٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
197
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر. {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ} شرط، والجواب {لاَ يَسْمَعُواْ}. {وَتَرَاهُمْ} مستأنف. {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} في موضع الحال. يعني الأصنام. ومعنىٰ النظر فتح العينين إلى المنظور إليه؛ أي وتراهم كالناظرين إليك. وخبّر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر؛ لأن الخبر جرىٰ على فعل مَن يعقل. وقيل: كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال {وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ}. وقيل: المراد بذلك المشركون، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } فكيف أُبالي بهم؟.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {من دونه} عائد على اسم الله تعالى وهذا الضمير مصرح بما ذكرناه من ضعف قراءة من قرأ "إن ولي الله" أنه جبريل صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية أيضاً بيان لحال تلك الأصنام وفسادها وعجزها عن نصرة أنفسها فضلاً عن غيرها. وقوله تعالى: {وإن تدعوهم} الآية، قالت فرقة: المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والهاء والميم في قوله {تدعوهم} للكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون إذ لم يتحصل لهم عن النظر والاستماع فائدة ولا حلوا منه بطائل، قاله السدي ومجاهد، وقال الطبري: المراد بالضمير المذكور الأصنام، ووصفهم بالنظر كناية عن المحاذاة والمقابلة وما فيها من تخييل النظر كما تقول دار فلان تنظر إلى دار فلان، ومعنى الآية على هذا تبين جمودية الأصنام وصغر شأنها، وذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية على أن العباد ينظرون إلى ربهم ولا يرونه، ولا حجة لهم في الآية لأن النظر في الأصنام مجاز محض. قال القاضي أبو محمد: وإنما تكرر القول في هذا وترددت الآيات فيه لأن أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكناً من نفوس العرب في ذلك الزمن ومستولياً على عقولها فأوعب القول في ذلك لطفاً من الله تعالى بهم. وقوله تعالى: {خذ العفو} الآية، وصية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم تعم جميع أمته وأخذ بجميع مكارم الأخلاق، وقال الجمهور في قوله {خذ العفو} إن معناه اقبل من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عفواً دون تكلف، فالعفو هنا الفضل والصفو الذي تهيأ دون تحرج، قاله عبد الله بن الزبير في مصنف البخاري، وقاله مجاهد وعروة، ومنه قول حاتم الطائي: [الطويل] شعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب تفسير : وقال ابن عباس والضحاك والسدي: هذه الآية، في الأموال، وقيل هي فرض الزكاة أمر بها صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما سهل من أموال الناس، وعفا أي فضل وزاد من قولهم عفا النبات والشعر أي كثر، ثم نزلت الزكاة وحدودها فنسخت هذه الآية، وذكر مكي عن مجاهد أن {خذ العفو} معناه خذ الزكاة المفروضة. قال القاضي أبو محمد: وهذا شاذ، وقوله {وأمر بالعرف} معناه بكل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: حديث : ما هذا العرف الذي أمر به، قال: لا أدري حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله ثم جاءه فقال له: يا محمد هو أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك . تفسير : قال القاضي أبو محمد: فهذا نصب غايات والمراد فما دون هذا من فعل الخير، وقرأ عيسى الثقفي فيما ذكر أبو حاتم "بالعُرف" بضم الراء والعرْف والعرُف بمعنى المعروف، وقوله {وأعرض عن الجاهلين} حكم مترتب محكم مستمر في الناس ما بقوا، هذا قول الجمهور من العلماء، وقال ابن زيد في قوله {خذ العفو - إلى - الجاهلين} إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مداراة لكفار قريش ثم نسخ ذلك بآية السيف. قال القاضي أبو محمد: وحديث الحر بن قيس حين أدخل عمه عيينة بن حصن على عمر دليل على أنها محكمة مستمرة، لأن الحر احتج بها على عمر فقررها ووقف عندها. وقوله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} وصية من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم تعم أمته رجلاً رجلاً، والنزغ حركة فيها فساد، وقلَّما تستعمل إلا في فعل الشيطان لأن حركاته مسرعة مفسدة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح، لا ينزغ الشيطان في الغضب وتحسين المعاصي واكتساب الغوائل وغير ذلك " تفسير : ، وفي مصنف الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن للملك لمة وإن للشيطان لمة . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وعن هاتين اللمتين هي الخواطر من الخير والشر، فالأخذ بالواجب هذه الآية يصلح مع الاستعاذة ويصلح أيضاً ما يقول فيه الكفار من الأقاويل فيغضبه الشيطان لذلك، وعليم كذلك وبهذه الآية تعلق ابن القاسم في قوله: إن الاستعاذة عند القراءة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ } من دون الله {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ } يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من قلب حدقته إلى الشيء ينظر إليه {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } المرئي. {خُذِ ٱلْعَفْوَ } هو ضد الجهد أي ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا كقوله عليه السلام «حديث : يسروا ولا تعسروا»تفسير : {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } بالمعروف والجميل من الأفعال، أو هو كل خصلة يرتضيها العقل ويقبلها الشرع {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } ولا تكافيء السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم، وفسرها جبريل عليه السلام بقوله: صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك. وعن الصادق أمر الله نبيه عليه السلام بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ } وإما ينخسنك منه نخس أي بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } ولا تطعه. والنزغ: والنخس كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي. وجعل النزع نازغاً كما قيل جد جده، أو أريد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب كقول أبي بكر رضي الله عنه: إن لي شيطاناً يعتريني {إنّه سميعٌ} لنزغه {عَلِيمٌ } بدفعه {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } {طيف} مكي وبصري وعليّ أي لمة منه مصدر من قولهم «طاف به الخيال يطيف طيفاً». وعن أبي عمرو: هما واحد وهي الوسوسة. وهذا تأكيد لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأن عادة المتقين إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته {تَذَكَّرُواْ } ما أمر الله به ونهى عنه {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } فأبصروا السداد ودفعوا وسوسته. وحقيقته أن يفروا منه إلى الله فيزدادوا بصيرة من الله بالله {وَإِخْوٰنِهِمْ } وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس فإن الشياطين {يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } أي يكونون مدداً لهم فيه ويعضدونهم {يَمُدُّونَهُمْ } من الإمداد: مدني {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا، وجاز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين والأول أوجه، لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا. وإنما جمع الضمير في {إِخْوٰنَهُمْ } والشيطان مفرد لأن المراد به الجنس. {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـئَايَةٍ } مقترحة {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا } هلا اخترتها أي اختلقتها كما اختلقت ما قبلها {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } ولست بمقترح لها {هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } هذا القرآن دلائل تبصركم وجوه الحق {وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } به. {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. وقيل: معناه إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له. وجمهور الصحابة رضي الله عنهم على أنه في استماع المؤتم. وقيل: في استماع الخطبة. وقيل: فيهما وهو الأصح {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } متضرعاً وخائفاً {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ } لفضل هذين الوقتين. وقيل: المراد إدامة الذكر باستقامة الفكر. ومعنى بالغدو بأوقات الغدو وهي الغدوات، والآصال جمع أصل والأصل جمع أصيل وهو العشي {وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ } مكانة ومنزلة لا مكاناً ومنزلاً يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } لا يتعظمون عنها {وَيُسَبّحُونَهُ } وينزهونه عما لا يليق به {وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما صور بهذا جلاله، وقرر عظمته وكماله، باتصافه بجميع الصفات العلى التي منها القدرة التي تكفهم عنه؛ كرر التنفير عن أندادهم في أسلوب آخر تأكيداً للمعنى السابق بزيادة بالغة في العجز وهو تصويب النظر من غير إبصار، مع أن الأول للتقريع، وهذا الفرق بين من يعبد بحق ومن يعبد بباطل ليرجعوا عن غيهم وعنادهم، فقال مبيناً أنهم ليسوا في شيء من صفاته مصرحاً بنفي النصرة التي أثبتها له عنهم مع المواجهة بالخطاب الذي هو أفظع في الجواب: {والذين تدعون} أي تديمون دعاءهم {من دونه} - فإنهم يدعونه سبحانه في بعض الأوقات - أوتدعونهم تاركين له {لا يستطيعون نصركم} أي بوجه من وجوه النصرة بدليل عجزكم عني وأنا وحدي وأنتم أهل الأرض {ولا أنفسهم ينصرون*} بدليل أن الكلب يبول عليهم فلا يمنعونه. ولما كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد، نسق على ما قبله قوله: {وإن تدعوهم} أي يا من هم أضل منهم وأعجز {إلى الهدى} أي إلى الذي هو أشرف الخلال ليهتدوا في نصر أنفسهم أو غير ذلك {لا يسمعوا} أي شيئاً من ذلك الدعاء ولا غيره؛ ولما كان حالهم في البصر بالنسبة إلى كل أحد على حد سواء، قال مفرداً للمخاطب: {وتراهم} أي أيها الناظر إليهم {ينظرون إليك} أي كأنهم ينظرون لما صنعوا لهم من الأعين {وهم لا يبصرون*} أي نوعاً من الإبصار، وما أشبه مضمون هذه الآيات بما في سفر أنبياء بني إسرائيل في نبوة أشعياً: هكذا يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه: أنا الأول وأنا الآخر، وليس إله غيري. ومن مثلي يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان منذ بسطت الدنيا إلى الأبد، والآيات القديمة تظهر للشعوب، فلا يفزعون ولا يخافون، ألم أسمعكم منذ أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم شهدائي أن ليس إله غيري، وليس عزيز منيع إلا وأنا أعز منه، لأن جميع الصناع الذين يعملون الأصنام إنما عملهم باطل وليس في أعمالهم منفعة، وأن الصناع الذين يعملونها هم يشهدون عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم، لذلك يخزي جميع صناع الأوثان المسبوكة لأن جميع ما صنعوا لا عقل له، فيجمعون كلهم ويخزون ويفتضحون لأن النجار نحت بحديده وهيأ صنماً بمنقاره وسدده بقوة ساعده وجاع وعطش في عمله. والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق بعضها ببعض بالغراء وركبها وعملها كشبه الإنسان، أقام من الخشب الذي قطع من الغيضة كشبه رجل الذي نبت من شرب المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم إلهاً وعبدوه وسجدوا له، الذي ينصفه خبزوا لهم خبزاً وشووا لهم لحماً على جمرة وأكلوا وشربوا واصطلوا وقالوا: قد حمينا لأنا قد أوقدنا ناراً واصطلينا، والذي بقي منه اتخذوه إلهاً منحوتاً وسجدوا له وصلوا وقالوا: نجّنا لأنك إلهنا. ولم يخطر على بالهم فكر أن يقولوا: إنا قد أوقدنا نصفه بالنار، وخبزنا خبزنا وشوينا على جمره اللحم وأكلنا، ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم وسجدوا له، لأن قلوبهم متمرغة في رماده، وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون أنفسهم ولا يقولون: إن أيادينا عملت الباطل واتخذت الكذب، ثم قال: أليس أنا الرب منذ أول، وليس إله غيري ولا مخلص سواي، ادنوا إليّ يا جميع الذين في أقطار الأرض لتنجوا لأني أنا الرب وليس إله غيري، حلفت بيميني وأخرجت كلمة صدق ولست أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ركبة، وبي يحلف كل إنسان ويقول: إنما البر بالرب، وإليه تدنو الأعزاء ويخزى جميع المبغضين، وبي يمتدح ويتبرر، بمن شبهتموني؟ وإلى من نسبتموني؟ بالضالين الذين أخرجوا الذهب من أكياسهم ووزنوا الفضة بالميزان واكتروا الصناع حتى عملوا لهم آلهة يسجدون لها ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ثم يصلون لها ويدعونها لا تجيبهم ولا تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضاً ويردونها إلى مواضعها، اذكروا هذه الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها على قلوبكم وتذكروا الأيام التي كانت من الابتداء، إني أنا الله الخالق وليس إله غيري ولا مثلي،فأنا أظهر العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون، وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي، وأدعو من في المشارق فيأتون أسرع من الطير، وأتاني الرجل الذي قد عمل مسرتي من الأرض البعيدة، لأني أنا إذا تكلمت بشيء فعلته. أنا خلقت وأنا أخلق؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر بعد المائه: إلهنا في الأرض، كل ما يشاء يصنع، أوثان الأمم ذهب وفضة عمل أيدي البشر، لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تنظر، لها آذان ولا تسمع، وآناف ولا تشم، وأيد ولا تلمس، وأرجل ولا تمشي، ولا صوت بحناجرها ولا روح في أفواهها، فليكن صانعوها مثلها وجميع من يتوكل عليها - انتهى. ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما أتاهم بالتكذيب والإقبال على ما لم يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة، والأمر بالمنكر من الشرك وما يلزم منه من مساوي الأخلاق، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من محاسن الشرع، وذلك هو الجهل، وختم ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له الدين بالكتاب، والدنيا بالحفظ من كل ما ينتاب، وكان حالهم ربما كان موئساً من فلاحهم، مفتراً عن دعائهم إلى صلاحهم، كان الداعي لهم صلى الله عليه وسلم كأنه قال: فما أصنع في أمرهم؟ فأجابه بالتحذير من مثل حالهم والأمر بضد قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق بهم فقال: {خذ العفو} أي ما أتاك من الله والناس بلا جهد ومشقه، وهذا المادة تدور على السهولة، وتارة تكون من الكثرة وتارة من القلة، فعفا المال، أي كثر، فصار يسهل إخراجه ويسمح به لزيادته عن الحاجة، وعفا المنزل، أي درس، فسهل أمره حتى صار لا يلتفت إليه. ولما أمره بذلك في نفسه، أمره به في غيره فقال:؛ {وأمر بالعرف} أي بكل ما عرفه الشرع وأجازه، فإنه من العفو سهولة وشرفاً، وقد تضمن ذلك النهي عن المنكر فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة؛ ولما أمره بالفعل في نفسه وغيره، أتبعه الترك فقال: {وأعرض عن الجاهلين*} أي فلان تكافئهم بخفتهم وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره، وذلك بعد فضيحتهم بالدعاء، وذلك - لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه الخصال، وفيه إشارة إلى النهي عن أن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في الشفقة عليهم، وعن جعفر الصادق أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها. ولما كان الشيطان بعداوته لبني آدم مجتهداً في التنفير من هذه المحاسن والترغيب في أضدادها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزع منه حظ الشيطان بطرح تلك العلقة السوداء من قبله إذ شق جبرائيل عليه السلام صدره وغسل قلبه وقال: هذا حظ الشيطان منك؛ شرع لأمته ما يعصمهم منه عند نزغه مخاطباً له بذلك ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد الخوف المقتضي للفرار المثمر للنجاة، لأنهم إذا علموا قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم من كل محنة علموا أنه لهم أشد قصداً وأعظم كيداً وصداً، فقال مؤكداً بأنواع التأكيد إشارة إلى شدة قصد الشيطان للفتنة وإفراطه في ذلك، ليبالغ في الحذر منه وإن كان قصده بذلك في محل الإنكار لعلمه بالعصمة - لذلك عبر بأداة الشك إشارة إلى ضعف كيده للنبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى أعانه على قرينه فأسلم: {وإما} أي إن، وأكدت بـ {ما} إثباتاً للمعنى ونفياً لضده {ينزغنك} أي ينخسنك نخساً عظيماً {من الشيطان نزغ} أي نخس بوسوسته من شأنه أن يزعج فيسوق إلى خلاف ما تقدم من المحاسن في نحو غضب من جهل الجاهل وسفه السفيه أو إفراط في بعض أوجه كما تساق الدابة بما تنخس به، فيفسر ويجعل النخس ناخساً إشارة إلى شدته {فاستعذ} أي فأوجد أو اطلب العوذ وهو الاعتصام {بالله} أي الذي له جميع العز والعظمة والقدرة والقهر لا نقطاعك عن الإخوان والأنصار إليه فلا ولي لك ولا ناصر إلا هو، فإنه إذا أراد إعاذتك ذكرك من عزيز نعمه وشديد نقمه ما يريد عن الفساد رغباً ورهباً، والآية ناظرة إلى قوله تعالى أولها {أية : لأقعدن لهم صراطك المستقيم} تفسير : [الأعراف: 16]. ولما أبطل تعالى أن يكون لشركائهم سمع أو علم، صار إثبات ذلك له كافياً في اختصاصه به من غير حاجة إلى الحصر المتضمن لنفيه عن غيره لتقدمه صريحاً بخلاف ما في فصلت، فقال معللاً: {إنه سميع} أي بالغ السمع فهو يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء {عليم*} شامل العلم بما تريد ويريد منك عدوك، فلا يعجزه شيء، وختم بصفة العلم في الموضعين لأن الوسوسة من باب ما يعلم، وختمها في سورة المؤمن بالبصير المشتق من البصر والبصيرة، لأن المستعاذ منه أمر الناس ومنه ما يبصر. ولما كان لا يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم إلا شيء خفيف جداً كما نبه عليه بالنزغ، وهو ليس بمحقق كما نبهت عليه أداة الشك، وكان لا يستعيذ بالله إلا المتقون فكان كأنه قيل: افعل ذلك عند أول نزغه لتكون من المتقين، علله بقوله: {إن الذين اتقوا} أي حصل لهم هذا الوصف، وحقق أذاه لهم بأداة التحقيق - بخلاف ما مضى عند إفراد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم - فقال: {إذا مسهم طائف} أي طواف على أنه مصدر، ويجوز أن يكون تخفيف طيّف كميت وهو بمعنى قراءة طائف على أنه فاعل كميت ومائت، ويجوز أن يكون مصدراً أيضاً، وهو إشارة إلى أن الشيطان دائر حولهم لا يفارقهم، فتارة يؤثر فيهم طوافه فيكون قد مسهم مساً هو أكبر من النزغ لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب، وتارة لا يؤثر {من الشيطان} أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {تذكروا} أي كلفوا أنفسهم ذكر الله بجميع ما ينفعهم في ذلك إقداماً وإحجاماً. ولما كانوا بإسراع التذكر كأنهم لم يمسهم شيء من أمره، أشاره إلى ذلك بالجملة الاسمية مؤكداً لسرعة البصر بإذا الفجائية: {فإذا هم} أي بنور ضمائرهم {مبصرون *} أي ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان، فإن المتقي من يشتهي فينتهي، ويبصر فيقصر، وفي ذلك تنبيه على أن من تمادى مع الشيطان عمي لأنه ظالم، والظالم هو من يكون كأنه في الظلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين تدعون} يا عبدة الاصنام {من دونه} اى متجاوزين الله تعالى ودعاءه ومضمون هذه الآية ذكر اوّلا لتقريع عبدة الاصنام وذكر ههنا اتماما لتعليل عدم مبالاته بهم فلا تكرار {لا يستطيعون نصركم} فى امر من الامور {ولا انفسهم ينصرون} اذا نابتهم نائبة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: في إتمام الرد على المشركين: {والذين تدعون من دونه} أي: تعبدونها من دونه، {لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون}، فلا تُبال بهم أيها الرسول، {إن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا}، يحتمل أن يريد الأصنام، فيكون تحقيرًا لها، وردًا على من عبدها؛ فإنها جماد موات لا تسمع شيئًا، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون، يعني: سمعًا ينتفعون به، لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم، {وتراهم} أي: الأصنام، {ينظرون إليك وهم لا يُبصرون}؛ لأنهم مصورورن بصورة من ينظر، فقوله: {وتراهم ينظرون إليك}: مجاز، {وهم لا يُبصرون} حقيقةً، لأن لهم صورة الأعين، وهم لا يرون بها شيئًا، هذا إن جعلنا وصفًا للأصنام، وإن كان وصفًا للكفار فقوله: {وتراهم ينظرون إليك} حقيقة، {وهم لا يُبصرون} مجاز، لأن الأبصار وقع منهم في الحس، لكن لمَّا لم ينفعهم؛ لعمى قلوبهم، نفاه عنهم كأنه لم يكن. قال المحشي: شاهدوا بأبصار رؤوسهم، لكنهم حجبوا عن الرؤية ببصائر أسرارهم وقلوبهم، فلم يعتد برؤيتهم. هـ. الإشارة: في الآية تحويش للعبد إلى الأعتماد على الله واستنصاره به جميع أموره، فلا يركن إلى شيء سواه، ولا يخاف إلا من مولاه، إذ لا شيء مع الله. وقوله تعالى: {وتراهم ينظرون إليك...} الآية. قال المحشي: يقال: رُؤية الأكابر ليست بشهود أشخاصهم، لكن لِما يحصل للقلوب من مكاشفة الغيوب، وذلك على مقدار الاحترام وحضور الإيمان. هـ. يعني: أن النظر إلى الأكابر، من العارفين بالله، ليست مقصودة لرؤية أشخاصهم، وإنما هي مقصودة لفيضان أمدادهم، وذلك على قدر التعظيم والاحترام، وصدق المحبة والاحتشام، فكل واحد من الناظرين إليهم يغرف على قدر محبته وتعظيمه. رُوِي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي، فقال: هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟ فأتى بشيخ كبير، فقال: أنت أدركته، فقال: ما سمعتَه يقول؟ فقال: سمعتُه يقول: (من رآني لا تأكله النار). فقال الملك: هذا لم يكن للنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار، فكيف يكون لغيره؟ فقال له الشيخ: يا هذا، الكفار لم يروه صلى الله عليه وسلم على أنه رسول الله، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله، فسكت. والله تعالى أعلم. ثم أمر نبيه بمكارم الأخلاق، فقال: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}.
الطوسي
تفسير : هذا عطف على الاية الاولى، فكأنه قال قل وليي الله القادر على نصرتي عليكم وعلى من اراد بي ضرّاً. والذين تتخذونهم انتم آلهة لا يقدرون على ان ينصروكم ولا أن يدفعوا عنكم ضررّاً. ولا يقدرون ان ينصروا أنفسهم ايضاً لو ان إنساناً اراد بهم سوءاً من كسر او غيره. وإنما كرر هذا المعنى لأنه ذكره في الاية التي قبلها على وجه التقريع، وذكره ها هنا على وجه الفرق بين صفة من تجوز له العبادة ممن لا تجوز، كأنه قال: إن ناصري الله ولا ناصر لكم ممن تعبدون. وانما قال تدعون من دونه وهم يدعونهم معه، لأن معنى من دونه من غيره ومع ذلك فانه بمنزلة من افرد غيره بالعبادة في عظم الكفر والشرك.
اطفيش
تفسير : {والَّذِينَ تدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَسْتَطيعُون نَصْركُم ولا أنفُسَهم يَنصُرونَ} بخلاف مدعوى فانه المستطيع المنصر، ولا يقدر أحد على إضراره، وكرر لأنه من تمام التعليل المذكور، ولا ما تقدم قبل تقريع وتوبيخ، وهذا فرق بين من يجوز أن يعبد ومن لا يجوز.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} تعبدونهم أَو تنادونهم فى مصالحكم أَو تسمونهم آلهة {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} ذكر هنا تعليلا لعدم مبالاته بهم وبشركائهم، والفرق بين من يستحق المبالاة به ومن لا يستحقها، وهنالك لتقريع عبدة الأَصنام فلا تكرير، وكذا ذكر تتميماً للتعليل قوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُوهُمْ} أَيها المؤمنون الأَصنام؛ أَو أَيها المشركون {إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا} دعاءَكم {وَتَرَاهُمْ} أَى ترى الأَصنام يا محمد، ويامن يصلح للرؤية {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ} بصورة الناظر إِليك فهو استعارة تبعية صورية {وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أَو إِن تدعوا المشركين إِلى الهدى لا يسمعوا دعاءَكم سماع قبول أَو تفهم، وتراهم ينظرون بأَعينهم إِليك وهم لا يبصرونك بقلوبهم، أَو لا يقبلون حجتك. واشتد عليه صلى الله عليه وسلم خلافهم له فنزل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} قال ابن أَبى الدنيا مرفوعاً: "حديث : اقبل ما تيسر من أَخلاق الناس"تفسير : ، ويقال: اقبل ما تيسر من أَموال المسلمين والمشركين وأَخلاقهم وأَفعالهم وأَقوالهم التى لا تخالف الشرع، واعذرهم ولا تستقص ولا تتجسس فيستقصوا عليك ويتجسسوا، وتقع العداوة، أَو خذ العفو عن المذنبين، شبه العفو بشئ محسوس يطلب ويؤخذ، ورمز لذلك بالأَخذ، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا جبريل ما أَخذ العفو؟ فقال: لا أَدرى حتى أَسأَل العالم، فرجع فقال: إِن الله تعالى أَمرك أَن تعفو عمن ظلمك، وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك"تفسير : . وكان الرجل يمسك ما يكفيه، ويتصدق بالباقى، ولما نزلت الزكاة وجب مقدارها وترك غيره، ولما نزل القتال وجب القتال وحل الغنائم، وقيل: خذ العفو عن المذنبين، والتعبير به إِغراء شديد، {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} المعروف، وهو كل ما جاءَك من الله، وما يعرف فى الشرع حسنه من مكارم الأَخلاق وترك مساويها، وسواء فى ذلك اعتقاد وقول وفعل. وفى البخارى عن عبد الله بن الزبير: ما نزلت خذ العفو وأمر بالعرف إِلا فى أَخلاق الناس {وَأعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} لا تجازهم على جفائهم سواء كانوا مشركين أَو موحدين، وهذا مما لا ينسخ "أية : وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" تفسير : [الفرقان: 63] قال جعفر الصادق: ليس فى القرآن آية أَجمع لمكارم الأَخلاق من هذه الآية، وقد يصدر من ضعفاء الإِسلام وأَهل البدو جفاء. ولما نزلت الآية كما مر سأَل النبى صلى الله عليه وسلم جبريل عن معناها، فقال: لا أَدرى حتى أَسأَل ربى، فذهب فرجع فقال: إِن ربك أَمرك أَن تصل من قطعك، وتعطى من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، ولما نزلت قال: يا رب كيف بالغضب؟ فنزل قوله: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ} يا محمد، أَو يا من يصلح للخطاب، وعلى الأَول يكون الذين اتقوا بعد هذا المرسلين أَولى العزم، والعموم فى الذين اتقوا أَولى، ويجوز أَن يراد بالخطاب العموم كقوله تعالى "أية : يا أَيها النبى إِذا طلقتم" تفسير : [الطلاق: 1] {مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ} يدفعه عنك لتأكيد العموم، والنزغ الطعن بما له حدة استعير لوسوسة الشيطان وإِغرائه، وعلاج صرفه لك عن الحق من الأَمر بالعرف والإِعراض عن الجاهل ونحو ذلك. والمراد بالنزغ أَمر نازغ أَو ذو نزغ، أَو نفس النزغ، وفى هذا إِسناد إِلى المصدر، كقولك صام الصوم برفع الصوم، وذلك مبالغة فى كيد الشيطان على طريق العرض كأَن فعله فاعل، وإِنما قلت على طريق العرض لأَن الآية لم تسق أَولا بالذات لذكر مبالغة الشيطان بالوسوسة، بل سبقت لبيان أَنه يوسوس، وللأَمر بمخالفته، والاستعاذة بالله الالتجاء إِليه ليمنعه عن اتباعه، فالله عالم بكل قول، وبكل فعل، وكل شئ، فيسهل لك مصالحك وينتقم ممن يؤذيك ولا يحوجك إِلى الانتقام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أَحد إِلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإِياك يا رسول الله؟ قال: وإِياى إِلا أَن الله تعالى غلبنى على قرينى من الجن فأَسلم فلا يأمرنى إِلا بالخير" تفسير : ، وقوله: فأَسلم بصيغة الماضى والضمير للقرين، أَى صار مؤمناً لا يأْمرنى إِلا بالخير، قال القاضى عياض وغيره ذلك هو المختار. ويروى بصيغة مضارع المتكلم من السلامة، أَى أَسلم أَنا من شره، واختاره الخطابى، ويدل لقول عياض قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فلا يأمرنى إِلا بخير"تفسير : وقيل: إِن نزغ الشيطان بالنسبة إِليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن اعتداء الغضب المقلق للنفس.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ} أي تعبدونهم أو تدعونهم من دونه سبحانه وتعالى للاستعانة بهم عليَّ حسبما أمرتكم به {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ} في أمر من الأمور ويدخل في ذلك الأمر المذكور دخولاً أولياً، وجوز الاقتصار عليه {وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } إذا أصيبوا بحادثة.
د. أسعد حومد
تفسير : (197) - وَالأصْنَامُ التِي تَدْعُونَها مِنْ دُونِ اللهِ لاَ تَسْتَطِيعُ نَصْرَكُم إذا سَألْتُمُوها النَّصْرَ وَالنَّجْدَةَ، وَلاَ تَسْتَطِيعُ نَصْرَ نَفْسِها إذا اعْتَدَى عَلَيهَا أحَدٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأن الذي لا يستطيع نصرك. يجوز أن يكون ضنيناً بنصرتك؛ لأن حبه لك حب رياء، أو لأنه يرغب في أن يحتفظ بما ينصرك به لنفسه، أما حين يكون غير قادر على نصرتك؛ لأنه لا يملك أدوات النصر، فهذا يبين عجز وقصور من اتخذته وليا، وهكذا كان حال المشركين. وفي يوم الفتح جاء المسلمون بالمعاول وكُسرت الأصنام، ولم يقاوم صنم واحد. بل تكسرت كلها جميعاً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا أيضا في بيان عدم استحقاق هذه الأصنام التي يعبدونها من دون اللّه لشيء من العبادة، لأنها ليس لها استطاعة ولا اقتدار في نصر أنفسهم، ولا في نصر عابديها، وليس لها قوة العقل والاستجابة. فلو دعوتها إلى الهدى لم تهتد، وهي صور لا حياة فيها، فتراهم ينظرون إليك، وهم لا يبصرون حقيقة، لأنهم صوروها على صور الحيوانات من الآدميين أو غيرهم، وجعلوا لها أبصارا وأعضاء، فإذا رأيتها قلت: هذه حية، فإذا تأملتها عرفت أنها جمادات لا حراك بها، ولا حياة، فبأي رأي اتخذها المشركون آلهة مع اللّه؟ ولأي مصلحة أو نفع عكفوا عندها وتقربوا لها بأنواع العبادات؟ فإذا عرف هذا، عرف أن المشركين وآلهتهم التي عبدوها، لو اجتمعوا، وأرادوا أن يكيدوا من تولاه فاطر الأرض والسماوات، متولي أحوال عباده الصالحين، لم يقدروا على كيده بمثقال ذرة من الشر، لكمال عجزهم وعجزها، وكمال قوة اللّه واقتداره، وقوة من احتمى بجلاله وتوكل عليه. وقيل: إن معنى قوله { وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } أن الضمير يعود إلى المشركين المكذبين لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فتحسبهم ينظرون إليك يا رسول اللّه نظر اعتبار يتبين به الصادق من الكاذب، ولكنهم لا يبصرون حقيقتك وما يتوسمه المتوسمون فيك من الجمال والكمال والصدق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):