Verse. 1143 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

ہُوَالَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَّاحِدَۃٍ وَّجَعَلَ مِنْہَا زَوْجَہَا لِيَسْكُنَ اِلَيْہَا۝۰ۚ فَلَمَّا تَغَشّٰىہَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيْفًا فَمَرَّتْ بِہٖ۝۰ۚ فَلَمَّاۗ اَثْقَلَتْ دَّعَوَا اللہَ رَبَّہُمَا لَىِٕنْ اٰتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُوْنَنَّ مِنَ الشّٰكِرِيْنَ۝۱۸۹
Huwa allathee khalaqakum min nafsin wahidatin wajaAAala minha zawjaha liyaskuna ilayha falamma taghashshaha hamalat hamlan khafeefan famarrat bihi falamma athqalat daAAawa Allaha rabbahuma lain ataytana salihan lanakoonanna mina alshshakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو» أي الله «الذي خلقكم من نفس واحدة» أي آدم «وجعل» خلق «منها زوجها» حواء «ليسكن إليها» ويألفها «فلما تغشَّاها» جامعها «حملت حملا خفيفا» هو النطفة «فمرت به» ذهبت وجاءت لخفته «فلما أثقلت» بكبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون بهيمة «دعوا الله ربَّهما لئن آتيتنا» ولدا «صالحا» سويا «لنكونن من الشاكرين» لك عليه.

189

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } وهي نفس آدم {وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } آدم {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك؟ فخافت حواء، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ذلك، ثم أتاها وقال: إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله: {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً، والمراد به الحرث هذا تمام القصة. واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة. الثاني: أنه تعالى قال بعده: {أية : أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } تفسير : [الأعراف: 191] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئاً)، ولم يقل (ما لا يخلق شيئاً)، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما» الرابع: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟ الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار. فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله. فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه. إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد. التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام. ثم قال تعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد. التأويل الثاني: بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصي، والمراد من قوله: هو الذى خلقكم من نفس قصي وَجعل من جنسـها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف، وعبد العزى، وعبد قصي، وعبد اللات، وجعل الضمير في {يُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. التأويل الثالث: أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه: الأول: أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام، وحكى عنهما أنهما قالا: {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال: {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } فقوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقرير: فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟ ثم قال: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم يقال لذلك المنعم: أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعم: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي؟ على التبعيد فكذا ههنا. الوجه الثاني: في الجواب أن نقول: أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله: {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } فنقول: التقدير، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي واسأل أهل القرية. فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء }. قلنا: لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله: {جَعَلاَ } المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع، وهو قوله تعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. الوجه الثالث: في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام، إلا أنه قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق. ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته. وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فلهذا قال تعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكياً عن الله سبحانه: «حديث : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه»تفسير : وعلى هذا التقدير: فالإشكال زائل. الوجه الرابع: في التأويل أن نقول: سلمنا صحة تلك القصة المذكورة، إلا أنا نقول: إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم. يقال في المثل: أنا عبد من تعلمت منه حرفاً، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان: كتابة عبد وده فلان. قال الشاعر:شعر : وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا تفسير : فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية. المسألة الثانية: في تفسير ألفاظ الآية وفيها مباحث: البحث الأول: قوله: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } المشهور أنها نفس آدم وقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } المراد حواء. قالوا ومعنى كونها مخلوقة من نفس آدم، أنه تعالى خلقها من ضلع من أضلاع آدم. قالوا: والحكمة فيه أن الجنس إلى الجنس أميل، والجنسية علة الضم، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء، وأيضاً الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح. بقي أن يقال: إذا لم نقل بذلك، فما المراد من كلمة {مِنْ } في قوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } فنقول: قد ذكرنا أن الإشارة إلى الشيء تارة تكون بحسب شخصه، وأخرى بحسب نوعه قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» تفسير : وليس المراد ذلك الفرد المعين بل المراد ذلك النوع. وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : في يوم عاشوراء هذا هو اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون» تفسير : والمراد خلق من النوع الإنساني زوجة آدم، والمقصود التنبيه على أنه تعالى جعل زوج آدم إنساناً مثله قوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها، والغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشاها وتغشاها إذا علاها، وذلك لأنه إذا علاها فقد صار كالغاشية لها، ومثله يجللها، وهو يشبه التغطي واللبس. قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } وقوله: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } قالوا يريد النطفة والمني والحمل بالفتح ما كان في البطن أو على رأس الشجر، والحمل بكسر الحاء ما حمل على ظهر أو على الدابة. وقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } أي استمرت بالماء والحمل على سبيل الخفة، والمراد أنها كانت تقوم وتقعد وتمشي من غير ثقل. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ يحيى بن يعمر {فَمَرَّتْ بِهِ } بالتخفيف وقرأ غيره {فمارت به} من المرية. كقوله: {أية : أَفَتُمَـٰرُونَهُ } تفسير : [النجم: 12] وفي قراءة أخرى {أَفَتُمَـٰرُونَهُ } معناه وقع في نفسها ظن الحمل وارتابت فيه {فَلَمَّا أَثْقَلَت } أي صارت إلى حال الثقل ودنت ولادتها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا } يعني آدم وحواء {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً } أي ولداً سوياً مثلنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لآلائك ونعمائك {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا } الله {صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } والكلام في تفسيره قد مر بالاستقصاء قرأ ابن كثير وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص (عَنْهُ شُرَكَاء) بصيغة الجمع وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر (عَنْهُ) بكسر الشين وتنوين الكاف ومعناه جعلا له نظراء ذوي شرك وهم الشركاء، أو يقال معناه أحدثا لله إشراكاً في الولد ومن قرأ { شُرَكَاء } فحجته قوله: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ } تفسير : [الرعد:16] وأراد بالشركاء في هذه الآية إبليس لأن من أطاع إبليس فقد أطاع جميع الشياطين، هذا إذا حملنا هذه الآية على القصة المشهورة، أما إذا لم نقل به فلا حاجة إلى التأويل والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} قال جمهور المفسرين: المراد بالنفس الواحدة آدم. {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني حوّاء. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ليأنس بها ويطمئن، وكان هذا كله في الجنة. ثم ابتدأ بحالة أُخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} كناية عن الوِقاع. {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} كلّ ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حَملٌ بالفتح. وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حِمل بالكسر. وقد حكى يعقوب في حِمل النخلة الكَسْر. وقال أبو سعيد السيرافيّ: يقال في حمل المرأة حَمل وحِمل، يشبه مرّة لاستبطانه بحَمل المرأة، ومرّة لبُروزه وظهوره بحمل الدّابّة. والْحَمل أيضاً مصدر حَمَل عليه يحمِل حَملاً إذا صال. {فَمَرَّتْ بِهِ} يعني المنيّ؛ أي استمرت بذلك الحمل الخفيف. يقول: تقوم وتقعد وتَقَلَّب، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. وقيل: المعنى فاستمر بها الحمل، فهو من المقلوب؛ كما تقول: أدخلت القَلَنْسوة في رأسي. وقرأ عبد الله ابن عمر «فَمَارَتْ بِهِ» بألف والتخفيف؛ من مَار يَمُور إذا ذهب وجاء وتصرّف. وقرأ ابن عباس ويحيى ابن يَعْمَر «فَمَرَتْ بِهِ» خفيفة من المِرْيَة، أي شكّت فيما أصابها؛ هل هو حمل أو مرض، أو نحو ذلك. الثانية ـ قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} صارت ذات ثقل؛ كما تقول: أثمر النخل. وقيل: دخلت في الثقل؛ كما تقول: أصبح وأمسى. {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} الضمير في «دَعَوَا» عائد على آدم وحوّاء. وعلى هذا القول ما رُوي في قصص هذه الآية أن حوّاء لما حملت أوّل حمل لم تدرِ ما هو. وهذا يقوِّي قراءة من قرأ «فَمَرَتْ بِهِ» بالتخفيف. فجزِعت لذلك؛ فوجد إبليس السبيل إليها. قال الكلبيّ: إن إبليس أتى حوّاء في صورة رجل لما أثقلت في أوّل ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: إني أخاف أن يكون بهيمة. فقالت ذلك لآدم عليه السلام. فلم يزالا في هَمٍّ من ذلك. ثم عاد إليها فقال: هو مِن الله بمنزلةٍ، فإن دعوتُ الله فولدتِ إنساناً أفتسمّينه بي؟ قالت نعم. قال: فإني أدعو الله. فأتاها وقد ولدت فقال: سمِّيه باسمي. فقالت: وما ٱسمك؟ قال: الحارث ـ ولو سَمَّى لها نفسه لعرفته ـ فسمته عبد الحارث. ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث، في الترمذِيّ وغيره. وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات؛ فلا يعوِّل عليها من له قَلْبٌ، فإن آدم وحوّاء عليهما السلام وإن غرَّهما بالله الغَرُور فلا يُلدغ المؤمن من جُحْرٍ مرّتين، على أنه قد سُطِّر وكُتب. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض»تفسير : . وعُضِد هذا بقراءة السلمِيّ «أتشركون» بالتاء. ومعنى {صَالِحاً} يريد ولداً سوياً. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء، وهي: ـ الثالثة ـ قال المفسرون: كان شِرْكاً في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمّياه به كما يسمِّي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربُّه؛ كما قال حاتم:شعر : وإني لَعبد الضّيف ما دام ثاوياً وما فيّ إلاّ تِيكَ من شِيمة العبدِ تفسير : وقال قوم: إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرّية آدم عليه السلام، وهو الذي يُعوَّل عليه. فقوله: {جَعَلاَ لَهُ} يعني الذكر والأُنثى الكافرين، ويُعنى به الجنسان. ودلّ على هذا {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ولم يقل يشركان. وهذا قولٌ حسنٌ. وقيل: المعنى «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ» من هيئة واحدة وشكل واحد «وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا» أي من جنسها «فَلَمَّا تَغَشَّاهَا» يعني الجنسين. وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحوّاء ذكر في الآية؛ فإذا آتاهما الولد صالحاً سليماً سوِياً كما أراداه صرفاه عن الفِطرة إلى الشرك، فهذا فعل المشركين. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مولود إلا يولد على الفطرة ـ في رواية على هذه الملة ـ أبواه يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِه»تفسير : . قال عكرمة: لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم. وقال الحسين بن الفضل: وهذا أعجب إلى أهل النظر؛ لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبيّ الله آدم. وقرأ أهل المدينة وعاصم «شِرْكاً» على التوحيد. وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع، على مثل فُعَلاَءَ، جمع شريك. وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأُولى، وهي صحيحة على حذف المضاف، أي جعلا له ذا شرك؛ مثل «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ» فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء. الرابعة ـ ودلّت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض. روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال: أوّل الحمل يُسْرٌ وسرور، وآخره مرض من الأمراض. وهذا الذي قاله مالك: «إنه مرض من الأمراض» يعطيه ظاهر قوله: {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} وهذه الحالة مشاهدة في الحُمّال، ولأجل عظم الأمر وشدّة الخطب جُعل موتُها شهادةً؛ كما ورد في الحديث: وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله. ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يَهَب ويُحابِي في ثُلثُه. وقال أبو حنيفة والشافعيّ: إنما يكون ذلك في الحامل بحال الطَّلْقِ، فأما قبل ذلك فلا. واحتجّوا بأن الحمل عادةٌ والغالب فيه السلامة. قلنا: كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة، وقد يموت من لم يمرَض. الخامسة ـ قال مالك: إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث. ومن طلّق زوجته وهي حامل طلاقاً بائناً فلما أتى عليها ستةُ أشهر فأراد ٱرتجاعها لم يكن له ذلك؛ لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح. السادسة ـ قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول في الرجل يحضر القتال: إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئاً إلا في الثلث، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال. ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص. وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعيّ وغيرهما. قال ابن العربيّ: وإذا استوعبت النظر لم تَرْتَب في أن المحبوس على القتل أشدّ حالاً من المريض، وإنكار ذلك غفلة في النظر؛ فإن سبب الموت موجود عندهما، كما أن المرض سبب الموت، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}. وقال رُوَيْشَد الطائيّ:شعر : يا أيها الراكبُ المُزْجِي مَطِيَّتَه سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصَّوْتُ وقل لهم بادروا بالعُذْر والتمسوا قولاً يُبَرّئُكم إنِّي أنا المَوْتُ تفسير : ومما يدل على هذا قوله تعالى: {أية : إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب: 10]. فكيف يقول الشافعيّ وأبو حنيفة: الحال الشديدة إنما هي المبارزة؛ وقد أخبر الله عز وجل من مقاومة العدو وتَداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة القلوب واضطرابها؛ هل هذه حالة ترى على المريض أم لا؟ هذا ما لا يشك فيه منصِف، وهذا لمن ثبت في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده، وشاهد الرسول وآياته؛ فكيف بنا؟ السابعة ـ وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهَوْل؛ هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل. فقال ٱبن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال ابن وهب وأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. قال القاضي أبو محمد: وقولهما أقيس؛ لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل. قال ابن العربي: وٱبن القاسم لم يركب البحر، ولا رأى دوداً على عود. ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقّق التوكل والتفويض فليركب البحر.

ابن كثير

تفسير : ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام. وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ}تفسير : [الحجرات: 13] وقال تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1] الآية، وقال في هذا الآية الكريمة {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي: ليألفها ويسكن بها؛ كقوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21] فلا ألفة بين روحين أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} أي: وطئها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألماً، إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة. وقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} قال مجاهد: استمرت بحمله، وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه، وقال ميمون بن مهران عن أبيه: استخفته. وقال أيوب: سألت الحسن عن قوله: {فَمَرَّتْ بِهِ} قال: لو كنت رجلاً عربياً، لعرفت ما هي؟ إنما هي: فاستمرت به، وقال قتادة: {فَمَرَّتْ بِهِ} استبان حملها. وقال ابن جرير: معناه استمرت بالماء، قامت به وقعدت. وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به، فشكت أحملت أم لا؟ {فَلَمَّآ أَثْقَلَت} أي: صارت ذات ثقل بحملها. وقال السدي: كبر الولد في بطنها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً} أي: بشراً سوياً؛ كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة، وكذلك قال أبو البختري وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنساناً. وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاماً {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ فَلَمَّآ ءَاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يذكر المفسرون ههنا آثاراً وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة، قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد: حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما ولدت حواء، طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» تفسير : وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعاً، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعاً. وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعاً، قلت: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه (أحدها): أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعاً، فالله أعلم. (الثاني): أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعاً، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا بكر بن عبد الله بن سليمان التيمي عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث. (الثالث): أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعاً، لما عدل عنه. قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا} قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم. وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن: عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده، يعني: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا}. وحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود، والنصارى، رزقهم الله أولاداً، فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب ممن آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم. فأما الآثار، فقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولاداً، فيعبدهم لله، ويسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به، لعاش، قال: فولدت له رجلاً، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} -إلى قوله - {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا} إلى آخر الآية، وقال العوفي: عن ابن عباس قوله في آدم: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} شكت أحملت أم لا؟ {فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكم؟ أم هل تدريان ما يكون، أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سوياً، ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: {فَلَمَّآ ءَاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا} الآية. وقال عبد الله بن المبارك: عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّآ ءَاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا} قال: قال الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} آدم {حَمَلَتْ} فأتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني، أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن؛ يخوفهما، فسمِّياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت الثانية، فأتاهما أيضاً فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتاً، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضاً، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمَّياه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَـٰهُمَا} رواه ابن أبي حاتم. وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد، يعني: ابن بشير، عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء، أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولد فمات، ثم حملت، فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما، فأطاعا. وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم» تفسير : ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام، فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضاً، ومنها ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام: «حديث : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» تفسير : وهو الذي لا يصدق ولا يكذب؛ لقوله: «حديث : فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» تفسير : وهذا الأثر هو من القسم الثاني، أو الثالث، فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن، فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ} تفسير : [الملك: 5] الآية، ومعلوم أن المصابيح، وهي النجوم التي زينت بها السماء، ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ } أي الله {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } أي آدم {وَجَعَلَ } خَلق {مِنْهَا زَوْجَهَا } حوّاء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ويألفها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } جامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } هو النطفة {فَمَرَّتْ بِهِ } ذهبت وجاءت لخفته {فَلَمَّآ أَثْقَلَت } كبر الولد في بطنها وأشفقا أن يكون الولد بهيمة {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا } ولداً {صَٰلِحاً } سَوِيّاً {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ } لك عليه.

الماوردي

تفسير : {فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} وذلك أن إبليس قال لحواء سَمِّيه: عبد الحارث، يعني نفسه لأنه اسمه في السماء كان "الحارث" فسمته عبد الله فمات، ثم حملت ولداً ثانياً فقال لها ذلك فلم تقبل، فمات، ثم حملت ثالثاً فقال لها ولآدم، أتظنان الله تارك عبده عندكما؟ لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخرين فسمياه بذلك فعاش، فهذا معنى قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} أي في الاسم، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض. وقال الحسن وقتادة: إن المكنّى عنه بقوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} ابن آدم وزوجته، وليس براجع إلى آدم وحواء.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَّفْسٍ وَاحِدةٍ} آدم {زَوْجَهَا} حواء {لِيَسْكُنَ} ليأوي، أو ليألفها ويعطف عليها. {خَفِيفاً} النطفة، {فَمَرَّتْ بِهِ} استمرت إلى حال الثقل، أو شكت هل حملت أم لا؟ قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ. {دَّعَوَا} آدم وحواء. {صَالِحاً} غلاماً سويّاً، أو بشراً سويّاً، لأن إبليس أوهمها أنه بهيمة، {جَعَلا لَهُ شُرَكَآءَ} كان اسم إبليس في السماء "الحارث" فلما ولدت حواء، قال: سميه "عبد الحارث" فسمّته "عبدالله" فمات فلما ولدت ثانياً قال لها ذلك فأبت، فلما حملت ثالثاً قال لها ولآدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أتظنان أن الله ـ تعالى ـ يترك عبده عندكما لا والله ليذهبن به كما ذهب بالأخوين، فسمياه بذلك فعاش فكان إشراكهما في الاسم دون العبادة، أو جعل ابن آدم وزوجته لله شركاء من الأصنام فيما آتاهما، قاله الحسن.

الثعالبي

تفسير : وقوله: جلَّت عظمته: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ...} الآية. قال جمهورُ المفسِّرين: المراد بالنَّفْسِ الواحدة: آدم عليه السلام، وبقوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حَوَّاء، وقولُه: {مِنْهَا } هو ما تقدَّمَ ذكْره مِنْ أنَّ آدمَ نام، فٱسْتُخْرِجَتْ قُصْرَىٰ أضلاعِهِ، وخُلِقَتْ منها حَوَّاءُ. وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}، أي: ليأنسَ، ويطمئنَّ، وكان هذا كلُّه في الجنة. ثم ابتدأ بحالةٍ أخرَى، وهي في الدنيا بعد هبوطهما، فقال: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا }، أي: غَشِيَها، وهي كناية عن الجِمَاع، والحَمْلُ الحفيف: هو المنيُّ الذي تحمله المرأة في رَحِمِهَا. وقوله: {فَمَرَّتْ بِهِ } أي: ٱستمرَّت به، وقرأَ ابنُ عبَّاس: «فٱسْتَمَرَّتْ بِهِ»، وقرأ ابن مسعود: «فَٱسْتَمَرَّتْ بِحَمْلِهَا» وقرأ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: «فَمَارَتْ بِهِ»، أي جاءَتْ به، وذهَبَتْ، وتصرَّفَت؛ كما تقولُ: مَارَتِ الرِّيحُ مَوْراً، و{أَثْقَلَت }: دخلَتْ في الثِّقل، كما تقول: أصْبَحَ وأمْسَى، والضمير في قوله {دَّعَوَا }، على هذا التأويل: عائدٌ على آدم وحوَّاء، وروي في قصص ذلك؛ أن الشيطانَ أشار عَلَى حواء، أن تُسَمِّيَ هذا المولودَ «عَبْدَ الحَارث»، وهو اسْمُ إبليسَ، وقال لها: إِن لم تفعلي قَتَلْتُهُ، فزعموا أنهما أطاعاه؛ حرْصاً علَى حياة المولود، فهذا هو الشِّرك الذي جَعَلاَ لِلَّهِ، في التسمية فَقَطْ. وقال الطبريُّ والسديُّ في قوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} كلامٌ منفصلٌ من خَبَرِ آدم وحَوَّاء، يراد به مشركُو العرب. * ت *: وينزه آدم وحواء عن طاعتهما لإبليس، ولم أقِفْ بَعْدُ عَلَىٰ صحَّة ما رُوِيَ في هذه القِصَصِ، ولو صَحَّ، لوجب تأويله، نَعَمْ؛ روى الترمذيُّ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، طَافَ بِهَا إبْلِيسُ، وكانَ لا يَعيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَان، وأَمْرِهِ، قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، انفرد به عُمَرُ بنُ إبراهيم، عن قَتَادَةَ، وعمرُ شَيْخٌ بصريٌّ. انتهى. وهذا الحديثُ ليس فيه أنهما أطاعاه، وعَلَىٰ كلِّ حالٍ: الواجبُ التوقُّفْ، والتنزيهُ لِمَنْ ٱجتباه اللَّه، وحُسْنُ التأويل ما أمكن، وقد قال ابنُ العربيِّ في توهينِ هذا القَوْل وتزييفِهِ: وهذا القولُ ونحوه مذكُورٌ في ضعيف الحديثِ في الترمذيِّ وغيره، وفي الإِسرائيليات التي لَيْسَ لها ثباتٌ، ولا يعوِّل عليها مَنْ له قَلْبٌ، فإِنَّ آدم وحواء - وإِن كانا غرَّهما باللَّهِ الغَرُورُ - فلا يُلْدَغُ المؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مرّتين، وما كانا بعْدَ ذلك لِيقْبَلاَ له نُصْحاً، ولا يسمعا له قَوْلاً، والقولْ الأشبه بالحَقِّ: أن المراد بهذا جنْسُ الآدميين. انتهى من «الأحكام». قال * ع *: وقوله {صَـٰلِحاً }: قال الحَسَن: معناه: غُلاَماً، وقال ابن عباس؛ وهو الأظهر: بَشَراً سَوِّياً سليماً. وقال قومٌ: إنما الغَرَضُ من هذه الآية تعديدُ النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النَّسْل والولادةِ، ثم ذكر سُوءَ فعْلِ المشركينَ المُوجبِ للعقابِ، فقال مخاطباً لجميع الناس: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يريد: آدم وحواء، أي: ٱستمرَّتْ حالُكم واحداً واحداً كذلك، فهذه نعمةٌ يختصُّ كلُّ واحد بجزء منْها، ثم جاء قوله: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا...} إلى آخر الآية، وصفاً لحالِ الناس واحداً واحداً، أي: هكذا يفعلون، فإِذا آتاهم اللَّه ولداً صالحاً سليماً كما أرادوه، صرفوه عن الفِطْرة إِلى الشرك، فهذا فِعْلُ المشركين. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» وهذا القول هو الأشبه بالحقِّ وأقربُ للصدق، وهو ظاهر الآية، وعمومها الذي يشملُ جميعَ متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياءُ عن النّقصِ الذي لا يليقُ بجهَّال البَشَرُ، فكيف بسادَاتِهِمْ، وأنبيائهم؟! انتهى، وهو كلامٌ حسنٌ؛ وباللَّه التوفيق. وقرأ نافعٌ، وعاصم؛ في رواية أبي بَكْر: «شركاً» - بكسر الشين، وسكون الراء -؛ على المصدر، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائيُّ، وحفصٌ عن عاصم: «شُرَكَاء» على الجمع، وهي بينة؛ على هذا التأويل الأخير، وقلقةٌ على قول من قال: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مُصْحَف أَبيٍّ بن كَعْب: «فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً أَشْرَكَا فِيهِ». وقوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً...} الآية: الآية: ذهب بعضُ من قال بالقول الأول إلى أنَّ هذه الآية في آدم وحواء على ما تقدَّم، وفيه قَلقٌ وتعسُّفٌ من التأويل في المعنَىٰ وإِنما تنسق هذه الآياتُ، ويَرُوقُ نَظْمها، ويتناصَرُ معناها على التأويل الأخير، فإِنهم قالوا: إن الآية في مُشْركي الكُفَّار الذي يُشْركُون الأصنام في العبادة، وإِياها يراد في قوله: {مَا لاَ يَخْلُقُ }، وعبَّر عن الأصنام بـــ {هُمْ }؛ كأنها تَعْقِلُ على ٱعتقاد الكُفَّار فيها؛ وبحسب أسمائها، {ويُخْلَقُونَ}: معناه: يُنْحَتُونَ ويُصْنَعُونَ، يعني: الأصنام، ويحتملُ أن يكونَ المعنَىٰ، وهؤلاء المشركُونَ يُخْلَقُونَ؛ أي: فكان حقُّهم أن يعبدوا خالِقَهُمْ، لا مَنْ لا يخلق شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمٰن: «عَمَّا تُشْرِكُونَ» بالتاء مِنْ فوقُ «أَتُشْركُونَ». وقوله سبحانه: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ}، من قال: إن الآياتِ في آدم عليه السلام، قال: هذه مخاطبة مستأنفة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأمته في أمْر الكُفَّار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ قال بالقولِ الآخَر، قال: إِن هذه مخاطبةٌ للمؤمنين والكُفَّار؛ على قراءة مَنْ قرأ: «أَيُشْرِكُونَ» - بالياء من تَحت -، وللكفَّار فقطْ على قراءة مَنْ قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيفِ، أيْ: هذا حالُ الأصنام معكم؛ إنْ دعوتموهم، لم يجيبُوكُمْ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} الآية. اعلم أنَّهُ تعالى رجع هنا إلى تقرير التَّوحيدِ، وإبطال الشرك. قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بالنفس الواحدة آدم - عليه الصلاة والسلام - {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [النساء: 1] أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم - عليه الصلاة والسلام - من غير أذَى ليسكن إليها أي: ليأنس بها ويأوي إليها قالوا: والحكمة في كونها مخلوقة من نفس آدم: أنَّ الجنسَ أميل إلى جِنْسهِ. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا مشكل؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم؟ ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء؟ وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء؟ وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد، على خلاف الحسن والتَّشريح. وإذا عرف ذلك فنقول: المرادُ من كلمة مِنْ في قوله: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أنَّ الإشارة إلى شيءٍ تكون تارة بحسب شخصه، وتارة بحسب نوعه. قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذَا وضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصلاة إلاَّ بِهِ. والمرادُ نوعه لا ذلك الفرد المعين، وقال - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - في يوم عاشوراء هَذَا هُو اليومُ الذي أظهر اللَّهُ فيه موسى على فِرعون والمُرادُ: نوعه. وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}تفسير : [البقرة: 35] والمرادُ نوعها لا شخصها فكذا ههنا. {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: وخلق من نوع الإنسان زوج آدم، أي: جعل زوج آدم إنساناً مثله، "فلمَّا تَغشَّاهَا" أي واقعها وجامعها: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ يكون خفيفاً عليها: "فَمَرَّتْ بِهِ" أي: استمرَّت به، وقامت وقعدت به لم يثقلها. قوله حَمْلاً المشهورُ أنَّ الحَمل بالفتح ما كان في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس غير شجرة. وحكى أبُو عُبيدٍ في حمل المرأةِ: حَمْل وحِمْل. وحكى يعقوبُ في حمل النَّخْلةِ: الكسر، والحمل في الآية يجوزُ أن يُرادَ به المصدرُ فينتصب انتصابهُ، وأن يُرادَ به نفسُ الجنين، وهو الظَّاهِرُ، فينتصب انتصابَ المفعُولِ به، كقولك: حَمَلْتُ زيداً. قوله: "فَمَرَّتْ" الجمهور على تشديد الراء، أي: استمرت به، أي: قامت وقعدت. وقيل: هو على القلب أي: فمَرَّ بها أي: استمرَّ ودام. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ: وأبو العالية ويحيى بن يعمر، وأيوب: فَمَرَتْ خفيفه الرَّاءِ، وفيها تخريجان: أحدهما: أنَّ أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا التضعيف في حرف مُكرر فتركوه، وهذه كقراءة: {أية : وَقَرْنَ}تفسير : [الأحزاب: 33] بفتح القاف إذَا جعلناهُ من القرارِ. والثاني: أنه من المرية وهو الشَّكُ، أي: فشكَّت بسببه أهو حَمْلٌ أم مرض؟ وقرأ عبدُ الله بن عمرو بن العاص، والجحدريُّ: فَمَارَتْ بألف وتخفيف الرَّاءِ، وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنَّها من: "مَارَ، يمُورُ" إذا جاء وذهب، ومَارتِ الرِّيحُ، أي: جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كُلِّ وجهٍ، ووزنه حينئذٍ "فَعَلَتْ" والأصلُ "مَوَرَتْ" ثم قلبت الواو ألفاً فهو كـ: طَافَتْ، تَطُوفُ. والثاني: أنَّها من المريةِ أيضاً قاله الزمخشريُّ، وعلى هذا فوزنه "فَاعلَتْ". والأصْلُ "مَارَيتْ" كـ "ضَارَبَتْ" فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتح ما قبله فقُلِبَ ألفاً، ثمَّ حُذفتْ لالتقاء الساكنين، فهو كـ: بَارَتْ، ورَامَتْ. وقرأ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ، وابنُ عبَّاسٍ أيضاً والضحَّاكُ: فاسْتَمَرَّتْ بِهِ وهي واضحة. وقرأ أبيّ فَاسْتمَارَتْ وفيها الوجهان المتقدمان في "فَمَارَتْ" أي: أنَّهُ يجوز أن يكون من "المِرْيَة"، والأصلُ: اسْتَمْريَتْ وأن يكون من "المَوْرِ"، والأصلُ: اسْتَمْورَتْ. قوله: "فَلمَّا أثقَلَتْ" أي: صَارتْ ذات ثقل ودنت ولادتها كقولِهِمْ ألبَنَ الرَّجُلُ، وأتْمَرَ أي: صار ذَا لبَنٍ وتَمْرٍ. وقيل: دخلت في الثقل؛ كقولهم: أصبح وأمسى، أي: دخل في الصَّباح والمساءِ، وقرىء أثْقِلَتْ مبنيًّا للمفعُولِ. قوله: "دَعَوا اللَّهَ" متعلَّقُ الدُّعاء محذوفٌ لدلالة الجملة القسميَّةِ عليه، أي: دعواهُ في أن يُؤتيهُمَا ولداً صالحاً. قوله: "لَئِنْ آتيْتَنَا" هذا القسمُ وجوابه فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مُفَسِّرٌ لجملة الدُّعاءِ كأنه قيل: فما كان دعاؤهما؟ فقيل: كان دعاؤهما كيت وكيت؛ ولذلك قلنا إنَّ هذه الجملة دالةٌ على متعلق الدُّعاءِ. والثاني: أنَّهُ معمولٌ لقولٍ مضمرٍ، تقديره: فقالا لئن آتيتنا، ولنكُوننَّ جوابُ القسم، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ على ما تقرَّر. وصَالِحاً فيه قولان أظهرهما: أنه مفعولٌ ثان، أي: ولداً صالحاً. والثاني: قال مكي إنه نعتُ مصدر محذوف، أي: إيتاءً صالحاً، وهذا لا حاجة إليه، لأنه لا بد من تقدير المؤتى لهما. فصل قال المفسِّرون: المعنى لَئِنْ آتيتنا صالحاً بشراً سويًّا مثلنا لنكوننَّ من الشَّاكرين. وكانت القصةُ أنَّهُ لمَّا حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما الذي في بطنكِ؟ قالت: ما أدْرِي، قال: إني أخافُ أن يكُون بهيمةً، أو كلباً، أو خنزيراً، وما يُدريك من أين يَخْرُجُ؟ أمن دبرك فيقتلك، أو من فيك أو ينشق بطنك؟ فخافت حوَّاءُ من ذلك وذكرته لآدم، فلم يزالاَ في هُمّ من ذلك، ثمَّ عاد إليها فقال: إني من اللَّهِ بمنزلةٍ فإن دعوتُ الله أن يجعله خلقاً سويّاً مثلك، ويُسهِّل عليك خروجه تسميه عبد الحارثِ. وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث، فذكرت ذلك لآدم. فقال: لعلَّهُ صاحبنا الذي قد علمت؛ فعاودها إبليس، فلم يزل بها حتَّى غرَّها؛ فلمَّا ولدْتهُ سمَّيَاهُ عبد الحارثِ. وروي عن ابن عباسٍ، قال: كانت حوَّاءُ تلدُ فتسميه عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن فيصيبهم الموتُ، فأتاهما إبليسُ، وقال: إن سَرَّكُمَا أن يعيش لكما ولدٌ فسمياه عبد الحارث؛ فولدت فسمياهُ عبد الحارث فعاش، وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض. واعلم أن هذا التأويل فاسدٌ لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فدلَّ على أن الذين أتوا بهذا الشركِ جماعةٌ. وثانيها: قال بعدهُ: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} وهذا يدلُّ على أن المقصود من الآية: الرَّد على من جعل الأصنام شركاء للَّهِ تعالى، ولم يجر لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر. وثالثها: لو كان المراد إبليس لقال: أيشركُون من لا يخلُقُ؛ لأن العاقلَ إنَّما يُذْكَرُ بصيغة من. ورابعها: أنَّ آدم - عليه السَّلام - كان من أشدّ النَّاس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماءِ كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] فلا بد وأن يكُون قد علم أن اسم إبليس هو الحارثُ، فمع العداوة الشَّديدة التي بينهُمَا ومع علمه بأنَّ اسم إبليس الحارث كيف يسمِّي ولدهُ بعبد الحارث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماءُ بحيث لم يجد سوى هذا الاسم؟ وخامسها: أنَّ أحدنا لو حصل له ولد فجاءهُ إنسان، ودعاه إلى أن يسمي ولده بهذا الاسم لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار، فآدم - عليه السلام - مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر المنكر؟ وسادسها: أن بتقدير أن آدم عليه الصلاة والسلام، سماه بعبد الحارث، فلا يخلو إمَّا أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له أو جعله صفة له، بمعنى أنَّهُ أخبر بهذا اللفظ أنَّهُ عبد الحارثِ، فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلا يلزم من هذه التسمية حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - اعتقد أنَّ لله شريكاً في الخلق والإيجاد، وذلك يُوجبُ الجزم بكُفْر آدم، وذلك لا يقوله عاقل؛ فثبت فساد هذا القول. وإذا عُرِفَ ذلك فنقُولُ في تأويل الآية وجوه: الأول: قال القفالُ - رحمه الله - إنَّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضَرْب المثل وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، كأنَّهُ تعالى يقولُ: هو الذي خلق كُلَّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلمَّا تغشَّى الزَّوج زوجته وظهر الحمل دعا الزَّوج والزَّوجة ربهما إن أتانا ولداً صالحاً سويّاً لنكونن من الشَّاكرين لآلائك ونعمائك، فلمَّا آتاهُمَا اللَّهُ ولداً صالحاً سويًّا جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما؛ لأنَّهُم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطَّبائعِ كما يقولُ الطبيعيون، وتارة ينسبونه إلى الكواكب كقول المُنجمين، وتارة إلى الأصنامِ والأوثان كقول عبدة الأصنام. ثم قال تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزَّه الله تعالى عن ذلك الشِّرْكِ. وهذا قول عكرمة. والثاني: أن يكون الخطابُ لقريش الذين كانُوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم "وهم آل أقصى". والمرادُ من قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ} قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلمَّا آتاهما ما طلبا من الولد الصَّالح السَّوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة: عبد منافٍ، وعبد العزَّى، وعبد قُصيٍّ وبعد اللاَّتِ وعبد الدَّار، وجعل الضمير في يُشركُونَ لهما، ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. الثالث: إن سلَّمنا أن هذه الآية وردت في شرح قصَّةِ آدم - عليه السَّلام -. وعلى هذا ففي دفع هذا الإشكال وجوه: أحدها: أن المشركين كانوا يقولون: إنَّ آدم - عليه الصلاة والسلام - كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وحكى عنهما أنهما قالا: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي: ذكر تعالى أنه لو آتاهما ولداً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النِّعمة. ثم قال {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ}. فقوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكآءَ} ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتَّبعيد تقديره: فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما؟: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشِّرك وينسبونه إلى آدم - عليه الصلاة والسلام -، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم قيل ذلك المُنْعِم إن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك. فيقول المُنْعِمُ: فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم يقابلني بالشَّرِّ؟ إنه بريء عن ذلك. فقوله: يقابلني بالشَّرِّ المراد منه: النفي والتبعيد فكذا ههنا. ثانيها: إن سلمنا أن القصَّة في آدم وحواء فلا إشكال في ألفاظها إلا قوله {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ}، أي: جعلا أولادهما شركاء على حذف المضافِ وإقامة المضاف إليه مقامه وكذا فيما: "آتاهُما" أي أولادهما، كقوله: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف 82] أي أهل القريةِ. فإن قيل: فعلى هذا التأويل ما الفائدة في تثنية قوله "جَعَلا لَهُ"؟ قلنا: لأنَّ ولدهُ قسمان ذكر وأنثى فقوله "جَعَلا" المراد منه الذكر والأنثى فمرة عبّر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرَّة عبَّرَ عنهم بلفظ الجمع، وهو قوله: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وثالثها: سلَّمْنَا أن الضمير في قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ} عائد إلى آدم وحواء - عليهما السَّلام - إلاَّ أنه قيل: إنَّهُ تعالى لما آتاهما ذلك الولد الصَّالح عزما أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديَّتِهِ على الإطلاق، ثُمَّ بدا لهُمَا في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدُّنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله تعالى وطاعته، وهذا العملُ، وإن كان مِنَّا طاعة وقربة، إلاَّ أنَّ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين، فلهذا قال اللَّهُ تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حاكياً عن اللَّهِ تعالى: "حديث : أنَا أغْنَى الأغنِيَاءِ عن الشِّركِ من عملَ عملاً أشْركَ فيهِ غَيْرِي تركْتُه وشِرْكُه ". تفسير : التأويل الرابع: سلَّمنا أنَّ القصَّة في آدم وحواء، إلاَّ أنَّا نقولُ: إنَّما سموه بعبد الحارث لأنَّهُم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفَةِ والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المُسَمَّى بالحارث. وقد يُسمى المُنْعَم عليه عبداً للمنعمِ، كما يقالُ في المثل: أنا عبدُ من تعلَّمتُ منه حرفاً فآدم وحوَّاء إنما سمياهُ بعبد الحارث لاعتقادهم أنَّ سلامته من الآفات ببركة دعائه، ولا يخرجه ذلك عن كونه عَبْداً لِلَّهِ من جهة أنَّهُ مملوكه ومخلوقه، وقد ذكرنا أنَّ حسنات الأبرار سيئات المقربين فلمَّا حصل الاشتراك في لفظ العبدِ لا جرم عُوتب آدم عليه الصَّلاة والسَّلام في هذا العمل بسبب الاشتراك في مجرد لفظ العبد. قوله: "جَعَلا لَهُ" قيل: ثمَّ مضاف، أي: جعل له أولادهما شركاء، كما تقدَّم في التَّأويلِ السَّابق، وإلاَّ فحاشا آدم وحواء من ذلك، وإن جُعِل الضَّمير ليس لآدم وحواء، فلا حاجة إلى تقديره كما مرَّ تقريره. وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم شِرْكاً بكسر الشِّينِ وسكون الرَّاءِ وتنوين الكاف. والباقون بضمِّ الشين، وفتح الرَّاء، ومدِّ الكاف مهموزةً، من غير تنوين، جمع "شَريك". فالشِّركُ مصدرٌ، ولا بد من حذف مضاف، أي: ذوي شركٍ، يعني: إشراك، فهو في الحقيقةِ اسمُ مصدر، ويكون المعنى: أحْدَثَا لَهُ إشراكاً في الولد، وقيل: المرادُ بالشِّركِ: النصيبُ وهو ما جعلاه من رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان وحدهما، فالضَّميرُ في لَهُ يعود على الولدِ الصَّالحِ. وقيل: الضمير في لَهُ لإبليس ولم يَجرِ لهُ ذكر، وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكيٌّ وأبُو البقاءِ وغيرهما: إنَّ التقدير يجوز أن يكون: جعلا لغيره شِرْكاً. قال شهابُ الدِّين: هذا الذي قدَّره هؤلاء قد قال فيه أبُو الحسن: كان ينبغي لمن قرأ شِرْكاً أن يقول المعنى: جعلا لغيره شِرْكاً؛ لأنَّهُمَا لا يُنْكرانِ أنَّ الأصلَ للَّه فالشرك إنَّما يجعله لغيره. قوله: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قيل: هذه جملةٌ استئنافيةٌ، والضمير في: يُشْرِكُونَ يعودُ على الكُفَّارِ، وأراد به إشراك أهلِ مكَّة والكلامُ قد تمَّ قبله، وقيل: يعودُ على آدم وحواء وإبليس، والمرادُ بالإشراكِ تَسْميتُهُمَا الولد الثالث بـ "عبد الحارث" وكان أشَارَ بذلك إبليس، فالإشراكُ في التَّسْمية فقط، وقيل: راجع إلى جميعِ المشركين من ذريَّةِ آدم، وهو قولُ الحسنِ، وعكرمة، أي: جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبْنَاءِ في تعييرهم بفعل الآباء فقال: {أية : ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ}تفسير : [البقرة: 51]{أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً}تفسير : [البقرة: 72] خاطب به اليهُود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: لم يكن آدم عَلِمَ، ويُؤيدُ الوجه الأول قراءة السّلمي: "عَمَّا تُشرِكُون" بتاء الخطاب وكذلك "أتُشْركُونَ" بالخطابِ أيضاً، وهو التفات. قوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}. هذه الآيةُ من أقوى الدَّلائل على أنَّهُ ليس المراد بقوله تعالى: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ما ذكره في قصَّة إبليس إذ لو كان المرادُ ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكليَّة، وكان ذلك النَّظْمُ في غاية الفسادِ، بل المرادُ ما ذكرناه في الأجوبة من أنَّ المقصود من الآية السابقة الرَّدُّ على عبدة الأوثان؛ لأنه أراد ههنا إقامة الحجَّة على أنَّ الأوثان لا تصلحُ للإلهيَّةِ فقوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: أيعبدون ما لا يقدرُ على أن يخلق شيئاً؟ وهم يُخلقون، يعني الأصنام. قوله: "وهُمْ يُخْلقُونَ" يجوزُ أن يعود الضميرُ على ما من حيث المعنى وعبَّر عن ما وهو مفرد بضمير الجمع؛ لأنَّ لفظة ما تقع على الواحدِ والاثنينِ والجمع فهي من صيغ الواحد بحسب لفظها، ومحتملة للجمع فاللَّهُ تعالى اعتبر الجهتين؛ فوحَّد قوله يَخْلُقُ لظاهر اللفظ وجمع قوله: "وهُمْ يُخْلَقُونَ" للمعنى، والمرادُ بها الأصنام وعبر عنهم بـ "هُم" وجمعهم بالواو والنون، لاعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه في العقلاء أو لأنهم مختلطون بمن عُبد من العقلاء كالمسيح وعزير، أو يعودُ على الكُفَّارِ، أي: والكفار مخلوقون فلو تفكَّروا في ذلك لآمنوا فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ العبد لا يخلق أفعاله؛ لأنَّهُ تعالى طعن في إلاهية الأصنام لكونها لا تخلق شيئاً وهذا الطَّعن لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا بأنَّها لو كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلاهيتها، وهذا يقتضي أنَّ من كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبدُ خالقاً لأفعال نفسه كان إلهاً، ولمَّا كان ذلك باطلاً علمنا فساد هذا القول. قوله: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} أي: أن الأصنام لا تنصر من أطاعها، ولا تضرُّ من عصاها، وهو المراد بقوله: {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}. قوله: {وَإِن تَدْعُوهُمْ} الظاهرُ أنَّ الخطاب للكفَّار، وضمير النَّصْبِ للأصنام، أي: وإن تدعوا آلهتكم إلى طلب هدى ورشاد - كما تطلبونه من الله - لا يتابعوكم على مُرادكُم، ويجُوزُ أن يكون الضميرُ للرسُولِ والمؤمنين، والمنصوب للكفَّارِ، أي وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى الإيمان، ولا يجوزُ أن يكون تَدعُوا مسنداً إلى ضميرِ الرسُولِ فقط، والمنصوبُ للكُفَّارِ أيضاً؛ لأنَّه كان ينبغي أن تحذف الواو، لأجل الجازم، ولا يجوزُ أن يقال: قدَّر حذف الحركة وثبت حرف العلَّة؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2647 - هَجَوْتَ زبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِراً مِنْ هَجْوِ زبَّان لَمْ تَهْجُو ولمْ تَدَعِ تفسير : ويكون مثل قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}تفسير : [يوسف: 90]، {أية : فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6]{أية : لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ}تفسير : [طه: 77] لأنَّه ضرورةٌ، وأمَّا الآيات فمؤولة وسيأتي ذلك. قوله: "لا يَتَّبِعُوكُم" قرأ نافع بالتخفيف، وكذا في الشعراء {يَتْبَعُهم} [224]. والباقون بالتشديد، فقيل: هما لغتان، ولهذا جاء في قصة آدم: {أية : فَمَن تَبِعَ}تفسير : [البقرة: 38] وفي موضع {أية : فَمَنِ ٱتَّبَعَ}تفسير : [طه: 123]. وقيل: تَبع اقتفى أثره، واتَّبعه بالتشديد: اقتدى به والأول أظهر. ثُمَّ أكَّد الكلام فقال: {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} والمعنى: سواء عليكم أدعوتموهم إلى الدِّينِ أم أنتم صامتون عن دعائهم، لا يؤمنون، كقوله: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 6] وعطف قوله: {أَمْ أنتُمْ صَامِتُونَ} وهي جملةٌ اسمية على أخرى فعلية؛ لأنَّها في معنى الفعليَّة، والتقدير: أمْ صَمَتُّم؟ وقال أبُو البقاءِ: جملة اسميَّة في موضع الفعليَّة، والتقديرُ: أدعوتموهم أم صَمَتُّم؟ وقال ابنُ عطيَّة: عطف الاسم على الفعل؛ إذ التقدير: أمْ صَمَتُّم؛ ومثله قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2648 - سَوَاءٌ عَليْكَ النَّفْرُ أم بِتَّ لَيْلَةً بأهْلِ القبابِ مِنْ نُمَيْرِ بنِ عامرِ تفسير : قال أبُو حيَّان: وليس هذا من عطفِ الفعل على الاسم، إنَّما هو من عطف الاسميَّة على الفعليَّة، وأمَّا البيتُ فليس فيه عطف فعلٍ على اسم، بل هو من عطف الفعلية على اسم مُقدَّرٍ بالفعلية، إذ الأصل: سواءٌ عليك أنفرت أم بتَّ، وإنما أتى في الآية بالجملة الثانية اسمية؛ لأنَّ الفعل يُشْعِر بالحدوث ولأنها رأسُ فاصلة. والصَّمْتُ: السُّكوت، يقال صَمَتَ يَصْمُتُ بالفَتْحِ، في الماضي، والضم في المضارع. ويقال: صَمِتَ، بالكسرِ، يَصْمَتُ بالفتح والمصدر الصَّمْتُ والصُّمات، وإصمت، بكسر الهمزة والميم: اسمُ فلاة معروفة، وهو منقولٌ من فعل الأمر من هذه المادة، وقد ردَّ بعضهم هذا بأنَّه لو كان منقولاً من الأمر لكان ينبغي أن تكون همزته همزة وصل، ولكان ينبغي أن تكون ميمه مضمومة، إن كان من "يَصْمُتُ" أو مفتوحة إن كان من "يَصْمَتُ"؛ ولأنَّهُ ينبغي ألاَّ يؤنث بالتَّاءِ، وقد قالوا: إصْمِتَة. والجوابُ أنَّ فعل الأمر يجبُ قطعُ همزته إذا سُمِّيَ به نحو: أسْرُب؛ لأنَّهُ ليس لنا من الأسماءِ ما همزته للوصل إلاَّ أسماءٌ عشرة، ونوع الانطلاق من كل مصدر زاد على الخمسة وهو قليلٌ، فالإلحاقُ بالكثير أولَى، وأمَّا كَسْرُ الميم فلأنَّ التغيير يُؤنِسُ بالتَّغيير وكذلك الجوابُ عن تأنيثه بالتَّاءِ.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر سبحانه الساعة هنا كما ذكرها أول السورة بما لم يذكره هناك من تهكمهم واستهزائهم، وختم هنا بحصر العلم والقدرة في الله الموجب لتفرده بالإلهية، وكان الذي جرهم إلى ذلك الاستهزاء إشراكهم، ذكر ما ذكر قبلها أول السورة من ابتداء الخلق على وجه الحصر المستلزم لتمام القدرة الموجب لنفي الشريك واعتقاد القدرة على الساعة وغيرها والصدق في كل ما وقع الإخبار به من أمرها وغيره الموجب للاستقامة في قبول بشارته ونذارته والإقبال بالكلية على الخالق، فقال مقرراً للتوحيد مؤكداً لأمره: {هو} أي وحده {الذي خلقكم} أي ولم تكونوا شيئاً {من نفس واحدة} أي خلقها ابتداء من تراب وهي آدم عليه السلام - كما مر بيانه، ومن قدر على اختراع حي من شيء ليس له أصل في الحياة، كان على إعادته حياً من ذلك الشيء بعد أن صار له أصل في الحياة أقدر. ولما كان آدم عليه السلام بعد صيرورته لحماً ودماً أقرب إلى السببية لخلق ذات لحم ودم منه، قال معبراً بالواو لأنه كاف في نفي الشرك الذي السياق للتحذير منه بخلاف الزمر فإنه للقهر، وتأخير المسببات عن الأسباب مدة أدل عليه لأنه خلاف الأصل، {وجعل} لأن الجعل - كما قال الحرالي - إظهار أمر عن سبب وتصيير {منها} أي لا من غيرها {زوجها} أي حواء من لحمها ودمها وعظمها. ولما كان المراد بالنفس آدم عليه السلام وكان الزوج يقال على الذكر والأنثى، استخدم ضميره في المذكر ذاكراً علة الجعل بقوله: {ليسكن} أي آدم هو المراد بالنفس هنا، ولما كان الزوج هنا هو المرأة أنث الضمير فقال: {إليها} وتنقلكم من ذلك السكون منه إليها - لأن النفس إلى الجنس أميل وعليه أقبل، ولا سيما إن كان بعضاً، ألا ترى إلى محبة الوالد لولده والقريب لقريبه، وإنما منع سبحانه من نكاح الأصل والفرع لما في ذلك من الضرار وغيره من الحكم الكبار، فيغشاها عند ما يسكن إليها فيحصل الحبل والولادة فتتفرع النفوس من تلك النفس. ولما كان السكون هنا كناية عن الجماع، أعاده بلفظ أقرب منه - فقال مؤذناً بقرب غشيانها بعد جعلها، أو ناسقاً له على ما تقديره: فسكن إليها فمالت نفسه إليها فلم يتمالك أن غشيها {فلما تغشّاها} أي غشيها آدم عليه السلام المعبر عنه بالنفس بهمة عظيمة {حملت حملاً خفيفاً} أي لأنه نطفة {فمرت به} أي فعالجت به أعمالها وقامت وقعدت، لم يعقها عن شيء من ذلك، إعلاماً بأن أمرها فيه كان على عادة النساء التي نعرفها {فلما أثقلت} أي صارت ثقيلة بكبره وتحركه في بطنها {دعوا الله} أي آدم وحواء عليهما السلام. ولما ذكر الاسم الأعظم استحضاراً لأن المدعو هو الذي له جميع الكمال، فهو قادر على ما دعوا به لأنه قادر على كل ما يريد، ذكر صفة الإحسان رجاء القبول والامتنان فقال: {ربهما} أي الذي أحسن إليهما، مقسمين {لئن آتيتنا صالحاً} أي ولداً لا عيب فيه {لنكونن من الشاكرين*} أي نحن وأولادنا على نعمتك علينا، وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوى لقدرة الله على كل ما يريد، لأنه الفاعل المختار لا الطبيعة ولا غيرها، وأشار بالفاء إلى قرب الولادة من الدعاء فقال: {فلما آتاهما} أي أبويكم آدم وحواء {صالحاً} أي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدناً وقوة وعقلاً، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكوراً وإناثاً {جعلا} أي النوعان من أولادهما الذكور والإناث، لأن "صالحاً" صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولاداً صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي بعضهم أصناماً وبعضهم ناراً وبعضهم شمساً وبعضهم غير ذلك، هذا على قراءة الجماعة، وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير: ذوي شرك {فيما آتاهما} أي من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها. ولما لم يضر المشركون بالإشراك إلا أنفسهم، سبب عن ذلك قوله: {فتعالى الله} أي بما له من صفات الكمال التي ليست لغيره تعالياً كثيراً، والدليل على إرادة النوعين قوله: {عما يشركون*} بالجمع، وكذا ما بعده من عيب عبادة الأصنام. ولما ذكر علوه سبحانه، شرع يذكر من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك، ويقيم الأدلة على عدم صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها، بأنها من جملة خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجهاً من التعظيم، فقال منكراً على عبادها دالاًّ على أن المراد الشرك الحقيقي، لاما ذكر من قصة إبليس في تسببه في التسمية بعبد الحارث ونحوه: {أيشركون} أي المشركون وأولادهما في العبادة {ما لا يخلق} أي من الأصنام والطبائع والكواكب وغيرها {شيئاً} أي يوجده من العدم كما يفعل الله الذي أشركوها به. ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئاً مخلوقاً لأنه لا يتكون عاجزاً بغير قادر أوجده، صرح به في قوله مجرياً للأوثان مجرى أولي العلم لتنزيلهم منزلتهم في الاعتقاد والعبادة: {وهم} ولما كان المصنوع لا يكون صانعاً، اكتفى بالبناء للمفعول فقال: {يخلقون*} أي متجدداً خلق أعراضهم وذواتهم وأمثالهم {ولا يستطيعون لهم} أي للمشركين الذين يعبدونها {نصراً} وهو المعونة على العدو، ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة إلى أنهم لو كانوا يعقلون، وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن يكونوا أحبابهم فضلاً عن أن يجعلوهم أربابهم. ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه، نفي ذلك بقوله: {ولا أنفسهم ينصرون*} أي في وقت من الأوقات عند يصيبهم بسوء، بل عبدتهم يدافعون عنهم. ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم في ضلالهم في أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه، فإن المعبود يجب أن يكون قادراً، ومن كان عاجزاً نوع عجز كان مربوباً، وكان للتنبيه بالخطاب ما ليس له بالغيبة؛أتبع ذلك في إسلوبه تعجيباً آخر منهم أشد من الأول، وذلك أن معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل شيئاً من تلقاء أنفسها، لا تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى {وإن تدعوهم} أي وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمراً متجدداً {إلى الهدى} أي إلى الذي يدل الداعي إليه قطعاً، على أن المتخلف عنه سيىء المزاح، محتاج إلى العلاج، لكونه تخلف عما لا يتخلف عنه من له نوع صلاح لكونه أشرف الأشياء، فالمتخلف عنه راض لنفسه بالدون {لا يتبعوكم} أي في ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولم بالغتم في الاستتباع، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور منها قصد التبع فضلاً عن إيجاده، ثم بين أن ذلك ليس بأمر عارض، بل هو مستمر دائم بقوله مستأنفاً تأكيداً للمعنى: {سواء عليكم}. ولما كان السواء لا يكون إلا بين أمرين، تشوف السامع إليهما فقال؛ {أدعوتموهم} أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير إلى استمراره، وعبر بالاسمية إشارة إلى أنهم لا يدعونهم في وقت الشدائد، بل يدعون الله فقال: {أم أنتم صامتون*} أي عن ذلك على الدوام على عادتكم في الإعراض عن دعائهم في أوقات الملمات، فالذين يدعون معتقديهم في وقت الضرورات أقبح حالاً في ذلك من المشركين ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك، فيكون نظمها: أدعوتموهم مرة أو أنتم داعوهم دائماً أم صَمَتُّمْ عن دعائهم في وقت ما أم أنتم صامتون دائماً عن دعائهم، حاكم في كل هذه الأجوبة سواء في عدم الإجابة، لا اختلاف فيه بوجه، دل بالفعل أولاً على حذف مثله ثانياً، وبالاسم ثانياً على حذف مثله أولاً. ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا سبيله أخزى الخزي وأقبح العار، وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به - معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم وفي خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل؛ كرر تبكيتهم باتباعهم في أسلوب آخر أوضح مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على المعايب ملجىء إلى الاعتراف أو التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكداً: {إن الذين تدعون} أي أيها المشركون دعاء عبادة ملازمين لذلك، أو أنه أطلق الدعاء على العبادة إشارة إلى أنه لا تصح عبادة من ليس فيه قابيلة أن يدعى، والحاصل أن الدعاء يلازم المعبود. ولما كان دعاؤهم لهم إنما هو على سبيل الإشراك، قال مشيراً إلى سفول رتبتهم بإثبات الجار: {من دون الله} أي الذي له صفات الكمال والعظمه والجلال {عباد أمثالكم} أي في العجز عن كل شيء لا سيما عما وقع به التحدي من معارضة القرآن وغيرها، وأنتم تزيدون عليها بالحياة والعقل، والمعبود لا يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان دونه؛ ولما كانوا لا يسلمون أنهم أمثالهم، سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى المثلية بل الدونية فقال: {فادعوهم} أي إلى شيء من الأشياء. ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف، أشار إلى ذلك بالربط بالفاء فقال: {فليستجيبوا لكم} أي يوجدوا لكم إجابة بينة في الإتيان بسورة تماثل شيئاً من القرآن وفي شيء من المنافع. ولما كان المقام محتاجاً إلى مزيد توبيخ وإلهاب، قدم منه ما رأيت، ثم زاد في الإلهاب فقال: {إن كنتم} أي جبلة وطبعاً {صادقين*} أي في دعوى أنهم آلهة، فإن رتبة الإله تقتضي ذلك، وقرأ سعيد بن جبير {إن} خفيفة و {عباداً أمثالكم بنصب الدال واللام، واتفق المفسرون على تخريجها على أن "إن" هي النافية أعملت عما "ما" الحجازية، فرفعت الاسم ونصبت الخبر، وإعمالها هذا العمل فيه خلاف، أجازه الكسائي وأكثر الكوفيين، ومن البصريين ابن السراج والفارسي وابن جني، ومنع منه الفراء وأكثر البصريين، واختلف النقل عن سيبويه والمبرد، والصيحح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في النظم والنثر - ذكر ذلك كله أبو حيان وذكر أنه أشبع الكلام فيه في شرح التسهيل، واعترض على هذا التخريج بأنه يلزم منه منافاتها للقراءة المشهورة، وإنما يسلم له ذلك لو توارد النفي والإثبات على شيء واحد، وليس الأمر هنا كذلك، فالإثبات لمماثلتها لهم في مطلق العجز، والنفي لمساواتها لهم فيه لزيادتهم عنها بالبطش ونحوه، أو يكون الأمر - كما قال الزمخشري - أن الإثبات على سبيل التنزل والنفي على الحقيقة. ولما أثبت عجزهم وأنهم أمثالهم، دل عليه وعلى أنهم دونهم بأسلوب إنكار وتعجيب مفصلاً لبعض ما نفاه عنهم - فقال مقدماً الأرجل لأن أول ما يخشى من الشيء انتقاله: {ألهم أرجل} ولما كانت لهم جوارح مصنوعة، بين المراد بقوله: {يمشون بها}. ولما كان المخشيّ بعد الانتقال مدّ اليد، قال: {أم لهم أيد} أي موصوفة بأنهم {يبطشون بها} أي نوعاً من البطش؛ ولما كان المخوف بعد البطش باليد البصر خوفاً من الدلالة قال: {أم لهم أعين} أي منعوتة بأنهم {يبصرون بها} أي ضرباً من الإبصار؛ ولما كان الإنسان ربما خاف مما يقصد ضره فتغيب عنه فلا يصل إليه بعد ذلك إلا بالسمع قال خاتماً: {أم لهم آذان} أي مقول فيها أنهم {يسمعون بها} أي شيئاً من السمع. ولما سواها بهم ونفى عنهم ما تقدم، لزم نقصانها عنهم وأنه في الحقيقة مسلوب عنهم لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا العدم، والقدرة فيما يقدرون عليه إنما هي بيد الصانع لهم أشركهم معها، وقال دالاًّ على ذلك مستأنفاً: {قل} أي لهولاءالمشركين {ادعوا شركاءكم} أي هذه التي تقدمت ومهما شئتم غيرها، واستعينوا بها في عداوتي. ولما كان هذا تحدياً عظيماً يحق لفاعله التمدح به، نبه عليه بآداة التراخي فقال: {ثم كيدون} أي جميعاً أنتم وهم وأنتم أكثر من حصى البطحاء ورمل الفضاء وأنا وحدي، ولما كان المعنى: وعجلوا، عطف بفاء السبب قوله: {فلا تنظرون*} أي تمهلون لحظة فما فوقها لئلا تعتلوا في الإنظار بعلة، وعلل عدم المبالاة بكيدهم بقوله دالاًّ على اتصاف معبوده بما نفاه عن شركائهم من الإحاطة بمنافع الدارين فيما يتعلق بالأديان والأبدان، وقدم الدين إشارة إلى أنه الأهم فقال مؤكداً في مقابلة إنكارهم: {إن وليّي} أي ناصري ومتولي جميع أموري {الله} أي الجامع لصفات الكمال {الذي نزل} أي بحسب التديج متكفلاً بفصل الوقائع {الكتاب} أي الجامع لعلوم الأولين والآخرين وأمر المعاش والمعاد وأحوال الدارين وكل ما فيه صلاح من أحوال القلوب وغيرها الذي عجزتم بأجمعكم ومن دعيتم شركته عن معارضة شيء منه. ولما تكفل هذا التنزيل بجميع الصفات، وهي الحياة التامة المستلزمه للإرادة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام، وكان عجزهم عن المعارضة للكتاب دليلاً شهودياً قولياً على كذبهم، أتبع ذلك دليلاً آخر شهودياً فعلياً فقال: {وهو} أي وحده {يتولى} أي يلي ولاية تامه {الصالحين*} أي كلهم بنصرهم على كل مناو وكفايتهم لكل مهم وقد علمتم ما قدمه في هذه السورة من وقائعه بمن كذب أنبياءه واستهزأ برسله وأنه أنجى كل من والاه، وأهلك جميع من عاداه كمن عدوهم آلهة، وهو وما بعده وما قبله متلفت إلى قوله تعالى { أية : اتبعوا ما أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} تفسير : [الأعراف: 3] بالشرح، وهو دال على أنه الذي فعل ما تقدم لأجل أوليائه بدليل أنه أعجزهم عن معارضة شيء من كتابه، وعن الوصول إلى جميع ما يريدون من أوليائه وأحبابه.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال‏:‏ سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره‏ . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة بن جندب في قوله ‏ {‏فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء‏}‏ قال‏:‏ سمياه عبد الحارث‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال‏:‏ لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد آتاها الشيطان، فقال‏:‏ سمياه عبد الحارث يعيش لكما، فسمياه عبد الحارث فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال‏:‏ لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال‏:‏ أتطيعيني ويسلم لك ولدك‏؟‏ سميه عبد الحارث فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك‏:‏ فلم تفعل، ثم حملت الثالث فجاءها فقال لها‏:‏ إن تطيعيني سلم لك، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعته. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ ولد لآدم ولد فسماه عبد الله، فأتاهما إبليس فقال‏:‏ ما سميتما ابنكما هذا‏؟‏ قال‏:‏ عبد الله، وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله‏.‏ فقال إبليس‏:‏ أتظنان أن الله تارك عبده عندكما‏؟‏ ووالله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس فسمياه، فذلك قوله تعالى ‏ {‏أيشركون ما لا يخلق شيئا‏ً}‏ الشمس لا تخلق شيئاً إنما هي مخلوقة‏.‏ قال‏:‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : خدعها مرتين‏"‏‏.‏ تفسير : قال زيد‏:‏ خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال‏:‏ لما أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسه الشهوة لامرأته، فتحرك ذلك منه فأصابها، فليس إلا أن أصابها حملت، فليس إلا أن حملت تحرك ولدها في بطنها، فقالت‏:‏ ما هذا‏؟‏ فجاءها إبليس فقال لها‏:‏ إنك حملت فتلدين‏.‏ قالت‏:‏ ما ألد‏؟‏ قال‏:‏ ما هل ترين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية هو بعض ذلك، ويخرج من أنفك أو من عينك أو من اذنك‏.‏ قالت‏:‏ والله ما مني من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك‏!‏ قال‏:‏ فاطيعيني وسميه عبد الحارث - وكان اسمه في الملائكة الحارث - تلدي مثلك، فذكرت ذلك لآدم فقال‏:‏ هو صاحبنا الذي قد علمت‏.‏ فمات ثم حملت بآخر، فجاءها فقال‏:‏ أطيعيني أو قتلته فإني أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم فقال مثل قوله الأوّل، ثم حملت بالثالث فجاءها فقال لها مثل ما قال، فذكرت ذلك لآدم فكأنه لم يكره ذلك، فسمته عبد الحارث فذلك قوله ‏ {‏جعلا له شركاء فيما آتاهما‏}‏‏ . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ حملت حواء، فأتاها إبليس فقال‏:‏ إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعيني أو لأجعلن له قربى أيل فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن - فخوّفهما - سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فادركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله ‏ {‏جعلا له شركاء فيما آتاهما‏} ‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن السدي قال‏:‏ إن أول اسم سمياه عبد الرحمن فمات، ثم سمياه صالحاً فمات، يعني آدم وحواء‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ كانت حواء تلد لآدم أولاداً‏.‏ فتعبدهم لله، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم فقال‏:‏ إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش، فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله ‏ {هو الذي خلقكم من نفس واحدة‏}‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال‏:‏ كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم‏. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأها ‏{‏حملت حملاً خفيفاً فمرت به‏} . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله ‏ {‏حملت حملاً خفيفا‏ً} . قال‏:‏ خفيفاً لم يستبن، فمرت به لما استبان حملها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمرت به‏} ‏ قال‏:‏ فشكت أحملت أم لا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال‏:‏ سئل الحسن عن قوله ‏ {‏حملت حملاً خفيفاً فمرت به‏} ‏ قال‏:‏ فشكت أحملت أم لا‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال‏:‏ سئل الحسن عن قوله ‏ {‏حملت حملاً خفيفاً فمرت به‏}‏ قال‏:‏ لو كنت عربياً لعرفتها، إنما هي استمرت بالحمل‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏حملت حملاً خفيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي من النطفة ‏ {‏فمرت به‏} ‏ يقول‏:‏ استمرت‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فمرت به‏} ‏ قال‏:‏ فاستمرت به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏فمرت به‏}‏ قال‏:‏ فاستمرت بحمله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏فمرت به‏}‏ قال‏:‏ فاستمرت بحمله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله ‏ {‏فمرت به‏} ‏ قال‏:‏ استخفته. وأخرج أبو الشيخ عن السدي ‏{‏فلما أثقلت‏} ‏ قال‏:‏ كبر الولد في بطنها‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله ‏ {‏لئن آتيتنا‏}‏ قال‏:‏ أشفقا أن يكون بهيمة، فقالا‏:‏ لئن آتيتنا بشراً سويا‏ً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ أشفقا أن لا يكون إنساناً‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏لئن آتيتنا صالحا‏ً} ‏ قال‏:‏ غلاماً سويا‏ً. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فجعلا له شركاء‏} ‏ قال‏:‏ كان شركا في طاعة، ولم يكن شركا في عباده‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏فجعلا له شركا‏ً}‏ بكسر الشين‏. وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ‏ {‏جعلا له شركاء‏} ‏ قال‏:‏ أشركاه في الاسم قال‏:‏ وكنية إبليس أبو كدوس‏. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن السدي قال‏:‏ هذا من الموصل والمفصول قوله ‏{‏جعلا له شركاء فيما آتاهما} ‏ في شأن آدم وحوّاء، يعني في الأسماء ‏ {‏فتعالى الله عما يشركون‏}‏ يقول‏:‏ عما يشرك المشركون ولم يعيِّنهما‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ ما أشرك آدم أن أولها شكر وآخرها مثل ضربه لمن بعده‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فتعالى الله عما يشركون‏}‏ هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال‏:‏ هذه مفصولة اطاعاه في الولد ‏ {‏فتعالى الله عما يشركون‏} ‏ هذه لقوم محمد‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏جعلا له شركاء‏} ‏ قال‏:‏ كان شركاً في طاعته ولم يكن شركاً في عبادته، وقال‏:‏ كان الحسن يقول‏:‏ هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا‏. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {فتعالى الله عما يشركون‏} ‏ قال‏:‏ يعني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده‏. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏فتعالى الله عما يشركون‏} ‏ قال‏:‏ هو الانكاف أنكف نفسه يقول‏:‏ عظم نفسه، وانكفته الملائكة وما سبح له‏. وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال‏:‏ هذا في الكفار، يدعون الله فإذا آتاهما صالحاً هوّدا ونصرا، ثم قال ‏ {‏أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون‏}‏ يقول‏:‏ يطيعون ما لا يخلق شيئاً وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق ‏ {‏ولا يستطيعون لهم نصرا‏ً} ‏ يقول‏:‏ لمن يدعوهم‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. أخرج النَّسَمة من نَفْسٍ واحدة وأخلاقهم مختلفة، وهممهم متباينة، كما أن الشخص من نطفة واحدة وأعضاؤه وأجزاءه مختلفة. فَمَنْ قَدِرَ على تنويع النطفة المتشاكلة أجزاؤها فهو القادر على تنويع أخلاق الخَلْق الذين أخرجه من نَفْس واحدة. قوله جلّ ذكره: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ}. ردَّ المِثْل إلى المِثْل، وربط الشَّكلَ بالشكل، ليَعْلَمَ العالمون أن سكون الخلْق مع الحقِّ لا إلى الحق، وكذلك أنسل الخلْق من الخلق لا من الحق، فالحقُّ تعالى قدوس؛ منه كل حظ للخلق خلْقاً، منزه عن رجوع شيءٍ إلى حقيقته حقاً.

البقلي

تفسير : وقوله تعالى {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} لم يجد أدم فى الجنة الا سنا تجلى الحق فكاد ان يضمحل بنور التجلى التراكمة عليه فعلم الله سبحانه انه لايحتمل اثقال التجلى وعرف انه تذوب فى حسنة وكل ما الجنة مستغرقا فى ذلك النور فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت تخلق منه حواء ليسكن اليها ويستوحش بها سويعات عن سطوات التجلى لذلك قال عليه السلام لعائشة رضى الله عنها كليمينى يا حميراء وفى ادنى العبارة هى كانت امحتحانه لشغل بها عن الحق ليقع فى مج البلاء بها قال بعضهم خلقها ليسكن أدم اليها فلما سكن اليها غفل عن مخطبات الحقيقة بسكونه اليها قوع فيما وقع من تناول الشجرة وقال الواسطة اكبر محنته أدم خلق حواء من بدنه قطعه بها عن نفسه بقوله ليسكن اليها والسكون الى غير الله محنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو} اى الله تعالى {الذى} اى العظيم الشأن الذى {خلقكم} جميعا وحده من غير ان يكون لغيره مدخل فى ذلك بوجه من الوجوه {من نفس واحدة} هو آدم عليه السلام فكما ان النفوس خلقت من نفس واحدة هى نفس آدم فكذا الارواح خلقت من روح واحد هو روح محمد صلى الله عليه وسلم فكان هو ابا الارواح كما كان آدم ابا البشر لقوله عليه السلام "حديث : انما انا لكم كالوالد لولده " . تفسير : وقوله "حديث : اول ما خلق الله روحى " . تفسير : فان اول كل نوع هو المنشأ منه ذلك النوع من الحيوان والنبات شعر : كر بصورت من زآدم زاده ام من بمعنى جد جد افتاده ام تفسير : {وجعل} انشأ {منها} اى من جنس تلك النفس الواحدة {زوجها} حواء او من جسدها لما يروى ان الله تعالى خلق حواء من ضلع من اضلاع آدم عليه الصلاة والسلام والاول هو الانسب اذ الجنسية هى المؤدية الى الغاية الآتية لا الجزئية {ليسكن} تلك النفس والتذكير باعتبار المعنى يعنى آدم {اليها} اى الى الزوج وهى حواء اى ليستأنس بها ويطمئن اليها اطمئنانا مصححا للازدواج {فلما تغشيها} لم يقل تغشتها باعتبار آدم ايضا والتغشى والتغشية التغطية بالفارسى [جيزى بركسى بوشانيدن] كنى به عن الجماع لان الرجل يغطى المرأة ويسترها حال الوقاع لاستعلائه عليها {حملت حملا خفيفا} فى مبادئ الامر فانه عند كونه نطفة او علقة او مضغة اخف عليها بالنسبة الى ما بعد ذلك من المراتب فانتصاب حملا على المصدرية او حملت محمولا خفيفا وهو ما فى البطن من النطفة ونفس الجنين فانتصابه على المفعول به كقوله حملت زيدا وهو الظاهر والمشهور ان الحمل بالفتح ما كان فى البطن او على رأس الشجر وبالكسر ما كان على ظاهر انسان او على الدابة {فمرت به} اى فاستمرت به كما كان من قبل حيث قامت وقعدت واخذت وتركت ولم تكترث بحملها فمرت من المرور بمعنى الذهاب والمضى لا من المر بمعنى الاجتياز والوصول يقال مر عليه وبه يمر مرا اى اجتاز ومر يمر مرا ومرورا اى ذهب واستمر مثله والسين فيه للطلب التقديرى كما فى استخرجته {فلما اثقلت} اى صارت ذا ثقل بكبر الولد فى بطنها {دعوا الله} اى آدم وحواء عليهما السلام لما دهمهما امر لم يعهداه ولم يعرفا مآله فاهتماما به وتضرعا اليه تعالى {ربهما} اى مالك امرهما الحقيق بان يخص به الدعاء ومتعلق الدعاء محذوف اى دعواه تعالى فى ان يؤتيهما ولدا صالحا ووعدا بمقابلته الشكر وقالا {لئن آتيتنا صالحا} اى ولدا سوى الاعضاء او صالحا فى امر الدين {لنكونن من الشاكرين} لك على هذه النعمة المحددة ووجه دعائهما بذلك ان آدم رأى حين اخذ الميثاق على ذريته ان منهم سوىّ الاعضاء وغير السوىّ وان منهم التقى وغير التقى فسألا ان يكون هذا الولد سوىّ الاعضاء او تقيا نقيا عن المعصية فلما اعطاهما صالحا شكرا لانهما ليسا بحيث يعدان من انفسهما بذلك ثم لا يفعلان ذلك يقال ان حواء كانت تلد فى كل بطن ذكرا او انثى ويقال ولدت لآدم خمسمائة بطن ألف ولد. ثم شرع فى توبيخ المسلمين بقوله {فلما آتيهما صالحا} اى فلما اعطى اولادهما المشركين البالغين مبلغ الوالد ولدا صالحا سوىّ الاعضاء {جعلا} اى جعل هذان الابوان {له} اى لله تعالى {شركاء فيما آتٰهما} بان سميا اولادهما بعبد العزى وعبد مناف ونحو ذلك وسجدا للاصنام شكرا على هذه النعمة والا ظهر تقرير ابى السعود حيث قال فى تفسيره {فلما آتيهما صالحا} اى لما آتاهما ما طلباه اصالة واستتباعا من الولد وولد الولد ما تناسلوا جعلا اى جعل اولادهما له تعالى {شركاء فيما آتيهما} اى فيما اتى اولادهما من الاولاد ففى الكلام حذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه والالزم نسبتهما اى آدم وحواء الى الشرك وهما بريئان منه بالاتفاق ويدل على الحذف المذكور صيغة الجمع فى قوله تعالى {فتعالى الله} [بس بزر كست خداى تعالى وباك] {عما يشركون} اىعن اشراكهم وهو تسميتهم المذكورة ولو كان المراد بالآية آدم وحواء لقال عما يشركان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة}؛ آدم عليه السلام، {وجعل منها زوجها} أي: خلق من ضلعها زوجها حواء، سلها منه وهو نائم، {ليَسكُنَ إليها}؛ ليستأنس بها، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه. {فلما تغشاها} أي: جامعها حين رُكبت فيه الشهوة، {حملت حملاً خفيفًا} أي: خف عليها، ولم تلق منه ما تلقى بعضُ الحبالى من حملهن من الأذى والكرب، أو حملاً خَفيفًا، يعني النطفة قبل تصورها، {فمرت به} أي: ذهبت وجاءت به، مخففة، واستمرت إلى حين ميلاده، {فلما أثقلت} أي: ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها، {دَعَوا الله ربهما} آدم وحواء، قائلين: {لئن آتيتنا} ولدًا {صالحًا} أي: سويًا سالمًا في بدنه، تام الخلقة، {لنكونن} لك {من الشاكرين} على هذه النعمة المجددة. {فلما آتاهما} ولدًا {صالحًا} كما سألا، جعل أولادُهما {له شركاءَ فيما آتاهما}، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك؛ لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يُعاتبُ المِلكُ الأب على ما فعل أولادهُ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليسُ في صورة الرجل، فقال لها: وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب، وما يدريك من أين يخرج؟ فخافت من ذلك، ثم قال لها: إن أطعتيني، وسميته عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس في الملائكة: الحارث، وإن عطيتني قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها: إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة أخرى، فقال لها إبليس مثل ذلك، فعصته، فلما ولدت مات الولد، ثم حملت مرة ثالثة، فسمياه عبد الحارث؛ طمعًا في حياته فقوله: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} أي: في التسمية لا غير، لا في عبادة غير الله. والقول الأول أصح، لثلاثة أوجه: أحدها: أنه يقتضي براءة آدم وحواء من الشرك، قليله وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء ـ عليه السلام ـ. والثاني: أنَّ جمع الضمير في قوله: {فتعالى الله عما يشركون}، يقتضي أن الشرك وقع من أولادهما، لا منهما. الثالث: أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح، وهو غير موجود. انظر: ابن جزي. الإشارة: قال الورتجبي: في قوله {ليسكن إليها} : لم يجد آدم عليه السلام في الجنة إلا سنًا تجلى الحق، فكاد أن يضمحل بنور التجلي، لتراكمه عليه، فعلم الله ـ سبحانه ـ أنه لا يتحمل أثقال التجلي، وعرف أنه يذوب في نور حسنه، وكل ما في الجنة مستغرق في ذلك النور، فيزيد عليه ضوء الجبروت والملكوت، فخلق منه حواء ليسكن آدم إليها، ويستوحش بها سُوَيعات من سطوات التجلي، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: "حديث : كلميني يا حُميراء "تفسير : . ثم قال: وقال بعضهم: خلقها ليسكن آدم إليها، فلما سكن إليها غفل عن مخاطبة الحقيقة، بسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. هـ. فكل من سكن إلى غير الله تعالى كان سكونه بلاء في حقه، يخرجه من جنة معارفه. والله تعالى أعلم. ثم ردَّ على من أشرك من بني آدم، فقال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل المدينة وابو بكر وعكرمة والاعرج "شركاً" بكسر الشين منوناً الباقون بضم الشين على الجمع. وقرا ابن يعمر "فمرت" بتخفيف الراء وهو شاذ. قال ابو علي الفارسي: من قرا "شركاً" بكسر الشين منوناً - حذف المضاف كأنه اراد جعلا له ذا شرك اي ذا نصيب او ذوي شرك، ويكون كقول من جمع فالقراءتان يؤلان إلى معنى واحد. والضمير في قوله {له} يعود إلى اسم الله كأنه قال جعلا لله شركاء. وقال ابو الحسن: كان ينبغي لمن قرأ - بكسر الشين - أن يقول جعلا لغيره شركا. وقول من قرا {جعلا له شركاء} يجوز ان يريد جعلا لغيره فيه شركاء, فحذف المضاف، فالضمير على هذا ايضاً في {له} راجع إلى الله تعالى. وقال ابو علي يجوز ان يكون الكلام على ظاهره، ولا يقدر حذف المضاف في قوله تعالى {جعلا له} وانت تريد لغيره ولكن يقدر حذف المضاف الى شرك فيكون المعنى جعلا له ذوي شرك، واذا جعلا له ذوي شرك كان في المعنى مثل لغيره شركاً، فلا يحتاج إلى تقدير جعلا لغيره شركاً. قال ابو علي: ويجوز ان يكون قوله تعالى {جعلا له شركاء} جعل احدهما له شركاء او ذوي شرك فحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه كما حذف من قوله تعالى {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} والمعنى على رجل واحد من احد رجلي القريتين. وحكى الازهري ان الشرك والشريك واحد ويكون بمعنى النصيب. قوله {هو الذي} كناية عن الله تعالى وإخبار عن الذي خلق البشر من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها يعني حواء. وقيل: انه خلقها من ضلع من اضلاعه وبين انه إنما خلقها ليسكن اليها آدم ويأنس بها. وقوله {فلما تغشاها} معناه لما وطأها وجامعها. وقيل: تغشاها بدنوه بها لقضاء حاجة، فقضى حاجته منها {حملت} ففي الكلام حذف {حملت حملاً خفيفاً} لأن الحمل اول ما يكون خفيفاً، لانه الماء الذي يحصل في رحمها. والحمل - فتح الحاء ما كان في الجوف وكذلك ما كان على نخلة او شجرة فهو مفتوح. - وبكسر الحاء - ما كان من الثقل على الظهر. وقوله تعالى {فمرت به} معناه استمرت به وقامت وقعدت وقيل: شكت له وآلمها ثقلها. ومن خفف الراء اراد شكت ومارت فلم تدر هي حامل ام لا. وقال الحسن أغلاماً ام جارية. وقوله تعالى {فلما اثقلت} اي صارت ذات ثقل كما يقال اثمر اي صار ذا ثمر، وذلك قرب ولادتها. {دعوا الله ربهما} يعني آدم وحواء دعوا الله اي سألاه {لئن آتيتنا صالحاً} اي لو أعطيتنا ولداً صالحاً. قال الجبائي: صالحاً يعني سليماً من الآفات صحيح الحواس والآلات. وقال غيره: معنى صالحاً مطيعاً فاعلاً للخير {لنكونن من الشاكرين} اي نكونن معترفين نعمك علينا نعمة بعد نعمة تسديها الينا. وقوله عز وجل {فلما آتاهم صالحاً} يعني فلما آتى الله آدم وحواء ولداً صالحاً جعلا له شركاء، واختلفوا في الكناية إلى من ترجع في قوله {جعلا}: فقال قوم هي راجعة إلى الذكور والاناث من اولادهما او إلى جنسي من اشرك من نسلهما، وإن كانت الادلة تتعلق بهما. ويكون تقدير الكلام فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار اولادهما ذلك مضافاً إلى غير الله. ويقوي ذلك قوله تعالى {فتعالى الله عما يشركون} فلو كانت الكناية عن آدم وحواء لقال عما يشركان. وإنما اراد تعالى الله عما يشرك هذان النوعان او الجنسان وجمعه على المعنى. وقد ينتقل الفصيح من خطاب إلى خطاب غيره. ومن كناية إلى غيرها. قال الله تعالى {أية : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله} تفسير : فانصرف من مخاطبة الرسول إلى المرسل اليهم ثم قال {أية : وتعزروه وتوقروه} تفسير : يعني الرسول ثم قال {وتسبحوه} يعني الله تعالى، قال الهذلي: شعر : يا لهف نفسي كان جده خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر تفسير : ولم يقل وبياض وجهه. وقال كثير: شعر : اسيء بنا او احسني لا ملومة لدنيا ولا مقلية إن تقلت تفسير : فخاطبها ثم ترك الخطاب. وقال الاخر: شعر : فدى لك ناقتي وجميع اهلي وما لي إنه منه آتاني تفسير : ولم يقل منك اتاني. وليس لاحد ان يقول كيف يكني عمن لم يجر له ذكر، وذلك ان لنا عنه جوابين: احدهما - انه يجوز ذلك إذا دل الدليل عليه، كما قال {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : ولم يتقدم للشمس ذكر. وقال الشاعر: شعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : ولم يتقدم للنفس ذكر. والجواب الثاني - انه تقدم ذكر ولد آدم في قوله {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} واراد بذلك جميع ولد آدم، وتقدم ايضاً في قوله {فلما آتاهما صالحاً} لان معناه ولداً صالحاً، ويريد بذلك الجنس. وإن كان لفظه واحداً، وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما وجب ان يضاف إلى الاخر، والشرك لا يليق بآدم، لأنه نبي نزهه الله عن ذلك، وعن جميع القبائح، ويلق بكفار ولده ونسله فوجب ان نرده اليهم. وقال الزجاج وإبن الاخشاد: جعل من كل نفس زوجها كأنه قال: وجعل من النفس زوجها على طريق الجنس واضمر لتقدم الذكر. وقال ابو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: الكناية في جميع ذلك غير متعلقة بآدم وحواء وجعل الهاء في {تغشاها} والكناية في {دعوا الله ربهما، وآتاهما صالحاً} راجعين إلى من اشرك ولم يتعلق بآدم وحواء إلا قوله: {خلقكم من نفس واحدة} والاشارة بذلك إلى جميع الخلق. وكذلك قوله {وجعل منها زوجها} ثم خص بها بعضهم، كما قال {أية : هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة} تفسير : فخاطب الجماعة ثم خص راكب البحر، فكذلك اخبر الله تعالى عن جملة امر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها وهما آدم وحواء ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما اعطاه إياه ادعى له الشركاء في عطيته. وقال قوم: يجوز ان يكون عنى بقوله {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} المشركين خصوصاً، إذ كان كل بني آدم مخلوقون من نفس واحدة كأنه قال: خلق كل احد من نفس واحدة وخلق من النفس الواحدة زوجها، ومثله كثير نحو قوله عز وجل {أية : فاجلدوهم ثمانين جلدة} تفسير : والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم. وقال قوم: ان الهاء في قوله: {جعلا له شركاء} راجعة إلى الولد لا إلى الله ويكون المعنى انهما طلبا من الله تعالى امثالا للولد الصالح فاشركا بين الطلبتين، كما يقول القائل: طلبت مني درهما فلما اعطيتكه شركته بآخر أي طلبت آخر مضافاً اليه، فعلى هذا يجوز أن تكون الكناية من اول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء. فان قيل: فعلى هذا فأي تعلق لقوله {فتعالى الله عما يشركون} بذلك. وكيف ينزه نفسه عن ان يطلب منه ولد آخر؟! قلنا: لم ينزه نفسه عن ذلك وإنما نزهها عن الاشراك به، ليس يمتنع ان يقطع هذا الكلام عن حكم الاول، لانه قال بعد ذلك {ايشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون} فنزه نفسه عن هذا الشرك دون ما تقدم. فأما الخبر المدعى في هذا الباب، فلا يلتفت اليه، لأن الاخبار تبنى على ادلة العقول، فاذا علمنا بدليل العقل ان الأنبياء لا يجوز عليهم المعاصي تأولنا كل خبر يتضمن خلافه او ابطلناه، كما نفعل ذلك بأخبار الجبر والتشبيه. على ان هذا الخبر مطعون في سنده، لأنه يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة، وهو مرسل، لأن الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً - في قول البغداديين - ولأن الحسن قال بخلاف ذلك فيما روى عنه عروة - في قوله عز وجل {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما} قال هم المشركون. ويعارض ذلك ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم: من ان الشرك غير منسوب إلى آدم وزوجته، وأن المراد به غيرهما على ان في الخبر اشركا إبليس اللعين فيما ولد لهما بأن سمياه عبد الحرث، والاية تقضي انهم اشركوا الاصنام التي لا تخلق وهي تخلق، والتي لا تستطيع ضرّاً ولا نفعاً وليس لابليس في الآية ذكر، ولو كان له ذكر لقال أتشركون من. وقال في آخر القصة {ألهم أرجل يمشون بها...} وكذا، ولا يليق ذلك بابليس. ويقوي ان الاية مصروفة عن ادم إلى ولده انه قال {فلما تغشاها} ولو كان منسوقاً على النفس الواحدة لقال فلما تغشتها، لان ذلك هو الأجود والأفصح وإن جاز خلافه. وحكى البلخي عن قوم انهم قالوا: لو صح الخبر لم يكن في ذلك الا إشراكاً في التسمية، وليس ذلك بكفر ولا معصية كبيرة، وذهب اليه كثير من المفسرين واختاره الطبري.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} منّاً منه سبحانه بنعمة الوجود اثباتاً لتوحيده فى العبادة ولذا وبّخهم على الاشراك معلّلاً بانّ ما جعلوه شريكاً لا يخلق شيئاً {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} اذاراءاها من سنخها، وتذكير ضمير يسكن بلحاظ المعنى ويجوز ان يراد بنفسٍ واحدة، حوّاء ويكون معنى جعل منها زوجها جعل من سنخها زوجها وهما آدم (ع) وحوّاء (ع) فى العالم الكبير والجهتان العقلانيّة والنّفسانيّة للانسان اللّتان هما نازلتا العقل فى العالم الصّغير {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} لا يظهر اثر ثقله {فَمَرَّتْ بِهِ} استمرّت مع الحمل {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} صارت ذات ثقل {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً} فى النّفس والبدن {لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} منّة اخرى عليهما {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} بدّلا النّعمة بالكفران والوعد بالخلف. اعلم، انّ للاشراك بالله مراتب عديدة: الاوّل، الاشراك به فى وجوب وجوده كاشراك اكثر الثّنويّة القائلين بانّ للعالم مبدئين قديمين مسمّيين بالنّور والظّلمة او يزدان واهريمن، والثّانى، الاشراك فى الالهة كاشراك بعض الثّنويّة القائل بانّ القديم والواجب الوجود واحد والظّلمة او اهريمن مخلوق منه لكن له الآلهة فى العالم وانّ الشّرور كلّها منه لا من الله، والثّالث، الاشراك فى العبادة كاشراك اكثر الصّابئين واشراك الوثنيّين والعجليّين وغيرهم ممّن يعبد غير الله من مخلوقاته تقرّباً بها الى الله، والرّابع، الاشراك فى الوجود كاشراك معظم النّاس الاّ من شذّ الّذين لا يرون فى الوجود الاّ الموجودات المتكثّرة المتقابلة كلّ من الآخر والكلّ مع الله، والخامس، الاشراك فى الطّاعة كاشراك من اشرك فى طاعة الانبياء (ع) والاولياء (ع) وخلفائهما طاعة غيرهم من ائمّة الجور وعلماء السّوء والسّلاطين والامراء والحكّام، والسّادس، الاشراك فى المحبّة كاشراك من اشراك فى محبّة الله ومحبّة خلفائه محبّة غيره وكاشراك من اشرك فى المحبّة بان كان مصدرها آلهيّاً ونفسانيّاً او غايتها آلهيّاً ونفسانيّةً، والسّابع، الاشراك فى الولاية وهى اشدّها واعظمها بان اشرك مع ولىّ الامر او نبىّ الوقت غيره فى البيعة الخاصّة الولويّة او العامّة النّبويّة او اذعن بنبوّة من ليس بنبىٍّ او بولاية من ليس له الولاية، فقوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله الاّ وهم مشركون}، المقصود منه احد المعانى السّابقة غير الثّلاثة الاول وكلّ هذه المعانى غير الكفر بالله فى كلّ مرتبة فانّه يقتضى قطع النّظر عن الله واستبداد النّظر الى غيره، وما يجرى فى اهل العالم الكبير يجرى فى اهل العالم الصّغير من غير فرقٍ، ومعانى الاشراك غير الثّلاثة الاول وغير المعنى الاخير يجوز اعتبارها ههنا ان كان المراد انّ آدم وحوّاء حقيقةً جعلا له شركاء كما فى الخبر وانّما شركهما شرك طاعة وليس شرك عبادة، وفى حديث: جعلا للحارث نصيباً فى خلق الله ويناسب الشّرك فى المحبّة بأحد معانيه وقوله تعالى: {أية : وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ} تفسير : [الإسراء:64] يناسب هذا الشّرك والشّرك فى الطّاعة، وان كان المراد انّ اولاد آدم (ع) جعلوا له شركاء فيما آتاهم والنّسبة الى آدم (ع) وحوّاء كانت مجازاً كما فى الخبر، ويؤيّده قوله تعالى {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بصيغة الجمع امكن اعتبار جميع اقسام الشّرك ونسبة الشّرك الى اولادهما امّا بطريق المجاز فى الحذف بان يكون فاعل جعلا اولادهما، لكنّه حذف واقيم المضاف اليه مقامه او بطريق المجاز فى الحكم بان يكون المحكوم عليه الاولاد لكنّه نسب اليهما باعتبار انّ الاتباع والاولاد كالاجزاء او النّسبة الى الاولاد باعتبار ان يراد الجنس من لفظ صالحاً وحينئذٍ يشمل الذّكور والاناث، وضمير جعلا يرجعنا الى صالحاً باعتبار الصّنفين كما فى الخبر، ولمّا علم من السّابق انّ الله خالق والخالق لا يساوى المخلوق اتى بالفاء الدّالّ على التّسبيب والتّفريع فقال {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عن الّذى يشركون او عن اشراكهم.

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذِى خَلَقكُم مِنْ نفْسٍ} ذاتٍ {وَاحِدةٍ} هى آدم، والخطاب لجميع الناس {وجَعَل} خلق {مِنْها} أى من النفس الواحدة {زَوْجَها} حواء الأم وخلقها من ضلعه القصير الأيسر، قيل: أخرج الضلع فخلقت منها، وذلك فى الجنة، فانظر ما مر فى غير هذه السورة {لِيَسْكُنَ} أى النفس، وإنما ذكَّر ولم يؤنث فيما مضى نظرا إلى ما أريد به وهو آدم، وإنما نظر إلى هذا هنا ليتبين المراد بالنفس، فإن الذكر هو الذى يسكن إلى الأنثى ويقصدها للجماع ويعلوها، وأنها خلقت ليأنس بها، والتذكير أنسب بذلك أى ليطمئن {إليْها} أى إلى الزوج وهو حواء، ويأنس بها فإن الجنس أميل إلى الجنس وآنس به، ولا سيما أنها بعض منه. {فلمَّا تغَشَّاها} علاها للجماع فى الدنيا، فلما أهبطا وألقيت الشهوة فى قلبه، والصحيح أنه كان يجامعها أيضا فى الجنة، فهذه كناية لطيفة عن الجماع {حَمَلت حَمْلاً} مصدر باق على معناه أو بمعنى مفعول، أى محمولا وهو النطفة، وقرأ حماد بن سلمة حملا بكسر الحاء عن ابن كثير، ومعناه محمولا {خَفِيفًا} لأن الولد أول ما يكون فى الرحم خفيفا ثم يثقل لكبره، أو المراد بخفته أنها لم تلق به ما تكره كما تلقى النساء من نتن يتصاعد، وفى بعض الأوجاع ونحو ذلك. {فَمرَّت بهِ} أى لم يمنعها عن التصرف بالقيام والقعود والمشى لخفته، ولو ثقل أو أصابها منه ما تكره لأعجزها أو أحزنها، فتلزم موضعها، أو المعنى استمرت به كما قرأ ابن عباس، وكما قرأ ابن مسعود، فاستمرت بحملها والاستمرار الدوام، أى لم تنقطع عنه، قيل: وقت الميلاد بوقوعه، وقيل: إن هذا قلب وإن الباء بمعنى فى، والأصل فاستمر بها، وقرأ يحيى بن عمير، وابن عباس فيما ذكر النقاش عنه: فمرت به بالتخفيف وهو فعل من المرية، يقال مرى أى شك أى ظنت الحمل وارتابت به، وكانت لا تعرف ذلك، وقيل: شكت أشئ فى بطنها أم مرض، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص: فمارت به أى جاءت وذهبت، يقال مارت الريح تمور أى جاءت و ذهبت. {فلمَّا أثْقلتْ} دخلت فى الثقل لكبره، كقولك: أصبح أى دخل فى الصبح، وأشأم اى دخل فى الشام، أو صارت ذات ثقل كقولك: ألبن الرجل وأتمر أى صار ذا لبن وتمر، وقيل: حان وقت ثقلها بالحمل لكبره، كقولك: أقربت هند إذا حان أن تكون قريبا، وقرئ بالبناء للمفعول أى أثقلها الحمل، أو أثقلها الله به {دَعَوَا} أى النفس الواحدة وزوجها، وهما آدم وحواء {الله ربَّهما} الذى رباهما وملك أمرهما، فهو أحق بأن يدعواه ويلتجئا إليه. {لَئِن آتيْنَا صَالحاً} بشرا سويا صالح الجسم مثلنا، لا حجرا وحمارا أو كلبا أو نحو ذلك مما ليس من جنسنا ذكرا أو أنثى، وقال الحسن: لئن آتيتنا ذكرا لأن الذكورة من الصلاح والجودة، وهو مفعول ثان، وقال مكى: إيتاء صالحا فهو مفعول مطلق {لنَكوننَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لك على هذه النعمة المجددة، وضمير آتيتنا وضمير نكون لآدم وحواء، وقال جار الله: لهما ولمن يتناسل من ذريتهما.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} آدم {وَجَعَلَ مِنْهَا} من ضلعها اليسرى، كان ضلعاً وأَخرجه عنه امرأَة بقدرته {زَوْجَهَا} حواءَ أَو منها من جنسها، وزوجها أَزواج النفس وأَولادها، كقوله تعالى "أية : جعل لكم من أَنفسكم أَزواجاً" تفسير : [الشورى: 11] والخطاب فى خلقكم لبنى آدم، والمراد به المخلوق من هذه الأُمة، وتعميم الأُمم الماضية ليس مناسباً، بل الخطاب لأَهل مكة ونحوهم فى الكفر، وهو رجوع إِلى تقرير أَمر التوحيد وإِبطال الشرك، وتوبيخ للكفرة على جسارتهم على الكفر بتذكير مبادئ خلقهم (لَيَسْكُنَ) لتسكن النفس الواحدة وهى آدم. وإِنما لم يؤنث اعتباراً للمراد بالنفس، ولو أَنث لتوهم أَن الزوج وهى المراد بأَن تسكن إِلى آدم، والمستوحش بالوحدة آدم فتزول وحشته بها {إِلَيْهَا} يأْنس بها ويأوى إِليها {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} جامعها، أَنث النفس أَولا والمراد آدم، وذكرهما هنا لأَنها عبارة عنه، فلم يقل تغشته بتاء بعد الشين، لأَن الجماع أَنسب به، إِذ هو الذى يسكن إِلى الأُنثى، ويكون لها كالغشاء إِذا علاها للجماع {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} هو النطفة أَو هى وما بعدها من الأَطوار قبل أَن يكون ثقيلا، أَو يراد بالخفة عدم التأَذى به بمعنى محمولا، فحملا مفعول به، ويجوز أَن يكون باقياً على معنى المصدر فيكون مفعولا مطلقاً، والأَول أَنسب، لقوله تعالى {فَمَرَّتْ بِهِ} مشت به ولم يعطلها عن المشى ذهاباً ورجوعاً، وفى حركتها بلا مشقة، وفسر بعضهم مرت باستمرت، وادعى أَن مرور الشئ بالشئ ليس بصحيح هنا، وأَن الزوج ليست بمارة بالحمل، بل مستمرة، وقيل: من القلب فى الكلام، وأَن المعنى فاستمر بها {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} بكبر الولد فى بطنها صارت ذات ثقل كأَلبنت وأَتمر صارت ذات لبن وذا تمر، ودخلت فى الثقل كأَصبح دخل فى الصباح وأَمسى دخل فى المساء، وأَعرق دخل العراق، والمراد بالثقل التضرر ضد الخفة التى بمعنى عدم التضرر {دَعَوَا} آدم وحواء {اللهَ رَبَّهُمَا} وقد خافا أَن يكون ما فى بطنها حيواناً من غير جنسهما كقرد وكلب.. وقال لها إِبليس: ما هذا الذى فى بطنك؟ فقالت: لا أَدرى.. فقال: يحتمل أَن يكون كلباً أَو حماراً أَو غير ذلك، ويحتمل أَن يخرج من عينك أَو فمك، أَو يشق بطنك لإِخراجه، فعرضت الأَمر على آدم فدعوا ربهما {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا} ولدا صالح الجسم والشكل من جنسنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} من جملة الشاكرين لنعمك الدينية والدنيوية، فيكون شكرى وشكر حواء على إِيتاء الولد الصالح وسائر النعم علينا، وكل شاكر يشكرك على ماله من النعم، والقسم وجوابه مفعول لقول محذوف، أَى: {قالا لئن آتيتنا} إِلخ.. تفسير لدعوا على الاستئناف البيانى، كأَنه قيل: ماذا قالا فى دعائهما؟ أَو فقالا: لئن آتيتنا إِلخ. عطف مفصل على مجمل أَو محكى بدعوا لتضمنه معنى القول، فينصب لفظ الجلالة على أَصله، والجملة على تضمن القول {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتاهُمَا} ولفظ ما لأَن الإِنسان حال الولادة كالجماد وسائر العقلاء وسائر الحيوان، ومعنى شركا شريكاً بتسمية ولدهما عبد الحارث. والحارث اسم إِبليس فى السماء، والصواب أَن يسمياه عبد الله، وليس إِشراكا فى العبادة، ولم يعلما أَن الحارث اسم لإِبليس، فالإِشراك باللفظ لا بالقصد، ويناسب هذا لفظة لما الموضوع لحضور بخلاف ما إذا قيل: الأَلف لذريتهما والشرك فى العبادة فإِنها بعد مدة لا حاضرة، والقائل بذلك راعى مدة طويلة وقع فى بعضها إِشراك كما تقول: وقع كذا يوم الجمعة وإِنما وقع فى وسط أَو آخره مثلا، وتقول: لما دخل وقت الصلاة صلى مع أَنه لم يصل أَول الوقت. ويقال: لما ظهر الإِسلام طهرت البلاد من الشرك، روى أَنها لا يعيش لها ولد، ولدت عبد الله وعبيد الله وعبيد الرحمن وماتوا. لما ولدت عبد الله قال لادم: أَنصحك سمه عبد الحارث. فقال: أَعوذ بالله من طاعتك، أَطعتك فى الأَكل من الشجرة فأَخرجتنى من الجنة، فمات، وولدت عبيد الله فقال: سمه بذلك وإِلا مات، وولدت عبيد الرحمن فقال له ذلك. وقال: لا أَزال أَقتلهم حتى تسمى بذلك.. فسمى الرابع عبد الحارث. وفى الحديث: "حديث : خدعهما مرة فى الجنة ومرة فى الدنيا"تفسير : ، وروى الترمذى وقال: حسن غريب. والحاكم وقال: صحيح عن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما ولدت حواء وكانت أَولادها تموت، فقال لها إِبليس: سميه عبد الحارث يعش فسمته عبد الحارث"تفسير : .. وروى أَنه قال لها: إِنى من الله بمنزلة فإِن دعوت أَن يجعله الله مثلك ويسهل خروجه فسميه عبد الحارث، وسمياه بذلك، ومثل هذا لا يبعد عن آدم عليه السلام وحواءَ مع عدم معرفة أَن ذلك اسم لإِبليس، ولا يبعد أَن ينسى أَن ذلك الاسم لإِبليس، وأَيضاً لم يعلم أَسماءَ الأَعلام لكل شخص كزيد وعمرو بل أَسماءَ الأَجناس كرجل وضارب، وقيل: جعل الشرك أَولادهما لا هما بتقدير مضاف، أَى فلما آتى أولاهما من كان والداً ووالدة من أَهل الشرك ولداً صالحاً جعل هذان الأَبوان لله شركاً فيما آتاهما، بأَن سميا الأَولاد عبد العزى وعبد اللات، ونحو ذلك، ولما للأَزمان المتطاولة الآتية، وناسب تقدير المضاف مع أَنهما ليسا ممن يشرك أَن المقام للإِيجاز والإِيجاز فى مقامه من البلاغة، وقيل: الخطاب فى خلقكم لآل قصى من قريش، خلقوا من نفس واحدة هو قصى، وزوجها من جنسها عربية قرشية، طلبا من الله الولد، فأَعطاهم أَربعة بنين، ونسباهم للأَصنام: عبد مناف وعبد شمس وعبد قصى وعبد الدار، فيكون الضمير فى قوله تعالى {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} لهما ولأَعقابهما المعتدين بهما. وقيل: الدار داره دار الندوة لا صنم، وقصى نفسه لا صنم سمى به، وكذا تكون الواو على التفسير السابق للأَولاد المقدرة مضافاً فى آتاهما إِلخ.. أَو تم الكلام على آدم وحواءَ فيما قبل هذا، واستأنف هذا لأَهل مكة، وأَعاد لهم الواو، وخاطبهم لعبادتهم الأَصنام، والواو فى يشركون لأَهل مكة، أَو لأَهل الأَصنام كلهم، وقدر بعض مضافين أَى جعل نسلهما له شركاءَ فيما آتى نسلهما، وهو النسل المذكور، وقيل: أَلف جعلا للاولاد والتثنية اعتبار للنوعين الذكر والأُنثى، والفاء سببية عطف على خلقكم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} استئناف [سيق] لبيان ما يقتضي التوحيد الذي هو المقصد الأعظم، وإيقاع الموصول خبراً لتفخيم شأن المبتدأ أي هو سبحانه ذلك العظيم الشأن الذي خلقكم جميعاً وحده من غير أن يكون لغيره مدخل في ذلك أصلاً {مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} وهو آدم عليه السلام على ما نص عليه الجمهور {وَجَعَلَ مِنْهَا} / أَي من جنسها كما في قوله سبحانه: {أية : جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } تفسير : [الشورى: 11] فمن ابتدائية والمشهور أنها تبعيضية أي من جسدها لما يروى أنه سبحانه خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام اليسرى، والكيفية مجهولة لنا ولا يعجز الله تعالى شيء، والفعل معطوف على صلة الموصول داخل في حكمها ولا ضير في تقدم مضمونه على مضمون الأول وجوداً لما أن الواو لا تستدعي الترتيب فيه، وهو إما بمعنى صير فقوله سبحانه: {زَوْجَهَا} مفعوله الأول والثاني هو الظرف المقدم وإما بمعنى أنشأ والظرف متعلق به قدم على المفعول الصريح لما مر مراراً أو بمحذوف وقع حالا من المفعول {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } علة غائية للجعل أي ليستأنس بها ويطمئن إليها، والضمير المستكن للنفس، وكان الظاهر التأنيث لأن النفس من المؤنثات السماعية ولذا أنثت صفتها إلا أنه ذكر باعتبار أن المراد منها آدم ولو أنث على الظاهر لتوهم نسبة السكون إلى الأنثى والمقصود خلافه، وذكر الزمخشري أن التذكير أحسن طباقاً للمعنى وبينه في «الكشف» بأنه لما كان السكون مفسراً بالميل وهو متناول للميل الشهواني الذي هو مقدمة التغشي لا سيما وقد أكد بالفاء في قوله تعالى: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} والتغشي منسوب إلى الذكر لا محالة كأن الطباق في نسبته أيضاً إليه وإن كان من الجانبين، وفيه إيماء إلى أن تكثير النوع علة المؤانسة كما أن الوحدة علة الوحشة، وأيضاً لما جعل المخلوق أولا الأصل كان المناسب أن يكون جعل الزوج لسكونه بعد الاستيحاش لا العكس فإنه غير ملائم لفظاً ومعنى، لكن ذكر ابن الشحنة أن النفس إذا أريد به الإنسان بعينه فمذكر وإن كان لفظه مؤنث، وجاء ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص وإذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لا غير وتصغيرها نفيسة فليفهم. والضمير المنصوب من {تَغَشَّاهَا} للزوج وهو بمعنى الزوجة مؤنث، والتغشي كناية عن الجماع أي فلما جامعها. {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا} أي محمولاً خفيفاً وهو الجنين عند كونه نطفة أو علقة أو مضغة فإنه لا ثقل فيه بالنسبة إلى ما بعد ذلك من الأطوار، فنصب {حَمْلاً} على أنه مفعول به وهو بفتح الحاء ما كان في بطن أو على شجر وبالكسر خلافه. وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح. وجوز أن يكون هنا مصدراً منصوباً على أنه مفعول مطلق، وأن يراد بالخفة عدم التأذي أي حملت حملاً خف عليها ولم تلق منه ما تلقى بعض الحوامل من حملهن من الكرب والأذية {فَمَرَّتْ بِهِ} أي استمرت به كما قرأ به ابن عباس والضحاك والمراد بقيت به كما كانت قبل حيث قامت وقعدت وأخذت وتركت وهو معنى لا غبار فيه. والقول بأنه من القلب أي فاستمر بها حملها من القلب عند النقاد، وقرأ أبو العالية وغيره {مرت} بالتخفيف فقيل: إنه مخفف مرت كما يقال: ظلت في ظللت، وقيل: هو من المرية أي الشك أي شكت في أمر حملها. وقرأ ابن عمر والجحدري {فمارت} من مار يمور إذا جاء وذهب فهي بمعنى قراءة الجمهور أو هي من المرية كقراءة أبـي العالية ووزنه فاعلت وحذفت لامه للساكنين. {فَلَمَّا أَثْقَلَت} أي صارت ذات ثقل بكبر الحمل في بطنها فالهمزة فيه للصيرورة كقولهم أتمر وألبن أي صار ذا تمر ولبن، وقيل: إنها للدخول في زمان الفعل أي دخلت في زمان الثقل كأصبح دخل في الصباح والأول أظهر، والمتبادر من الثقل معناه الحقيقي، والتقابل بينه وبين المعنى الأول للخفة ظاهر، وقد يراد به الكرب ليقابل الخفة بالمعنى الثاني لكن المتبادر في الموضعين المعنى الحقيق، وقرىء {أثقلت} بالبناء للمفعول والهمزة للتعدية أي أثقلها حملها {دَّعَوَا ٱللَّهَ} أي آدم وحواء عليهما السلام / لما خاقا عاقبة الأمر فاهتما به وتضرعا إليه عز وجل {رَبَّهُمَا} أي مالك أمرهما الحقيق بأن يخص به الدعاء. وفي هذا إشارة إلى أنهما قد صدرا به دعاءهما وهو المعهود منهما في الدعاء، ومتعلق الدعاء محذوف لإيذان الجملة القسمية به، أي دعواه تعالى أن يؤتيهما صالحاً ووعدا بمقابلته الشكر على سبيل التوكيد القسمي وقالا أو قائلين {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً} أي نسلاً من جنسنا سوياً، وقيل: ولداً سليماً من فساد الخلقة كنقص بعض الأعضاء ونحو ذلك وعليه جماعة. وعن الحسن غلاماً ذكراً وهو خلاف الظاهر {لَنَكُونَنَّ} نحن أو نحن ونسلنا {مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} الراسخين في الشكر لك على إيتائك. وقيل: على نعمائك التي من جملتها هذه النعمة. وجوز أن يكون ضمير {آتَيْتَنَا} لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما وليس بذلك.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً، عاد بها الكلام إلى تقرير دليل التوحيد وإبطال الشرك من الذي سلف ذكره في قوله: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظُهورهم ذريتهم}تفسير : [الأعراف: 172] الآية، وليست من القول المأمور به في قوله: {أية : قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً}تفسير : [الأعراف: 188] لأن ذلك المقول قصد منه إبطال الملازمة بين وصف الرسالة وعلْم الرسول بالغيب، وقد تم ذلك، فالمناسب أن يكون الغرض الآخر كلاماً موجهاً من الله تعالى إلى المشركين لإقامة الحجة عليهم بفساد عقولهم في إشراكهم وإشراك آبائهم. ومناسبة الانتقالَ جريان ذكر اسم الله في قوله: {أية : إلاّ ما شاء الله} تفسير : [الأعراف: 188] وضمير الخطاب في {خلقكم} للمشركين من العرب، لأنهم المقصود من هذه الحجج والتذكير، وإن كان حكم هذا الكلام يشمل جميع البشر، وقد صدر ذلك بالتذكير بنعمة خلق النوع المبتدأ بخلق أصله وهو ءادم وزوجه حواء تمهيداً للمقصود. وتعليق الفعل باسم الجمع، في مثله، في الاستعمال يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون المراد الكل المجموعي، أي جملة ما يصدق عليه الضمير، أي خلق مجموع البشر من نفس واحدة فتكون النفس هي نفسَ آدم الذي تولد منه جميع البشر. وثانيهما: أن يكون المراد الكل الجميعي أي خَلق كل أحد منكم من نفس واحدة، فتكون النفس هي الأب، أي أبو كل واحد من المخاطبين على نحو قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}تفسير : [الحجرات: 13] وقوله: {أية : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى} تفسير : [القيامة: 39]. ولفظ {نفس واحدة} وحْدَه يحتمل المعنيين، لأن في كلا الخلقين امتناناً، وفي كليهما اعتباراً واتعاضاً. وقد جعل كثير من المفسرين النفسَ الواحدة آدم وبعض المحققين منهم جعلوا الأب لكل أحد، وهو المأثور عن الحسن، وقتادة، ومشى عليه الفخر، والبيضاوي وابنُ كثير، والأصم، وابن المنير، والجبائي. ووصفت النفس بواحدة على أسلوب الإدماج بين العبرة والموعظة، لأن كونها واحدة أدعى للاعتبار إذ ينسل من الواحدة أبناء كثيرون حتى ربما صارت النفس الواحدة قبيلة أو أمّة، ففي هذا الوصف تذكير بهذه الحالة العجيبة الدالة على عظم القدرة وسعة العلم حيث بثه من نفس واحدة رجالاً كثيراً ونساء، وقد تقدم القول في ذلك في طالعة سورة النساء. والذي يظهر لي أن في الكلام استخداماً في ضميري {تغشاها} وما بعده إلى قوله: {فيما آتاهما} وبهذا يجمع تفسير الآية بين كلا الرأيين. و(من) في قوله: {من نفس واحدة} ابتدائية. وعبر في جانب الأنثى بفعل جعل، لأن المقصود جعل الأنثى زوجاً للذكر، لا الإخبارُ عن كون الله خلقها، لأن ذلك قد علم من قوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة}. و(من) في قوله: {وجعل منها} للتبعيض، والمراد: من نوعها، وقوله: {منها} صفة لــ {زوجها} قدمت على الموصوف للاهتمام بالامتنان بأن جعل الزوج وهو الأنثى من نوع ذكرها وهذه الحكمة مطردة في كل زوجين من الحيوان. وقوله: {ليسكن إليها} تعليل لما أفادته (من) التبعيضية. والسكون مجاز في الاطمئنان والتأنس أي: جعل من نوع الرجل زوجه ليألفها ولا يجفو قربها، ففي ذلك منة الإيناس بها، وكثرة ممارستها لينساق إلى غشيانها، فلو جعل الله التناسل حاصلاً بغير داعي الشهوة لكانت نفس الرجل غير حريصة على الاستكثار من نسله، ولو جعله حاصلاً بحالة ألم لكانت نفس الرجل مقلة منه، بحيث لا تنصرف إليه إلاّ للاضطرار بعد التأمل والتردد، كما ينصرف إلى شرب الدواء ونحوه المعقبة منافع، وفُرع عنه بفاء التعقيب ما يحدث عن بعض سكون الزوج إلى زوجه وهو الغشيان. وصيغت هذه الكنابة بالفعل الدال على التكلف لإفادة قوة التمكن من ذلك لأن التكلف يقتضي الرغبة. وذُكِّر الضمير المرفوع في فعلي {يَسْكُنَ} و(تغشى): باعتبار كون ما صْدق المعاد، وهو النفس الواحدة، ذكراً، وأنّث الضمير المنصوب في {تغشاها}، والمرفوع في {حَملتْ}. و(مرتْ): باعتبار كون ما صْدق المعاد وهو زوجها أنثى، وهو عكس بديع في نقل ترتيب الضمائر. ووُصف الحمل بــــ {خفيفاً} إدماج ثان، وهو حكاية للواقع، فإن الحمل في مبدئه لا تجد منه الحامل ألماً، وليس المراد هنا حملاً خاصّاً، ولكنه الخبر عن كل حمل في أوله، لأن المراد بالزوجين جنسهما، فهذه حكاية حالة تحصل منها عبرة أخرى، وهي عبرة تطور الحمل كيف يبتدىء خفيفاً كالعدم، ثم يتزايد رويداً رويداً حتى يثقل، وفي «الموطأ» «قال: مالك وكذلك (أي كالمريض غير المخوف والمريض المخوف»): الحامل في أول حملها بشر وسرور وليس بمرض ولا خوف، لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه {أية : فبشرّناها بإسحاق}تفسير : [هود: 71] وقال: {حَملت حمْلاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين}. وحقيقة المرور: الاجتياز، ويستعار للتغافل وعدم الاكتراث للشيء كقوله تعالى: {أية : فلما كشفْنا عنه ضُره مر كأنْ لم يَدْعُنا إلى ضرَ مسّه} تفسير : [يونس: 72] أي: نسى دعاءنا، وأعرض عن شكرنا لأن المار بالشيء لا يقف عنده ولا يسائله، وقوله:{أية : وإذا مروا باللغو مروا كراماً}تفسير : [الفرقان: 72]. وقال تعالى: {أية : وكأيّنْ من آية في السمٰوات والأرض يمرون عليها وهم عنها مُعرضون}تفسير : [يوسف: 105]. فمعنى {فمرت به} لم تتفطن له، ولم تفكر في شأنه، وكل هذا حكاية للواقع، وهو إدماج. والإثْقالِ ثَقل الحمل وكلفته، يقال أثقلت الحامل فهي مُثقل وأثقل المريض فهو مُثقل، والهمزة للصيرورة مثل أوْرَقَ الشجر، فهو كما يقال أقْرَبت الحامل فهي مُقْرب إذا أقرب أبان وضعها. وقد سلك في وصف تكوين النسل مسلك الإطناب: لما فيه من التذكير بتلك الأطوار، الدالة على دقيق حكمة الله وقدرته، وبلطفه بالإنسان. وظاهر قوله: {دَعَوَا الله ربهما} أن كل أبوين يَدعوان بذلك، فإن حمل على ظاهره قلنا لا يخلو أبواب مشركان من أن يتمنيا أن يكون لهما من الحمل مولود صالح، سواء نطقاً بذلك أم أضمراه في نفوسهما، فإن مدة الحمل طويلة، لا تخلو أن يحدث هذا التمني في خلالها، وإنما يكون التمني منهم على الله، فإن المشركين يعترفون لله بالربوبية، وبأنه هو خالق المخلوقات ومُكونها، ولا حظ للآلهة إلاّ في التصرفات في أحوال المخلوقات، كما دلت علبه محاجات القرآن لهم نحو قوله تعالى: {أية : قل هل من شركائكم من يَبْدَؤا الخلق ثم يعيده}تفسير : [يونس: 34] وقد تقدم القول في هذا عند قوله تعالى: {أية : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} تفسير : في الأنعام (1). وإن حمل {دَعوا} على غير ظاهره فتأويله أنه مخصوص ببعض الأزواج الذين يخطر ببالهم الدعاء. وإجراء صفة {ربهما} المؤذنة بالرفق والإيجاد: للإشارة إلى استحضار الأبوين هذا الوصف عند دعائهما الله، أي يَذكرَ أنه باللفظ أو ما يفيد مفاده، ولعل العرب كانوا إذا دعوا بصلاح الحمل قالوا: ربنا آتنا صالحاً. وجملة: {لئن آتيتنا صالحاً} مبيّنة لجملة {دَعَوَا الله}. و{صالحاً} وصف جرى على موصوف محذوف، وظاهر التذكير أن المحذوف تقديره: (ذكراً) وكان العرب يرغبون في ولادة الذكور وقال تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون}تفسير : [النحل: 57] أي الذكور. فالدعاء بأن يؤتَيا ذكراً، وأن يكون صالحاً، أي نافعاً: لأنهم لا يعرفون الصلاح الحق، ويَنذران: لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين. ومعنى «فلما آتاهما صالحاً» لما أتى من أتاه منهم ولداً صالحاً وضمير «جعلا» للنفس الواحدة وزوجها، أي جعل الأبوان المشركان. و«الشِّرْك» مصدر شَرَكه في كذا، أي جعلا لله شركة، والشركة تقتضي شريكاً أي جعلا لله شريكاً فيما آتاهما الله، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم، إذ لا يجعل رشيدُ الرأي شريكاً لأحد في ملكه وصنعه بدون حق، فلذلك عُرف المشروك فيه بالموصولية فقيل {فيما آتاهما} دون الإضمار بأن يقال: جعلا له شركاً فيه: لما تؤذن به الصلة من فساد ذلك الجعْل، وظُلم جاعله، وعدم استحقاق المجعول شريكاً لما جعل له، وكفران نعمة ذلك الجاعل، إذ شَكَر لمن لم يُعطه، وكفر من أعطاه، وإخلاف الوعد المؤكد. وجُعل الموصول (ما) دون (منَ) باعتبار أنه عطية، أو لأن حالة الطفولة أشبه بغير العاقل. وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب، وبخاصة أهل مكة، فإن بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام، وبعضهم يحْجُر ابنه إلى صنم ليحفظه ويرعاه، وخاصة في وقت الصبا، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي تعبده، وبعضهم يسمى ابنه: عبد كذا، مضافاً إلى اسم صنم كما سَمُّوا عبدَ العُزى، وعبدَ شمس، وعبدَ مناة، وعبدَ يا ليل، وعبدَ ضخم، وكذلك امرؤ القيس، وزيد مناءة، لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد، وقد قال أبو سفيان، يومَ أحد: «اعْلُ هُبل» وقالت امرأة الطفيل لزوجها الطفيل بن عَمرو الدوسي حين أسلم وأمرها بأن تسلم «لا نخشى على الصبية من (ذي الشّرَى) شيئاً» ذو الشرى صنم. وجملة: {فتعالى الله عما يشركون} أي: تنزه الله عن إشراكهم كله: ما ذُكر منه آنفاً من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما، وما لم يذكر من أصناف إشراكهم. وموقع فاء التفريع في قوله: {فتعالى الله} موقع بديع، لأن التنزيه عما أحدثوه من الشرك يترتب على ما قبله من انفراده بالخلْق العجيب، والمنن العظيمة، فهو متعال عن إشراكهم لا يليق به ذلك، وليس له شريك بحق، وهو إنشاء تنزيه غيرُ مقصود به مخاطب. وضمير الجمع في قوله: {يُشركون} عائد إلى المشركين الموجودين لأن الجملة كالنتيجة لما سبقها من دليل خَلْق الله إياهم. وقد روَى الترمذي وأحمد: حديثاً عن سُمرة بن جندب، في تسويل الشيطان لحواء أن تسمي ولدها عبد الحارث، والحارث اسم إبليس، قال الترمذي حديث حسن غريب، ووسمه ابن العربي في «أحكام القرآن»، بالضعف، وتبعه تلميذه القرطبي وبيّن ابنُ كثير ما في سنده من العلل، على أن المفسرين ألصقوه بالآية وجعلوه تفسيراً لها، وليس فيه على ضعفه أنه فسّر به الآية ولكن الترمذي جعله في باب تفسير سورة الأعراف من «سنُنه». وقال بعض المفسرين: الخطاب في {خلقكم من نفس واحدة} لقريش خاصة، والنفس الواحدة هو قُصي بنُ كلاب تزوج امرأة من خُزاعة فلما آتاهما الله أولاداً أربعة ذكوراً سمى ثلاثة منهم عبد مناف، وعبد العُزى، وعبد الدار، وسمى الرابع «عبداً» بدون إضافة وهو الذي يُدعى بعبْد قُصي. وقرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر عنه، وأبو جعفر: شِرْكاً ــــ بكسر الشين وسكون الراء ــــ أي اشْتراكاً مع الله، والمفعول الثاني لفعل جعلا محذوف للعلم به، أي جعلا له الأصنام شركاً، وقرأ بقية العشرة شُركاء ــــ بضم الشين جمع شريك، والقراءتان متحدتان معنى. وفي جملة: {فتعالى الله عما يشركون} محسن من البديع وهو مجيء الكلام متزناً على ميزان الشعر، من غير أن يكون قصيدة، فإن هذه الجملة تدخل في ميزان الرَمل. وفيها الالتفات من الخطاب الذي سبق في قوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة} وليس عائد إلى ما قبله، لأن ما قبله كان بصيغة المثنى خمس مرات من قوله: {دَعوا الله ربهما} ــــ إلى قوله ــــ {فيما آتاهما}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك، وهو قوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} تفسير : [الروم: 21].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من نفس واحدة: هي نفس آدم عليه السلام. وجعل منها زوجها: أي خلق منها زوجها وهي حواء خلقها من ضلع آدم الأيسر. ليسكن إليها: أي ليألفها ويأنس بها لكونها من جنسه. فلما تغشاها: أي وطئها. فمرت به: أي ذاهبة جائية تقضي حوائجها لخفت الحمل في الأشهر الأولى. فلما أثقلت: أي أصبح الحمل ثقيلاً في بطنها. لئن آتيتنا صالحاً: أي ولداً صالحاً ليس حيواناً بل إنساناً. جعلا له شركاء: أي سموه عبد الحارث وهو عبد الله جل جلاله. فتعالى الله عما يشركون: أي أهل مكة حيث أشركوا في عبادة الله أصناماً. وإن تدعوهم إلى الهدى: أي الأصنام لا يتبعوكم. معنى الآيات: يقول تعالى لأولئك السائلين عن الساعة عناداً ومكابرة من أهل الشرك هو أي الله {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الإِله المستحق للعبادة لا الأصنام والأوثان، فالخالق لكم من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها حواء هو المستحق للتأليه والعبادة. دون غيره من سائر خلقه. وقوله {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}: علة لخلقه زوجها منها، إذ لو كانت من جنس آخر لما حصلت الألفة والأنس بينهما وقوله {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} أي للوطء ووطئها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ} لخفته {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي أثقلها الحمل {دَّعَوَا ٱللَّهَ} أي آدم وحواء ربهما تعالى أي سألاه قائلين {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً} أي غلاماً صالحاً {لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} أي لك. واستجاب الرب تعالى لهما وآتاهما صالحاً. وقوله تعالى {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} حيث سمته حواء عبد الحارث بتغرير من إبليس، إذ اقترح عليهما هذه التسمية، وهي من الشرك الخفي المعفو عنه نحو لولا الطبيب هلك فلان، وقوله {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} عائد إلى كفار قريش الذين يشركون في عبادة الله أصنامهم وأوثانهم، بدليل قوله بعد {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي من المخلوقات {وَهُمْ} أي الأوثان وعبادها {يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} إذا طلبوا منهم ذلك. {وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} لأنهم جمادات لا حياة بها ولا قدرة لها وقوله {وَإِن تَدْعُوهُمْ} أي وإن تدعوا أولئك الأصنام {إِلَى ٱلْهُدَىٰ} وقد ضلوا الطريق {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} لأنهم لا يعقلون الرشد من الضلال ولذا فسواء عليكم {أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ} أي لم تدعوهم فإنهم لا يتبعونكم ومن هذه حاله وهذا واقعه فهل يصح أن يعبد فتقرب له القرابين ويحلف به، ويعكف عنده، وينادى ويستغاث به؟؟ اللهم لا، ولكن المشركين لا يعقلون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أصل خلق البشر وهو آدم وحواء عليهما السلام. 2- بيان السر في كون الزوج من جنس الزوج وهو الألفة والأنس والتعاون. 3- بيان خداع إبليس وتضليله للإِنسان حيث زين لحواء تسمية ولدها بعبد الحارث وهو عبد الله. 4- الشرك في التسمية شرك خفي معفو عنه وتركه أولى. 5- التنديد بالشرك والمشركين، وبيان جهل المشركين وسفههم إذ يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يجيب ولا يتبع.

القطان

تفسير : ليسكن اليها: ليأنس بها ويطمئن إليها. تغشّاها: باشرها في الاتصال الجنسي، وهو من التعابير القرآنية المهذَّبة. فمَرَّت به: استمرت بالحمل ولم تُسقطه. اثقلت: حان وقت الولادة. صالحا: ولدا سوياً تام الخلقة. فيه هاتين الآيتين تمثيل لطبع الإنسان وكيف انه: إذا نزل به ما يكره، أو أراد الحصول على ما يجب - اتلجأ الى الله يتضرع، ويقطع على نفسه العهود والمواثيق ان يشكر الله ويطيعه اذا حقق له ما يريد، فاذا تمّ له ما طلب تولى مُعرِضا ولم يوفِ بالعهود والمواثيق. هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل زوجها من جنسها، وكانا يسكنان معا فلما قاربَ الذكرُ الانثى عَلِقت منه. وكان الحمل في اول عهده خفيفا لا تكاد تشعر به، فلما ثقل الجنين دعا الزوج والزوجة ربهما قائلَين: والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة، لنكونن من الشاكرين لنعمائك. ونالا ما طلبا، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة، وتقربا إليها بالشكر، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى اللهُ عما يُشِركون. وهناك بعض الروايات المأخوذة من الاسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاحِدَةٍ} {تَغَشَّاهَا} {لَئِنْ} {آتَيْتَنَا} {صَالِحاً} {ٱلشَّاكِرِينَ} (189) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى خَلْقَهُ إلَى أنَّ جَميعَ البَشَرِ مَخْلُوقُونَ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ (هِيَ آدَمُ)، وَأَنَّهُ خَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَهَا (حَوَّاءَ)، ثُمَّ انْتَشَرَ النَّاسُ مِنْهُمَا عَنْ طَرِيقِ التَّنَاسُلِ المَعْرُوفِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُ جَعَلَ لِلنَّفْسِ زَوْجاً لَهَا مِنْ جِنْسِهَا لِيَتَآلَفَا، وَلِيَسْكُنَ أَحَدُهُما إلى الآخَرِ، فَلا أُلْفَةَ أعْظَمُ مِمَّا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. وَحِينَمَا وَاقَعَ الذَّكَرُ الأنْثَى (تَغَشَّاهَا) عَلِقَتْ مِنْهُ. وَكَانَ الحَمْلُ فِي أَوَّلِ عَهْدِهِ خَفيفاً لاَ تَكَادُ الأنْثَى تَشْعُرُ بِهِ. وَلَمَّا تَقَدَّمَ الحَمْلُ بِهَا وَأثْقَلَتْ، تَوَجَّهَ الزَّوْجَانِ إلَى اللهِ رَبِّهِما بِالدُّعَاءِ، بِأنْ يَرْزُقَهُمَا وَلَداً صَالِحاً (أيْ تَامَّ الخَلْقِ، يَصْلُحُ لِلْقِيَامِ بِالأعْمَالِ النَّافِعَةِ التِي يَعْمَلُها البَشَرُ)، وَأَقْسَمَا عَلَى مَا وَطَّنا نَفْسَيْهما عَلَيهِ مِنَ الشُّكْرِ للهِ عَلَى أَنْعُمِهِ. تَغَشَّاهَا - وَاقَعَها. فَمَرَّتْ بِهِ - فَاسْتَمَرَّتْ بِهِ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ. أَثْقَلَتْ - صَارَتْ ذَاتَ ثِقَلٍ بِكبرِ الحَمْلِ. صَالِحاً - سَوِيّاً فِي خَلْقِهِ.

الثعلبي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} يعني آدم (عليه السلام) {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} خلق منها حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} يستأنس إليها ويأوي إليها لقضاء حاجته {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} واقعها وجامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} وهو ماء الرجل خفيف عليها {فَمَرَّتْ} أي استمرت {بِهِ} وقامت وقعدت ولم تكترث بحملها، يدل عليه قراءة ابن عباس: فاستمرت به. وقال قتادة: (فمرّت به) أي استبان حملها. وقرأ يحيى بن يعمر (فمرت) خفيفة الراء من لمرية أي: شكّت أحملت أم لا؟ {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي كبر الولد في بطنها وتحرك وصارت ذات ثقل بحملها كما يقال: أثمر إذا صار ذا ثمر {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} يعني آدم وحواء {لَئِنْ آتَيْتَنَا} ياربنا {صَالِحاً}. قال الحسن: غلاماً ذكراً. وقال الآخرون: بشراً سويّاً مثلنا {لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهما أو شيئاً سوى آدمي أو غير سوي. قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، فقالت ذلك لآدم، فلم يزالا في نِعَم من ذلك ثمّ عاد إليها فقال: إني من الله [منزّل] فإن دعوت الله فولدت انساناً [أتسميّنه فيّ] قالت: نعم، قال: فإنّي أدعو الله فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي، فقالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمّى نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث. وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء (عليهما السلام) الأرض أُلقيت الشهوة في نفس آدم فأصابها فحملت فلما تحرك ولدها في بطنها جاءها إبليس فقال ما هذا [ماترين] في الأرض إلاّ ناقة أو بقرة أو ضاينة أو [كاجزة] أو نحوها فما يدريك ما في بطنك لعله كلب أو خنزير أو حمار وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو أذنك أو عينيك أو فيك أو يشق بطنك فيقتلك، فخافت حواء من ذلك قال: فأطيعيني وسميه عبد الحرث. وكان اسمه في الملائكة الحرث، تلدين شبيهكما مثلكما، فذكرت ذلك لأدم فقال: لعلّه صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتّى غرهما فسمّياه عبد الحرث. قال السدي: ولدت حواء غلاماً فأتاها إبليس فقال سموه بي وإلاّ قتلته، قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنّة، فأبى أن يطيعه فمات الغلام، فحملت بآخر فلما ولدته قال لهما مثل ذلك فأبيا أن يطيعاه، فمات الولد، فحملت بآخر فأتاهما وقال لهما: إذ غلبتماني فسمياه عبد الحرث، وكان اسم إبليس الحرث. ولم يشعروا به فوالله لا أزال أقتلهم حتّى تسمياه عبد الحرث. كما قتلت الأول والثاني فسمياه عبد الحرث فعاش. وقال ابن عباس: كانت حواء تلد لآدم فتسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال: إن [وعدتكما] أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث فولدت ابناً فسمياه عبد الحرث ففيهما أنزل الله عزّ وجلّ {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} أي ولداً بشراً سوياً حياً آدمياً {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ}. قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وأبان بن ثعلب وعاصم وعكرمة وأهل المدينة شركاء بكسر الشين والتنوين أي شركه. قال أبو عبيدة: أي حظاً ونصيباً من غيره، وقرأ الباقون شركاء مضمومة الشين ممدودة على جمع شريك أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، لقوله تعالى {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 173] مفرداً، تم الكلام هاهنا ثمّ قال: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يعني أهل مكة. واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء فقال المفسرون: كان شركاء في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية. وقال أهل المعاني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحرث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحرث لكنهما قصدا إلى أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أُمّه فسمياه، كما [يُسمى] ربّ المنزل، وكما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربّه. كما قال حاتم: شعر : وإنّي لعبد الضيف ما دام ثاوياً وما فيّ إلاّ تلك من شيمة العبد تفسير : وقال قوم من أهل العلم: إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم وإن معناه جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كقوله تعالى {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] وكما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تفريقهم بفعل آبائهم، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ اتخذتم العجل من بعده. وقال {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 72]. وقال سبحانه: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 91] ونحوها، ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يكن عنى آدم. وروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصّروا. وقال ابن كيسان: هم الكفار جعلوا لله شركاء عبد العزى وعبد مناة. وقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم من بعد آدم. قال الحسين بن الفضل: وهذا حجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم (عليه السلام) ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}، ثمّ قال: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر يعني فلما تغشى الرجل منكم امرأته. قال الله عزّ وجلّ: {أَيُشْرِكُونَ} يعني كفار مكة {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} يعني الأصنام. قال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسمياه عبد الله فاتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟ قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد سمياه عبد الله فمات فقالا: سميناه عبد الله، فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما لا [والله] ليذهبن كما ذهب الآخر، ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس. فذلك قوله {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. الشمس لا تخلق شيئاً حتّى يكون لها عبداً إنّما هي مخلوقة قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خدعهما مرتين خدعهما في الجنّة وخدعهما في الأرض ". تفسير : والذي يؤيد القول الأول قراءة السلمي: أتشركون بالتاء. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} يعني الأصنام {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} لأنها غير عاقلة {سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} ساكتون {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ} مخلوقة مملوكة مقدرة مسخرة {أَمْثَالُكُمْ} أشباهكم {فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنّها آلهة. {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ} يأخذون بها {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} يامعشر المشركين {ثُمَّ كِيدُونِ} أنتم وهم {فَلاَ تُنظِرُونِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} المقصود بها آدم، وقول الحق: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} المقصود بها حواء، ونلحظ في الأداء في هذه الآية أن الضمير عائد إلى مؤنث. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} ثم جاء بالتذكير في قوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} إذن فصل الذكورة عن الأنوثة جاء عند {لِيَسْكُنَ}. فكأن الكلام في النفس معنىٌّ به جنس بني آدم وهو الذي نسميه "الإنسان" ومنه ذكورة ومنه أنوثة، ولذلك فسبحانه حينما يتكلم عن الذكورة كذكورة، والأنوثة كأنوثة، يأتي بضمير المذكر، أو بضمير المؤنث، وقوله: {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}. لأنه يريد أن يوضح أن المرأة جُعلَت للرجل سكناً، لا يقال: إنها له سكن إلا إذا كان هو متحركاً، كأن الحركة والكدح في الحياة للرجل، ثم يستريح مع المرأة ويسكن إليها بالحنان، بالعطف، بالرقة. أما إن لم تكن سكناً فهو يخرج من البيت لأن ذلك أفضل له. وقول الحق تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. يذكرنا بما عرفناه من قبل من أن الله خلق آدم من الطين ومن الصلصال ثم نفخ فيه ربّنا الروحَ، أما حواء فقد ذكرها في هذه المسألة، وأوضح: أنا جعلت منها زوجها، و"منها" أي أنها قطعة منه، وقيل: إنها خلقت من ضلع أعوج، ومن يرجع هذا الرأي يقول لك: لأن الله يريد أن يجعل السكن ارتباطاً عضويا، فالمرأة بعض من الرجل، ونعرف أن الواحد منا يحب ابنه لأنه بعض منه. وعلى ذلك فهذا القول جاء لتقديم الألفة. وهناك من يقول: إن حواء خلقت مثل آدم فلماذا جاء ذكر آدم ولم يأت بذكر حواء؟ ونقول: إن آدم أعطى الصورة في خلق الإنسان من طين، لأن آدم هو الرسول وهو المسجود له. ونعلم أن المرأة دائما مبنية على الستر. ومثال ذلك نجد الفلاح في مصر لا يقول: زوجتي، بل يقول: "الجماعة" أو "الأولاد" أو يقول: "أهلي" ولا يذكر اسم الزوجة أبداً. والحق يقول هنا: {وَجَعَلَ مِنْهَا}، فإن كانت مخلوقة من الضلع فـ "مِنْ" تبعيضية، وإن كانت مخلوقة مثل آدم تكون"مِنْ" بيانية، أي من جنسها، مثلها مثلما يقول ربنا: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ...} تفسير : [الجمعة: 2]. أي الرسول من جنسنا البشري ليكون إلف المبلغ عن الله، والمبلغ عن الله واحدا منا ونكون مستأنسين به، ولذلك قلنا: إن اختيار الله للرسول صلى الله عليه وسلم من البشر فيه رد على من أرادوا أن يكون الرسول من جنس آخر غير البشر، فقال الحق على ألسنتهم: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. ويأتي الرد عليهم: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. ثم لو كان الرسول من جنس الملائكة فكيف كانوا يرونه على حقيقته؟ كان لا بد أن يخلقه الله على هيئة الإنسان. ويتابع سبحانه: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً} و{تَغَشَّاهَا} تعبير مهذب عن عملية الجماع في الوظيفة الجنسية بين الزوج والزوجة، والغشاء هو الغطاء، وجعل الله الجماع من أجل التناسل ليبث منهما رجالاً كثيراً ونساء. والمعنى هنا أنها حملت الجنين لفترة وهي لا تدري أنها حامل، لأن نموّ الجنين بطىء بطىء لا تشعر الأم به. {فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189]. ومرت به، مقصود بها أنها تتحرك حركة حياتها قياماً وقعوداً إلى أن تثقل وتشعر بالحمل في شهوره الأخيرة. وهنا عرف الزوج أن هناك حملا ورفع الاثنان أيديهما بالدعاء لله عز وجل أن يكون الولد صالحاً بالتكوين البدني وصالحاً للقيام بقيم المنهج. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189]. أي أن الذكورة قد انفصلت عن الأنوثة، وصار الذكر يسكن عند الأنثى. وهكذا كان الأمر الخاص بآدم، ثم جاء الكلام للذرية، وخصوصاً أن حواء كانت تحمل بذكر وأنثى، وآدم وحواء وأولادهما هم أصل التواجد البشري وأصل التوالد. والقرآن قد يتكلم في موضوعات تبدو متباعدة. لكنها تضم قيماً ذات نسق فريد، فنجد الحق يتكلم في أمر ثم يتكلم في آخر، مثل قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ...} تفسير : [يونس: 22]. ولم يأت بسيرة البر هنا، بل تكلم بالبر والبحر ثم انتقل إلى الحديث عن مجيء الموت، وأيضاً انظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً...} تفسير : [الأحقاف: 15]. هنا يوصي الحق الإنسان بوالديه، بالأب وبالأم، ثم يتابع: {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً...}تفسير : [الأحقاف: 15]. ولم تأت سيرة الرجل بل كل الحيثيات للأم. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَرَّتْ بِهِ} معناهُ استَمَر بِهَا الحَملُ فأَتَمتْهُ. تفسير : وقوله تعالى: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً} معناهُ غُلامٌ.

الأندلسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم سؤال الكفار عن الساعة ووقتها وكان فيهم من لا يؤمن بالبعث ذكر ابتداء خلق الإِنسان وإنشاءه تنبيهاً على أن الإِعادة ممكنة كما أن الإِنشاء ممكن. وتقدم تفسير نظيرها. {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أي ليطمئن ويميل إليها ولا ينفر عنْها، لأن الجنس إلى الجنس أميل وآنس به. وإذا كان منها على حقيقته فالسكون والمحبة أبلغ كما يسكن الإِنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه أو أثر لكونه بعضاً منه. وأنث في قوله: منها ذهاباً، إلى لفظ النفس، ثم ذكر في قوله: ليسكن، حملاً على معنى النفس ليبين أن المراد بها الذر آدم أو غيره، وكان الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها فكان التذكير أحسن طباقاً للمعنى. {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} التغشي والغشيان كناية عن الجماع. ومعنى الخفة أنها لم تلق به من الكرب ما يعرض لبعض الحبالى، وحملاً مصدر أو أن يكون ما في البطن. والحمل بفتح الحاء ما كان في بطن أو على رأس شجرة، بالكسر ما كان على ظهر أو على رأس غير شجرة. {فَمَرَّتْ بِهِ} قال الحسن: استمرت به أو فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخراج ولا إزلاق. {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} أي دخلت في الثقل، كما تقول: أصبح وأمسى. أو صارت ذا ثقل كما تقول: أثمر الرجل وألبن إذا صار ذا ثمر ولبن. {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا} أي مالك أمرهما. ومتعلق الدعاء محذوف يدل عليه جملة جواب القسم أي دعوا الله ورغبا إليه في أن يؤتيهما صالحاً ثم أقسما على أنهما يكونان من الشاكرين أن آتاهما صالحاً. وقال الزمخشري: في الكلام محذوف تقديره جعل أولادهما شركاء فيما آتاهما بدليل: فتعالى الله عما يشركون، فجمع لأن آدم وحواء معصومان عن الشرك فتعين أن المراد أولادهما. وقرأ السُلمى عما تشركون بالتاء خطاب للكفار وكذلك الياء. وتمت قصة آدم وحواء عند قوله: فيما آتاهما، ثم استأنف تنزيه الله تعالى وتقدسيه عما وقع من الكفار من الإِشراك بالله، ويدل عليه انتقال الكلام من قصة آدم وحواء إلى حال الكفار الآيات الجائية بعد هذا وهو قوله: أيشركون، الآية، وصدر الآية في قوله: هو الذي خلقكم، إذ ضمير الخطاب يشمل المشركين وغيرهم ومنصب آدم عليه السلام منزه عن أن يجعل لله شريكاً إذ هو نبي مرسل مكلم. وقرىء: شركاً بالإِفراد وشركاء بالجمع. {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي أيشركون الأصنام وهي لا تقدر على خلق شىء كما يخلق الله تعالى. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي يخلقهم الله تعالى ويوجدهم كما أوجدكم ويحتمل أن يكون وهم عائداً على ما عاد عليه ضمير الفاعل في أيشركون أي وهؤلاء المشركون يخلقون أي كما يجب أن يعتبروا لكونهم مخلوقين فيجعلوا إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئاً. {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} الظاهر أن الخطاب للكفار انتقل من الغيبة إلى الخطاب على سبيل الإِلتفات والتوبيخ على عبادة غير الله تعالى. ويدل على أن الخطاب للكفار قوله: بعد أن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم. وضمير المفعول عائد على ما عادت عليه الضمائر قيل: وهي الأصنام، والمعنى وإن تدعو هذه الأصنام إلى ما هو هدى ورشاد، أو إلى أن يهدوكم كما تطلبون من الله الهدى والخير. {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} على مرادكم ولا يجيبونكم، أي ليست فيهم هذه القابلية لأنها جماد لا تعقل. وعادل همزة الاستفهام في قوله: أدعوتموهم، بقوله: أم، والجملة الإِسمية بعدها من المبتدأ والخبر لأنها في معنى الفعل إذ التقدير أم صمتم وحسن المجيء بالجملة الإِسمية كونها فاصلة كالفواصل قبلها. قال ابن عطية: وفي قوله: أدعوتموهم أم أنتم صادقون، عطف الإِسم على الفعل إذ التقدير أم صَمَتُم. ومثل هذا قول الشاعر: شعر : سواء عليك النفر أم بت ليلة بأهل القباب من نمير بن عامر تفسير : انتهى. ليس هذا من عطف الإِسم على الفعل إنما هو من عطف الجملة الإِسمية على الجملة الفعلية، وأما البيت فليس من عطف الإِسم على الفعل بل من عطف الجملة الفعلية على الإِسم المقدر بالجملة الفعلية إذ أصل التركيب سواء عليك أنفرت أم بت ليلة فأوقع النفر موقع أنفرت. وتقدم الكلام في سواء وعلى ما بعدها في أوائل البقرة.

الجيلاني

تفسير : وكيف لا يكون الغيب مما استأثر الله به؛ إذ {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أي: أوجدكم وأظهركم {مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} هو أبونا آدم، وكان جسداً لا علم له، ثمَّ علمه من الأسماء ما تعلق إرادته به سبحانه بتعليمه إياه، ولم يعلم حقائقها ولميتها؛ إذ هي من المغيبات التي لم يُطلع أحداً عليها {وَ} بعدما أظهر {جَعَلَ مِنْهَا} أي: خلق من جنسها {زَوْجَهَا} حواء {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} ويؤنس معها {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} أوقعها بإلهام الله إياه {حَمَلَتْ} وحبلت {حَمْلاً خَفِيفاً} أي: أدركت حملاً خفيفاً في بطنها {فَمَرَّتْ بِهِ} أي: مضت عليها مدة فأدركت ثقلها، وأخبرت زوجها بثقلها فألهم بأنه ولد {فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ} إلى حيث اشتدت عليها حملها، وظهرت عندها أمارة حياة ما في بطنها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا} ولداً سالماً {صَالِحاً} لمؤانستنا {لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 189] لنعمه دائماً. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} بعد صالح، وطالحاً بعد طالح، بطناً بعد بطن {جَعَلاَ} موضع الشكر {لَهُ شُرَكَآءَ} بإغواء الشيطان إياهما {فِيمَآ آتَاهُمَا} من الأولاد فسمياهم بعبد الحارث وعبد العزى، وعبد المناة، بتعليم الشيطان إياهما {فَتَعَالَى ٱللَّهُ} المنزه بذاته عن الشريك مطلقاً، سيما {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] هما وغيرهما من المشركين. ثمَّ لمَّا لم يكن شركهما عن قصد واختيار، بل وسوسة الشيطان وإغوائه وبخ سبحانه عليهم؛ لينزجروا، وقال: {أَيُشْرِكُونَ} جمعه باعتبار أولاده معنا {مَا لاَ يَخْلُقُ} ويظهر {شَيْئاً} حقيلاً قليلاً، بل {وَهُمْ} أي: الأصنام والشركات في أنفسهم {يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] مخلوقون كسائر المخلوقات. {وَ} كيف يشركون الأصنام معنا في الألوهية والربوبية، مع أنهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ} أي: لعبدتهم {نَصْراً} يدفع عنهم الأذى؛ لكونهم جمادات {وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} [الأعراف: 192] أي: لا يقدرون أن يصنروا أنفسهم بدفع ما يؤذيهم، لكونهم جمادات، وبكسرهم، فكيف لغيرهم؟.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ } أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم. { مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } وهو آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم. { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } أي: خلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة. { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي: تجللها مجامعا لها قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل، [وحينئذ] حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا، وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها. { فَلَمَّا } استمرت به و { أَثْقَلَتْ } به حين كبر في بطنها، فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد، وعلى خروجه حيا، صحيحا، سالما لا آفة فيه [كذلك] فدعوا { اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا } ولدا { صَالِحًا } أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ }. { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا } على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه { جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } أي: جعلا للّه شركاء في ذلك الولد الذي انفرد اللّه بإيجاده والنعمة به، وأقرَّ به أعين والديه، فَعَبَّدَاه لغير اللّه. إما أن يسمياه بعبد غير اللّه كـ "عبد الحارث" و "عبد العزيز" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك، أو يشركا باللّه في العبادة، بعدما منَّ اللّه عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد. وهذا انتقال من النوع إلى الجنس، فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس، ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا، فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك، وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم، سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال، فإن الخالق لهم من نفس واحدة، الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا، ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض، ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل. ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا، تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا، فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم. أفلا يستحق أن يعبدوه، ولا يشركوا به في عبادته أحدا، ويخلصوا له الدين. ولكن الأمر جاء على العكس، فأشركوا باللّه من لا { يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ }. { وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ } أي: لعابديها { نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ }. فإذا كانت لا تخلق شيئا، ولا مثقال ذرة، بل هي مخلوقة، ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها، بل ولا عن أنفسها، فكيف تتخذ مع اللّه آلهة؟ إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه. وإن تدعوا، أيها المشركون هذه الأصنام، التي عبدتم من دون اللّه { إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ }. فصار الإنسان أحسن حالة منها، لأنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تهدِي ولا تُهدى، وكل هذا إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا مجردا، جزم ببطلان إلهيتها، وسفاهة من عبدها.

همام الصنعاني

تفسير : 968- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي وقال قتادة: {فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً}: [الآية: 189]، قالا: كان آدم لا يولد له ولد إلاَّ مَاتَ فجاءَهُ الشيطان فقال: إن سرَّك أن يعيش ولدك هذا فسمِّه عبد الحارث، ففعل. قال: فأشركا في الاسمِ ولم يُشْركَا فِي العبادة. 969- عبد الرزاق، عن معمر، وقال الحسن: إنما عَنَى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده. 983- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً} [الآية: 189] قال: غُلاَماً. 984- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {فَمَرَّتْ بِهِ}: [الآية: 189]، قال: استمرت به. 985- وقال غيره: {فَمَرَّتْ بِهِ}: [الآية: 189]. يقول: تمارت به لا تدري أحبلى هيَ أمْ لاَ.