٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
191
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله: {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً؟ وهم يخلقون. أي وهم مخلوقون يعني الأصنام. فإن قيل: كيف وحد {يَخْلُقُ } ثم جمع فقال: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وأيضاً فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس؟ والجواب عن الأول: أن لفظ {مَا } تقع على الواحد والاثنين والجمع، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها. ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله: {يَخْلُقُ} رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } رعاية لجانب المعنى. والجواب عن الثاني: وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز؟ فنقول: لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 33] وقوله: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } تفسير : [يوسف: 4] وقوله: {أية : يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18]. المسألة الثانية: قوله: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله، قالوا: لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئاً وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقاً كان إلهاً، فلو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه كان إلهاً ولما كان ذلك باطلاً، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه. أما قوله تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها. والنصر: المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك. فكيف يليق بالعاقل عبادتها؟ ثم قال: {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهاً فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه. ثم قال: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور، بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر، فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع. ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه، ثم قوى هذا الكلام بقوله: {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ } وهذا مثل قوله: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ }تفسير : [البقرة: 6] وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل، وههنا عطف الاسم على الفعل، لأن قوله: {أَدَعَوْتُمُوهُمْ } جملة فعلية: وقوله: {أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ } جملة إسمية. واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة، وتلك الفائدة هي أن صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالاً بعد حال، وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار. إذا عرفت هذا فنقول: إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام، وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين، فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم، فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة، ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } وفيه سؤال: وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات؟ وجوابه من وجوه: الأول: أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع، وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة، فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم، ولذلك قال: {فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ } ولم يقل التي. والجواب الثاني: أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم، فلم جعلتم أنفسكم عبيداً وجعلتموها آلهة وأرباباً؟ ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالكم. فقال: {أية : أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا }تفسير : [الأعراف: 195] ثم أكد هذا البيان بقوله: {فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله: {فَلْيَسْتَجِيبُواْ } لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية، ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً }تفسير : [مريم: 42] وقوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة، ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية، وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها، وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي الأصنام مخلوقة. وقال: «يُخْلَقُونَ» بالواو والنون لأنهم ٱعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع، فأجريت مجرى الناس؛ كقوله: {أية : فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 33]. وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ}تفسير : [النمل: 18]. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي إن الأصنام، لا تنصر ولا تنتصر.
ابن كثير
تفسير : هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئاً من الأمر ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئاً ولا يستطيع ذلك؟ كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ } تفسير : [الحج: 73-74] أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم، ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئاً من حقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: {لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي: بل هم مخلوقون مصنوعون؛ كما قال الخليل: {أية : قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} تفسير : [الصافات: 95]؟ الآية. ثم قال تعالى: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} أي: لعابديهم {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة؛ كما أخبر تعالى عنه في قوله: {أية : فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ} تفسير : [الصافات:93] وقال تعالى: {أية : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 58] وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً للأرامل؛ ليعتبر قومهما بذلك، ويرتؤوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح، وكان سيداً في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفاً، ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:شعر : تاللّهِ لو كُنْتَ إلهاً مستدن لَمْ تَكُ والكلب جميعاً في قرن تفسير : ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيداً رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه، وقوله: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} الآية، يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 42] ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها، أي: مخلوقات مثلهم، بل الأناسي أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك، وقوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 195] الآية، أي: استنصروا بها علي، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم { إِنَّ وَلِيِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي الله حسبي وكافِيِّ، وهو نصيري وعليه متكلي وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود عليه السلام لما قال له قومه: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوۤءٍ قَالَ إِنِّىۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [هود: 54-56] وكقول الخليل: {أية : أَفَرَءَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِىۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 75-78] الآيات، وكقوله لأبيه وقومه: {أية : إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الزخرف: 26-28]. وقوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم، إلا أنه بصيغة الخطاب، وذلك بصيغة الغيبة، ولهذا قال: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَۤ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}، وقوله: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} كقوله تعالى: {أية : إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ } تفسير : [فاطر: 14] الآية. وقوله: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} إنما قال: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة، وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صورة مصورة كالإنسان، وتراهم ينظرون إليك، فعبر عنها بضمير من يعقل، وقال السدي: المراد بهذا المشركون، وروي عن مجاهد نحوه، والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَيُشْرِكُونَ } به في العبادة {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا} يعني الأصنام، يعني أرجل يمشون بها في مصالحكم. {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} يعني في الدفع عنكم. {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا} يعني مضاركم من منافعكم. {أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} دعاءَكم وتضرعكم. فإن قيل فلم أنكر عبادة من لا رجل له ولا يد ولا عين؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أن من عبد جسماً لا ينفع كان ألوم ممن عبد جسماً ينفع. والثاني: أنه عرفهم أنهم مفضلون عليها، فكيف يعبدون من هم أفضل منه.
الخازن
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {أيشركون} قرئ بالتاء على خطاب الكفار، وقرئ بالياء على الغيبة {ما لا يخلق شيئاً} يعني إبليس والأصنام {وهم يخلقون} أي وهم مخلوقون. فإن قلت: كيف وحد يخلق ثم جمع فقال وهم يخلقون؟ قلت: إن لفظة "ما" تقع على الواحد والإثنين والجمع فهي من صيغ الواحدان بحسب ظاهر اللفظ ومحتملة للجمع بحسب المعنى فوحد قوله ما لا يخلق رعاية الحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله وهم يخلقون رعاية لجانب المعنى. فإن قلت: كيف جمع بالواو وبالنون لمن لا يعقل وهو جمع من يعقل من الناس؟ قلت: لما اعتقد عابدو الأصنام أنها تعقل وتميز ورد هذا الجمع بناء على ما يعقدونه ويتصورنه. وقوله تعالى: {ولا يستطيعون لهم نصراً} يعني أن الأصنام لا تقدر على نصر من أطاعها وعبدها ولا تضر من عصاها والنصر، المعونة على الأعداء. والمعنى أن المعبود الذي تجب عبادته يكون قادراً على إيصال النفع ودفع الضر وهذه الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها ثم قال تعالى: {ولا أنفسهم ينصرون} يعني ولا يقدرون على أن يدفعوا عن أنفسهم مكروهاً فإن من أراد كسرها قدر عليه وهي لا تقدر على دفعه عنها. ثم خاطب المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: {وإن تدعوهم إلى الهدى} يعني وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الهدى {لا يتبعوكم} لأن الله سبحانه وتعالى حكم عليهم بالضلالة فلا يقبلون الهداية {سواء عليكم أدعوتموهم} إلى الدين والهداية {أم أنتم صامتون} أي ساكتون عن دعائهم فهم في كلا الحالين لا يؤمنون. وقيل إن الله سبحانه وتعالى لما بيّن في الآية المقتدمة عجز الأصنام بيّن في هذه الآية أنه لا علم لها بشيء البتة؛ والمعنى أن هذه الأصنام التي يعبدها المشركون معلوم من حالها أنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع لمن دعاها إلى خير وهدى ثم قوى هذا المعنى بقوله سبحانه وتعالى: {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} وذلك أن المشركين كانوا إذا وقعوا في شدة وبلاء تضرعوا لأصنامهم فإذا لم تكن لهم إلى الأصنام حاجة سكتوا وصمتوا فقيل لهم لا فرق بين دعائكم للأصنام أو سكوتكم عنها فإنها عاجزة في كل حال. قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} يعني أن الأصنام التي يعبدها هؤلاء المشركون إنما هي مملوكة لله أمثالهم وقيل إنها مسخرة مذللة مثل ما أنتم مسخرون مذللون قال مقاتل في قوله سبحانه وتعالى: {عباد أمثالكم} أنها الملائكة والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة والقول الأول أصح وفيه سؤال وهو أنه وصفها بأنها عباد مع أنها جماد. والجواب أن المشركين لما ادعوا أن الأصنام تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا كونها عاقلة فاهمة فوردت هذه الألفاظ على وفق معتقدهم تبكيتاً لهم وتوبيخاً ولذلك قال عز وجل: {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في كونها آلهة وجواب آخر وهو أن هذا اللفظ إنما ورد في معرض الاستهزاء بالمشركين والمعنى أن قصارى هذه الأصنام التي تعبدونها أحياء عاقلة على معقتدكم فهم عباد الله أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلما عبدتموهم وجعلتموهم آلهة وجعلتم أنفسكم لهم عبيداً ثم وصفهم بالعجز.
ابو السعود
تفسير : {أَيُشْرِكُونَ} استئنافٌ مسوقٌ لتوبـيخ كافةِ المشركين واستقباحِ إشراكِهم على الإطلاق وإبطالِه بالكلية ببـيان شأنِ ما أشركوه به سبحانه، وتفصيلِ أحوالِه القاضيةِ ببطلان ما اعتقدوه في حقه أي أيشركون به تعالى {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي لا يقدر على أن يخلُق شيئاً من الأشياء أصلاً ومن حق المعبودِ أن يكون خالقاً لعابده لا محالة، وقولُه تعالى: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} عطفٌ على (لا يخلق) وإيرادُ الضميرين بجمع العقلاءِ مع رجوعهما إلى (ما) المعبّرِ بها عن الأصنام إنما هو بحسب اعتقادِهم فيها وإجرائِهم لها مُجرى العقلاءِ وتسميتِهم لها آلهةً، وكذا حالُ سائر الضمائرِ الآتيةِ ووصفُها بالمخلوقية بعد وصفِها بنفي الخالقيةِ لإبانة كمالِ منافاةِ حالِها لما اعتقدوه في حقها وإظهارِ غايةِ جهلِهم، فإن إشراكَ ما لا يقدِرُ على خلق شيءٍ ما بخالقه وخالقِ جميع الأشياء مما لا يمكن أن يسوّغه من له عقلٌ في الجملة وعدمُ التعرضِ لخالقها للإيذان بتعينه والاستغناءِ عن ذكره. {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ} أي لِعبَدَتهم إذا حزّ بهم أمرٌ مهِمّ وخطبٌ مُلِمٌّ {نَصْراً} أي نصراً ما بجلب منفعةٍ أو دفعِ مضرة {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} إذا اعتراهم حادثةٌ من الحوادث أي لا يدفعونها عن أنفسهم، وإيرادُ النصر للمشاكلة، وهذا بـيانٌ لعجزهم عن إيصال منفعةٍ ما من المنافع الوجوديةِ والعدميةِ إلى عبدتهم وأنفسِهم بعد بـيانِ عجزِهم عن إيصال منفعةِ الوجود إليهم وإلى أنفسهم، خلا أنهم وُصفوا هناك بالمخلوقية لكونهم أهلاً لها وهٰهنا لم يوصفوا بالمنصورية لأنهم ليسوا أهلاً لها. وقوله تعالى: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} بـيانٌ لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفيِّ عنهم وأيسرُ، وهو مجردُ الدِلالةِ على المطلوب والإرشادِ إلى طريق حصولِه من غير أن يحصّله الطالب، والخطابُ للمشركين بطريق الالتفاتِ المنبىءِ عن مزيد الاعتناءِ بأمر التوبـيخِ والتبكيتِ أي إنْ تدعوهم أيها المشركون إلى أن يَهدوكم إلى ما تحصِّلون به المطالبَ أو تنجون به عن المكاره {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} إلى مرادكم وطِلْبتِكم، وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى: {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ} استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما قبله ومبـينٌ لكيفية عدمِ الاتباع، أي مستوٍ عليكم في عدم الإفادةِ دعاؤُكم لهم وسكوتُكم البحتُ فإنه لا يتغير حالُكم في الحالين كما لا يتغير حالُهم بحكم الجمادية، وقوله تعالى: {أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ} جملةٌ اسميةٌ في معنى الفعليةِ معطوفةٌ على الفعلية لأنها في قوة أمْ صَمَتّم. عُدل عنها للمبالغة في عدم إفادةِ الدعاءِ ببـيان مساواتِه للسكوت الدائمِ المستمر، وما قيل من أن الخطابَ للمسلمين والمعنى وإن تدعوا المشركين إلى الهدى أي الإسلامِ لا يتبعوكم الخ، مما لا يساعده سباقُ النطمِ الكريم وسياقُه أصلاً على أنه لو كان كذلك لقيل عليهم مكان عليكم كما في قوله تعالى: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } تفسير : [البقرة: 6] فإن استواءَ الدعاءِ وعدمَه إنما هو بالنسبة إلى المشركين لا بالنسبة إلى الداعين فإنهم فائزون بفضل الدعوة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. كما لا يجوز أن يكون الربُّ مخلوقاً لا يجوز أن يكون غير الرب خالقاً، فَمَنْ وَصَفَ الحقَّ بخصائص وصف الخلْق فقد أَلْحَدَ، ومَنْ نَعَتَ الخلقَ بما هو من خصائص حق الحق فقد جحَدَ. قوله جلّ ذكره: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ}. مَنْ حَكَمَ بأنه ليس في مقدور الحق شيء لو فعله اسم الجاهل طوعاً إلا فعله فقد وصف بأنه لا يقدر على نصره فَمُضَاهٍ الذي يعيد الجماد ونعوذ بالله من الضلالة عن الرشاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {أيشركون} به تعالى {ما لا يخلق شيأ} اى لا يقدر على ان يخلق شيئا من الاشياء اصلا ومن حق المعبود ان يكون خالقا لعابده {وهم يخلقون} عطف على ما لا يخلق يعنى الاصنام وايراد الضميرين بجمع العقلاء مبنى على اعتقاد الكفار فيها ما يعتقدونه فى العقلاء وكانوا يصورونها على صورة من يعقل ووصفها بالمخلوقية بعد وصفها بنفى الخالقية لا بانه كمال منافاة حالها لما اعتقدوه فى حقها.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أيُشرِكون} مع الله أصنامًا جامدة، لا يخلقون شيئًا {وهم يُخلَقون}، فهي مخلوقة غير خالقة. والله تعالى خالق غير مخلوق، {ولا يستطيعون لهم نصرًا} أي: لا يقدرون أن ينصروا من عبدهم، {ولا أنفسَهم ينصرون} فيدفعون عنها ما يعتريها، فهي في غاية العجز والذلة، فكيف تكون آلهة؟. {وإِن تدعوهم إلى الهُدى لا يتبعوكم} أي: وإن تدعو الأصنام إلى الهدى لا تجيبكم، فلا تهتدي إلى ما دعيت إليه؛ لأنها جمادات، أو: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم إلى الحق لا تجيبكم، {سواءٌ عليكم أدَعوتُموهم أم أنتم صامتون} عن دعائهم، فالدعاء في حقهم وعدمه سواء، وإنما لم يقل: أم صمتم؛ ليفيد الاستمرار على عدم إجابتهم: لأن الجملة الاسمية تقتضي الاستمرار. ثم قال تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله} أي: تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، هم {عبادٌ أمثالُكم} من حيث أنها مسخرة مملوكة، فكيف يعبد العبد مع ربه، {فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} في أنها تستحق أن تُعبد، والأمر للتعجيز؛ لأن الأصنام لا تقدر أن تجيب فلا تستحق أن تعبد. ثم عاد عليهم بالنقض فقال: {ألهُم أرجلٌ يمشون بها أم لهم أيدٍ يبشطون بها أم لهم أعينٌ يبصرون بها أم لهم آذانٌ يسمعون بها}، ومعناه: أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح والحياة، ومن كان كذلك لا يكون إلهًا، فإنَّ من وصف الإله الإدراك والحياة والقدرة. وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام؛ لأن المشركين مقرون أن أصنامهم لا تمشي، ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تُسمع، فلزمتهم الحجة، والهمزة في قوله: {ألهم}: للاستفهام مع التوبيخ، و {أم}، في المواضع الثلاثة: تضمنت معنى الهمزة ومعنى بل، وليس عاطفة. قاله ابن جزي: {قل ادعوا شركاءَكم}؛ استعينوا بهم في عداوتي، {ثم كِيدُون فلا تُنظِرُون} أي: لا تؤخرون، فإنكم وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي وكيدي، ومفهوم الآية: الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة. الإشارة: كل ما سوى الله قد عمه العجز والتقصير، فليس بيده نفع ولا ضر، وفي الحديث: " حديث : لو اجتَمَعَ الإنسُ والجنُّ على أن ينفَعُوكَ بشَيءٍ لم يَنفَعُوكَ إلاَّ بشَيءٍ قد كَتَبَه اللهَ لك، ولو اجتَمَعُوا على أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لم يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيءٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليكَ "تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فالخلق كلهم في قبضة القهر، مصروفون بقدرة الواحد القهار، ليس لهم أرجل يمشون بها، ولا أيد يبطشون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان يسمعون بها، وإنما هم مجبورون في قوالب المختارين، فلا تركن إليهم أيها العبد في شيء، إذ ليس بيدهم شيء، ولا تخف منهم في شيء، إذ لا يقدرون على شيء. قال ابن جزي: وفيها ـ أي: في الآية ـ إشارة إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء. ثم أفصح بذلك فقال: {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع {لا يتبعوكم} وفي الشعراء {يتبعهم} بالتخفيف. الباقون بالتشديد وهما لغتان، وبالتشديد اكثر. قال ابو زيد تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعاً إذا سبقوك فأسرعت نحوهم ومروا علي فاتبعتهم اتباعاً إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك، قال: وتبعتهم اتبعهم تبعاً مثل ذلك. وفي الآية توبيخ من الله وتعنيف للمشركين، وإن خرج مخرج الاستفهام، بأنهم يعبدون مع الله جماداً لا يخلق شيئاً من الاجسام ولا ما يستحق به العبادة، وهم مع ذلك مخلوقون محدثون ولهم خالق خلقهم. ونبههم بذلك على انه لا ينبغي أن يعبد إلا من يقدر على إنشاء الاجسام واختراعها وخلق اصول النعم التي يستحق بها العبادة، وان ذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي ليس بجسم، والقادر لنفسه، ثم بيّن أن هذه الاشياء التي يعبدونها ويتخذونها آلهة واشركوا بها مع الله تعالى لا تقدر لمن عبدها واتخذها إلهاً على نفع ولا على ضر ولا أن ينصروهم، ولا ان ينصروا انفسهم إن اراد بهم غيرهم سوءاً، ومن هذه صورته فهو على غاية العجز، ولا يجوز أن يكون إلهاً. وإنما يجب ان يكون كذلك من يقدر على الضر والنفع ونصرة اوليائه. وقوله تعالى {وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم} معناه إن الاصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة إن دعوها إلى الهدى والرشد لم يستمعوا ذلك، ولا تمكنوا من اتباعهم، لأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل - في قول ابي وغيره - وقال الحسن: إن ذلك راجع إلى قوم من المشركين قد عموا بالكفر فهم لا يعلمون. ثم قال {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون} يعني سواء عندها دعاؤها والسكوت عنها لكونها جماداً لا تعقل وإنما قال {أم أنتم صامتون} ولم يقل أم صمتم ليكون في مقابلة {أدعوتموهم} فيفيد الماضي والحال لأن المقابلة دلت على معنى الماضي، واللفظ يدل على معنى الحال، وعليه أكثر الكلام يقولون: سواء علي أقمت أم قعدت، ولا يقولون أقمت أم أنت قاعد، قال الشاعر: شعر : سواء إذا ما اصلح الله امرهم علينا ادثر ما لهم ام اصارم تفسير : وانشد الكسائي: شعر : سواء عليك النفر ام بت ليلة بأهل القبا من نمير بن عامر تفسير : وانشد بعضهم: شعر : (ام انت بائت)
الجنابذي
تفسير : {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ..} توبيخ بوجهٍ آخر فانّ الاوّل باعتبار انّ الخالق المنعم شأنه ان يوحّد ولا ينظر معه الى غيره من غير اعتبار وصفٍ للشّريك وهذا باعتبار انّ ما لا يخلق بل هو مخلوق لا ينبغى ان يجعل شريكاً للخالق.
الهواري
تفسير : قوله: {أَيُشْرِكُونَ} أي: أيشركون بالله، على الاستفهام، أي قد فعلوا. {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} يعني الأوثان. {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} كقوله: (أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) تفسير : [الصافات:95-96] أي بأيديكم، يعني أصنامهم. قال: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً} أي ولا تستطيع الأوثان أن تنصر من عبدها. {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} أي: ولا تنصر الأوثان أنفسها. قال في آية أخرى: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ} أي الوثن (أية : وَالمَطْلُوبُ)تفسير : أي الذباب [الحج:73]. قال: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى} يعني المشركين {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ} أخبر بعلمه فيهم. {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ} وهو كقوله: (أية : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [البقرة:6]. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ} يقوله للمشركين، يعني أوثانهم {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} أي مخلوقون {فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أنهم آلهة. ثم قال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا} على الاستفهام، يعني الأوثان {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي: إنه ليس لهم شيء من هذا، كقوله: (أية : أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) تفسير : [النحل:21] {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ} يعني أوثانكم التي أشركتموها بالله. {ثُمَّ كِيدُونِ} أنتم وأوثانكم {فَلاَ تُنظِرُونَ} أي: اجهدوا عليّ جهدكم.
اطفيش
تفسير : {أيُشْركونَ ما لا يخْلُقُ شيئاً} وهو إبليس أو الشمس على ما مر أولا، إذ سموا آدم وحواء ولدهما بعبد الحارث أو عبد شمس، أو الأصنام وسائر التسميات المشركة على سائر التأويلات بالتحتية أيضا، وروى عن هؤلاء أيضا بالفوقية خطابا لآدم وحواء أو لسائر المشركين على ما مر. {وهُمْ} أى الأصنام، وجمع نظر المعنى ما، وذكرهم بضمير العقلاء بناء على اعتقاد عابديها فيها، وتسميتهم إياها آلهة، وكذا فيما بعد، وأما إذا جعلنا الكلام فى آدم وحواء فإنما جمع الضمير، لأن لفظ يشركون ما لا يخلق شيئا يدل على سائر الأصنام، وإلا فهما اتبعا إبليس فى ولد واحد بتسمية واحدة، أو لأنه أوقع لفظ ما على سائر المعبودات، كما تقول لمن ذبح كبشاً بشماله: أتذبح الكباش بالشمال ولو لم يذبح إلا كبشاً واحدا، ولن يذبح غيره، وقيل الضمير لعابدى الأصنام، فالمراد أن يعتبروا أنهم مخلوقون، فيجعلون إلههم خالقهم لا من لا يخلق. {يُخلقُونَ} أى خلقوا، فالمضارع للمضى، ويجوز أن يكون للاستقبال باعتبار الجنس أو للاستمرار التجددى، والمراد أنهم مخلوقون لله، أو منحوتون بالأيدى.
اطفيش
تفسير : {أَيُشْرِكُونَ} بالله فى العبادة {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا} أَى الأَصنام التى لا تخلق شيئاً، أَو أَصناما لا تخلق شيئاً {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أَى الأَصنام التى لا تخلق شيئاً ذكرها بضمير العقلاء لاعتقاد عبادها أَنها عاقلة، أَو واو يشركون أَولا وثانياً لمطلق من يشرك فيشمل عابدى عيسى وعزير والملائكة، فيكون {ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون} للأَصنام ومن ذكر من العقلاء تغليباً لهم عليها، ويجوز عود قوله: وهم يخلقون للمشركين العابدين، لا عبدوا، وعلى كل لو تفكروا فى الخلق لم يعبدوا غير الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {أَيُشْرِكُونَ} به تعالى {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} أي ما لا يقدر على أن يخلق شيئاً من الأشياء أصلاً ومن حق المعبود أن يكون خالقاً لعابده لا محالة وعنى بما الأصنام، وإرجاع الضمير إليها مفرداً لرعاية لفظها كما أن إرجاع ضمير الجمع إليهما من قوله سبحانه وتعالى: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} لرعاية معناها وإيراد ضمير العقلاء مع أن الأصنام مما لا يعقل إنما هو بحسب اعتقادهم فيها وإجرائهم لها مجرى العقلاء وتسميتهم لها آلهة. والجملة عطف على {لاَّ يَخْلُقُ}، والجمع بين الأمرين لإبانة كمال منافاة حال ما أشركوه لما اعتقدوه فيه وإظهار غاية جهلهم، وعدم التعرض للخالق للإيذان بتعينه والاستغناء عن ذكره تعالى.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآيات الثلاث كلام «معترض بين الكلامين المسوقين لتوبيخ المشركين وإقامة الحجة عليهم، مُخاطب بها النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون، للتعجيب من عقول المشركين، وفيه تعريض بالرد عليهم لأنه يبلُغ مسامعهم. والاستفهام مستعمل في التعجيب والإنكار. وصيغة المضارع في يشركون دالة على تجدد هذا الإشراك منهم. ونفي المضارع في قوله: {ما لا يَخلق} للدلالة على تجدد نفي الخالقية عنهم. وأصل معنى التجدد، الذي يدل عليه المسند الفِعلي، هو حدوث معنى المسند للمسند إليه، وأنه ليس مجرد ثبوت وتقرر، فيعلم منه: أنهم لا يخلُقون في الاستقبال، وأنهم ما خَلقوا شيئاً في الماضي، لأنه لو كان الخلق صفة ثابتة لهم لكان متقرراً في الماضي والحال والاستقبال. وضمير الغيبة في {وهم يخلقون} يجوز عندي: أن يكون عائداً إلى ما عاد إليه ضمير {أية : يشركون} تفسير : [الأعراف: 190]، أي: والمشركون يُخلقون، ومعنى الحال زيادة تفظيع التعجيب من حالهم لإشراكهم بالله أصنافاً لا تخلق شيئاً في حال أن المشركين يُخلقون يوماً فيوماً، أي يتجدد خلقهم، والمشركون يشاهدون الأصنامَ جاثمة في بيوتها ومواضعها لا تصنع شيئاً فصيغة المضارع دالة على الاستمرار بقرينة المقام. ودلالة المضارع على الاستمرار والتكرر دلالة ناشئة عن معنى التجدد الذي في أصل المسند الفعلي، وهي دلالة من مستتبعات التركيب بحسب القرائن المعيّنة لها ولا توصف بحقيقة ولا مجاز لذلك، ومعنى تجدد مخلوقيتهم: هو أن الضمير صادق بأمة وجماعة، فالمخلوقية لا تفارقهم لأنها تتجدد آنا فآنا بازدياد المواليد، وتغير أحوال المواجيد، كما قال تعالى {أية : خلقاً من بعد خَلْقٍ} تفسير : [الزمر: 6] فتكون جملة: {وهم يخلقون} حالاً من ضمير {أيشركون}. والمفسرون أعادوا ضمير و{هم يخلقون} على مَا لاَ يَخْلُق، أي الأصنام، ولم يبينوا معنى كون الأصنامَ مخلوقة وهي صُورٌ نحتها الناس، وليست صُورها مخلوقة لله، فيتعين أن المراد أن مادتها مخلوقة وهي الحجارة. وجعلوا إجراء ضمائر العقلاء في قوله {وهم} ــــ وقوله ــــ {يُخلقون} وما بعده على الأصنام وهي جمادات لأنهم نُزلوا منزلة العقلاء، بناء على اعتقاد المحجوجين فيهم، ولا يظهر على لهذا التقدير وجهُ الاتيان بفعل يخلقون بصيغة المضارع لأن هذا الخلق غير متجدد. والضمير المجررو باللام في {لهم نَصراً} عائد إلى المشركين، لأن المجرور باللام بعد فعل الاستطاعة ونحوه هو الذي لأجله يقع الفعل مثل {أية : لا يَمْلكون لكم رزقاً}تفسير : [العنكبوت: 17]. وجملة: {ولا يستطيعون لهم نصراً} عطف على جملة: {مالا يخلق شيئاً} فتكون صلة ثانية. والقول في الفعلين من {لا يستطيعون ولا أنفسهم ينصرون} كالقول في {ما لاَ يَخلق شيئاً}. وتقديم المفعول في {ولا أنفسهم ينصرون} للاهتمام بنفي هذا النصر عنهم، لأنه أدل على عجز تلك الآلهة لأن من يقصّر في نصر غيره لا يقصِّر في نصر نفسه لو قدر. والمعنى: أن الأصنام لا ينصرون من يعبدونهم إذا احتاجوا لنصرهم ولا ينصرون أنفسهم إن رام أحد الاعتداء عليها. والظاهر أن تخصيص النصر من بين الأعمال التي يتخيلون أن تقوم بها الأصنام مقصود منه تنبيه المشركين على انتفاء مقدرة الأصنام على نفعهم، إذ كان النصر أشد مرغوب لهم، لأن العرب كانوا أهل غارات وقتال وتراث، فالانتصار من أهم الأمور لديهم قال تعالى: {أية : واتخذوا من دون الله آلهةً لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم}تفسير : [يس: 74، 75] وقال تعالى: {أية : واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزاً كلا سيكفرون بعبادتهم}تفسير : [مريم: 81، 82]، قال أبو سفيان يوم أُحد «أعْلُ هبل» ــــ وقال أيضاً ــــ «لنا العُزى ولا عُزى لكم» وأن الله أعلم المسلمين بذلك تعريضاً بالبشارة بأن المشركين سيُغلبون قال {أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 12] وأنهم سيمحقون الأصنام ولا يستطيع أحد الذب عنها.
القطان
تفسير : افتُتحتْ صورة الأعراف بدعوة القرآن إلى دين التوحيد والأمر باتّباع ما انزل الله والنهي عن اتّباع من دونَه، وتلاه التذكير بنشأة الانسان الاولى في الخلق والتكوين، والعداوة بينه وبين الشيطان، ثم اختتمت بهذه المعاني، وفيها التذكير بالنشأة الاولى والنهي عن الشِرك. والآية ههنا تتساءل: هل يصحّ ان يشركوا مع الله أصناماً لا تقدِر أن تخلُق شيئا من الاشياء، بل هي أضعف مخلوقاته! ان الخلق والأمر لله، هو وحده يخلق كل شيء. ولا تستطيع هذه الاصنام ان تنصر من يعبدونها، بل حتى ان تردّ الأذى عن نفسها اذا تعدى عليها احد. وإنْ تدْعوا ايها العابدون لغير الله هذه الاصنام طالبين ان ترشدكم الى ما تحبون، فإنها لن تجيبكم. ان دعاءكم إياها وعدمه سواء، فهي لا تنفع ولا تضر، ولا تهدي ولا تهتدي. أما الرب المعبود الذي بيده كل شيء فهو الله. ثم بالغ في الردّ عليهم واثبت أنّها أحط منزلة من الناس، ووبخهم على عبادة تلك الحجارة والاصنام، فقال: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ...}. بل ان هذه الاصنام اقل منكم في الخلق والتكوين، فهل لهم ارجل يمشون بها؟ او أيدٍ يدفعون بها الضر عنكم وعنهم؟ او اعين يبصرون بها؟ او حتى آذان يسمعون بها ما تطلبون منهم؟ ليس لهم شيء من ذلك، فكيف تشركونهم مع الله؟ وهذ التحدي للمشركين ليبين جهلهم وعجز آلهتهم، وقد تحداهم في اكثر من آية وبين لهم عجز هذه الآلهة. من ذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج:73]. وبعد ان تحدى المشركين وآلهتهم قال لهم: ان الله هو متولِّي أمري وناصري، الذي نزّل عليّ القرآن، وهو وحده الذي ينصر الصالحين من عباده, ثم اكّد هذا التحدي بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} وقد تقدم هذا في الآية 192، وجاء التكرار ليؤكد ان هذه الأصنام لن تناله بأذى وأنها أعجزُ من أن تنصر أحداً. وبعد ذلك أضاف.. وإن تسألوهم الهدايةَ إلى ما فيه خيركم لا يسمعوا سؤالكم، وإنّك يا محمد لتراهم ينظرون إليك، وهم في الحقيقة ولا يَرَوْن شيئا، لأنهم مجرد حجارة وتماثيل لا حياةَ فيها ولا حِسّ.
د. أسعد حومد
تفسير : (191) - يَسْتَنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَمَلَ المُشْرِكِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ أَنْدَاداً وَأَصْنَاماً مَعَ اللهِ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ مَرْبُوبَةٌ، لا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا، وَلاَ لِمَنُ يَعْبُدُونَهَا، نَفْعاً، وَلاَ ضَرّاً، يَصْنَعُها عَابِدُوهَا وَيَخْلُقُونَهَا بَأيْدِيهِمْ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ هِيَ خَلْقَ شَيءٍ لِذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى ذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ أَنْ لاَ يَجْعَلُوا المَخْلُوقَ العَاجِزَ شَرِيكاً للهِ الخَالِقِ القَادِرِ القَاهِرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أيشركون في عبادة الله من لا يخلقون شيئاً، وهم أنفسهم مخلوقون لله، إن من أشركوا بالله الأصنام فعلوا ذلك بالوهم وتنازلوا عن العقل، وكان الواجب أن يكونوا عقلاء فلا يتخذون من الأصنام آلهة.{أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ولذلك فإن هناك آية أخرى تفضح زعمهم يقول فيها الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ...}تفسير : [الحج: 73]. ونعلم أن البشر في المعامل قد عرفوا العجز عن خلق خلية واحدة وهي التي لا ترى بالعين المجردة، ولذلك أوضح الحق أن المسألة ليست أمر خلق، بل إن الذباب لو وقع على طعام إنسان وأخذ على جناحه أو في خرطومه شيئاً، لن يستطيع أحد أن يسترد المأخوذ منه، فقد ضعف الطالب والمطلوب. والخلق - كما نعلم - أول مرتبة من مراتب القدرة، فإذا كانت الأصنام التي اتخذها هؤلاء شركاء لا تخلق شيئاً بإقرارهم هم، فكيف يعبدونها؟ إنها لا تخلق شيئاً بدليل أنها لا تتناسل. بل إذا أراد العابدون أن يزيدوا صنماً صنعه العابدون بأنفسهم. ونلحظ أن الحق جاء هنا بالقول: {أَيُشْرِكُونَ} بصيغة تعجب، والتعجب ينشأ عن إنكار ما به الاستفهام، أي تعجب منكراً على وفق الطباع العادية، مثلما يقول لنا: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...}تفسير : [البقرة: 28]. أي قولوا لنا ما الطريقة التي بها تكفرون بالله وتسترون وجوده، مع هذه الآيات البينات الواضحات؟ فكأن ذلك أمْر عجب يدعو أهل الحق للدهشة والاستغراب والإنكار الشديد، وحينما يتكلم الحق بإنكار شيء لأنه أمر عجيب، يوجه الكلام مرة إليهم، ومرة أخرى يوجهه إلى غيرهم، مثل قوله هنا: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} والكلام للمؤمنين لأنه يريد أن يعطي لقطتين في الآية، اللقطة الأولى: أن ينكر ما فعله هؤلاء، وأن يزيد القوم الذين لم يفعلوا ثقة في نفوسهم، وفرحة بمواقفهم الإيمانية، حيث لم يكونوا مثل هؤلاء {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. وفي الآية الكريمة وقفة لفظية في الأسلوب العربي نفسه قد تثير عند البعض إشكالا، في قوله تعالى: {مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}. و"ما" تعني الذي لم يخلق شيئاً، و"يخلق" هنا للمفرد، وسبحانه وتعالى جعل للمفرد هنا عمل الجمع فقال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً}. وأقول: إن الذي يقف هذه الوقفة، ويلاحظ هذا الملحظ إنسان سطحي الثقافة بالعربية، لأنه لا يعلم أن "ما" و"من" و"الـ" تطلق على المفرد والمفردة، وعلى المثنى والمثناة، وعلى جمع الذكور وجمع الإناث، فتقول: جاءني من أكرمته، وجاءتني من أكرمتها، وجاءني من أكرمتهما، وجاءت من أكرمتهما، وجاء من أكرمتهم وجاء من أكرمتهن. وكذلك "ما". إذن فقول الحق: {مَا لاَ يَخْلُقُ} في ظاهرها مفرد، ولكن اللفظ يطلق على المفرد والجماعة؛ لذلك جاء في الأمر الثاني وراعى الجماعة، إذن "يخلق" للمفرد، و"هم يخلقون" للجمع لأن قوله: "ما" صالح للجميع أي للمفرد وللمثنى وللجمع وللمذكر وللمؤنث. ومثال ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ...} تفسير : [محمد: 16]. وسبحانه قال هنا: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ}، ولم يقل: "حتى إذا خرج من عندك" بل قال: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ} أي أنه جاء بالجماعة، فإذا رأيت ذلك في "ما" و"من" و"الـ" فاعلم أن هذه الألفاظ يستوي فيها المفرد والمفردة والمثنى والمثناة وجمع الذكور وجمع الإناث. {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ}. وهنا في هذه الآية وقفة لغوية أخرى في قوله: "هم" وهي لا تطلق إلا على جماعة العقلاء، فكيف يطلق على الأصنام "هم" وليست من العقلاء؟ وأقول: إن الحق سبحانه وتعالى لما علم أنهم يعتقدون أنها تضر، وأنها تنفع، فقد تكلم معهم على وفق ما يعتقدون، لكي يرتقي معهم في رد الإنكار لكل ما يستحق الإنكار. فأول مرحلة عرفهم أن الأصنام لا تخلق، وثاني مرحلة عرفهم أنهم هم أنفسهم مخلوقون والأصنام لا تقدر على نصرهم، إذن فهم معطلون من كل ناحية؛ لأنهم لا يخلقون. وهذا أول عجز، ومن ناحية أخرى أنهم يُخْلَون وهذا عجز آخر، لكن بعد هذا العجز الأول والعجز الثاني فهل هم قادرون على نصر غيرهم؟ ها هو ذا سبحانه يترقى في الحوار معهم ترقية أخرى فيقول: {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):