإجابةِ في يومِ الجمعةِ؛ ليكون المكلف مُجِدًّا في الدُّعاءِ في كل اليوم. قوله: "فِي السَّمواتِ" يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكون "في" بمعنى "على" أي: على أهل السموات أو هي ثقيلةٌ على نفس السموات والأرض، لانشقاقِ هذه وزلزال ذي، وهو قولُ الحسنِ. والثاني: أنَّها على بابها من الظَّرفيَّةِ، والمعنى: حصل ثقلها، وهو شدَّتها، أو المبالغة في إخفائها في هذين الظرفين. قال الأصَمُّ: إن هذا اليوم ثقيل جدًّا على السمواتِ والأرض؛ لأنَّ فيه فناءَهم وذلك ثقيل على القلوب. وقيل: ثقيلٌ بسبب أنَّهُم يصيرون بعده إلى البعث، والحساب، والسُّؤال، والخوف. وقال السُّديُّ: ثقل علمها، فلم يعلم أحد من الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين متى يكون حدوثها ووقوعها. قوله: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة على غفلة، وهذا تأكيدٌ وتقرير لما تقدَّم من إخفائها. روى أبو هريرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَتَقُومنَّ السَّاعةُ وقد نشر الرَّجُلانِ ثوبَهُما بيْنَهُما، فلا يتبايَعَانِه، ولا يطْويانِهِ، ولتقُومنَّ السَّاعةَ وقد انْصرفَ الرَّجُلُ بلبنِ لقْحتِهِ فلا يَطْعَمُهُ، ولتقُومَنَّ السَّاعَةُ هُو يُلِيطُ فِي حوضِهِ فلا يَسْقى فيه، ولتقُومنَّ السَّاعَةُ والرَّجُلُ قَدْ رفعَ أكْلَتَهُ إلى فيهِ فلا يَطْعَمُهَا ". تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} هذه الجملة التَّشبيهيَّة في محلِّ نصب على الحالِ من مفعول: "يَسْألُونكَ" وفي عَنْهَا وجهان: أحدهما: أنَّها متعلقة بـ يَسْألُونَكَ و: "كأنَّكَ حَفِيٌّ" معترض، وصلتها محذوفةٌ تقديره: خَفِيّ بها. وقال أبُو البقاءِ: في الكلام تَقْدِيمٌ وتأخير، ولا حاجة إلى ذلك، لأنَّ هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل، فإنَّ قوله {كأنَّكَ حَفِيٌّ} حال كما تقدَّم. والثاني: أنَّ "عَنَ" بمعنى الباء كما تكون الباءِ بمعنى عن كقوله: {أية : فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً}تفسير : [الفرقان: 59] {أية : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ}تفسير : [الفرقان: 25]؛ لأن حَفِيَ لا يتعدَّى بـ "عن" بل بالباء كقوله: {أية : كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47] أو يُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ "عن" أي كأنك كاشف بحفاوتك عنها. والحَفِيُّ: المستقصي عن الشَّيء، المهتبلُ به، المعني بأمره؛ قال: [الطويل] شعر : 2644- سُؤالَ حَفِيٍّ عَنْ أخِيهِ كأنَّهُ بِذكْرتِهِ وسْنَانُ أوْ مُتواسِنُ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2645 - فَلَمَّا التَقَيْنَا بيَّن السَّيْفُ بَيْنَنَا لِسائِلَةٍ عنَّا حَفِيٍّ سُؤالُهَا تفسير : وقال الأعشى: [الطويل] شعر : 2646 - فَإنْ تَسْألِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سائلٍ حَفِيٍّ عن الأعْشَى بِهِ حَيْثُ أصْعَدَا تفسير : والإحْفَاءُ: الاستقصاء؛ ومنه إحفاء الشَّوارب، والحافي؛ لأنَّهُ حَفِيَتْ قدمُه في استقصاء السَّيْر. قال الزمخشريُّ: وهذا التركيب يفيدُ المُبالغةَ. قال أبو عبيدة: وهو من قولهم: تحفى بالمسألةِ أي: استَقْصَى، والمعنى: فإنَّكَ أكثرت السُّؤال عنها وبالغت في طلب علمها، وقيل الحفاوةُ: البرُّ واللُّطْفُ. قال ابن الأعْرابِي: يقال حفي بي حَفَاوةً وتحفَّى بي تَحَفِّياً. والتَّحفي: الكلام واللِّقاء الحسن، قال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47] أي بارًّا لطيفاً يجيب دعائي. ومعنى الآية على هذا: [يسألونك] كأنَّك بارٌّ بهم لطيف العشرة معهم، قاله الحسنُ وقتادةُ والسُّديُّ ويؤيدُهُ ما روي في تفسيره: إنَّ قريشاً قالوا لمُحمَّدٍ - عليه الصَّلاة والسَّلام -: إنَّ بَيْنَنَا وبينك قرابة فاذكر لنا متى السَّاعة؟ فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف: 187] أي: كأنك صديق لهم بارّ، بمعنى أنك لا تكون حفياً بهم ما دَامُوا على كفرهم. وقرأ عبدُ الله حَفِيٌّ بها وهي تَدُلُّ لمن ادَّعَى أنَّ "عَنْ" بمعنى الباء، وحَفِيٌّ فعيل بمعنى: مفعول أي: مَحْفُوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل، أي كأنَّك مبالغٌ في السؤال عنها ومتطلع إلى علم مجيئها. قوله: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ}. اعلم أن قوله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} سؤال عن وقت قيام السَّاعةِ. وقوله ثانياً: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} سؤالُ عن كيفيَّةِ ثقل السَّاعة وشدتها فلم يلزم التكرار، وأجاب عن الأوَّلِ بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} وأجاب عن الثَّانِي بقوله: {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} والفرق بين الصورتين: أن السؤال الأول كان واقعاً عن وقت السَّاعة. والسؤال الثَّاني كان واقعاً عن مقدار شدتها ومهابتها. وأعظم أسماء اللَّهِ مهابة وعظمة هو قولنا: الله. فأجاب عند السُّؤالِ عند مقدار شدَّةِ القيامة بالاسم الدَّالِّ على غاية المهابة، وهو قولنا: اللَّهُ، ثم ختم الآية بقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أن القيامة حقٌّ؛ لأنَّ أكثر الخلقِ ينكرون المعاد. وقيل: لا يَعْلَمُونَ بأنِّي أخبرتك بأنَّ وقت قيام السَّاعةِ لا يعلمها إلاَّ اللَّهُ. وقيل: لا يَعْلَمُون السَّبَبَ الذي لأجله أخفيت معرفة وقتها المعين عن الخَلْقِ. قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} الآية. وجه تعلُّق هذه الآية بما قبلها: أنَّهم لمَّا سألوه عن علم السَّاعةِ فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} أي أنا لا أدري عِلْمَ الغيب، ولا أملك لنفْسِي نفعاً، ولا ضرّاً إنْ أنا إلاَّ نذير، ونظيره قوله في سورة يونس: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [يونس: 48،49]. قال ابنُ عبَّاسٍ: إنَّ أهل مكة قالوا: يا مُحمَّدُ ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري به، ونربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تجدب، فنرحل عنها إلى ما قد أخْصَبَتْ؛ فأنزل اللَّهُ هذه الآية. وقيل: لمَّا رجع عليه الصَّلاة والسَّلام من غزوة بني المصطلق جاءتْ ريح في الطَّريق ففرت الدوابُّ فأخبر عليه الصلاة والسلام بموت رفاعة بالمدينة، وكان فيه غيظ للمنافقين، وقال انظروا أين ناقتي؟ فقال عبدُ الله بن أبي: ألا تعجبون من هذا الرَّجل يخبر عن موت رجل بالمدينة، ولا يعرف أين ناقته! فقال - عليه الصلاة والسلام - إنَّ ناساً من المُنافقينَ قالوا كيت وكيت، وناقتي في هذا الشعب قد تعلَّق زمامها بشجرةٍ، فوجدوها على ما قال؛ فأنزل الله عز وجل {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}. قوله: "لِنَفْسِي" فيه وجهان: أحدهما: أنَّها متعلقة بـ "أمْلِكُ". والثاني: أنَّها متعلقةٌ بمحذوف على أنَّها حالٌ من نَفْعاً؛ لأنه في الأصْلِ صفةٌ له لو تأخر، ويجوزُ أن يكون لِنَفْسِي معمولاً بـ "نَفْعاً" واللاَّم زائدةٌ في المفعول به تقويةً للعامل؛ لأنَّهُ فرع إذ التَّقديرُ: لا أملك أن أنفع نفسي ولا أن أضُرَّهَا، وهو وجهٌ حسنٌ. قوله {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} في هذا الاستثناء وجهان: أظهرهما: أنَّهُ متَّصلٌ، أي إلاَّ ما شاء الله تمكيني منه فإني أملكه. والثاني: أنَّهُ منفصل - وبه قال ابنُ عطيَّة -، وسبقة إليه مكيٌّ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك. فصل دلَّت هذه الآيةُ على مسألة خلق الأعمالِ؛ لأنَّ الإيمانَ نفع والكفر ضرٌّ؛ فوجب أن لا يحصلان إلاَّ بمشيئةِ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان فخالق تلك الدَّاعية الجازمةِ يكونُ مريداً للكفر، فعلى جميع التقديرات: لا يملكُ العبدُ لنفسه نفعاً، ولا ضرّاً إلا ما شاء اللَّهُ. أجاب القاضي عنه بوجوه: أحدها: أن ظاهر الآية، وإن كان عاماً بحب اللَّفْظِ إلاّ أنَّا ذكرنا أنَّ سبب النُّزُولِ قولُ الكُفَّارِ: "يا مُحمَّدُ ألا يخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو" فيُحمل اللفظُ العام على سبب نزوله، فيكُونُ المرادُ بالنفع: تملك الأموال وغيرها، والمراد بالضرّ وقت القحط وغيره. وثانيها: أنَّ المُرادَ بالنَّفْعِ والضر ما يتَّصلُ بعلم الغيبِ لقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} [الأعراف: 188]. وثالثها: أن التقدير: لا أملكُ لنفسي من النَّفع والضر إلاَّ قدر ما شاء اللَّهُ أن يقدرني عليه ويمكنني فيه، وهذه الوجوه كُلُّهَا عدول عن الظَّاهر، فلا يُصار إليها مع قيام البُرهانِ القاطع العقلي على أن الحق ليس إلاَّ ما دل عليه ظاهر الآية. فصل احتج الرَّسولُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - على عدم علمه بالغيب بقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} واختلفوا في المراد بهذا الخيرِ وقوله {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوءُ} قال ابنُ جريجٍ: قل لا أملك لنفسي نفعاً، ولا ضرًّا من الهدى والضلالة، ولو كنت أعلمُ متى أموت لاستكثرت من الخير، أي: من العمل الصَّالح وما مَسَّنِيَ السُّوءُ، واجتنبت ما يكون من الشَّر واتَّقَيْتُهُ. وقيل: لو كنت أعلم الغيب أي: متى تقوم السَّاعةُ لأخبرتكم حتَّى تُؤمنُوا وما مَسَّني السُّوءُ بتكذيبكم. وقيل: ما مسني السُّوء ابتداء يريد: وما مسَّنيَ الجنونُ؛ لأنَّهُم كانوا ينسبونه إلى الجُنُونِ، وقال ابنُ زيدٍ: المرادُ بالسُّوءِ: الضرُّ، والفقرُ، والجوعُ. قوله {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} عطف على جواب "لو" وجاء هنا على أحسن الاستعمال من حيث أثبت اللاَّم في جواب "لَوْ" المثبت، وإن كان يجوزُ غيره، كما تقدَّم، وحذفَ اللاَّم من المنفيّ، لأنه يمتنع ذلك فيه. وقال أبُو حيَّان: ولم تصحب "مَا" النَّافية - أي: اللام - وإن كان الفصيحُ إلاَّ تصحبها، كقوله: {أية : وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ}تفسير : [فاطر: 14]. وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أنَّ جوابها المنفيَّ لا يجوز دخولُ اللاَّم عليه. قوله: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} نذير لمن لا يُصدق بما جئت به، وبشير بالجنَّةِ لقوم يصدقون. وذكر إحدى الطائفتين؛ لأنَّ ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى، كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81]. وقد يقال: إنه كان نذيراً وبشيراً للكل إلاَّ أنَّ المنتفع بالنذارة والبشارة هم المؤمنون كما تقدَّم في قوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2]. واللاَّمُ في قوله [القوم] من باب التَّنازُعِ، فعند البصريين تتعلقُ بـ "بَشِير" لأنه الثَّاني، وعند الكوفيين بالأول لسبقه. ويجوز أن يكون المتعلَّق بالنذارة محذوفاً، أي: نذير للكافرين ودلَّ عليه ذكرُ مقابله كما تقدم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: قال حمل بن أبي قشير، وسمول بن زيد، لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول، فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي} إلى قوله {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {يسألونك عن الساعة أيان مرساها} أي متى قيامتها {قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} قال: قالت قريش: يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة. قال: {يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله} قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "حديث : تهج الساعة بالناس: والرجل يسقي على ماشيته، والرجل يصلح حوضه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه، والرجل يقيم سلعته في السوق، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أيان مرساها} قال: منتهاها. وأخرج أحمد عن حذيفة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال {علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو} ولكن أخبركم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجا. قالوا: يا رسول الله الفتنة قد عرفناها الهرج ما هو؟ قال: بلسان الحبشة القتل ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة وأنا شاهد فقال "لا يعلمها إلا الله ولا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم بمشاريطها ما بين يديها من الفتن والهرج. فقال رجل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: بلسان الحبشة القتل، وأن تجف قلوب الناس، ويلقي بينهم التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً، ويرفع ذو الحجا ويبقى رجراجة من الناس، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً" . تفسير : وأخرج مسلم وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر "حديث : تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض يوم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الشعبي قال: لقي عيسى جبريل فقال: السلام عليك يا روح الله. قال: وعليك يا روح الله. قال: يا جبريل متى الساعة؟ فانتفض جبريل في أجنحته، ثم قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة، أو قال {لا يجليها لوقتها إلا هو} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {لا يجليها لوقتها إلا هو} يقول: لا يأتي بها إلا الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ثقلت في السماوات والأرض} قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ثقلت في السماوات والأرض} قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض إنهم لا يعلمون، وقال الحسن، إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كبرت عليهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {ثقلت في السماوات والأرض} قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكوّرت الشمس، وسيرت الجبال، وما يصيب الأرض، وكان ما قال الله، فذلك ثقلها بهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {لا تأتيكم إلا بغتة} قال: فجأة آمنين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه فلا يلوكها ولا يسيغها ولا يلفظها، وعلى رجلين قد نشرا بينهما ثوباً يتبايعانه فلا يطويانه ولا يتبايعانه ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لا تقوم الساعة حتى ينادي مناد: يا أيها الناس أتتكم الساعة ثلاثاً. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في قوله {لا يجليها لوقتها إلا هو} يقول: لا يرسلها لوقتها إلا هو {ثقلت في السماوات والأرض} يقول: خفيت في السموات والأرض، فلم يعلم قيامها متى تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل {لا تأتيكم إلا بغتة} قال: تبغتهم تأتيهم على غفلة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {كأنك حفي عنها} قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله {كأنك حفي عنها} قال أحدهما: عالم بها، وقال الآخر: يجب أن يسأل عنها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {كأنك حفي عنها} قال: استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله {كأنك حفي عنها} قال أحدهما: عالم بها، وقال الآخر: يجب أن يسأل عنها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {يسألونك كأنك حفي عنها} يقول: كأنك عالم بها أي لست تعلمها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {كأنك حفي عنها} قال: لطيف بها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس {يسألونك كأنك حفي عنها} يقول: كان بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم، قال ابن عباس: لما سأل الناس محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده استأثر بعلمها، فلم يطلع عليها ملكاً ولا رسولاً. وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك {يسألونك كأنك حفي عنها} قال: كأنك حفي بهم حين يأتونك يسألونك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يسألونك كأنك حفي} بسؤالهم قال: كأنك تحب أن يسألوك عنها. وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال: كان ابن عباس يقرأ "كأنك حفيء بها". وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {يسألونك كأنك حفي عنها} قال: كأنك يعجبك أن يسألوك عنها لنخبرك بها فأخفاها منه فلم يخبره، فقال {أية : فيم أنت من ذكراها} تفسير : [النازعات : 43] وقال {أية : أكاد أخفيها} تفسير : [طه: 15] وقراءة أُبي {أكاد أخفيها من نفسي} . وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله {يسألونك كأنك حفي عنها} .
التستري
تفسير : وقوله: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ}[187] يعني لا يجلي نفس الطبع من الهوى إلى طاعته، إلاَّ هو. هذا باطن الآية. قوله: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}[187] أي عالم بوقتها.
القشيري
تفسير : السائلُ عن الساعةِ رجلان؛ مُنْكِرٌ يتعجَّبُ لفَرْطِ جهله، وعارِفٌ مشتاقٌ يستعجل لِفَرْطِ شوقه، والمتحقق بوجوده ساكِنٌ في حاله؛ فسيان عنده قيام القيامة ودوام السلامة. ويقال الحق - سبحانه - استأثر بعلم الساعة؛ فلم يُطلِعْ على وقتها نَبيَّا ولا صفيَّا، فالإيمان بها غيبيٌّ، ويقين أهل التوحيد صادق عن شوائب الرِّيب. ثم مُعَجَّل قيامتهم يُوجِبُ الإيمانَ بمؤجَّلها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يسألونك عن الساعة} اى عن القيامة وهى من الاسماء الغالبة فيها كالنجم فىالثريا وسميت القيامة ساعة لوقوعها بغتة او لكون الحساب الواقع فيها يتم وينقضى فى ساعة يسيرة لانه تعالى لا يشغله شأن عن شأن او لانها على طولها عند الله تعالى كساعة من الساعات عند الخلق واصلها ساعة قيام الناس من الاجداث فلما غلبت تعينت فاستغنت عن الاضافة - روى - ان قوما من اليهود قالوا يا محمد اخبرنا متى الساعة ان كنت نبيا فانا نعلم متى هى وكان ذلك امتحانا منهم مع علمهم انه تعالى قد استأثر بعلمها فنزلت {ايان مرسيها} ايان ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام محله الرفع على انه خبر مقدم ومرساها مبتدأ مؤخر اى متى ارساؤها اى اثباتها وتقريرها فانه مصدر ميمى من ارساه اذا اثبته واقره ولا يكاد يستعمل الا فى الشيء الثقيل كما فى قوله تعالى {أية : والجبال أرساها} تفسير : [النازعات: 32]. ولما كان اثقل الاشياء على الخلق هو الساعة سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالارساء ومحل الجملة النصب بنزع الخافض فانها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط كأنه قيل يسألونك عن الساعة عن ايان مرسيها {قل انما علمها} لم يقل انما علم وقت ارسائها لان المقصد الاصلى من السؤال نفسها باعتبار حلولها فى وقتها المعين لا وقتها باعتبار كونه محلالها ولذلك اضاف العلم المطلوب بالسؤال الى ضميرها {عند ربى} خاصة قد استأثر به لم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا {لا يجليها} اى لا يظهر امرها من التجلية وهو اظهار الشيء والتجلى ظهوره {لوقتها} اى قى وقتها فاللام للتأقيت كاللام فى قوله {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس} تفسير : [الإسراء: 78]. {الا هو} والمعنى انه تعالى يخفيها على غيره اخفاء مستمرا الى قوت وقوعها لا يظهرها الا فى ذلك الوقت الذى وقعت فيه بغتة بنفس الوقوع لا بالاخبار عنها لكون اخفائها ادعى الى الطاعة وازجر عن المعصية كاخفاء الاجل الخاص الذى هو وقت الموت كتم الله تعالى وقت قيام الساعة عن الخلق ليصير المكلف مسارعا الى التوبة والطاعة فى جميع الاوقات فانه لو علم وقت قيام الساعة لتقاصر الخلق عنها واخروها. وكذلك اخفى ليلة القدر ليجتهد المكلف فى العبادة فى ليالى الشهر كلها واخفى ساعة الاجابة من يوم الجمعة ليكون المكلف مجدا فى الدعاء فى جميع ساعاته {ثقلت فى السموات والارض} اى كبرت وشقت على اهلها من الملائكة والثقلين كل منهم اهمه خفاؤها وخروجها عن دائرة العقول. وقيل عظمت على اهلها خوفا من شدائدها وما فيها من الاهوال ومن جملة اهوالها فناء من فى السموات والارض وهلاكهم وذلك ثقيل على القلوب {لا تأتيكم الا بغتة} الا فجأة على غفلة فتقوم والرجل يسقى ماشيته والرجل يصلح حوضه والرجل يقوم سلعته فى سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه والرجل يهوى لقمة فى فمه فما يدرك ان يضعها فى فمه {يسألونك كأنك حفى عنها} اى عالم بها من حفى عن الشيء اذا بالغ فى السؤال عنه ومن استقصى فى تعلم الشيء وبالغ فى السؤال عنه لزمه ان يستحكم علمه به ويعلمه باقصى ما يمكن ويكون ماهرا فى العلم فلذلك كنى بقوله تعالى {كانك حفى عنها} عن كونه عليه السلام عالما باقصى ما يمكن والتعدية بعن مع كونه بمعنى العالم وهو يتعدى بالباء لكونه متضمنا لمعنى بليغ فى السؤال عنها حتى احكمت علمها والجملة التشبيهية فى محل النصب على انها حال من الكاف اى يسألونك مشبها حالك عندهم بحال من هو حفى عنها اى مبالغ فى العلم بها {قل انما علمها عند الله} الفائدة فى اعادته رد المعلومات كلها الى الله تعالى فيكون التكرار على وجه التأكيد والتمهيد للتعريض بجهلهم بقوله {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرونها رأسا وبعضهم يعلمون انها واقعة البتة ويزعمون انك واقف على وقت وقوعها فيسألونك جهلا وبعضهم يدعون ان العلم بذلك من مواجب الرسالة فيتخذون السؤال عنها ذريعة الى القدح فى رسالتك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إنما سميت القيامة ساعة: لسرعة حسابها، أو وقوعها، لقوله: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } تفسير : [النّحل:77]. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يسألونك} أي: قريش، {عن الساعة} أي: قيام الناس من قبورهم للحساب، {أيَّان مُرسَاها} أي: متى إرساؤها، أي: ثبوتها ووقوعها؟ {قل إنما علمها عند ربي}؛ استأثر بعلمها، لم يطلع عليها ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلاً {لا يُجلِّيها لوقتها} أي: لا يُظهرها عند وقت وقوعها، {إلا هو}، والمعنى إن إخفاءها يستمر إلى وقت وقوعها، {ثَقُلَت في السماوات والأرض}؛ عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها. أو ثَقُلَت على السماوات والأرض أنفسهما؛ لتبدلهما وتغير حالهما، {لا تأتيكم إلا بغتةً}: فجأة على غفلة، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ الساعَة تَهِيجُ بالنَّاسِ، والرَّجُلُ يُصلِحُ حَوضَهُ، والرَّجُلُ يَسقِي مَاشِيتَهُ، والرَّجلُ يُقَوَّم سِلعَته في سُوقِه، والرَّجُل يَخفِضُ مِيزَانَهُ ويرفعه "تفسير : . والمراد: النفخ في الصور للصعق، لأن الساعة مُرَتَّبة عليه وقريبة منه. {يسألونك كأنك حَفِيٌّ عنها} أي: عالم بها، من حفى على الشيء: إذا سأل عنه، فإنَّ من بالغ في السؤال عن الشيء، والبحث عنه، استحكم علمه فيه، أي: يسألونك عن وقت قيامها، كأنك بليغ في السؤال عنها فعلمتها، وليس كما يزعمون، وأما قوله: {أية : فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَآ } تفسير : [النَّازعَات:43]: فقيل: معناه: التعجب عن كثرة اهتمامه بالسؤال، أي: في أي شغل أنت من ذكراها والسؤال عنها؟ ولا يُعارض ما هنا؛ لأنه استغنى عن ذلك بتلك الآية، وبعدها نزلت هذه، والله أعلم. وقيل: "عنها ": يتعلق بـ {يسألونك}، أي: يسألونك عنها كأنك حفي بهم، أي: شفيق بهم، قيل: إن قريشًا قالوا: إنَّ بيننا وبينك قرابة، فقل لنا: متى الساعة؟ فقال له الحق تعالى: {قل إنما علمها عند الله}؛ لا يعلمها غيره، وكرره؛ لتكرر "يسألونك". {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن علمها عند الله لم يؤته أحدًا من خلقه. الإشارة: إذا أشرق نور اليقين في القلب صارت الأمور المستقبلة حاصلة، والغائبة حاضرة، والآجلة عاجلة، فأهل اليقين الكبير قدّموا ما كان آتيًا، فحاسبوا أنفسهم قبل أن يُحاسبوا، ووزنوا أعمالهم قبل أن تُوزن عليهم، وجازوا الصراط بسلوكهم المنهاج المستقيم، ودخلوا جنة المعارف قبل حصول جنة الزخارف، فالموت في حقهم إنما هو انتقال من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، ومن دار الغرور إلى دار الهناء والسرور. وفي الحِكم: "لو أشرق لك نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب إليك من أن ترحل إليها، ولرأيت محاسن الدنيا قد ظهرت كسفة الفَنَاء عليها". قال الشيخ ابن عباد رضي الله عنه: نور اليقين تتراءىء به حقائق الأمور على ما هي عليه، فيحق به الحق، ويبطل به الباطل، والآخرة حق، والدنيا باطل، فإذا أشرق نور اليقين في قلب العبد أبصر به الآخرة التي كانت غائبة عنه حاضرة لديه، حتى كأنها لم تزل، فكانت أقرب إليه من أن يرتحل إليها، فحق بذلك حقها عنده، وأبصر الدنيا الحاضرة لديه، قد انكسف نورها وأسرع إليها الفناء والذهاب، فغابت عن نظره بعد أن كانت حاضرة، فظهر له بطلانها، حتى كأنها لم تكن، فيوجب له هذا النظر اليقيني الزهادة في الدنيا والتجافي في زهرتها، والإقبال على الآخرة، والتهيؤ لنزول حضرتها، ووجدان العبد لهذا هو علامة انشراح صدره بذلك النور. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ النورَ إذا دَخَلَ القلبَ انشرحَ له الصَّدرُ وانفسَحَ"تفسير : ،وقِيلَ يا رَسُولَ اللهِ: هَل لذلكَ مِن عَلامَةٍ يُعرَفُ بِها؟ قال: "حديث : نعَمَ. التَّجَافي عَن دَارِ الغُرُورِ، والإنَابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، والاستِعدَادُ للمَوتِ قَبل نُزُولهِ " تفسير : . أو كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وعند ذلك تموت شهواته وتذهب دواعي نفسه، فلا تأمره بسوء، ولا تطالبه بارتكاب منهي، ولا تكون لهم همة إلا المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة لاغتنام الساعات والأوقات، وذلك لاستشعاره حلول الأجل، وفوات صالح العمل، وإلى هذا الإشارة بحديثي حارثة ومعاذ ـ رضي الله عنهما ـ. رَوى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ استقبله شابٌ من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : كَيْفَ أصبحَتَ يا حارثةٌ؟" تفسير : قال: أصبحت مؤمنًا بالله حقًا، قال: "حديث : انظر ما تقول، فإن لكلِّ قَولٍ حقيقة؟" تفسير : فقال: يا رسولَ الله عَزَفت نَفسِي عن الدنيا فأسهَرْتُ لَيلي وأظمَأتُ نهاري، وكأني بعَرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهلِ الجنّةِ يَتَزَاوَرُون فيها، وكأني أنظرُ إلى أهل النار يتعاوون فيها، فقال: "حديث : أبصَرتَ فالزَم، عَبدٌ نور اللهُ الإيمانَ في قلبه.." تفسير : إلى آخر الحديث. وروى أنس رضي الله عنه أيضًا: أن معاذَ بن جبل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال له: "حديث : كيف أصبحتَ يا معاذ؟" تفسير : فقال: أصبحتُ بالله مؤمنًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنَّ لكل قول مصداقًا، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟" تفسير : فقال: يا نبيَّ اللهِ، ما أصبحتُ صباحًا قط إلا ظننتُ أني لا أُمسي، ولا أمسَيتُ قط إلا ظننت إني لا أُصبِح، ولا خَطَوتُ خطوةً قط إلا ظننتُ أني لا أُتبِعُها أُخرَى، وكأني أنظرُ إلى كل أمةٍ جاثية تُدعى إلى كتابها، معها نبيُها وأوثَانُها التي كانت تعبدُ من دون اللهِ، وكأني أنظرُ إلى عُقُوبَةِ أهلِ النَّارِ وثوابِ أهلِ الجنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عَرَفَت فالزَم" تفسير : . انظر بقية كلامه رضي الله عنه. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاعتراف بالتقصير عن علم الغيب، الذي اختص الله به؛ كعلم الساعة وغيرها، فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً}.
الطوسي
تفسير : {أيان} معناه متى، وهي سؤال عن الزمان على وجه الظرف. أخبر الله تعالى ان الكفار يسألون النبي صلى الله عليه وآله عن الساعة، وهي القيامة {أيان مرساها} أي وقت قيامها وثباتها. ومعنى {أيان} متى قال الراجز: شعر : ايان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنججها إبانا تفسير : و {مرساها} في موضع رفع بالابتداء، يقال: رسى يرسوا إذا ثبت فهو راس وجبال راسيات ثابتات، وارساها الله اي ثبتها. وقيل معنى {مرساها} الوقت الذي يموت فيه جميع الخلق، ومعنى سؤالهم عنها اي متى وقوعها وكونها. فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يجيبهم ويقول لهم {علمها عند الله} لم يطلع عليها احداً كما قال {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : وقوله تعالى {لا يجليها لوقتها إلا هو} اي لا يظهرها في وقتها إلا الله. وقوله تعالى {ثقلت في السماوات والأرض} قيل في معناه قولان: احدهما - ثقل علمها على السماوات والأرض ذهب اليه السدي وغيره. الثاني - ثقل وقوعها على اهل السموات والأرض - ذكره ابن جريج وغيره -. ثم اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بكيفية وقوعها فقال {لا تأتيكم إلا بغتة} يعني فجأة. وقوله {يسألونك كأنك حفي عنها} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ان معناه وتقديره حفي عنها يسألونك عن الساعة ووقتها كأنك عالم بها وقيل: معناه كأنك فرح بسؤالهم عنها. وقيل: معناه كأنك اكثرت السؤال عنها ذكره مجاهد. يقال حفيف بفلان في المسألة إذا سألته سؤالا أظهرت فيه المحبة والبر، قال الشاعر: شعر : سؤال حفي عن أخيه كأنه بذكرته وسنان او متواسن تفسير : ويقال: احفى فلان بفلان في المسألة إذا اكثر عليه. ويقال: حفيت الدابة تحفى حفاً مقصوراً إذا اكثر عليها الم المشي، والحفاء - ممدوداً - المشي بغير نعل. ثم امر الله نبيه ان يقول {إنما علمها عند الله} اي لا يعلمها إلا الله. وقوله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} معناه اكثر الناس لا يعلمون ان ذلك لا يعلمه إلا الله، ويظنون انه قد يعلمه الأنبياء وغيرهم من خلقه. وقال الجبائي معناه {لكن أكثر الناس لا يعلمون} لم اخفى الله تعالى علم ذلك على التعيين على الخلق. والوجه فيه انه ازجر لهم عن معاصيه لانهم إذا جوزوا في كل وقت قيام الساعة وزوال التكليف كان ذلك صارفاً لهم عن فعل القبيح خوفاً من فوات وقت التوبة. وقوله في اول الآية {قل إنما علمها عند ربي} يعني علم وقت قيامها. وقوله في آخرها {قل إنما علمها عند الله} معناه علم كيفيتها وشرح هيئتها وتفصيل ما فيها لا يعلمه إلا الله، فلا تكون تكراراً لغير فائدة. وقال قتادة الذين سألوا عن ذلك قريش. وقال ابن عباس: هم قوم من اليهود وقال الفراء: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها يسألونك عنها كأنك حفي بهم. قال الجبائي وفي الاية دليل على بطلان قول الرافضة من أن الأئمة معصومون منصوص عليهم واحداً بعد الآخر إلى يوم القيامة، لأن على هذا لا بد أن يعلم آخر الأئمة أن القيامة تقوم بعده ويزول التكليف عن الخلق، وذلك خلاف قوله {قل إنما علمها عند الله}. وهذا الذي ذكره باطل لأنه لا يمتنع أن يكون آخر الائمة يعلم أنه لا إمام بعده وإن لم يعلم متى تقوم الساعة، لانه لا يعلم متى يموت، فهو يجوز أن يكون موته عند قيام الساعة إذا أردنا بذلك انه وقت فناء الخلق. وإن قلنا إن الساعة عبارة عن وقت قيام الناس في الحشر فقد زالت الشبهة، لأنه إذا علم أنه يفنى الخلق بعده لا يعلم متى يحشر الخلق. على انه قد روي أن بعد موت آخر الأئمة يزول التكليف لظهور اشراط الساعة وتواتر إماراتها نحو طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك، ومع ذلك فلا يعلم وقت قيام الساعة، ولهذا قال الحسن وجماعة من المفسرين: بادروا بالتوبة قبل ظهور الست: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة، وغير ذلك مما قدمناه فعلى هذا سقط السؤال.
الجنابذي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} قد فسّر السّاعة فى رواياتنا بالقيامة وبظهور القائم عجّل الله فرجه وبوقت الموت والكلّ فى العالم الصّغير راجع الى معنىً واحد وهو اوّل وقت الموت، فانّه من مات قامت قيامته ويظهر القائم من آل محمّد (ص) حين الموت على المؤمن والكافر وكذا فى العالم الكبير، فانّ الانسان بعد طىّ البرازخ سعيداً كان او شقيّاً تقوم قيامته الكبرى وله اماتة اخرى ويظهر القائم حينئذٍ ظهوراً اتمّ من الظّهور الاوّل ويحاسب النّاس ويدخل اهل الجنّة فى الجنّة واهل النّار فى النّار، وقوله تعالى: {أية : أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} تفسير : [غافر:11]؛ اشارة الى هاتين الاماتتين وهذين الاحيائين ولذا قدّم امّتنا والسّاعة بكلا معنييه من الامور الّتى لم يطلع الله عليها احداً من ملائكته المقرّبين وانبيائه المرسلين (ع) واوليائه الكمّلين، فلا يعلمها الاّ الله ويقدّم منها ما يشاء ويؤخّر فمن ادّعى علمها فهو كذّاب وقد ورد لعن الله الموقّتين، بل التّحقيق انّ السّاعة خارجة من الوقت واقعة فوق الوقت ليس لها وقت زمانىّ بل هى من الملكوت والزّمان من الملك وتحديد الملكوت بالملك من غاية الجهل ولذا نسب الله تعالى الى عدم العلم والجهل من سأل عنها {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} وقوعها سؤال عن توقيت السّاعة {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} لانّه استأثره لنفسه {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ} لا يظهرها فى وقتها {إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لانّ صغريها وكبريها ترفع الحدود والتّعيّنات وتميت الانّيّات وتظهر الحقّ وتبيد الباطل وليست السّماوات والارض وأهلهما الاّ التّعيّنات والانّيّات الباطلة ولا ثقل اثقل ممّا يرفع الشّيء ولا يبقى له اثراً {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} من غير تقدّم اثر وعلامة {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} يعنى يلحّون فى السّؤال عنك كأنّك ملحّ علينا فى السّؤال عنها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} تأكيد فى الرّدّ عليهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} انّها ممّا ليس يبذلها الله لغيره وانّها فوق الوقت لا يمكن توقيتها بوقتٍ.
اطفيش
تفسير : {يسْألونَكَ عنِ السَّاعةِ} أى وقت موت الخليقة كلها، وهو اسم مغلب على ذلك الوقت، وسمى ساعة لوقوعه بغتة، والعرب تمثل فى لأمر السريع بالساعة، أو لسرعة حسابه فينقضى فى ساعة، أو لأنه على طوله كساعة عند الله، أو للتضاد بأنه طويل سمى باسم القصير، كما قد يسمى السماء أرضا، والطويل قصيرا، وما ذكرته من سرعة الحساب والطول إنما هو بالنظر إلى ما بعد الموت من البعث، والساعة تطلق على وقت موت الخليقة، وعلى وقت البعث، وعلى وقت الموت إلى ما لا ينتهى، وقيل: إلى دخول أهل الجنة و النار إياهما، وكذلك يوم القيامة إطلاقا أو خلافا. {أيَّانَ} نونه أصل لا زائد، وقرأ أو أبو عبد الرحمن السلمى بكسر الهمزة أى متى {مُرْسَاها} أى إرساءها، أو زمان إرسائها، كما تقول: متى يوم الجمعة، والإرساء إثبات الجسم الثقيل، والرسوُّ ثبوته، واستعمل الإرساء فى الساعة تشبيها لها بالجسم الثقيل، ولا اشتقاق ولا أخذ لأيَّان، ولا لأى من شئ، وقال ابن جنى: أيَّان مشتق من أى، وأى مشتق من أوى إليه أى انضم، وأراد بالاشتقاق الاشتقاق الكبير أو الأخذ وإلا فالاشتقاق فى غير المتصرف يأباه الأكثرون، نعم أى متصرف وقد اختلف: هل الاشتقاق من الفعل أو المصدر؟ وعليه فالنون زائد، ولم يقل مشتق من أين، لأن أين للمكان، وقيل: أصل أيَّان أى آن، ومرساها مبتدأ أو أيَّان متعلق بمحذوف خبر، وقال المبرد: مرساها فاعل لمحذوف أى يجئ أو يحضر وأيَّان متعلق بالمحذوف. روى عن ابن عباس: أن جبل بن أبى قشير، وسمويل بن زيد اليهوديين قالا: إن كنت نبيا فأخبرنا متى الساعة فإنا نعلم متى هى، فإن صدقت آمنا بك؟ فنزلت الآية كلها فى ذلك، وكذبهم فى ادعاء علمها بقوله: {قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ ربِّى} لا يعلم وقتها ملك مقرب، ولا نبى مرسل، وهو جواب مفصح عن رسالته صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت مبهمة أيضا فى كتابهم، لا يعلم أحد وقتها، وحكمة إخفائها أن يكون المكلف على شفقة منها، فيستعد لها، وضربت لها علامات تدل على قربها، فيشتد استعداد من حضر تلك العلامات من الموفقين، ومن علاماتها: أن تلد الأمة ربَّتها، أى يكثر التسرى، فإن بنت الأمة المتسراة سيدة لها، مالكة لها بموت أبيها فتعتق عنها، أو يكثر حتى إنها لتلد بنتا ستملكها إذا افترقتا، بأن لا تعلم أنها أمها أو غير ذلك، وقال قتادة بن دعامة: سألته قريش وقالوا: إنا قرابتك فأخبرنا عنها وهو قول الحسن: {لا يُجلِّيها} لا يظهرها بإحضارها {لوقْتِها} هى لام التوقيت، واختار بعض أن يكون المعنى عند وقتها أو فى وقتها، ونقول لا يخرج ذلك عن معنى لام التوقيت، وعلى كل فليس فى الآية ظرفية الشئ لنفسه، بأن نعتبر أن المراد لا يجلى أمرها، أو نعتبر عموم وقتها وسعته حتى يكون ذلك من ظرفية الجزء فى الكل، فالساعة وقت موت الناس، والوقت هو هذا الوقت وما بعده. {إلاَّ هُوَ} أو لا يخبر بوقتها إلا الله لو لم يسبق علمه أنه يخفيها، وتشديد يجلى للمبالغة، وهى راجعة إلى النفى أى ننفى انتفاء بليغا أن يظهرها غير الله، فهى خفية عن كل أحد حتى يحضرها، أو غير راجعة إلى النفى، فيكون المعنى إن إظهارها أمر عظيم لا يفعله إلا ربى {ثَقُلتْ فى السَّماواتِ والأرْضِ} ثقل أمرها أى اشتد على أهل السماوات والأرض، لعظم هولها وخفائها، والفناء ثقيل فى القلوب، وإذا كانت هكذا فليستعدوا لها، ففى ذلك إشارة إلى حكمة إخفائها، والآية مثل قولك: خيف العدو فى ثغر وشقة، تريد خيف على من فيه، أو خافه من فيه، كذا يظهر وهو قول الحسن، وقال السدى، ومعمر عن بعضهم: ثقل أن تعلم ويوقف على حقيقة وقتها، أى امتنع ذلك فعبر عن الامتناع بالثقل، لأن الثقيل متعاص، وقال قتادة وابن جريج: ثقلت على السماوات والأرض لتفطر السماوات، وتبدل الأرض، ولنسف الجبال، ولا مانع من أن يقال: المراد مجموع هذا القول والأول. {لا تَأتيكُم إلا بغْتةً} فجأة حال مبالغة أو مؤول بباغتة إذا أتى بغتة، أو مفعول مطلق أى الإتيان بغتة بالإضافة، وفى الحديث: "تقوم وقد نشر الرجلان الثوب للبيع فلا يباع ولا يشترى ولا يطوى، وقد انصرف الرجل بلبن لقحته، أى ناقته القريبة العهد بانتاج، بفتح اللام وكسرها، فلا يطعمه، والرجل يلوط حوضه أو قال: بليطوها لغتان، أى يصلحه لتشرب دوابه فلا تشرب، والرجل يسقى ماشيته فما يتم سقيها، والرجل يقوم سلعته فى سوقه، وروى يقم والمعنى على هذه الرواية يصلحها بنقض الغبرة أو بغيره، والرجل يخفض ميزانه فما يرفعه يخفضه، والرجل قد رفع أكلته إلى فيه بضم الهمزة أى لقمته فما تصل فاه". {يَسْألونَكَ} عنها {كأنَّك حَفىٌّ} مستقص وباحث جدا {عَنْها} بالسؤال، فعنها متعلق بحفى، ومتعلق بيسألونك مقدر كما رأيت يقال: حفى عن الشئ أى سأل عنه سؤالا بليغا يستحكم علمه فيه، وقيل: متعلق بمحذوف أى حفى بالسؤال عنها، أى مستقص به لحبك أن يسألونك عنها، أو أن تسأل عنه غيرك، مع أنك تكره ذلك لاستئثار الله سبحانه بها، وقيل: متعلق بحفى على أن عن بمعنى الباء، أى كأنك عالم بها علما بليغا إطلاقا للسبب، والملزوم وهو السؤال البليغ على اللازم، والمسبب وهو العلم وقد قرأ ابن مسعود: كأنك حفى بها، لكن تحتمل قراءته كون الباء بمعنى عن أى سائل جدا عنها، ونسب أبو حاتم هذه القراءة لابن عباس، وقيل: عن متعلق بيسألونك، ومتعلق حفى محذوف، أى يسألونك عنها كأنك حفى بها، أى عليم، وقيل: حفى من الحفاوة وهي الشفقة، فعن متعلق بيسألونك، ومتعلق حفى محذوف أيضا، أى رحيم بهم بحيث تخصهم بالإخبار بها مع أنك لو علمت بها وكنت تخبر لأخبرت القاصى والدانى سواء، وهذا أنسب بقول قريش: إنا قرابتك فأخبرنا بها، وإنما كرر ذكر السؤال للمبالغة، وليزيد فى الثانى كأنك حفى عنها، وقيل: لأن الأول عن وقت قيامها، والثانى عن حالها انتهى بتصرف. {قُلْ إنَّما عِلْمها عِندَ الله} كرر لتكرير ذكر السؤال وللمبالغة، وقيل: لأن العلم الأول علم وقت قيامها، والثانى علم حالها وشدائدها، ولذا عبر فيه بلفظ الجلالة لأنه أعظم الأسماء {ولكِنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلَمُونَ} أن علمها مختص بالله سبحانه، قاله الطبرى، وهو أولى من قول بعضهم: لا يعلمون الحكمة فى إخفائها، إذ لا دليل على هذا.
الالوسي
تفسير : ثم لما تقدم ذكر اقتراب أجلهم عقبه سبحانه بذكر سؤالهم عن الساعة فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} وقيل هو استئناف مسوق لبيان بعض طغيانهم وضلالهم، والساعة في الأصل اسم لمقدار قليل من الزمان غير معين، وهي عند المنجمين جزء من أربعة وعشرين جزءاً من الليل والنهار، وتنقسم إلى معوجة ومستوية، وتطلق في عرف الشرع على يوم موت الخلق وعلى يوم قيام الناس لرب العالمين، وفسروها بيوم القيامة، ولعل المراد منه أحد ذينك اليومين وإن كان المشهور فيه اليوم الآخر، والظاهر أن المسؤول عنه اليوم الأول وإليه ذهب الزجاج، والساعة في ذلك من الأسماء الغالبة، ووجه إطلاقها عليه وكذا على وقت القيام ظاهر / إن أريد زمان الموت أو زمان القيام بدون ملاحظة الامتداد لظهور أنه قدر يسير في نفسه، وإن أريد الزمان الممتد فإطلاقها عليه إما لمجيئه بغتة كما قيل، أو لأنه يدهش من يأتيهم فيقل عندهم أو يقلل ما قبله، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله تعالى، أو لسرعة حسابه، وجوز أن يكون تسميته بذلك من باب التسمية بالضد تمليحاً كما يسمى الأسود كافوراً، والسائل عن ذلك أناس من اليهود، فقد أخرج ابن إسحق وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال: حمل بن أبـي قشير وسمول بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فإنا نعلم متى هي؟ وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أنه تعالى قد استأثر بعلمها فأنزل الله تعالى الآية. وذهب بعض إلى أن السائل قريش، فقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أن قريشاً قالوا: يا محمد أسر إلينا متى الساعة لما بيننا وبينك من القرابة؟ فنزلت. وقوله سبحانه: {أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا} بفتح همزة أيان. وقرأ السلمي بكسرها وهو لغة فيها، وهي ظرف زمان متضمن لمعنى الاستفهام ويليها المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف متى حيث يليها كلاهما، والتحقيق أنها بسيطة مرتجلة، وقيل: اشتقاقها من أي وهي فعلان منه لأن معناه أي وقت وأي فعل، وأي من أويت بمعنى رجعت لأن باب طويت وشويت أضعاف باب حييت ووعيت ولقربه منه معنى لأن البعض آو إلى الكل ومستند إليه. وأصله على هذا أوي فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء فصار أيا وإنما لم تجعل أيان فعلالا من أين لأنها ظرف زمان وأين ظرف مكان، ومن الناس من زعم أن أصلها أي أوان أو أي آن وليس بشيء. وتعقب في «الكشف» حديث الاشتقاق من أي بأنه مخالف لما ذكره الزمخشري في سورة النمل ولو سمي به لكان فعالاً من آن يئين ولا تصرف، ثم قال: والوجه ما ذكره هناك لأن الاشتقاق في غير المتصرفة لا وجه له. ثم إنه ليس اشتقاقه من أي أولى من اشتقاقه من الأين بمعنى الحينونة لأن أيان زمان وكأنه غره الاستفهام وليس بشيء لأنه بالتضمين كما في متى ونحوه؛ وكذلك اشتقاق أي من أويت لا وجه له إلا أن الأظهر أنه يجوز الصرف وعدمه كما في حمار قبان ا هـ. وأجيب بأن ما ذكر أمر قدروه للامتحان وليعلم حكمها إذا سمي بها فلا ينافي ما ذكره الزمخشري وكذا لا ينافي التحقيق فتأمل، وأياً ما كان فهي في محل الرفع على أنها خبر مقدم و{مُرْسَـٰهَا} مبتدأ مؤخر؛ وهو مصدر ميمي من أرساه إذا أثبته وأقره أي متى إثباتها وتقريرها، ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 32] ومنه مرساة السفن، ونسبته هنا إلى الساعة باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام. وجوز بعضهم أن يكون اسم زمان، ولا يرد عليه أنه يلزم أن يكون للزمان زمان، وفي جوازه خلاف الفلاسفة لأنه يؤول بمتى وقوع ذلك، والجملة قيل في محل النصب على المفعولية به لقول محذوف وقع حالاً من ضمير {يَسْأَلُونَكَ} أي يسألونك قائلين أيان مرساها، وقيل في محل الجر على البدلية عن الساعة. والتحقيق عند بعض جلة المحققين أن محلها النصب بنزع الخافض لأنها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط، وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولاً وبوقت وقوعها ثانياً تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها باعتبار حلولها في وقتها المعين [لا وقتها] باعتبار كونه محلاً لها، وما في الجواب أعني قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} مخرج على ذلك أيضاً أي إن علمها بالاعتبار المذكور عنده سبحانه لا غير فلا حاجة / إلى أن يقال: إنما علم وقت إرسائها عنده عز وجل، وبعضهم حيث غفل عن النكتة المشار إليها حمل النظم الجليل على حذف المضاف، وإليه يشير كلام أبـي البقاء، ومعنى كون ذلك عنده عز وجل خاصة أنه استأثر به حيث لم يخبر أحداً به من ملك مقرب أو نبي مرسل، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم قيل للإيذان بأن توفيقه عليه الصلاة والسلام للجواب على الوجه المذكور من باب التربية والإرشاد وهو أولى مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى. وقوله سبحانه: {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ} بيان لاستمرار خفائها إلى حين قيامها واقناط كلي عن إظهار أمرها بطريق الأخبار والتجلية الكشف والإظهار، واللام لام التوقيت واختلف فيها فقيل هي بمعنى في، وقال ابن جني: بمعنى عند، وقال الرضيّ: هي اللام المفيدة للاختصاص، وهو على ثلاثة أضرب إما أن يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه ككتب لغرة كذا أو لوقوعه بعده نحو لخمس خلون أو قبله نحو لليلة بقيت، ومع الإطلاق يكون الاختصاص لوقوعه فيه وإلا فحسب القرينة، وفسرها هنا غير واحد بفي. والمعنى لا يكشف عنها ولا يظهر للناس أمرها الذي تسألون عنه إلا الرب سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين فيتوسط في إظهاره لهم لكن لا بأن لا يخبرهم بوقتها كما هو المسؤول بل بأن يقيمها فيعلموها على أتم وجه، والجار والمجرور متعلق بالتجلية وهو قيد لها بعد ورود الاستثناء كأنه قيل: لا يجليها إلا هو في وقتها إلا أنه قدم للتنبيه من أول الأمر على أن تجليها ليس بطريق الإخبار بوقتها بل بإظهار عينها في وقتها الذي يسألون عنه. وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ} استئناف كما قبله مقرر لما سبق، والمراد كبرت وعظمت على أهلهما حيث لم يعملوا وقت وقوعها. وعن السدي أن من خفي عليه علم شيء كان ثقيلاً عليه، وعن قتادة أن المعنى عظمت على أهل السماوات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها، وفي رواية أخرى عنه أن المراد ثقل علمها عليهم فلا يعلمونها، ويرجع إلى ما ذكر أولاً، وقيل: المعنى ثقلت عند الوقوع على نفس السماوات حتى انشقت وانتثرت نجومها وكورت شمسها وعلى نفس الأرض حتى سيرت جبالها وسجرت بحارها وكان ما كان فيها، وإلى ذلك يشير ما روي عن ابن جريج وعليه فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، وكلمة في على سائر الأوجه استعارة منبهة على تمكن الفعل كما لا يخفى {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي إلا فجأة على حين غفلة، أخرج الشيخان عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر رجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» تفسير : . { يَسْأَلُونَكَ} أي عالم بها كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما أخرجه عنه ابن المنذر وغيره فحفي فعيل من حفي عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله، وذكر بعضهم أن الحفاوة في الأصل الاستقصاء في الأمر للاعتناء به قال الأعشى:شعر : فإن تسألوا عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا تفسير : ومنه احفاء الشارب، وتطلق أيضاً على البر واللطف كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } تفسير : [مريم: 47]، والمعنى المراد هنا متفرع على المعنى الأول لأن من بحث عن شيء وسأل عنه استحكم علمه به فاريد به لازم معناه مجازاً أو كناية / وعدى الوصف بعن اعتباراً لأصل معناه وهو السؤال والبحث، وقيل: لأنه ضمن معنى الكشف ولولا ذلك لعدي بالباء، وجوز أبو البقاء أن تكون عن بمعنى الباء، وروي عن الحبر وابن مسعود أنهما قرآ بها. والجملة التشبيهية في محل نصب على أنها حال من مفعول {يَسْأَلُونَكَ} أي مشبهاً حالك عندهم بحال من هو حفي، وقيل: إن {عَنْهَا} متعلق بيسألونك، والجملة التشبيهية معترضة وصلة {حَفِيٌّ} محذوفة أي بها أو بهم بناء على ما قيل: إن حفي من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشاً قالوا له عليه الصلاة والسلام: إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة؟ وروي ذلك عن قتادة وترجمان القرآن أيضاً، والمعنى عليه أنهم يظنون أن عندك علمها لكن تكتمه فلشفقتك عليهم طلبوا منك أن تخصهم به وتعلق عن على هذا الوجه بمحذوف كتخبرهم وتكشف لهم عنها بعيد، وقيل: هو من حفي بالشيء إذا فرح به، وروي ذلك عن مجاهد والضحاك وغيرهما، والمعنى كأنك فرح بالسؤال عنها تحبه، وعن على هذا متعلقة ـ بحفي ـ كما قيل: لتضمنه معنى السؤال، والكلام على ما قال شيخ الإسلام استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه عليه الصلاة والسلام عالم بالمسؤول عنه أو أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة إثر بيان خطئهم في أصل السؤال بإعلام بيان المسؤول عنه، وفي «الانتصاف» في توجيه تكرير {يَسْأَلُونَكَ} ((أن المعهود في أمثال ذلك أن الكلام إذا بني على مقصد واعترض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتمة المقصد الأول وقد بعد عهده طري ذكره لتتصل النهاية بالبداية، وهنا لما ابتدأ الكلام بقوله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـٰهَا } ثم اعترض ذكر الجواب بقل إلى {بَغْتَةً} أريد تتمة سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم وهو المضمن في قوله سبحانه: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده فطري ذكره ليليه تمامه، ولا تراه أبداً يطرى إلا بنوع من الإجمال، ومن ثم لم يذكر المسؤول عنه وهو الساعة اكتفاء بما تقدم)). ثم لما كرر جل وعلا السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضاً مجملاً فقال عز من قائل: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} ومنه يعلم وجه ذكر الاسم الجليل هنا، وذكر المحقق الأول أنه عليه الصلاة والسلام أمر باعادة الجواب الأول تأكيداً للحكم وتقريراً له وإشعاراً بعلته على الطريق البرهانية بإيراد اسم الذات المنبىء عن استتباعها لصفات الكمال التي من جملتها العلم وتمهيداً للتعريض بجهلهم بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وزعم الجبائي أن السؤال الأول كان عن وقت قيام الساعة وهذا السؤال كان عن كيفيتها وتفصيل ما فيها من الشدائد والأحوال قيل: ولذلك خص جوابه باسم الذات إذ هو أعظم الأسماء مهابة، وإلى ذلك ذهب النيسابوري ونقل عن الإمام وغيره، ولا أرى لهم مسنداً في ذلك، ومفعول العلم على ما يشير إليه كلام بعضهم محذوف أي لا يعلمون ما ذكر من اختصاص علمها به تعالى فبعضهم ينكرها رأساً فلا يسأل عنها إلا متلاعباً، وبعضهم يعلم أنها واقعة البتة ويزعم أنك واقف على وقت وقوعها فيسأل جهلاً، وبعضهم يزعم أن العلم بذلك من مقتضيات الرسالة فيتخذ السؤال ذريعة إلى القدح فيها، والواقف على جلية الحال ويسأل امتحانا ملحق بالجاهلين لعدم عمله بعلمه. هذا، وإنما أخفى سبحانه أمر الساعة لاقتضاء الحكم التشريعية ذلك فإنه أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أن إخفاء الأجل الخاص للإنسان كذلك، ولو قيل بأن الحكمة التكوينية تقتضي ذلك أيضاً لم يبعد، وظاهر الآيات أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم وقت قيامها. نعم علم عليه الصلاة والسلام قربها على الإجمال وأخبر صلى الله عليه وسلم به. فقد أخرج الترمذي وصححه / عن أنس مرفوعاً «حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى» تفسير : وفي «الصحيحين» عن ابن عمر مرفوعاً أيضاً «حديث : إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى غروب الشمس» تفسير : وجاء في غير ما أثر أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وأنه عليه الصلاة والسلام بعث في أواخر الألف السادسة ومعظم الملة في الألف السابعة. وأخرج الجلال السيوطي عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة وذكر أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة ولا تبلغ الزيادة عليها خمسمائة سنة، واستدل على ذلك بأخبار وآثار ذكرها في رسالته المسماة ـ «بالكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف» ـ وسمى بعضهم لذلك هذه الألف الثانية بالمخضرمة لأن نصفها دنيا ونصفها الآخر أخرى، وإذا لم يظهر المهدي على رأس المائة التي نحن فيها بنهدم جميع ما بناه كما لا يخفى على من راجعه، وكأني بك تراه منهدماً، ونقل السفاريني عن الفلاسفة أنهم زعموا أن تدبير العالم الذي نحن فيه للسنبلة فإذا تم دورها وقع الفساد والدثور في العالم فإذا عاد الأمر إلى الميزان تجتمع المواد ويقدر النشور عوداً، وقال البكري: إن سلطان الحمل عندهم اثنا عشر ألف سنة وسلطان الثور دونه بألف وهكذا ينقص ألف ألف إلى الحوت فيكون سلطانه ألف سنة ومجموع ذلك ثمانية وسبعون ألف سنة فإذا كملت انقضى عالم الكون والفساد، ونقل ذلك عن هرمس وادعى أنه قال: إنه لم يكن في حكم الحمل والثور والجوزاء على الأرض حيوان فلما كان حكم السرطان تكونت دواب الماء وهو أم الأرض ولما كان حكم الاسد تكونت الدواب ذوات الأربع ولما كان حكم السنبلة تولد الإنسانان الأولان آدم نوس وحوا نوس؛ وزعم بعضهم أن مدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك، والكوكب منها يقطع البرج بزعمه في ثلاثة آلاف سنة فذلك ست وثلاثون ألف سنة انتهى. ولا يخفى على من اطلع على «كتب الأرصاد والزيجات» أن الأدوار عندهم ثلاثة أكبر وأوسط وأصغر ويسمونها التسييرات، وهي على السوية في جميع البروج فالدور الأكبر ما يكون فيه قطع كل درجة بمائة سنة والأوسط ما يكون فيه قطع كل درجة بعشر سنين والأصغر ما يكون فيه قطع كل درجة بسنة، وعدنهم دور أعظم ويسمونه أيضاً التسيير الأعظم وهو ما يكون فيه قطع كل درجة بألف سنة والتسيير اليوم في الميزان وقد مضى منه أربع درجات وست وخمسون دقيقة وإحدى وثلاثون ثانية واثنتا عشرة ثالثة، وإذا اعتبرت مدة ذلك من نقطة رأس الحمل إلى هنا بلغت مائة ألف سنة وأربعاً وثمانين ألف سنة وتسعمائة وثلاثاً وأربعين سنة، وأن مدة حركة الثوابت على ما نقل عن بطليموس في كل برج ألفان ومائة واثنتان وستون سنة وثمانية أشهر وستة عشر يوماً وتسع عشرة ساعة، وإذا ضرب ذلك في اثني عشر عدّة البروح خرج مدة قطعها الفلك كله وهو أقل مما ذكره بكثير، ولعل المراد بدور البرج ما أريد بسلطانه من حكم تأثيره والتأثر العادي على ما يفهم من بعض كتب القوم بحكم الأصالة للبرج وهو الذي يفيض على الكوكب النازل فيه، وكل ذلك مما لم ينزل الله تعالى به سلطاناً، والحق الذي لا ينبغي المحيص عنه القول بحدوث العالم حدوثاً زمانياً ولا يعلم أوله إلا الله تعالى، وكذلك عمر الدنيا وأول النشأة الإنسانية ومدة بقائها في هذا العالم وقدر زمان لبثها في البرزخ كل ذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، وجميع ما ورد في هذا الباب أمور ظنية لا سند يعول عليه لأكثرها، ووراء هذا أقوال لأهل الصين وغيرهم هي أدهى وأمر مما تقدم، وبالجملة الباقي من عمر الدنيا عند من يقول بفنائها أقل قليل بالنسبة إلى الماضي من ذلك والله تعالى أعلم بحقيقة ما هنالك.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي يذكر به شيء من ضلالهم ومحاولة تعجيزهم النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين وقت الساعة. ومناسبة هذا الاستئناف هي التعرض لتوقع اقتراب أجلهم في قوله: {أية : وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلُهم}تفسير : [الأعراف: 185] سواء أفسر الأجل بأجل إذهاب أهل الشرك من العرب في الدنيا، وهو الاستئصال، أم فسر بأجلهم وأجل بقية الناس وهو قيام الساعة، فإن الكلام على الساعة مناسبة لكلا الأجلين. وقد عرف من شنشنة المشركين إنكارهم، البعثَ وتهكمهم بالرسول عليه الصلاة والسلام من أجل إخباره عن البعث {أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مُزقتم كل مُمزقٍ إنكم لفي خلقٍ جديدٍ أفترى على الله كذباً أم به جنةٌ}تفسير : [سبأ: 7، 8]، وقد جعلوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة ووقتها تعجيزاً له، لتوهمهم أنه لما أخبرهم بأمرها فهو يدعي العلم بوقتها {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يومٍ لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون}تفسير : [سبأ: 29، 30]. فالسائلون هم المشركون، وروي ذلك عن قتادة، والضمير يعود إلى الذين كذبوا بآياتنا، وقد حكي عنهم مثل هذا السؤال في مواضع من القرآن، كقوله تعالى في سورة النازعات (42) {أية : يسألونك عن الساعة أيّانَ مرساها} تفسير : ــــ وقوله ــــ {أية : عم يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون}تفسير : [النبأ: 1 ـــ 3] يعني البعثَ والساعة، ومن المفسرين من قال: المعني بالسائلين اليهود أرادوا امتحان رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن الساعة، وهذا لا يكون سبب نزول الآية، لأن هذه السورة مكية، قيل كلها، وقيل إن آيتين منها نزلتا بالمدينة، ولم يعُدوا هذه الآية، فيما اختُلف في مكان نزوله والسور التي حكي فيها مثل هذا السؤال مكية أيضاً نازلة قبل هذه السورة. والساعة معرّفةً باللام علم بالغلبة في اصطلاح القرآن على وقت فناء هذا العالم الدنيوي والدخول في العالم الأخروي، وتسمى: يومَ البعث، ويومَ القيامة. و{أيّان} اسم يدل على السؤال عن الزمان وهو جامد غير متصرف مركب من (أي) الاستفهامية و(آنَ) وهو الوقت، ثم خففت (أي) وقلبت همزة (آن) ياء ليتأتى الإدغام، فصارت (أيّان) بمعنى أي زمان، ويتعين الزمان المسؤول عنه بما بعد (أيان)، ولذلك يتعين أن يكون اسمَ معنى لا اسمَ ذات، إذ لا يخبر بالزمان عن الذات، وأما استعمالها اسم شرط لعموم الأزمنة فذلك بالنقل من الاستفهام إلى الشرط كما نقلت (متى) من الاستفهام إلى الشرطية، وهي توسيعات في اللغة تَصيرُ معاني متجددة، وقد ذكروا في اشتقاق (أيان) احتمالات يرجعون بها إلى معاني أفعال، وكلها غير مرضية، وما ارتأيناه هنا أحسن منها. فقوله: {أيان} خبر مقدم لصدارة الاستفهام، و{مرساها} مبتدأ مؤخر، وهو في الأصل مضاف إليه آن إذ الأصل أي (آن) آن مُرسى الساعة. وجملة: {أيان مُرساها} في موضع نصب بقول محذوف دل عليه فعل {يسألونك} والتقدير: يقولون أيان مرساها، وهو حكاية لقولهم بالمعنى، ولذلك كانت الجملة في معنى البدل عن جملة: {يسألونك عن الساعة}. والمُرْسَى مصدر ميمي من الإرساء وهو الإقرار يقال رَسَا الجبل ثُبت، وأرساه أثبته وأقره، والإرساء الاستقرار بعد السير كما قال الأخطل:شعر : وقال رَائدُهم أرْسُوا نزاوِلُها تفسير : ومرسى السفينة استقرارها بعد المخر قال تعالى: {أية : بسم الله مجراها ومرساها}تفسير : [هود: 41]، وقد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع تشبيهاً لوقوع الأمر الذي كان مترقباً أو متردد فيه بوصول السائر في البر أو البحر إلى المكان الذي يريده. وقد أمر الله رسوله بجوابهم جواب جد وإغضاء عن سوء قصدهم بالسؤال التهكْم، إظهاراً لنفي الوصمة عن وصف النبوءة من جراء عدم العلم بوقت الشاعة، وتعليماً للذين يترقبون أن يحصل من جواب الرسول عن سؤال المشركين علْم للجميع بتعيين وقت الساعة فإذا أمْر الساعة مما تتوجه النفوس إلى تطلبه. فقد ورد في الصحيح أن رجلاً من المسلمين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا رسول الله متى الساعة؟ فقال رسول الله ماذا أعْدَدْتَ لها؟ فقال ما أعددتُ لها كبيرَ عَمل إلاّ أني أحب الله ورسوله فقال أنتَ مع مَن أحببت"تفسير : . وعلْمُ الساعة هو علم تحديد وقتها كما يُنبىء عنه السؤال، وقوله: {لا يُجليها لوقتها إلاّ هو}، فإضافة علم إلى ضمير الساعة على تقدير مضاف بينهما أيْ علْم وقتها، والإضافة من إضافة المصدر إلى مفعوله، وظرفية (عند) مجازية استعملت في تحقيق تعلق علم الله بوقتها. والحصر حقيقي: لأنه الأصل، ولما دل عليه توكيده بعَد في قوله: {قل إنما علمها عند الله}، والقصر الحقيقي يشتمل على معنى الإضافي وزيادة، لأن علم الساعة بالتحديد مقصور على الله تعالى. والتعريف بوصف الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم إيماءٌ إلى الاستدلال على استئثار الله تعالى بعلم وقت الساعة دون الرسول المسؤول ففيه إيماء إلى خطإهم وإلى شبهة خطإهم. و(التجلية) الكشف، والمراد بها ما يشمل الكشف بالإخبار والتعيين، والكشفَ بالإيقاع، وكلاهما منفيُ الإسناد عن غير الله تعالى، فهو الذي يعلم وقْتها، وهو الذي يُظهرها إذا أراد، فإذا أظهرها فقد أجلاها. واللام في قوله: {لوقتها} للتوقيت كالتي في قوله تعالى: {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس}تفسير : [الإسراء: 78]. ومعنى التوقيت، قريب من معنى (عندَ)، والتحقيقُ: أن معناه ناشىء عن معنى لام الاختصاص. ومعنى اللام يناسب أحد معنيي الإجلاء، وهو الإظهار، لأنه الذي إذا حصل تَم كشف أمرها، وتحقق الناسُ أن القادر على إجلائها كان عالماً بوقت حلولها. وفصلت جملة: {لا يجليها لوقتها إلاّ هو} لأنها تتنزل من التي قبلها منزلة التأكيد والتقرير. وقدم المجرور وهو {لوقتها} على فاعل {يجليها} الواقع استثناء مفرغاً للاهتمام به تنبيهاً على أن تجلية أمرها تكون عند وقت حلولها لأنها تأتي بغتة. وجملة: {ثقلت في السماوات والأرض} معترضة لقصد الإفادة بهولها، والإيماء إلى حكمة إخفائها. وفعل {ثقلت} يجوز أن يكون لمجرد الإخبار بشدة، أمرها كقوله: {ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً}. ويجوز أن يكون تعجيباً بصيغة فعُل ــــ بضم العين ــــ فتقدر الضمة ضمة تحويل الفعل للتعجيب، وإن كانت هي ضمة أصلية في الفعل، فيكون من قبيل قوله: {أية : كُبرت كلمة تخرُج من أفواههم}تفسير : [الكهف: 5]. والثقل مستعار للمشقة كما يستعار العظم والكِبَر، لأن شدة وقع الشيء في النفوس ومشقته عليها تخيّل لمن خلت به أنه حامل شيئاً ثقيلاً، ومنه قوله تعالى: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}تفسير : [المزمل: 5] أي شديداً تلقيه وهو القرآن، ووصف الساعة بالثقل باعتبار ما هو مظروف في وقتها من الحوادث، فوصفها بذلك مجاز عقلي، والقرينة واضحة، وهي كون الثقل بمعنى الشدة لا يكون وصفاً للزمان، ولكنه وصف للأحداث، فإذا أسند إلى الزمان، فإسناده إليه إنما هو باعتباره ظرفاً للأحداث، كقوله: {أية : وقالَ هذا يومٌ عَصيبٌ}تفسير : [هود: 77]. وثقل الساعة أي شدتها هو عظم ما يحدث فيها من الحوادث المهولة في السماوات والأرض، من تصادم الكواكب، وانخرَام سيرها، ومن زلازل الأرض وفيضان البراكين، والبحار، وجفاف المياه، ونحو ذلك مما ينشأ عن اختلال النظام الذي مكان عليه سير العالم، وذلك كله يحدث شدة عظيمة على كل ذي إدراك من الموجودات. ومن بديع الإيجاز تعدية فعل {ثَقُلَت} بحرف الظرفية الدال على مكان حلول الفعل، وحذفُ ما حقه أن يتعدى إليه وهو حرف (إلى) الذي يدل على ما يقع عليه الفعل، ليعم كل ما تحويه السماوات والأرض مما يقع عملية عملية الثقل بمعنى الشدة. وجملة: {لا تأتيكم إلاّ بغتة} مستأنفة جاءت تكملة للإخبار عن وقت حلول الساعة، لأن الإتيان بغتة يحقق مضمون الإخبار عن وقتها بأنه غير معلوم إلاّ لله، وبأن الله غيرُ مُظهره لأحد، فدل قوله: {لا تأتيكم إلاّ بغتة} على أن انتفاء إظهار وقتها انتفاءٌ متوغل في نوعه بحيث لا يحصل العلم لأحد بحلولها بالكنه ولا بالإجمال، وأما ما ذكر لها من أمارات في حديث سُؤال جبريل عن أماراتها فلا ينافي إتيانها بغتة، لأن تلك الأمارات ممتدةُ الأزمان بحيث لا يحصل معها تهيؤ للعلم بحلولها. و«البغتة» مصدر على زنة المرّة من البغْت وهو المفاجأة أي الحصول بدون تهيؤ له، وقد مضى القول فيها عند قوله تعالى: {أية : حتى إذا جاءتهم الساعة بغتةً} تفسير : في سورة الأنعام (31). وجملة: {يسألونك كأنك حفي عنها} مؤكدة لجملة: {يسألونك عن الساعة} ومبينة لكيفية سؤالهم فلذيْنك فُصلت. وحذف متعلق السؤال لعلمه من الجملة الأولى. و{حَفي} فعيل فيجوز أن يكون بمعنى فاعل مشتقاً من حَفي به، مثل غَنيِ فهو غَني إذا أكثر السؤال عن حاله تلطفاً، ويكون المعنى كأنك أكثرتَ السؤال عن وقتها حتى علمته، فيكون وصف حَفي كناية عن العالم بالشيء، لأن كثرة السؤال تقتضي حصول العلم بالمسؤول عنه، وبهذا المعنى فسر في «الكشاف» فهو من الكناية بالسؤال عن طلب العلم، لأن السؤال سبب العلم، كقول السموْأل أوْ عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو غيرهما:شعر : سَلي إنَ جهلت الناسَ عنا وعنهم فليسَ سواءً عَالم وجَهُول تفسير : وقول عامر بن الطُفيل:شعر : طُلْقت إنَ لم تسألي أي فارس حَليلُك إذْ لاقى صُداء وخثْعها تفسير : وقول أُنَيْفٍ بن زَبّانَ النبهاني:شعر : فلما التقيْنا بيْنَ السيفُ بيننا لسائلةٍ عنّا حَفِيٌّ سؤالها تفسير : ويجوز أن يكون مشتقاً من أحفاه إذا ألح عليه في فعل، فيكون فعيلاً بمعنى مُفعل مثل حَكيم، أي كأنك مُلح في السؤال عنها، أي ملح على الله في سؤال تعيين وقت الساعة كقوله تعالى: {أية : إنْ يسألكموها فيُحْفكم تبخلوا}تفسير : [محمد: 37]. وقوله: {كأنك حفي} حال من ضمير المخاطب في قوله: {يسألونك} معترضة بين {يسألونك} ومتعلقه. ويتعلق قوله: {عنها} على الوجهين بكل من {يسألونك} ــــ و{حفيّ} على نحو من التنازع في التعليق. ويجوز أن يكون {حفيّ} مشتقاً من حَفي به، كرضي بمعنى بَالغ في الإكرام، فيكون مستعملاً في صريح معناه، والتقدير: كأنك حفي بهم أي مكرم لهم وملاطف فيكون تهكماً بالمشركين، أي يظهرون لك أنك كذلك ليستنزلوك للخوض معهم في تعيين وقت الساعة، روي عن ابن عباس: كأنك صديق لهم، وقال قتادة: قالت قريش لمحمد: إن بيننا قرابة فأسِرَّ إليْنا متى الساعة فقال الله تعالى: {يسألونك كأنك حَفي عنها} وعلى هذا الوجه يتعلق {عنها} بــــ {يسألونك} وحذف متعلق {حفي} لظهوره. وبهذا تعلم أن تأخير {عنها} للإيفاء بهذه الاعتبارات. وفي الآية إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتعلق همته بتعيين وقت الساعة، إذ لا فائدة له في ذلك، ولأنه لو اهتم بذلك لكان في اهتمامه تطلباً لإبطال الحكمة في إخفائها، وفي هذا إشارة إلى أن انتفاء علمه بوقتها لا ينافي كرامته على الله تعالى بأن الله أعطاه كمالاً نفسياً يصرفه عن تطلب ذلك، ولو تطلبه لأعْلمه الله به، كما صرف موسى عليه السلام عن الاستمرار على كراهة الموت حين حل أجله كيلا ينزع روحه وهو كاره، وهذه سرائر عالية بين الله وبين الصالحين من عباده. وأكدت جملة الجواب الأولى بقوله: {قل إنما علمها عند الله} تأكيداً لمعناها ليعلم أن ذلك الجواب لا يرجى غيره وأن الحصر المشتمل عليه قوله: {إنما علمها عند ربي} حصر حقيقي ثم عطف على جملة الجواب استدراك عن الحصر في قوله: {قل إنما علمها عند الله} تأكيداً لكونه حصراً حقيقياً، وإبطالاً لظن الذين يحسبون أن شأن الرسل أن يكونوا عالمين بكل مجهول، ومن ذلك وقت الساعة بالنسبة إلى أوقاتهم يستطيعون إعلام الناس فيستدلون بعدم علم الساعة على عدم صدق مدعي الرسالة، وهذا الاعتقاد ضلالة ملازمة للعقول الأفنة، فإنها تتوهم الحقائق على غيْر ما هي عليه، وتوقن بما يخيل إليها، وتجعله أصولاً تبني عليها معارفها ومعاملاتها، وتجعلها حَكماً في الأمور إثباتاً ونفياً، وهذا فرط ضلالة، وإنه لَضغْث على إبَالة بتشديد الباء وتخفيفها، وقد حكي التاريخ القديم شاهداً مما قلناه وهو ما جاء في سفر دانيال ــــ من كتب الأنبياء الملحقة بالتوراة أن ــــ (بُخْتَنَصَّر) ملك بابل رأى رؤيا أزعجته وتطلب تعبيرها، فجمع العرافين والمنجمين والسحرة وأمرهم أن يخبروه بصورة ما رآه في حلمه من دون أن يحكيه لهم، فلما أجابوه بأن هذا ليس في طاقة أحد من البشر ولا يطلع على ما في ضمير الملك إلاّ الآلهة، غضب، واغتاظ، وأمر بقتلهم، وأنه أحضر دانيال النبي وكان من جملة أسرى بني إسرائيل في (بابل) وهدده بالقتل إن لم ينبئه بصورة رؤياه، ثم بتعبيرها، وأن دانيال استنظره مدة، وأنه التجأ إلى الله بالدعاء هو وأصحابه (عزريا) و(ميشاييل) و(حننيا) فدعوا الله لينقذ دانيال من القتل، وأن الله أوحى إلى دانيال بصورة ما رءاه الملك فأخبر دانيالُ الملكَ بذلك، ثم عبر له، فنال حظوة لديه انظر الإصحاح الثاني من سفر دانيال.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} الآية. هذه الآية الكريمة تدل على أن وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله جلا وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدل على ذلك أيضاً كقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ} تفسير : [النازعات: 42-44]، وقوله: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59]، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [لقمان: 34] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 187- يسألك اليهود - يا محمد - عن الساعة التى تنتهى فيها هذه الدنيا، فى أى وقت تكون ويستقر العلم بها؟ قل لهم: علم وقتها عند ربى - وحده - لا يظهرها فى وقتها أحد سواه. قد عظم هولها عندما تقع إلى أهل السموات والأرض. يسألونك هذا السؤال، كأنك حريص على العلم بها. فكرر الجواب، فقل لهم مؤكدا: إن علمها عند اللَّه، ولكن أكثر الناس لا يدركون الحقائق التى تغيب عنهم، أو التى تظهر لهم!. 188- قل لهم: لا أملك لنفسى جلب نفع ولا دفع ضر إلا الذى شاء اللَّه من ذلك فيملكنى إياه. ولو كنت أعلم ما غاب عنى كما تظنون، لاستكثرت من كل خير، لعلمى بأسبابه، ولدفعت عن نفسى كل سوء باجتناب موجباته، ما أنا إلا نذير بالعذاب ومبشر بالثواب لقوم يؤمنون بالحق ويذعنون له. 189- هو اللَّه الذى أنشأكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها، واستمرت سلالتهما فى الوجود. وكنتم زوجاً وزوجة، فإذا تغشاها حملت محمولاً خفيفا هو الجنين عند كونه علقة ومضغة، فلما ثقل الحمل فى بطنها دعا الزوج والزوجة ربهما قائلين: واللَّه لئن أعطيتنا ولدا سليما من فساد الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك. 190- فلما أعطاهما ما طلبا جعلا الأصنام شركاء للَّه تعالى فى عطيته الكريمة، وتقربا إليها، كأنهما يشكرانها، واللَّه - وحده - هو المستحق للشكر يتعالى ويتسامى عن أن يكون كشركائهم. 191- هل يصح أن يشركوا مع الله أصناما لا تقدر أن تخلق شيئا من الأشياء وهم مخلوقون للَّه؟!. 192- ولا يقدرون على نصر لمن يعبدونهم، ولا ينصرون أنفسهم إذا تعدى الغير عليهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الساعة: أي الساعة بمعنى الوقت الذي تنتهي فيه الحياة الدنيا بالفناء التام. أيان مرساها: أي متى وقت قيامها. لا يجليها لوقتها: أي لا يظهرها في وقتها المحدد لها إلا هو سبحانه وتعالى. بغتة: أي فجأة بدون توقع أو انتظار. حفي عنها: أي ملحف مبالغ في السؤال عنها حتى أصبحت تعرف وقت مجيئها. الغيب: الغيب ما غاب عن حواسنا وعن عقولنا فلم يدرك بحاسة ولا يعقل. والمراد به هنا ما سيحدث في المستقبل القريب أو البعيد. السوء: كل ما يسوء العبد في روحه أبو بدنه. إن أنا إلا نذير: أي ما أنا إلا نذير وبشير فلست بإله يدبر الأمر ويعلم الغيب. معنى الآيات: لا شك أن أفراداً من قريش أو من غيرهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة متى قيامها فأخبره تعالى بسؤالهم وعلمه الجواب فقال عز وجل وهو يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} أي متى وقت وقعوها وقيامها؟ قل لهم {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} أي علم وقت قيامها عند ربي خاصة {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ} أي لا يظهرها لأول وقتها إلا هو {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ثقل أمر علمها عند أهل السماوات والأرض {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة، ثم قال له يسألونك هؤلاء الجهال عن الساعة {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي كأنك ملحف في السؤال مبالغ في طلب معرفتها حتى عرفتها، قل لهم {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} خاصة، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، ولذا هم يسألونه، إذ إخفاؤه لحكم عالية لو عرفها الناس ما سألوا ولن يسألوا ولكن الجهل هو الذي ورطهم في مثل هذه الأسئلة وهذا ما دلت عليه الآية الأولى [187] أما الآية الثانية [188] فقد أمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك السائلين عن الساعة متى وقت مجيئها {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} خيراً ولا شراً {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} شيئاً من ذلك فإنه يُعينُني على جلبه أو على دفعه فكيف إذاً أعلم وقت مجيء الساعة حتى تسألوني عنها {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} كما تظنون لاستكثرت من الخيرات وما مسني السوء. وذلك أني إذا عرفت متى الخصب ومتى الجدب، ومتى الغلاء ومتى الرخاء يمكنني بسهولة أن استكثر من الخير عند وجوده، وأتوقى الشر وأدفعه قبل حصوله، يا قوم إنما أنا نذير بعواقب الشرك والمعاصي بشير بنتائج الإِيمان والتوحيد والعمل الصالح فلست بإله أعلم الغيب، ووظيفتي هذه صراحة هي البشارة والنذارة ينتفع بها المؤمنون خاصة معنى قوله تعالى {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مرد علم الساعة إلى الله وحده فكل مسؤول عنها غير الله ليس أعلم من السائل. 2- للساعة أشراط بعضها في الكتاب وبعضها في السنة وليس معنى ذلك أنه تحديد لوقتها وإنما هي مقدمات تدل على قربها فقط. 3- استأثر الله بعلم الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله، ومَنْ علَّمه الله شيئاً منه علم كما علم نبيه صلى الله عليه وسلم بعض المغيبات، والمعلم بالشيء لا يقال فيه يعلم الغيب وإنما يقال علَّمه ربه غيب كذا وكذا فعلمه. 4- إذا كان الرسول لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فيكف يطلب منه ذلك وإذ كان الرسول لا يملك فهل من دونه من العباد يملك؟ إذا عرفت هذا ظهر لك ضلال أقوام يدعون الموتى سائلين ضارعين عند قبورهم ويقولون أنهم لا يدعونهم ولكن يتوسلون بهم فقط.
القطان
تفسير : الساعة: القيامة، ايان: متى. مرساها: وقت حصولها. يجلِّيها: يظهرها. بغتة: فجأة. حفيّ عنها: عالم بها، مهتم بالسؤال عنها. بعد أن أرشد اللهُ من كانوا في عصر التنزيل الى النظر والتفكير في اقتارب اجلهم بقوله: {عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} قفّى على ذلك بالإرشاد الى النظر والتفكير في أمر الساعة التي ينتهي بها أجل جميع من على هذه الارض. وقد كانت عقيدة الآخرة والحشْر وما فيها من حساب وجزاء غريبةً عن أهل الجزيرة العربية، وكانوا يعجبون من الحياة بعد الموت، ومن البعث للحساب والجزاء. لذلك كله كان التوكيد في القرآن شديداً على عقدية الآخرة. يسألك مشركو مكة يا محمد عن الساعة والقيامة في اي وقت تكون؟ قل لهم عِلمُ وقتها عند ربي وحده، لا يكشف الخفاء عنها احد سواه، فقد ثَقُلت وعظُم هلوها، وهي لن تأتيكم الا فجأة بلا إشعار ولا انذار. وهم يسألونك هذا، وكأنك عالِم بها حريصٌ مهتم بالسؤال عنها، فكرر عليهم الجواب بأن علمها عند الله، ولكن اكثر الناس لا يدركون الحقائق التي تغيب عنهم. قل لهم أيها الرسول: إني لا أملِك لنفسي جَلْب نفعٍ ولا دفع ضرر الا ما شاء الله ان يقدِّرني عليه. ولو كنت اعلم الغيبَ كما تظنون، لاستكثرت من كلّ خير، ولدفعتُ عن نفسي كل سوء. لكن الحقّ أني لست الا نذيراً للناس أجمعين فالذين يؤمنون ينتفعون بما جئت به، ويذعنون للحق. فالرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل، بشر لا يدّعي الغيب، بل إنه مأمور ان يَكِلَ الغيب الى الله، فذلك من خصائص الألوهية، أما الرسل فهم عباد مكرّمون لا يشاركون الله في صفاته ولا أفعاله، وانما اصطفاهم لتبليغ رسالته لعباده، وجَعَلَهم قدوةً صالحة للناس في العمل لما جاؤا به من هدى وفضيلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} {مُرْسَاهَا} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (187) - كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنِ السَّاعَةِ التِي تَنْتَهِي بِهَا هَذِهِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ اسْتِبْعَاداً لِوُقُوعِهَا، وَتَكْذِيباً بِوُجُودِهَا، وَيَقُولُونَ: مَتَى يَحِينُ وَقْتُ رُسُوِّهَا وَاسْتِقْرَارِهَا (أَيَّانَ مُرْسَاهَا)؟ وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عِلْمَهَا إلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ يَقُولَ لِهَؤُلاَءِ السَّائِلِينَ عَنْهَا إِنَّ عِلْمَهَا عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الذِي يُظْهِرُ أَمْرَهَا، وَلاَ يَعْلَمُ أحَدٌ وَقْتَهَا إلاَّ هُوَ. وَحِينَ يَحِينُ وَقْتُهَا فَإنَّ هَوْلَها يَثْقُلُ عَلَى أهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وَلاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ إلاَّ وَيُصِيبُهُ ضَرَرٌ مِنْهَا. وَلاَ تَأتِي السَّاعَةُ النَّاسَ إلاَّ فَجْأةً، وَعَلَى حِينِ غِرَّةٍ، وَدُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ. وَيَسْألُكَ هَؤُلاَءِ عَنِ السَّاعَةِ كَأنَّكَ حَرِيصٌ عَلَى العِلْمِ بِهَا، أًَوْ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ مُبَالِغٌ فِي سُؤَالِكَ رَبَّكَ عَنْهَا. فَقُلْ لَهُمْ إنَّ اللهَ عِنْدَهُ وَحْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ تِلْكَ الحَقِيقَةَ. حَفِيٌّ عَنِ الأَمْرِ - بَلِيغٌ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ أَوْ عَالِمٌ بِهِ. أَيَّانَ مُرْسَاهَا - مَتَى إثْبَاتُ وُقُوعِهَا. لاَ يُجَلِّيها - لاَ يَكْشِفُها وَيُظْهِرُهَا. ثَقُلَتْ - عَظُمَتْ لِشِدَّتِهَا.
الثعلبي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} قال ابن عباس: قال [وجيل] بن أبي فشير وسمؤال بن زيد: وهما من اليهود: يامحمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فلنعلم متى هي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قتادة: قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم إن بيننا وبينك قرابة فأشر إلينا متى الساعة فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} يعني القيامة {أَيَّانَ} متى، ومنه قول الراجز: شعر : أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها إبانا تفسير : {مُرْسَاهَا} قال ابن عباس: ومنتهاها، وقال قتادة: قيامها. وأصل الكلمة الثبات والحبس {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} استأثر بعلمها {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} لا يجليها لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها، وقال السدي: [لا يرسلها] لوقتها إلاّ هو {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني ثقل علمها على أهل السموات والأرض لخفائها فلا يعرفون مجيئها ووقتها فلم يعلم قيامها مَلَك مقرّب ولا نبي مرسل. وقال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت على السموات والأرض وأهلها وكبرت وعظمت وذلك أنها إذا جاءت انشقت السموات وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال. وليس من الخلق شيء إلاّ ويصيبه ضرر الساعة وثقلها ومشقتها {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} فجأة على غفلة منكم. سعيد عن قتادة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "حديث : إن الساعة تهيج الناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه ". تفسير : وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال جبرئيل: تقوم الساعة عند ثلاث مواطن: إذا كثر القول وقلّ العمل وعند قلّة المواشي حتّى يمضي كل رجل ممّا عنده، وإذا قال الناس من يذكر الله فيها بدعة ". تفسير : {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} قال أهل التفسير في الآية تقديم وتأخير تقديرها. يسألونك عنها كأنّك حفي أي [بار فيهم] صديق لهم قريب، قاله ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد والضحاك: كأنّك عالم بها وقد يوضع عن موضع مع الياء {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} إلى قوله (نفعاً وضراً). فقال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا: يامحمد ألا يخبرك بالسعر الرخيص قبل أن يغلا فتشتريه فتربح فيه، والأرض الذي تريد أن تجذب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت فأنزل الله تعالى {قُل} يامحمد {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي اجتناب نفع ولا دفع {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي أملكه بتمليكه إياي {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} يعني المال وتهيأت لسنة القحط ما يكفيها {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} وما مسّني الله [بسوء]. وقال ابن جريج: {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} يعني الهدى والضلالة ولو كنت أعلم الغيب متى أموت لاستكثرت من الخير من العمل الصالح وما مسّني السوء. قال ابن زيد: فاجتنبت ما يكون من الشر وأتقيه. قال بعض أهل المعاني: (لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من معرفته حتّى لا يخفى عليّ شيء {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} يعني التكذيب. وقال مقاتل: هذا متصل بالكلام الأول معناه: لا أقدر أن [أسوق] لنفسي خيراً أو أدفع عنها شراً حتّى ينزل بي فكيف أعلم وأملك علم الساعة؟ وتمام الكلام قوله: لاستكثرت من الخير، ثم ابتدأ فقال: (وما مسّني السوء) [يعني الجنون]. وقيل يعني لم يلحقني تكذيب {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يصدقون.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والمسئول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسائل إما هم اليهود الذين سألوه عن الساعة، وعن الروح، وعن ذي القرنين، فكان الجواب منه مطابقاً لما عندهم في التوارة لأنهم ظنوا أن الكلام الذي يقوله محمد إنما يأتي منه جزافاً بدون ضابط وليس من رب يُنْزلُه. فلما أجاب بما عندهم في التوراة، علموا أنه لا يقول الكلام من عنده، ولذلك سألوه أيضاً عن أهل الكهف وما حدث لهم، وكانوا جماعة في الزمن الماضي، واتفقوا معه على كل شيء حدث لأهل الكهف إلا على الزمن فنزل القرآن يحدد هذا الزمن بقوله سبحانه: {أية : وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} تفسير : [الكهف: 25] فقال اليهود: الثلاثمائة سنة نعرفها، أما التسعة فلا نعرفها، وما علموا أن الحق سبحانه وتعالى يؤرخ لتاريخ الكون بأدق حسابات الكون لأن ربنا هو القائل: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ...} تفسير : [التوبة: 36] إذن التوقيتات كلها حسب التوقيت العربي، ونعلم أن الذين يريدون أن يحكموا التاريخ حكماً دقيقاً فهم يؤرخون له بالهلال، والمثال أن كل عَالَم البحار تكون الحسابات المائية فيها كلها بالهلال، لأنه أدق، وأيضاً فالهلال آية تعلمنا متى يبدأ الشهر، ولا نعرف من الشمس متى يبدأ الشهر؛ لأن الشمس دلالة يومية تدل على النهار والليل، بينما القمر دلالة شهرية، ومجموع الاثنى عشر هو الدلالة السنوية. لكنهم لم يفطنوا إلى هذه، وأخذوا على الثلاثمائة سنة بالحساب الشمسي، وأضاف الحق: {وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً} لأنك إن حسبت الثلاثمائة سنة الشمسية بحساب السنة القمرية تزداد تسع سنين. ومادة السؤال في القرآن ظاهرة صحية في الإيمان؛ لأن الإيمان إنما جاء ليحكم حركة الحياة بـ "افعل" و"لا تفعل"، وساعة يقول الشرع: افعل، ففي ظاهر هذا الفعل مشقة، وساعة يقول: لا تفعل ففي ظاهر هذا الطلب أنه سهل ومرغوب، والمنع عنه يناقض شهوات النفس. وللتأكد من أن الأسئلة ظاهره صحية من المؤمنين نجد أسئلة كثيرة موجهة لرسول الله من أمته، حكاها القرآن بصور متعددة، ورد السؤال مرة بفعل مضارع مثل قوله: {ويَسْأَلُونَكَ}؛ ومرة ورد بصورة فعل ماض "وإذا سألك". وكثيراً ما جاء السؤال بهيئة المضارع {يَسْأَلُونَكَ}، لأن المضارع يكون للحال وللاستقبال. وجاءت الأسئلة بالقرآن في صيغة المضارع خمس عشرة مرة، وجاءت بصيغة الماضي مرة واحدة. وإن نظرت إلى الخمس عشرة مرة تجد كل مرة مِنْها جاءت لتبين حكماً. وإذا نظرنا إلى مادة الفعل "يسأل" في القرآن وبترتيب المصحف، نجد القرآن يقول: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ...} تفسير : [البقرة: 189] ويقول سبحانه: {أية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...} تفسير : [البقرة: 215] ويقول الحق تبارك وتعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ...} تفسير : [البقرة: 217] ويقول سبحانه وتعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ...} تفسير : [البقرة: 219] ومرة أخرى يقول في ذات الآية السابقة: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ...} ويقول سبحانه وتعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ...} تفسير : [البقرة: 220] ويقول عز وجل: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ...} تفسير : [البقرة: 222] ويقول الحق تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ} وبعد ذلك في سورة الأعراف يقول: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي...} [الأعراف: 187] وأيضاً يقول سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا...} [الأعراف: 187] ثم يقول الحق: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ...} تفسير : [الأنفال: 1] ويقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي...} تفسير : [الإسراء: 85] ويقول المولى سبحانه: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً} تفسير : [الكهف: 83] ويقول الحق: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} تفسير : [طه: 105] ويختم هذه الأسئلة بقوله: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا} تفسير : [النازعات: 42-43] تلك هي خمس عشرة آية جاء فيها الحق بقوله {يَسْأَلُونَكَ}، وآية واحدة يقول فيها الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ...} تفسير : [البقرة: 186] والآيات الخمس عشرة التي جاء فيها الحق بصيغة المضارع {يَسْأَلُونَكَ} نجد كل جواب فيها مُصدرا بـ"قل" وهو أمر للرسول: قل كذا، قل كذا، ولكن في الآية الواحدة التي جاء فيها الفعل الماضي {وَإِذَا سَأَلَكَ}، لم يقل: فقل إني قريب، بل قال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ}، لأن الله يعلم حب محمد لأمته، وحرصه عليهم ولذلك يقول: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3] ويقول سبحانه: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] ولذلك حين علم الحق علم وقوع: أن رسول الله مهتم بأمر أمته ومشغول بها وحريص على أن يشملها الله بمغفرته ورحمته وألا يسؤوه فيها، أخبره المولى عز وجل بأنه سوف يرضيه في أمته. وقد ورد في الحديث ما يؤيد ذلك، فقد روى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم صلى الله عليه وسلم {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقول عيسى صلى الله عليه وسلم: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}فرفع يديه فقال: أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فَسَلْهُ ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " تفسير : وتأكيداً لعلم الحق تبارك وتعالى من حرص رسوله على أمته، أراد أن يكرم هذه الأمة من نوع ما كرّم به الرسول، فجاء الخطاب في آية الدعاء بدون "قل". {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...} تفسير : [البقرة: 186] وأراد الله أن يبين لمحمد ولأمته أن الله يعلم لا بما تسألونه فقط، بل يعلم ما سوف تسألونه عنه. لذلك نجد أربع عشرة آية تأتي فيها {يَسْأَلُونَكَ} وتكون الإجابة "قل"، والآية الخامسة عشرة جاء فيها {يَسْأَلُونَكَ} وكانت الإجابة "فقل" لتدل على "الفاء" على أن السؤال لم يقع بعد، فكأن الفاء دلت على شرط مقدر هو: إن سألوك فقل ينسفها ربي نسفاً، وهنا يقول الحق سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] و"يجٌليها" أي يُظهرها، وهناك ما يسمى "الجلوة" وما يسمى "الخلوة"، و"الجلوة" أن يظهر الإنسان للناس، و"الخلوة" أن يختلي عن الناس، و"لا يجليها" أي لا يظهرها، و"لوقتها" ترى أنها مسبوقة باللام، ويسمونها في اللغة العربية "لام التوقيت"، مثلما يقول الحق سبحانه: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ...} تفسير : [الإسراء: 78] وهي بمعنى "عند"، ومعنى دلوك الشمس، أنها تتجاوز نصف السماء، وتميل إلى المغرب قليلاً. وقوله: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} أي لا يُبَيّنُها عند وقتها إلا هو سبحانه وتعالى. {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} والثقل يعني أن تكون كتلة الشيء أكبر من الطاقة التي تحمله؛ لأن الكتلة إن تساوت مع الطاقة فهي لا تثقل على الحمل. أو أن الطاقة التي تحمل لم تقدر على جاذبية الأرض؛ فيكون الشيء ثقيلاً، وقد يكون هذا الثقل أمْراً ماديا، كما يحمل الإنسان - مثلاً - على ظهره أردباً من القمح فيقدر على حمله، لكنه إن زاده إلى أردب ونصف، فالحمل يكون ثقيلاً على ظهره لأن طاقته لا تتحمل مثل هذا الوزن "فينخ" به. {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} والثقل لا يكون مادياً فقط، بل هو فكري وعقلي أيضاً، مثال ذلك حين يقوم الطالب بحل هندسي أو تمرين في مادة الجبر، فالطالب يشعر أحياناً أن مثل هذا التمرين ثقيل على فكره، وصعب الحل في بعض الأحيان. وقد يكون الأمر ثقيلاً على النفس في ملكاتها، مثل الهم جاثم على الصدر وثقيل عليه، وهو أقسى أنواع الثقل، ولذلك فالشاعر القديم يقول: شعر : ليس بحمل ما أطاق الظهر ما الحمل إلا ما وعاه الصدر تفسير : إذن هناك ثلاثة أثقال: ثقل مادي، وثقل فكري، وثقل نفسي. و {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}، ونحن نعلم أن السموات فيها الملائكة. ونعلم أن الملائكة أيضاً لا تعرف ميعاد الساعة، ولا يحاول معرفتها إلا الإنسان بشهوة الفكر، أما الملائكة فهي ليست مكلفة لأنها لا اختيار لها، وبعضها يخدم البشر، وهم الملائكة الذين سجدوا لآدم وهم الموكلون بمصالحه، وبحياته، وقد رضخوا لأمر الحق بأن هناك سيداً جديداً للكون. فكونوا جميعاً مسخرين في خدمته، وهم الملائكة الحفظة الكرام الكاتبون، ولهم إلف بالخلق، إلف كاره للعاصي، وإلف محب للطائع. ومن يسير على منهج الله من البشر يفرحون به. وإن وقع من الطائع زلة، يأسون له ويتمنون ألا تقع منه زلة أخرى. ومن يسير ضد منهج الله يغضبون منه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه:"حديث : ما من يوم يصبح العياد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفاً " تفسير : ونعلم أن المنفق سيأخذ ثواب إنفاقه، أما الممسك فإن تلف ماله وصبر عليه فهو أيضاً ينال ثواباً عليه. وهكذا تدعو لنا الملائكة. و"ثقلت" هنا تعني أن ميعاد الساعة لا يعرفه إلا ربنا، فلا يعرف ذلك الميعاد من هم في السموات وكذلك من هم في الأرض، وكل من على الأرض خائف مما سوف يحدث لحظة قيام الساعة، وخصوصاً أن المصطفى صلى الله عليه وسلم، يعطي لها صورة توضح قوله الحق: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} ويخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالحالة التي تأتي عليها فيقول: "حديث : إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " تفسير : ومثل هذه التوقعات تخيف. وقوله الحق: {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي أن الواقع في هذا اليوم يكون فوق احتمال البشر وهو يأتي بغتة، أي يجيء من غير استعداد نفسي لاستقباله. ويتابع سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} وحفيَ من الحفاوة، والحفيّ هو المُلِحُّ في طلب الأشياء، مثل التلميذ الذي يتوقف عند درس لا يفهمه، فيسأل هذا، وذاك إلى أن يجد إجابة. والحفى بالسؤال عن أمر يحاول أن يصل إليه، والحفى أيضاً عالم بما يسأل عنه، وسبب العلم أنه ألحّ في السؤال عليها. والأمور التي يعالجها الإنسان إما أن يعالجها وهو مستقر في مكانه كالأمور الفكرية أو العضلية الموقوتهَ بمكان، وقد يكون أمراً بعيداً عن مكانه ويريد أن يعالجه، فيقطع المسافة إلى المكان الثاني لتحقيق هذه المهمة، إنما يمشي ويسعى على رجليه، و"يدوب" النعل الذي يضعه في قدميه من المشي فيقال عنه إنه: "حافي". ولذلك يقال: حفي فلان إلى أن وصل للشيء الفلاني، أي سار مرات كثيرة وقطع عدة مسافات، مزقت نعله حتى جعلته يمشي حافياً. وهنا يقول الحق على ألسنة القوم: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي أنك مُعْنى بها، ودائب السؤال عنها، وعارف لها. وتأتي الإجابة من الحق: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} وفي ذات الآية سبق أن قال: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} والربوبية متعلقها الخلق، والرعاية بالقيومية لمصالح البشر، والأوهية متعلقها العبادة وتطبيق المنهج، وجاء الحق في هذه الآية، مرة بالربوبية، ومرة بالألوهية. والأولى هي علة الثانية، فأنت أخذت الله معبوداً، وأطعته لأنه خلقك ووضع لك المنهج، ولا يذخر وسعاً بربوبيته أن يقدم للعبد الصالح كل شيء ويمنحه البركة، وكذلك يعطي الكافر إن أخذ بالأسباب ولكن دون بركة وبغير ثواب في الدنيا أو الآخرة، لذلك هو الإله الحق الذي نتبع منهجه. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} وأكثر الناس الذين يسألون عن موعد الساعة لا يعلمون أن ربنا قد أخفاها، وسبحانه هو القائل: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 15] هم إذن لا يعلمون أن علمها عند الله. ويقول سبحانه وتعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى موقف المستهزئين من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر هنا طرفاً من عنادهم واستهزائهم بسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، ثم ذكر الحجج والبراهين على بطلان عقيدة المشركين في عبادة الأوثان والأصنام، وختم السورة الكريمة ببيان عظمة شأن القرآن ووجوب الاستماع والإِنصات عند تلاوته. اللغَة: {مُرْسَاهَا} استقرارها وحصولها من أرساه إِذا أثبته وأقره ومنه رست السفينة إذا ثبتت ووقفت {يُجَلِّيهَا} يظهرها، والتجلية: الكشفُ والإِظهار {حَفِيٌّ} الحفيُّ: المستقصي للشيء المعتني بأمره قال الأعشى: شعر : فإن تسألي عنّي فيا ربَّ سائلٍ حفيٍّ عن الأعشى به حيث أصْعَدا تفسير : والإِحفاء الاستقصاء ومنه إحفاء الشوارب وحفي عن الشيء إذا بحث للتعرف عن حاله {ٱلْعُرْفِ} المعروف وهو كل خصلة حميدة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس {ٱلآصَالِ} جمع أصيل قال الجوهري: والأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب. سَبَبُ النّزول: روي أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنتَ نبياً فأخبرنا عن الساعة متى تقوم؟ فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا}. التفسِير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} أي يسألونك يا محمد عن القيامة {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أي متى وقوعها وحدوثها؟ وسميت القيامة ساعة لسرعة ما فيها من الحساب كقوله {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل: 77] {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} أي قل لهم يا محمد لا يعلم الوقت الذي يحصل قيام القيامة فيه إلا الله سبحانه ثم أكَّد ذلك بقوله {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} أي لا يكشف أمرها ولا يظهرها للناس إلا الرب سبحانه بالذات فهو العالم بوقتها {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي عظُمت على أهل السماوات والأرض حيث يشفقون منها ويخافون شدائدها وأهوالها {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} أي يسألونك يا محمد عن وقتها كأنك كثير السؤال عنها شديد الطلب لمعرفتها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} أي لا يعلم وقتها إلا الله لأنها من الأمور الغيبية التي استأثر بها علاّم الغيوب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون السبب الذي لأجله أُخْفيتْ قال الإِمام الفخر: والحكمة في إخفاء الساعة عن العباد أنهم إذا لم يعلموا متى تكون كانوا على حذرٍ منها فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيراً ولا أدفع عنها شراً إلا بمشيئته تعالى فكيف أملك علم الساعة؟ {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي لو كنت أعرف أمور الغيب لحصّلت كثيراً من منافع الدنيا وخيراتها ودفعت عني آفاتها ومضراتها {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} أي لو كنت أعلم الغيب لاحترست من السوء ولكنْ لا أعلمه فلهذا يصيبني ما قُدَّر لي من الخير والشر {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي ما أنا إلا عبد مرسل للإِنذار والبشارة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي لقوم يصدقون بما جئتهم به من عند الله {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعاً وحده من غير معين من نفسٍ واحدة هي آدم عليه السلام {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي وخلق منها حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي ليطمئن إليها ويستأنس بها {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} أي فلما جامعها حملت بالجنين حملاً خفيفاً دون إزعاج لكونه نطفةً في بادئ الأمر قال ابو السعود: فإنه عند كونه نطفة أو علقة أخف عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب، والتعرضُ لذكر خفته للإِشارة الى نعمته تعالى عليهم في إنشائه إياهم متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة {فَمَرَّتْ بِهِ} أي استمرت به إلى حين ميلاده {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبر الحمل في بطنها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} أي دعوا الله مربيهما ومالك أمرهما {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي لئن رزقتنا ولداً صالحاً سويَّ الخِلْقة لنشكرنَّك على نعمائك {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} أي فلما وهبهما الولد الصالح السويّ {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} أي جعل هؤلاء الأولاد والذرية شركاء مع الله فعبدوا الأوثان والأصنام {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزّه وتقدّس الله عما ينسبه إليه المشركون {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} الاستفهام للتوبيخ أي أيشركون مع الله ما لا يقدر على خلق شيء أصلاً {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي والحال أن تلك الأوثان والآلهة مخلوقة فكيف يعبدونها مع الله؟ قال القرطبي: وجمع الضمير بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع فأجريت مجرى الناس {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} أي لا تستطيع هذه الأصنام نصر عابديها {وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي ولا ينصرون أنفسهم ممن أرادهم بسوء، فهم في غاية العجز والذلة فكيف يكونون آلهة؟ {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} أي أن الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى خير أو رشاد لأنها جمادات {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ} أي يتساوى في عدم الإِفادة دعاؤكم لهم وسكوتكم قال ابن كثير: يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي إن الذين تعبدونهم من دونه تعالى من الأصنام وتسمونهم آلهة مخلوقون مثلكم بل الأناس أكمل منها لأنها تسمع وتبصر وتبطش وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك فلهذا قال {فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أمرٌ على جهة التعجيز والتبكيت أي أدعوهم في جلب نفع أو دفع ضرٍّ إن كنتم صادقين في دعوى أنها آلهة {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ} توبيخ إثر توبيخ وكذلك ما بعده من الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي هل لهذه الأصنام {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ} أي أم هل لهم أيدٍ تفتك وتبطش بمن أرادها بسوء؟ {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ} أي أم هل لهم أعينٌ تبصر بها الأشياء؟ {أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي أم هل لهم آذان تسمع بها الأصوات؟ والغرض بيان جهلهم وتسفيه عقولهم في عبادة جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن عابدها شيئاً لأنها فقدت الحواس وفاقد الشيء لا يعطيه، والإِنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام لوجود العقل والحواس فيه فكيف يليق بالأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخسّ الأدون الذي لا يحسُّ منه فائدة أبداً لا في جلب منفعة ولا في دفع مضرّة؟! {قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} أي قل لهم يا محمد أدعوا أصنامكم واستنصروا واستعينوا بها عليَّ {ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ} أي ابذلوا جهدكم أنتم وهم في الكيد لي وإلحاق الأذى والمضرة بي ولا تمهلون طرفة عين، فإني لا أبالي بكم لاعتمادي على الله قال الحسن: خوفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بآلهتهم فأمره تعالى أن يجابههم بذلك {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} أي إنَّ الذي يتولى نصري وحفظي هو الله الذي نزَّل عليَّ القرآن {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} أي هو جل وعلا يتولى عباده الصالحين بالحفظ والتأييد، وهو وليهم في الدنيا والآخرة {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} كرّره ليبيّن أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ} أي وإِن تدعوا هذه الأصنام إلى الهداية والرشاد لا يسمعوا دعاءكم فضلاً عن المساعدة والإِمداد {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أي وتراهم يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد لا تبصر لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون بها شيئاً {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أمرٌ له عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق أي خذ بالسهل اليسير في معاملة الناس ومعاشرتهم قال ابن كثير: وهذا أشهر الأقوال ويشهد له قول جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يأمركَ أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" تفسير : {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف والجميل المستحسن من الأقوال والأفعال {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أي لا تقابل السفهاء بمثل سفههم بل احلم عليهم قال القرطبي: وهذا وإن كان خطاباً لنبيه عليه الصلاة والسلام فهو تأديبٌ لجميع خلقه {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} أي وإِمّا يصيبنَّك يا محمد طائف من الشيطان بالوسوسة والتشكيك في الحق {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه عنك {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميعٌ لما تقول عليمٌ بما تفعل {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي الذين اتصفوا بتقوى الله {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي إذا أصابهم الشيطان بوسوسته وحام حولهم بهواجسه {تَذَكَّرُواْ} أي تذكروا عقاب الله وثوابه {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي يبصرون الحق بنور البصيرة ويتخلصون من وساوس الشيطان {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا الله وهم الكفرة الفجرة فإن الشياطين تغويهم وتزين لهم سبل الضلال {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يُمْسكون ولا يكفّون عن إغوائهم {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} أي وإذا لم تأتهم بمعجزةٍ كما اقترحوا {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي هلاّ اختلقتها يا محمد واخترعتها من عند نفسك؟! وهو تهكمٌ منهم لعنهم الله {قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} أي قل لهم يا محمد ليس الأمر إليَّ حتى آتي بشيءٍ من عند نفسي وإنما أنا عبدٌ امتثل ما يوحيه الله إليَّ {هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي هذا القرآن الجليل حججٌ بيّنة، وبراهين نيّرة يغني عن غيره من المعجزات فهو بمنزلة البصائر للقلوب به يُبْصر الحق ويُدرك {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي وهداية ورحمة للمؤمنين لأنهم المقتبسون من أنواره والمنتفعون من أحكامه {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} أي وإذا تليت آيات القرآن فاستمعوها بتدبر واسكتوا عند تلاوته إعظاماً للقرآن وإجلالاً {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي تفوزوا بالرحمة {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أي واذكر ربك سراً مستحضراً لعظمته وجلاله {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أي متضرعاً إليه وخائفاً منه {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي وسطاً بين الجهر والسرّ {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي في الصباح والعشيّ {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} أي ولا تغفُل عن ذكر الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} أي الملائكة الأطهار {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي لا يتكبرون عن عبادة ربهم {وَيُسَبِّحُونَهُ} أي ينزهونه عما لا يليق به {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي لا يسجدون إلا لله. البَلاَغَة: 1- {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} التشبيه مرسل مجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. 2- {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} التغشي هنا كناية عن الجماع وهو من الكنايات اللطيفة. 3- {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ..} الخ هذا الأسلوب يسمى "الإِطناب" وفائدته زيادة التقريع والتوبيخ. 4- {يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} شبّه وسوسة الشيطان وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ وهو إِدخال الإِبرة وما شابهها في الجلد ففيه استعارة لطيفة. 5- {هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} فيه تشبيه بليغ وأصله هذا كالبصائر، حُذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فهو بليغ ويرى بعض العلماء أنه من قبيل المجاز المرسل حيث أطلق المسبّب على السبب لأن القرآن لما كان سبباً لتنوير العقول أطلق عليه لفظ البصيرة. لطيفَة: حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال إن هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ماذا تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: هذا يطول عليك ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك، فهذه فائدة الإِستعاذة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} معناهُ لا يُظهرُهَا. تفسير : وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناهُ عَظمُ ذِكرهَا. تفسير : وقوله تعالى: {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} معناه مَتَى ذَاكَ. تفسير : وقوله تعالى: {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناهُ كَبُرتْ وعَظمَتْ فَثَقُلَ عِلْمُها عَلَى أَهلِ السَّمواتِ والأَرضِ أَنهم لاَ يَعلمونَ. تفسير : وقوله تعالى: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} معناهُ بَارٌ بِها. ويقالُ عَالِمٌ بِهَا، وأَنتَ لاَ تَعلمُهَا.
الأندلسي
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ} الآية، قال ابن عباس: الضمير لليهود. قل حِسْلُ بن أبي قشير وشمويل بن زيد: ان كنت نبياً فأخبرنا بوقت الساعة فإِنا نعرفها فإِن صدقت آمنا بك، فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبع ذلك بذكر المعاد، وأيضاً فلما تقدم قوله: {أية : وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} تفسير : [الأعراف: 185] وكان ذلك باعثاً لهم على المبادرة إلى التوبة أتى بالسؤال عن الساعة ليعلم أن وقتها مكتوم عن الخلق فيكون ذلك سبباً للمسارعة إلى التوبة والساعة القيامة موت من كان حينئذٍ حياً وبعث الجميع يقع عليه اسم الساعة واسم القيامة والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا. ومرساها مصدر أي متى إرساؤها أي إثباتها وإقرارها والرسو ثبات الشيء الثقيل ومنه رسا الجبل، وأرسيت السفينة، والمرسا المكان الذي ترسو فيه. وقال الزمخشري: مرساها إرساؤها أو وقت إرسائها أي إثباتها وإقرارها. "انتهى". وتقديره وقت إرسائها ليس بجيد لأن إبان اسم استفهام عن الوقت فلا يصح أن يكون خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير في أي وقت وقت إرسائها وأيان مرساها مبتدأ وخبر. وحكى ابن عطية عن المبرد أن مرساها مرتفع بإِضمار فعل ولا حاجة إلى هذا الإِضمار. وإيان مرساها جملة استفهامية في موضع البدل من الساعة، والبدل على نية تكرار العامل وذلك العامل معلق عن العمل لأن الجملة فيها استفهام، ولما علق الفعل وهو يتعدى بعن صارت الجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر فهو بدل في الحقيقة على موضع عن الساعة لأن موضع الخبر نصب. {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} أي الله تعالى استأثر بعلمها ولما كان السؤال عن الساعة عموماً ثم خصص بالسؤال عن وقتها جاء الجواب عموماً عنها بقوله: قل انما علمها عند ربي ثم خصصت من حيث الوقت فقيل: لا يجليها لوقتها إلا هو وعلم الساعة من الخمس التي نص عليها من الغيب أنه لا يعلمها الا هو تعالى، والمعنى لا يكشفها ولا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تكون فيه إلا هو. {ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} قال السدي: معنى ثقلت خفيت في السماوات والأرض فلا يعلم أحد من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين ما تكون وما خفي أمره ثقل على النفوس. "انتهى". {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً} أي فجأة على غفلة منكم وعدم شعور بمجيئها. {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} متعلق بيسئلونك والحفاوة الاعتناء بالشىء وتتعدى بالباء، فالمعنى حفى بها أي معتن بها وبالسؤال عن حالها. {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي} الآية، قال ابن عباس: قال أهل مكة: ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري فتربح، وبالأرض التي تجدب فترحل عنها إلى ما هي أخصب. فنزلت. ووجه مناسبتها لما قبلها ظاهر جداً وهذا منه عليه السلام إظهار للعبودية فانتفاء عما يختص بالربوبية من القدر وعلم الغيب ومبالغة في الاستسلام فلا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر. {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها. وظاهر قوله: ولو كنت أعلم الغيب، انتفاء العلم عن الغيب على جهة عموم الغيب. كما روي عنه عليه السلام: لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلا أن يعلمنيه ربي. بخلاف ما يذهب إليه هؤلاء الذين يدعون الكشف وانهم بتصفية نفوسهم يحصل لهم اطلاع على المغيّبات واخبار بالكوائن التي تحدث وما أكثر ادعاء الناس لهذا الأمر وخصوصاً في ديار مصر حتى أنهم لينسبون ذلك إلى رجل متضمخ بالنجاسة يظل دهره لا يصلي ولا يستنجي من نجاسة ويكشف عورته للناس حين يبول وهو عار من العلم والعمل الصالح فلا حول ولا قوة إلا بالله.
الجيلاني
تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} يا أ:مل الرسل {عَنِ ٱلسَّاعَةِ} التي تخوفهم منها ومن شدة أهوالها وأفزاعها: {أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} أي: في أي آن من الآنات وزمان من الأزمنة قيامها ووقوعها حتى نؤمن لها قبل قيامها؟ {قُلْ} يا أكمل الرسل في جوابهم: {إِنَّمَا عِلْمُهَا} أي: علم قيامها {عِنْدَ رَبِّي} مما استأثر بها سبحانه لا يطلع عليها أحد؛ بحيث {لاَ يُجَلِّيهَا} أي: لا يظهرها ولا يكشف أمرها {لِوَقْتِهَآ} الذي عيّن {إِلاَّ هُوَ} إذ هو من الغيوب الخمسة التي خصصها سبحانه لنفسه في قوله: {أية : عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ...}تفسير : [لقمان: 34] وإنما أخفاها وأبْهَم وقتها، ولم يطلع أحداً عليها؛ لأن الحكمة تقتضي ذلك؛ لأن سبحانه لو أظهر أمرها على عباده {ثَقُلَتْ} عظُمت وشقت أمرها، واشتدت هولها {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} على أهلها وساكنيها من الملائكة {وَٱلأَرْضِ} عن من أسكنها وعاش عليها من الثقلينز ولذلك {لاَ تَأْتِيكُمْ} الساعة عند إتيانها {إِلاَّ بَغْتَةً} فجأة وعلى غفلة بحيث لا يسع ترك ما كنتم فيه من الأمور، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الساعة تهيج ب النال، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه"تفسير : ، وإنما {يَسْأَلُونَكَ} عن الساعة وقيامها لظنهم فيك؛ لنجابة طينتك {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} خبير لوقتها، عليم بشانها، مذكر لها دائماً، مفتش عن أحوالها وأهوالها مستمراً {قُلْ} لهم: {إِنَّمَا عِلْمُهَا} وقت ظهورها {عِندَ ٱللَّهِ} وفي خزانة قدره ولوح قضائه، وعالم سمائه وغيب ذاته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] أنه سبحانه مختص بها، لا يُطلع أحداً عليها. {قُل} يا أكمل الرسل لمن ظن بك أنك حفي عليم بسرائر الأمور ومخفياتها، خبير بحقائق الموجودات وماهياته؛ اعترافاً بالعبودية وسلباً للاختيار عن نفسك: {لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً} أي: جلب نفع {وَلاَ ضَرّاً} أي: دفع ضر {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} إيصاله إليَّ من النفع والضر، ولا أعلم الغيب إلا ما أوحى الله إليَّ {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} يعني: لو تعلق علمي بعواقب أموري {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَ} صرت إلى حيث {مَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} أصلاً {إِنْ أَنَاْ} أي: بل ما أنا {إِلاَّ نَذِيرٌ} أنذر بإذن ربي وعلى مقتضى وحيه إياي {وَبَشِيرٌ} أيضاً أبشر على مقتضى الوحي {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] بوحي الله وإلهامه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن سؤالهم من سوء حالهم بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا} [الأعراف: 187] إلى قوله: {يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] الإشارة فيها: أن الساعة عبارة عن: الساعة التي يظهر الله تعالى فيها آثار الصفة القهارية؛ لإفناء عالم الصورة وهو الملك ظاهر الكون كقوله تعالى: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [غافر: 16] حين تطوى السماوات وتبدل الأرض ولا يبقى من الملك وأهله داعٍ ولا مجيب، فيجيب هو سبحانه ويقول: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ}تفسير : [غافر: 16]، وفي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الأعراف: 187] دليل على أن للساعة ثقلاً من ظهور صفة القهر يضيق منها نطاق طاقة السماوات والأرض، وأنه مما استأثر الله به نفسه، وأنها هي الساعة التي يموت فيها الخلق؛ لأنه يقول: {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً}. وفي قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الأعراف: 187] معنى آخر من الإخفاء: وهو المنع، منعت علمها عنهم، ومنه في حديث خليفة كتبت إلى ابن عباس أن يكتب إلي ويخفي عني؛ أي: يمسك عني بعض ما عنده مما لا أحتمله وعطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فوق ثلاث فقال له: خفوت؛ أي: منعتنا أن نشمتك بعد الثلاثة، والخفو: المنع، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ} [الأعراف: 187] لا عندي، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 187] أن علمها عند الله وليس عندك، يدل عليه قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} [الأعراف: 188] بمشيئة حادثة، {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} [الأعراف: 188] في الأزل بمشيئة القديمة أن يكون لي أو يملكني ما شاء لي تمليكه، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} [الأعراف: 188]؛ يعني: ولو كنت كذلك، {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} [الأعراف: 188] من الحياة الأبدية ورفع الحاجات البشرية والأحكام الإلهية، {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} [الأعراف: 188]؛ أي: الموت والحاجات، {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} [الأعراف: 188] لمن كان حياً بالحياة الحقيقية فيسمع كلامي وينتفع بإنذاري فيؤثر ما يبقى على ما يفنى، {وَبَشِيرٌ} [الأعراف: 188] بما فضل الله به على خواص عباده من الدرجات العلية المقامات السنية والكرامات والقربات، {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] بها والسعي في تحصيلها، فإن الإيمان الحقيقي هو: السعي في طلب ما آمنوا به والإتيان بما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه. ثم أخبر عن الذي عنده علم الساعة بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف: 189] إلى قوله: {أية : فَلاَ تُنظِرُونِ}تفسير : [الأعراف: 195] والإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}؛ تعريف نفسه بالخالقية والقادرية على أنه يخلق النفوس كلها من نفس واحدة وهي: نفس آدم عليه السلام، وفيه يشير إلى أن النفوس كما خلقت من نفس واحدة فكذلك الأرواح خلقت من روح واحدة وهو: روح محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هو أبا الأرواح كما كان آدم أبا البشر لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا لكم كالوالد لولده"تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله روحي"تفسير : فإن أول كل نوع هو المنشأ منه ذلك النوع من الحيوانات والنبات بقوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] يشير إلى أن آدم عليه السلام لما خلق ونفخ في الورح كان روحه مستوحشاً من القلب الجسماني؛ لأنه كان أنيس الحق تعالى في حضائر القدس بكذا ألف سنة؛ ولهذا سمي إنساناً، ثم ولد له من نفسه بالنفخة الإلهية حواء، فلو لم يخلق حواء من نفسه لما سكن روحه إلى غير الحق، ومع هذا ما كان ليسكن روحه وروحها إلى شيء حتى أمر بالسكون إلى الجنة ونعيمها تأكيداً لمساكنة كل واحد منهما إلى الآخر بقوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}تفسير : [البقرة: 35] وهذا أمر التكوين إلى سكون الروح إلى القلب؛ لأنه خلق منه؛ ولأنه كان مخصوصاً بين الأصبعين من أصابع الله تعالى، وكان الروح يشم من القلب نسيم نفحات ألطاف الحق تعالى. {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} [الأعراف: 189]؛ أي: الروح القلب، {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ} [الأعراف: 189]؛ أي: حمل القلب بالنفس وصفاتها حملاً خفيفاً في البداية بظهور آدنى أثر من أثار الصفات، خافاً على أنفسهما الروح والقلب من تبدل الصفات الروحانية الأخروية النورانية بالصفات النفسانية الدنيوية الظلمانية، {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189]. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} [الأعراف: 190]؛ أي: نفساً قابلة للعبودية، {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} [الأعراف: 190]؛ أي: جعل الروح والقلب وجه النفس إلى الدنيا ونعيمها؛ ليقوم القالب بها؛ ولقيامها صلاحاً للعبودية، فلما استلذت النفس من الدنيا عبدتها وعبدت ما فيها فصارت عبد البطن وعبد الخميصة وعبد الدرهم والدنيار، {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] بأن يجعلوه شريك الدنيا في التعبد والعبودية، {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] يعني: الدنيا وما فيها، {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} [الأعراف: 192]؛ أي لا يستطيع الدنيا وما فيها للروح والقلب والنفس تقوية وتربية إلا بالله تعالى، {وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} [الأعراف: 192] للبقاء والدوام.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { يَسْأَلُونَكَ } أي: المكذبون لك، المتعنتون { عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } أي: متى وقتها الذي تجيء به، ومتى تحل بالخلق؟ { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } أي: إنه تعالى مختص بعلمها، { لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ } أي: لا يظهرها لوقتها الذي قدر أن تقوم فيه إلا هو. { ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خفي علمها على أهل السماوات والأرض، واشتد أمرها أيضا عليهم، فهم من الساعة مشفقون. { لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً } أي: فجأة من حيث لا تشعرون، لم يستعدوا لها، ولم يتهيأوا لقيامها. { يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } أي: هم حريصون على سؤالك عن الساعة، كأنك مستحف عن السؤال عنها، ولم يعلموا أنك - لكمال علمك بربك، وما ينفع السؤال عنه - غير مبال بالسؤال عنها، ولا حريص على ذلك، فلم لا يقتدون بك، ويكفون عن الاستحفاء عن هذا السؤال الخالي من المصلحة المتعذر علمه، فإنه لا يعلمها نبي مرسل، ولا ملك مقرب. وهي من الأمور التي أخفاها الله عن الخلق، لكمال حكمته وسعة علمه. { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك حرصوا على ما لا ينبغي الحرص عليه، وخصوصا مثل حال هؤلاء الذين يتركون السؤال عن الأهم، ويدعون ما يجب عليهم من العلم، ثم يذهبون إلى ما لا سبيل لأحد أن يدركه، ولا هم مطالبون بعلمه. { قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا } فإني فقير مدبر، لا يأتيني خير إلا من اللّه، ولا يدفع عني الشر إلا هو، وليس لي من العلم إلا ما علمني اللّه تعالى. { وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع، ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه، لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه. ولكني - لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء، وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدنيا ومنافعها، فهذا أدل دليل على أني لا علم لي بالغيب. { إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ } أنذر العقوبات الدينية والدنيوية والأخروية، وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك، وأحذر منها. { وَبَشِيرٌ } بالثواب العاجل والآجل، ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها، ولكن ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة، وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون، وهذه الآيات الكريمات، مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر. فإنه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع من لم ينفعه اللّه، ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه اللّه عنه، ولا له من العلم إلا ما علمه اللّه تعالى، وإنما ينفع من قبل ما أرسل به من البشارة والنذارة، وعمل بذلك، فهذا نفعه صلى الله عليه وسلم، الذي فاق نفع الآباء والأمهات، والأخلاء والإخوان بما حث العباد على كل خير، وحذرهم عن كل شر، وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.
همام الصنعاني
تفسير : 964- حدثنا عبد الرزاق، عَنْ مَعْمَر، عن قتادةَ، والكلبي، في قوله تعالى: {ثَقُلَتْ}: [الآية: 187]، قالاَ: ثقل علمها على أهلِ السماء وأهل الأرض أنهم لاَ يَعْلَمُون. 965- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وقال الحسن: إذا جاءت، ثَقُلَتْ على أهل السماء وأهل الأرض. يقول: كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ. 966- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}: [الآية: 187]، قال: يقول: كأنك عالِمٌ بِهَا. 967- قال عبد الرزاق، وقال معمر، وقال قتادة، قالت قريش: يا محمد إنَّ بيننا وبينك قرابة، فأسْرِرْ إلَيْنَا مَتَى تقوم الساعة! قال: فقال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}: [الآية: 187] يقول: كأنك حفي بِهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):