Verse. 1144 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَلَمَّاۗ اٰتٰىہُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَہٗ شُرَكَاۗءَ فِيْمَاۗ اٰتٰىہُمَا۝۰ۚ فَتَعٰلَى اللہُ عَمَّا يُشْرِكُوْنَ۝۱۹۰
Falamma atahuma salihan jaAAala lahu shurakaa feema atahuma fataAAala Allahu AAamma yushrikoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فلمَّا آتاهما» ولدا «صالحا جعلا له شركاء» وفي قراءة بكسر الشين والتنوين أي شريكا «فيما آتاهما» بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبدا إلا لله، وليس بإشراك في العبودية لعصمة آدم وروى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره رواه الحاكم وقال صحيح والترمذي وقال حسن غريب «فتعالى الله عما يشركون» أي أهل مكة به من الأصنام، والجملة مسببة عطف على خلقكم وما بينهما اعتراض.

190

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَلَمَّآ ءَاتَٰهُمَا } ولداً {صَٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ } وفي قراءة بكسر الشين والتنوين: أي شريكاً {فِيمَآ ءَاتَٰهُمَا } بتسميته عبد الحارث ولا ينبغي أن يكون عبداً إلا الله، وليس بإِشراك في العبودية لعصمة آدم. وروى سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث فإِنه يعيش، فسمته فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» تفسير : رواه الحاكم وقال: صحيح، والترمذي وقال: حسن غريب {فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي أهل مكة به من الأصنام، والجملة مسببة عطف على «خلقكم» وما بينهما اعتراض.

ابن عطية

تفسير : يقال إن الآية المتقدمة هي في أدم وحواء وإن الضمير في قوله {آتاهما} عائد عليهما، قال إن الشرك الذي جعلاه هو في الطاعة، أي أطاعا إبليس في التسمية بعبد الحارث كما كانا في غير ذلك مطيعين لله، وأسند الطبري في ذلك حديثاً من طريق سمرة بن جندب، ويحتمل أن يكون الشرك في أن جعلا عبوديته بالاسم لغيره، وقال الطبري والسدي في قوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} إنه كلام منفصل ليس من الأول، وإن آدم وحواء تم في قوله {فلما آتاهم} ، وإن هذا كلام يراد به مشركو العرب. قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم لا يساعده اللفظ، ويتجه أن يقال تعالى الله عن ذلك اليسير المتوهم من الشرك في عبودية الاسم، ويبقى الكلام في جهة أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، وجاء الضمير في {يشركون} ضمير جمع لأن إبليس مدبر معهما تسمية الولد عبد الحارث، ومن قال إن الآية المتقدمة إنما الغرض منها تعديد النعمة في الأزواج وفي تسهيل النسل والولادة ثم ذكر سوء فعل المشركين بعقب ذلك، قال في الآية الأخيرة إنها على ذلك الأسلوب وإن قوله {فتعالى الله عما يشركون} المراد بالضمير فيه المشركين، والمعنى في هذه الآية فلما آتى الله هذين الإنسانين صالحاً أي سليماً ذهبا به إلى الكفر وجعلا لله فيه شركاً وأخرجاه عن الفطرة، ولفظة الشرك تقتضي نصيبين، فالمعنى: وجعلا لله فيه ذا شرك لأن إبليس أو أصنام المشركين هي المجعولة، والأصل أن الكل لله تعالى وبهذا حل الزجاج اعتراض من قال ينبغي أن يكون الكلام "جعلا لغيره شركاً" وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر "شِرْكاً" بكسر الشين وسكون الراء على المصدر، وهي قراءة ابن عباس وأبي جعفر وشيبة وعكرمة ومجاهد وعاصم وأبان بن تغلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم "شركاء" على الجمع، وهي بينة على هذا التأويل الأخير وقلقه على قول من يقول: إن الآية الأولى في آدم وحواء، وفي مصحف أبيّ ابن كعب "فلما آتاهما صالحاً أشركا فيه"، وذكر الطبري في قصص حواء وآدم وإبليس في التسمية بعبد الحارث وفي صورة مخاطبتهم أشياء طويلة لا يقتضي الاختصار ذكرها. وقرأ نافع والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وعاصم "عما يشركون أيشركون" بالياء من تحت فيهما، وقرأ أبو عبد الرحمن "عما تشركون" بالتاء من فوق "أتشركون مالا يخلق" الآية، وروى بعض من قال إن الآيات في آدم وحواء أن إبليس جاء إلى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس، فولد له ولد فسماه كذلك وإياه عنى بقوله {أيشركون مالا يخلق شيئاً} ، {وهم يخلقون} على هذا عائد على آدم وحواء والابن المسمى عبد شمس، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه في مشركي الكفار الذين يشركون الأصنام في العبادة وإياها أراد بقوله {ما لا يخلق} ، وعبر عنها بهم كأنها تعقل على اعتقاد الكفار فيها وبحسب أسمائها، و {يخلقون} معناه ينحتون ويصنعون، ويحتمل على قراءة "يشركون" بالياء من تحت أني كون المعنى وهؤلاء المشركون يخلقون، أي فكان قولهم أن يعتبروا بأنهم مخلوقون فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق شيئاً. قوله تعالى: {ولا يستطيعون} الآية، هذه تخرج على تأويل من قال إن المراد آدم وحواء والشمس على ما تقدم، ولكن بقلق وتعسف من المتأول في المعنى، وإنما تتسق هذه الآيات ويروق نظمها ويتناصر معناها على التأويل الآخر، والمعنى ولا ينصرون أنفسهم من أمر الله وإرادته، ومن لا يدفع عن نفسه فأحرى أن لا يدفع عن غيره. وقوله تعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى} الآية، من قال إن الآيات في آدم عليه السلام قال إن هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته مستأنفة في أمر الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، و {لهم} الهاء والميم من {تدعوهم} ، ومن قال بالقول الآخر قال إن هذه مخاطبة للمؤمنين والكفار على قراءة من قرأ "يشركون" بالياء من تحت، وللكفار فقط على من قرأ بالتاء من فوق على جهة التوقيف، أي إن هذه حال الأصنام معكم إن دعوتموهم لم يجيبوكم إذ ليس لهم حواس ولا إدراكات، وقرأ نافع وحده "لا يتْبَعوكم" بسكون التاء وفتح الباء وقرأ الباقون "لا يتَّبِعوكم" بشد التاء المفتوحة وكسر الباء والمعنى واحد، وفي قوله تعالى: {أدعوتموهم أم أنتم} عطف الاسم على الفعل، إذ التقدير أم صمتم ومثل هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : سواء عليك الفقر أم بت ليلة بأهل القباب من نمير بت عامر

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما} قال ابن عباس: أشركاه في طاعته في غير عبادة ولم يشركا بالله ولكن أطاعاه. وقال قتادة: أشركا في الاسم ولم يشركا في العبادة. وقال عكرمة ما أشرك آدم ولا حواء وكان لا يعيش لهما ولد فأتاهما الشيطان فقال إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث فهو قوله تعالى جعلا له شركاء فيما آتاهما قرئ شركا بكسر الشين مع التنوين ومعناه شركة وقال أبو عبيدة معناه حظاً ونصيباً وقرئ شركاء بضم الشين مع المد جمع شريك يعني إبليس عبر عن الواحد بلفظ الجمع يعني جعلا له شريكاً إذ سميا ولدهما عبد الحارث. قال العلماء: ولم يكن ذلك شركاً في العبادة ولا أن الحارث رب لهما لأن آدم عليه الصلاة والسلام كان نبياً معصوماً من الشرك ولكن قصد بتسميتهما الولد بعبد الحارث ان الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامته وسلامة أمه وقد يطلق اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوك كما قال الشاعر: شعر : وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً تفسير : أخبر عن نفسه أنه عبد الضيف ما أقام عنده مع بقاء الحرية عليه وإنما أراد بالعبودية خدمة الضيف والقيام بواجب حقوقه كما يقوم العبد بواجب حقوق سيده. وقد يطلق اسم الرب بغير الألف واللام على غير الله كقول يوسف عليه الصلاة والسلام لعزيز مصر {أية : إنه ربي أحسن مثواي}تفسير : [يوسف: 23] أراد به التربية ولم يرد به أنه ربه ومعبوده فكذلك هنا وإنما أخبر عن آدم عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ولأن منصب النبوة أشرف المناصب وأعلاها فعاتبه الله على ذلك لأنه نظر إلى السبب ولم ينظر إلى المسبب والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. قال العلماء: وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله فيما آتاهما ثم ابتدأ في الخبر عن الكفار بقوله تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} نزه نفسه سبحانه وتعالى عن إشراك المشركين من أهل مكة وغيرهم وهذا على العموم، ولو أراد آدم وحواء لقال سبحانه وتعالى فتعالى الله عما يشركان على التثنية لا على الجمع وقال بعض أهل المعاني: ولو أراد به ما سبق في معنى الآية فمستقيم أيضاً من حيث إنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في التسمية فكان الأولى أن يسمياه عبد الله لا عبد الحارث وفي معنى الآية قول آخر وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم وهو قول الحسن وعكرمة ومعناه وجعل أولادهما له شركاء فحذف ذكر الأولاد وأقامهما مقامهم كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء بقوله:{أية : ثم اتخذتم العجل} تفسير : [البقرة: 51]{أية : وإذ قتلتم نفساً}تفسير : [البقرة: 72] فعير به الهيود الذين كانوا موجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك من فعل آبائهم وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله: {أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة} تفسير : [الأَعراف: 188] من أبيه وجعل منها زوجها أي وجعل من جنسها زوجها آدمية مثله وهذا قول حسن إلا أن القول وورد الحديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهّودوهم ونصّروهم. وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد شمس وعبد الدار ونحو ذلك.

ابو السعود

تفسير : {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً} لما آتاهما ما طلباه أصالةً واستتباعاً من الولد وولد الولدِ ما تناسلوا فقوله تعالى: {جَعَلاَ} أي جعل أولادُهما {لَهُ} تعالى {شُرَكَاء} على حذف المضافِ وإقامةِ المضاف إليه مُقامه ثقةً بوضوح الأمرِ وتعويلاً على ما يعقُبه من البـيان وكذا الحال في قوله تعالى: {فِيمَا ءاتَـٰهُمَا} أي فيما آتى أولادَهما من الأولاد حيث سمَّوْهم بعبد مناف وعبدِ العزّى ونحوِ ذلك وتخصيصُ إشراكِهم هذا بالذكر في مقام التوبـيخِ مع أن إشراكَهم بالعبادة أغلظُ منه جنايةً وأقدمُ وقوعاً لِما أن مَساقَ النظمِ الكريمِ لبـيان إخلالِهم بالشكر في مقابلة نعمةِ الولدِ الصالِح، وأولُ كفرِهم في حقه إنما هو تسميتُهم إياه بما ذُكر، وقرىء شِرْكاً أي شركةً أو ذوي شركةٍ أي شركاءَ. إن قيل ما ذُكر من حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسةٌ ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقةً أو حكماً وتتضمن نسبتُه إليه صورةً مزيةً يقتضيها المقامُ كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ }تفسير : [البقرة: 49] الآية، فإن الإنجاءَ منهم مع أن تعلّقه حقيقةً ليس إلا بأسلاف اليهودِ قد نُسب إلى أخلافهم بحكم سرايتِه إليهم توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه، وكذا في قوله تعالى: {أية : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 91] الآية، فإن القتلَ حقيقةً مع كونه من جناية آبائِهم قد أُسند إليهم بحكم رضاهم به أداءً لحق مقامِ التوبـيخِ والتبكيت، ولا ريب في أنهما عليهما الصلاة والسلام بريئان من سرايةِ الجعلِ المذكورِ إليهما بوجه من الوجوه، فما وجهُ إسنادِه إليهما صورةً؟ قلنا: وجهُه الإيذانُ بتركهما الأَوْلى حيث أقدما على نظم أولادِهما في سلك أنفسِهما والتزما شكرَهم في ضمن شكرِهما وأقسما على ذلك قبل تعرُّف أحوالِهم ببـيان أن إخلالَهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالِهما بالذات في استيجاب الحِنْثِ والخُلْف مع ما فيه من الاشعار بتضاعف جنايتِهم ببـيان أنهم بجعلهم المذكورِ أوقعوهما في ورطة الحِنثِ والخُلفِ وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بـين الجنايةِ على الله تعالى والجنايةِ عليهما عليهما السلام. {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيهٌ فيه معنى التعجبِ، والفاءُ لترتيبه على ما فصل من أحكام قدرتِه تعالى وآثارِ نعمتِه الزاجرةِ عن الشرك الداعيةِ إلى التوحيد، وصيغةُ الجمعِ لما أشير إليه من تعين الفاعلِ وتنزيهِ آدمَ وحواءَ عن ذلك و(ما) في (عما) إما مصدريةٌ أي عن إشراكهم أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي عما يشركونه به سبحانه، والمرادُ بإشراكهم إما تسميتُهم المذكورةُ أو مطلقُ إشراكِهم المنتظمِ لها انتظاماً أولياً وقرىء تشركون بتاء الخِطاب بطريق الالتفاتِ، وقيل: الخطابُ لآل قصيَ من قريش، والمرادُ بالنفس الواحدةِ نفسُ قصيّ فإنهم خُلقوا منه وكان له زوجٌ من جنسه عربـيةٌ قرشيةٌ وطلبا من الله تعالى ولداً صالحاً فأعطاهما أربعةَ بنينَ فسمَّياهم عبدَ مناف وعبدَ شمسٍ وعبدَ قُصيَ وعبدَ الدار، وضمير يشركون لهما ولأعقابهما المقتدين بهما. وأما ما قيل: من أنه لما حملت حواءُ أتاها إبليسُ في صورة رجل فقال لها: ما يُدريك ما في بطنك لعله بهيمةٌ أو كلبٌ أو خنزيرٌ وما يدريك من أين يخرج فخافت من ذلك فذكرته لآدمَ فأهمّهما ذلك ثم عاد إليها وقال: إني من الله تعالى بمنزلة فإن دعوتُه أن يجعله خلقاً مثلَك ويسهّل عليك خروجَه تسمّيه عبد الحارث وكان اسمُه حارثاً في الملائكة فقبِلت فلما ولدتْه سمتّه عبدَ الحارثِ فمما لا تعويلَ عليه، كيف لا وأنه عليه الصلاة والسلام كان علَماً في علم الأسماءِ والمسميات فعدمُ علمِه بإبليسَ واسمِه واتباعُه إياه في مثل هذا الشأن الخطيرِ أمرٌ قريبٌ من المحال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.

القشيري

تفسير : شرُّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع والبكاء، فإذا أزيلت شكاتِه، ودُفِعت - بِمِنتَّهِ - آفاتُه ضيَّعَ الوفاء، ونَسِيَ البلاء، وقابل الرِّفْدَ بنقْضِ العهد وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم، وخرطهم في سِلْك أهل الرد.

الهواري

تفسير : قال الله: {فَلَمَّا ءَاتَٰهُمَا} أي أعطاهما {صَالِحاً} أي غلاماً {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَٰهُمَا}. قال لهما إبليس: سمِّياه عبد الحارث، فسمَّيَاه عبدالحارث؛ فكان شركا في طاعة إبليس في تسميتهما إياه عبد الحارث، ولم يكن شركاً في عبادة، في تفسير بعضهم. انقضت قصة آدم وحواء من هذا الموضع. قال: {فَتَعَالَى اللهُ} أي ارتفع الله وعلا، من قبل العلو {عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وقال الكلبي: {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً}، يعني حواء {فَمَرَّتْ بِهِ} أي قامت به وقعدت. ثم أتاها الشيطان في غير صورته فقال: يا حواء، ما هذا في بطنك؟ فقالت: لا أدري. قال: لعله بهيمة من هذه البهائم. قالت: لا أدري. فأعرض عنها. حتى إذا أثقلت أتاها، فقال لها: كيف تجدين نفسك يا حواء؟ قالت: إني أخاف أن يكون في بطني الذي خوفتني؛ ما أستطيع القيام إذا قعدت. فقال: أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنساناً مثلك، أو مثل آدم، أتسمينه بي؟ قالت نعم، فانصرف عنها. فقالت لآدم: إن الذي في بطني بهيمة من هذه البهائم، وإني لأجد له ثقلاً. ولقد خفت أن يكون كما قال، [فلم يكن لآدم ولا لحواء همٌّ غيره] حتى وضعت. فلذلك قوله: {دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً}، أي إنساناً، {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}. كان هذا دعاءهما قبل أن تلد. فلما ولدت أتاها إبليس فقال: ألا تَسمّينه بي كما وعدتني. قالت: وما اسْمُكْ؟ قال: اسمي عبد الحارث. فسمته عبدالحارث، فمات. يقول الله: {فَلَمَّا، ءَاتَٰهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَٰهُمَا}. ثم انقضت قصة آدم وحواء ها هنا. ثم قال الله: {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} يعني المشركين من بني آدم.

اطفيش

تفسير : {فَلمَّا آتاهُما} أى آدم وحواء {صَالحاً} كما أرادا وكان ذكرا {جَعَلا} أى آدم وحواء {لَهُ} أى لله {شُركاءَ} أى شركة {فِيما آتاهُما} متعلق بجعلا أو بشركاء، وفى ظرفية أو سببية، وقرأ أبىّ شركاء فيه، وكذا فى مصحفه، وهذه الشركة هى اتباعهما إبليس فى قوله: سمياه عبد الحارث، وكان اسم إبليس فى الملائكة الحارث، أو هى إضافته للحارث لا إشراك فى العبادة، وسمى ذلك شركا بالنظر إلى اللغة إذ اتبعناه كما يتبعان أمر الله، وأضافاه للحارث كما تضاف الأشياء لله، وفى ذلك تلويح بعتابهما على ذلك، أو بالنظر إلى علو مرتبتهما، حتى يعد ذلك إشراكا مع أنه ليس بإشراك، ولا سيما أن آدم نبى، وإنما أراد بتسميته عبد الحارث أنه كان سبب حياته، وسلامة أمة الحارث والإضافة تكون لأدنى ملابسة. وقد قال يوسف فى العزيز: {إنه ربى} وأراد إنه مربينى وكافلى لا معبودى، وتقول: أنا عبد فلان تريد أنك تخدمه وتقوم بحقه، لا أنه معبودك فعوتبا على التسمية بما يوهم الشرك، وعلى النظر إلى السبب، وقد فسر أبو عبيدة الشرك هنا بالحظ والنصيب. روى أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو كما قرئ فمرت به بتخفيف الراء فجزعت لذلك، فوجد إبليس لها سبيلا فقال لها حين أثقلت: ما يدريك ما فى جوفك؟ لعله خنزير أو حية أو بهيمة أو كلب أو حمار، وروى أنه قال بها: ما الذى فى بطنك؟ فقالت: ما أدرى، قال: إنى أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا أترين فى الأرض إلا بهيمة أو نحوها، قالت: إنى أخاف بعض ذلك، وكان فى صورة رجل لا تعرفه، فقال: وما يدريك من أين يخرج؟ أينشق له بطنك فتموتى أو من فيك أو أنفك؟ ولكن إن أطعتينى وسميتيه عبد الحارث فسأخلصه لك، وأجعله بشرا مثلك، فان لم تفعلى قتلته لك. فأخبرت آدم فقال لها: ذلك صاحبنا الذى أغوانا فى الجنة، لا نطيعه، وقيل: قال لها: ما يدريك ما هو؟ ومن أين يخرج؟ خافت وذكرت لآدم فلم يُرَ إلا فى غم، ثم عاد إليها إبليس فقال لها: إنى من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويًّا مثلك ويسهل خروجه فسميه عبد الحارث، فذكرت ذلك لآدم فقال: لعل ذلك صاحبنا فلا تطيعيه، ولم يزل بها حتى سمياه عبد الحارث. وقال ابن عباس: سمياه عبد الله فمات، وولد آخر فسمياه عبيد الله فمات، وولد آخر فسمياه عبد الرحمن فمات، فقال لهما: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فسميا الرابع عبد الحارث فعاش، وقيل: قال لهما هذا بعد موت الثانى، فسميا الثالث عبد الحارث فعاش، وروى أن الله سلطه على أولادهما فيموتون، فقال ذلك. وفى رواية عن ابن عباس: أتى آدم حين ولد له أول ولد فقال: أنصحك فى شأن ولدك هذا سمه عبد الحارث، فقال: أعوذ بالله من طاعتك، أطعتك فى أكلى من الشجرة فأخرجتنى من الجنة، فلن أطيعك، فمات وولد له ثان فقال: أطعنى وإلا مات كما مات الأول فعصاه فمات، فقال: لا أزل أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث، وروى أنه لما ولَدَت أول أول ولد وقد قال لها ما خوفها به مما مر قال لها: ألا تسميه بى كما وعدتنى؟ قالت: فما اسمك؟ قال: اسمى الحارث، فسمته عبد الحارث، وذلك أنه جاءها لما كانت حاملا فقال لها: يا حواء ما الذى فى بطنك؟ قلت: لا أدرى، قال: لعله بهيمة من هذه البهائم، قالت: لا أدرى، فأعرض عنها حتى أثقلت فقال لها: كيف تجدين نفسك يا حواء؟ قالت: إنى أخاف أن يكون الذى خوفتنى ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال أفرأيت إن دعوت الله فجعله إنسانا مثلك أو مثل آدم أتسميه بى؟ قالت: نعم، وقالت لآدم: إن الذى فى بطنى بهيمة، وإنى لا أجد له ثقلا. وروى أنه أتى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله، فقال: إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس فسماه، وتم الكلام فى آدم وحواء واستأنفه فى مشركى مكة وغيرها بقوله: {فتَعَالى اللهُ عمَّا يُشْركونَ} وهو حسن، وعليه الطبرى، لكن خصه بمشركى العرب وهو تحكم، وقيل: هذا فيهما أيضا، وعبر عنهما بصيغة الجماعة مجازا أو لأن ألقها اثنان، وقيل الضمير لهما ولإبليس لا اشتراكهم فى التسمية بعبد الحارث، أو عبد شمس، وهما قولان مقبولان أيضا، وعلى هذا تم الكلام هنا، أو فى ينصرون عليهما، أو على إبليس. وقال الحسن، وعكرمة: إن فى الكلام حذفا الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهم فحذف المضاف وهو أولاد، فناب عنه المضاف إليه، فاعتبر المضاف إليه دون المضاف، فقيل: فيما آتاهما لا فى ما آتاهم، وقد اعتبر المضاف فى: {فتعالى الله عما يشركون} الخ أو الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما، فحذفنا مضافان، ولا يخفى إشراك بنى آدم غير الله فى العبادة وفى التسمية، وقد سموا عبد العزى، وعبد مناة، وعبد مناف، وعبد اللات، وغير ذلك، أو خوطب الأبوان آدم وحواء بفعل الأبناء، كما جاء العكس وأعنى بالخطاب نسبة إليهما أو نسب إليهما فعل الأولاد، لأنهما السبب فى وجودهم وفعلهم، ولا ضير عليهما فى هذه السببية. وفى رواية عن عكرمة: أن الله سبحانه خاطب بقوله: {أية : هو خلقكم من نفس واحدة} تفسير : كل واحد على حدة، فأبو زيد نفس واحدة، وأبو عمرو نفس واحدة، وأبو بكر نفس واحدة، وأبو خالد نفس واحدة، وهكذا فان كل واحد أبوه واحد لا متعدد، أى خلق كل واحد من أبيه، وجعل منها زوجها بمعنى وجعل من جنس النفس الواحدة زوجها آدمية مثلها، ويجوز أن يكون الخطاب لقريش الذين فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل قصى، خلقوا من نفس واحدة هى قصى، وكان له زوج من جنسه آدمية عربية، قرشية، ولما تغشاها حملت حملا خفيفا، ولما ولد اسميا أولادهما عبد العزى، وعبد قصى، وعبد مناف، وعبد الدار، فضمير التثنية لهما، وضمير الجمع لهما، ولأعقابهما المقتدين بهما، أو لعامة المشركين، وبه قال ابن كيسان، واستحسنه جار الله وغيره. وقد قرأ غير نافع، وأبى بكر، وابن عباس، وشيبة، وعكرمة، ومجاهد، وإبان بن ثعلب، وأبى جعفر جعلا له شركاء بضم الشين وفتح الراء والمد، وهى أنسب بقول الحسن وعكرمة فى روايته، وهذا الاحتمال الأخير، وكذا قرأ حفص، وأهل هذه القراءة لا يقولون بأن آدم وحواء هما بأنفسهما أشركا بالتسمية أو باتباع إبليس فيها، لأنهما اتبعاه فى تسمية واحدة لولد واحد. وإن قلت: فما وجه قراءة نافع، ومن ذكرت معه بكسر الشين وإسكان الراء وتنوين الكاف على تأويل الحسن وعكرمة والوجه الأخير؟ قلت: وجهها أن الشرك مصدر أو اسمه يصدق على إشراكة واحدة، وعلى شركاء، أو الأصل ذوى شرك وهم الشركاء، وقيل، كما مر عن الحسن، وعكرمة: لكن فى اليهود والنصارى، رزقوا أولادا فهوًّدوهم ونصَّروهم، والصحيح أن نافعا وغيره قرءوا: عما يشركون بالتحتية، وروى عنه وعن الحسن وأبى جعفر وأبى عمرو وعاصم بالفوقية.

الالوسي

تفسير : {فَلَمَّا ءَاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً} وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما طلباه أصالة واستتباعاً من الولد وولد الولد ما تناسلوا {جَعَلاَ} أي النسل الصالح السوي، وثنى الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك {لَهُ} أي لله سبحانه وتعالى {شُرَكَآءَ} من الأصنام والأوصان {فِيمَا ءَاتَـٰهُمَا} من الأولاد حيث أضافوا ذلك إليهم، والتعبير بما لأن هذه الإضافة عند الولادة والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل. وقيل: المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلاناً {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تنزيه فيه معنى التعجب، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك، و (ما) إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى. وهذه الآية عندي من المشكلات؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفرداً لفظاً ولم نجد ذلك في الفصيح. واختار غير واحد أن في {جَعَلاَ} و {ءَاتَـٰهُمَا} بعد مضافاً محذوفاً وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولاً لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس. واعترض أولاً: بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقة أو حكماً ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } تفسير : [الأعراف: 141] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة، وثانياً: بأن إشراكهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع / له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك، وثالثاً: بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً بل بعده بأزمنة متطاولة، ورابعاً: بأن إجراء {جَعَلاَ} على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم. وأجيب عن الأول: بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلف مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم بجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى والجناية عليهما السلام، وعن الثاني: بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة، وعن الثالث: بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال: لما ظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد، وعن الرابع: بما حرره صاحب «الكشف» في اختيار هذا القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [الأعراف: 189] خطاب لأهل مكة وأنه بعدما ختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعاً للنبـي صلى الله عليه وسلم وحملاً له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولي العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه صلى الله عليه وسلم من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً أعني قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمِمَّن خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِِّ }تفسير : [الأعراف: 181] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم } تفسير : [الأعراف: 182] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 189] مضمناً معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل: {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في قولهما: {أية : لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 189] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحاً ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقاً بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي، وعليه ينطبق قوله سبحانه: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} ثم قال: فظهر أن إجراء {جَعَلاَ} له على غير ما أجري عليه الأول، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه اهـ. والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز، وعن الحسن وقتادة أن ضمير {جَعَلاَ} و {ءاتَـٰهُمَا} يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام، وهو قول الأصم قال: ويكون المعنى في قوله سبحانه / وتعالى: {أية : خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ } تفسير : [الأعراف: 189] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجاً من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملاً خفيفاً وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحماً ودماً وعظماً دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحاً أي ذكراً سوياً لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأساً نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في «الانتصاف» وادعى ((أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى (ولا يقصد معين من ذلك) ثم قال: وكأن المعنى والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم (فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلاناً وإنما قتلهم بعضهم، ومثله قوله تعالى: {أية : (وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ) أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيِّاً } تفسير : [مريم: 66] و {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ)) } تفسير : [عبس: 17] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة. وعن أبـي مسلم أن صدر الآية لآدم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [الأعراف: 189] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر، وهو كما ترى. وقيل: يجوز أن يكون ضمير {جَعَلاَ} لآدم وحواء كما هو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في {فَتَعَـٰلَى} الخ للمشكرين، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم: إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول: فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه. وقيل: يحتمل أن يكون الخطاب في {خَلَقَكُمْ} لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلباً من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في {يُشْرِكُونَ} لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد:شعر : فيا لقصي ما زوى الله عنكم به من فخار لا يباري وسودد تفسير : واستبعد ذلك في «الكشف» بأن المخاطبين لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا جلهم وإنما هو مجمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة، وأيضاً من أين العلم إنهما وعدا عند الحمل أن يكونا شاكرين لله تبارك وتعالى ولا كفران أشد من الكفر الذي كانا فيه. وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصراً فهدم مصراً، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون اهـ. وأجيب عن قوله: من أين العلم الخ بأنه من / إعلام الله تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم، ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرشية في حيز المنع. نعم في كون قصي هو أحد أجداد النبـي صلى الله عليه وسلم كان مشركاً مخالفة لما ذهب إليه جمع من أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين، وقيل: إن ضمير {لَهُ} للولد، والمعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالاً للولد الصالح الذي أتاهما، وقيل: هو لإبليس، والمعنى جعلا لإبليس شركاء في اسمه حيث سميا ولدهما بعبد الحرث، وكلا القولين ردهما الآمدي في «أبكار الأفكار»، وهما لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال، وذهب جماعة من السلف كابن عباس ومجاهد وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير {جَعَلاَ} يعود آدم وحواء عليهما السلام، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير المتبادر بل ما أشرنا إليه آنفاً إلى أن قوله سبحانه وتعالى: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تخلص إلى قصة العرب وإشراكهم الأصنام فهو كما قال السدي من الموصول لفظاً المفصول معنى، ويوضح ذلك كما قيل تغيير الضمير إلى الجمع بعد التثنية ولو كانت القصة واحدة لقيل يشركان، وكذلك الضمائر بعد، وأيد ذلك بما أخرجه أحمد. والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها: سميه عبد الحرث فإنه يعيش فسمته بذلك فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره وأراد بالحرث نفسه فإنه كان يسمى به بين الملائكة»تفسير : ولا يعد هذا شركاً بالحقيقة على ما قال القطب لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية لكن أطلق عليه الشرك تغليظاً وإيذاناً بأن ما عليه أولئك السائلون عما لا يعنيهم أمر عظيم لا يكاد يحيط بفظاعته عبارة. وفي «لباب التأويل» أن إضافة عبد إلى الحرث على معنى أنه كان سبباً لسلامته وقد يطلق اسم العبد على ما لا يراد به المملوك كقوله:شعر : وأني لعبد الضيف ما دام ثاوياً تفسير : ولعل نسبة الجعل إليهما مع أن الحديث ناطق بأن الجاعل حواء لا هي وآدم لكونه عليه السلام أقرها على ذلك، وجاء في بعض الروايات التصريح بأنهما سمياه بذلك. وتعقب هذا القول بعض المدققين بأن الحديث لا يصلح تأييداً له لأنه لم يرد مفسراً للآية ولا إنكار لصدور ذلك منهما عليهما السلام فإنه ليس بشرك. نعم كان الأولى بهما التنزه عن ذلك إنما المنكر حمل الآية على ذلك مع ما فيه من العدول عن الظاهر لا سيما على قراءة الأكثرين {شُرَكَاء} بلفظ الجمع؛ ومن حمل {فَتَعَـٰلَى } الخ على أنه ابتداء كلام وهو راجع إلى المشركين من الكفار، والفاء فصيحة، وكونه منقولاً عن السلف معارض بأن غيره منقول أيضاً عن جمع منهم انتهى. وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحرث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيراً للآية، وارتكاب خلاف الظاهر في تفسيرها مما لا مخلص عنه كما لا يخفى على المنصف. ووجه جمع الشركاء زيادة في التغليظ لأن من جوز الشرك جوز الشركاء فلما جعلا شريكاً فكأنهما جعلا شركاء، وحمل {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ} الخ على الابتداء مما يستدعيه السابق والسياق وبه صرح كثير من أساطين الإسلام والذاهبون إلى غير هذا الوجه نزر قليل بالنسبة إلى الذاهبين إليه وهم دونهم أيضاً في العلم والفضل وشتان ما بين دندنة النحل وألحان معبد، ومن هنا قال العلامة الطيبـي: إن هذا القول أحسن الأقوال بل لا قول غيره ولا معول إلا عليه لأنه مقتبس من مشكاة النبوة وحضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم، وأنت قد علمت مني أنه إذا / صح الحديث فهو مذهبـي وأراه قد صح ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب. وقرأ نافع. وأبو بكر {شركا} بصيغة المصدر أي شركة أو ذوي شركة وهم الشركاء.

الشنقيطي

تفسير : في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما. الأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت. فجاءها الشيطان، فقال لها سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً} أي ولداً إنساناً ذكراً جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره. الوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحاً كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء، لأنهما أصل لذريتهما كما قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} تفسير : [الأعراف: 11] أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: {أية : ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}تفسير : [الأعراف: 11]، ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: {أية : فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الأعراف: 190-191]، وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير - والعلم عند الله تعالى -.

الواحدي

تفسير : {فلما آتاهما صالحاً} ولداً سويّاً {جعلا له} لله {شركاء} يعني: إبليس، فأوقع الواحد موقع الجميع {فيما آتاهما} من الولد إذ سمَّياه عبد الحارث، ولا ينبغي أن يكون عبداً إلاَّ لله، ولم تعرف حوَّاء أنَّه إبليس، ولم يكن هذا شركاً بالله، لأنَّهما لم يذهبا إلى أنَّ الحارث ربَّهما، لكنهما قصدا إلى أنَّه كان سبب نحاته، وتمَّ الكلام عند قوله: {آتاهما} ، ثمَّ ذكر كفَّار مكة، فقال: {فتعالى الله عمَّا يشركون}. {أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون} يريد: أيعبدون ما لا يقدر أن يخلق شيئاً وهم مخلوقون! عنى الأصنام. {ولا يستطيعون لهم نصراً} لا تنصر مَنْ أطاعها {ولا أنفسهم ينصرون} ولا يدفعون عن أنفسهم مكروه مَنْ أرادهم بكسرٍ أو نحوه، ثمَّ خاطب المؤمنين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَاهُمَا} {صَالِحاً} {فَتَعَالَى} (190) - فَلَمَّا رَزَقَهُمَا اللهُ تَعَالَى وَلَداً سَلِيماً سَوِيّاً، نَسِيَا دَعْوَتَهُمَا للهِ، وَجَعَلاَ الأَصْنَامَ شُرَكَاءَ للهِ فِي عَطِيتِهِ لَهُمَا، وَتَقَرَّبَا إلَيْهَا شَاكِرَيْنِ. فَتَعَالَى اللهُ وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شَرِكَةٍ فِي المُلْكِ. (وَيَرَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ أَنَّ المُرَادَ بِالسِّيَاقِ لَيْسَ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِنَّمَا المُرَادُ المُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويروى أن هذه الآية قد نزلت في "قٌصَيّ" وهو جد من أجداده صلى الله عليه وسلم، فقد طلب "قُصَيّ" من الله أن يعطي له الذرية الصالحة، فلما أعطاه ربنا الذرية الصالحة سماها بأسماء العبيد، فلم يقل: عبدالله أو عبدالرحمن، بل قال: عبدمناف، عبدالدار، عبدالعزى. وجعل لله شركاء في التسمية، ولهذا جاء قول الحق: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}؛ ليدلنا على أن الإنسان في أضعف أحواله، أي حينما يكون ضعيفاً عن استقبال الأحداث، يخطر بباله ربنا؛ لأنه يحب أن يسلم نفسه لمن يعطي له ما يريده، وبعد أن ينال مطلبه ينسى، ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ...} تفسير : [يونس: 12]. إذن فائدة الضر أنه يجعلنا نلجأ إلى ربنا، ولذلك نجد الإنسان أحسن ما يكون ذكراً لله وتسبيحا لله حينما يكون في الشدة وفي المرض، ولذلك لو قدر المريض نعمة الله عليه في مرضه وشدته، لا أقول: إنه قد يحب أن يستطيل مدة المرض والشدة. لا، بل عليه فقط ألا يضجر وأن يلجأ إلى ربه ويدعوه. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حينما قال: "حديث : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدوّ مّلكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قول إلا بك ". تفسير : والإنسان ساعة يوجد في المرض عليه أن يعرف النعمة فيه، فهو في كل حركة من حركاته يذكر الله، وكما تخمد فيه طاقات الاندفاعات الشهوانية، يمتلىء بإيجابيات علوية، ولذلك نجد الحديث القدسي يقول فيه ربنا سبحانه وتعالى: "حديث : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب. كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب. كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ". تفسير : إذن ماذا عن حال مريض يستشعر أن ربه عنده، ويكون في المرض مع المنعم، وفي الصحة مع النعمة. {فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190]. ومعنى هذا أن ربنا تبارك وتعالى ينزه نفسه عما يقول فيه المبطلون ويشركون معه ما يزعمون من آلهة. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ...}

همام الصنعاني

تفسير : 973- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَةَ، قال: سمعتُ صَدَقَةَ يُحدِّثُ عَنِ السُّدِّيِّ، قال: هذا من المفصول المفصل: قوله تعالى: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}: [الآية: 190]، في شأن آدم وحواء. ثم قال: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: [الآية: 190]، عما يشرك المشركمون فلم يُعِنْهُمَا.