٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
199
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } قال أهل اللغة: العفو الفضل وما أتي من غير كلفة. إذا عرفت هذا فنقول: الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها، وإما أن لا يجوز. أما القسم الأول: فهو المراد بقوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية؛ ويدخل فيه أيضاً التخلق مع الناس بالخلق الطيب، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } تفسير : [آل عمران: 159] ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف، كما قال تعالى: {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ }تفسير : [النحل: 125]. وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف، والعرف، والعارفة، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به، وأن وجوده خير من عدمه، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال، لكان ذلك سعياً في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية: {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } وقال في آية أخرى: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً }تفسير : [الفرقان: 72] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ } تفسير : [المؤمنون: 3] وقال في صفة أهل الجنة: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً } تفسير : [الواقعة: 25] وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «حديث : يا جبريل ما هذا؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» تفسير : قال أهل العلم: تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك، فقد عفوت عنه، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } أي ما عفا لك من أموالهم، أي ما أتوك به عفواً فخذه، ولا تسأل عما وراء ذلك. قالوا: كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } أي بإظهار الدين الحق، وتقرير دلائله {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } أي المشركين قالوا: وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ }. واعلم أن تخصيص قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } بما ذكره تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضاً فهذا الكلام إذا حملناه على أداء الزكاة لم يكن إيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة منافياً لذلك، لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس ولا يشدد الأمر على المزكى فلم يكن إيجاب الزكاة سبباً لصيرورة هذه الآية منسوخة. وأما قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } فالمقصود منه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة ولا أفعالهم الخسيسة بأمثالها، وليس فيه دلالة على امتناعه من القتال، لأنه لا يمتنع أن يؤمر عليه السلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنه ليس من المتناقض أن يقال الشارع لا يقابل سفاهتهم بمثلها؟ ولكن قاتلهم وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فحينئذ لا حاجة إلى التزام النسخ، إلا أن الظاهرية من المفسرين مشغوفون بتكثير الناسخ والمنسوخ من غير ضرورة ولا حاجة.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} صلةُ الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغَضّ الأبصار، والإستعداد لدار القرار. وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} الحَضُّ على التعلّق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء. ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة. قلت: هذه الخصال تحتاج إلى بسط، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم. حديث : قال جابر بن سليم أبو جُرَىّ: ركبت قَعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلُّوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هوجالس عليه بُرْد من صوف فيه طرائقُ حُمر؛ فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». فقلت: إنّا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء؛ فعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها. قال: «ٱدْن» ثلاثاً، فدنوت فقال: «أعِد عليّ» فأعدت عليه فقال: «ٱتق الله ولا تحقرنّ من المعروف شيئاً وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تُفرِغ من دَلْوك في إناء المستسقي وإن ٱمرؤ سبّك بما لا يعلم منك فلا تُسبّه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجراً وعليه وِزْراً ولا تسبّن شيئاً مما خَوّلك الله تعالىٰ». قال أبو جُرَى: فوالذي نفسي بيده، ما سبَبْت بعده شاة ولا بعيراًتفسير : . أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه. وروى أبو سعيد المَقْبُرِيّ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق»تفسير : . وقال ابن الزبير: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} قال: ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وروى سفيان بن عُيَيْنَة عن الشعبيّ أنه قال: حديث : إن جبريل نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا جبريل»؟ فقال: «لا أدري حتى أسأل العالم» في رواية «لا أدري حتى أسأل ربي» فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال: «إن الله تعالىٰ يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك»تفسير : . فنظمه بعض الشعراء فقال:شعر : مكارم الأخلاق في ثلاثةٍ من كَمُلَتْ فيه فذلك الفَتَىٰ إعطاءُ مَن تحرِمه ووَصلُ مَن تَقْطَعُه والعفْوُ عَمّنِ ٱعتدَى تفسير : وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق»تفسير : . وقال الشاعر:شعر : كلُّ الأمور تزول عنك وتنقضي إلاّ الثناء فإنه لك باقي ولو أنني خُيِّرتُ كلّ فضيلة ما ٱخترت غير مكارم الأخلاق تفسير : وقال سهل بن عبد الله: كلّم الله موسىٰ بطُور سَيْنَاء. قيل له: بأيّ شيء أوصاك؟ قال: بتسعة أشياء، الخشية في السر والعلانية، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغِنَىٰ، وأمرني أن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون نطقي ذكراً، وصَمتِي فِكْراً، ونظري عبرة. قلت: وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمرني ربي بتسعٍ الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنىٰ والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكراً وصمتي فكراً ونظري عبرة»تفسير : . وقيل: المراد بقوله: «خُذِ الْعَفْوَ» أي الزكاة؛ لأنها يسير من كثير. وفيه بعدٌ؛ لأنه من عفا إذا دَرَس. وقد يقال: خذ العفو منه، أي لا تنقص عليه وسامحه. وسبب النزول يردّه، والله أعلم. فإنه لما أمره بمحاجّة المشركين دله على مكارم الأخلاق، فإنها سبب جرّ المشركين إلى الإيمان. أي ٱقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر؛ تقول: أخذت حقي عَفْواً صَفْواً، أي سهلاً. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف. وقرأ عيسىٰ بن عمر «العُرُف» بضمتين؛ مثل الحُلُم؛ وهما لغتان. والعُرْف والمَعْرُوف والعَارِفَة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر:شعر : من يفعل الخير لا يَعْدَم جَوازِيَه لا يذهب العُرْف بين الله والناس تفسير : وقال عطاء: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} يعني بلا إله إلا الله. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فاعرض عنهم؛ صيانة له عليهم ورفعاً لقدره عن مجاوبتهم. وهذا وإن كان خطاباً لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. وقال ابن زيد وعطاء: هي منسوخة بآية السيف. وقال مجاهد وقتادة: هي مُحْكَمة؛ وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيَيْنَة بن حِصن بن حذيفة بن بَدْر فنزل على ابن أخيه الحرّ ابن قيس بن حِصن، وكان من النفر الذين يُدنِيهم عُمَرُ، وكان القراءُ أصحابَ مجالِس عمر ومشاورته، كُهولاً كانوا أو شُبّاناً. فقال عُيَيْنَة لابن أخيه: يا بن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه؛ فٱستأذن لعُيَيْنَة. فلما دخل قال: يا بن الخطاب، والله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر حتى هَمّ بأن يقع به. فقال الحُرّ؛ يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه السلام {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين. فوالله ما جاوزها عمرُ حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل. قلت: فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها مُحْكَمة لا منسوخة. وكذلك استعملها الحسن بن عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنهما؛ على ما يأتي بيانه. وإذا كان الجَفَاء على السلطان تعمُّداً واستخفافاً بحقه فله تعزيره. وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصّفْح والعفو؛ كما فعل الخليفة العدل.
البيضاوي
تفسير : {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أي خذ مَا عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم، من العفو الذي هو ضد الجهد أو {خُذِ ٱلْعَفْوَ} عن المذنبين أو الفضل وما يسهل من صدقاتهم، وذلك قبل وجوب الزكاة. {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} المعروف المستحسن من الأفعال. {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم، وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها.
ابن كثير
تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} يعني: خذ ما عفي لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات، قاله السدي. وقال الضحاك عن ابن عباس: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أنفق الفضل، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس {خُذِ ٱلْعَفْوَ} قال: الفضل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم، واختار هذا القول ابن جرير. وقال غير واحد عن مجاهد في قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس. وقال هشام بن عروة عن أبيه: أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، وفي رواية قال: خذ ما عفي لك من أخلاقهم، وفي صحيح البخاري عن هشام عن أبيه عروة عن أخيه عبد الله بن الزبير قال: إنما أنزل خذ العفو من أخلاق الناس، وفي رواية عن أبيه عن ابن عمر، وفي رواية عن هشام عن أبيه عن عائشة أنهما قالا مثل لك، والله أعلم. وفي رواية سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن هشام عن وهب بن كيسان عن أبي الزبير: خذ العفو، قال: من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم، وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعاً: حدثنا يونس، حدثنا سفيان هو ابن عيينة عن أبي قال: لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما هذا يا جبريل؟» تفسير : قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وقد رواه ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصبغ بن الفرج عن سفيان عن أبّي عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال، وقد روي له شواهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعاً عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أسندهما ابن مردويه. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا شعبة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامة الباهلي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: «حديث : يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك» تفسير : وروى الترمذي نحوه من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد به. وقال: حسن. قلت: ولكن علي بن يزيد وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن فيهما ضعف. وقال البخاري: قوله: { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} العرف: المعروف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباباً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن الحُرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هي يا ابن الخطاب فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همّ أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} وإن هذا من الجاهلين، والله ماجاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل، وانفرد بإخراجه البخاري. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس عن عبيد الله بن نافع: أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا منهي عنه، فقالوا: نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا، فلا بأس به، فسكت سالم، وقال: {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} وقول البخاري: العرف: المعروف، نص عليه عروة بن الزبير والسدي وقتادة وابن جرير وغير واحد، وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته معروفاً وعارفاً، كل ذلك بمعنى المعروف، قال: وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمراً لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله، وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ودله عليها، وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما جناس، فقال:شعر : خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بعُرْفٍ كَما أُمِرْتَ وأَعْرِضْ عن الجاهِلِينْ وَلِنْ في الكلامِ لِكُلِّ الأَنامِ فَمُسْتَحْسَنٌ مِنْ ذَوي الجاهِ لِينْ تفسير : وقال بعض العلماء: الناس رجلان، فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته، ولا ما يحرجه، وإما مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمر في جهله، فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } تفسير : [المؤمنون:96-98] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ } تفسير : [فصلت:34-35] أي: هذه الوصية، {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} وقال في هذه السورة الكريمة أيضاً: { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فهذه الآيات الثلاث في الأعراف والمؤمنون وحم السجدة لا رابع لهن، فإنه تعالى، يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف بالتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، ولهذا قال: {فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإن لا يكفه عنك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك، وقال ابن جرير في تفسير قوله: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} وإما يغضبك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك على مجازاته، {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} يقول: فاستجر بالله من نزغه {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزلت: { خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال: يا رب كيف بالغضب؟، فأنزل الله: { وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قلت: وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرغ غضباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» تفسير : فقيل له، فقال: ما بي من جنون. وأصل النزغ الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} والعياذ: الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما الملاذ، ففي طلب الخير، كما قال أبو الطيب المتنبي في شعره:شعر : يا مَنْ أَلُوذُ بهِ فيما أُؤَمِّلُهُ ومَنْ أُعوذُ بهِ مِمَّا أُحاذِرُهُ لا يَجْبُرُ الناسُ عَظْماً أَنْتَ كاسِرُهُ ولا يَهيضُون عَظْماً أَنْتَ جابِرُهُ تفسير : وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {خُذِ ٱلْعَفْوَ } اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } المعروف {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ } فلا تقابلهم بسفههم.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } لما عدّد الله ما عدده من أحوال المشركين وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم. يقال أخذت حقي عفواً، أي سهلاً. وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول: «حديث : يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» تفسير : والمراد بالعفو هنا ضد الجهد. وقيل المراد: خذ العفو من صدقاتهم، ولا تشدّد عليهم فيها وتأخذ ما يشق عليهم. وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ } أي: بالمعروف. وقرأ عيسى بن عمر «بالعُرف» بضمتين، وهما لغتان. والعرف والمعروف والعارفة: كل خصلة حسنة ترتضيها العقول، وتطمئن إليها النفوس، ومنه قول الشاعر:شعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } أي: إذا أقمت الحجة في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا، فأعرض عنهم ولا تمارهم، ولا تسافههم مكافأة لما يصدر منهم من المراء والسفاهة. قيل: وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف، قاله عبد الرحمن بن زيد وعطاء. وقيل هي محكمة، قاله مجاهد وقتادة. قوله: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ } النزغ: الوسوسة، وكذا النغز والنخس. قال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة، وأصل النزغ: الفساد، يقال نزغ بيننا: أي أفسد، وقيل النزغ: الإغواء. والمعنى متقارب: أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أدرك من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله وقيل إنه لما نزل قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف ياربّ بالغضب؟» تفسير : فنزلت، وجملة {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } علة لأمره بالاستعاذة، أي استعذ به والتجىء إليه، فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به. وجملة {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ } مقرّرة لمضمون ما قبلها، أي: إن شأن الذين يتقون الله، وحالهم هو التذكر لما أمر الله به من الاستعاذة به، والالتجاء إليه، عند أن يمسهم طائف من الشيطان وإن كان يسيراً. قرأ أهل البصرة "طيف" وكذا أهل مكة. وقرأ أهل المدينة والكوفة {طَـائِفٌ}. وقرأ سعيد بن جبير "طيف" بالتشديد. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا "طيف" بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف. قال الكسائي: هو مخفف مثل ميت وميت. قال النحاس ومعناه في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم، وكذا معنى طائف. قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن طيف فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو مصدراً ولكن يكون بمعنى طائف. وقيل: الطيف والطائف معنيان مختلفان، فالأوّل: التخيل. والثاني: الشيطان نفسه. فالأوّل: من طاف الخيال يطوف طيفاً، ولم يقولوا من هذا طائف. قال السهيلي: لأنه تخيل لا حقيقة له، فأما قوله {أية : فَطَافَ عَلَيْهم طَائِفٌ مِّن رَّبّكَ } تفسير : [القلم: 19] فلا يقال فيه طيف، لأنه اسم فاعل حقيقة. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، فطاف الخيال يطيف. قال حسان:شعر : فدع هذا ولكن من لِطَيْف يؤرقني إذا ذهب العشاء تفسير : وسميت الوسوسة طيفاً، لأنها لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال. {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } بسبب التذكر، أي منتبهون. وقيل على بصيرة. وقرأ سعيد بن جبير "تَذَكَّرُواْ" بتشديد الذال. قال النحاس: ولا وجه له في العريبة. قوله: {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } قيل المعنى: وإخوان الشياطين، وهم الفجار من ضلال الإنس، على أن الضمير في إخوانهم يعود إلى الشيطان المذكور سابقاً، والمراد به الجنس. فجاز إرجاع ضمير الجمع إليه. {يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } أي: تمدّهم الشياطين في الغيّ، وتكون مدداً لهم. وسميت الفجار من الإنس إخوان الشياطين، لأنهم يقبلون منهم ويقتدون بهم. وقيل: إن المراد بالإخوان الشياطين، وبالضمير الفجار من الإنس، فيكون الخبر جارياً على من هو له. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير. والمعنى: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصراً ولا أنفسهم ينصرون} {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } لأن الكفار إخوان الشياطين، {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } الإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مدّ الكفار في الغيّ. قيل: إن {في الغيّ} متصلاً بقوله {يَمُدُّونَهُمْ } وقيل: بالإخوان. والغي: الجهل. قرأ نافع "يَمُدُّونَهُمْ" بضم حرف المضارعة وكسر الميم. وقرأ الباقون بفتح حرف المضارعة وضم الميم، وهما لغتان. يقال مدّ وأمد. قال مكي: ومدّ أكثر. وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة: فإنه يقال إذا كثر شيء شيئاً بنفسه مدّه. وإذا كثره بغيره، قيل: أمدّه نحو {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ } تفسير : [آل عمران: 125] وقيل: يقال: مددت في الشرّ وأمددت في الخير. وقرأ عاصم الجحدري "يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ". وقرأ عيسى بن عمر "ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ" بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. قوله: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـئَايَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا } اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه، أي جمعه، أي: هلا اجتمعتها افتعالاً لها من عند نفسك. وقيل: المعنى اختلقتها، يقال: اجتبيت الكلام: انتحلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك. كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تراخى الوحي هذه المقالة، فأمره الله بأن يجيب عليهم بقوله: {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحِى إِلَىَّ } أي: لست ممن يأتي بالآيات من قبل نفسه كما تزعمون بَلِ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحِى إِلَىَّ مّن رَّبّى، فما أوحاه إليّ وأنزله عليّ أبلغته إليكم. وبصائر جمع بصيرة، أي هذا القرآن المنزل عليّ هو {بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } يتبصر بها من قبلها. وقيل: البصائر الحجج والبراهين. وقال الزجاج: البصائر الطرق {وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } معطوف على بصائر أي هذا القرآن هو بصائر وهدى يهتدي به المؤمنون ورحمة لهم. قوله: {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته؛ لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح. قيل: هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام، ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقصر على سببه، فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة، وعلى أيّ صفة مما يجب على السامع. وقيل: هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن دون غيره، ولا وجه لذلك. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: تنالون الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه، ثم أمره الله سبحانه أن يذكره في نفسه. فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأدعى للقبول. قيل: المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها. وقال النحاس: لم يختلف في معنى {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } أنه الدعاء. وقيل هو خاص بالقرآن، أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر، و{تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } منتصبان على الحال، أي متضرعاً وخائفاً، والخيفة: الخوف، وأصلها خوفة قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وحكى الفراء أنه يقال في جمع خيفة خيف. قال الجوهري: والخيفة الخوف والجمع خيف، وأصله الواو: أي خوف. {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي: دون المجهور به من القول، وهو معطوف على ما قبله، أي متضرعاً وخائفاً، ومتكلماٍ بكلام هو دون الجهر من القول. و{بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } متعلق بـ {اذكر} أي أوقات الغدوات وأوقات الأصائل. والغدوّ: جمع غدوة، والآصال: جمع أُصيل، قاله الزجاج والأخفش، مثل يمين وأيمان. وقيل الآصال جمع أُصل، والأُصلُ جمع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع، قاله الفراء. قال الجوهري الأصيل الوقت من بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصل وآصال وأصائل، كأنه جمع أصيلة. قال الشاعر:شعر : لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفنائه بالأصائل تفسير : ويجمع أيضاً على أصلان مثل بعير وبعران. وقرأ أبو مجلز «والإيصال» وهو مصدر. وخصّ هذين الوقتين لشرفهما. والمراد: دوام الذكر لله. {وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } أي: عن ذكر الله {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } المراد بهم: الملائكة. قال القرطبي: بالإجماع. قال الزجاج: وقال {عند ربك} والله عزّ وجلّ بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته، وكل قريب من رحمة الله عزّ وجلّ فهو عنده. وقال غيره: لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله. وقيل: إنهم رسل الله، كما يقال عند الخليفة جيش كثير. وقيل: هذا على جهة التشريف والتكريم لهم، ومعنى: {يسبحونه} يعظمونه وينزهونه عن كل شين {وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } أي: يخصونه بعبادة السجود التي هي أشرف عبادة. وقيل المراد بالسجود: الخضوع والذلة. وفي ذكر الملأ الأعلى تعريض لبني آدم. وقد أخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والنحاس في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن عبد الله بن الزبير، في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } الآية، قال: ما نزلت هذه الآية إلا في اختلاف الناس. وفي لفظه: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عمر في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي، قال: لما أنزل الله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما هذا يا جبريل؟ قال: لاأدري حتى أسأل العالم، فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك"تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن جابر، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن قيس بن سعد بن عبادة، قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال:"حديث : والله لأمثلنّ بسبعين منهم"تفسير : ، فجاه جبريل بهذه الآية. وأخرج ابن مردويه، عن عائشة، في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } ما عفا لك من مكارم الأخلاق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } قال: خذ ما عفا من أموالهم ما أتوك به من شيء فخذه. وهذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقة وتفصيلها. وأخرج ابن جرير، والنحاس، في ناسخه، عن السديّ في الآية قال: الفضل من المال نسخته الزكاة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد، قال: لما نزلت {خُذِ ٱلْعَفْوَ } الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف بالغضب ياربّ؟ فنزل {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ }»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ } قال هم المؤمنون. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: "إِذَا مَسَّهُمْ طيف مِنَ ٱلشَّيْطَـٰن" قال: الغضب. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الطيف: الغضب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {تَذَكَّرُواْ } قال: إذا زلوا تابوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال الطائف: اللمة من الشيطان {تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } يقول: فإذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان {وَإِخْوٰنِهِمْ } قال: إخوان الشياطين: {يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } قال: لا الإنس يمسكون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـئَايَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} يقول: لولا أحدثتها، لولا تلقيتها فأنشأتها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عنه {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } قال: هم الجنّ يوحون إلى أوليائهم من الإنس {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } يقول: لا يسأمون {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـئَايَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا } يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي هريرة، في قوله: {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ } الآية قال: نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن ابن عباس، في الآية قال: يعني في الصلاة المفروضة. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي، عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ خلفه قوم فخلطوا، فنزلت: {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ } الآية، فهذه في المكتوبة. قال: وإن كنا لم نستمع لمن يقرأ بالأخفى من الجهر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله بن مغفل نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن ابن مسعود، نحوه أيضاً. وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام. وأخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن، في الآية قال: عند الصلاة المكتوبة، وعند الذكر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في الآية قال: في الصلاة وحين ينزل الوحي. وأخرج البيهقي عنه في الآية أنه قال: هذا في الصلاة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } الآية قال: أمره الله أن يذكره، ونهاه عن الغفلة، أما بالغدوّ فصلاة الصبح، والآصال بالعشي. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر. قال: الآصال ما بين الظهر والعصر. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في الآية قال: لا تجهر بذاك {بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ } بالبكر والعشيّ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد {بِٱلْغُدُوّ } قال: آخر الفجر صلاة الصبح. والآصال آخر العشي صلاة العصر. والأحاديث والآثار عن الصحابة في سجود التلاوة، وعدد المواضع التي يسجد فيها، وكيفية السجود، وما يقال فيه مستوفاة في كتب الحديث والفقه، فلا نطوّل بإيراد ذلك هاهنا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {خُذِ الْعَفْوَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: العفو من أخلاق الناس وأعمالهم، قاله ابن الزبير، والحسن، ومجاهد. الثاني: خذ العفو من أموال المسلمين، وهذا قبل فرض الزكاة ثم نسخ بها، قاله الضحاك والسدي وأحد قولي ابن عباس. والثالث: خذ العفو من المشركين، وهذا قبل فرض الجهاد، قاله ابن زيد. {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} فيه قولان: أحدهما: معناه بالمعروف، قاله عروة وقتادة. والثاني: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل حين نزلت عليه هذه الآية {خُذِ الْعَفْوَ وَأَْمُرْ بِالْعُرْفِ}: "حديث : يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ تفسير : قال: لا أدري أسأل العالم، قال: "حديث : ثُمَّ عَادَ جِبْرِيلُ فَقَالَ"تفسير : : "يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك" قاله ابن زيد. {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} فإن قيل فكيف أمر بالإعراض مع وجوب الإنكار عليهم؟ قيل: إنما أراد الإعراض عن السفهاء استهانة بهم. وهذا وإن كان خطاباً لنبيِّه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه. قوله عز وجل: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النزغ الانزعاج. والثاني: الغضب. والثالث: الفتنة، قاله مقاتل. {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع بجهل من جهل، عليم بما يزيل عنك النزغ.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْعَفْوَ} من أخلاق الناس وأعمالهم، أو من أموال المسلمين، ثم نسخ بالزكاة، أو العفو عن المشركين ثم نسخ بالجهاد {بِالْعُرْفِ} بالمعروف، أو حديث : لما نزلت قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل ما هذا؟" قال: لا أدري حتى أسأل العالِم، ثم عاد فقال: يا محمد إن الله ـ تعالى ـ يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك .
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {طيف} بسكون الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي. الباقون: {طائف} على وزن "فاعل" {يمدونهم} من الإمداد: أبو جعفر ونافع. الآخرون: بفتح الياء وضم الميم من المد {العفو وأمر} مدغماً: أبو عمرو. وقرىء بغير همز حيث كان: يزيد والشموني وحمزة في الوقف. الوقوف: {الجاهلين} ه {بالله} ط {عليم} ه {مبصرون} ه ج لأن قوله {وإخوانهم} مبتدأ إلا أن المعنى يقتضي الوصل لبيان اختلاف حالي الفريقين {لا يقصرون} ه {اجتبيتها} ط {من ربي} ج لاختلاف الجملتين بلا عطف مع اتحاد المقول {يؤمنون} ه {ترحمون} ه {من الغافلين} ه {يسجدون} ه. التفسير: لما ذكر فساد طريقة عبدة الأصنام وبين النهج القويم والصراط المستقيم أرشد إلى مكارم الأخلاق والعفو الفضل وكل ما أتى من غير كلفة. واعلم أن الحقوق التي تستوفى من الناس إما أن يجوز إدخال المساهلة فيها وهو المراد بقوله {خذ العفو} ويدخل فيه التخلق مع الناس بالخلق الحسن وترك الغلظة والفظاظة، ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف كما قال في حق نبيه صلى الله عليه وسلم{أية : فبما رحمة من الله لنت لهم}تفسير : [آل عمران: 159] وإما أن لا يجوز دخول المسامحة فيها وذلك قوله {وأمر بالعرف} وهو والمعروف. والعارفة كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ويكون وجوده خيراً من عدمه، فلو اقتصر في هذا القسم على الأخذ بالعفو ولم يبذل في ذلك وسعه كان راضياً بتغيير الدين وإبطال الحق. ثم أمر بالمعروف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا قال {وأعرض عن الجاهلين} قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا جبرائيل ما هذا؟ فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمد إن ربك أمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمكتفسير : . قال أهل العلم: تفسير جبرائيل مطابق للفظ الآية فإنك إذا وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإذا أعطيت من حرمك فقد أمرت بالمعروف، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهل. يروى عن جعفر الصادق رضي الله عنه: ليس في القرآن العزيز آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ولبعض المفسرين في تفسير الآية طريق آخر قالوا {خذ العفو} أي ما أتوك به عفواً فخذه ولا تسأل ما وراء ذلك فنسخت بآية الزكاة {وأمر بالعرف} أي بإظهار الدين الحق وهذا غير منسوخ {وأعرض عن الجاهلين} أي المشركين وهذا منسوخة بآية القتال. والحق أن تخصيص أخذ العفو بالمال تقييماً للمطلق من غير دليل، ولو سلم فإيجاب الزكاة بالمقادير المخصوصة لا ينافي ذلك لأن آخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم أموال الناس وأن لا يشدد الآمر على المزكي. وأيضاً لا يمتنع أن يؤمر النبي بأن لا يقابل سفاهة المشركين بمثلها ولكن يقاتلهم، وإذا كان الجمع بين الأمرين ممكناً فلا حاجة إلى التزام النسخ. قال أبو زيد: لما نزل قوله {وأعرض عن الجاهلين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يا رب والغضب؟ فنزل {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} أي غرز ونخس جعل النزغ نازغاً كما قيل: جدّ جدّه. عن أبي زيد: نزغت ما بين القوم أي أفسدت ما بينهم وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر، وأكثر ما يكون ذلك عند الغضب. ونزغ الشيطان وسوسته في القلب بما يسوّل للإنسان من المعاصي وعلاجه ودفعه إنما يكون بالاستعاذة وهي الاستخلاص عن حول الإنسان وقوته إلى حول الرحمن وقوته والإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أوامر الشرع عن معاذ بن جبل قال: استبَّ رجلان عند النبي حتى عرف الغضب في وجه أحدهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب غضبه أعوذ بالله من الشيطان الرجيمتفسير : . قال بعض الطاعنين في عصمة الأنبياء: لو لم يجز على النبي الإقبال على وسوسة الشيطان لم يأمر بالاستعاذة. والجواب أن كلمة "إن" لا تفيد وقوع الشرط، ولو سلم فمن أين علم أنه صلى الله عليه وسلم قبل تلك الوسوسة منه؟ ولو سلم فمحمول على ترك الأولى. ثم ختم الآية بقوله {إنه سميع عليم} ليعرف أن القول اللساني بدون المعارف الحقيقية عديم الفائدة وكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، وأحضر معنى الاستعاذة في ضميرك فإني عليم. ثم بين أن حال المتقين قد تزيد على حال النبي في باب وسوسة إبليس فإن النبي لا يكون له إلا النزع الذي هو كابتداء الوسوسة، وأما المتقون فقد يمسهم الشيطان وذلك قوله {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف} قال الفراء: الطائف كالخاطر وجوز بعضهم أن يكون مصدراً كالعاقبة ولكنه بلا تاء. والأصح أنه اسم فاعل من طاف يطوف أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً. ومن قرأ طيف فهو إما مصدر أي لمسة من الشيطان، وإما مخفف طيف "فيعل" من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين. قال في الكشاف: وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته. ومفعول {تذكروا} محذوف أي تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد. واعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً وفي المغضوب عليه كونه عاجزاً هذا إذا كان واقفاً على ظلمات عالم الأجسام فيغتر بظواهر الأمور، أما إذا انكشف له نور من عالم العقل عرف أن المغضوب عليه إنما أقدم على ذلك العمل لأن الله تعالى خلق فيه داعية جازمة وقد علم منه تلك الحالة في الأزل، ومتى كان كذلك فلا سبيل إلى تركها فحينئذ يفتر غضبه كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب" تفسير : وأيضاً إنه كم أساء في العمل وقد تجاوز عنه وإن الله أقدر عليه وإنه إذا أمضى الغضب كان شريكاً للسباع المؤذية، وإذا اختار العفو كان مضاهياً للأنبياء والأولياء مستأهلاً للثواب الجزيل، وإنه ربما انقلب الضعيف قوياً. وبالجملة فالمراد من قوله تعالى {إذا مسهم طائف من الشيطان} ما ذكرنا من الاعتقادات، والمراد من قوله {تذكروا} الأمور تفيد ضعف تلك الاعتقادات، أما قوله {وإخوانهم} فالضمير فيه يرجع إلى الشيطان، وجمع لأن المراد به الجنس كقوله{أية : أولياؤهم الطاغوت}تفسير : [البقرة: 257] والضمير المرفوع في {يمدون} يرجع إلى الأخوان لأن شياطين الإنس يعضدون شياطين الجن على الإغواء والإضلال، أو إلى الشياطين فيكون الخبر جارياً على غير من هو له. والمعنى وإخوان الشياطين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم أي يكونون مدداً لهم في الغي. وجوّز أن يراد بالإخوان الشياطين والضمير المجرور يعود إلى الجاهلين فيكون الخبر جارياً على ما هو له. قال في الكشاف: والأوّل أوجه لأن {إخوانهم} في مقابلة {الذين اتقوا} قال الواحدي: عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على "أفعلت" كقوله{أية : إنما نمدهم به من مال}تفسير : [المؤمنون: 55] {أية : وأمددناهم بفاكهة}تفسير : [الطور: 22]{أية : أتمدونن بمال}تفسير : [النمل: 36] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال{أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : [البقرة: 15] فالوجه ههنا قراءة العامة ووجه الضم الاستهزاء والتهكم نحو{أية : فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران: 21] أما قوله {ثم لا يقصرون} فالإقصار الكف عن الشيء. قال ابن عباس: أي لا يمسك الغاوي عن الضلال والمغوي عن الإضلال، ومعنى "ثم" تبعيد عدم الإقصار عن المدد فإنه يجب على العاقل إذا أقبل علي غي أن يمسك عنه سريعاً أن يتمادى فيه وينهمك ولهذا قيل: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل. ثم ذكر نوعاً واحداً من إغوائهم فقال {وإذا لم تأتهم} بآية وذلك أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت كقولهم {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] ثم إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأتيهم بها فعند ذلك {قالوا لولا اجتبيتها} يقال اجتبى الشيء بمعنى جباه لنفسه أي جمعه، وجبى إليه فاجتباه أي أخذه، والمعنى هلا افتعلتها وجئت بها من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون إن هذا إلا إفك مفترى وكانوا ينسبونه إلى السحر. والمراد هلا أخذتها واقترحتها على إلهك ومعبودك إن كنت صادقاً في أن الله يجيب دعاءك ويسعف باقتراحك؟ وعند هذا أمر رسوله أن يذكر في الجواب {إنما أتبع ما يوحىٰ إليَّ من ربي} ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها. ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها ألا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة قاهرة كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من التعنت فقال {هذا} يعني القرآن {بصائر} إطلاق لاسم المسبب على السبب، وذلك أن فيه حججاً بينة تفيد القلوب بصيرة وكشفاً {هدى} للمستدلين الواصلين بالنظر والاستدلال إلى درجة العرفان. فالبصائر لأصحاب عين اليقين، والهدى لأرباب علم اليقين، والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين، والجميع {لقوم يؤمنون} ولما عظم شأن القرآن بتلك الأوصاف علم المكلفين أدباً حسناً في بابه فقال {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} والإنصات السكوت للاستماع. قال العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة وهو قول الحسن وأهل الظاهر. وعن أبي هريرة كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت. وقال قتادة. كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة لحوائجهم فنزلت. ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن. وقيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه صلى الله عليه وسلم فنزلت. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وجماعة: نزلت في الإنصات عند الخطبة يوم الجمعة، وزيف بأن اللفظ عام فكيف يجوز قصره على قراءة القرآن في الخطبة أو على الخطبة نفسها بناء على أنها قد تسمى قرآناً لاشتمالها عليه. وأجيب بأن كلمة "إذا" لا تفيد العموم بدليل أنه إذا قال لزوجته إذا دخلت الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق مرة ثانية بدخول الدار مرة أخرى، وبدليل أن الشافعي أوجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة، ورد بأن المأموم إنما يقرأ الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة: للإمام سكتتان فاغتنم القراءة في أيهما شئت يعني سكتة بين التكبير إلى أن يقرأ، وأخرى بين القراءة إلى أن يركع. واعترض بأن سكوت الإمام واجب أم لا. والأول باطل بالإجماع، وعلى الثاني يجوز أن لا يسكت وحينئذ يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام فيفضي إلى ترك الاستماع. وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود والمئمومون مختلفون ببطء القراءة وسرعتها، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام فيلزم المحذور المذكور. وأيضاً الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم وذلك غير جائز. قال الواحدي: الإنصات هو ترك الجهر عند العرب وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً. وأورد عليه أن غاية توجيهه هو أن الإنصات مع قراءة الإمام ممكن لكن إمكان حصول الاستماع مع قراءته ممنوع، فإن الاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، ولعل الإنصاف أن الاستماع على تقدير الإنصات المفسر ممكن أي يحصل مع قراءة الإمام. هذا وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوّزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وذلك ههنا قوله صلى الله عليه وآله:"حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"تفسير : وذهب الإمام مالك وهو القول القديم للشافعي: إنه لا يجوز للمأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية عملاً بمقتضى هذا النص ويجب عليه القراءة في الصلاة السرية لأن الآية دلالة لها على هذه الحالة. وفي الآية تفسير آخر وهو أن الخطاب في الآية مع الكفار وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على مبانيه ومعانيه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك على طلب سائر المعجزات، ومما يؤكد هذا التفسر قوله في آخر الآية {لعلكم ترحمون} والترجي إنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله {ورحمة لقوم يؤمنون} ويمكن أن يجاب بأن الأطماع من الكريم واجب فلم يبق إلا الفرق. وقيل: المراد باستماع القرآن العمل بما فيه. ثم أمر نبيه وأمته تبعيته صلى الله عليه وسلم بالذكر العام - قرآناً كان أو غيره - على سبيل الدوام، وذلك أن استماع القرآن كان الذكر الخفي فقال {واذكر ربك في نفسك} وفي الآية قيود: الأوّل: تخصيصه اسم الرب دون الإله وغيره تنبيهاً على أن سبب الذكر هو التربية والإنعام وليدل على الطمع والرجاء. والثاني: ذكر الرب في النفس ليكون أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء. قيل: ذكره في النفس هو أن يكون عارفاً بمعاني الأسماء التي يذكرها بلسانه. قال بعض المتكلمين: الذكر النفساني هو الكلام النفسي الذي يثبته الأشاعرة. الثالث والرابع: {تضرعاً وخيفة} أي متضرعاً وخائفاً، فالتضرع لإظهار ذلة العبودية. والخوف إما خوف العقاب فهو مقام المذنبين، وإما خوف الجلال وهو مقام العارفين فإذا كوشفوا بالجمال عاشوا وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، وأما خوف الخاتمة بل خوف السابقة فإنها علة الخاتمة. الخامس: قوله {ودون الجهر من القول} والمراد أن يقع ذلك الذكر متوسطاً بين الجهر والإخفاء. قال ابن عباس: هو أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه وإنما أخر هذا عن الذكر القلبي لأن الخيال يتأثر من الذكر القلبي فيوجب قوة في النفس ولا يزال يتزايد في ذلك إلى أن يجري الذكر على لسانه بل يسري في جميع أعضائه وجوارحه وأركانه سرياناً معتدلاً خالياً عن التكلف بريئاً من التعسف. السادس: قوله {بالغدو والآصال} والغدوّ مصدر غدا يغدو والمراد وقت الغدو كما يقال دنا الصباح أي وقته. وقيل: إنه جمع غدوة وأما الآصال فإنها جمع الأصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب. وقد يقال: اشتقاقه من الأصل واليوم بليلته. إنما يبتديء في الشرع من أول الليل فسمي آخر النهار أصيلاً لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني. وخص هذان الوقتان بالذكر لأن الغدو عندما ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الآصال الأمر بالضد وهدان النوعان من التغير العجيب دليلان قاهران باهران على وجود صانع قدير وحكيم خبير فوجب أن يكون المكلف فيهما مشتغلاً بالذكر والحضور، ويمكن أن يكون المراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان. السابع: قوله {ولا تكن من الغافلين} وفيه إشارة إلى أن الذكر القلبي يجب أن يداوم عليه ولا يزال الإنسان يستحضر جلال الله وكبرياءه بحسب الطاقة البشرية ليتنور جوهر النفس ويستعد لقبول الإشراقات القدسية فيضاهي سكان حظائر الجبروت مدحهم الله بقوله {إن الذين عند ربك} ومعنى عند دنو الشرف والقرب من عنايته وألطافه {لا يستكبرون عن عبادته} فيداومون على ذلك {ويسبحونه} يبرئونه وينزهونه عن كل سوء وهذا يرجع إلى المعارف والعلوم {وله يسجدون} بحضرته بغاية الخضوع والاستكانة، وهذا يعود إلى أعمال الجوارح. وفي هذا الترتيب دليل على أن الأصل في الطاعة والعبودية أعمال القلوب ويتفرع عليه أعمال الجوارح. والمقصود من الآية أن الملائكة مع غاية طهارتهم ونهاية عصمتهم وبراءتهم عن بواعث الشهوة والحسد والغضب ودواعي الحقد والحسد يواظبون على العبودية والطاعة، فالإنسان مع كونه مبتلى بظلمات عالم الطبيعة وكدورات الزلات البشرية أولى بأن يداوم على ذكر معبوده، وينجذب ما أمكن إلى العالم العقلي ومقره الأصلي ويصفي مرآة قلبه عن أصداء الهواجس وينتقش بالجلايا القدسية والمعارف الحقية والله وليّ التوفيق. التأويل: {وأمر بالعرف} وهو طلب الحق لأنه معروف العارفين {وأعرض عن الجاهلين} الذين يطلبون غير الله {من الشيطان نزغ} في طلب غير الله {فاستعذ بالله} من طلب غير الله {إن الذين اتقوا} هم أرباب القلوب فإن التقوى من شأن القلب كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : التقوى ههنا" تفسير : وأشار إلى صدره. {طائف من الشيطان} نزغ من العمل الشيطاني يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيذكره أنه يفسده ويكدر صفاءه فيجتنبه {وإخوانهم} يعني إخوان القلوب وهم النفوس الأمارة {وإذا لم تأتهم} أي لم تأت القلوب {بآية} من الله لتعجز النفوس عن تكذيبها {قالوا} أي النفوس للقلب لولا اختلقتها من خاصية قلبيتك لتزكية النفوس {قل إنما أتبع} إلهام الحق فلا أقدر على تزكية النفوس إلا بقوة الإلهام الرباني. {فاستمعوا} بآذانكم الظاهرة {وأنصتوا} بألسنتكم الباطنة {لعلكم ترحمون} بالاستماع بالسمع الحقيقي وذلك قوله: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر"تفسير : فمن سمع القرآن من بارئه فقد سمع من قارئه وهذا سر الرحمن علم القرآن فهو المستعد لخطاب {واذكر ربك في نفسك} بأن تبدل أخلاقها الله {تضرعاً} في البداية وهو من باب التكلف {وخيفة} في الوسط {ودون الجهر من القول} في النهاية وهو مقام الفناء فإن إفشاء سر الربوبية كفر في غدوّ الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر والذكر والمذكور هو الله ولهذا قال في الأزل{أية : فاذكروني أذكركم}تفسير : [البقرة: 152] ومن هنا قال يوسف بن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله {ولا تكوننَّ من الغافلين} والذين لا يعلمون أن الذاكر والذكر والمذكور هو الله {إن الذين عند ربك} وهم الذين بقوا ببقاء الله {لا يستكبرون عن عبادته} لأنهم أفنوا أخلاقهم في أخلاقه {يسبحونه} ينزهونه عن الحلول والاتصال والاتحاد {وله يسجدون} في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد منه المبدأ وإليه المنتهى.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ...} الآية: وصيَّةٌ من اللَّه سبحانه لنبيِّه عليه السلام تعمُّ جميع أمته، وأَخْذٌ بجميع مكَارِم الأخلاقِ. قال الجمهور: معنى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ } ٱقْبَلْ من الناس في أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما أتى عَفْواً، دون تكلُّف، فالعَفْوُ هنا: الفَضْل والصفو، قال مكِّيٌّ؛ قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ...} الآية. قال بعض أهْل المعاني، في هذه الآية بيانُ قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « أُوتِيتُ جَوَامِعَ الكَلَمِ»؛ فهذه الآية قد جَمَعَتْ مَعَانِ كثيرةً، وفوائدَ عظيمةً، وجمعتْ كلَّ خُلُقٍ حَسَن؛ لأَنَّ في أخذ العَفْوِ صلَةُ القاطعينِ، والصفْحَ عن الظالِمينَ، وإِعطاءَ المانعين، وفي الأَمر بالمعروف تَقْوَى اللَّه وطاعته، وصِلة الرحِمِ، وصَوْن الجوارحِ عن المحرِّمات، وسمَّي هذا ونحوه عُرْفاً؛ لأن كلَّ نَفْس تعرفه، وتركَنُ إِليه، وفي الإِعراض عن الجاهلين: الصبرُ، والحِلْم، وتنزيهُ النفْس عن مخاطبةِ السفيه، ومنازعةِ اللَّجوج، وغيرُ ذلك من الأفعال المرضية. انتهى من «الهداية». وقوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}: معناه: بكلِّ ما عرفَتْه النفوسُ ممَّا لا تردُّه الشريعة؛ ومِنْ ذلك: « أَنْ تُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنَ ظَلَمَكَ... » الحديث، فالعُرْفُ بمعنى المعروف. وقوله عز وجل: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }، هذه الآية وصِيَّة من اللَّه سبحانه لنبيِّه صلى الله عليه وسلم تعمُّ أمته رجُلاً رجلاً، والنَّزْغ: حركةٌ فيها فسادٌ قلَّما تستعملُ إِلا في فَعْلِ الشيطان؛ لأن حركته مسرِعَةٌ مفسدة؛ ومنه قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لاَ يُشِرْ أَحَدُكُمْ عَلَى أخِيهِ بالسِّلاَح؛ لاَ يَنْزَغِ الشَّيْطَانُ في يَدِهِ »تفسير : ، فالمعنى في هذه الآية: فإِمَّا تَلُمَّنَّ بك لَمَّةٌ من الشيطان، فٱستعذْ باللَّه، وعبارة البخاريِّ: يَنْزَغَنَّكَ: يستَخِفَنَّكَ. انتهى. وَنَزْغُ الشيطان عامٌّ في الغَضَبِ، وتحسينِ المعاصِي، واكتساب الغوائل، وغير ذلك وفي «جامع الترمذيِّ» عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: « حديث : إِن لِلْمَلَكِ لَمَّةً، وللشَّيْطَانِ لَمَّةً.... » تفسير : الحديث. قال * ع *: عن هاتين اللَّمّتَيْنِ: هي الخواطِرُ من الخير والشر، فالآخِذُ بالواجبِ يلقى لَمَّةَ المَلَك بِٱلامتثالِ وٱلاستدامةِ، وَلَمَّةَ الشيطانِ بالرفْضِ وٱلاستعاذةِ، وٱستعاذ: معناه: طَلَب أَنْ يُعَاذَ، وعَاذَ: معناه: لاذ، وٱنضَوَى، وٱسْتَجَارَ. قال الفَخْر: قال ابنُ زيد: "حديث : لما نَزَل قوله تعالى: {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « كَيْفَ يَا رَبِّ، والغَضَبُ؟ فَنَزَل قولُه: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ}»"تفسير : ، وقوله: {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يدلُّ علَى أن ٱلاستعاذَة لا تفيدُ إِلاَّ إِذا حضر في القَلْبِ العِلْمُ بمعنى ٱلاستعاذة، فكأنه تعالَى قال: ٱذكُرْ لَفْظَ ٱلاستعاذةِ بلسانك؛ فإن سميعٌ، وٱسْتَحْضِرْ معاني ٱلاستعاذة بِعَقْلِكَ وقَلْبِك؛ فإِني عَليمٌ بما في ضَمِيركَ، وفي الحقيقة: القوْلُ اللسانيُّ دون المعارفِ العقليَّة، عديمُ الفائدة والأثر. انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: "خُذِ العَفْوَ". قال عبدُ الله بنُ الزُّبير: أمر اللَّهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بأخذ العفو من أخلاق النَّاسِ. قال مجاهدٌ: يعني خذ العفو من أخلاق النَّاسِ وأعمالهم من غير تَجَسُّسٍ وذلك مثل قبول الاعتذار، والعفو المتساهل، وترك البَحْثِ عن الأشياء ونحو ذلك. حديث : روي أنَّهُ لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما هذا؟ قال: لا أدْرِي حتى أسْألَ ثم رجع فقال: "إنَّ اللَّهَ يأمر أنَّ تصلَ مَنْ قطعك، وتُعْطي مَنْ حَرَمكَ، وتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمكَ" . تفسير : قال العلماءُ: تفسيرُ جبريل - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - مطابق للفظ الآية؛ لأنَّك إن وصلت من قطعك فقد عفوت عنه، وإن أعطيت من حرمك فقد أتيت بالمعروف، وإذا عفوت عمَّن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين. وقال ابنُ عباَّسٍ، والسديُّ، والضحاك، والكلبيُّ: المعنى خُذ ما عفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال، وذلك معنى قوله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ}تفسير : [البقرة: 219] ثم نسخت هذه الآية بالصَّدقات المفروضات. قوله: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}، أي: بالمعروف، وهو كلُّ ما يعرفه الشَّرع، وقال عطاءٌ: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} بلا إله إلا الله "وأعرض عن الجاهلين" يعني أبا جهل وأصحابه، نسختها آية السَّيْفِ، وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل، فلا تقابله بالسَّفهِ كقوله: {أية : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً}تفسير : [الفرقان: 63]. قال جعفرُ الصَّادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاقِ من هذه الآية. فصل اعلم أنَّ تَخْصِيصَهُمْ قوله: "خُذِ العَفْوَ" بما ذكروه من أخذ الفضل تقييد للمطلق من غير دليل، وأيضاً إذا حملناه على أداء الزَّكَاةِ كالمقادير المخصوصة مُنافياً لذلك؛ لأنَّ أخذ الزكاة مأمور بأن لا يأخذ كرائم الأموال ولا يشدد الأمر على المزكي، فلم يك إيجاب الزَّكاةِ ناسخاً لهذه الآية. وأمَّا قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} فالمقصودُ منه أمر الرَّسُول بأن يصبر على سوء أخلاقهم، وأن لا يقابل أقوالهم الركيكة وأفعالهم الخسيسة بأمثالها وليس فيه دلالة على المنع من القتالِ؛ لأنَّهُ لا يمتنع أن يؤمر عليه الصَّلاة والسَّلام بالإعراض عن الجاهلين مع الأمر بقتال المشركين فإنَّهُ لا تناقض بأن يقول الشَّارعُ لا تُقابلْ سفاهتهم بمثلها ولكن قاتلهم، وإذا أمكن الجمع بين الأمرين؛ فلا حاجة إلى التزامِ النَّسْخٍ. قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} الآية. قال: عبدُ الرحم بن زيد: لما نزل قوله: "خُذِ العَفْوَ" الآية: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كيف يا رب بالغضب؟ فنزل قوله: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} الآية والنَّزْغُ: أدنى حركة تكونُ، قاله الزَّجَّاجُ، ومن الشَّيطان أدنى وسوسة وقال عبد الرحمن بن زيد لما نزلت: قوله وأكثر ما يُسْند للشيطان؛ لأنه أسرعُ في ذلك وقيل النَّزْغُ الدخول في أمر لإفساده. وقال الزمخشري: والنَّزغُ والنِّسْغُ: الغَرْزُ والنَّخْسُ، وجعل النزغ نازغاً كما قيل "جَدَّ جَدُّه" يعني: قصد بذلك المبالغة. وقيل: النَّزغ: الإزعاجُ، وأكثرُ ما يكون عند الغضب وأصله الانزعاج بالحركة إلى الشَّرِّ، وتقريره: أنَّ الآمر بالمعروف إذا أمر بما يهيج السفيه ويظهر السَّفاهة فعند ذلك أمره اللَّه بالسكوت عن مقابلته فقال: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} ثُمَّ أمره الله تعالى بما يجري مجرى العلاجِ بهذا المرض إن حدث فقال: "فاستَعِذْ باللَّهِ" وهذا الخطابُ وإن كان للرَّسُول إلاَّ أنه عام لجميع المكلفين. وقد تقدَّم الكلامُ في الاستعاذة؛ وقوله: {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يدلُّ على أنَّ الاستعاذة باللِّسانِ لا تفيدُ إلاَّ إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنَّه تعالى يقول: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معنى الاستعاذة بقلبك، وعقلك فإني عليمٌ بما في ضميرك. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ} الآية. بيَّن تعالى في هذه الآية أنَّ حال المُتَّقينَ يزيدُ على حال الرسُول في هذا الباب؛ لأنَّ الرسول لا يحصل له من الشَّيطان إلاَّ النزغ الذي هو كالابتداءِ في الوسوسةِ، وجوز على المتقين ما يزيدُ عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطانِ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائيُّ: طَيْفٌ، والباقون طائفٌ بزنة فاعل. فأما طَيْفٌ ففيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّهُ مصدر من: طَافَ يَطِيفُ كـ: بَاعَ يَبِيعُ وأنشد أبو عبيدة: [الكامل] شعر : 2660 - أنَّى ألمَّ بِكَ الخيالُ يَطِيفُ ومطَافُهُ لَكَ ذُكْرَةٌ وشُغُوفُ تفسير : والثاني: أنَّهُ مُخففٌ من فَيْعِل والأصل: طَيِّف بتشديد الياءِ فحذف عين الكلمة، كقولهم في: مَيِّت مَيْت، وفي: لَيِّن لَيْن، وفي: هَيِّن هَيْن. ثم "طَيِّف" الذي هو الأصل يَحْتَمِلُ أن يكون من: طافَ يطيف، أو من: طَافَ يَطُوفُ والأصل: طَيْوِف فقلب وأدغم. وهذا قول ابن الأنباري ويشهد لقول ابن الأنباري قراءةُ سعيد بن جبير طيف بتشديد الياء. والثالث: أنَّ أصله طَوْف من طاف يَطُوفُ، فقلبت الواو ياءً. قال أبُو البقاءِ قلبت الواو ياءً وإن كانت ساكنة كما قلبت في أيْد وهو بعيدٌ. قال شهابُ الدينِ: وقد قالُوا أيضاً في: حَوْل حَيْل، ولكن هذا من الشُّذُوذِ بحيث لا يقاس عليه. وقوله: وإن كانت ساكنة ليس هذا مقتضياً لمنع قلبها ياء، بل كان ينبغي أن يقال: وإن كان ما قبلها غير مكسورٍ. وأمَّا طائفٌ فاسمُ فاعل يحتمل أن يكون من: طاف يطُوف، فيكون كـ: قائم وقائلٍ. وأن يكون من: طاف يطيفُ، فيكون كـ: بَائعٍ ومائل وزعم بعضهم أنَّ: طَيْفاً وطَائِفاً بمعنى واحد ويُعْزَى للفرَّاءِ، فيحتمل أن يَرُدَّ طائفاً لـ: طَيْف فيجعلهما مصدرين، وقد جاء فاعل مصدراً، كقولهم: أقائماً وقد قعد النَّاسُ، وأن يَرُدَّ طَيْفاً لـ: طائف أي: فيجعله وصْفاً على فَعْل. وقال الفارسي: الطَّيْف كالخَطْرة، والطَّائف كالخَاطر ففرَّق بينهما، وقال الكسائيُّ الطَّيف: اللَّمَم، والطَّائف: ما طاف حول الإنسان. قال ابنُ عطيَّة: وكيف هذا؛ وقد قال الأعشى: [الطويل] شعر : 2661 - وتُصْبِحُ مِنْ غِبِّ السُّرَى وكأنَّهَا ألمَّ بهَا من طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ تفسير : ولا أدري ما تَعَجُّبُه؟ وكأنه أخذ قوله ما طاف حول الإنسان مقيَّداً بالإنسان وهذا قد جعله طائفاً بالنَّاقة، وهي سَقْطة؛ لأنَّ الكسائيَّ إنَّما قاله اتفاقاً لا تقييداً. وقال أبُو زيدٍ الأنصاريُّ: طَافَ: أقبل وأدبر، يَطُوف طَوْفاً، وطَوَافاً، وأطاف يُطِيفُ إطَافةً: استدار القومُ من نواحيهم، وطافَ الخيالُ: أمَّ يطيف طَيْفاً. فقد فرَّق بين ذي الواو، وذي الياء، فخصَّص كلَّ مادة بمعنى، وفرَّق أيضاً بين فَعَل وأفْعَل كما رأيت. وزعم السُّهَيْليُّ: أنه لا يُسْتَعمل من طاف الخيالُ اسم فاعل، قال: "لأنَّهُ تَخَيُّلٌ لا حقيقة له" قال: فأما قوله تعالى: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القلم: 19] فلا يقالُ فيه "طَيف"؛ لأنه اسم فاعل حقيقة؛ وقال حسان: [السريع] شعر : 2662 - جنَّيَّةٌ أرَّقَنِي طَيْفُهَا يَذهَبُ صُبْحاً ويُرى في المنَامْ تفسير : وقال السديُّ: الطَّيْفُ الجنون، والطائِفُ: الغضب، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هو بمعنى واحد، وهو النَّزغُ. فصل قال المفسرون: الطَّيفُ اللمة والوسوسة. وقيل: الطَّائِفُ ما طافَ به من سوسة الشيطان، والطيف اللمم والمسُّ وقال سعيدُ بن جبير: هو الرَّجلُ يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى، فيكظم الغيظ. وقال مجاهدٌ: هو الرَّجلُ يهم بالذنبِ، فيذكر اللَّهَ تعالى فيدعه. {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} هذه "إذَا" الفُجائيَّة كقولك: خرجتُ فإذا زيد، والمعنى: يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتَّفكر، وقال السديُّ: إذا زلوا تابُوا وقال مقاتلٌ: إنَّ المتقي إذا مسه نزع من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية فأبصر فنزع عن مخالفة الله. واعلم أنَّ إذَا في قوله: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ} تستدعي جزاءً. قوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ}. في هذه الآيةِ أوجهٌ: أحدها: أنَّ الضمير في: "إخوانهم" يعودُ على الشَّياطين لدلالةِ لفظ الشيطانِ عليهم، أو على الشَّيطان نفسه؛ لأنَّهُ لا يُراد به الواحدُ، بل الجِنْسُ. والضميرُ المنصوبُ في يَمُدُّونهُم يعودُ على الكُفَّارِ، والمرفوعُ يعود على الشياطين أو الشيطان كما تقدَّم، والتقديرُ: وإخوان الشياطين يمدُّهم الشيطان، وعلى هذا الوجه فالخبرُ جارٍ على غير من هو له في المعنى، ألا ترى أنَّ الإمداد مسند إلى الشياطين في المعنى وهو في اللفظ خبر عن إخوانهم ومثله: [البسيط] شعر : 2663 - قَوْمٌ إذا الخَيْلُ جَالُوا في كَواثبِهَا .......................... تفسير : وقد تقدم البحث في هذا مع مكي وغيره من حيث جريانُ الفعل على غير من هو له، ولم يَبْرُزْ ضمير. وهذا التأويلُ الذي ذكرناهُ: هو قول الجمهور وعليه عامة المفسِّرين. قال الزمخشريُّ: هو أوجهُ؛ لأنَّ إخوانهم في مقابلة: "الَّذينَ اتَّقَوا". الثاني: أنَّ المراد بالإخوان الشياطين، وبالضَّمير المضاف إليه: الجاهلُون، أو غير المتَّقين لأن الشيء يدلُّ على مقابله، والواو تعودُ على الإخوان، والضميرُ المنصوبُ يعود على الجاهلين، أو غير المتَّقين؛ والمعنى: والشياطين الذين هم إخوانُ الجاهلين أو غير المتقين يَمُدُّون الجاهلين أو غير المُتَّقين في الغيِّ، والخبرُ في هذا الوجه جارٍ على من هو لهُ لفظاً ومعنى، وهذا تفسير قتادة. الثالث: أن يعود الضميرُ المجرور والمنصوب على الشياطين، والمرفوع على الإخوان وهم الكُفَّارُ. قال ابنُ عطيَّة: ويكون المعنى: وإخوان الشَّياطين في الغيِّ بخلاف الإخوة في اللَّهِ يَمُدُّون الشَّياطين أي: بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ولا يترتَّب هذا التَّأويل على أن يتعلَّق في الغيِّ بالإمدادِ؛ لأنَّ الإنسَ لا يغوون الشياطين، يعني يكون في الغيِّ حالاً من المبتدأ، أي: وإخوانهم حال كونهم مستقرِّين في الغيّ، وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف، والأحسنُ أن يتعلَّق بما تضمنه إخوانُهُمْ من معنى المؤاخاة والأخوة، وسيأتي فيه بحث لأبي حيان. قال أبُو حيَّان: ويمكن أن يتعلَّق في الغيِّ على هذا التَّأويل بـ: يمدُّونهم على جهة السببية، أي: يمدُّونهم بسبب غوايتهم، نحو: دَخلَتِ امْرأةٌ النَّارَ في هرَّةٍ، أي: بسبب هرَّةٍ، ويُحتملُ أن يكون في الغيِّ حالاً، فيتعلَّق بمحذوفٍ أي: كائنين في الغيّ، فيكون في الغيِّ في موضعه، ولا يتعلَّق بـ: إخوانهم وقد جوَّز ذلك ابن عطية. وعندي في ذلك نظرٌ. فلو قلت: مُطْعِمُكَ زيدٌ لَحْماً، مُطْعِمُكَ لحماً زيدٌ، فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر، لكان في جوازه نظر، لأنَّكَ فصلتَ بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معاً، وإن كان ليس أجنبياً لأحدهما وهو المبتدأ. قال شهاب الدين: ولا يظهر منعُ هذا ألبتة لعدم أجنبيته وقرأ نافع يُمِدُّونهُمْ بضم الياء وكسر الميم من أمدَّ والباقون: بفتح الياء وضم الميم، وقد تقدم الكلام على هذه المادة هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق في أوائل الكتاب [البقرة: 155]. فقيل: أمَدَّ ومَدَّ لغتان. وقيل: مَدَّ معناه: جذب، وأمَدَّ معناه من: الإمداد. قال الواحدي عامة ما جاء في التنزيل ممَّا يحمد ويستحب أمددتُ على أفعلتُ، كقوله {أية : أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ}تفسير : [المؤمنون: 55] وقوله {أية : وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ}تفسير : [الطور: 22] {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ}تفسير : [النمل: 36] وما كان بخلافه فإنَّه يجيء على: مددت؛ قال تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}تفسير : [البقرة: 15] فالوجه ههنا قراءة العامة، ومن ضمَّ الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [آل عمران: 21] وقرأ الجحدريُّ: يُمَادُّونهُم من: مادَّهُ بزنة: فاعله، وقرأ العامَّةُ يُقْصِرُون من: أقْصَرَ، قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2664 - لَعَمْرُكَ ما قَلْبِي إلى أهْلِه بِحُرْ ولا مُقْصِرٍ يَوْماً فَيَأتِينِي بِقُرْ تفسير : وقال امرؤُ القيس: [الطويل] شعر : 2665 - سَمَا لَكَ شَوْقٌ بعدَ ما كانَ أقْصَرَا وحلَّتْ سُلَيْمَى بَطْنَ قَوٍّ فَعَرْعَرَا تفسير : أي: ولا نازع ممَّا هو فيه، وارتفع شوقك بعد ما كان قد نزع وأقلع، وقرأ عيسى ابن عمر، وابن أبي عبلة "ثُمَّ لا يَقصُرون" بفتح الياء مِن: قَصرَ، أي: لا يَنْقُصُونَ من إمدادهم وهذه الجملة أعني: "وإخوانهم يمُدُّونهم" زعم الزجاج: أنها متصلة بالجملة من قوله {أية : وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً}تفسير : [الأعراف: 192] وهو تكلف بعيد. وقوله "فِي الغيِّ" قد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون متعلقاً بالفعل، أو بـ "إخوانهم" أو بمحذوف على أنه حال إمَّا من "إخوانهم" وإمَّا من واو "يَمُدُّونهُم" وإمَّا من مفعوله. فصل قال اللَّيث: الإقصارُ: الكَفُّ عن الشَّيء، وأقْصَرَ فلانٌ عن الشَّيءِ يُقْصِرُ إقصاراً إذا كفَّ عنه وانتهى. قال ابنُ عبَّاسٍ: ثُم لا يُقْصِرُون عن الضَّلالِ والإضلال، أمَّا الغاوي ففي الضَّلال، وأمَّا المغوي ففي الإضلال. قال الكلبيُّ لكل كافر أخٌ من الشياطين يَمُدُّونهُمْ أي: يُطيلُون لهم في الإغواء حتَّى يستمرُّوا عليه. وقيل: يزيدونهم في الضَّلالة. قوله {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ} يعني إذا لم تأتِ المشركين بآيةٍ {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي: هلاَّ افتعلْتَهَا، وأنشأتها من قبل نفسك، والاجتباء: افتعال من: جباهُ يَجْبيه، أي: يجمعه مختاراً له، ولهذا يقال: اجْتَبَيْتُ الشيء، أي: اخترته. وقال الزمخشريُّ: اجْتَبَى الشيء، بمعنى جباهُ لنفسه، أي جمعه، كقولك: اجتمعه أو جُبِيَ إليه، فاجتباه: أي أخذهُ، كقولك: جليْتُ له العروس فاجتلاها، والمعنى هلاَّ اجتمعتها افتعالاً من عند نفسك. قال الفراء: تقول العرب: اجتبيت الكلام واختلقته وارتجلته إذا افتعلته من قبل نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ}تفسير : [الفرقان: 4] أو يقال: هلاَّ اقترحتها على إلهك إن كنت صادقاً، وأنَّ الله تعالى يَقْبَلُ دعاءك ويجيبُ التماسك وذلك أنَّهم كانوا يطلبون منه آيات معينة على سبيل التعنت كقوله: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً}تفسير : [الإسراء: 90]. وعند هذا أمر رسوله أن يجيبهم بالجواب الشافي، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} أي ليس عليّ أن أقترح على ربي وإنما أنا أنتظر الوحي. ثُمَّ بيَّن أنَّ عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدحُ في الغرض؛ لأنَّ ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة قاهرة، فهي كافية في تصحيح النبوة، فطلب الزيادة تعنت؛ فلا جرم قال: قل هذا يعني: القرآن بَصائرُ حجج، وبيان، وبرهان لذوي العقول في دلائل التَّوحيد، والنبوة، والمعاد، والبصائرُ: جمع بصيرة، وأصلها ظهور الشَّيء واستحكامه حتى يبصر الإنسان فيهتدي به، أي: هذه دلائلُ تقودكم إلى الحقِّ؛ فأطلق على القرآن لفظ البصيرةِ تسمية للسبب باسم المسبب. قال أبُو حيَّان: وأطلق على القرآن بصائر إمَّا مبالغةً؛ وإمَّا لأنَّهُ سبب البصائر، وإمَّا على حذف مضاف أي: ذو بصائر ثم قال: وهُدىً والفرقُ بين هذه المرتبة وما قبلها أنَّ النَّاس في معارف التوحيد، والنبوة والمعاد ثلاثة أقسام: إحداها: الذين بلغوا في هذه المعارف بحيث صاروا كالمشاهدين لها، وهم أصحاب عين اليقين. والثاني: الذين بلغُوا إلى ذلك الحد إلاَّ أنهم وصلوا إلى درجات المستدلِّين، وهم أصحاب علم اليقين فالقرآنُ في حقِّ الأولين وهم السَّابقُون بصائر، وفي حق القسم الثاني هُدًى، وفي حق عامَّة المؤمنين رحمة، ولمَّا كانت الفرق الثلاث من المؤمنين قال: "قَوْمٍ يُؤمنُونَ".
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وفي لفظ: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله تعالى {خذ العفو} قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من اخلاق الناس. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال: لما أنزل الله {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي قال: حديث : لما أنزل الله {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما هذا يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم...! فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر قال: حديث : لما نزلت هذه الآية {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟ قال: حتى أسأل. فصعد ثم نزل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا ادلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة قال:حديث : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال "والله لأمثلن بسبعين منهم. فجاءه جبريل بهذه الآية {خذ الغفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} فقال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري...! ثم عاد فقال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة في قول الله {خذ العفو} قال: ما عفى لك من مكارم الأخلاق. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {خذ العفو} من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسيس {وأمر بالعرف} قال: بالمعروف. وأخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قدم عُيينة بن حصن بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً أكانوا أو شباباً - فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعُيينة فأذن له عمر، فلما دخل قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس عن عبد الله بن نافع. أن سالم بن عبد الله مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال: إن هذا ينهى عنه فقالوا: نحن أعلم بهذا منك إنما يكره الجلجل الكبير، وأما مثل هذا فلا بأس به، فبكى سالم وقال {وأعرض عن الجاهلين} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال: خلق أمر الله به نبيه ودله عليه. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أدلك على خير أخلاق الأوّلين والآخرين؟ قال: قلت يا رسول الله نعم. قال: تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صل من قطعك، واعف عمن ظلمك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صل من قطعك، واعف عمن ظلمك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ألا أدلكم على كرائم الأخلاق للدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتجاوز عمن ظلمك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: صل من قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي من طريقه عن معمر عن أبي إسحق الهمداني عن ابن أبي حسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، قال البيهقي: هذا مرسل حسن ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لن ينال عبد صريح الإِيمان حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويغفر لمن شتمه، ويحسن إلى من أساء إليه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: رضي الله بالعفو وأمر به. وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتصفح عمن شتمك ". تفسير : وأخرج السلفي في الطيوريات عن نافع أن ابن عمر. كان إذا سافر أخرج معه سفيهاً يرد عنه سفاهة السفهاء. وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن شوذب قال: كنا عند مكحول ومعنا سليمان بن موسى، فجاء رجل واستطال على سليمان وسليمان ساكت، فجاء أخ لسليمان فرد عليه، فقال مكحول: لقد ذل من لا سفيه له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {خذ العفو} قال: خذ ما عفي لك من أموالهم ما أتوك به من شيء فخذه، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {خذ العفو} قال: خذ الفضل أنفق الفضل {وأمر بالعرف} يقول بالمعروف. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأرزق قال له: أخبرني {خذ العفو} قال: خذ الفضل من أموالهم، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ لك. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول: شعر : يعفو عن الجهل والسوآت كما يدرك غيث الربيع ذو الطرد تفسير : وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن السدي في قوله {خذ العفو} قال: الفضل من المال، نسخته الزكاة. وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال: نزلت هذه الآية {خذ العفو} فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل، فنسخها الله بالزكاة {وأمر بالعرف} قال: بالمعروف {وأعرض عن الجاهلين} قال: نزلت هذه الآية قبل أن تفرض الصلاة والزكاة والقتال، أمره الله بالكف ثم نسخها القتال، وأنزل {أية : أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : [الحج: 39] الآية.
ابو السعود
تفسير : {خُذِ ٱلْعَفْوَ} بعد ما عُدّ من أباطيلِ المشركين وقبائحِهم ما لا يطاق تحمُّله أُمر عليه الصلاة والسلام بمجامع مكارمِ الأخلاق التي من جملتها الإغضاءُ عنهم، أي خذْ ما عفا لك من أفعال الناسِ وتسهل ولا تكلِّفْهم ما يشُقُّ عليهم، من العفو الذي هو ضدُّ الجَهدِ، أو خذ العفوَ من المذنبـين أو الفضلَ من صدقاتهم وذلك قبل وجوبِ الزكاة {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} بالجميل المستحسَن من الأفعال فإنها قريبةٌ من قَبول الناس من غير نكير {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} من غير مماراةٍ ولا مكافأة، قيل: (لما نزلت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام فقال: لا أدري حتى أسأل ثم رجع فقال: يا محمدُ إن ربك أمرك أن تصِل مَنْ قطعك وتعطيَ من حَرَمك وتعفُوَ عمّن ظلمك) وعن جعفرٍ الصادقِ: أمر الله تعالى نبـيَّه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وروي أنه لما نزلت الآيةُ الكريمةُ قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كيف يا ربّ والغضبُ متحقق؟»تفسير : فنزل قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} النزغُ والنسْغُ والنخْسُ: الغرزُ شُبّهت وسوستُه للناس وإغراؤه لهم على المعاصي بغَرْز السائق لما يسوقه، وإسنادُه إلى النزغ من قَبـيل جَدّ جِدُّه أي وإما يحمِلنّك من جهته وسوسةٌ ما على خلاف ما أُمرتَ به من اعتراء غضبٍ أو نحوه {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فالتجِىءْ إليه تعالى من شره {إِنَّهُ سَمِيعٌ} يسمع استعاذتَك به قولاً {عَلِيمٌ} يعلم تضرُّعَك إليه قلباً في ضمن القولِ أو بدونه فيعصمُك من شره. وقد جُوّز أن يرادَ بنزغ الشيطانِ اعتراءُ الغضبِ على نهج الاستعارة كما في قول الصديقِ رضي الله عنه: إن لي شيطاناً يعتريني. ففيه زيادةُ تنفيرٍ عنه وفرطُ تحذيرٍ عن العمل بموجبه، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويلٌ لأمره وتنبـيهٌ على أنه من الغوائل الصعبةِ التي لا يُتخَلّص من مَضَرَّتها إلا بالالتجاء إلى حُرَم عصمتِه عز وجل، وقيل: يعلم ما فيه صلاحُ أمرِك فيحملك عليه، أو سميعٌ بأقوال مَنْ آذاك عليمٌ بأفعاله فيجازيه عليها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} استئنافٌ مقررٌ لما قبله ببـيان أن ما أمر به عليه الصلاة والسلام من الاستعاذة بالله تعالى سنةٌ مسلوكةٌ للمتقين والإخلالُ بها ديدنُ الغاوين، أي إن الذين اتصفوا بوقاية أنفسِهم عما يضُرّها {إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أدنىٰ لمّةٍ منه، على أن تنوينَه للتحقير وهو اسمُ فاعلِ يطوف، كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقِعَ بهم، أو من طاف به الخيالُ يطيفُ طيفاً أي ألمَّ وقرىء طيفٌ على أنه مصدر، أو تخفيفٌ من طيِّف من الواوي أو اليائي كهيّن وليّن، والمرادُ الشيطان الجنسُ ولذلك جُمع ضميرُه فيما سيأتي {تَذَكَّرُواْ} أي الاستعاذةَ به تعالى والتوكلَ عليه {فَإِذَا هُم} بسبب ذلك التذكّرِ {مُّبْصِرُونَ} مواقِعَ الخطأ ومكايدَ الشيطانِ فيحترزون عنها ولا يتبعونه.
التستري
تفسير : قال تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ}[199] أي الفضل في أموالهم التي هي وديعة الله عندهم، لأن الله تعالى قد ابتاعها منهم، فليس له نفس ولا مال. قيل له: فأين نفسه؟ قال: دخلت تحت مبايعة الله تعالى. قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة:111]
القشيري
تفسير : من خصائص سُنَّةِ الله في الكرم أنه أمر نبيَّه - صلوات الله عليه وعلى آله - بالأخذ به، إذ الخبر وَرَدَ بأنَّ المؤمن أخذ من الله خُلُقاً حسناً. وكلما كان الجُرْمُ أكبرَ كان العفو عنه أجرَّ وأكمل، وعلى قَدْرِ عِظَمِ رتبة العبد في الكرم يتوقف العفو عن الأصاغر والخدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الجراحات التي أصابته في حرب أحد: "حديث : اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون ". تفسير : قوله {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}: أفضل العرف أن يكون أكمل العطاء لأكثر أهل الجفاء، وبذلك عامل الرسول - صلى الله عليه وعلى آله - الناسَ. قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}: الإعراض عن الأغيار بالإقبال عن من لم يَزْل ولا يزال، وفي ذلك النجاة من الحجاب، والتحقق بما يتقاصر عن شرحه الخطاب.
اسماعيل حقي
تفسير : {خذ العفو} حديث : - روى - انه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل (ما الاخذ بالعفو) فقال لا ادرى حتى اسأل ثم رجع فقال يا محمد ان ربك امرك ان تعطى من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وان تحسن الى من اساء اليك شعر : هركه زهرت دهد بدوده قند وآنكه ازتو برد بدوبيوند تفسير : والعفو من اخلاقه تعالى. قال سعيد بن هشام دخلت على عائشة فسألتها عن اخلاق النبى عليه السلام قالت اما تقرأ القرآن قلت بلى قالت كان خلق رسول الله القرآن وانما ادبه بالقرآن بمثل قوله تعالى {خذ العفو وائمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين} وبقوله {أية : واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} تفسير : [لقمان: 17] وبقوله {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : [المائدة: 13]. وغير ذلك من الآيات الدالة على مكارم اخلاقه {وامر بالعرف} بالجميل المستحسن من الافعال لانها قريبة من قبول الناس من غير نكير. قال فى التيسير قالوا فى العرف تقوى الله صلة الارحام وصون اللسان عن الكذب ونحوه وغض البصر عن المحارم وكف الجوارح عن المآثم {واعرض عن الجاهلين} ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عنهم واغضض عما يسوءك منهم وذلك لانه ربما اقدم بعض الجاهلين عند الترغيب والترهيب على السفاهة والاذى والضحك والاستهزاء فلهذا السبب امر الله تعالى حبيبه فى آخر الآية بتحمل الاذى والحلم عمن جفا فظهر بهذا ان الآية مشتملة على مكارم الاخلاق فيما يتعلق بمعاملة الناس معه ولم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا فى الاسواق ولا يجزى السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح كذا فى الكواشى - روى - انه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كيف يا رب والغضب " . تفسير : فنزل قوله تعالى {واما} كلمتان ان التى هى للشرط وما التى هى صلة زائدة {ينزغنك} النزغ والنخس الغرز يقال نزعه طعن فيه ونزغ بينهم افسد واغرى ووسوس ونخس الدابة غرز مؤخرها او جنبها بعود ونحوه {من الشيطان نزغ} اى نازغ كرجل عدل بمعنى عادل وشبهت وسوسته للناس واغراؤهم على المعاصى بغرز السائق لما يسوقه والمعنى واما يحملنك من جهته وسوسة ما على خلاف ما امرت به من اعتراء غضب او نحوه {فاستعذ بالله} فالتجئ اليه تعالى من شره واعتصم {انه} تعالى {سميع} يسمع استعاذتك به قولا {عليم} يعلم تضرعك اليه قلبا فى ضمن القول او بدونه فيعصمك من شره. قال فى البحر وختم بهاتين الصفتين لان الاستعاذة التى تكون باللسان لا تجدى الا باستحضار معناها. فالمعنى سميع للاقوال عليم بما فى الضمائر واختلفوا هل المراد الشيطان او القرين فقط والظاهر انه فى حقنا القرين قال الله تعالى {أية : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} تفسير : [الزخرف: 36]. وفى حق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابليس اما نحن فلان الانسان لايؤذيه من الشياطين الا ما قرن به وما بعده فلا يضر شيئاً والعاقل لا يستعيذ ممن لا يؤذيه واما الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فان قرينه قد اسلم فلا يستعيذ منه فالاستعاذة حينئذ من غيره وغيره يتعين ان يكون ابليس او اكابر جنوده لانه قد ورد فى الحديث "حديث : ان عرش ابليس على البحر الاخضر وجنوده حوله واقربهم اليه اشدهم بأسا ويسأل كلا منهم عن عمله واغوائه ولا يمشى هو الا فى الامور العظام " . تفسير : والظاهر ان امر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من اهم المهمات عنده فلا يؤثر به غيره من ذريته كما ورد "حديث : ان عدو الله ابليس جاء بشهاب من نار ليجعله فى وجهى فقلت اعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت العنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم اردت اخذه والله لولا دعوة اخينا سليمان لاصبح موثقا يلعب به ولدان اهل المدينة " . تفسير : والدعوة قوله {أية : رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى} تفسير : [ص: 35]. وانما لم يشده ولم يأخذه لان التسخير التام مختص بسليمان عليه السلام. فان قلت لم لم يمنع ابليس عن النبى صلى الله عليه وسلم كما منع به عن السماء الشياطين. قلت ان الله تعالى جعل اكثر الاشياء كذلك يمنع بها ولا يمنع عنها ألا ترى ان الليل يمنع النهار والنهار يمنع الليل ولا يمنع عنهما النور والظلمة وكذلك احياء الموتى لعيسى عليه السلام ولم يمنع عنه الموت وايضا لما منع الشياطين عن السماء ظنوا انهم لا يقدرون على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فسلطهم عليه ثم عصمه منهم ليعلموا انه ليس بايديهم شىء. وقال النيسابورى اراد ان يظهر لخلقه ان غيره مقهور غير معصوم ولا قاهر الا الله تعالى. وعن بعض العلماء ان الخطاب فى قوله {واما ينزغنك} وان كان للنبى عليه السلام الا ام المراد امته وتشريع الاستعاذة لهم. يقول الفقير حفظه الله القدير يعضده ما قال بعض الاولياء من امته وهو ابو سليمان الدارانى قدس سره ما خلق الله خلقا اهون على من ابليس لولا ان الله امرنى ان أتعوذ منه ما تعوذت منه ابدا وما قال البعض الآخر حين قيل له كيف مجاهدتك للشيطان وما الشيطان نحن قوم صرفنا هممنا الى الله فكفانا من دونه فاذا كان هذا حال الولى فما ظنك بحال النبى ويدل عليه ايضا كلمة ان الدالة على عدم الجزم. واعلم ان الغضب لغير الله من نزغات الشيطان وانه بالاستعاذة يسكن - روى - "حديث : انه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يخاصم اخاه قد احمر وجهه وانتفخت او داجه من الغضب فقال عليه السلام "انى لاعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال اعوذ بالله من الشيطان لذهب عنه ما يجده" " . تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الغضب من الشيطان وان الشيطان من النار وانما تطفأ النار بالماء فاذا غضب احدكم فليتوضأ" تفسير : : وفى المثنوى شعر : جون زخشم آتش تودر دلها زدى مايه نار جهنم آمدى آتشت اينجاجه آدم سوز بود آنجه ازوى زاد مرد افروز بود آتش توقصد مردم ميكند نار كزوى زاد برمردم زند اين سخنهاى جومار وكزدست مار وكزدم كشت وميكردد دمت خشم توتخم سعير ودوزخست هين بكش اين دوزراكين فخست تفسير : وفى الحديث "حديث : لما اراد الله ان يخلق لابليس نسلا وزوجة القى عليه الغضب فطارت منه شظية من نار فخلق منها امرأته " . تفسير : كذا فى حياة الحيوان. والاشارة {خذ العفو} اى تخلق بخلق الله فان العفو من اخلاقه تبارك وتعالى {وائمر بالعرف} اى بالمعروف وهو طلب الحق تعالى لانه معروف العارفين {وأعرض عن الجاهلين} يعنى عن كل ما يدعوك الى غير الله وعمن يطلب ما سوى الله فان الجاهل هو الذى لا يعرف الله ولا يطلبه والعالم من يطلبه ويعرفه {واما ان ينزغنك من الشيطان نزغ} فى طلب غير الله {فاستعذ بالله} من غير الله بان تفر الى الله وتترك ما سواه {انه سميع} يسمع القول والاجابة لما تدعوه اليه {عليم} بما ينفعك ويضرك فيسمع ما ينفعك دون ما يضرك كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذ العفوَ} أي: اليسر من أخلاق الناس ولا تبحث عنها، أو: خذ من الناس، في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم، ما سهل وتيسر مما لا يشق عليهم؛ لئلا ينفروا. فهو كقول الشاعر: شعر : خُذِ العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمي مَوَدَّتِي... تفسير : أو: خذ في الصدقات ما سهل على الناس من أموالهم وهو الوسط، ولا تأخذ كرائم أموالهم مما يشق عليهم، أو تمسك بالعفو عمن ظلمك ولا تُعاقبه، وهذا أوفق لتفسير جبريل الآتي، {وأْمر بالعُرْفِ} أي: المعروف، وهو أفعال الخير، أو العرف الجاري بين الناس. واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعرف الذي يجري بين الناس. {وأعرض عن الجاهلين} أي: لا تكافىء السفهاء على قولهم أو فعلهم، واحلم عليهم. ولمّا نَزَلَت سأل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عنها، فقال: "لا أَدري حَتَّى أسأَلَ، فعرج، ثم رَجَعَ فَقَالَ: يا مُحَمَدَّ، إِنَّ الله يَأمُركَ أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطِي مَن حَرَمَكَ، وتَعفُو عَمَّن ظَلَمَكَ". وعن جعفر الصادق: ( أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق )، وهي على هذا ثابتة الحكم، وهو الصحيح. وقيل: كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال. {وإِمَا يَنزَغَنَّك من الشيطان نَزغٌ}؛ ينخسنك منه نخس، أي: وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به؛ كاعتراء غضب، ومقابلة سفيه، {فاستعذ بالله} والتجىء إليه؛ {إنه سميعٌ عليمٌ} يسمع استعاذتك، ويعلم ما فيه صلاح أمرك، فالاستعاذة عند تحريك النفس مشروعة، وفي الحديث: أن رجلاً اشتد غضبه، فقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : إنّي لأَعلَمُ كلِمة لو قالَهَا لذَهَبَ عنهُ ما به؛ أعُوذُ باللهِ من الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ". تفسير : الإشارة: كل ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم تُؤمر به أمته، وخصوصًا ورثته من الصوفية، فهم مطالبون بالتخلق بأخلاقه صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرهم، لأن غيرهم لم يبلغ درجتهم. وقال الورتجبي: {خذ العفو}: أي: فاعف عنهم من قلة عرفانهم حقك، {وأمر العُرف} أي: تلطف عليهم في أمرك ونهيك لهم، فإنهم ضعفاء عن حمل وارد أحكام شرائعك وحقائقك، {وأعرِض عن الجاهلين} الذي ليس لهم استعداد النظر إليك، ولا يعرفون حقوقك، فإنَّ منكر معجزات أنبيائي وكرامات أوليائي لا يبلغ إلى درجة القوم. قال بعض المشايخ ـ حين ذكر أهل الظاهرـ: دع هؤلاء الثقلاء. هـ. فوصف علماء الظاهر بالثقلاء؛ لثقل ظهورهم بعلم الرسوم، فلم ينهضوا إلى حقائق العلوم ودقائق الفهوم، وفي تائية ابن الفارض: شعر : وجُزْ مُثَقلاً لو خَفَّ طَفَّ مُوكلاًّ بمَنْقُولِ أَحْكَامٍ ومَعْقُولِ حِكْمَه تفسير : قال شارحه: أمره بالمجاوزة عن المثقلين بأثقال العلوم الظاهرة، من الفقهاء، والمتكلمين بأحكام المنقولات، والفلاسفة الموكلين بالمعقولات والحكمة، ووصف مُثقلاً بأنه: لو خف طفا، أي: لأنه لو كان خفيفًا بوضع الأثقال عنه كان طفيفًا، لا يرى لنفسه قدرًا، واللازم منتف فالملزوم مثله. هـ. ثم إن البشر لا بد أن تعتريه أحكام البشرية، كالغضب وشبهه، كما بيَّنه الحق تعالى بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ}.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى نبيه أن يأخذ مع الناس بالعفو، وهو التساهل فيما بينه وبينهم وقبول اليسير منهم الذي سهله عليهم ويسر فعله لهم، وان يترك الاستقصاء عليهم في ذلك، وهذا يكون في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى وللناس وغيرها. وهو في معنى الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله "حديث : رحم الله سهل القضاء سهل الاقتضاء" تفسير : . ولا ينافي ذلك ان لصاحب الحق والديون وغيرها استيفاء الحق وملازمة صاحبه حتى يستوفيه، لأن ذلك مندوب إليه دون ان يكون واجباً. وقد يكون العفو في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة بالاساءة. وقوله {وأمر بالعرف} يعني بالمعروف، وهو كل ما حسن في العقل فعله او في الشرع، ولم يكن منكراً ولا قبيحاً عند العقلاء. وقوله عز وجل {وأعرض عن الجاهلين} امر بالاعراض عن الجاهل: السفيه الذي إن كلمه سفه عليه وآذاه بكلامه. وأمره إذا أقام عليهم الحجة وبين بطلان ما هم عليه من الكفر والمعاصي أن يعرض عنهم ولا يجاوبهم في مكروه يسمعه، صيانة لنفسه عنهم. وقال عطا العفو: الفضل. وقال مجاهد: العفو من اخلاق الناس، وعفو أموالهم من غير تجسس عليهم. وقال: ما عفا لك من أموالهم، وذلك قبل فرض الزكاة. وقال السدي: نسخ ذلك بآية الزكاة وقال ابن زيد: امره بالاعراض عنهم ثم نسخ بقوله {أية : واغلظ عليهم}. تفسير : وروي عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله: {وأمر بالعرف} أن جبرائيل قال له معناه تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك.
اطفيش
تفسير : {خُذِ العَفْو} ما يتيسر من الناس بلا كلفة من أفعال الناس وأقوالهم وأخلاقهم، أى اقبله منهم ولا تكلفهم أن يعاملوك بما يشق عليهم فيملوا، وتتولد العداوة، ويزيدوا منك ما يشق عليك، أو ما لا يقبله الدين، وتضمن ذلك قبول عذرهم، والغض عن مصايبهم، وقيل: العفو ما فضل عن نفقة النفس ونفقة العيال، وقيل: ما يتيسر من صدقاتهم، وعليهما فهذا منسوخ بآية الزكاة، ووجه نسخه أنه أمر بأخذ ذلك، وأمروا بتسليمه ولا بد، ولما نزلت الزكاة لم يجب عليهم غيرها، وعليهما تفسير العفو بالفضل والزيادة، كقولك: عفا الشعر والنبات، فانما لم يحتج اليه العيال، وما سهل من الصدقة فضل وزائد. وقال مجاهد، فيما ذكر مكى: العفو الزكاة وهو شاذ يلزم منه فرض الزكاة فى مكة وإشاعتها فيها، وقيل: العفو عمن أساء إليك، أى تمسك بالعفو عنه، ولا تعاقبه، وهذا لا ينسخ، وأما إن أريد العفو عن المذنبين مطلقا فمنسوخ بآيات الحدود والقتال. {وَأمُر بالعُرْفِ} محاسن الأخلاق والأمور الشرعية، كقول: لا إله إلا الله، حديث : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: "ما هذا العرف الذى آمر به}؟ فقال: لا أدرى حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله، ثم جاء فقال: يا محمد هو أن تعطى من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك.تفسير : وهذا تمثيل بالغاية والمراد هذا وما دونه من فعل الخير، كما قال له بعض، وقرأ عيسى الثقفى، فيما ذكر أبو حاتم بضم العين والراء، والجمهور على إسكانها، وكلاهما بمعنى المعروف. {وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ} المشركين، أى لا تجادلهم ولا تقاتلهم، ثم نسخ بآية القتال كذا قالوا، قال صاحب كتاب الناسخ والمنسوخ: هذه الآية من عجيب المنسوخ، أولها منسوخ، وآخرها منسوخ، ووسطها محكم، وقال ابن زيد: الآية كلها مداراة لكفار قريش، ثم نسخت بآية السيف، وأقول: لا نسخ فى الآية لجواز أن يكون العفو ما يسهل على الناس من قول حسن: وفعل حسن، وخلق حسن، والإعراض عن الجاهلين: الصبر وعدم المجازاة على ما أساءوا به إليه، وذلك مأمور به أبدا، ولا وجه لنسخ الأمر بالعرف. وأيضا يحتمل أن يكون معنى {خذ العفو} قيل: من الناس ما تفضل به عليك ولا تردده عليهم فتنكسر قلوبهم، وهذا لا يدخله النسخ، وقد صح أنه يقبل الهدية لا الزكاة، ثم رأيت لبعضهم: أن الجمهور يقولون: إن الإعراض عن الجاهلين أمر مستمر فى الناس ما بقوا، ويدل على عدم نسخ الآية: أن الحر بن قيس احتج بها على عمر فاقروه على احتجاجه، ووقف عندها، قال جار الله: وعن جفعر الصادق أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، وفى الحديث: "حديث : إن الله سبحانه بعثنى لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال" تفسير : ويأتى كلام فى خلقه إن شاء الله.
الالوسي
تفسير : {خُذِ ٱلْعَفْوَ} أي ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس، وإلى هذا ذهب ابن عمر وابن الزبير وعائشة ومجاهد رضي الله تعالى عنهم وغيرهم، وأخرجه ابن أبـي الدنيا عن إبراهيم بن آدم مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخذ مجاز عن القبول والرضا، أي ارض من الناس بما تيسر من أعمالهم وما أتى منهم وتسهل من غير كلفة ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا، ومن ذلك قوله:شعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سَوْرَتِي حين أغضب تفسير : وجوز أن يراد بالعفو ظاهره أي خذ العفو عن المذنبين والمراد اعف عنهم، وفيه استعارة مكنية إذ شبه العفو بأمر محسوس طلب فيؤخذ، وإلى هذا ذهب جمع من السلف، ويشهد له ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الشعبـي قال: لما أنزل الله تعالى {خُذِ ٱلْعَفْوَ} إلى آخره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما هذا يا جبريل؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب ثم رجع فقال: إن الله تعالى أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك"تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن جابر نحو ذلك، ولعل زبدة الحديث مفسرة لزبدة الآية وإلا فالتطبيق مشكل كما لا يخفى. وتكلف القطب لتطبيق ألفاظه على ألفاظها وفيه خفاء. وعن ابن عباس المراد بالعفو ما عفى من أموال الناس، أي خذ أي شيء أتوك به وكان هذا قبل فرض الزكاة، وقيل: العفو ما فضل عن النفقة من المال وبذلك فسره الجوهري وإليه ذهب السدي. فقد أخرج أبو الشيخ عنه أنه قال: نزلت هذه الآية فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل فنسخها الله تعالى بالزكاة. {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} أي بالمعروف المستحسن من الأفعال فإن ذلك أقرب إلى قبول الناس من غير نكير، وفي «لباب التأويل» أن المراد وأمر بكل ما أمرك الله تعالى به وعرفته بالوحي. وقال عطاء: المراد بالعرف كلمة لا إله إلا الله وهو تخصيص من غير داع {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} أي ولا تكافىء السفهاء بمثل سفههم ولا تمارهم واحلم عليهم وأغض بما يسوؤك منهم. وعن السدي أن هذا أمر بالكف عن القتال ثم نسخ بآيته، ولا ضرورة إلى دعوى النسخ في الآية كما لا يخفى على المتدبر، وقد ذكر غير واحد أنه ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. وزبدتها كما قالوا تحري حسن المعاشرة مع الناس وتوخى بذل المجهود في الإحسان إليهم والمداراة منهم والإغضاء عن مساويهم وجعلوا نحو ذلك زبدة الخبر إلا أن القرآن مادته عامة ومادته خاصة؛ وقد علم كل أناس مشربهم، ولا يخفى حسن موقع هذا الأمر بعد ما عد من أباطيل المشركين وقبائحهم ما لا يطاق حمله، وإذا قيل بأن الجاهلين موضوع موضع ضمير أولئك المشركين حيث إن الكلام فيهم تسجيلاً عليهم بعدم الإرعواء وإقناطاً كلياً منهم التأمت أطراف الكلام غاية الالتئام، هذا وعن ابن زيد أنه لما نزل قوله تعالى: {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كيف يا رب والغضب؟" تفسير : فنزل قوله سبحانه وتعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ}.
سيد قطب
تفسير : تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه.. رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه.. وهم بعد في مكة؛ وفي مواجهة تلك الجاهلية من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة.. هذه التوجيهات الربانية في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة، تدعو صاحب الدعوة - صلى الله عليه وسلم - إلى السماحة واليسر، والأمر بالواضح من الخير الذي تعرفه فطرة البشر في بساطتها، بغير تعقيد ولا تشديد. والإعراض عن الجاهلية فلا يؤاخذهم، ولا يجادلهم، ولا يحفلهم.. فإذا تجاوزوا الحد وأثاروا غضبه بالعناد والصد، ونفخ الشيطان في هذا الغضب، فليستعذ بالله ليهدأ ويطمئن ويصبر: {خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشيطان فاستعذ بالله إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.. ثم يعرفه بطبيعة أولئك الجاهلين؛ والوسوسة التي وراءهم والتي تمدهم في الغي والضلال. ويذكر طرفاً من سلوكهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلبهم الخوارق؛ ليوجهه إلى ما يقول لهم، ليعرفهم بطبيعة الرسالة وحقيقة الرسول، وليصحح لهم تصوراتهم عنها وعنه وعن علاقته بربه الكريم: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا: لولا اجتبيتها! قل: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي. هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. وبمناسبة هذه الإشارة إلى ما أوحاه إليه ربه من القرآن، يجيء توجيه المؤمنين إلى أدب الاستماع لهذا القرآن؛ وأدب ذكر الله؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر، وعدم الغفلة عنه. فإن الملائكة الذين لا يخطئون يذكرون ويسبحون ويسجدون، فما أولى البشر الخطائين أن لا يغفلوا عن الذكر والتسبيح والسجود: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون. واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون}.. {خذ العفو، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.. خذ العفو الميسر الممكن من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب إليهم الكمال، ولا تكلفهم الشاق من الأخلاق. واعف عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم.. كل أولئك في المعاملات الشخصية لا في العقيدة الدينية ولا في الواجبات الشرعية. فليس في عقيدة الإسلام ولا شريعة الله يكون التغاضي والتسامح. ولكن في الأخذ والعطاء والصحبة والجوار. وبذلك تمضي الحياة سهلة لينة. فالإغضاء عن الضعف البشري، والعطف عليه، والسماحة معه، واجب الكبار الأقوياء تجاه الصغار الضعفاء. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - راع وهاد ومعلم ومرب. فهو أولى الناس بالسماحة واليسر والإغضاء.. وكذلك كان صلى الله عليه وسلم.. لم يغضب لنفسه قط. فإذا كان في دين الله لم يقم لغضبه شيء!.. وكل أصحاب الدعوة مأمورون بما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالتعامل مع النفوس البشرية لهدايتها يقتضي سعة صدر، وسماحة طبع، ويسراً وتيسيراً في غير تهاون ولا تفريط في دين الله.. {وأمر بالعرف}.. وهو الخير المعروف الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال؛ والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة.. والنفس حين تعتاد هذا المعروف يسلس قيادها بعد ذلك، وتتطوع لألوان من الخير دون تكليف وما يصد النفس عن الخير شيء مثلما يصدها التعقيد والمشقة والشد في أول معرفتها بالتكاليف! ورياضة النفوس تقتضي أخذها في أول الطريق بالميسور المعروف من هذه التكاليف حتى يسلس قيادتها وتعتاد هي بذاتها النهوض بما فوق ذلك في يسر وطواعية ولين.. {وأعرض عن الجاهلين}.. من الجهالة ضد الرشد، والجهالة ضد العلم.. وهما قريب من قريب.. والإعراض يكون بالترك والإهمال؛ والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال؛ والمرور بها مر الكرام؛ وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب، وإضاعة الوقت والجهد.. وقد ينتهي السكوت عنهم، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها، بدلاً من الفحش في الرد واللجاج في العناد. فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير. إذ يرون صاحب الدعوة محتملاً معرضاً عن اللغو، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون! وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس! ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر. وقد يثور غضبه على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء وحمق الحمقى.. وإذا قدر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد يعجز عنها من وراءه من أصحاب الدعوة.. وعند الغضب ينزغ الشيطان في النفس، وهي ثائرة هائجة مفقودة الزمام!.. لذا يأمره ربه أن يستعيذ بالله؛ لينفثىء غضبه، ويأخذ على الشيطان طريقه: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم}.. وهذا التعقيب: { إنه سميع عليم}.. يقرر أن الله سبحانه سميع لجهل الجاهلين وسفاهتهم؛ عليم بما تحمله نفسك من أذاهم.. وفي هذا ترضية وتسرية للنفس.. فحسبها أن الجليل العظيم يسمع ويعلم! وماذا تبتغي نفس بعدما يسمع الله ويعلم ما تلقى من السفاهة والجهل وهي تدعو إليه الجاهلين؟! ثم يتخذ السياق القرآني طريقاً آخر للإيحاء إلى نفس صاحب الدعوة بالرضى والقبول، وذكر الله عند الغضب لأخذ الطريق على الشيطان ونزغه اللئيم: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.. وتكشف هذه الآية القصيرة عن إيحاءات عجيبة، وحقائق عميقة، يتضمنها التعبير القرآني المعجز الجميل.. إن اختتام الآية بقوله: {فإذا هم مبصرون} ليضيف معاني كثيرة إلى صدر الآية. ليس لها ألفاظ تقابلها هناك.. إنه يفيد أن مس الشيطان يعمي ويطمس ويغلق البصيرة. ولكن تقوى الله ومراقبته وخشية غضبه وعقابه.. تلك الوشيجة التي تصل القلوب بالله وتوقظها من الغفلة عن هداه.. تذكر المتقين. فإذا تذكروا تفتحت بصائرهم؛ وتكشفت الغشاوة عن عيونهم: {فإذا هم مبصرون}.. إن مس الشيطان عمى، وإن تذكر الله إبصار.. إن مس الشيطان ظلمة، وإن الاتجاه إلى الله نور.. إن مس الشيطان تجلوه التقوى، فما للشيطان على المتقين من سلطان.. ذلك شأن المتقين: {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}.. جاء بيان هذا الشأن معترضاً بين أمر الله سبحانه بالإعراض عن الجاهلين؛ وبيان ماذا ومن ذا وراء هؤلاء الجاهلين، يدفعهم إلى الجهل والحمق والسفه الذي يزاولون.. فلما انتهى التعقيب عاد السياق يحدث عن الجاهلين: {وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وإذا لم تأتهم بآية قالوا: لولا اجتبيتها. قل: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. وإخوانهم الذين يمدونهم في الغي هم شياطين الجن.. وقد يكونون هم شياطين الإنس أيضاً.. إنهم يزيدون لهم في الضلال، لا يكلون ولا يسأمون ولا يسكتون! وهم من ثم يحمقون ويجهلون! ويظلون فيما هم فيه سادرين. ولقد كان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والسياق هنا يحكي بعض أقوالهم الدالة على جهلهم بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول: {وإذا لم تأتهم بآية قالوا: لولا اجتبيتها!}.. أي.. لولا ألححت على ربك حتى ينزلها!.. أو هلا فعلتها أنت من نفسك؟ ألست نبياً؟! إنهم لم يكونوا يدركون طبيعة الرسول ووظيفته؛ كذلك لم يكونوا يعرفون أدبه مع ربه؛ وأنه يتلقى منه ما يعطيه؛ ولا يقدم بين يدي ربه ولا يقترح عليه؛ ولا يأتي كذلك الشيء من عند نفسه.. والله يأمره أن يبين لهم: {قل: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي}.. فلا أقترح، ولا أبتدع، ولا أملك إلا ما يوحيه إلي ربي. ولا آتي إلا ما يأمرني به.. لقد كانت الصورة الزائفة للمتنبئين في الجاهليات تتراءى لهم، ولم يكن لهم فقه ولا معرفة بحقيقة الرسالة وطبيعة الرسول: كذلك يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم ما في هذا القرآن الذي جاءهم به، وحقيقته التي يغفلون عنها، ويطلبون الخوارق المادية، وأمامهم هذا الهدى الذي يغفلون عنه: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. إنه هذا القرآن.. بصائر تهدي، ورحمة تفيض.. لمن يؤمن به، ويغتنم هذا الخير العميم. إنه هذا القرآن الذي كان الجاهلون من العرب - في جاهليتهم - يعرضون عنه، ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل، في طفولة البشرية، وفي الرسالات المحلية غير العالمية، والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها، فكيف بمن بعدهم من الأجيال، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة! إنه هذا القرآن الذي لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه.. من أي جانب من الجوانب شاء الناس المعجزة في أي زمان وفي أي مكان.. لا يستثنى من ذلك من كان من الناس ومن يكون إلى آخر الزمان! فهذا جانبه التعبيري.. ولعله كان بالقياس إلى العرب في جاهليتهم أظهر جوانبه - بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني، ويتفاخرون به في أسواقهم! - ها هو ذا كان وما يزال إلى اليوم معجزاً لا يتطاول إليه أحد من البشر. تحداهم الله به وما يزال هذا التحدي قائماً. والذين يزاولون فن التعبير من البشر، ويدركون مدى الطاقة البشرية فيه، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز معجز.. سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة أو لا يؤمنون.. فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس موضوعية يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون.. وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن - في جاهليتهم - ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم - وهم جاحدون كارهون - كذلك يجد اليوم وغداً كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون! ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد.. يبقى ذلك السلطان الذي له على الفطرة - متى خلي بينها وبينه لحظة! - وحتى الذين رانت على قلوبهم الحجب، وثقل فوقها الركام، تنتفض قلوبهم أحياناً؛ وتتململ قلوبهم أحياناً تحت وطأة هذا السلطان؛ وهم يستمعون إلى هذا القرآن! إن الذين يقولون كثيرون.. وقد يقولون كلاماً يحتوي مبادئ ومذاهب وأفكاراً واتجاهات.. ولكن هذا القرآن يتفرد في إيقاعاته على فطرة البشر وقلوبهم فيما يقول! إنه قاهر غلاب بذلك السلطان الغلاب!.. ولقد كان كبراء قريش يقولون لأتباعهم الذين يستخفونهم - ويقولون لأنفسهم في الحقيقة -: {لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}.. لما كانوا يجدونه هم في نفوسهم من مس هذا القرآن وإيقاعه الذي لا يقاوم! وما يزال كبراء اليوم يحاولون أن يصرفوا القلوب عن هذا القرآن بما ينزلونه لهم من مكاتيب! غير أن هذا القرآن يظل - مع ذلك كله - غلاباً.. وما إن تعرض الآية منه أو الآيات في ثنايا قول البشر، حتى تتميز وتنفرد بإيقاعها، وتستولي على الحس الداخلي للسامعين، وتنحي ما عداها من قول البشر المحير الذي تعب فيه القائلون! ثم يبقى وراء ذلك مادة هذا القرآن وموضوعه.. وما تتسع صفحات عابرة - في ظلال القرآن - للحديث عن مادة هذا القرآن وموضوعه.. فالقول لا ينتهي والمجال لا يحد! وماذا الذي يمكن أن يقال في صفحات؟! منهج هذا القرآن العجيب، في مخاطبة الكينونة البشرية بحقائق الوجود.. وهو منهج يواجه هذه الكينونة بجملتها، لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه في السياق الواحد، ولا يدع نافذة واحدة من نوافذها لا يدخل منها إليها؛ ولا يدع خاطراً فيها لا يجاوبه، ولا يدع هاتفاً فيها لا يلبيه! منهج هذا القرآن العجيب، وهو يتناول قضايا هذا الوجود، فيكشف منها ما تتلقاه فطرة الإنسان وقلبه وعقله بالتسليم المطلق، والتجاوب الحي، والرؤية الواضحة. وما يطابق كذلك حاجات هذه الفطرة، ويوقظ فيها طاقاتها المكنونة، ويوجهها الوجهة الصحيحة. منهج هذا القرآن العجيب، وهو يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة؛ ويصعد بها - في هينة ورفق، وفي حيوية كذلك وحرارة، وفي وضوح وعلى بصيرة - درجات السلم في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.. في المعرفة والرؤية، وفي الانفعال والاستجابة، وفي التكيف والاستقامة، وفي اليقين والثقة، وفي الراحة والطمأنينة.. إلى حقائق هذا الوجود الصغيرة والكبيرة.. منهج هذا القرآن العجيب، وهو يلمس الفطرة الإنسانية، من حيث لا يحتسب أحد من البشر أن يكون هذا موضع لمسة! أو أن يكون هذا وتر استجابة! فإذا الفطرة تنتفض وتصوت وتستجيب. ذلك أن منزل هذا القرآن هو خالق هذا الإنسان الذي يعلم من خلق، وهو أقرب إليه من حبل الوريد! ذلك المنهج؟.. أم المادة ذاتها التي يعرضها القرآن في هذا المنهج.. وهنا ذلك الانفساح الذي لا يبلغ منه القول شيئاً..{أية : قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً} {أية : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله }.. تفسير : إن الذي يكتب هذه الكلمات، قضى - ولله الحمد والمنة - في الصحبة الواعية الدارسة لهذا الكتاب خمسة وعشرين عاماً. يجول في جنبات الحقائق الموضوعية لهذا الكتاب؛ في شتى حقول المعرفة الإنسانية - ما طرقته معارف البشر وما لم تطرقه - ويقرأ في الوقت ذاته ما يحاوله البشر من بعض هذه الجوانب.. ويرى.. يرى ذلك الفيض الغامر المنفسح الواسع في هذا القرآن؛ وإلى جانبه تلك البحيرات المنعزلة، وتلك النقر الصغيرة.. وتلك المستنقعات الآسنة أيضاً! في النظرة الكلية في هذا الوجود، وطبيعته، وحقيقته، وجوانبه، وأصله، ونشأته، وما وراءه من أسرار؛ وما في كيانه من خبايا ومكنونات وما يضمه من أحياء وأشياء.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها "فلسفة" البشر!.. في النظرة الكلية إلى "الإنسان" ونفسه، وأصله، ونشأته، ومكنونات طاقاته، ومجالات نشاطه؛ وطبيعة تركيبه وانفعالاته، واستجاباته، وأحواله وأسراره.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها علوم الحياة والنفس والتربية والاجتماع! والعقائد والأديان.. في النظرة إلى نظام الحياة الإنسانية؛ وجوانب النشاط الواقعي فيها؛ ومجالات الارتباط والاحتكاك، والحاجات المتجددة وتنظيم هذه الحاجات.. الموضوعات التي تطرق جوانب منها النظريات والمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وفي كل حقل من هذه الحقول يجد الدارس الواعي لهذا القرآن وفرة من النصوص والتوجيهات يحار في كثرتها ووفرتها! فوق ما في هذه الوفرة من أصالة وصدق وعمق وإحاطة ونفاسة! إنني لم أجد نفسي مرة واحدة - في مواجهة هذه الموضوعات الأساسية - في حاجة إلى نص واحد من خارج هذا القرآن - فيما عدا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو من آثار هذا القرآن - بل إن أي قول آخر ليبدو هزيلاً - حتى لو كان صحيحاً - إلى جانب ما يجده الباحث في هذا الكتاب العجيب.. إنها الممارسة الفعلية التي تنطق بهذه التقريرات؛ والصحبة الطويلة في ظل حاجات الرؤية والبحث والنظر في هذه الموضوعات.. وما بي أن أثني على هذا الكتاب.. ومن أنا ومن هؤلاء البشر جميعاً ليضيفوا إلى كتاب الله شيئاً بما يملكون من هذا الثناء! لقد كان هذا الكتاب هو مصدر المعرفة والتربية والتوجيه والتكوين الوحيد لجيل من البشر فريد.. جيل لم يتكرر بعد في تاريخ البشرية - لا من قبل ولا من بعد - جيل الصحابة الكرام الذين أحدثوا في تاريخ البشرية ذلك الحدث الهائل العميق الممتد، الذي لم يدرس حق دراسته إلى الآن.. لقد كان هذا المصدر هو الذي أنشأ - بمشيئة الله وقدره - هذه المعجزة المجسمة في عالم البشر. وهي المعجزة التي لا تطاولها جميع المعجزات والخوارق التي صحبت الرسالات جميعاً.. وهي معجزة واقعة مشهودة.. أن كان ذلك الجيل الفريد ظاهرة تاريخية فريدة.. ولقد كان المجتمع الذي تألف من ذلك الجيل أول مرة، والذي ظل امتداده أكثر من ألف عام، تحكمه الشريعية التي جاء بها هذا الكتاب، ويقوم على قاعدة من قيمه وموازينه، وتوجيهاته وإيحاءاته.. كان هذا المجتمع معجزة أخرى في تاريخ البشرية. حين تقارن إليه صور المجتمعات البشرية الأخرى، التي تفوقه في الإمكانيات المادية - بحكم نمو التجربة البشرية في عالم المادة - ولكنها لا تطاوله في "الحضارة الإنسانية"! إن الناس اليوم - في الجاهلية الحديثة! - يطلبون حاجات نفوسهم ومجتمعاتهم وحياتهم خارج هذا القرآن! كما كان الناس في الجاهلية العربية يطلبون خوارق غير هذا القرآن!.. فأما هؤلاء فقد كانت تحول جاهليتهم الساذجة، وجهالتهم العميقة - كما تحول أهواؤهم ومصالحهم الذاتية كذلك - دون رؤية الخارقة الكونية الهائلة في هذا الكتاب العجيب!.. فأما أهل الجاهلية الحاضرة، فيحول بينهم وبين هذا القرآن غرور "العلم البشري" الذي فتحه الله عليهم في عالم المادة. وغرور التنظيمات والتشكيلات المعقدة بتعقيد الحياة البشرية اليوم؛ ونموها ونضجها من ناحية التنظيم والتشكيل. وهو أمر طبيعي مع امتداد الحياة وتراكم التجارب، وتجدد الحاجات، وتعقدها كذلك! كما يحول بينهم وبين هذا القرآن كيد أربعة عشر قرناً من الحقد اليهودي والصليبي؛ الذي لم يكف لحظة واحدة عن حرب هذا الدين وكتابه القويم؛ وعن محاولة إلهاء أهله عنه؛ وإبعادهم عن توجيهه المباشر. بعدما علم اليهود والصليبيون من تجاربهم الطويلة: أن لا طاقة لهم بأهل هذا الدين، ما ظلوا عاكفين على هذا الكتاب، عكوف الجيل الأول، لا عكوف التغني بآياته وحياتهم مكلها بعيدة عن توجيهاته!..هو كيد مطرد مصرٌّ لئيم خبيث.. ثمرته النهائية هذه الأوضاع التي يعيش فيها الناس الذين يسمون اليوم بالمسلمين - وما هم بالمسلمين ما لم يحكموا في حياتهم شريعة هذا الدين! - وهذه المحاولات الأخرى في كل مكان للتعفية على آثار هذا الدين؛ ولتدارس قرآن غير قرآنه؛ يرجع إليه في تنظيم الحياة كلها، ويرد إليه كل اختلاف، وكل نزاع في التشريع والتقنين لهذه الحياة؛ كما كان المسلمون يرجعون إلى كتاب الله في هذه الشؤون!!! إنه هذا القرآن الذي يجهله أهله اليوم. لأنهم لا يعرفونه إلا تراتيل وترانيم وتعاويذ وتهاويم! بعدما صرفتهم عنه قرون من الكيد اللئيم، من الجهل المزري، ومن التعاليم المغرورة، ومن الفساد الشامل للفكر والقلب والواقع النكد الخبيث! إنه هذا القرآن الذي كان الجاهليون القدامى يصرفون عنه الجماهير بطلب الخوارق المادية. والذي يصرف عنه الجاهليون المحدثون الجماهير بالقرآن الجديد الذي يفترونه، وبشتى وسائل الإعلام والتوجيه! إنه هذا القرآن الذي يقول عنه العليم الخبير: {هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون}.. بصائر تكشف وتنير. وهدى يرشد ويهدي. ورحمة تغمر وتفيض.. {لقوم يؤمنون} فهم الذين يجدون هذا كله في هذا القرآن الكريم.. ولأن هذا هو القرآن يجيء مباشرة في السياق هذا التوجيه للمؤمنين: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}.. فتختتم به السورة التي بدأت بالإشارة إلى هذا القرآن:{أية : كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين }.. تفسير : وتختلف الروايات المأثورة في موضع هذا الأمر بالاستماع والإنصات إذا قرئ القرآن.. بعضهم يرى أن موضع هذا الأمر هو الصلاة المكتوبة. حين يجهر الإمام بالقرآن؛ فيجب أن يستمع المأموم وينصت، ولا يقرأ هو مع قراءة الإمام الجهرية. ولا ينازع الإمام القرآن! وذلك كالذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي عنه: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي، من حديث الزهري عن أبي أكثمة الليثي عن أبي هريرة "حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: "هل قرأ أحد منكم معي آنفاً به" قال رجل: نعم يا رسول الله. قال: إني أقول: ما لي أنازع القرآن"تفسير : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكالذي رواه ابن جرير في التفسير: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناساً يقرأون مع الإمام. فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا؛ أما آن لكم أن تعقلوا: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} كما أمركم الله! وبعضهم يرى أن هذا كان توجيهاً للمسلمين أن لا يكونوا كالمشركين الذين كانوا يأتون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة:{أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}تفسير : فأنزل الله عز وجل جواباً لهم: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}.. قال القرطبي هذا وقال نزل في الصلاة. روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب.. وروى ابن جرير سبباً للنزول قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم عن المسيب ابن رافع. قال ابن مسعود: كان يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن. {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}.. وقال القرطبي في التفسير: قال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن في الصلاة أجابه من وراءه. إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث فنزل: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}. وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال القرطبي كذلك: وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}.. وعن مجاهد أيضاً: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى: {.. لعلكم ترحمون}. والذين يرون أنها خاصة بقراءة القرآن في الصلاة يستشهدون بما رواه ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقص (يعني والقارئ يقرأ) فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، (يعني قوله تعالى: {لعلكم ترحمون}) قال: فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما؛ قال فأعدت، فنظرا إلي وأقبلا على حديثهما! قال فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. قال ابن كثير وهو يروي هذا الخبر: وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: في الصلاة، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرازق، عن الثوري عن ليث عن مجاهد، قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.. وبعضهم يرى أنها في الصلاة وفي الخطبة كذلك في الجمع والعيدين، قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، ويزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب وعبد الله ابن المبارك، ولكن القرطبي قال: "وهذا ضعيف، لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها. قاله ابن العربي والنقاش: والآية مكية ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة". وقال القرطبي في التفسير: قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أَن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء. ونحن لا نرى في أسباب النزول التي وردت ما يخصص الآية بالصلاة المكتوبة وغير المكتوبة، ذلك أن العبرة بعموم النص لا بخصوص السبب. والأقرب أن يكون ذلك عاماً لا يخصصه شيء، فالاستماع إلى هذا القرآن والإنصات له - حيثما قرئ - هو الأليق بجلال هذا القول، وبجلال قائله سبحانه! وإذا قال الله أفلا يستمع الناس وينصتون؟! ثم رجاء الرحمة لهم: {لعلكم ترحمون}.. ما الذي يخصصه بالصلاة؟ وحيثما قرئ القرآن، واستمعت له النفس وأنصتت، كان ذلك أرجى لأن تعي وتتأثر وتستجيب؛ فكان ذلك أرجى أن ترحم في الدنيا والآخرة جميعاً.. إن الناس يخسرون الخسارة التي لا يعارضها شيء بالانصراف عن هذا القرآن.. وإن الآية الواحدة لتصنع أحياناً في النفس - حين تستمع لها وتنصت - أعاجيب من الانفعال والتأثر والاستجابة والتكيف والرؤية والإدراك، والطمأنينة والراحة، والنقلة البعيدة في المعرفة الواعية المستنيرة.. مما لا يدركه إلا من ذاقة وعرفه! وإن العكوف على هذا القرآن - في وعي وتدبر لا مجرد التلاوة والترنم! - لينشئ في القلب والعقل من الرؤية الواضحة البعيدة المدى؛ ومن المعرفة المطمئنة المستيقنة؛ ومن الحرارة والحيوية والانطلاق! ومن الإيجابية والعزم والتصميم؛ ما لا تدانيه رياضة أخرى أو معرفة أو تجريب! وإن رؤية حقائق الوجود - من خلال التصوير القرآني - وحقائق الحياة، ورؤية الحياة البشرية وطبيعتها وحاجاتها من خلال التقريرات القرآنية، لهي رؤية باهرة واضحة دقيقة عميقة. تهدي إلى معالجتها وإلى مزاولتها بروح أخرى، غير ما توجه إليه سائر التصويرات والتقريرات البشرية.. وهذا كله أرجى إلى الرحمة.. وهو يكون في الصلاة وفي غير الصلاة. وليس هناك ما يخصص هذا التوجيه القرآني العام بالصلاة كما روى القرطبي عن النحاس. ثم تنتهي السورة بالتوجيه إلى ذكر الله عامة.. في الصلاة وفي غير الصلاة. {واذكر ربك في نفسك تضرعاَ وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال، ولا تكن من الغافلين. إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون}.. قال ابن كثير في التفسير: "يأمر الله تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً. كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله:{أية : فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب}تفسير : وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء. وهذه الآية مكية - وقال ها هنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل - كما أن الأيمان جمع يمين - وأما قوله: {تضرعاً وخيفة} أي اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة وبالقول، لا جهراً، ولهذا قال: {ودون الجهر من القول}. وهكذا يستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهراً بليغاً. ولهذا لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه؛ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل:{أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}تفسير : وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: "حديث : رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".. تفسير : ولم يقبل قول ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة.. وقال: "فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال لئلا يكونوا من الغافلين. ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته}.. الآية. وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم".. ونحن نرى فيما أورده ابن كثير من المناسبة والأحاديث النبوية مدى ما كان هذا القرآن وكانت التربية النبوية تنقل إليه نفوس العرب من المعرفة بحقيقة ربهم، وحقيقة الوجود من حولهم. وندرك من سؤالهم ومن الإجابة عليهم مدى النقلة التي نقلها لهم هذا الدين، بهذا الكتاب الكريم، بالتوجيه النبوي القويم.. إنها نقلة بعيدة، تتجلى فيها نعمة الله ورحمته لو كان الناس يعلمون..! وبعد، فإن ذكر الله - كما توجه إليه هذه النصوص - ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان. ولكنه الذكر بالقلب والجنان. فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان، وإن لم يخفق له القلب، وإن لم تعش به النفس.. إن لم يكن مصحوباً بالتضرع والتذلل والخشية والخوف.. لن يكون ذكراً.. بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه. إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة، وبالخشية والتقوى.. إنما هو استحضار جلال الله وعظمته، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه، واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه.. حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان، ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير.. فإذا تحرك اللسان مع القلب؛ وإذا نبست الشفاه مع الروح؛ فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع ولا تناقض الضراعة. ليكن ذلك في صوت خفيض، لا مكاء وتصدية، ولا صراخاً وضجة، ولا غناء وتطرية! {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول}.. {بالغدو والآصال}.. في مطالع النهار وفي أواخره. فيظل القلب موصولاً بالله طرفي النهار. وذكر الله لا يقتصر على هذه الآونة، فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن؛ ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة. ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون.. من ليل إلى نهار.. ومن نهار إلى ليل. ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله؛ وهو يرى يد الله تقلب الليل والنهار؛ وتغير الظواهر والأحوال.. وإن الله - سبحانه - ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة.. ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر الله سبحانه وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال بالله..{أية : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب. ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} {أية : ومن آثار الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى}.. {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً. ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً }.. تفسير : ولا داعي للقول بأن هذا الأمر بالذكر في هذه الآونة قد كان قبل فرض الصلاة المكتوبة في أوقاتها المعلومة. مما يوحي بأن فرض الصلاة المكتوبة قد أغنى عن هذا الأمر في هذه الآونة. فهذا الذكر أشمل من الصلاة، وأوقاته ليست مقصورة على مواقيت الصلاة المكتوبة. كما أنه قد يكون في صور غير صورة الصلاة - المكتوبة وغير المكتوبة - في صورة الذكر بالقلب، أو بالقلب واللسان دون بقية حركات الصلاة.. بل إنه لأشمل من ذلك كذلك. إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال الله - سبحانه - ومراقبته في السر والعلن، وفي الصغيرة والكبيرة، وفي الحركة والسكنة، وفي العمل والنية.. وإنما ذكر البكرة والأصيل والليل.. لما في هذه الأونة من مؤثرات خاصة يعلم الله ما تصنع في القلب البشري، الذي يعلم خالقه فطرته وطبيعة تكوينة! {ولا تكن من الغافلين}.. الغافلين عن ذكر الله.. لا بالشفة واللسان، ولكن بالقلب والجنان.. الذكر الذي يخفق به القلب؛ فلا يسلك صاحبه طريقاً يخجل أن يطلع عليه الله فيه؛ ويتحرك حركة يخجل أن يراه الله عليها، ولا يأتي صغيرة أو كبيرة إلا وحساب الله فيها.. فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا؛ وإلا فما هو ذكر لله، إذا كان لا يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والاتباع. اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره؛ ولا يغفل قلبك عن مراقبته؛ فالإنسان أحوج أن يظل على اتصال بربه، ليتقوى على نزغات الشيطان: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم}. ولقد كانت السورة من قبل معرضاً للمعركة بين الإنسان والشيطان في أوائلها، وظل سياقها يعرض موكب الإيمان وشياطين الجن والإنس تعترض طريقه، كما ذكر الشيطان في نبأ الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. وكما ذكر في أواخرها نزغ الشيطان والاستعاذة منه بالله السميع العليم.. وهو سياق متصل، ينتهي بالتوجيه إلى ذكر الله تضرعاً وخيفة، والنهي عن الغفلة.. ويأتي هذا الأمر وهذا النهي في صدد توجيه الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين.. فإذا هو تكملة لمعالم الطريق، وتزويد لصاحب الدعوة بالزاد الذي يقوى به على مشاق الطريق.. ثم يضرب الله مثلاً بالذين عنده من الملائكة المقربين: الذين لا ينزغ في أنفسهم شيطان، فليس له في تركيب طبيعتهم مكان! ولا تستبد بهم نزوة، ولا تغلبهم شهوة. ومع هذا فهم دائبون على تسبيح الله وذكره، لا يستكبرون عن عبادته ولا يقصرون. وللإنسان أحوج منهم إلى الذكر والعبادة والتسبيح. وطريقه شاق! وطبيعته قابلة لنزغ الشيطان! وقابلة للغفلة المردية! وجهده محدود. لولا هذا الزاد في الطريق الكؤود: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه. وله يسجدون}.. إن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين.. إنه ليس منهج معرفة نظرية. وجدل لاهوتي، إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري. وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء. وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة؛ تحتاج إلى جهد طويل، وإلى صبر عميق. وطاقة صاحب الدعوة محدودة. ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه. إنه ليس العلم وحده، وليست المعرفة وحدها. إنما هي العبادة لله والاستمداد منه.. هي الزاد، وهي السند، وهي العون؛ في الطريق الشاق الطويل! ومن ثم هذا التوجيه الأخير في السورة التي بدأت بقول الله سبحانه لرسول الكريم،{أية : كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين} تفسير : والتي تضمن سياقها عرض موكب الإيمان، بقيادة الرهط الكريم من رسل الله الكرام؛ وما يعترض طريقه من كيد الشيطان الرجيم؛ ومن مكر شياطين الجن والإنس؛ ومن معارضة المتجبرين في الأرض، وحرب الطواغيت المتسلطين على رقاب العباد. إنه زاد الطريق. وعدة الموكب الكريم في هذا الطريق..
ابن عاشور
تفسير : أشبعت هذه السورة من أفانين قوارع المشركين وعظتهم وإقامة الحجة عليهم وبعثتهم على التأمل والنظر في دلائل وحدانية الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي دينه وكتابه وفضح ضلال المشركين وفساد معتقدهم والتشويه بشركائهم، وقد تخلل ذلك كلّه التسجيل بمكابرتهم، والتعجيبُ منهم كيف يركبون رؤوسهم، وكيف يَنأون بجانبهم، وكيف يصمون أسماعهم، ويغْمضون أبصارهم عما دعوا إلى سماعه وإلى النظر فيه، ونُظرت أحوالهم بأحوال الأمم الذين كذبوا من قبلهم، وكفروا نعمة الله فحل بهم ما حل من أصناف العذاب، وأنذر هؤلاء بأن يحل بهم ما حل بأولئك، ثم أعلن باليأس من ارعوائهم، وبانتظار ما سيحل بهم من العذاب بأيدي المؤمنين، وبتثبيت الرسول والمؤمنين وتبشيرهم والثناء على ما هم عليه من الهدى، فكان من ذلك كله عبرة للمتبصرين، ومسلاة للنبيء وللمسلمين، وتنويه بفضلهم وإذ قد كان من شأن ذلك أن يثير في أنفس المسلمين كراهية أهل الشرك وتحفزُهم للانتقام منهم ومجافاتهم والإعراض عن دعائِهم إلى الخير، لا جرم شُرع في استيناف غرض جديد، يكون ختاماً لهذا الخوض البديع، وهو غَرض أمْرِ الرسول والمؤمنين بقلة المبالاة بجفاء المشركين وصلابتهم، وبأن يَسعوهم من عفوهم والدَأب على محاولة هديهم والتبليغ إليهم بقوله: {خُذ العفو وأمر بالعرف} الآيات. والأخذ حقيقته تناول شيء للانتفاع به أو لإضراره، كما يقال: أخذت العدو من تلابيبه، ولذلك يقال في الأسير أخيذ، ويقال للقوم إذا أسروا أخذوا واستعمل هنا مجازاً فاستعير للتلبس بالوصف والفعل من بين أفعال لو شاء لتلبس بها، فيُشبّه ذلك التلبسُ واختيارهُ على تلبس آخر بأخذ شيء من بين عدة أشياء، فمعنى (خذ العفو): عَامِل به واجْعله وصفاً ولا تتلبس بضده. وأحسب استعارة الأخذ للعرف من مبتكرات القرآن ولذلك ارجع أن البيت المشهور وهو:شعر : خُذي العفوَ مني تَستديمي مَوَدتي ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ تفسير : هو لأبي الأسود الدؤلي، وأنه اتبع استعمال القرآن، وأن نسبته إلى أسماء بن خارجة الفزاري أو إلى حاتم الطائي غير صحيحة. والعفو الصفح عن ذنب المذنب وعدم مؤاخذته بذَنبه وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}تفسير : [البقرة: 219] وقوله: {أية : فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} تفسير : في سورة البقرة (109)، والمراد به هنا ما يعم العفو عن المشركين وعدم مؤاخذتهم بجفائهم ومساءتهم الرسول والمؤمنين. وقد عمت الآية صور العفو كلها: لأن التعريف في العفو تعريف الجنس فهو مفيد للاستغراق إذا لم يصلح غيرُه من معنى الحقيقة والعهد، فأمر الرسول بأن يعفو ويصفح وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم وسوء خلقهم، فلا يعاقبهم ولا يقابلهم بمثل صنيعهم كما قال تعالى: {أية : فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم}تفسير : [آل عمران: 159]، ولا يخرج عن هذا العموم من أنواع العفو أزمانه وأحواله إلا ما أخرجته الأدلة الشرعية مثل العفو عن القاتل غيلة، ومثل العفو عن انتهاك حرمات الله، والرسولُ أعلم بمقدار ما يُخص من هذا العموم، وقد يبينه الكتاب والسنة وألحق به ما يقاس على ذلك المبين، وفي قوله: {وأمُر بالعُرف} ضابط عظيم لمقدَار تخصيص الأمر بالعفو. ثم العفو عن المشركين المقصود هنا أسبقُ أفراد هذا العموم إلى الذهن من بقيتها ولم يَفهم السلف من الآية غير العموم ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس قال «قدِم عُيينة بن حصن المدينة فنزل على ابن أخيه الحُر بن قَيس، وكان الحُرُ بن قيس من النفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القراءُ أصحاب مجالس عمر ومشاورته، فقال عُيينةُ لابن أخيه لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فأستأذن الحُر لعُيينة فأذِن له عمر، فلما دخل عليه قال «هِيهْ يابنَ الخطاب ما تُعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل» فغضب عمر حتى همّ أن يُوقِع به فقال له الحُر: «يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه: {خذ العفو وأمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإن هذا من الجاهلين، واللَّهِ ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقّافاً عند كتاب الله» وفيه عن عبد الله بن الزبير قال «ما أنزل الله ذلك إلا في أخلاق الناس» ومن قال إن هذه الآية نسختها آيات القتال فقد وهم: لأن العفو باب آخر، وأما القتال فله أسبابه ولعله أراد من النسخ ما يشمل معنى البيان أو التخصيص في اصطلاح أصول الفقه. و{العُرف} اسم مرادف للمعروف من الأعمال وهو الفعل الذي تعرفه النفوس أي لا تنكره إذا خليت وشأنها بدون غرض لها في ضده، وقد دل على مرادفته للمعروف قول النابغة:شعر : فلا النُّكْر معروفٌ ولا العُرف ضايعُ تفسير : فقابل النكر بالعُرف، وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى: {أية : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} تفسير : في سورة آل عمران (110). والأمر يشمل النهي عن الضد، فإن النهي عن المنكر أمر بالمعروف، والأمر بالمعروف نهي عن المنكر، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالاجتزاء بالأمر بالعرف عن النهي عن المنكر من الايجاز، وإنما اقتصر على الأمر بالعرف هنا: لأنه الأهم في دعوة المشركين لأنه يدعوهم إلى أصول المعروف واحداً بعد واحد، كما ورد في حديث معاذ بن جبل حين أرسله إلى أهل اليمن فإنه أمره أن يدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ثم قال: «فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات» ولو كانت دعوة المشركين مبتدأة بالنهي عن المنكر لنفروا ولملّ الداعي، لأن المناكير غالبة عليهم ومحدقة بهم، ويدخل في الأمر بالعرف الاتسام به والتخلق بخلقه: لأن شأن الآمر بشيء أن يكون متصفاً بمثله. وإلا فقد تعرض للاستخفاف على أن الآمر يبدأ بنفسه فيأمرها كما قال أبو الأسود:شعر : يأيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تفسير : على أن خطاب القرآن الناس بأن يأمروا بشيء يعتبر أمراً للمخاطب بذلك الشيء وهي المسألة المترجمة في أصول الفقه بأن الأمر بالأمر بالشيء هو أمر بذلك الشيء. والتعريف في {العرف} كالتعريف في {العفو} يفيد الاستغراق. وحُذف مفعول الأمر لافادة عموم المأمورين {أية : واللَّهُ يَدعُو إلى دار السلام} تفسير : [يونس: 25]، أمر الله رسوله بأن يأمر الناس كلهم بكل خير وصلاح فيدخل في هذا العموم المشركون دخولاً أولياً لأنهم سبب الأمر بهذا العموم أي لا يصدنك إعراضهم عن إعادة إرشادهم وهذا كقوله تعالى: {أية : فأعرض عنهم وعظهُم} تفسير : [النساء: 63]. والإعراض: إدارة الوجه عن النظر للشيء. مشتق من العارض وهو الخَد، فإن الذي يلتفت لا ينظر إلى الشيء وقد فسر ذلك في قوله تعالى: {أية : أعْرَضَ ونأى بجانبه}تفسير : [الإسراء: 83] وهو هنا، مستعار لعدم المؤاخذة بما يسوء من أحد، شبه عدم المؤاخذة على العمل بعدم الالتفات إليه في كونه لا يترتب عليه أثر العلم به لأن شأن العلم به أن تترتب عليه المؤاخذة. و«الجهل» هنا ضد الحلم والرشد، وهو أشهر إطلاق الجهل في كلام العرب قبل الإسلام، فالمراد بالجاهلين السفهاء كلهم لأن التعريف فيه للاستغراق، وأعظم الجهل هو الإشراك، إذ اتخاذ الحجر إلهاً سفاهة لا تَعْدِلها سفاهة، ثم يشمل كل سفيه رأي. وكذلك فَهم منها الحر بن قيس في الخبر المتقدم آنفاً، وأقره عمر بن الخطاب على ذلك الفهم. وقد جمعتْ هذه الآية مكارم الأخلاق لأن فضائِل الأخلاق لا تعدُو أن تكون عفواً عن اعتداء فتدخل في {خذ العفو}، أو إغضاءً عما لا يلائم فتدخل في {وأعرض عن الجاهلين}، أو فعلَ خير واتساماً بفضيلة فتدخل في {وأمر بالعرف} كما تقدم من الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، وهذا معنى قول جعفر بن محمد: «في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضاً، فإن الأمر يأخذ العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامَحة من الحقوق، وكذلك الأمر بالعرف يتقيد بأخذ العفو وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق.
الشنقيطي
تفسير : بين في هذه الآية الكريمة ما ينبغى أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس والجن. فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله وإساءته. وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاتعاذة بالله منه. قال في الأول: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وقال في الثاني: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين. أحدهما: في سورة {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ} قال فيه في شيطان الإنس: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 96] وقال في الآخر: {أية : وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} تفسير : [المؤمنون: 97-98]. والثاني: في حم "السجدة" قال فيه في شيطان الإنس: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم}تفسير : [فصلت: 34] وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس، بل لا يعطيه الله إلا لذي الحظ الكبير والبخت العظيم عنده فقال: {أية : وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} تفسير : [فصلت: 35] ثم قال في شيطان الجن: {َأية : وإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [فصلت: 36].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: العفو: ما كان سهلاً لا كلفة فيه وهو ما يأتي بدون تكلف. بالعرف: أي المعروف في الشرع بالأمر به أو الندب إليه. وأعرض عن الجاهلين: الجاهلون: هم الذين لم تستنر قلوبهم بنور العلم والتقوى، والإِعراض عنهم بعدم مؤاخذتهم على سوء قولهم أو فعلهم. نزغ الشيطان: أي وسوسته بالشر. فاستعذ بالله: أي قل أعوذ بالله يدفعه عنك إنه أي الله سميع عليم. اتقوا: أي الشرك والمعاصي. طائف من الشيطان: أي ألم بهم شيء من وسوسته. وإخوانهم يمدونهم في الغي: أي إخوان الشياطين من أهل الشرك والمعاصي يمدونهم في الغي. ثم لا يقصرون: أي لا يكفون عن الغي الذي هو الضلال والشر والفساد. معنى الآيات: لما علّم تعالى رسوله كيف يحاج المشركين لإِبطال باطلهم في عبادة غير الله تعالى والإِشراك به عز وجل علمه في هذه الآية أسمى الآداب وأرفعها، وأفضل الأخلاق وأكملها فقال له: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} أي خذ من أخلاق الناس ما سهل عليهم قوله وتيسر لهم فعله، ولا تطالبهم بما لا يملكون أو بما لا يعلمون وأمرهم بالمعروف، وأعرض عن الجاهلين منهم فلا تعنفهم ولا تغلظ القول لهم فقد سأل صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية جبريل عليه السلام فقال له: (تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك) وقوله {وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ} أي أثار غضبك حتى لا تلتزم بهذا الأدب الذي أمرت به {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} بدفعه عنك إنه سميع لأقوالك عليم بأحوالك. ثم قال تعالى مقرراً حكم الاستعاذة مبيناً جدواها ونفعها لمن يأخذ بها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} أي ربهم فلم يشركوا به أحداً ولم يفرطوا في الواجبات ولم يغشوا المحرمات هؤلاء {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} بأن نزغهم بإثارة الغضب أو الشهوة فيهم تذكروا أمر الله ونهيه ووعده ووعيده {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} يرون قبح المعصية وسوء عاقبة فاعلها فكفوا عنها ولم يرتكبوها. وقوله تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ} أي إخوان الشياطين من أهل الشرك والمعاصي {يَمُدُّونَهُمْ} أي الشياطين {فِي ٱلْغَيِّ} أي في المعاصي والضلالات ويزيدونهم في تزيينها لهم وحملهم عليها، {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} عن فعلها ويكفون عن ارتكابها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأمر بالتزام الآداب والتحلي بأكمل الأخلاق ومن أرقاها العفو عمن ظلم وإعطاء من حرم، وصلة من قطع. 2- وجوب الاستعاذة بالله عند الشعور بالوسوسة أو الغضب أو تزيين الباطل. 3- فضيلة التقوى وهي فعل الفرائض وترك المحرمات. 4- شؤم أخوة الشياطين حيث لا يقصر صاحبها بمد الشياطين له عن الغي الذي هو الشر والفساد.
القطان
تفسير : العفو: الذي يأتي من غيرِ كُلفة. ينزغ: يوسوس بالشر. والنزغ: وساوس الشيطان وما يحمل به الإنسانَ على المعاصي. طائفٌ من الشيطان: ما يدور في خيال المرء من وساوس. اجتبيتها: افتعلتها. جاءت هذه التوجيهات الربانية الى الرسول الكريم وأصحابه، وهم لا يزالون في مكّة المكرمة، وفي مواجهة المشركين فيها ومواجهة الأعراب من حولهم في الجزيرة وأهل الأرض كافة. يا محمد، خذ العفو الميسَّر الممكِنَ من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة، ولا تطلب منهم ما يشقّ عليهم، واعفُ عن أخطائم وضعفهم. ذلك ان التعامل مع النفوس البشرية بغية هدايتها يقتضي سعةَ صدرٍ، وسماحة طبعٍ، ويسراً وتيسيرا في غير إفراطٍ ولا تفريط في دين الله، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثال الكمال والخلق العظيم. وامرْ يا محمد بالعُرف، وهو الخير المعروف، والعُرف اسمٌ جامعٌ لك ما عرف من طاعة الله والتقرب اليه والإحسان الى الناس. وأعرض أيها الرسول الهادي عن الجاهلين، وهم الذين لا تُرجى هدايتهم، إذ قد يكون إهمالهم والإعراض عنهم أجدى في هدايتهم. روي عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه انه قال: "ليس في القرآن آيةٌ أجمعَ لمكارم الأخلاق من هذه" وقال بعض العلماء: تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة، فلم يبق حسنة الا وعتْها، ولا فضيلة الا شَرَحتها. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ان عُيَبْنَةَ بن حِصْن، وكان فيه غلظة وجفاء، قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: هِيْ يا ابن الخطاب، أفو اللهِ ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر، حتى همّ ان يوقع به. فقال له الحُرّ بن قيس: يا امير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وهذا من الجاهلين. قال ابن عباس: والله ما جوزَها عمرُ حين تلاها عليه، كان وقّافاً عند كتاب الله. وان تعرَّض لك يا محمد من الشيطان وسوسةٌ لصرفِك عما أُمرت، كأن تغضب من لجاجتهم بالشر فاستجرْ بالله يصرفه عنك، إنه سميع لكل ما يقال عليم به. ثم بيّن الله طريق سلامةِ مَن يستعيذ من الشيطان من الوقوع في المعصيةِ فقال: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}. ان اخبار المؤمنين المتقين، إذا ألمَّ بهم من الشيطان وسوسةٌ تذكّروا أن ذاك من إغواء الشيطان عدوِّهم، وعند ذاك يبصرون الحق فيرجعون عن الأخذ بتلك الوسوسة. هذا حال المتقين. أما اخوان الشياطين من الكفار، فان الشياطين تزيدهم ضلالا بالوسوسة، بذلك فهي تمدهم في غيّهم وافسادهم. ومن ثم تراهم يستمرون في شرورهم وآثامِهم. واذا لم تأت يا محمد الكفار الذين يعاندونك بآية مما يطلبون، قالوا هلا اختلقتها؟ قل لهم: إنني لا أتّبع الا القرآن الذي يوحي اليّ من ربي، وفيه بصائر وحجج تهديكم الى وجوه الحق والخير، فهو نبع هدى يرشد، ورحمةٍ تغمر المؤمنين وتفيض عليهم البركات.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْجَاهِلِينَ} (199) - أعْرِضْ أَيُّها النَّبِيُّ عَنِ الجَاهِلينَ، وَسِرْ فِي سَبيلِ الدَّعْوةِ، وَخُذِ النَّاسَ بِمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ، وَأمُرْهُمْ بِكُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ تَعْرِفُهُ العُقُولُ، وَتُدْرِكُهُ الأفْهَامُ. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لا يُخَيَّرُ بَيْنَ أمْرَينِ إلاَّ اخْتَارَ أيْسَرَهُمَا. (وَرُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سَألَ جِبْرِيلَ، عَلَيهِ السَّلامُ عَنِ المَقْصُودِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: ("حديث : إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بِأنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلَ مَنْ قََطَعكَ"تفسير : ) (رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أبي حَاتِمٍ). وَقِيلَ إنَّ حُسْنَ المُعَامَلَةِ يَكُفُّ العَاصِي عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ التَّمَرُّدِ. العَفْوُ - هُوَ السَّهْلُ الذِي لاَ كُلْفَةَ فِيهِ. خُذِ العَفْوَ - خُذْ مَا عَفَا وَصَفَا مِنْ أخْلاقِ النَّاسِ. وَأمُرْ بِالعُرْفِ - المَعْرُوفُ حُسْنُهُ فِي الشَّرْعِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه آية جمع فيها المولى سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق. وبعد أن أبلغ الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو المشركين لأن يكيدوا له مع شياطينهم وأصنامهم ولن يستطيعوا. وبعد ذلك يوضح له: أنا أحب أن تأخذ بالعفو، وفي هذا تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن يتبعه، وكلمة "العفو" ترد على ألسنتنا، ونحن لا ندري أن لها معنى أصيلاً في اللغة. وقد يسألك سائل: من أي أتيت بهذا الشيء؟ فتقول له: جاءني عفواً، أي بدون جهد، وبدون مشقة، وبدون سعي إليه ولا احتيال لاقتنائه. ويقال أيضاً: إن هذا الشيء جاء لفلان عفو الخاطر، أي لم يفكر فيه، بل جاء ميسراً. هذا هو معنى العفو. والحق هنا يأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو، أي أن يأخذ الأمر الميسر السهل، الذي لا تكلف فيه ولا اجتهاد؛ لأنك بذلك تُسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها، أما حين تتكلف الأشياء، فذلك يرهق الناس، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86]. وقوله: {وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ} أي أنه صلى الله عليه وسلم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين الناس؛ لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس، ويجب أن تقوم المعاملة فيما بينهم بدون لدد أو تكلف. ولذلك يقال: إن المؤمن هو السمح إذا باع، والسمح إذا اشترى، والسمح إذا اقتضى، والسمح إذا اْقتُضِي منه: أي أنه في كل أموره سمح. وللأمر بأخذ "العفو" معنى آخر وهو أن تعفو عمن ظلمك؛ لأن ذلك ييسر الأمور. والعفو أيضاً له معنى ثالث، هو الأمر الزائد، مثل قوله الحق تبارك وتعالى من قبل أن تفرض الزكاة: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ...}تفسير : [البقرة: 219]. ثم حدد الحق بعد ذلك الزكاة وأوجه إنفاقها، ونلحظ أن الأمر بالإنفاق من قبل أن تفرض الزكاة، والإنفاق بعد أن نزل الأمر بالزكاة يلتقيان في السهولة؛ لأن المؤمن لا ينفق مما يحتاجه. بل من الزائد عن حاجته. وقول الله سبحانه وتعالى في الآية "خذ العفو" فيه أمر "خذ" ومقابله "أعْطِ" وقد تعطي إنساناً فلا يأخذ منك إن رأى أن ما تعطيه له ليس في مصلحته، لكن إذا قال الحق تبارك وتعالى: "خذ" فهذا أمر يعود نفعه عليك، فإن كان العفو عمن ظلمك في ظاهر الأمر ينقصك شيئاً، فاعلم أنك أخذت العفو لنفسك. واعلم أن الحق سبحانه وتعالى يحب من عبده المؤمن أن يكون هينا ليناً مع إخوانه من المؤمنين. فإن عز عليه أخوه المؤمن فَلْيَهنْ له، فإن تعالى أو تعالم أخ مسلم عليك، فلا تتعال عليه أو تتعالم حتى لا تقوم معركة بينكما، بل تواضع أنت، ليزيدك الله رفعة وعزة. وكأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لك: أنك حين تعطي العفو تأخذ الخير من خلاله. ودائماً أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت حين تدخل إلى منزلك وتجد ابناً لك قد أساء إلى أخيه فيتجه قلبك وحنانك إلى المظلوم. ونحن عيال ربنا، فإن ظلم واحدٌ آخرَ، فالظالم بظلمه يجعل الله في جانب المظلوم، ولذلك يحتاج الظالم إلى أن نحسن إليه حيث كان سببا في رعاية الله لنا فنفعل معه مثلما فعل سيدنا حسن البصري عندما قيل له: إن فلاناً اغتابك بالأمس. ونادى سيدنا حسن البصري الخادم وقال له: جاءنا طبق من باكورة الرطب. اذهب به إلى فلان - وحدد للخادم اسم من اغتابه - وتعجب الخادم: كيف تبعث بالرطب إليه وهو قد اغتابك؟ فقال: أفلا أحسن إلى من جعل الله بجانبي، قل له: "يقول لك سيدي بلغه أنك قد اغتبته فأهديت إليه حسناتك، وهو أهداك رطبه". {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وتتناول الآية الكريمة الأمر بالعرف: والعرف هو السلوك الذي تعرف العقول صوابه، وتطمئن إليه النفوس، ويوافق شرع الله، ونسميه العرف؛ لأن الكل يتعارف عليه، ولا أحد يستحيي منه، لذلك نسمع في شتى المجتمعات عن بعض ألوان السلوك: هذا ما جرى به العرف. وما يجري به العرف عند المجتمعات المؤمنة يعتبر مصدراً من مصادر الأحكام الشرعية. وخير مثال على ذلك: أننا نجد الشاب لا يخجل من أن يطرق باب أسرة ليطلب يد ابنتها، لأن هذا أمر متعارف عليه ولا حياء منه، بينما نجد المجتمع المسلم يستحي أن يوجد بين أفراده إنسان يزني، والغاية من الزنا الاستمتاع، والغاية من طلب يد الفتاة هو الاستمتاع، لكْن هناك فارق كبير بين متعة يحرمها الله عز وجل، ومتعة يٌحلّها الله تعالى. وفي نهاية الآية يقول الله تعالى: {...وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} وكيف يكون الإعراض عن الجاهلين؟. يخطئ من يظن أن الجاهل هو الذي لا يعلم، لأن من لا يعلم هو الأمي، أما الجاهل فهو من يعلم قضية تخالف الواقع. ونلحظ أن المشكلات لا تأتي من الأميين الذي لا يعلمون، فالأمي من هؤلاء يصدق أي قضية تحدثه عنها وتكون مقبولة بالفطرة؛ لأنه لا يملك بديلاً لها، أما الجاهل فهو من يعلم قضية مخالفة للواقع ويحتاج إلى تغيير علمه بتلك القضية، والخطوة الثانية أن تقنعه بالقضية الصحيحة. والحق هنا يوضح: أعرضْ عن الجاهل الذي يعتقد قضية مخالفة للواقع ويتعصب لها، وأنت حين تعرض عن الجاهل، يجب ألا تماريه، أي لا تجادله؛ لأن الجدل معه لن يؤدي إلى نتيجة مفيدة؛ لذلك أقول لكل من يواجه قضية التدين ولم يقرأ عن الدين كتاباً واحداً، وقرأ في كتب الانحراف عن الدين المئات، أقول له: كما قرأت فيما يناهض الدين مئات الكتب فمن الحكمة يجب عليك أن تكون عادلاً ومنصفاً فتقرأ في مجال التدين بعض الكتب الخاصة به مثلما قرأت في غيرها. وإن أردت أن تبحث قضية الدين بحثاً منطقياً يصحح لك عقيدتك، فعليك أن تخْرِج كل الاقتناعات المسبقة من قلبك ووجدانك. وتدرس الأمرين بعيداً عن قلبك، ثم أدخل إلى قلبك الأمر الذي ترتاح إليه، لكن لا تحتفظ في قلبك بقضية وتناهض منطوقها بظاهر لسانك. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...}تفسير : [الأحزاب: 4]. فأنت لك قلب واحد، إما أن يمتلئ بالإيمان واليقين وإما بغير ذلك. والقلب حيز واحد فلا تشغله أنت بباطل، حين تبحث قضية الحق، بل أخرج الباطل من قلبك أولاً، واجعل الباطل والحق خارجه، وابحث بعقلك، والذي ييسرُ إليك أن تدخله إلى قلبك فأدخله. وفي بيان معنى هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها روى لنا أبيّ قال: لما أنزل الله عز وجلّ على نبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ". تفسير : وسبحانه - إذن - يريد أن يعلمنا قضية إيمانية إنسانية؛ لأنك كمسلم تساعد المصاب في بدنه، فما بالك بالمصاب في قيمه، ألا يحتاج إلى معونتك؟. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} [الآية: 199]. يعني: من أَخلاق الناس وأَعمالهم بغير تحسس.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ [وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ]} معناهُ الفَضلُ. والعُرفُ: المَعروفُ.
الأندلسي
تفسير : {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} الآية هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وهم جميع أمته وهي أمر بجميع مكارم الأخلاق وقد أمر بذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: حديث : يسرو ولا تعسروا تفسير : . وقال حاتم الطائي: شعر : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب تفسير : {وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ} أي ينخسنك بأن يحملك بوسوسته على ما لا يليق فاطلب العياذ بالله منه وهي اللواذ والاستجارة. قيل: لما نزلت خذ العفو الآية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : كيف والغضب تفسير : . فنزلت وأما ينزغنك، وإن شرطية، وما زائدة، ونزغ هو الفاعل، وهو مصدر يراد به اسم الفاعل أي نازغ وهذا التركيب جاء في القرآن كثيراً بزيادة ما وبنون التوكيد كقوله تعالى: واما تخافن، فاما تذهبن، واما نرينك، وختم بهاتين الصفتين لأن الإستعاذة تكون باللسان ولا تجدي إلا باستحضار معناها فالمعنى سميع للأقوال عليم بما في الضمائر. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} الآية قال ابن عطية وقال الكسائي: الطيف اللمم والطائف ما طاف حول الإِنسان وكيف هذا، وقد قال الأعشى: شعر : وتصبح عن غب السرى وكأنها ألم بها من طائف الجن أولت تفسير : انتهى. لا تتعجب من تفسير الكسائي الطائف بما طاف حول الإِنسان بهذا البيت لأنه يصح فيه معنى ما قاله الكسائي لأنه ان كان تعجبه وإنكاره من حيث خصوص الإِنسان فالذي قاله الأعشى تشبيه لأنه قال: كأنها، وإن كان تعجبه من حيث فسر بأنه ما طاف حول الإِنسان، فطائف الجن يصح أن يقال: هو طائف حول الإِنسان، وشبه هو الناقة في سرعتها ونشاطها وقطعها الفيافي في عجلة بحالتها إذا ألم بها أولق من طائف الجن. وقرىء: طيف مخففاً من طيف كما قالوا: ميت في ميت، والنزغ من الشيطان أخف من مس الطائف من الشيطان، لأن النغز أدنى حركة. والمس: الإِصابة، والطائف: ما يطوف به ويدور عليه، فهو أبلغ لا محالة فحال المتيقن في ذلك غير حال الرسول. وانظر لحسن هذا البيان حيث كان الكلام للرسول كان الشرط بلفظ أن المحتملة للوقوع ولعدمه وحيث كان الكلام للمتقين كان المجيء بإِذا الموضوعة للتحقق أو للترجيح، وعلى هذا فالنزغ يمكن أن يقع ويمكن أن لا يقع والمس واقع لا محالة أو مرجح وقوعه هو إلصاق البشرة بالبشرة وهو هنا استعارة. وفي تلك الجملة أمر هو صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة، وهنا جاءت الجملة خبرية في ضمنها الشرط وجاء الخبر تذكروا فدل على تمكن حسّ الطائف حتى حصل نسيان فتذكروا ما نسوه والمعنى تذكروا ما أمر به تعالى، وما نهى عنه وبنفس التذكر حصل إبصارهم وفاجأهم إبصار الحق والسداد فاتبعوه وطردوا عنهم مسّ الطائف واتقوا عامة في كل ما يتقى. {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} الضمير في وإخوانهم عائد على ما تقدم من الكفار. وإخوانهم مبتدأ، ويمدونهم خبر، والضمير في يمدونهم المنصوب يعود على ما عاد عليه الضمير في وإخوانهم. وقرىء: يمدونهم من أمد ويمدونهم من مدوهما بمعنى واحد. و{فِي ٱلْغَيِّ} متعلق بيمدونهم. {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يكفون عن إمدادهم في الغواية. {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} الآية، روي أن الوحي كان يتأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً فكان الكفار يقولون: {لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} ومعنى هذه اللفظة في كلام العرب تخيَّرتها واصطفيتها. قال ابن عباس: هلا اخترعتها واختلقتها من قبلك ومن عند نفسك، ولولا هي للتحضيض بمعنى هلا. {قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي} الآية، بيّن أنه ليس مجيء الآيات إليه إنما هو متبع ما أوحاه الله إليه ولست بمفتعلها ولا مقترحها. و{هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ} أي هذا الموحى إلي الذي أنا أتبعه لا أبتدعه وهو القرآن بصائر أي حجج وبينات يبصر بها وتتضح الأشياء الخفيات، وهي جمع بصيرة كقوله تعالى: {أية : عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}تفسير : [يوسف: 108]، أي على أمر جلّي منكشف وأخبر عن المفرد بالجمع لاشتماله على سور وآيات. وقيل: هو على حذف مضاف أي ذو بصائر. {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي دلالة على الرشد، ورحمة في الدين والدنيا. وخصَّ المؤمنين بأنهم هم الذين يستبصرون وهم الذين ينتفعون بالوحي يتبعون ما أمر به فيه ويجتنبون ما ينهون عنه فيه ويؤمنون بما تضمنه. {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ} الآية، روي أنها نزلت في المشركين كانوا إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ} تفسير : [فصلت: 26]. فنزلت جواباً لهم. ولما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة أمر باستماعه إذا شرع في قراءته، وبالإِنصات وهو السكوت مع الإِصغاء إليه، لأن ما اشتمل على هذه الأوصاف فمن البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغي إليه حتى يحضل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلالة ويرحم بها. والظاهر استدعاء الاستماع والإِنصات إذا أخذ في قراءة القرآن ومتى قرىء. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية لما أمرهم تعالى بالاستماع والإِنصات إذا شرع في قراءته ارتقى من أمره تعالى إلى أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بذكر ربه في نفسه أي بحيث يراقبه ويذكره في الحالة التي لا يشعر بها أحد وهي الحالة الشريفة العليا ثم أمره أن يذكره دون الجهر من القول أي يذكره بالقول الخفي الذي يشعر بالتذلل والخضوع من غير صياح ولا تصويت كما تناجي الملوك وتستجلب منهم الرغائب، وكما قال عليه السلام للصحابة وقد جهروا بالدعاء: حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً اربعوا على أنفسكم . تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} أي مالك أمرك والناظر في مصلحتك. وفي نفسك متعلق باذكر وتضرعاً وخيفة مفعولان من أجله أي لتضرع وخيفة أو مصدران منصوبان على الحال أي متضرعاً وخائفاً. {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} معطوف على قوله: في نفسك، أي ذكراً في نفسك وذكراً دون الجهر. {بِٱلْغُدُوِّ} إن كان جمعاً لغداة فهو مقابل بالجمع وهو بالآصال، وإن كان مصدراً لغداء فيكون على حذف تقديره بأوقات الغدو. والظاهر اقتصار الأمر بالذكر على هذين الوقتين. وقيل: المراد بهما الأوقات، واقتصر عليهما لأنهما ظرفان للأوقات. {وَٱلآصَالِ} هي العشايا جمع أصل وهي العشية ولما أمره تعالى بالذكر أكد ذلك بالنهي عن أن يكون من الغافلين أي استدم الذكر ولا تغفل طرفة عين ومعلوم أنه عليه السلام تستحيل عليه الغفلة لعصمته فهو نهي له والمراد أمته. {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} هم الملائكة عليهم السلام ومعنى العندية الزلفى والقرب منه تعالى بالمكانة لا بالمكان وذلك لتوفرهم على طاعته وابتغاء مرضاته، ولما أمر تعالى بالذكر ورغب في المواظبة عليه ذكر من شأنهم ذلك فأخبر عنهم باخبار ثلاثة: الأول نفي الاستكبار عن عبادته وذلك هو أصل إظهار العبودية، ونفي الاستكبار هو الموجب للطاعات كما أن الاستكبار هو الموجب للعصيان لأن المستكبر يرى لنفسه شقوفاً ومزيّة فيمنعه ذلك من الطاعة. الثاني إثبات التسبيح منهم له تعالى وهو التنزيه والتطهير عن جميع ما لا يليق بذاته المقدسة. والثالث السجود له تعالى ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار وكانت على قسمين عبادة قلبية وعبادة جسمانية ذكرهما، فالقلبية تنزيه الله تعالى عن السوء والجسمانية السجود وهو الحال التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى. وفي الحديث: حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد .
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم. { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية الجاهل، أمر اللّه تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فَصِلْهُ، ومن ظلمك فاعدل فيه. وأما ما ينبغي أن يعامل به العبد شياطين الإنس والجن، فقال تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ} [199] 215- أنا هارون بن إسحاق، نا عَبدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن الزُّبير قال: إنما أنزل الله تبارك وتعالى {خُذِ ٱلْعَفْوَ} من أخلاق الناس.
همام الصنعاني
تفسير : 970- عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه في قوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ}: [الآية: 199]، قال: خذ ما عفي لك من أخْلاقِهِمْ: {وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ}: [الآية: 199] يَقُولُ: بالمعروف. 974- حدثنا عبد الرزاق، قال: أبنأنا ابن عُيَيْنَة عن [أُمَيّ المرادي]، قال: بلغني أنه لما نزلت: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} [الآية: 199] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "حديث : ما هذا؟ قال: لاَ أدري حتى أسأل العالم قال: فآتاه جبريل، فقال: يا محمد، إن الله تبارك وتعالى يأْمُرُكَ أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطعكَ ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):