٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
200
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو زيد: لما نزل قوله تعالى: {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] قال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يا رب والغضب؟ فنزل قوله: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ }. المسألة الثانية: اعلم أن نزغ الشيطان، عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب بما يسول للإنسان من المعاصي، عن أبي زيد نزغت بين القوم إذا أفسدت ما بينهم، وقيل النزغ الازعاج، وأكثر ما يكون عند الغضب، وأصله الازعاج بالحركة إلى الشر، وتقرير الكلام أنه تعالى لما أمره بالعرف فعند ذلك ربما يهيج سفيه ويظهر السفاهة فعند ذلك أمره تعالى بالسكوت عن مقابلته فقال: {وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } ولما كان من المعلوم أن عند إقدام السفيه على السفاهة يهيج الغضب والغيظ ولا يبقى الإنسان على حالة السلامة وعند تلك الحالة يجد الشيطان مجالاً في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي، لا جرم بين تعالى ما يجري مجرى العلاج لهذا الغرض فقال: {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } والكلام في تفسير الاستعاذة قد سبق في أول الكتاب على الاستقصاء. المسألة الثالثة: احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية وقالوا: لولا أنه يجوز من الرسول الإقدام على المعصية أو الذنب، وإلا لم يقل له {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } والجواب عنه من وجوه: الأول: أن حاصل هذا الكلام أنه تعالى قال له: إن حصل في قلبك من الشيطان نزغ، كما أنه تعالى قال: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] ولم يدل ذلك على أنه أشرك. وقال: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] ولم يدل ذلك على أنه حصل فيهما آلهة. الثاني: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس للرسول عليه السلام، إلا أن هذا لا يقدح في عصمته، إنما القادح في عصمته لو قبل الرسول وسوسته، والآية لا تدل على ذلك. عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من إنسان إلا ومعه شيطان» تفسير : قالوا: وأنت يا رسول الله قال: حديث : وأنا ولكنه أسلم بعون الله، فلقد أتاني فأخذت بحلقه، ولولا دعوة سليمان لأصبح في المسجد طريحاً، تفسير : وهذا كالدلالة على أن الشيطان يوسوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52] الثالث: هب أنا سلمنا أن الشيطان يوسوس. وأنه عليه الصلاة والسلام يقبل أثر وسوسته، إلا أنا نخص هذه الحالة بترك الأفضل والأولى. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وإنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة»تفسير : . المسألة الرابعة: الاستعاذة بالله عند هذه الحالة أن يتذكر المرء عظيم نعم الله عليه وشديد عقابه فيدعوه كل واحد من هذين الأمرين إلى الإعراض عن مقتضى الطبع والإقبال على أمر الشرع. المسألة الخامسة: هذا الخطاب وإن خص الله به الرسول إلا أنه تأديب عام لجميع المكلفين لأن الاستعاذة بالله على السبيل الذي ذكرناه لطف مانع من تأثير وساوس الشيطان، ولذلك قال تعالى: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }تفسير : [النحل: 97، 98] إذا ثبت بالنص أن لهذه الاستعاذة أثراً في دفع نزع الشيطان، وجبت المواظبة عليه في أكثر الأحوال. المسألة السادسة: قوله: {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك، وفي الحقيقة القول اللساني بدون المعارف القلبية عديم الفائدة والأثر.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولىٰ ـ لما نزل قوله تعالى: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} قال عليه السلام: «حديث : كيف يا رب والغضب»تفسير : ؟ فنزلت: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ} ونزغ الشيطان: وساوسه. وفيه لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنُّزّاغ والنُّغّاز، وهم المُوَرِّشُون. الزجاج: النَّزْغ أدْنىٰ حركة تكون، ومن الشيطان أدْنىٰ وَسْوَسَة. قال سعيد بن المسيب: شهدت عثمان وعلياً وكان بينهما نَزْغٌ من الشيطان فما أبقىٰ واحدٌ منهما لصاحبه شيئاً، ثم لم يَبْرَحَا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه. ومعنىٰ {يَنَزَغَنَّكَ}: يصيبنّك ويعرض لك عند الغضب وسوسةٌ بما لا يحل. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} أي ٱطلب النجاة من ذلك بالله. فأمر تعالىٰ أن يدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به؛ ولله المثل الأعلىٰ. فلا يستعاذ من الكلاب إلاّ بربِّ الكلاب. وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأردّه جهدي. قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفّه عنك. الثانية ـ النّغْزُ والنَّزْغ والهَمْز والوَسْوَسَة سواء؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ}تفسير : [المؤمنون: 97] وقال: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ} تفسير : [الناس: 4]. وأصل النزغ الفساد؛ يقال: نَزَغ بيننا؛ أي أفسد. ومنه قوله: {أية : نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ}تفسير : [يوسف: 100] أي أفسد. وقيل: النزغ الإغواء والإغراء؛ والمعنى متقارب. قلت: ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ فليستعذ بالله ولْيَنْتَهِ»تفسير : . وفيه عن عبد الله قال: حديث : سُئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال: «تلك مَحْضُ الإيمان»تفسير : . وفي حديث أبي هريرة: «حديث : ذلك صَرِيح الإيمان»تفسير : والصريح الخالص. وهذا ليس على ظاهره؛ إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان، لأن الإيمان اليقين، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالىٰ أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم. فكأنّه قال جَزَعُكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه؛ لصحة إيمانكم، وعلمكم بفسادها. فسمَّى الوسوسة إيماناً لما كان دفعها والإعراض عنها والردّ لها وعدم قبولها والجزعُ منها صادراً عن الإيمان. وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان. وأما الأمر بالانتهاء فَعَن الركون إليها والإلتفات نحوها. فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه ونفعه وانتفع به. وأما من خالجته الشبهة وَغَلَب عليه الحِس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بُدّ من مشافهته بالدليل العقليّ؛حديث : كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهةُ الإبل الجُرْب حين قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا عَدْوَى»تفسير : . قال أعرابي: فما بال الإبل تكون في الرّمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرَب أجربها؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فمن أعدى الأوّل»تفسير : فٱستأصل الشبهة من أصلها. فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الأَلْقيات. والوساوسُ: التُّرَّهَات؛ فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوُعها عندهم فجاؤوا ـ كما في الصحيح ـحديث : فقالوا: يا رسول الله. إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدُنا أن يتكلم به. قال: «أو قد وجدتموه»؟ قالوا: نعم. قال: «ذلك صريح الإيمان» تفسير : رَغْماً للشيطان حسب ما نطق به القرآن في قوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42]. فالخواطر التي ليست بمستقرّة ولا ٱجْتَلَبتها الشبهةُ فهي التي تُدفَع بالإعراض عنها؛ وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة. والله أعلم. وقد مضىٰ في آخر «البقرة» هذا المعنىٰ، والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَأَمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} ينخسنك منه نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب وفكر، والنزغ والنسغ والنخس الغرز شبه وسوسته إغراء لهم على المعاصي وإزعاجاً بغرز السائق ما يسوقه. {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ} يسمع استعاذتك. {عَلِيمٌ} يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، أو {سَمِيعُ} بأقوال من آذاك عليهم بأفعاله فيجازيه عليها مغنياً إياك عن الانتقام ومشايعة الشيطان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ } أي إن يصرفك عما أمرت به صارف {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف: أي يدفعه عنك {إِنَّهُ سَمِيعٌ } للقول {عَلِيمٌ } بالفعل.
ابن عبد السلام
تفسير : {نَزْغٌ} انزعاج، أو غضب، أو فتنة، أو إغواء، أو عجلة {فَاسْتَعِذْ} فاستجر. {سَمِيعٌ} لجهل الجاهل {عَلِيمٌ} بما يزيل النزغ.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} قال ابن زيد حديث : لما نزل قوله سبحانه وتعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال النبي صلى الله عليه وسلم "فكيف بالغضب يا رب" فأنزل الله عز وجل: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم}تفسير : . ونزغ الشيطان عبارة عن وساوسه ونخسه في القلب. وقيل النزغ الانزعاج وأكثر ما يكون عند الغضب وأصله الإزعاج بالحركة إلى الشر والإفساد. يقال: نزغت بين القوم إذا أفسدت بينهم. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون ومن الشيطان أدنى وسوسة والمعنى وإما يصيبنك يا محمد ويعرض لك من الشيطان وسوسة أو نخسة {فاستعذ بالله} يعني فاستجر بالله والجأ إليه في دفعه عنك {إنه سميع} يعني لدعائك {عليم} بحالك وقيل إن الشيطان يجد مجالاً في حمل الإنسان على ما لا ينبغي في حالة الغضب والغيظ فأمر الله بالالتجاء إليه والتعوذ به في تلك الحالة فهي تجري مجرى العلاج لذلك المرض. (فصل واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء بهذه الآية) فقالوا لو كان النبي معصوماً لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى الاستعاذة والجواب عنه من وجوه، الأول: أن معنى الكلام إن حصل في قلبك نزغ من الشيطان فاستعذ بالله وإنه لم يحصل له ذلك البتة فهو كقوله لئن أشركت وهو برئ من الشرك البتة. والوجه الثاني: على تقدير أنه لو حصل وسوسة من الشيطان لكن الله عز وجل عصم نبيه صلى الله عليه وسلم عن قبولها وثبوتها في قلبه (م) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة" قالوا وإياك يا رسول الله قال "وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"تفسير : قال الشيخ محيي الدين النووي يروى فأسلم بفتح الميم وضمها فمن رفع قال معناه فأسلم أنا من شره وفتنته ومن فتح قال معناه أن القرين أسلم من الإسلام يعني صار مؤمناً لا يأمرني إلا بخير. قال الخطابي: الصحيح المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح قال الشيخ وهو المختار لقوله فلا يأمرني إلا بخير. قال القاضي عياض: واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه أعلمنا أنه معنا لنحترز عنه بحسب الإمكان والله أعلم. الوجه الثالث: يحتمل أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ومعناه وإما ينزغنك أيها الإنسان من الشيطان نزغ فاستعذ بالله فهو كقوله فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله. قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف} وقرئ طيف {من الشيطان} وهما لغتان ومعناه الشيء يلم بالإنسان وقيل بينهما فرق فالطائف ما يطوف حول الإنسان والطيف الوسوسة. وقيل الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف اللمم والمس. قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون وقيل للغضب طيف لأن الغضبان يشبه المجنون. وقيل سمي الجنون والغضب والوسوسة طيفاً لأنه لمة من الشيطان تشبه لمة الخبال فذكر في الآية الأولى النزغ وهو أخف من الطيف المذكور في هذه الآية لأن حالة الشيطان مع الأنبياء أضعف من حاله مع غيرهم {تذكروا} يعني عرفوا ما حصل لهم من وسوسة الشيطان وكيده قال سعيد بن جبير هو الرجل يغضب الغضب فيذكر الله فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو الرجل يلم بالذنب فيذكر الله فيقوم ويدعه {فإذا هم مبصرون} يعني أنهم يبصرون مواضع الخطأ بالتذكر والتفكر. وقال السدي: إذا زلوا تابوا وقال مقاتل: هو الرجل إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية فأبصر ونزع عن مخالفة الله عز وجل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: حديث : لما نزلت {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيف يا رب والغضب، فنزل {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ...} الآية" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} قال: علم الله أن هذا العدو مبتغ ومريد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه. قال: همزه الموتة، ونفثه الشعر: ونفخه الكبرياء ".
القشيري
تفسير : إنْ سَنَح في باطنك من الوساوس أَثَرٌ فاستعِذْ بالله يدركك بحسن التوفيق، وإنْ هَجَسَ في صدرك من الحظوظ خاطر فاستعِذْ بالله يدركك بإزالة كل نصيب، وإنْ لَحِقَتْكَ في بذل الجهد فَترَةٌ فاستعذْ بالله يدركك بإِدامة آلائه، وإنْ اعْتَرتْكَ في الترقي إلى محل الوصول وقفةٌ فاستعِذْ بالله يدركك بإدامة التحقيق، وإنْ تقاصر عنك شيء من خصائص القرب - صيانةً عن شهود المحل - فاستعِذْ بالله يُثْبِتْك له بدلاً مِنْ لَكَ بِكْ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} الشيطان كلب قهر القدم فاذا اننح وراء ساحة القلب فى جانب النفس ففر من هربنا الى الطفنا ومنا اليك لذلك قال اعوذ بك منك فاذا كان ساحة القلب مستضاة بنور التجلى يفر الشيطان من نواحيه لانه لو يدنوا منه بقدر راس ابرة يحترق قال الجريد من اعقل السلاح اسره الشيطان فى اول لحظة وقال الاستاد ان سخ فى باطنك من الوسواس اثر فاستعد بالله يدرك بحسن التوفيق وان هجس فى صدرك من الحظوظ فاستعذ بالله يدركك بادامة التائيد وان اعتراك فى الترقى ان محل الوصل وقفه فاستعذ بالله يدركك بادامة التحقيق وان تقاصر عنك فى خصائص القرب صيانة لك عن شهود المحل فاستعذ بالله تثتك له به لا لك بك ثم وصف سبحانه اهل التقوى من اهل الولاية انهم ممتحنون بهواجس النفوس وساوس الشياطين واستغاثهم بالله وذكره عن شرهم بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ} حسدة الشياطين يراقبون من البعد اولياء الله ليرمونهم نيران الوسواس من قوارير الجسد حين تقاصروا عن مشاهدة الذكر والمذكور وغفلوا لحظة عن مراقبتهم ولو اسقاموا على شريطة حضور مشاهد الملكوت لم يقدر وان يسمهم من الف فرسخ قال تعالى فاتبعه شهاب ثاقب فاذا وصل اليهم تار الوسواس واوحسوا فى نفسهم غبار سنابك خيول الشيطان النجاؤ بمراكب الذكر الى جناب الازل فاذا هم يرون ما افسد الشيطان من محافل الانس ومجال القدس فى قلوبهم ويرون طيف الشيطان ايضا بنور العرفان فيرمونهم بسهام الذكر ونيران المحبة من قارورة الشوف فتحرقهم قال تعالى {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} راى الجنيد فى المنام ابليس فقال هل تقدرون تمر على مجال اهل الذكر فقال كما ا ان احد منا مر على احد منكم ويميته ويصير محبوبنا ومصروعا فمنا من يمر على مجلس الذكر يصير مصروعا ويسميه بيننا ما نوس كما تقولون مصروعا منكم مجنون قال بعضهم من حال سره فى ميادين الانس القرية وحجر نفسه عن طوارق الفتنة وطوائف الشيطان هم الذين قال الله اذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا.
الطوسي
تفسير : النزغ ادنى حركة تقول: نزغته اذا حركته. والمعنى ان نالك يا محمد من الشيطان ادنى حركة من معاندة وسوء عشرة {فاستعذ بالله} اي سل الله ان يعيذك، ويحفظك منه فانه سميع للمسموعات وعالم بالخفيات يسمع دعاء من يدعوه ويعلم دعاءه وما يستحقه بذلك من الله. والنزغ الفساد ايضاً يقال: نزغ فلان بيننا اي افسد، ومنه قوله تعالى: {أية : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} تفسير : ونزع ينزع ونغز ينغز اذا افسد. وموضع ينزغنك جزم ب (إن) التي للجزاء الا انه لا يبين فيه الاعراب، لأنه مبني مع نون التأكيد على الفتح واذا كانت مشددة لا بد من تحريك ما قبلها في الجزم لالتقاء الساكنين والنزغ الازعاج بالاغواء واكثر ما يكون ذلك عند الغضب واصل النزغ الازعاج بالحركة نزغته انزغه نزغاً.
الجنابذي
تفسير : {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} ان يغريك او يوسوسك من الشّيطان مغرٍ او موسوس او اغراء او وسوسة حتّى تحرّكك على انتقام المسيء وترك نصح المحبّ ومعارضة الجاهل {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ} لاستعاذتك او لنزغ الشّيطان وان كان خفيّاً فى القلب {عَلِيمٌ} بعاقبة ما يأمرك به اوبكيفيّة دفع نزغ الشّيطان.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} قال بعضهم: الغضب. وقال الحسن: وساوسه. {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ} ذكروا أن مجاهداً قال: الطائف: الغضب. وقال الحسن: الطائف من الطَّوَفَان، أي: يطوف عليهم الشيطان بوساوسه؛ يأمرهم بالمعصية، فتقبل وساوسه من معاصي الله. قال: {تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي تائبون من المعصية. قال: {وَإِخْوَانُهُمْ} يعني من الشياطين. {يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ} يمدون المشركين في الغي استجهالاً {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} عن هلكتهم. وبلغنا عن الحسن أنه قال: الناس في الغضب أربعة: رجل بطيء الغضب سريع الرضا؛ فذلك له ولا عليه، ورجل سريع الغضب سريع الرضا؛ فذلك لا له ولا عليه، ورجل بطيء الغضب بطيء الرضا؛ فذلك أيضاً لا له ولا عليه، ورجل سريع الغضب بطيء الرضا؛ فذلك عليه ولا له. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الغضب جمرة من نار توقد في جوف ابن آدم؛ ألم ترَ إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؛ فإذا غضب أحدكم فإن كان قاعداً فليلزم الأرض، وإن كان قائماً فليجلس
اطفيش
تفسير : {وإمَّا} إن الشرطية وما المؤكدة أبدلت النون ميما وأدغمت {ينْزِغنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ} ينخسنك بالوسوسة فى قلبك، شبهها بنخس الدابة، ففى ينزغ استعارة تبعية تصريحية، وقلَّ ما يستعمل النزغ إلا فى فعل الشيطان، وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة يكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة، وقيل: النزغ حركة فيها فساد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان فى يده" تفسير : على أن النزغ فى يده حقيق، وبه أشار إلى أخيه بالسلاح، لكن يحتمل الوسوسة فى القلب، وأوقعه على اليد لظهور أثرها فى البلد. {نَزْغٌ} بأن أمرك بخلاف ما أمرت، وقيل: المراد التأثير الغضب، وكانت الكفرة تواجهه بما يغضبه، وقد روى أنه لما نزل: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} قال: "فكيف فى الغضب يا رب" فنزل: {وإما ينزغنك من الشيطان} إلى {عليم} وإنما أسند النزغ إلى نزغ مبالغة، كقولك جد جده بضم دال جده، وصام صومه بضم ميم صومه. {فاسْتَعِذْ باللهِ} اعتصم به أن يدفعه {إنَّه سَميعٌ} لدعائك مطلقا، أو لاستعاذتك، أو باقوال من آذاك {عَليمٌ} بحالك، أو بما فيه صلاحك فيوفقك إليه، أو بافعال من يؤذيك فيعاقبه عليها، معينا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان، واستدل ابن القاسم بالآية على أن الاستعاذة عند القراءة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وليس كذلك، بأن قوله: إنه سميع عليم كلام آخر تعليل لأمره بالاستعاذة وبقوله قالت النكَّار، وقد روى أن جبريل نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه وإنما يقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما يتبادر من قوله عز وجل: {أية : وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} تفسير : ولو سلمنا أن آية هذه السورة تدل على ما قال النكَّار وابن القاسم، من أن كيفية الاستعاذة ما ذكر لم نسلم ذلك عند القراءة، لأن هذه فى نزغ الشيطان. ولا دليل فى الآية، على أن الأنبياء غير معصومين، لأنه جاء النزغ على طريقة العرب فى الشك بإن الشرطية، وقد علم أنه لا ينزغه الشيطان، وإنما قال ذلك تأكيداً كما قال: {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : وقد علم أنه لا يشرك أو تعليما للغير، أو الخطاب للإنسان مطلقا، أو لأنه ولو نزغه لا يتبعه فى نزغه، فالعصمة عن قبول الوسوسة لا عنها وهو الأظهر، وفى الحديث: "حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن يلم بشر، وقرينه من الملائكة يلم بخير" قالوا: فأنت؟ قال: "وأنا لكن أعاننى الله عليه فأسلم" تفسير : بفتح الميم أى آمن بالله على اختيار عياض وهو المختار عندى، أو بضمها أى فأنجو من كيده، واختاره الخطابى فلا يأمرنى إلا بخير، وهذا دليل على ما اخترت، لأن الأمر بخير فقط إنما يترتب على الإسلام، ويتسبب عنه لا على السلامة وعنها، إلا إن جعلت الفاء تعليلية لا سببية، أى فأنجو لأنه لا يأمرنى إلا بخير. قال عياض: أجمعت الأمة على عصمة النبى صلى الله عليه وسلم من الشيطان فى جسمه وخاطره ولسانه، ويبطل ادعاؤه الإجماع بما قال لعض العلماء أنه ألقى الشيطان على لسانه فى شأن الأصنام: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتها لترتجى، وتأتى قصة ذلك إن شاء الله، والخلاف فيها.
الالوسي
تفسير : {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ} النزغ والنسغ والنخس بمعنى وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا أو ما يشبه ذلك في الجلد، وعن ابن زيد أنه يقال: نزغت ما بن القوم إذا أفسدت ما بينهم، وقال الزجاج: هو أدنى حركة تكون، ومن الشيطان وسوسته، والمعنى الأول هو المشهور، وإطلاقه على وسوسة الشيطان مجاز حيث شبه وسوسته إغراء للناس على المعاصي وإزعاجاً بغرز السائق ما يسوقه، وإسناد الفعل إلى المصدر مجازي كما في جد جده، وقيل: النزغ بمعنى النازغ فالتجوز في الطرف، والأول أبلغ وأولى، أي إما يحملنك من جهة الشيطان وسوسة ما على خلاف ما أمرت به من اعتراء غضب أو نحوه {فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فاستجر به والتجىء إليه سبحانه وتعالى في دفعه عنك {إِنَّهُ سَمِيعٌ} يسمع على أكمل وجه استعاذتك قولاً {عَلِيمٌ} يعلم كذلك تضرعك / إليه قلباً في ضمن القول أو بدونه فيعصمك من شره، أو سمع أي مجيب دعاءك بالاستعاذة عليم بما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، أو سميع بأقوال من آذاك عليم بأفعاله فيجازيه عليها. والآية على ما نص عليه بعض المحققين من باب {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] فلا حجة فيها لمن زعم عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وسوسة الشيطان وارتكاب المعاصي. وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا: وإياك يا رسول الله قال: وإياي إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير»، تفسير : وقال آخرون: إن نزغ الشيطان بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم مجاز عن اعتراء الغضب المقلق للنفس، وفي الآية حينئذٍ زيادة تنفير عن الغضب وفرط تحذير عن العمل بموجبه، ولذا كرر صلى الله عليه وسلم النهي عنه كما جاء في الحديث، وفي الأمر بالاستعاذة بالله تعالى تهويل لذلك وتنبيه على أنه من الغوائل التي لا يتخلص من مضرتها إلا بالالتجاء إلى حرم عصمته عز وجل.
ابن عاشور
تفسير : وهذا الأمر مراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتداء وهو شامل لأمته. (إما) هذه هي (إنْ) الشرطية اتصلت بها (ما) الزايدة التي تزاد على بعض الأسماء غير أدوات الشروط فتصيرها أدواتِها، نحو (مهما) فإن أصلها مَاما، ونحو (إذما) و(أينما) و(أيانَما) و(حيثما) و(كيفما) فلا جرم أن (مَا) إذا اقترنت بما يدل على الشرط أكتسبته قوةَ شرطية فلذلك كتبت (إما) هذه على صُورة النطق بها ولم تكتب مفصولة النون عن (مَا). والنزغ النخس والغرز، كذا فسره في «الكشاف» وهو التحقيق، وأما الراغب وابن عطية فقيداه بأنه دخول شيء في شيء لإفساده، (قلتَ: وقريبٌ منه الفسخ بالسين وهو الغرز بإبرة أو نحوها للوشْم) قال ابن عطية «وقلّما يُستعمل في غير فعل الشيطان {أية : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي}تفسير : [يوسف: 100]. وإطلاق النزغ هنا على وسوسة الشيطان استعارة: شبه حدوث الوسوسه الشيطانية في النفس بنزغ الإبرة ونحوها في الجسم بجامع التأثير الخفي، وشاعت هذه الاستعارة بعد نزول القرءان حتى صارت كالحقيقة. والمعنى أن ألقى إليك الشيطان ما يخالف هذا الأمر بأن سوّل لك الأخذ بالمعاقبة أوْ سَوّل لك تركَ أمرهم بالمعروف غضباً عليهم أو يأساً من هداهم، فاستعذ بالله منه ليدفع عنك حرجه ويشرح صدرك لمحبة العمل بما أمرت به. والاستعاذة مصدر طَلب العوذ، فالسين والتاء فيها للطلب، والعوذ: الإلتجاء إلى شيء يدفع مكروهاً عن الملتجيء، يقال: عاذ بفلان، وعاذ بالحرَم، وأعاذه إذا منعه من الضر الذي عَاذ من أجله. فأمرَ الله بدفع وسوسة الشيطان بالعوذ بالله، والعوذُ بالله هو الالتجاء إليه بالدعاء بالعصمة، أو استحضار ما حدده الله له من حدود الشريعة، وهذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الالتجاء إلى الله فيما عسر عليه، فإن ذلك شكر على نعمة الرسالة والعصمة، فإن العصمة من الذنوب حاصلة له، ولكنه يشكر الله بإظهار الحاجة إليه لادامتها عليه، وهذا مثل استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله في حديث «صحيح مسلم» «حديث : إنه ليُغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة»تفسير : ، فالشيطان لا ييأس من إلقاء الوسوسة للأنبياء لأنها تنبعث عنه بطبعه، وإنما يترصد لهم مواقع خفاء مقصده طمعاً في زلة تصدر عن أحدهم، وإن كان قد علم أنه لا يستطيع إغواءهم، ولكنه لا يفارقه رجاء حملهم على التقصير في مراتبهم، ولكنه إذا ما هم بالوسوسة شعروا بها فدفعوها، ولذلك علم الله رسوله عليه الصلاة والسلام الاستعانة على دفعها بالله تعالى. روى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينُه من الجن وقرينُه من الملائكة»ــــ قالوا ــــ وأنت يا رسول الله، قال «وأنا ولكن الله أعانني عليه فأسلم» تفسير : روي قوله: «فأسْلم» بفتح الميم بصيغة الماضي والهمزة أصلية، صار الشيطان المقارن لهُ مُسلماً، وهي خصوصية للنبيء صلى الله عليه وسلم وروي بضم الميم بصيغة المضارع، والهمزة للمتكلم: أي فأنا أسْلم من وسوسته وأحسب أن سبب الاختلاف في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نطق به موقوفاً عليه. وهذا الأمر شامل للمؤمنين وحظ المؤمنين منه أقوى لأن نزغ الشيطان إياهم أكثر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد بالعصمة فليس للشيطان عليه سبيل. وجملة: {إنه سميع عليم} في موقع العلة للأمر بالاستعاذة من الشيطان بالله على ما هو شأن حرف (إن) إذا جاء في غير مقام دَفع الشك أو الإنكارِ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك ولا يتردد فيه، والمراد: التعليل بِلازم هذا الخبر، وهو عوذه مما استعاذه منه، أي: أمرناك بذلك لأن ذلك يعصمك من وسوسته لأن الله سميع عليم. و«السميع»: العالم بالمسموعات، وهو مراد منه معناه الكنائي، أي عليم بدعائك مستجيب قابِل للدعوة، كقول أبي ذؤيب:شعر : دَعاني إليها القلب إني لامْرِه سَميع فما أدْري أرُشْدٌ طِلابُها تفسير : أي ممتثل، فوصفُ {سميع} كناية عن وعد بالإجابة. وإتْباعه بوصف {عليم} زيادة في الإخبار بعموم علمه تعالى بالأحوال كلها، لأن وصف {سميع} دل على أنه يعلم استعاذة الرسول عليه الصلاة والسلام ثم أتبعه بما يدل على عموم العلم، وللإشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم بمحل عنايه الله تعالى فهو يعلم ما يريد به الشيطان عدوُه، وهذا كناية عن دفاع الله عن رسوله كقوله: {أية : فإنك بأعْيُننا} تفسير : [الطور: 48] وأن أمره بالاستعاذة وقوف عند الأدب والشكرِ وإظهارِ الحاجة إلى الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} (200) - فَإذَا مَا اسْتَثَارَ الشَّيْطَانُ غَضَبَكَ لِيَصُدَّكَ عَنِ الإِعْرَاضِ عَنِ الجَاهِلِينَ، وَيَحْمِلَكَ عَلَى مُجَارَاتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ، وَاسْتَجِرْ بِهِ مِنْ نَزْغَ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ سَميعٌ لِجَهْلِ الجَاهِلِينَ عَلَيْكَ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْكَ نَزْغَ الشَّيطَانِ. النَّزْغُ - كَالنَّخْسِ وَهُوَ إِصَابَةُ الجَسَدِ بِرَأسٍ مُحَدَّدٍ كَالإِبْرَةِ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. يَنْزَغَنَّكَ - يُصِيبَنَّكَ أوْ يَصْرِفَنَّكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و "نزغ" تساوي كلمة "نخس" أي أمسك بشيء ووضع طَرَفَه في جسد من بجانبه أو من أمامَه. ويتضح من معنى "نخس" أن هناك مسافة بين الناخس والمنخوس ووسيلة أو أداة للنخس. وعملية النخس لا يدرك بها الناخس أو المنخوس حرارة بعضهما البعض، أما كلمة "مس" فقد يشعر الماس والممسوس كل واحد بحرارة الآخر منهما بسرعة، لكن أحدهما لا يدرك نعومة الآخر، أما اللمس ففيه إدراك لنعومة وحرارة اللامس والملموس. ومعارك الحرب كلها تدور في هذا النطاق، فحين يكون العدو بعيداً يحتاج خصمه إلى أن يبتعد عنه كيلا يصيبه بالنبال أو السهام، ويحاول هو أن يصيب خصمه بالنبال أو السهام. وكما تفعل الجيوش الحديثة حين ترسل طائراتها لترمي القنابل على قوات الخصم. وتقاس قوة الدول بقدرتها على ضرب القوات المعادية دون قدرة تلك القوات على الرد، لأنها تصيبه من بعد في عصر الصواريخ بعيدة المدى. ونجد الإشارة في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ...}تفسير : [الأنفال: 60]. وأوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى القوة فيما رواهُ عنه عقبة ابن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر:حديث : إلا أن القوة الرمي. تفسير : لأن الرمي يُمَكّن قذيفتك من عدوك، وأنت بعيد عنه فلا يقدر أن يصيبك بما يرميه. وقديماً كانت الجيوش تزحف، فيُلقى الخصوم عليها النبال والسهام، وإذا ما اقتربت الجيوش أكثر من خصومها فكل فريق يوجه الرماح إلى ما يقرب من أجساد الفريق الآخر. وإذا حمى وطيس المعركة تتلاقى السيوف. إذن كلها من النخس، والمس، واللمس. وحينما خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ربه قائلاً: حديث : يا رب كيف بالغضب؟تفسير : أي كيف يكون علاج الغضب؟ نزل قول الحق: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200]. وقد يستفهم قائل فيقول: أينزغ الشيطان الرسول؟. وأقول: إنّ الحق تبارك وتعالى لم يقل: "وإذ نزغك الشيطان"، ولكنه قال: "وإما ينزغنك" أي إن حدث ذلك، وهو قول يفيد الشك - ثم لماذا يحرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من لذة مجابهة الشيطان؟. ونعم عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير ". تفسير : وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...}. والاستعاذة تعني طلب العون والملجأ والحفظ وأنت لا تطلب العون ولا تلجأ ولا تستجير إلا بمن هو أقوى ممن يريد أن ينالك بشر. ومعلوم أن الشيطان له من خفة الحركة، وقدرة التغلغل، ووسائل التسلل الكثير؛ لذلك فينبغي ألا تستعيذ بمثله أو بمن هو دونه، ولكنك تستعيذ بخالق الإنس والجن وجميع المخلوقات، وهو القادر على أن يعطل فاعلية الشيطان. وسبحانه سميع عليم، والسمع له متعلق، والعلم له متعلق، فحين تستحضر معنى الاستعاذة وأنت مشحون بالإيمان وتلجأ إلى من خلقك. وخلق ذلك الشيطان؛ عندئذ لا بد أن يهرب الشيطان من طريقك لأنه يعلم أنك تلجأ إلى الخالق القوي القادر وهو ليست له قوة على خالقه، وسبحانه سميع لقولك: "أعوذ بالله"، عليم بما في نفسك من معنى هذه الكلمة. وإذا كان الحق تبارك وتعالى هنا قد تكلم عن حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ} أي أن الشيطان بعيد، وهو يحاول مجرد النزغ، فماذا عن أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاء هذا؟. هنا يقول الحق تبارك وتعالى:- {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰئِفٌ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ} معناهُ يَسَخِفنَّكَ مَنهُ خِفةً وعَجلةً. ونَزَغَ الشَّيطانِ: الإِفْسادُ بَينَ النَّاسِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أي وقت، وفي أي حال { يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ } أي: تحس منه بوسوسة، وتثبيط عن الخير، أو حث على الشر، وإيعاز إليه. { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } أي: التجئ واعتصم باللّه، واحتم بحماه فإنه { سَمِيعٌ } لما تقول. { عَلِيمٌ } بنيتك وضعفك، وقوة التجائك له، فسيحميك من فتنته، ويقيك من وسوسته، كما قال تعالى: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } تفسير : إلى آخر السورة. ولما كان العبد لا بد أن يغفل وينال منه الشيطان، الذي لا يزال مرابطا ينتظر غرته وغفلته، ذكر تعالى علامة المتقين من الغاوين، وأن المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب - تذكر من أي باب أُتِيَ، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب اللّه عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر اللّه تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه. وأما إخوان الشياطين وأولياؤهم، فإنهم إذا وقعوا في الذنوب، لا يزالون يمدونهم في الغي ذنبا بعد ذنب، ولا يقصرون عن ذلك، فالشياطين لا تقصر عنهم بالإغواء، لأنها طمعت فيهم، حين رأتهم سلسي القياد لها، وهم لا يقصرون عن فعل الشر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):