Verse. 1150 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اِنَّ وَلِيِّ اللہُ الَّذِيْ نَزَّلَ الْكِتٰبَ۝۰ۡۖ وَہُوَ يَتَوَلَّى الصّٰلِحِيْنَ۝۱۹۶
Inna waliyyiya Allahu allathee nazzala alkitaba wahuwa yatawalla alssaliheena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن وليي الله» متولي أموري «الذي نزَّل الكتاب» القرآن «وهو يتولى الصالحين» بحفظه.

196

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر بين بهذه الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى، لأنه هو الذي يتولى تحصيل منافع الدين ومنافع الدنيا أما تحصيل منافع الدين، فبسبب إنزال الكتاب، وأما تحصيل منافع الدنيا، فهو المراد بقوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: قرأ القراء وليي بثلاث ياآت، الأولى ياء فعيل وهي ساكنة، والثانية لام الفعل وهي كسورة، قد أدغمت الأولى فيها فصار ياء مشددة، والثالثة ياء الإضافة، وروي عن أبي عمرو: ولي الله بياء مشددة، ووجه ذلك أنه حذف الياء التي هي لام فعيل، كما حذف اللام من قولهم فاماليت به فاله، ثم أدغمت ياى فعيل في ياء الإضافة، فقيل ولي الله وهذه الفتحة فتحة ياء الإضافة، وأما الباقون فأجازوا اجتماع ثلاث ياءات، والله أعلم. المسألة الثانية: أن وليي الله أي الذي يتولى حفظي ونصرتي هو الله الذي أنزل الكتاب المشتمل على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ويتولى الصالحين ينصرهم، فلا تضرهم عداوة من عاداهم، وفي ذلك يأمن المشركين من أن يضره كيدهم. وسمعت أن عمر بن عبد العزيز ما كان يدخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه فقال: ولدي إما أن يكون من الصالحين أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين فوليه الله ومن كان الله له ولياً فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من المجرمين فقد قال تعالى: {أية : فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [القصص: 17] ومن رده الله لم أشتغل بإصلاح مهماته. أما قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } ففيه قولان: القول الأول: أن المراد منه وصف الأصنام بهذه الصفات. فإن قالوا: فهذه الأشياء قد صارت مذكورة في الآيات المتقدمة فما الفائدة في تكريرها؟ فنقول: قال الواحدي: إنما أعيد هذا المعنى لأن الأول مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، كأنه قيل: الإله المعبود يجب أن يكون بحيث يتولى الصالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية. والقول الثاني: أن هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير الله، يعني أن الكفار كانوا يخوفون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال تعالى: إنهم لا يقدرون على شيء. بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا بعقولهم ذلك البتة. فإن قيل: لم يتقدم ذكر المشركين، وإنما تقدم ذكر الأصنام فكيف يصح ما ذكر؟ قلنا: قد تقدم ذكرهم في قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } تفسير : [الأعراف: 195] أما قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام. قلنا: المراد من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم: جبلان متناظران أي متقابلان، فإن حملناها على المشركين فالمعنى: أنهم وإن كانوا ينظرون إلى الناس إلا أنهم لشدة إعراضهم عن الحق لم ينتفعوا بذلك النظر والرؤية، فصاروا كأنهم عمي، وهذه الآية تدل على أن النظر غير الرؤية، لأنه تعالى أثبت النظر ونفي الرؤية، وذلك يدل على التغاير، وأجيب عن هذا الاستدلال فقيل: معناه تحسبهم أنهم ينظرون إليك مع أنهم في الحقيقة لا ينظرون، أي تظن أنهم ينظرونك مع أنهم لا يبصرونك، والرؤية بمعنى الحسبان واردة قال تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ }تفسير : [الحج: 2].

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ وَلِيّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ} القرآن. {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ} أي ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلاً عن أنبيائه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّىَ ٱللَّهُ } متولي أموري {ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ } بحفظه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ} العامة على تشديد وَلِيِّيَ مضافاً لياء المتكلم المفتوحة، وهي قراءة واضحة أضاف الوليَّ إلى نفسه. وقرأ أبو عمرو في بعض طرقه "إنَّ وليَّ" بياء واحدة مشددة مفتوحة، وفيها تخريجان: أحدهما: قال أبُو عليٍّ: إن ياء "فعيل" مدغمةٌ في ياء المتكلم، وإنَّ الياء التي هي لام الكلمة محذوفةٌ، ومنع من العكس. والثاني: أن يكون وليَّ اسمها، وهو اسمُ نكرة غيرُ مضافِ لياء المتكلم، والأصلُ: إنَّ وليًّا الله فـ "وليًّا" اسمها والله خبرها، ثم حذف التنوين؛ لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2652 - فأَلْفَيْتُه غَيْر مُسْتَعْتبٍ ولا ذَاكِر اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : وكقراءة من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدُ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} [الإخلاص: 1 - 2] ولم يبق إلاَّ الإخبارُ عن نكرةٍ بمعرفة، وهو واردٌ. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2653 - وإنْ حَرَاماً أن أسُبَّ مُجَاشِعاً بآبَائِي الشمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ تفسير : وقرأ الجحدريُّ في رواية إنَّ وليِّ الله بكسر الياءِ مشددة، وأصلها أنَّهُ سكن ياء المتكلم، فالتقت مع لام التعريف فحذفت، لالتقاء الساكنين، وبقيت الكسرةُ تدلُّ عليها نحو: إنَّ غلام الرَّجلُ. وقرأ في رواية أخرى إنَّ وليَّ اللَّهِ بياء مشددة مفتوحة، والجلالة بالجرِّ، نقلهما عنه أبو عمرو الدَّاني أضاف الولي إلى الجلالةِ. وذكر الأخفشُ وأبو حاتم هذه القراءة عنه، ولمْ يذكرا نَصْبَ الياء، وخرَّجها النَّاسُ على ثلاثة أوجه: الأولُ: قولُ الأخفش - وهو أن يكون وَليّ الله اسمُها والَّذي نزَّلَ الكتاب خبرها، والمراد بـ "الذي نزّل الكتابَ" جبريل، لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء: 193]: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [النحل: 102] إلاَّ أنَّ الأخفش قال في قوله {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} هو من صفة الله قطعاً لا من صفة جبريل، وفي تحتم ذلك نظرٌ. والثاني: أن يكون الموصوف بتنزيل الكتاب هو الله تعالى، والمراد بالموصول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ويكون ثمَّ عائدٌ محذوفٌ لفهم المعنى والتقدير إنَّ وليَّ الله النبيُّ الذي نزَّل الله الكتاب عليه، فحذف عليه وإن لم يكن مشتملاً على شروط الحذف، لكنَّه قد جاء قليلاً، كقوله: [الطويل] شعر : 2654 - وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا وهُوَّ على مَنْ صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ تفسير : أي: صبه اللَّهُ عليه، وقال آخر: [الطويل] شعر : 2655 - فأصْبَحَ مِنْ أسْمَاءَ قَيْسٌ كقَابضٍ عَلى المَاءِ لا يَدْرِي بِمَا هُوَ قَابِضُ تفسير : أي بما هو قابض عليه. وقال آخر: [الطويل] شعر : 2656- لَعَلَّ الَّذي أصْعَدْتني أنْ يَرُدَّنِي إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدرِ الخَيْرَ قَادِرُه تفسير : أي: أصعدتني به. وقال آخر: [الوافر] شعر : 2657- ومِنْ حَسَدٍ يَجُوزُ عَليَّ قَوْمِي وأيُّ الدَّهْر ذُو لم يَحْسُدُونِي تفسير : أي يحسدوني فيه. وقال آخر: [الطويل] شعر : 2658 - فَقُلْتُ لهَا لاَ والَّذي حَجَّ حَاتِمٌ أخُونُكِ عَهْداً إنَّنِي غَيْرُ خَوَّانِ تفسير : أي: حج إليه، وقال آخر: [الرجز] شعر : 2659 - فأبْلِغَنَّ خَالدَ بنَ نَضْلَةٍ والمَرْءُ مَعْنِيٌّ بِلوْمِ مَنْ يَثقْ تفسير : أي: يثقُ به. وإذا ثبت أنَّ الضمير يُحْذَف في مثل هذه الأماكن، وإن لم يكمل شرطُ الحذف فلهذه القراءة الشاذة في التخريج المذكور أسوةٌ بها. والثالث: أن يكون الخبر محذوفاً تقديره: إنَّ وليَّ الله الصَّالحُ، أو من هو صالح وحذف، لدلالة قوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ}تفسير : [فصلت: 41] أي: معذبون، وكقوله {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ}تفسير : [الحج: 25]. فصل المعنى {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} يعني القرآن، أي: يتولاّني وينصرني كما أيَّدني بإنزال الكتابِ {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} قال ابنُ عباسٍ: "يريد الذين لا يعدلُون بالله شيئاً، فاللَّهُ يتولاهم بنصره ولا يضرهم عداوة من عاداهم". قوله: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}. وفيه قولان: الأول: أن المراد منه وصف الأصنام. فإن قيل: هذه الأشياءُ مذكورة في الآيات المتقدمة، فما الفائدةُ في تكريرها؟ فالجوابُ: قال الواحديُّ: إنَّما أعيد؛ لأنَّ الأول مذكورٌ للتَّقريع، وهذا مذكورٌ للفرق بين من تجوز له العبادة ومن لا تجوز، كأنَّهُ قيل: الإله المعبودُ يجبُ أن يكون بحيثُ يتولّى الصَّالحين، وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكن صالحة للإلهية. القول الثاني: أنَّ هذه الأحوال المذكورة صفات لهؤلاء المشركين الذين يدعون غير اللَّهِ يعني أنَّ الكفار كانُوا يخوفون رسول الله وأصحابه، فقال تعالى: إنهم لا يقدرون على شيء بل إنهم قد بلغوا في الجهل والحماقة إلى أنك لو دعوتهم وأظهرت أعظم أنواع الحجة والبرهان لم يسمعوا ذلك بعقولهم ألبتة. فإن قيل: لَمْ يتقدَّم ذكر المشركين، وإنما تقدَّم ذكر الأصنام فكيف يصح ذلك؟ والجوابُ: أن ذكرهم تقدم في قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ}تفسير : [الأعراف: 195]. قوله: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} فإن حملنا هذه الصفات على الأصنام فالمرادُ من كونها ناظرة كونها مقابلة بوجهها وجوه القوم من قولهم: جبلان متناظران أي: مُتقابلان، وإن حملناها على المُشركين أي إنهم وإن كانُوا ينظرون إلى النَّاسِ إلاَّ أنهم لشدَّةِ إعراضهم عن الحقِّ لم ينتقعوا بذلك النَّظِر، والرُّؤيةِ؛ فصاروا كأنَّهُمْ عمي.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ وَلِيّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ} تعليلٌ لعدم المبالاةِ المنفهمِ من السَّوْق انفهاماً جلياً، ووصفُه تعالى بتنزيل الكتابِ للإشعار بدليل الولايةِ والإشارةِ إلى علة أخرى لعدم المبالاةِ كأنه قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليّـيَ هو الله الذي أنزل الكتابَ الناطقَ بأنه وليِّـي وناصري وبأن شركاءَكم لا يستطيعون نصرَ أنفسِهم فضلاً عن نصركم، وقوله تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ} تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله أي ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده وينصُرَهم ولا يخذُلَهم {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} أي تعبدونهم {مِن دُونِهِ} تعالى أو تدعونهم للاستعانة بهم عليّ حسبما أمرتُكم به {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} أي في أمر من الأمور أو في خصوص الأمرِ المذكور {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} إذا نابتْهم نائبةٌ {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} إلى أن يهدوكم إلى ما تحصّلون به مقاصدَكم على الإطلاق أو في خصوص الكيدِ المعهود {لاَ يَسْمَعُواْ} أي دعاءَكم فضلاً عن المساعدة والإمدادِ، وهذا أبلغُ من نفي الاتباعِ، وقوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} بـيانٌ لعجزهم عن الإبصار بعد بـيانِ عجزِهم عن السمع وبه يتم التعليلُ فلا تكرارَ أصلاً، والرؤيةُ بصريةٌ، وقوله تعالى: {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} حالٌ من المفعول، والجملةُ الاسميةُ حالٌ من فاعل ينظرون، أي وترى الأصنامَ رأيَ العين يُشبهون الناظرين إليك ويخيّل إليك بأنهم يُبْصِرونك لما أنهم صنعوا لها أعيناً مركبةً بالجواهر المضيئة المتلألئة وصوّروها بصورة مَنْ قلبَ حدَقتَه إلى الشيء ينظُر إليه، والحالُ أنهم غيرُ قادرين على الإبصار، وتوحيدُ الضمير في تراهم مع رجوعه إلى المشركين لتوجيه الخِطابِ إلى كل واحد منهم لا إلى الكل من حيث هو كلٌّ كالخطابات السابقةِ تنبـيها على أن رؤية الأصنامِ على الهيئة المذكورةِ لا تتسنّى للكل معاً بل لكل من يواجهها، وقيل: ضميرُ الفاعل في تراهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضميرُ المفعولِ على حاله، وقيل: للمشركين على أن التعليلَ قد تم عند قوله تعالى: {لاَ يَسْمَعُواْ} أي وترى المشركين ينظُرون إليك والحال أنهم لا يبصِرونك كما أنت عليه. وعن الحسن أن الخِطابَ في قوله تعالى: {وَأَنْ تَدْعُواْ} للمؤمنين على أن التعليلَ قد تم عند قوله تعالى: {يُنصَرُونَ} أي وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين إلى الإسلام لا يلتفتوا إليكم، ثم خوطب عليه السلام بطريق التجريدِ بأنك تراهم ينظُرون إليك والحالُ أنهم لا يُبصرونك حقَّ الإبصار تنبـيهاً على أن ما فيه عليه السلام من شواهد النبوةِ ودلائلِ الرسالةِ من الجلاء بحيث لا يكاد يخفى على الناظرين.

القشيري

تفسير : مَنْ قام بحقِّ الله تولَّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يخرجه إلى مثاله، ولا يَدَعُ شيئاً من أحواله إلاَّ أجراه على ما يريده بِحُسْنِ أفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبدَ راضياً بما يفعل، ورَوْحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب.

البقلي

تفسير : اثبت محبة الازلية ورعاية الابدية لحبيبه عليه السلام فى هذه الأية تولاه بعين الازل ورعاه بكفاية الابدية ونزل عليه من بحار خطابه قطرات وبل جواهر كلامه الا بدى الازلى وبين انه تعالى كما الحق الى نفسه تولية حبيبه فايض الحق الى نفسه تولية الصديقين ومحافظته للعارفين يتولى الانبياء بنقاب انوار الذات يتولى الاولياء بجوف انوار الصفات يتولى العالمين بقوام انوار الافعال فالعموم فى نور الأيات معصمون عن الزلات والخصوص فى نور الصفات معصومين عن الخطرات وخصوص الخصوص فى انوار الذات معصومين عن المكر والقهريات قال بعضهم لاحظ الاولياء بعين اللطيف ولاحظ العباد بعين البر ولاحظ الانبياء بعين التولى قيل فى قوله الصالحين عن دعوته البشرية توليا واصلح الخواص بصحة المقصود والافراد بلاخلاص المعبود واصلح العوام بصحة الاوقات وسئل عن جعفر عن الحكمة فى قوله وهو يتولى الصالحين ونحن نعلم انه يتولى العالمين فقال التولية على وجهين تولية اقامة ابدا تولية عناية الاقامة الحق وقال الواسطة يتولى الصالحين بالكفاية ويتولى الفاسقين بالغواية وقال ايضا اصلح الايمة باصلاح سرائرهم عن دعوة البشرية توليا واصلح الخاصة بصحة المقصود واصلح العامة بالاثبات وقال الاستاد من قام بحق الله تولى الله اموره على وجه الكفاية فلا يعوجه الى امثاله ولا يدع شيئا من احواله الا اجراه على ما يريد بحسن افضاله فان لم يفضل ما يريده جعل العبد راضيا بما يفعله وروح الرضاء على الاسرار تم من راحة العطاء على القلوب.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن وليى الله الذى نزل الكتاب} تعليل لعدم المبالاة المنفهم من السوق انفهاما جليا قوله {وليى} بثلاث آيات. الاولى ياء فعيل وهى ساكنة. والثانية لام الفعل وهى مكسورة ادغمت فيها الباء الاولى. والثالثة ياء الاضافة وهى مفتوحة. والولى هنا بمعنى الناصر والحافظ اضيف الى ياء المتكلم. والمعنى ان الذى يتولى نصرتى وحفظى هو الذى اكرمنى بتنزيل القرآن وايحائه الىّ وايحاء الكتاب اليه يستلزم رسالته لا محالة {وهو يتولى الصالحين} اى ومن عادته0 تعالى ان يتولى الصالحين من عباده وينصرهم لا يخذلهم فضلا عن انبيائه.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: قل لهم أيضًا يا محمد: {إنَّ وَليّيَ اللهُ} أي: هو ناصري وحافظني منكم، فلا تضرونني ولو حرصتم أنتم وآلهتكم، {الذي نزَّل الكتاب} أي: القرآن، {وهو يتولى الصالحين} أي: ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلاً عن أنبيائه، فلا أخافكم بعد أن تَولى حفظي منكم. الإشارة: قال القشيري: مَن قام بحقِّ الله تولّى أمورَه على وجه الكفاية، فلا يحوجه إلى أمثاله، ولا يَدَعُ شيئًا من أحواله إلا أجراه على ما يريد بحُسنِ إفضاله، فإن لم يفعل ما يريده جعل العبد راضيًا بما يفعله، فرَوحُ الرضا على الأسرار أتَمُّ من راحة العطاء على القلوب. هـ. ثم قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ}.

الطوسي

تفسير : روى ابن خنيس عن السوسي {إن ولي الله} بياء مشددة مفتوحة. الباقون بثلات ياءات الأولى ساكنة والثانية مكسورة والثالثة مفتوحة - على الاضافة - ومن قرأ مشدداً حذف الوسطى وادغم الاولى في الثالثة. ولا يجوز إدغام الثانية في الثالثة، لأنها متحركة وقبلها ساكن لا يمكن الأدغام. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للمشركين {إن وليي الله الذي} يحفظني وينصرني ويحوطني ويدفع شرككم عني هو الله الذي خلقني وإياكم جميعاً ويملكني ويملككم الذي نزل القرآن، وهو ينصر الصالحين الذين يطيعونه ويجتنبون معاصيه تارة بالحجة واخرى بالدفع عنهم.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} فى موضع التّعليل والمراد بالكتاب كما عرفت الكتاب المعهود المعروف وهو كتاب النّبوّة والقرآن صورته {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} لمّا كان التّحدّى باعتبار قوّة الله وضعف الشّركاء علّله بهما فقوله الّذين تدعون من دونه عطف على مدخول ان {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} والتّكرار باعتبار التّعليل ومطلوبيّة التّكرار فى مقام المبالغة فى الذّمّ.

الهواري

تفسير : قال: {إِنَّ وَليِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ} أي: القرآن، وأولياؤكم أنتم أيها المشركون الشياطين. قال: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِين} أي: يتولى المؤمنين، وهو وليهم. {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} يعني الأوثان {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} من عذاب الله {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} ثم قال: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهُدَى} يعني المشركين {لاَ يَسْمَعُوا} أي: الحجة، لا يسمعونها سمع قبول، وقد سمعوها بآذانهم وقامت عليهم الحجة. {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} يعني النبي عليه السلام {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} يعني الحجة. قوله: {خُذِ العَفْوَ} ذكروا عن عبد الله بن الزبير قال: خذ العفو من أخلاق الناس. [وقال مجاهد: يقول: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسس]. وقال الحسن: خذ العفو من المؤمنين من أنفسهم ما لا يجهدهم، يعني الصدقة. والعفو: الفضل عن نفقتك ونفقة عيالك. وكان هذا قبل أن تفرض الزكاة. ذكرواعن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأبداً بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى، ولا يلوم الله على الكفاف تفسير : وقال الكلبي: {خُذِ العَفْوَ} أي: ما عفا من أموالهم، وهو الفضل، وذلك قبل أن تفرض الزكاة. قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أي بالمعروف {وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ} أي عن المشركين. الجاهلون ها هنا المشركون. قال بعضهم: نسخها القتال.

اطفيش

تفسير : {إنَّ} تعليل مستأنف راجع إلى ما يدل عليه الكلام السابق من عدم مبالاته بهم، وعدم وصولهم إليه {وَليِّى} بكسر اللام والياء المشددة بعده وفيها ياءان: الأولى ياء فعيل زائدة، والثانية لام الكلمة، وفتح الياء بعد ذلك مخففة وهى ياء المتكلم، وحذف الياء التى هى لام الكلمة من بينهما، ويضعف أن تحذف الزائدة، وتدغم لام الكلمة ومنعه الفارسى معللا بأن إدغام لام الكلمة يوجب الفك للأولى {اللهُ} خبر لإن، وقرأ الجحدرى فيما قال أبو عمرو الدانى بياء واحدة مفتوحة مشددة، وجر الله على الإضافة، فيكون المراد به جبريل وعليه فقوله: {الَّّذى} خبر لإنّ وعلى الأول نعت لله. {نزًّلَ الكِتَابَ} أى لا أبالى بكم، ولا تصلون إلىَّ، لأن وليى الله الذى نزل القرآن ونصرنى به، أو لأن وليى جبريل الذى نزل بالكتاب أى جاء به من السماء إلىَّ {وهُوَ} أى الله أو جبريل {يتَولَّى الصَّالِحينَ} بالنصر والحفظ، فان جبريل حافظ وناصر بأمر الله، والمراد بالصالحين الأنبياء وغيرهم ممن هو صالح أو غيرهم، فيعلم أنه يتولاهم بالأولى، أى يتولى الصالحين غير الأنبياء، فكيف بالأنبياء، وهذا أبلغ، وقراءة غير الجحدرى أولى، لأن الكلام قبل ذلك وبعده فى المعبودات، والمعبود هو الله لا جبريل، ولأن إنزال الكتاب وتولى الصالحين أنسب بالله، ولأن تولى جبريل غير الأنبياء قليل، إلا إن أراد بالصالحين الأنبياء.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّىَ} الذى يتولانى بالحفظ والنصر على الأَعداء {اللهُ} لا غيره {الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَابَ} القرآن علىَّ فضلا منه وإِحساناً لا أبالى بكم وبشركائكم وهو ناصرى {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} الأَنبياءَ وغيرهم بالحفظ والنصر، والجملة تذييل وهو أَن يعقب الكلام بما يشتمل على معناه تأكيداً وهو كالبرهان والحجة، أَى إِن ما أَنا عليه صلاح والله يتولى الصلاح فهو يتولانى.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} تعليل لعدم المبالاة المنفهم من السوق انفهاماً جلياً، وأل في الكتاب للعهد والمراد منه القرآن، ووصفه سبحانه بتنزيل الكتاب للإشعار بدليل الولاية، وكأنه وضع { نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} موضع أرسلني رسولاً ولا شك أن الإرسال يقتضي الولاية والنصرة، وقيل: إن في ذلك إشارة إلى علة أخرى لعدم المبالاة كأنه قيل: لا أبالي بكم وبشركائكم لأن وليـي هو الله تعالى الذي نزل الكتاب الناطق بأنه وليـي وناصري وبأن شركاءكم لا يستطيعون نصر أنفسهم فضلاً عن نصركم. وقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، أي ومن عادته جل شأنه أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم وقال الطيـبي: إنما خص اسم الذات بتنزيل الكتاب وجعلت الآية تعليلاً للدلالة على تفخيم أمر المنزل وأنه الفارق بين الحق والباطل وأنه المجلي لظلمات الشرك والمفحم لألسن أرباب البيان والمعجز الباقي في كل أوان وهو النور المبين والحبل المتين وبه أصلح الله تعالى شؤون رسوله صلى الله عليه وسلم حيث كمل به خلقه وأقام به أوده وأفسد به الأباطيل المعطلة، ومن ثم جيء بقوله سبحانه وتعالى: {وَهُوَ} الخ كالتذييل والتقرير لما سبق والتعريض بمن فقد الصلاح بالخذلان والمحق، والمعنى إن وليـي الذي نزل الكتاب المشهور الذي تعرفون حقيقته ومثله / يتولى الصالحين ويخذل غيرهم، ولا يخفى أن ما ذكر أولاً في أمر الوصفية أنسب بالمقام وأمر التذييل مما لا مرية فيه، وهذه الآية مما جربت المداومة عليها للحفظ من الأعداء وكانت ورد الوالد عليه الرحمة في الأسحار وقد أمره بذلك بعض الأكابر في المنام، والجمهور على تشديد الياء الأولى من {وَلِيِّـيَ} وفتح الثانية ويقرأ بحذفها في اللفظ لسكونها وسكون ما بعدها، وبفتح الأولى ولا ياء بعدها وحذف الثانية من اللفظ تخفيفاً.

ابن عاشور

تفسير : هذا من المأمور بقوله، وفصلت هذه الجملة عن جملة {أية : ادعوا شركاءكم}تفسير : [الأعراف: 195] لوقوعها موقع العلة لمضمون التحدي في قوله {أية : ادعوا شركاءكم}تفسير : [الأعراف: 195] الآية الذي هو تحقق عجزهم عن كيده، فهذا تعليل لعدم الاكتراث بتألبهم عليه واستنصارهم بشركائهم، ولثقته بأنه منتصر عليهم بما دل عليه الأمر والنهي التعجيزيان. والتأكيد لرد الإنكار. والولي الناصر والكافي، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : قل أغير الله أتخذ ولياً}تفسير : [الأنعام: 14]. وإجراء الصفة لاسم الله بالموصولية لما تدل عليه الصلة من علاقات الولاية، فإن إنزال الكتاب عليه وهو أميٌّ دليل اصطفائه وتوليه. والتعريف في الكتاب للعهد، أي الكتاب الذي عهدتموه وسمعتموه وعجزتم عن معارضته وهو القرآن، أي المقدار الذي نزل منه إلى حد نزول هذه الآية. وجملة: {وهو يتولى الصالحين} معترضة والواو اعتراضيه. ومجيء المسند فعلاً مضارعاً لقصد الدلالة على استمرار هذا التولي وتجدده وأنه سنّة إلهية، فكما تولى النبي يتولى المؤمنين أيضاً، وهذه بشارة للمسلمين المستقيمين على صراط نبيهم صلى الله عليه وسلم بأن ينصرهم الله كما نصر نبيه وأولياءهُ. والصالحون هم الذين صلحت أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح. وجملة: {والذين تدعون من دونه} عطف على جملة: {إن وليي الله}، وسلوك طريق الموصوليه في التعبير عن الأصنام للتنبيه على خطأ المخاطبين في دعائهم إياها من دون الله مع ظهور عدم استحقاقها للعبادة، بعجزها عن نصر أتباعها وعن نصر أنفسها والقول في {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} كالقول في نظيره السابق آنفاً. وأعيد لأنه هنا خطاب للمشركين وهنالك حكاية عنهم للنبيء والمسلمين ولإبانة المضادة بين شأن ولي المؤمنين وحَال أولياء المشركين وليكون الدليل مستقلاً في الموضعين مع ما يحصل في تكريره من تأكيد مضمونه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {ٱلصَّالِحِينَ} {وَلِيِّـيَ} (196) - إِنَّ اللهَ حَسْبِي، وَهُوَ مُتَوَلِّي أمْرِي وَنَاصِرِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ يَتَولَّى نَصْرَ كُلِّ صَالِحٍ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الذِي نَزَّل القُرْآنَ بِالحَقِّ عَلَيَّ (الكِتَابَ).

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي} يعني الذي [يحفاني] ويمنعني منكم الله {نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ * وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ * وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ} يامحمد يعني الأصنام {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} وهذا كما يقول العرب: داري ينظر إلى دارك أي يقابلها. ويقول العرب: إذا أتيت مكان كذا فنظر إليك الحمل فخذ يميناً وشمالاً أي: استقبلك. وحدث أبو عبيدة عن الكسائي قال: الحائط ينظر إليك إذا كان قريباً منك حيث تراه. ومنه قول الشاعر: شعر : إذا نظرت بلاد بني تميم بعين أو بلا بني صباح تفسير : وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: وتراهم كأنهم ينظرون إليك كقوله: {أية : وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ} تفسير : [الحج: 2] أي كأنهم سكارى وإنّما أُخبر عنهم بالهاء والميم، لأنّها مصوّرة على صورة بني آدم مخبرة عنها بأفعالهم. {خُذِ ٱلْعَفْوَ} قال مجاهد: يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تخميس. قال ابن الزبير: ما أنزل الله تعالى هذه الآية إلاّ في أخلاق الناس. وقال ابن عباس والسدي والضحاك والكلبي: يعني ماعفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال والكل فما أتوك به عفواً فخذه ولا تسألهم ما ذرأ ذلك. وهذا قبل أن ينزل فريضة الصدقات. ولما نزلت آية الصدقات نسخت هذه الآية وأمر بأخذها منهم طوعاً وكرهاً {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف. قرأ عيسى بن عمر: العُرُف ضمتين مثل الحُلُم وهما لغتان والعرف المعروف والعارفة كل خلصة حميدة فرضتها العقول وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر: شعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : قال عطاء: وأمر بالعرف يعني لا إله إلاّ الله {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أبي جهل وأصحابه نسختها آية السيف. ويقال حديث : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرئيل: "ما هذه؟ قال: لا أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع فقال: يا محمد إن ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"تفسير : . فنظم الشاعر فقال: شعر : مكارم الأخلاق في ثلاث من كملت فيه فذاك الفتى إعطاء من يحرمه ووصل من يقطعه والعفو عمن عليه اعتدى تفسير : قال جعفر الصادق: "أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية". قال النبيّ صلى الله عليه وسلم (رحمهما الله). وقالت عائشة: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث. وصدق البأس في طاعة الله. وإعطاء السائل. ومكافأة الصنيع. وصلة الرحم. وأداء الأمانة. والتذمم للصاحب. والتذمم للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء. أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المذكور أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أنشدنا ابن أبي [الدنيا] أنشدني أبو جعفر القرشي: شعر : كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلاّ الثناء فإنه لك باق لو أنني خُيّرتُ كل فضيلة ما اخترت غير مكارم الأخلاق تفسير : قال عبد الرحمن بن زيد: حديث : لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم "كيف يارب [والغضب]" فنزل {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : يعني يصيبنك ويفتننك ويغرنك ويعرض لك من الشيطان {نَزْغٌ} وأصله الولوع بالفساد والشر. يقال نزغ عرقه إذا [جُنَّ] وهاج، وفيه لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز وهم المورشون. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الإنسان ومن الشيطان أدنى وسوسة، وقال سعيد ابن المسيب: شهدت عثمان وعلياً وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئاً ثمّ لم يبرحا حتّى استغفر كل واحد منهما لصاحبه {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فاستجر بالله {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} يعني المؤمنين {إِذَا مَسَّهُمْ} أصابهم {طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} قرأ النخعي وابن كثير وأبو عمرو والأعمش وابن يزيد والجحدري وطلحة: طيف، وقرأ الباقون: طائف، وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما الشيء الذي [بكم بك] وفرق قوم بينهما. فقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف اللمة والوسوسة الخطرة. وقال بعض [المكيين]: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف اللحم والمس. ويجوز أن يكون الطيف مخفّفاً عن طيّف مثل هيّن وليّن. يدل عليه قراءة سعيد بن جبير: طيّف بالتثقيل. وقال ابن عباس: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} أي نزغ من الشيطان. وقال الكلبي: ذنب. وقال مجاهد: هو الغضب. {تَذَكَّرُواْ} وتفكروا وعرفوا، وقال أبو روق: ابتهلوا، وفي قراءة عبد الله بن الزبير: إذا مسهم طائف من الشيطان [فأملوا]. قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ، ليث عن مجاهد: هو الرجل هم بالذنب فيذكر الله فيدعه. وقال السدي: معناه إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنها معصية فأبصرها ونزغ من مخالفة الله {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} ينظرون مواضع خطيئتهم بالتفكر والتدبر [يمرون] فيقصرون، فإنّ المتّقي مَنْ يشتهي [.......] ويبصر فيقصر، ثم ذكر الكفار فقال {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} يعني إخوان الشيطان وهم الكفار يمدهم الشياطين في الغي حتى يطبلوا لهم ويزيدوهم في الضلالة. وقرأ أهل المدينة: يمدونهم بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد. وقرأ الجحدري بما دونهم على يفاعلونهم. {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يشكون ولا ينزغون. وقال ابن زيد: لا يسأمون ولا يفترون. قال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا [الجن ممسك] عنهم. وقرأ عيسى بن عمر: يَقصُرون بفتح الياء وضم الصاد وقصَر وأقصَر واحد {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ} يامحمد يعني المشركين {بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي هلاّ أقلعتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك، قاله قتادة، وقال مجاهد: لولا اقتضيتها وأخرجتها من نفسك. وقال ابن زيد: لولا يقبلها [لجئت] بها من عندك. وقال ابن عباس: لولا تلقيتها من عندك، أيضاً لولا حدثتها فأنشأتها. قال العوفي عن ابن عباس: [فنسيتها وقلتها] من ربّك. وقال الضحاك: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، قال الفراء: تقول العرب: [جئت] الكلام وأخلقته وارتجلته وانتحلته إذا افتعلته من قبل نفسك. قال ابن زيد: إنّما يقول العرب ذلك الكلام بتهدئة الرجل ولم يكن قبل ذلك أعده لنفسه {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} ثمّ قال {هَـٰذَا} يعني القرآن {بَصَآئِرُ} حجج وبيان وبرهان {مِن رَّبِّكُمْ} واحدتها بصيرة. وقال الزجاج: طرق من ربكم، والبصائر طرق الدم. قال الجعفي: شعر : راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد وآي تفسير : تعدّوا عداوي وأصلها ظهور الشيء وقيامه واستحكامه حتّى يبصر الانسان فيهتدي إليها وينتفع بها، ومنه قيل: [ما لي في الأمر] من بصيرة و {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} قال عبد الله بن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على فلان وسلام على فلان فجاء القرآن: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} يعني في الصلاة وقال أبو هريرة: كانوا يتكلّمون في الصلاة فأتت هذه الآية وأُمروا بالإنصات. وقال الزهري: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئاً قرأه، فنزلت هذه الآية. وروى داود بن أبي هند عن بشير بن جابر قال: صلّى ابن مسعود فسمع ناساً يقرأون مع الإمام فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا، أما آن لكم أن تعقلوا {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} كما أمركم الله. وروى الحريري عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدّثان والقارئ يقرأ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوحيان الموعود، قال: فنظرا إلي ثمّ أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثانية فنظرا لي فقالا: إنّما ذلك في الصلاة: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}. وروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وقال الكلبي: وكانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حتّى يسمعون ذكر الجنّة والنار فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قتادة: كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم في أول ما فرضت عليهم، وكان الرجل يأتي وهم فى الصلاة فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. وقال ابن عباس: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتومة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية. وقال سعيد بن المسيب: كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلّى فيقول بعضهم لبعض بمكّة: لا تستمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله جواباً لهم {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ}. قال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن يسار، وشهر بن حوشب: هذا في الخطبة أمر بالإنصات للإمام يوم الجمعة. قال عبد الله بن المبارك: والدليل على حكم هذه الآية في [الجمعة] إنّك لا ترى خطيباً على المنبر يوم الجمعة يخطب، فأراد أن يقرأ في الخطبة آية من القرآن إلاّ قرأ هذه الآية قبل [فواة] قراءة القرآن. قال الحسن: هذا في الصلاة المكتوبة وعند الذكر. وقال مجاهد وعطاء: وجب الإنصات في اثنين عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلّي وعند الإمام وهو يخطب. وقال عمر بن عبد العزيز: الإنصات لقول كل واعظ والإنصات الإصغاء والمراعاة. قال الشاعر: شعر : قال الإمام عليكم أمر سيّدكم فلم نخالف وأنصتنا كما قالا تفسير : وقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام. قال الزجاج: ويجوز أن يكون معنى قوله {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} اعملوا بما فيه لا تجاوزوه، لأن معنى قول القائل: سمع الله: أجاب الله دعاءك. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} قال ابن عباس: يعني بالذكر القراءة في الصلاة {تَضَرُّعاً} جهراً {وَخِيفَةً} {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} دون رفع القول في خفض وسكوت يسمع من خلفك. وقال أهل المعاني: واذكر ربّك اتعظ بالقرآن وآمن بآياته واذكر ربّك بالطاعة في ما يأمرك (تضرّعاً) تواضعاً وتخشّعاً (وخيفة) خوفاً من عقابه، فإذا قرأت دعوت بالله أي دون الجهر: خفاء لا جهار. وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور. ويؤمر بالتضرع فى الدعاء والاستكانة. ويكره رفع الصوت [والبداء] بالدعاء وأمّا قوله {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} فإنه يعني بالبكر والعشيات، واحد الآصال أصيل، مثل أيمان ويمين، وقال أهل اللغة: هو ما بين العصر إلى المغرب {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة والمراد هو عند قربهم من الفضل والرحمة لا من حيث المكان والمعاقبة. وقال الحسين بن الفضل: قد يعبد الله غير الملائكة في المعنى من عند ربّك جاءهم التوفيق والعصمة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} لا يتكبرون ولا يتعظمون {عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ} وينزهونه ويذكرونه ويقولون سبحان الله {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} يُصلّون. مغيرة عن إبراهيم: إن شاء ركع وإن شاء سجد.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما دام الوليّ هو الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبالي بهم، و "الولي" هو الذي يليك، وأنت لا تجعل أحداً يليك إلا أقربهم إلى نفسك، وإلى قلبك، ولا يكون أقربهم إلى نفسك وإلى قلبك، إلا إذا آنست منه نفعاً فوق نفعك، وقوة فوق قوتك، وعلماً فوق علمك، وقول الرسول بأمره سبحانه وتعالى: {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ...} أي أنه ناصري على أي كيد يحاول معسكر الشرك أن يصنعه أو يبيته لي. فالله هو ولي الرسول أي ناصره، والقريب منه بصفات الكمال والجلال التي تخصه سبحانه وتعالى، وعندما يكون لمؤمن خصلة ضعف فهو يذهب لمن عنده خصلة قوة، ولذلك قلنا في قصة موسى عليه السلام حين التفت قومه ووجدوا قوم فرعون فقالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي أن جيش فرعون سيدركهم، لأن البحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس أمامهم فسحة أمامية للهرب ولا منفذ لهم إلا أن يصمدوا أمام جيش فرعون وهم بلا قوة ولم يكذبهم موسى عليه السلام في قولهم. بل قال لهم يطمئنهم: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. وهنا خرجت المسألة عن أسباب البشر وانتهت إلى الركن الشديد الذي يأوي إليه الرسل. ولا يقول هذا القول إلا وهو واثق تمام الثقة من نصرة الله، وسبق أن رويت لكم حكاية المرأة الأوروبية التي أسلمت لأنها كانت تقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كبطل من أبطال العالم، صنع أكبر انقلاب في تاريخ البشرية، ولما مرت في تاريخه صلى الله عليه وسلم، قرأت أن صحابته كانوا يحرسونه من خصومه وأعدائه، إلى أن فوجئوا في يوم ما بأن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اذهبوا عني. فإن الله أنزل عليّ: {وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ...} تفسير : [المائدة: 67]. واستوقفت هذه الواقعة هذه المرأة فقالت: إن هذا الرجل إن أراد أن يكذب على الناس جميعاً ما كذب على نفسه، ولا يمكن أن يُسلم نفسه لأعدائه بدون حراسة إلا إذا كان واثقاً من أن الله أنزل عليه هذا، وأنه قادر أن يعصمه، وإلا دخلَ بنفسه في تجربة. والباحثة من هذه الواقعة قد أخذت لفتة العبرة. وفي مثل هذا يقول الحق تبارك وتعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : ...قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ}تفسير : [الأعراف: 195]. وكأنه صلى الله عليه وسلم يستدعيهم إلى التحدي بالمعركة بالمكر والتبييت، وألا يتأخروا عن ذلك وهو واثق من أن الله عز وجل ينصره. {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ} [الأعراف: 196] وأنزل الحق تبارك وتعالى على رسوله الكتاب المبين ليبلغه للخلق، ولا يمكن أن يسلمه إلى عدو يمنعه من تمام البلاغ عن الله. لقد أنزل الحق الكتاب على رسوله ليبلغه إلى الكافة ولا يمكن أن يتخلى عنه. {إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ} وقوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ} أي أنه لا يجعل الولاية خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول لكل واحد من أتباعه: كن صالحاً في أي وقت، أمام أي عدو، ستجد الله وهو يتولاك بالنصر، وساعة يعمم الله الحكم؛ فهو ينشر الطمأنينة الإيمانية في قلوب أتباعه صلى الله عليه وسلم. وكل من يحمل من أمر دعوته صلى الله عليه وسلم شيئاً ما سوف يكون له هذا التأييد، وسبحانه الذي جعل رسوله مُبلغاً عنه المنهج، وهو سبحانه يتولى الصالحين لعمارة الكون؛ لأن الله قد جعل الإنسان خليفة ليصلح في الكون، وأول مراتب الإصلاح أن يبقى الصالح على صلاحه، أو أن يزيده صلاحاً إن أمكن. ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ...}

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ وَلِيِّـيَ} وحافظي، ومولي جميع أموري {ٱللَّهُ} القادر القيوم {ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ} أي: القرآن؛ لنصري وتأييدي {وَ} من غاية لطفه {هُوَ} سبحانه بنفسه {يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] من عباده ويحفظهم من مكر المكارين، سيما الأنبياء الذين هم في كنف جواره وحوزة حفظه، يحفظهم عن جميع ما يؤذيهم. {وَ} كيف لا يحفظهم سبحانه عن تأثير هؤلاء الأصنام {ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ} أنتم أيها الضالون {مِن دُونِهِ} سبحانه وتستنصرون منه، وهم {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197] أي: كيف ينصرونكم، وهم لا ينصرون أنفسهم لعدم استعدادهم وقابليتهم. {وَ} من خبث طينتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم {إِن تَدْعُوهُمْ} أيها المؤمنون أولئك المشركين الضالين {إِلَى ٱلْهُدَىٰ} ودين الإسلام {لاَ يَسْمَعُواْ} ولا يقبلوا مع ورود هذه الدلائل الواضحة {وَتَرَٰهُمْ} أيها المتبر الرائي {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} ويسعون ويسمعون منك الأدلة القاطعة {وَهُمْ} من خبث طينتهم وجهل جبلتهم {لاَ يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198] إلى أصنامهم، ولا يتأملون ولا يتفطنون أن ما ينسبون إلى هؤلاء من الشفاعة والشركة وهم زائل وخيال باطل، وخروج عن مقتضى العقل الفطري، بل يصرون على ما هم عليه؛ عتواً وعناداً. وإذا كان حالهم هذه وإصرارهم بهذه الغاية {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أي: اختر يا أكمل الرسل طريق العفو واللين، واترك الغضب والخشونة على مقتضى شفقة النبوة {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي: ادع إلى سبيل ربك بالحكملة والموعظة الحسنة القوم الذين تفرست منهم الرشد بنور النبوة والولاية {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] المصرين، وإن جادلوك جادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك أعلم منهم بمن ظل عن سبيله، وهو أعلم أيضاً بالمهتدين منهم. {وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ} ينخسنَّك ويشوشنَّك {مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ} المثير للقوى الغضبية والحمية الجاهلية {نَزْغٌ} وسوسة وإغراء يحملك على الغضب، ويخرجك عن مقتضى ما أمرت به من الحلم والملاينة {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} من غوائله، وارجع إليه من وسوسته وتحايله يكفيك سبحانه مؤمنة شروره وإغوائه {إِنَّهُ} سبحانه بذاته {سَمِيعٌ} لمناجاتك {عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] بحاجاتك.