٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
188
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن قوله: {لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً } أي أنا لا أدعي علم الغيب إن أنا إلا نذير وبشير، ونظيره قوله تعالى في سورة يونس: {أية : وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } تفسير : [يونس: 48، 49] الثاني: روي أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالرخص والغلاء حتى نشتري فنربح، وبالأرض التي تجدب لنرتحل إلى الأرض الخصبة. فأنزل الله تعالى هذه الآية: الثالث: قال بعضهم: لما رجع عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطريق ففرت الدواب منها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة وكان فيه غيظ للمنافقين. وقال "انظروا أين ناقتي"، فقال عبدالله بن أبي مع قومه ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته. فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن ناساً من المنافقين. قالوا كيت وكيت وناقتي في هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة»تفسير : فوجدها على ما قال، فأنزل الله تعالى: {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرَّاً إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ }. المسألة الثانية: اعلم أن القوم لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب وطالبوه بإعطاء الأموال الكثيرة والدولة العظيمة ذكر أن قدرته قاصرة وعلمه قليل، وبين أن كل من كان عبداً كان كذلك والقدرة الكاملة والعلم المحيط ليسا إلا لله تعالى، فالعبد كيف يحصل له هذه القدرة، وهذا العلم؟ واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله تعالى: {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ } والإيمان نفع والكفر ضر، فوجب أن لا يحصلا إلا بمشيئة الله تعالى، وذلك يدل على أن الإيمان والكفر لا يحصلان إلا بمشيئة الله سبحانه، وتقريره ما ذكرناه مراراً أن القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان، فخالق تلك القدرة يكون مريداً للكفر، وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلاً عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة، فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريداً للكفر، فثبت أن على جميع التقادير: لا يملك العبد لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله. أجاب القاضي عنه بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله: {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } وإن كان عاماً بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا: يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو، حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء، فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله، والمراد بالنفع: تملك الأموال وغيرها، والمراد بالضر وقت القحط، والأمراض وغيرها. الثاني: المراد لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فيما يتصل بعلم الغيب، والدليل على أن المراد ذلك قوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } الثالث: المراد: لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه، والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه. واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ، وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية، والله أعلم. المسألة الثالثة: احتج الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم علمه بالغيب بقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } واختلفوا في المراد من هذا الخير. فقيل المراد منه: جلب منافع الدنيا وخيراتها، ودفع آفاتها ومضراتها، ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب. وقيل: المراد منه ما يتصل بأمر الدين، يعني: لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك، فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك. وقيل: المراد منه: ما يتصل بالجواب عن السؤالات، والتقدير: لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير. والجواب: عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره. أما قوله: {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوءُ } ففيه قولان: القول الأول: قال الواحدي رحمه الله: تم الكلام عند قوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ } ثم قال: {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوءُ } أي ليس بي جنون، وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله: {مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ } وهذا القول عندي بعيد جداً ويوجب تفكك نظم الآية. والقول الثاني: إنه تمام الكلام الأول، والتقدير: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير، ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء. ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي، ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه، ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات، والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيه قولان: أحدهما: أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما، يفيد ذكر الأخرى كقوله: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] والثاني: أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيراً وبشيراً للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون. فلهذا السبب خصهم الله بالذكر، وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيراً ولا أدفع عنها شراً؛ فكيف أملك عِلم الساعة. وقيل: لا أملك لنفسي الهدى والضلال. {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} في موضع نصب بالاستثناء. والمعنى: إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه. وأنشد سيبويه:شعر : مهمـا شـاء بالنـاس يفعـل تفسير : {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرِّفنِيه لفعلته. وقيل: لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب. وقال ابن عباس: لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفِيني. وقيل: المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها. وقيل: المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح؛ عن الحسن وابن جُريج. وقيل: المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجَبْتُ عن كل ما أُسألُ عنه. وكله مراد، والله أعلم. {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } هذا استئناف كلام، أي ليس بي جنون؛ لأنهم نسبوه إلى الجنون. وقيل: هو متصل، والمعنى لو علمتُ الغيب لما مسّني سوءٌ ولحذِرت، ودل على هذا قوله تعالى: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}.
البيضاوي
تفسير : {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا} جلب نفع ولا دفع ضر، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب. {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء } ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتى لا يمسني سوء. {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة. {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} فإنهم المنتفعون بهما، ويجوز أن يكون متعلقاً بالـ {بَشِيرٍ} ومتعلق الـ {نَّذِيرٍ} محذوف. {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} هو آدم. {وَجَعَلَ مِنْهَا } من جسدها من ضلع من أضلاعها، أو من جنسها كقوله: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا }تفسير : [الشورى: 11] {زَوْجَهَا} حواء. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير ذهاباً إلى المعنى ليناسب. {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها. {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالباً من الأذى، أو محمولاً خفيفاً وهو النطفة. {فَمَرَّتْ بِهِ} فاستمرت به أي قامت وقعدت، وقرىء {فَمَرَّتْ} بالتخفيف وفاستمرت به وفمارت من المور وهو المجيء والذهاب، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه. {فَلَمَّا أَثْقَلَت} صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. وقرىء على البناء للمفعول أي أثقلها حملها. {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءاتَيْنَا صَـٰلِحاً} ولداً سوياً قد صلح بدنه. {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} لك على هذه النعمة المجددة. {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا} أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقاً مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثاً بين الملائكة فتقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحرث. وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء ويحتمل أن يكون الخطاب في {خَلَقَكُمْ} لآل قصي من قريش، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من الله الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم: عبد مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار. ويكون الضمير في {يُشْرِكُونَ} لهما ولأعقابهما المقتدين بهما. وقرأ نافع وأبو بكر «شركاً» أي شركة بأن أشركا فيه غيره أو ذوي شرك وهم الشركاء، وهم ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها آلهة. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} أي لعبدتهم. {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} فيدفعون عنها ما يعتريها. {وَإِن تَدْعُوهُمْ} أي المشركين. {إِلَى ٱلْهُدَى} إلى الإسلام. {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} وقرأ نافع بالتخفيف وفتح الباء، وقيل الخطاب للمشركين وهم ضمير الأصنام أي: إن تدعوهم إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله. {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ} وإنما لم يقل أم صمتم للمبالغة في عدم إفادة الدعاء من حيث إنه مسوى بالثبات على الصمات، أو لأنهم ما كانوا يدعونها لحوائجهم فكأنه قيل: سواء عليكم إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمات عن دعائهم.
ابن كثير
تفسير : أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً } تفسير : [الجن: 26] الآية. وقوله: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} قال عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن مجاهد: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} قال: لو كنت أعلم متى أموت؟ لعملت عملاً صالحاً، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج، وفيه نظر؛ لأن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ديمة، وفي رواية: كان إذا عمل عملاً أثبته، فجميع عمله كان على منوال واحد؛ كأنه ينظر إلى الله عز وجل في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم. والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي: من المال. وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه، فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوۤءُ} ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب، لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوۤءُ} قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون، واتقيته، ثم أخبر أنه إنما هو نذير وبشير، أي: نذير من العذاب، وبشير للمؤمنين بالجنات؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا } أجلبه {وَلاَ ضَرّاً } أدفعه {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } ما غاب عني {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوءُ } من فقر وغيره لاحترازي عنه باجتناب المضارّ {إن} ما {أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ } بالنار للكافرين {وَبَشِيرٌ } بالجنة {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي لا أملك القدرة عليهما من غير مانع ولا صاد. {إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ} أن يملكني إياه فأملكه بمشيئته. {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: لاستكثرت من العمل الصالح، قاله الحسن، وابن جريج. والثاني: لأعددت من السنة المخصبة للسنة المجدبة، قاله الفراء. والثالث: وهو شاذ: لاشتريت في الرخص وبعْت في الغلاء. {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: ما بي جنون كما زعم المشركون، قاله الحسن. والثاني: ما مسني الفقر لاستكثاري من الخير. والثالث: ما دخلت على شبهة.
ابن عطية
تفسير : هذا أمر في أن يبالغ في الاستسلام ويتجرد من المشاركة في قدرة الله وغيبه وأن يصف نفسه لهؤلاء السائلين بصفة من كان بها فهو حري أن لا يعلم غيباً ولا يدعيه، فأخبر أنه لا يملك من منافع نفسه ومضارها إلا ما سنى الله له وشاء ويسر، وهذا الاستثناء منقطع، وأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لعمل بحسب ما يأتي ولاستعد لكل شيء استعداد من يعلم قدر ما يستعد له، وهذا لفظ عام في كل شيء، وقد خصص الناس هذا فقال ابن جريج ومجاهد: "لو كنت أعلم أجلي لاستكثرت من العمل الصالح". وقالت فرقة: أوقات النصر لتوخيتها، وحكى مكي عن ابن عباس أن معنى لو كنت أعلم السنة المجدبة لأعددت لها من المخصبة. قال القاضي أبو محمد: وألفاظ الآية تعم هذا وغيره، وقوله: {وما مسني} يحتمل وجهين وبكليهما قيل، أحدهما أن {ما} معطوفة على قوله: {لاستكثرت} أي ولما مسني السوء والثاني أن يكون الكلام مقطوعاً تم في قوله: {لاستكثرت من الخير} وابتدأ يخبر بنفي السوء عنه وهو الجنون الذي رموه به، قال مؤرج السدوسي: {السوء} الجنون بلغة هذيل، ثم أخبر بجملة ما هو عليه من النذارة والبشارة، و {لقوم يؤمنون} يحتمل معنيين: أحدهما أن يريد أنه نذير وبشير لقوم يطلب منهم الإيمان ويدعون إليه، وهؤلاء الناس أجمع، والثاني أن يخبر أنه نذير ويتم الكلام، ثم يبتدىء يخبر أنه بشير للمؤمنين به، ففي هذا وعد لمن حصل إيمانه. وقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} الآية، قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام بقوله: {وجعل منها زوجها} حواء وقوله {منها} يريد ما تقدم ذكره من أن آدم نام فاستخرجت قصرى أضلاعه وخلقت منها حواء, وقوله: {ليسكن إليها} أي ليأنس ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة، ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطها، فقال: {فلما تغشاها} أي غشيها وهي كناية عن الجماع، و "الحمل الخفيف" هو المني الذي تحمله المرأة في فرجها، وقرأ جمهور الناس "حَملاً" بفتح الحاء، وقرأ حماد بن سلمة عن ابن كثير "حِملاً" بكسر الحاء، وقوله {فمرت به} أي استمرت به، قال أيوب: سألت الحسن عن قوله: {فمرت به} فقال: لو كنت امرأً عربياً لعرفت ما هي إنما المعنى فاستمرت به. قال القاضي أبو محمد: وقدره قوم على القلب كأن المراد فاستمر بها كما تقول أدخلت القلنسوة في رأسي، وقرأ يحيى بن يعمر وابن عباس فيما ذكر النقاش "فمرَت به" بتخفيف الراء، ومعناه فشكت فيما أصابها هل هو حمل أو مرض ونحو هذا، وقرأ ابن عباس "فاستمرت به" وقرأ ابن مسعود "فاستمرت بحملها" وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاصي "فمارت به" معناه أي جاءت به وذهبت وتصرفت، كما تقول مارت الريح موراً، و {أثقلت} دخلت في الثقل كما تقول: أصبح وأمسى أي صارت ذات ثقل كما تقول أتمر الرجل وألبن إذا صار ذا تمر ولبن، والضمير في {دعوا} على آدم وحواء. وروي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدرِ ما هو، وهذا يقوي قراءة من قرأ "فمرَت به" بتخفيف الراء، فجزعت لذلك فوجد إبليس إليها السبيل، فقال لها ما يدريك ما في جوفك ولعله خنزير أو حية أو بهيمة في الجملة وما يدريك من أين يخرج أينشق له بطنك فتموتين أو على فمك أو أنفك؟ ولكن إن أطعتني وسميته عبد الحارث. قال القاضي أبو محمد: والحارث اسم إبليس، فسأخلصه لك وأجعله بشراً مثلك، وإن أنت لم تفعلي قتلته لك، قال فأخبرت حواء آدم فقال لها ذلك صاحبنا الذي أغوانا في الجنة، لا نطيعه، فلما ولدت سمياه عبد الله، فمات الغلام، ويروى أن الله سلط إبليس على قتله فحملت بآخر ففعل بها مثل ذلك فحملت بالثالث فلما ولدته أطاعا إبليس فسمياه عبد الحارث حرصاً على حياته، فهذا هو الشرك الذي جعلا لله أي في التسمية فقط. و {صالحاً} قال الحسن معناه غلاماً، قال ابن عباس: وهو الأظهر بشراً سوياً سليماً، ونصبه على المفعول الثاني وفي المشكل لمكي أنه نعت لمصدر أي أتيا صالحاً، وقال قوم إن المعنى في هذه الآية التبيين عن حال الكافرين فعدد النعم التي تعم الكافرين وغيرهم من الناس، ثم قرر ذلك بفعل المشركين السيّىء فقامت عليهم الحجة ووجب العقاب، وذلك أنه قال مخاطباً لجميع الناس {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} يريد آدم وحواء أي واستمرت حالكم واحداً كذلك، فهذه نعمة تخص كل أحد بجزء منها، ثم جاء قوله: {فلما تغشاها} إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً أي هكذا يفعلون فإذا آتاهم الله الولد صالحاً سليماً كما أراده، صرفاه عن الفطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين الذي قامت الحجة فيه باقترانه مع النعمة العامة، وقال الحسن بن أبي الحسن فيما حكى عنه الطبري: معنى هذه الآية: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} إشارة إلى الروح الذي ينفخ في كل أحد. قال القاضي أبو محمد: أي خلقكم من جنس واحد وجعل الإناث منه، ثم جاء قوله: {فلما تغشاها} إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً على ما تقدم من الترتيب في القول الذي قبله.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} لو علمت متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح، أو لو علمت سنة الجدب لادخرت لها من سنة الخصب، أو لو علمت الكتب المنزَلة لاستكثرت من الوحي، أو لاشتريت في الرخص وبعت في الغلاء، وهو شاذ، أو لو علمت أسراركم وما في قلوبكم لأكثرت لكم من دفع الأذى واجتلاب النفع. {وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ} ما بي جنون، أو ما مسني الفقر لاستكثاري من الخير، أو ما دخلت عليَّ شبهةٌ.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} قال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري به فتربح فيه عند الغلاء وبالأرض التي يريد أن تجدب فترحل عنها إلى ما قد أخصبت فأنزل الله عز وجل: {قل لا أملك} أي قل يا محمد لا أملك ولا أقدر لنفسي نفعاً أي اجتلاب نفع بأن أربح فيما أشتريه ولا ضراً يعني ولا أقدر أن أدفع عن نفسي ضراً نزل بها بأن أرتحل إلى الأرض الخصبة وأترك الجدبة {إلا ما شاء الله} يعني أن أملكه وأقدر عليه {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} يعني ولو كنت أعلم وقت الخصب والجدب لاستكثرتُ من المال {وما مسني السوء} يعني الضر والفقر والجوع. وقال ابن جريج: معناه لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً من الهدى والضلالة ولو كنت أعلم الغيب يريدون وقت الموت لاستكثرت من الخير يعني من العمل الصالح. وقيل إن أهل مكة لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة أنزل الله تعالى الآية الأولى وهذه الآية ومعناه: أنا لا أدعي علم الغيب حتى أخبركم عن وقت قيام الساعة وذلك لما طالبوه بالإخبار عن الغيوب فذكر أن قدرته قاصرة عن علم الغيب. فإن قلت: قد أخبر صلى الله عليه وسلم عن المغيبات وقد جاءت أحاديث في الصحيح بذلك وهو من أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم فكيف الجمع بينه وبين قوله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير؟ قلت: يحتمل أن يكون قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع والأدب والمعنى لا أعلم الغيب إلا أن يطلعني الله عليه ويقدره لي. ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله عز وجل على الغيب فلما أطلعه الله عز وجل أخبر به كما قال تعالى:{أية : فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول}تفسير : [الجن: 26-27] أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله سبحانه وتعالى عن أشياء من المغيبات فأخبر عنها ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وقوله وما مسنى السوء يعني الجنون وذلك أنهم نسبوه إلى الجنون وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير واحترزت عن الشر حتى أصير بحيث لا يمسني السوء وقيل معناه ولو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا وما مسني السوء يعني قولكم لو كنت نبياً لعلمت متى تقوم الساعة {إن أنا إلا نذير} يعني ما أنا إلا رسول أرسلني الله إليكم أنذركم وأخوفكم عقابه إن لم تؤمنوا {وبشير} يعني وأبشر بثوابه {لقوم يؤمنون} يعني يصدقون. قوله عز وجل: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم عليه السلام {وجعل منها زوجها} يعني وخلق منها زوجها حواء قد تقدم كيفية خلق حواء من ضلع آدم في أول سورة النساء {ليسكن إليها} يعني ليأنس بها ويأوي {فلما تغشاها} يعني واقعها وجامعها كنى به عن الجماع أحسن كناية لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشيها وتغشاها إذا علاها وتجللها {حملت حملاً خفيفاً} يعني النطفة والمني لأن أول ما تحمل النطفة وهي خفيفة عليها {فمرت به} يعني أنها استمرت بذلك الحمل فقامت وقعدت وهو خفيف عليها {فلما أثقلت} أي صارت إلى حال الثقل وكبر ذلك الحمل ودنت مدة ولادتها {دعوا الله ربهما} يعني أن آدم وحواء دعوا الله ربهما {لئن آتيتنا صالحاً} يعني لئن أعطيتنا بشراً سوياً مثلنا {لنكونن من الشاكرين} يعني لك على إنعامك علينا. قال المفسرون: لما هبط آدم وحواء إلى الأرض ألقيت الشهوة في نفس آدم فأصاب حواء فحلمت من ساعتها فلما ثقل الحمل وكبر الولد أتاها إبليس فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري قال: إني أخاف أن يكون بهيمة أو كلباً أو خنزيراً أترين في الأرض إلا بهيمة أو نحوها قالت: إني أخاف بعض ذلك قال وما يدريك من أين خرج أمن دبرك أم فن فيك أو يشق بطنك فيقتلك فخافت حواء من ذلك وذكرته لآدم فلم يزالا في غم من ذلك ثم عاد إليها إبليس فقال لها إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقاً سوياً مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحارث وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث فذكرت ذلك حواء لآدم عليه السلام فقال لعله صاحبنا الذي قد علمت فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتى غرهما فلما ودلت سمياه عبد الحارث. وقال ابن عباس: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فسمته فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة وقال وقد رواه بعضهم ولم يرفعه وقوله وذلك من وحي الشيطان يعني من وسوسته وحديثه كما جاء أنه خدعهما مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض. قال ابن عباس: لما ولد له أول ولد آتاه إبليس فقال إني أنصح لك في شأن ولدك هذا تسميه عبد الحارث وكان اسمه في السماء الحارث فقال آدم: أعوذ بالله من طاعتك إني أطعتك في أكل الشجرة فأخرجتي من الجنة فلن أطيعك فمات ولده ثم ولد له بعد ذلك ولد آخر فقال أطعني وإلا مات كما مات الأول فعصاه فمات ولده، فقال لا أزال أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث فلم يزل به حتى سماه عبد الحارث.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} قال: لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه {وما مسني السوء} قال: ولا يصيبني الفقر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً} قال: الهدى والضلالة {ولو كنت أعلم الغيب} متى أموت {لاستكثرت من الخير} قال: العمل الصالح. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {وما مسني السوء} قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا} شروعٌ في الجواب عن السؤال ببـيان عجزِه عن علمها إثرَ بـيانِ عجزِ الكلِ عنه وإبطالُ زعمِهم الذي بنَوْا عليه سؤالَهم من كونه عليه الصلاة والسلام ممن يعلمها، وإعادةُ الأمر لإظهار كمالِ العنايةِ بشأن الجوابِ والتنبـيهِ على استقلاله ومغايرتِه للأول، والتعرضُ لبـيان عجزه عما ذُكر من النفع والضُرِّ لإثبات عجزِه عن علمها بالطريق البرهاني، واللامُ إمَا متعلقٌ بأملك أو بمحذوف وقع حالاً من نفعاً أي لا أقدر لأجل نفسي على جلب نفعٍ ما ولا على دفع ضرَ ما {إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ} أن أملِكَه من ذلك بأن يُلْهِمنيه فيُمكِنَني منه ويُقدِرَني عليه أو لكنْ ما شاء الله من ذلك كائنٌ، فالاستثناءُ منقطعٌ وهذا أبلغُ في إظهار العجز {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي جنسَ الغيبِ الذي من جملته ما بـين الأشياء من المناسبات المصححةِ عادةً للسببـية والمسبّبة، ومن المباينات المستتبعةِ للممانعة والمدافعةِ {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي لحصّلتُ كثيراً من الخير الذي نيط تحصيلُه بالأفعال الاختياريةِ للبشر بترتيب أسبابِه ودفعِ موانِعه {وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء} أي السوءُ الذي يمكن التقصّي عنه بالتوقيِّ عن موجباته والمدافعةِ بموانعه لا سوءٌ ما فإن منه ما لا مدفعَ له. {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} أي ما أنا إلا عبدٌ مرسَلٌ للإنذار والبشارة شأني حيازةُ ما يتعلق بهما من العلوم الدينيةِ والدنيوية لا الوقوفُ على الغيوب التي لا علاقة بـينها وبـين الأحكامِ والشرائعِ وقد كشفتُ من أمر الساعةِ ما يتعلق به الإنذارُ من مجيئها لا محالة واقترابِها، وأما تعيـينُ وقتِها فليس مما يستدعيه الإنذارُ بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامَه أدعىٰ إلى الانزجار عن المعاصي وتقديمُ النذيرِ على البشير لما أن المقامَ مَقامُ الإنذار وقوله تعالى: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إما متعلقٌ بهما جميعاً لأنهم ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالبشارة، وإما بالبشير فقط وما يتعلق بالنذير للكافرين أي الباقين على الكفر، وبشيرٌ لقوم يؤمنون أي في أيّ وقتٍ كان ففيه ترغيبٌ للكفرة في إحداث الإيمانِ وتحذيرٌ عن الإصرار على الكفر والطغيان. هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} استئناف سيق لبـيان كمالِ عِظَمِ جنايةِ الكَفَرةِ في جراءتهم على الإشراك بتذكير مبادىءِ أحوالِهم المنافيةِ له، وإيقاعُ الموصول خبراً لتفخيم شأنِ المبتدأ، أي هو ذلك العظيمُ الشأنِ الذي خلقكم جميعاً وحدَه من غير أن يكون لغيره مدخلٌ في ذلك بوجه من الوجوه {مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} هو آدمُ عليه الصلاة والسلام، وهذا نوعُ تفصيلٍ لما أشير إليه في مطلع السورةِ الكريمة إشارةً إجماليةً من خلقهم وتصويرِهم في ضمن خلق آدمَ وتصويرِه وبـيانٌ لكيفيته {وَجَعَلَ} عطف على خلقكم داخلٌ في حكم الصلة، ولا ضيرَ في تقدمه عليه وجوداً لِما أن الواوَ لا تستدعي الترتيبَ في الوجود {مِنْهَا} أي من جنسها كما في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا }تفسير : [النحل: 72] أو من جسدها لما يُروى أنه تعالى خلقَ حوّاءَ من ضِلْع من أضلاع آدمَ عليه الصلاة والسلام، والأولُ هو الأنسُب إذِ الجنسيةُ هي المؤديةُ إلى الغاية الآتيةِ لا الجزئيةُ، والجعلُ إما بمعنى التصيـيرِ فقوله تعالى: {زَوْجَهَا} مفعولُه الأولُ والثاني هو الظرفُ المقدّم، وإما بمعنى الإنشاءِ والظرفُ متعلقٌ بجعل قُدّم على المفعول الصريحِ لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر، أو بمحذوف هو حالٌ من المفعول والأولُ هو الأولى وقوله تعالى: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} علةٌ غائيةٌ للجعل باعتبار تعلُّقِه بمفعولِه الثاني أي ليستأنسَ بها ويطمئِنّ إليها اطمئناناً مصححاً للازدواج كما يلوح به تذكيرُ الضميرِ ويُفصح عنه قوله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أي جامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} في مبادىء الأمرِ فإنه عند كونه نطفةً أو علقةً أو مضغة أخفُّ عليها بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المراتب لذكر خِفته للإشارة إلى نعمته تعالى عليهم في إنشائه تعالى إياهم متدرجين في أطوار الخلقِ من العدم إلى الوجود ومن الضَّعف إلى القوة {فَمَرَّتْ بِهِ} أي فاستمرّت به كما كانت قبل حيث قامتْ وقعدت وأخذت وتركت، وعليه قراءةُ ابن عباس رضي الله تعالى عنه وقرىء (فمَرَتْ) بالتخفيف و(فمارَتْ) من المور وهو المجيءُ والذهابُ أو من المِرْية فظنت الحملَ وارتابت به، وأما ما قيل من أن المعنى حملت حملاً خفّ عليها ولم تلْقَ منه ما يلقىٰ بعضُ الحبَالىٰ من حملهن من الكرب والأذّية ولم تستثقِلْه كما يستثقِلْنَه فمرّت به أي فمضَت به إلى ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق فيرده قوله تعالى: {فَلَمَّا أَثْقَلَت} إذ معناه فلما صارت ذاتَ ثِقلٍ لكبر الولدِ في بطنها، ولا ريب في أن الثقلَ بهذا المعنى ليس مقابلاً للخفة بالمعنى المذكور إنما يقابلها الكربُ الذي يعتري بعضَهن من أول الحمل إلى آخره دون بعضٍ أصلاً، وقرىء أُثقِلت على البناء للمفعول أي أثقلها حملُها {دَّعَوَا ٱللَّهَ} أي آدمُ وحواءُ عليهما السلام لمّا دَهِمهما أمرٌ لم يعهَداه ولم يعرِفا مآله فاهتما به وتضرّعا إليه عز وجل وقوله تعالى: {رَبُّهُمَا} أي مالكَ أمرِهما الحقيقَ بأن يُخَصَّ به الدعاءُ إشارةٌ إلى أنهما قد صدّرا به دعاءَهما كما في قولهما: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا }تفسير : [الأعراف: 23] الآية، ومتعلَّقُ الدعاءِ محذوفٌ تعويلاً على شهادة الجملةِ القسَمية به، أي دَعَواه تعالى أنه يُؤتيَهما صالحاً ووعدا بمقابلته الشكرَ على سبـيل التوكيدِ القسَميِّ وقالا أو قائلين: {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً} أي ولداً من جنسنا سوياً {لَنَكُونَنَّ} نحن ومن يتناسل من ذريتنا {مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} الراسخين في الشكر على نعمائك التي من جملتها هذه النعمةُ، وترتيبُ هذا الجوابِ على الشرط المذكورِ لما أنهما قد علما أن ما علّقا به دعاءَهما أُنموذَجٌ لسائر أفرادِ الجنسِ ومعيارٌ لها ذاتاً وصفةَ وجودِه مستتبعٌ لوجودها وصلاحُه مستلزِمٌ لصلاحها فالدعاءُ في حقه متضمنٌ للدعاء في حق الكل مستتبِعٌ له كأنهما قالا: لئن آتيتنا وذريتَنا أولاداً صالحة، وقيل: إن ضميرَ آتيتَنا أيضاً لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما فالوجهُ ظاهرٌ، وأنت خبـيرٌ بأن نظمَ الكل في سلك الدعاءِ أصالةً يأباه مقام المبالغةِ في الاعتناء بشأن ما هما بصدده، وأما جعلُ ضميرِ لنكونن للكل فلا محذورَ فيه لأن توسيعَ دائرةِ الشكر غيرُ مُخِلَ بالاعتناء المذكور بل مؤكدٌ له. وأياً ما كان فمعنى قوله تعالى:
التستري
تفسير : قوله: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}[188] فكيف ينفع غيره من لم يملك نفعه، وإنما ذلك إلى الله تعالى.
القشيري
تفسير : أَمَره بتصريح الإقرار بالتبري عن حوله ومُنتَّهِ، وأن قيامه وأمرَه ونظامَه بطوْل ربِّه ومتِّه؛ ولذلك تتجنَّسُ عليَّ الأحوال، وتختلف الأطوار؛ فَمِنْ عُسْرٍ يَمَسُّني، ومِنْ يسرٍ يخصني، ولو كان الأمر بمرادي، ولم يكن بِيدِ غيري قيادي لتشابهت أحوالي في اليسر، ولتشاكلت أوقاتي في البعد من العسر.
البقلي
تفسير : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} فرد ساحة الكبرياء عن التكلف الاكتساب والحق المشية والقدرة بالافعال الى الازل اى لا املك النسى قرب الله ولا بعده انما القرب والبعد منه ولو علمت سر المقادير الغيبة لكنت قادر بوصف الربوبية على نفع نفسى ودفع الضر وذلك قوله تعالى {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} قال ابو عثمان عجز الخلق عن ايصال نفع الى نفسه ودفع عنها عاجلا فكيف يثق بايمانه وكيف يعتمد بطاعته وقال تعالى قل لا املك النفسى نفعا ولا ضرا الا ما شاء الله وقال بعضهم لو كنت املك الغيب او قدر عليه لما مسنى السؤ ولكن طويت الغيوب عنا والزمت الملامة علينا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا} اى جلب نفع ولا دفع ضر فمن لا يعلم ان نفعه فى أى الاشياء ومضرته فى أيها كيف يعلم وقت قيام الساعة واللام متعلق باملك. قال سعدى جلبى المفتى والظاهر انه متعلق بنفعا ولا ضرا {الا ما شاء الله} ان املكه من ذلك بان يلهمنيه فيمكننى منه ويقدرنى عليه فالاستثناء متصل او لكن ما شاء الله من ذلك كائن فالاستثناء منقطع وهذا ابلغ فى اظهار العجز عن علمها {وان كنت عالم الغيب} اى جنس الغيب {لاستكثرت من الخير} اى لجعلت المال والمنافع كثيرا على ان يكون بناء استفعل للتعدية كما فى نحو استذله {وما مسنى السوء} من كيد العدو والفقر والضر وغيرها {ان انا الا نذير وبشير} اى ما انا الا عبد مرسل للانذار والبشارة شأنى ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا الوقوف على الغيوب التى لا علاقة بينها وبين الاحكام والشرائع وقد كشفت عن امر الساعة ما يتعلق به الانذار من مجيئها لا محالة واقترابها واما تعيين وقتها فليس مما يستدعيه الانذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من ان ابهامه ادعى الى الانزجار عن المعاصى {لقوم يؤمنون} اما متعلق بهما جميعا لانهم ينتفعون بالانذار كما ينتفعون بالبشارة واما البشير فقط وما يتعلق بالنذير محذوف او نذير للكافرين اى الباقين على الكفر وبشير لقوم يؤمنون اى فى اى وقت كان ففيه ترغيب للكفرة فى احداث الايمان وتحذير عن الاصرار على الكفر والطغيان. قال الحدادى فى تفسيره فى الآية دلالة على بطلان قول من يدعى العلم بمدة الدنيا ويستدل بما روى ان الدنيا سبعة آلاف سنة لانه لو كان كذلك كان وقت قيام الساعة معلوما واما قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : "بعثت انا والساعة كهاتين" واشار الى السبابة والوسطى" تفسير : فمعناه تقريب الوقت لا تحديده كما قال تعالى {أية : فقد جاء اشراطها} تفسير : [محمد: 18]. اى مبعث النبى عليه السلام من اشراطها انتهى. يقول الفقير رواية عمر الدنيا وردت من طرق شتى صحاح لكنها لا تدل على التحديد حقيقة فلا يلزم ان يكون وقت قيام الساعة معلوما لاحد ايا من كان من ملك او بشر. وقد ذهب بعض المشايخ الى ان النبى صلى الله عليه وسلم كان يعرف وقت الساعة باعلام الله تعالى وهو لا ينافى الحصر فى الآية كما لا يخفى. وفى صحيح مسلم عن حذيفة قال اخبرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن الى ان تقوم الساعة وفى الحديث "حديث : ان لله ديكا جناحاه موشيان بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب وقوائمه فى الارض السفلى ورأسه مثنى تحت العرش فاذا كان السحر الاعلى خفق بجناحيه ثم قال سبوح قدوس ربنا الله لا اله غيره فعند ذلك تضرب الديكة اجنحتها وتصيح فاذا كان يوم القيامة قال الله تعالى ضم جناحك وغض صوتك فيعلم اهل السموات والارض ان الساعة قد اقتربت ". تفسير : ومن اشراط الساعة كثرة السبى والتسرى وذلك دليل على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين الدال على التراجع والانحطاط اذا بلغ الامر كماله. ومنها كون الغنم دولا يعنى اذا كان الاغنياء واصحاب المناصب يتداولون باموال الغنيمة ويمنعون عنها مستحقيها وكون الزكاة مغرما يعنى يشق عليهم اداء الزكاة ويعدونها غرامة وكون الامانة مغنما يعنى اذا اتخذ الناس الامانات الموضوعة عندهم مغانم يغتنمونها ومن الامانة الفتوى والقضاء والامارة والوزارة وغيرها فاذا آتوها الى غير اهاليها كما ترى فى زماننا فانتظر الساعة. وفى رواية عن ابى هريرة "حديث : لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رواية والورع تصنعا ولا تقوم الساعة الا على شرار الخلق ". تفسير : فان قيل قد ورد فى الصحيح عن ابن عمر رضى الله عنهما "حديث : لا تزال طائفة من امتى ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ". تفسير : قيل معناه الى قريب قيام الساعة لان قريب الشيء فى حكمه. واعلم ان القيامة ثلاث حشر الاجساد والسوق الى المحشر للجزا وهى القيامة الكبرى وموت جميع الخلائق وهى والوسطى ولا يعلم وقته يقينا الا الله تعالى وانما يعلم بالعلامات المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا بعضا منها وموت كل احد وهى الصغرى وفى الحديث "حديث : من مات فقد قامت قيامته " . "حديث : - وروى - ان النبى صلى الله عليه وسلم ذكر يوما احوال جهنم فقال واحد من الاصحاب رضى الله عنه ادع لى يا رسول الله ان ادخل فيها فتعجبوا من قوله فقال عليه الصلاة السلام "انه يريد ان يكون صاحب القيامة الكبرى" " . تفسير : قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره نحن لا نعرف حقيقة مراده عليه السلام الا انا نوجهه بان يريد ان يشاهد القيامة الكبرى بان يصل الى مرتبة يتجلى فيها معنى قوله تعالى {أية : كل شيء هالك الا وجهه} تفسير : [القصص: 88]. فان السالك اذا جاوز عن مرتبة الطبيعة والنفس والروح والسر بغيب عنه ما سوى الله تعالى فلا يرى غير الله تعالى فاضمحلال ما سواه وفناؤه هو القيامة الكبرى وهذه مرتبة عظمى لا يصل اليها الا اهل العناية: قال الحافظ شعر : عنقا شكاركس نشوددام بازجين كانجا هميشه باد بدستست دام را تفسير : فعلى العاقل الاجتهاد وبذل المجهود ليرتقى الى ما ترقى اليه اهل الخير والجود شعر : بال بكشا وصفير ازشجر طوبى زن حيف باشد جو تومرغى كه اسير قفسى كاروان رفت وتودرراه كمين كاه بخواب وه كه بس بيخبرى زين همه بانك جرسى تفسير : ونعم ما قيل شعر : عاشق شورانه روزى كارجهان سرآيد تاخوانده نقش مقصود از كاركاه هستى تفسير : نسأل الله تعالى ان يوفقنا لما يحب ويرضى ويداوى هذه القلوب المرضى وهو المعين على كل حال وفى كل حين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وما مسني السوء}: عطف على "استكثرتُ"، أي: لو علمتُ الغيب لاستكثرتُ الخير واحترست من السوء، أو استئناف، فيوقف على ما قبله، ويراد حينئذٍ بالسوء: الجنون، والأول أحسن؛ لاتصاله بما قبله، و {لقوم}: يجوز أن يتعلق ببشير ونذير، أي: أُبشر المؤمنين وأُنذرهم، وخصهم بالبشارة والنذارة لانتفاعهم بهما، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، فيُوقف على {نذير}، ويكون المتعلق بنذير محذوف، أي: نذير للكافرين، والأول أحسن. قاله ابن جزي. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: أنا {لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضَرًا} أي: لا أجلب لها نفعًا ولا أدفع عنها ضررًا، {إلا ما شاء الله} من ذلك، فيعلمَني به، ويوقفني عليه، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب، {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} أي: لو كنت أعلم ما يستقبلني من الأمور المغيبة؛ كشدائد الزمان وأهواله، لاستعددت له قبل نزوله باستكثار الخير والاحتراس من الشر، حتى لا يمسني سوء، {إن أنا إَلا نذير وبشير} أي: ما أنا إلا عبد مرسل بالإنذار والبشارة {لقوم يؤمنون}؛ فإنهم المنتفعون بهما، أو نذير لمن خالفني بالعذاب الأليم، وبشير لمن تبعني بالنعيم المقيم. الإشارة: العبودية محل الجهل وسائر النقائص، والربوبية محل العلم وسائر الكمالات، فمن آداب العبد أن يعرف قدره، ولا يتعدى طوره، فإن ورد عليه شيء من الكمالات فهو وارد من الله عليه، وإن ورد عليه شيء من النقائص فهو أصله ومحله، فلا يستوحش منه، وكان شيخنا يقول: إن علمنَا فمن ربنا، وإن جهلنا فمن أصلنا وفصلنا. أو كلام هذا معناه، فالاستشراف إلى الاطلاع على علم الغيوب من أكبر الفضول، وموجب للمقت من علام الغيوب. والله تعالى أعلم. ثم ذكر أصل النشأة، ليدل على نقص العبد وجهله، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين إني {لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} ان يملكني إياه فمشيئته تعالى في الآية واقعة على تمليك النفع والضر لا على النفع والضر، لانه لو كانت المشيئة إنما وقعت على النفع والضر كان الانسان يملك ما شاء الله من النفع، وكان يملك الأمراض والاسقام وسائرها ما يفعله الله فيه مما لا يجد له عن نفسه دفعاً. ومعنى الاية إني املك ما يملكني الله من الاموال وما اشبهها مما يملكهم ويمكنهم من التصرف فيها على ما شاؤا، وكيف شاؤا. والضر الذي ملكهم الله إياه هو ما مكنهم منه من الاضرار بأنفسهم وغيرهم، ومن لم يملكه الله شيئاً منه لم يملكه. وذلك يفسد تأويل المجبرة الذين قالوا: معنى الاية إن الله يريد جميع ما ينال الناس من النفع والضرر وإن كان ظلماً وجوراً من أفعال عباده. وقوله عز وجل {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} معناه إني لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما يربح من التجارات في المستقبل وما يخسر من ذلك فكنت اشتري ما اربح واتجنب ما اخسر فيه، فتكثر بذلك الاموال والخيرات عندي، وكنت أعده في زمان الخصب لزمان الجدب {وما مسني السوء} يعني الفقر إذا فعلت ذلك. وقيل: وما مسني تعذيب. وقيل: وما مسني جنون جواباً لهم حين نسبوه إلى الجنون. وقال ابن جريج {لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت} من العمل الصالح قبل حضور الاجل، وهو قول مجاهد وابن زيد. وقال البلخي: لو كنت اعلم الغيب لكنت قديماً، والقديم لا يمسه السوء لان احداً لا يعلم الغيب الا الله. وفي الآية دلالة على ان القدرة قبل الفعل، لأن قوله {لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير} يفيد أنه كان قادراً لأنه لو لم تكن القدرة إلا مع الفعل لو علم الغيب لما امكنه الاستكثار من الخير وذلك خلاف الآية. وقوله تعالى {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} معناه لست الا مخوفاً من العقاب محذراً من المعاصي ومبشراً بالجنة حاثاً عليها غير عالم بالغيب {لقوم يؤمنون} فيصدقون بما اقول، وخصهم بذلك لانهم الذين ينتفعون بانذاره وبشارته دون من لا يصدق به كما قال {هدى للمتقين}.
الجنابذي
تفسير : {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} فلا يكون لى الاطّلاع على الغيوب وهو تبرّءٌ من الانانيّة واقرار بالعجز والعبوديّة، كما هو شأن العارف بالرّبوبيّة وكناية عن نفى علم الغيب عن نفسه مطلقاً اشارة الى العجز فى قوتّه العمّالة والجهل فى قوّته العلاّمة بحسب التّنزّل الى مقام البشريّة وما كان يظهر منه القدرة والعلم بالغيوب، فانّما هو بحسب جنبته الملكوتيّة الّتى هى من عالم الرّبوبيّة {إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} ان يملكنى على ظاهره ويعلمنى على معناه المكنّى {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} تصريح بالنّفى المكنّى تأكيداً وتحقيق له بالبرهان الحسّىّ على زعمهم فانّهم لا يرون خيراً الاّ ما زعموه خيراً من الاعراض الدّنيويّة {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} السّعة فى المال والصّحّة والسّلامة {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} الآفة فى المال وفى الانفس {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} للكافرين بقرينة المقابلة مع بشير، وتقييده بالمؤمنين او مطلقاً كما هو ظاهره لكن المؤمنين من الجهات النّفسانيّة الّتى تؤدّى الى الكفر وللكفّار من كفرهم {وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} نفى لجملة الشّؤن عن نفسه واثبات للانذار والتّبشير الّذين هما بأمر الله كأنّه قال: ليس لى شأن الاّ امر الله وهو غاية التّوحيد فعلاً وصفةً، ولمّا كان هذا منه (ص) توحيداً عقّبه تعالى شأنه باشراك آدم وحوّاء فى مخلوقه الّذى لا ينبغى الاشراك فيه اشراكاً فى الآلهة، وهو ينافى توحيد اله العالم الّذى هو دون توحيد الافعال والصّفات ابداءً لفضله (ص) وتقديماً لذمّ اولادهما فى الشّرك فى العبوديّة الّذى هو اقبح من الشّرك فى الآلهة ومستلزم له فقال {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}.
الأعقم
تفسير : {قل} يا محمد {لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله} الآية نزلت في أهل مكة قالوا: يا محمد لا يخبرك ربك عن الرخص والغلاء فتشتري في وقت الرخص وتبتاع في وقت الغلاء فتربح، وإذا كنت في أرض تريد أن تجدب ترحل إلى الخصيب فنزلت الآية، إلا ما شاء الله أن أملكه بتمليكه إياي تعالى {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} والمضار حتى لا يمسني منها شيء ولم آل في الحروب غالبا مرة ومغلوباً مرة ومغلوباً أخرى {إن أنا إلا} عبدٌ أرسلت {نذير وبشير لقوم يؤمنون} يصدقون {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني آدم (عليه السلام) {وجعل منها} أي خلق منها {زوجها} وهي حوى خلقها الله من جسد آدم من ضلع من أضلاعه {ليسكن اليها} أي ليطمئن إليها ويميل {فلما تغشاها} والتغشي كناية عن الجماع {حملت حملاً خفيفاً} خف عليها لم تلق منه ما تلقى بعض الحبالى من حملهن من الكرب {والأذى فلما أثقلت} كبر الحمل في بطنها وتحرك {دعوا الله ربهما} يعني دعا آدم وحوى ربهما مالكهما الذي هو الحقيق بأن يدعى إليه قالا: {لئن آتيتنا صالحاً} وهبت لنا ولداً صالحاً في الدين {لنكونن من الشاكرين} قال في الثعلبي: وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهيمة، وروي فيه أيضاً: أن آدم وحوى لما أهبطا إلى الأرض ألقيت الشهوة في نفس آدم فأصابها فحملت، فلما تحرك ولدها في بطنها أتاها ابليس فقال: ما هذا إلا ناقة أو جمل أو بقرة أو ضائنة أو ماعز، وما يدريك ما في بطنك لعله كلب أو خنزير أو حمار، وما يدريك من أين يخرج من دبرك فيقتلك أو من عينك أو أذنك أو من فيك أو ينشق بطنك، فخافت حوى، فقال: أطيعيني وسميه عبد الحرث وكان اسمه في الملائكة الحارث تلدين، فذكرت ذلك لآدم (عليه السلام) فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمت، فلم يزل بهما حتى سمياه عبد الحرث، وروي عن ابن عباس أيضاً: كانت حوى تلد لآدم (عليه السلام) فتسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاهما ابليس فقال: إن شئتما يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث، فولدت إبناً فسماه عبد الحرث {فلما آتاهما} ما طلباه من الولد الصالح السوي {جعلا له شركاء} أي جعلا أولادهما له شركا على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه وكذلك {فيما آتاهما} أي أتى أولادهما، ويدل عليه قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} وآدم وحوى يريان من الشرك ومعنى اشركهم فيما أتاهم تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة وعبد شمس وما أشبه ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن {أيشركون ما لا يخلق شيئاً}، قيل: الأوثان يعني كفار مكة فإن الأوثان لا تخلق شيئاً ولا تقدر عليه، وقيل: الشمس وسموا عبد شمس وهذا إنكار وتقريع {وهم يخلقون} يعني الشمس لا تخلق شيئا حتى يكون لها عبداً وإنما هي مخلوقة، وقيل: أولاد آدم {ولا يستطيعون لهم نصراً} يعني هذه الأوثان لا يقدرون على معونتهم على عدوهم {ولا أنفسهم ينصرون} يدفعون عن أنفسهم مكروهاً {وان تدعوهم إلى الهدى}، قيل: ان تدعو المشركين إلى الهدى {لا يتبعوكم}، وقيل: المراد الأصنام يعني ادعوا هذه الأصنام إلى الهدى، إلى ما هو هدى ورشاد، والمعنى ان تطلبوا منهم كما تطلبون من الله تعالى من الخير والهدى {لا يتبعوكم} إلى مرادكم ومطلبكم ولا يجيبونكم كما يجيبكم الله تعالى ويدل عليه قوله تعالى: {فادعوهم} الآية.
الهواري
تفسير : قوله: {قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} أي إنما ذلك بما شاء الله {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ} أي: لو اطلعني الله على أكثر مما أطلعني عليه من الغيب لكان أكثر لخيري عنده؛ ولم يطلعني الله على علم الساعة متى قيامها. قوله: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} هذا جواب لقول المشركين إنه مجنون؛ فقال الله له: قل: {وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} أي الجنون، كقولهم لنوح عليه السلام: (أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ) تفسير : [هود:54] أي بجنون. {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ} أي من العذاب {وَبَشِيرٌ} بالجنة {لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ} وهذا تبع للكلام الأول: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} أي: آدم {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حواء من ضلعه القصيري اليسرى وهو نائم {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}. قال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ} أي [استمر بها الحمل فأتمته]. {فَلَمَّا أَثْقَلَت} قال بعضهم: استبان حملها، أي فاشتهر بها الحمل. {دَّعَوا اللهَ رَبَّهُمَا} أي: آدم وحواء {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً} أي غلاماً {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي لأنعمك.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لا أمْلكُ لنفْسِى نَفْعا ولا ضَرًّا} أى جلب نفع ولا دفع ضر، بل أنا عبد ضعيف كسائر المماليك، وذلك انتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب، كوقت الساعة، والقدرة على النفع والضر على الإطلاق {إلا ما شَاءَ اللهُ} أن أملكه وأقدر عليه من جلب أو نفع، فالاستثناء متصل باعتبار إنما سبق فى علم الله أنه يجلبه أو يدفعه بإلهام الله وتوفيقه قد ملكه، وإن أريد إلا ما شاء الله أن يكون فإنه يكون، أو إلا ما شاء الله من إلهام وتوفيق فالاستثناء منقطع. {ولَوْ كنتُ أعلمُ الغَيْب} على الإطلاق، وإنما علمت بعضه فقط وهو ما أخبرنى الله به، فلا حاجة إلى قول بعضهم: إنه قال ذلك قبل أن يطلعه الله على غيب، بل لا يصح {لاسْتكثَرتُ مِنَ الخَيْر} كالمال فآخذ منه الكفاف لنفسى، وأبثه فى المسلمين حتى أغنيهم عن غيرهم، وكالصحة فأجتنب أنا والمسلمون ما يزايلها، وكالثناء الحسن فأتوصل إلى أسبابه أنا والمسلمون تقوية للدين، فأجتنب كل ما يكون لعدوى مدخلا إلى تنقيصى، وكالرأى الحسن فلا أخطأ فى تدبير، وكالنصر والسلامة فأكون أبدا غالبا لأعدائى إذا أمرت بحربهم وغير ذلك، وكاغتنام المصالح الأخروية، فأعلم ما يضعفنى عنها أو يفوتها أو يفوت أعلاها فأجتنبه مثل أن يعلم أنه إن نام بعد العشاء فلا ينتبه إلا للفجر فيترك النوم ونحو ذلك. {ومَا مسَّنِىَ السُّوءُ} عطف على جواب لو فهو مستقبل مثبت لنفى نفيه بلو، أى ولما مسنى السوء وهو فوات نفع دنيوى أحتاج إليه، أو أخروى ولحوق ضر دنيوى أو أخروى {إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ} تنازعا فى قوله: {لقومٍ يُؤمنُونَ} ولغيرهم، ولكن اقتصر عليهم لأنهم المنتفعون بالنذارة والبشارة، وصح تسليط النذارة على المؤمنين، لأنهم يوعظون بها، يقول لهم: إن فعلتم كذا عاقبكم الله بالنار، أو بكذا وكذا، وتسليط البشارة على غيرهم لأنهم يوعظون بها ترغيبا إن فعلتم كذا فلكم الجنة، وكذا وكذا، أو يقدر لنذير محذوف أى إلا نذير للكافرين، ويراد بقوم مؤمنون قوم يطلب منهم الإيمان، ويشمل من آمن ومن كفر، فتصرف النذارة لمن كفر، والبشارة لمن آمن، وكأنه قال: لا أتجاوز النذارة والبشارة إلى ملك النفع والضر وعلم الغيب، بل أنا فى ذلك مثلكم. ويجوز أن يكون قوله: {وما مسنى السوء} مستأنفا فيراد بالسوء الجنون بلغة هذيل كما فسر به قوله تعالى: {أية : إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} تفسير : كأنه قال: ولست بمجنون، بل نذير بشير، وما فسرت به الآية من العموم هو ما ظهر لى، واستحسنه ولا يشكل عليه شئ منها. وروى عن ابن عباس: أن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص فتشتريه قبل أن يغلوا فتربح فيه، وبالسنة المجدية فتعد لها من المخصبة، وبالأرض التى تجدب فترحل إلى أرض تخصب، فنزلت الآية، وليس المراد فى الآية فقط، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح، ويحتمل أن يكون معنى {لاستكثرت من الخير} الأخروى متوصلا إليه بعلم الغيب لو علمته، لا من الدنيوى كما تقولون أنتم، وقال ابن جريج ومجاهد: المراد بالنفع الهدى، وبالضر الضلالة، وبالغيب وقت الموت وبالخير العمل الصالح، فإنه كما يجتهد فى الصالحات لخفاء وقت الموت مخافة هجومه يجتهد لعلم وقته، لأنه يظهر ظهورا واضحاً حينئذ أن كل وقت مضى فقد انتقص من الأجل، وهذا موجود فى خفائه، لكن ظهوره دون ذلك، وقيل: لو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا فيكثر خيرى دنيا وأخرى بذلك، وما مسنى السوء وهو قولكم لو كنت نبيا لعلمت متى تقوم.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ} أَى جلب نفع ولا دفع ضر، إِلا ما شَاءَ الله منهما أَن أَجلبه أَو أَدفعه بالوحى أَو الإِلهام، واللام متعلق بأَملك، ويجوز أَن تكون فى مفعول نفعاً للتقوية. ويقدر مثلها لضرا، أَى لا أَملك أَن أَنفع نفسى أَو أضرها، أَى لا أَملك أَمر الضر فأَدفعه إِذا جاءَ، وما اسم، أَو فى وقت من الأَوقات إِلا وقت مشيئة الله عز وجل أَن أَملكه، وقدرة العبد مؤثرة بإِذن الله عز وجل، وتأْثيرها مخلوق الله، فالمؤثر حقيقة هو الله عز وجل، والاستثناء متصل كما رأَيت، وما حرف مصدر، ويجوز أَن يكون الاستثناء منقطعاً، أَى لكن ما شاءَ الله كان، ووجه اتصال هذا بما قبله أَنه لو كان يعلم الغيب كالساعة لملك لنفسه نفعاً ودفع ضراً، يطلع عليهما بعلمه الغيب، وقيل: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بنى المصطلق جاءَت ريح على الطريق نفرت الدواب منها، فأَخبر صلى الله عليه وسلم بموت رفاعة بالمدينة، وكان فيه غيظ المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : انظروا أَين ناقتى؟"تفسير : فقال عبد الله بن أَبى بن سلول: أَلا تعجبون من هذا الرجل، يخبر عن موت رجل بالمدينة، ولا يعرف أَين ناقته.. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت، وناقتى فى هذا الشعب قد تعلق زمامها بشجرة"تفسير : ، فوجدوها كما قال، فأَنزل الله عز وجل {قل لا أَملك لنفسى نفعاً ولا ضراً إِلا ما شاءَ الله} {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} بالذات أَو بالتعلم، أَو كلما شئت، َو على أَى وجه شئت، ولا أَعلم منه إِلا ما علمنى ربى بحسب إِرادته، فهذا غيب مستثنى بقرينة الأَحوال والإِخبار عنه، أَو هذا غير غيب، وإِنما الغيب ما أَعلمه بلا إِخبار من الله سبحانه، وقيل: الغيب قيام الساعة، وقيل أل للاستغراق والنفى لسلب العموم، أَى لا أَعلمه كله بل بعضه {لاَسْتَكْثَرتُ مِنَ الخَيْرِ} الصحة والمال والفرح {وَمَا مَسَّنِى السُّوءُ} مرض أَو فقر أَو حزن للتعرض للخير والتجنب عن السوء، وفسر بعضهم الخير بالربح فى التجارة والخصب، والسوء بضد ذلك والفقر، وليس فى الآية وصفه صلى الله عليه وسلم بالحرص فى استكثار الخير لأَن المراد بالاستكثار الكفاف حتى لا يحتاج، أَو المراد أَن الله تعالى يطلعه على الخير بحيث لا يجوز له المحيد عنه، وهذا غير واقع، والمراد أَيضاً الغيب العام فلا ينافى أَن يكون قد أَطلعه على بعض الغيوب كما مر آنفاً وكما جاءَت أَخبار فى ذلك، والمراد: ما مسنى سوء ما، فلا ينافى أَنه قد يعلم فلا يقدر على التحول، كما رأَى عند أحد فلولاً فى سيفه وبقراً مذبوحة وذلك يدل على موت فى المسلمين، ولم يقدر على التحرز عن ذلك، أَو هذه ملازمة عادية إِقناعية، إِذ من يعلم مواضع الخير يستكثره عادة، ومن يعلم مواقع الشر يجتنبه عادة، فلا يرد أَن العلم بالشئ لا يستلزم القدرة عليه، ولا يصح أَن يقال: هذه الآية قبل أَن يعلم بعض الغيوب بإِذن الله، وادعى بعض أَنه قال ذلك تواضعاً. وقيل: الخير دعوة من له السعادة، والسوء دعوة من له الشقاوة، ويرده أَن ذلك لا يتبادر، وأَن دعاءَه للسعيد إِلى الإِيمان، ودعاءَه للشقى إِلى الإِيمان على حد سواء يثاب عليهما، وكلاهما عبادة، وقيل: الغيب والموت والخير الأَعمال الصالحة والسوء غير ذلك، وقدم الخير لمناسبة تقديم النفع {إِنْ أَنَا إِلاَ نَذِيرٌ} للكافرين {وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} بالله، أَو بى، أَو بالنذارة والبشارة، كلاهما للمؤمنين على التنازع لأَنهم المنتفعون بهما، وقيل نذير للكافرين، وحذفهم تطهيراً للسان عنهم، وعلى كل حال لا أَتجاوز النذارة و البشارة إِلى معرفة كل ما أَردت من الغيب.
الالوسي
تفسير : {قُلْ لاَ أَمْلِك لِنَفْسِى نَفْعاً ولاَ ضراً} أي لا أملك لأجل نفسي جلب نفع مّا ولا دفع ضرر مّا. / والجار والمجرور كما قال أبو البقاء إما متعلق بأملك أو بمحذوف وقع حالا من {نَفْعاً}. والمراد لا أملك ذلك في وقت من الأوقات {إِلاَّ مَا شَاءَ ٱللَّهُ} أي إلا وقت مشيئته سبحانه بأن يمكنني من ذلك فإنني حينئذ أملكه بمشيئته، فالاستثناء متصل وفيه دليل كما قال الشيخ إبراهيم الكوراني على أن قدرة العبد مؤثرة بإذن الله تعالى ومشيئته، وقيل: الاستثناء منقطع أي لكن ما شاء الله تعالى من ذلك كائن، وفيه على هذا من اظهار العجز ما لا يخفى، والكلام مسوق لإثبات عجزه عن العلم بالساعة على أتم وجه، وإعادة الأمر لإظهار العناية بشأن الجواب والتنبيه على استقلاله ومغايرته للأول. {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} أي الذي من جملته ما بين الأشياء من المناسبات المصححة عادة للسببية والمسببية ومن المباينات المستتبعة للمدافعة والممانعة {لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} أي لحصلت كثيراً من الخير الذي نيط بترتيب الأسباب ورفع الموانع {وَمَا مَسَّنَى ٱلسَّوْء} أي السوء الذي يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه وإن كان منه ما لا مدفع له وكأن عدم مس السوء من توابع استكثار الخير في الجملة، ولذا لم يسلك في الجملة الثانية نحو مسلك الجملة الأولى، والاستلزام في الشرطية لا يلزم أن يكون عقلياً وكلياً بل يكفي أن يكون عادياً في البعض. وقد حكم غير واحد أنه في الآية من العادي، وبذلك دفع الشهاب ما قيل: إن العلم بالشيء لا يلزم منه القدرة عليه ومنشؤه الغفلة عن المراد. وحمل الخير والسوء على ما ذكر هو الذي ذهب إليه جلة المحققين. وفسر بعض الأول بالربح في التجارة والفوز بالخصب. والثاني بضد ذلك بناء على ما روي عن الكلبـي أن أهل مكة قالوا، يا محمد ألا تخبرنا بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري فنربح، وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل منها إلى ما قد أخصب فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأول بالربح في التجارة والثاني بالفقرة، وقيل: الأول الجواب عن السؤال والثاني التكذيب، وقيل: الأول الاشتغال بدعوة من سبقت له السعادة، والثاني النصب الحاصل من دعوة من حقت عليه كلمة العذاب. وقيل: ونسب إلى مجاهد وابن جريج المراد من الغيب الموت، ومن الخير الإكثار من الأعمال الصالحة، ومن السوء ما لم يكن كذلك، وقيل: غير ذلك، والكل كما ترى ومنها ما لا ينبغي أن يخرج عليه التنزيل، وقدم ذكر الخير على ذكر السوء لمناسبة ما قبل حيث قدم فيه ذكر النفع على ذكر الضر وسلك في ذكرهما هناك كذلك مسلك الترقي على ما قيل: فإن دفع المضار أهم من جلب المنافع، وذكر النيسابوري أن أكثر ما جاء في القرآن إذ يؤتى بالضر والنفع معاً تقديم لفظ الضر على النفع وهو الأصل لأن العابد إنما يعبد معبوده خوفاً من عقابه أولاً ثم يعبده طمعاً في ثوابه ثانياً كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [السجدة: 16] وحيث تقدم النفع على الضر كان ذلك لسبق لفظ تضمن معنى نفع كما في هذه السورة حيث تقدم آنفاً لفظ الهداية على الضلال في قوله تعالى: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ } تفسير : [الأعراف: 178] الخ وفي الرعد [15] تقدم ذكر الطوع في قوله سبحانه: {أية : طَوْعًا وَكَرْهًا} تفسير : وهو نفع، وفي الفرقان [53] تقدم العذب في قوله جل وعلا: {أية : هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} تفسير : وهو نفع، وفي سبأ [36] تقدم البسط في قوله تبارك اسمه: {أية : رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} تفسير : وليقس على هذا غيره، وابن جريح يفسر النفع هنا بالهدى والضر بالضلال، وبه تقوى نكتة التقديم التي اعتبرها هذا الفاضل فيما نحن فيه كما لا يخفى. واستشكلت هذه الآية مع ما صح أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بالمغيبات الجمة وكان الأمر كما أخبر، وعد / ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة والسلام، واختلف في الجواب فقيل: المفهوم من الآية نفي علمه عليه الصلاة والسلام إذ ذاك بالغيب المفيد لجلب المنافع ودفع المضار التي لا علاقة بينها وبين الأحكام والشرائع وما يعلمه صلى الله عليه وسلم من الغيوب ليس من ذلك النوع وعدم العلم به مما لا يطعن في منصبه الجليل عليه الصلاة والسلام. وقد أخرج مسلم عن أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهما حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: عليه الصلاة والسلام: "لو لم تفعلوا لصلح" فلم يفعلوا فخرج شيصاً فمر بهم صلى الله عليه وسلم فقال: "ما لقحتم؟" قالوا: قلت كذا وكذا قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"تفسير : وفي رواية أخرى له أنه عليه الصلاة والسلام قال حين ذكر له أنه صار شيصاً: «حديث : إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان من أمر دينكم فإليّ» تفسير : وقد عد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأمر الدنيا كمالاً في منصبه إذ الدنيا بأسرها لا شيء عند ربه. وقيل: المراد نفي استمرار علمه عليه الصلاة والسلام الغيب، ومجيء كان للاستمرار شائع، ويلاحظ الاستمرار أيضاً في الاستكثار وعدم المس. وقيل: المراد بالغيب وقت قيام الساعة لأن السؤال عنه وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلمه ولم يخبر به أصلاً، وحينئذ يفسر الخير والسوء بما يلائم ذلك كتعليم السائلين وعدم الطعن في أمر الرسالة من الكافرين، وقيل: أل في الغيب للاستغراق وهو صلى الله عليه وسلم لم يعلم كل غيب فإن من الغيب ما تفرد الله تعالى به كمعرفة كنه ذاته تبارك وتعالى وكمعرفة وقت قيام الساعة على ما تدل عليه الآية. وفي «لباب التأويل» للخازن في الجواب عن ذلك أنه يحتمل أن يكون هذا القول منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع والأدب، والمعنى لا أعلم الغيب ألا أن يطلعني الله تعالى عليه ويقدره لي، ويحتمل أن يكون قال ذلك قبل أن يطلعه الله تعالى على الغيب فلما أطلعه أخبر به، أو يكون خرج هذا الكلام مخرج الجواب عن سؤالهم ثم بعد ذلك أظهره الله تعالى على أشياء من المغيبات ليكون ذلك معجزة له ودلالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم انتهى، وفيه تأمل؛ وكلام بعض المحققين يشير إلى ترجيح الأول. ومعنى قوله سبحانه: {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} على ذلك ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة وشأني حيازة ما يتعلق بهما من العلوم لا الوقوف على الغيوب التي لا علاقة بينها وبينهما وقد كشفت من أمر الساعة ما يتعلق به الإنذار من مجيئها لا محالة واقترابها وأما تعيين وقتها فليس مما يستدعيه الإنذار بل هو مما يقدح فيه لما مر من أن إبهامه أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، وتقديم النذير لأن المقام مقام انذار {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي يصدقون بما جئت به، والجار إما متعلق بالوصفين جميعاً والمؤمنون ينتفعون بالإنذار كما ينتفعون بالتبشير وإما متعلق بالأخير ومتعلق الأول محذوف أي نذير للكافرين، وحذف ليطهر اللسان منهم. وأراد بعضهم من الكافرين المستمرين على الكفر ومن مقابلهم الذين يؤمنون في أي وقت كان وحينئذ في الآية ترغيب للكفرة في أحداث الإيمان وتحذير عن الإصرار على الكفر والطغيان.
ابن عاشور
تفسير : هذا ارتقاء في التبرُّؤ من معرفة الغيب ومن التصرف في العالم، وزيادةٌ من التعليم للأمة بشيء من حقيقة الرسالة والنبوة، وتمييز ما هو من خصائصها عما ليس منها. والجملة مستأنفة ابتدائية قصد من استينافها الاهتمام بمضمونها، كي تتوجه الأسماع إليها، ولذلك أعيد الأمر بالقول مع تقدمه مرتين في قوله: {أية : قل إنما علمها عند ربي... قل إنما علمها عند الله}تفسير : [الأعراف: 187] للاهتمام باستقلال المقول، وأن لا يندرج في جملة المقول المحكي قبله، وخص هذا المقول بالإخبار عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام نحو معرفة الغيب ليقلع من عقول المشركين توهمَ ملازمة معرفة الغيب لصفة النبوة، إعلاناً للمشركين بالتزام أنه لا يَعلم الغيب، وأن ذلك ليس بطاعن في نبوته حتى يستيْئسوا من تحديه بذلك، وإعلاماً للمسلمين بالتمييز بين ما تقتضيه النبوة وما لا تقتضيه، ولذلك نفى عن نفسه معرفة أحواله المغيّبة، فضلاً على معرفة المغيبات من أحوال غيره إلاّ ما شاء الله. في «تفسير البغوي»، عن ابن عباس: أن أهل مكة قالوا يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يَغلو فتشتريَ عند الغلاء، وبالأرض التي تريد أن تَجْدب فترتحل منها إلى التي قد أخصبتْ، فأنزل الله تعالى: {قُل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلاّ ما شاء الله} فيكون هذا من جملة ما توركوا به مثل السؤال عن الساعة، وقد جمع رد القولين في قول. ومعنى الملْك هنا الاستطاعة والتمكن، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} تفسير : في سورة المائدة (76)، والمقصود منه، هنا: ما يشمل العلم بالنفع والضر، لأن المقام لنفي معرفة الغيب، ولأن العلم بالشيء هو موجب توجه النفس إلى عَمله. وقُدم النفع في الذكر هنا على الضر: لأن النفع أحب إلى الإنسان، وعُكس في آية المائدة؛ لأن المقصود تهوين أمر معبوداتهم، وأنها لا يُخشى غضبها. وإنما عطف قوله: {ولا ضَراً} مع أن المرء لا يتطلب إضرار نفسه لأن المقصود تعميم الأحوال إذ لا تعدو أحوال الإنسان عن نافع وضار، فصار ذكر هذين الضدين مثل ذكر المساء والصباح وذكر الليل والنهار والشر والخير وسيأتي مزيد بيان لهذا عند قوله تعالى: {أية : ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً} تفسير : في سورة الفرقان (3)، وجُعل نفي أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً مقْدمة لنفي العلم بالغيب، لأن غاية الناس من التطلع إلى معرفة الغيب هو الإسراع إلى الخيرات المستقبلة بتهيئة أسبابها وتقريبها، وإلى التجنب لمواقع الإضرار، فنفي أن يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، يعم سائر أنواع الملك وسائر أنواع النفع والضر، ومن جملة ذلك العموم ما يكون منه في المستقبل وهو من الغيب. والاستثناء من مجموع النفع والضر، والأولى جعله متصلاً، أي إلاّ ما شاء الله أن يُملّكنيه بأن يُعْلمنيه ويُقدرَني عليه، فإن لم يشأ ذلك لم يطلعني على مواقعه وخلق الموانع من أسباب تحصيل النفع، ومن أسباب اتقاء الضر، وحمْله على الاتصال يناسب ثبوت قدرة للعبد بجعل الله تعالى وهي المسماة بالكسب، فإذا أراد الله أن يوجه نفس الرسول عليه الصلاة والسلام إلى معرفة شيء مغيب أطلعه عليه لمصلحة الأمة أو لإكرام الأمة له كقوله تعالى: {أية : إذْ يريكهم الله في منامك} تفسير : [الأنفال: 43] ــــ إلى قوله: {أية : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} تفسير : [الأنفال: 44]. وقوله: {ولو كنتُ أعلم الغيب} الخ تكملة للتبرؤ من معرفة الغيب، سواء منه ما كان يخص نفسه وما كان من شؤون غيره. فحصل من مجموع الجملتين أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، في عالم الشهادة وفي عالَم الغيب، وأنه لا يعلم شيئاً من الغيب، مما فيه نفعه وضره وما عداه. والاستدلال على انتفاء علمه بالغيب بانتفاء الاستكثار من الخير، وتجنب السوء، استدلال بأخص ما لو عَلم المرء الغيبَ لَعلمه، أولَ ما يعلم وهو الغيب الذي يَهُم نفسه، ولأن الله لو أراد إطلاعه على الغيب؛ لكان القصد من ذلك إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم ــــ فيكون إطلاعه على ما فيه راحته أول ما ينبغي إطلاعه عليه، فإذا انتفى ذلك كان انتفاء غيره أوْلَى. ودلي التالي، في هذه القضية الشرطية، هو المشاهدة من فوات خيرات دنيوية لم يتهيأ لتحصيلها وحصول أسواء دنيوية، وفيه تعريض لهم إذ كانوا يتعرضون له السوء. وجملة: {إن أنا إلاّ نذير وبشير} من تمام القول المأمور به وهي مستأنفة ستينافاً بيانياً، ناشئاً عن التبرُّؤِ من أن يملك لنفسه نفعاً أو ضراً لأن السامعين يتوهمون ما نفاه عن نفسه أخص صفات النبي فمن شأنهم أن يتعجبوا من نفيه ذلك عن نفسه وهو يقول إنه رسول الله إليهم، ويسألوا عن عمله ما هو بعد أن نفي عنه ما نفي، فبين لهم أن الرسالة منحصرة في النذارة على المفاسد وعواقبها والبشارة بعواقب الانتهاء عنها واكتساب الخيرات. وإنما قدم وصف النذير على وصف البشير، هنا: لأن المقام خطاب المكذبين المشركين، فالنذارة أعلق بهم من البشارة. وتقدم الكلام على النذير البشير عند قوله تعالى: {أية : إنّا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} تفسير : في سورة البقرة (119). وقوله: {لقوم يؤمنون} يتنازعُ تعلُّقَه كل من {نذير} و{بشير}: لأن الانتفاع بالأمرين يختص بالذين تهيئوا إلى الإيمان بأن يتأملوا في الآيات وينهوا من أنفسهم ويقولوا الحق على آبائهم، دون الذين جعلوا دَيدنهم التكذيبَ والإعراضَ والمكابرة، فالمضارع مراد به الحال والاستقبال كما هو شأنه، ليشمل من تَهيأ للإيمان حالاً ومآلاً، وأما شموله لمن آمنوا فيما مضى فهو بدلالة فحوى الخطاب إذ هم أولى، وهذا على حد قوله تعالى: {أية : إنما أنت منذر من يخشاها}تفسير : [النازعات: 45]. وفي نظم الكلام على هذا الأسلوب من التنازع، وإيلاء وصف (البشير) بـ (قوم يؤمنون)، إيهام أن البشارة خاصة بالمؤمنين، وأن متعلق النذارة المتروك ذكره في النظم هو لأضداد المؤمنين، أي المشركين، وهذا المعنى مقصود على نحو قوله تعالى: {أية : لتنذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين}تفسير : [الأحقاف: 12]. وهذه المعاني المستتبعات مقصودة من القرآن، وهي من وجوه إعجازه لأن فيها استفادة معان وافرة من ألفاظ وجيزة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ} الآية. وهذه الآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وقد أمره تعالى أن يقول إنه لا يعلم الغيب في قوله في "الأنعام": {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} تفسير : [الأنعام: 50] الآية، وقال: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن: 26-27] الآية، وقال: {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل: 65] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. والمراد بالخير في هذه الآية الكريمة قيل: المال، ويدل على ذلك كثرة ورود الخير بمعنى المال في القرآن كقوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8]، وقوله: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً} تفسير : [البقرة: 180]، وقوله: {أية : قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ} تفسير : [البقرة: 215] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وقيل: المراد بالخير فيها العمل الصالح كما قاله مجاهد وغيره، والصحيح الأول لأنه صلى الله عليه وسلم مستكثر جداً من الخير الذي هو العمل الصالح، لأن عمله صلى الله عليه وسلم كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملاً أثبته.
الواحدي
تفسير : {قل لا أملك لنفسي...} الآية. إنَّ أهل مكة قالوا: يا محمَّد، ألا يخبرك ربُّك بالسِّعر الرَّخيص، قبل أن يغلو، فنشتري من الرَّخيص لنربح عليه؟ وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل عنها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومعنى قوله: {لا أملك لنفسي نفعاً} أي: اجتلاب نفع بأن أربح، {ولا ضرَّاً} دفع ضرٍّ بأن أرتحل من الأرض التي تريد أن تجدب {إلاَّ ما شاء الله} أن أملكه بتمليكه {ولو كنت أعلم الغيب} ما يكون قبل أن يكون {لاستكثرت من الخير} لادَّخرت في زمانِ الخِصْبِ لزمن الجدب {وما مسني السوء} وما أصابني الضرُّ والفقر {إن أنا إلاَّ نذير} لمَنْ يصدِّق ما جئت به {وبشير} لمن اتَّبعني وآمن بي. {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} يعني: آدم {وجعل منها زوجها} حوَّاء خلقها من ضلعه {ليسكن إليها} ليأنس بها، فيأوي إليها {فلما تغشاها} جامعها {حملت حملاً خفيفاً} يعني: النُّطفة والمنيِّ {فمرَّت به} استمرَّت بذلك الحمل الخفيف، وقامت وقعدت، ولم يُثْقِلها {فلما أثقلت} صار إلى حال الثِّقل ودنت ولادتها، {دعوا الله ربهما} آدم وحواء {لئن آتيتنا صالحاً} بشراً سويَّاً مثلنا {لنكوننَّ من الشاكرين} وذلك أنَّ إبليس أتاها في غير صورته التي عرفته، وقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إنِّي أخاف أن يكون بهيمةً، أو كلباً أو خنزيراً، وذكرت ذلك لآدم، فلم يزالا في همٍّ من ذلك، ثمَّ أتاها وقال: إن سألتُ الله أن يجعله خلقاً سويَّاً مثلك أَتُسمِّينه عبد الحارث؟ وكان إبليس في الملائكة الحارث، ولم يزل بها حتى غرَّها، فلمَّا ولدت ولداً سويَّ الخلق سمَّته عبد الحارث، فرضي آدم.
د. أسعد حومد
تفسير : (188) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأنْ يُفَوِّضَ الأُمُورَ إِلَيهِ تَعَالَى، وَأنْ يُخْبِرَ النَّاسَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لاَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، وَلاَ هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى شَيءٍ مِنْهُ، إلاّ مَا أطْلَعَهُ عَلَيهِ رَبُّهُ. وَأنَهُ لَوُ كَانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، وَيَعْلَمُ مَتَى يَمُوتُ، لاسْتَكْثَرَ مِنْ فِعْلِ الأعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالخَيْرَاتِ، وَلَتَزَوَّدَ لِلآخِرَةِ؛ أوْ لَوْ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا اشْتَرَى شَيئاً رَبحَ فِيهِ لَفَعَلَ ذَلِكَ. أوْ أنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ لاجْتَنَبَ الشَّرَّ وَالسُّوءَ واتَّقَاهُمَا. ثُمَّ أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ للنَّاسِ: إنَّهُ نَذِيرٌ مِنَ العَذَابِ، وَبشيرٌ لِلْمُؤْمِنينَ بِالجَنَّةِ، وَهَذِهِ هِيَ مَهَمَّتُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويقول الحق تبارك وتعالى على لسان رسوله: أنتم تسألونني عن الساعة، وأنا بشر، ومتلقّ فقط، والإرسال بالمنهج يأتي من الله وأنا أبلغه، ولا علم لي بموعد قيام الساعة، ولا أملك لنفسي لا ضراً ولا نفعاً، أي لا أملك أن أدفع الضر عني أو أجذب النفع لنفسي، ولكن حين يسوق الله النفع أو يمنع الضر، فالإنسان يملك ما يعطيه الله، والعاقل حين يملك، يقول: إن هذا ملك عَرَضي، لا آمن أن ينزع مني. لذلك قال لنا الحق تبارك وتعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 26] وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} أيْ أنَّ أحداً لا يملك شيئاً إلا ما شاء الله أن يملكه، ورسول الله من البشر. ويضيف: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ...} [الأعراف: 188] ومحمد صلى الله عليه وسلم لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، فقد حارب، وانتصر، وحارب وانهزم، وتاجر فربح، ويسير عليه ما يسير على البشر، ومرة يدبر الأمر الذي لم يكن فيه منهج من السماء، فمرة يصيب ومرة يخطىء. فيصحح له الله؛ لذلك يأتي القول على لسانه بأمر من الله: لو كنت أعلم الغيب لما وقعت في كل هذه المسائل، وكان أهل رسول الله من قريش قد قالوا: إننا أقاربك، فقل لنا على موعد الساعة. حتى نستعد لملاقاتها. ويتابع المولى سبحانه قوله: {وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وساعة ترى "إن" فهي مرة تكون شرطية مثل: "إن ذاكرت تنجح"، ومرة تكون للنفي وتجد بعدها اسما، والمعنى: ما أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون. والكلام موجه إلى المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بالنذارة وبالبشارة، وما يُنذروا به لا يفعلوه، وما يبشروا به يفعلوه. ويقول الحق بعد ذلك: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):