٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
201
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ينزغه الشيطان وبين أن علاج هذه الحالة الاستعاذة بالله، ثم بين في هذه الآية أن حال المتقين يزيد على حال الرسول في هذا الباب، لأن الرسول لا يحصل له من الشيطان إلا النزغ الذي هو كالابتداء في الوسوسة، وجوز في المتقين ما يزيد عليه وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، وهذا المس يكون لامحالة أبلغ من النزغ. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي {طيف} بغير ألف، والباقون {مَسَّهُمْ طَـئِفٌ } بالألف. قال الواحدي رحمه الله: اختلفوا في الطيف فقيل إنه مصد، وقال أبو زيد يقال: طاف يطوف طوفاً وطوافاً إذا أقبل وأدبر. وأطاف يطيف إطافة إذا جعل يستدير بالقوم ويأتيهم من نواحيهم، وطاف الخيال يطيف طيفاً إذا ألم في المنام. قال ابن الأنباري: وجائز أن يكون طيف أصله طيف. إلا أنهم استثقلوا التشديد، فحذفوا إحدى الياءين وأبقوا ياء ساكنة، فعلى القول الأول هو مصدر، وعلى ما قاله ابن الأنباري هو من باب هين وهين وميت وميت، ويشهد لصحة قول ابن الأنباري قراءة سعيد بن جبير {إِذَا مَسَّهُمْ طيف} بالتشديد. هذا هو الأصل في الطيف، ثم سمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً، لأنه لمة من لمة الشيطان تشبه لمة الخيال. قال الأزهري: الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون. وأما الطائف فيجوز أن يكون بمعنى الطيف، مثل العافية والعاقبة ونحو ذلك مما جاء المصدر فيه على فاعل وفاعلة. قال الفراء في هذه الآية: الطائف والطيف سواء، وهو ما كان كالخيال الذي يلم بالإنسان، ومنهم من قال: الطيف كالخطرة والطائف كالخاطر. المسألة الثالثة: اعلم أن الغضب إنما يهيج بالإنسان إذا استقبح من المغضوب عليه عملاً من الأعمال، ثم اعتقد في نفسه كونه قادراً، واعتقد في المغضوب عليه كونه عاجزاً عن الدفع، فعند حصول هذه الاعتقادات الثلاثة إذا كان واقعاً في ظلمات عالم الأجسام فيغتروا بظواهر الأمور، فأما إذا انكشف له نور من عالم الغيب زالت هذه الاعتقادات الثلاثة من جهات كثيرة. أما الاعتقاد الأول: وهو استقباح ذلك الفعل من المغضوب عليه، فإذا انكشف له أنه إنما أقدم على ذلك العمل، لأنه تعالى خلق فيه داعية جازمة راسخة، ومتى خلق الله فيه تلك الداعية امتنع منه أن لا يقدم على ذلك العمل، فإذا تجلى هذا المعنى زال الغضب، وأيضاً فقد يخطر ببال الإنسان أن الله تعالى علم منه هذه الحالة، ومتى كان كذلك فلا سبيل له إلى تركها، فعند ذلك يفر غضبه، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب»تفسير : وأما الاعتقاد الثاني والثالث: وهو اعتقاده في نفسه كونه قادراً، وكون المغضوب عليه عاجزاً، فهذان الاعتقادان أيضاً فاسدان من وجوه: أحدها: أنه يعتقد أنه كم أساء في العمل، والله كان قادراً عليه، وهو كان أسيراً في قبضة قدرة الله تعالى، ثم إنه تجاوز عنه. وثانيها: أن المغضوب عليه كما أنه عاجز في يد الغضبان، فكذلك الغضبان عاجز بالنسبة إلى قدرة الله. وثالثها: أن يتذكر الغضبان ما أمره الله به من ترك إمضاء الغضب والرجوع إلى ترك الإيذاء والإيحاش. ورابعها: أن يتذكر أنه إذا أمضى الغضب وانتقم كان شريكاً للسباع المؤذية والحياة القاتلة، وإن ترك الانتقام واختار العفو كان شريكاً لأكابر الأنبياء والأولياء. وخامسها: أن يتذكر أنه ربما انقلب ذلك الضعيف قوياً قادراً عليه، فحينئذ ينتقم منه على أسوأ الوجوه، أما إذا عفا كان ذلك إحساناً منه إليه، وبالجملة فالمراد من قوله تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَٰـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الاعتقادات الثلاثة، والمراد من قوله: {تَذَكَّرُواْ } ما ذكرناه من الوجوه التي تفيد ضعف تلك الاعتقادات وقوله: {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معناه أنه إذا حضرت هذه التذكرات في عقولهم، ففي الحال يزول مس طائف الشيطان، ويحصل الاستبصار والانكشاف والتجلي ويحصل الخلاص من وسوسة الشيطان. المسألة الرابعة: قوله: {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } معنى (إِذَا) ههنا للمفاجأة، كقولك خرجت فإذا زيد وإذا في قوله: {إِذَا مَسَّهُمْ } يستدعي جزاء، كقولك آتيك إذا احمر البسر. أما قوله تعالى: {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الكناية في قوله: {وَإِخْوٰنُهُمْ } إلى ماذا تعود على قولين. القول الأول: وهو الأظهر أن المعنى: وإخوان الشياطين يمدون الشياطين في الغي، وذلك لأن شياطين الأنس إخوان لشياطين الجن، فشياطين الإنس يغوون الناس، فيكون ذلك إمداداً منهم لشياطين الجن على الإغواء والإضلال. والقول الثاني: أن إخوان الشياطين هم الناس الذين ليسوا بمتقين، فإن الشياطين يكونون مدداً لهم فيه، والقولان مبنيان على أن لكل كافر أخاً من الشياطين. المسألة الثانية: تفسير الإمداد تقوية تلك الوسوسة والإقامة عليها وشغل النفس عن الوقوف على قبائحها ومعايبها. المسألة الثالثة: قرأ نافع {يَمُدُّونَهُمْ } بضم الياء وكسر الميم من الإمداد، والباقون {يَمُدُّونَهُمْ } بفتح الياء وضم الميم، وهما لغتان مد يمد وأمد يمد، وقيل مد معناه جذب، وأمد معناه من الإمداد. قال الواحدي، عامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت، كقوله: {أية : أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ }تفسير : [المؤمنون: 55] وقوله {أية : وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ } تفسير : [الطور: 22] وقوله: {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ }تفسير : [النمل: 36] وما كان بخلافه فإنه يجيء على مددت قال: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [البقرة: 15] فالوجه ههنا قراءة العامة وهي فتح الياء ومن ضم الياء استعمل ما هو الخير لضده كقوله: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [الإنشقاق:24] وقوله: {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } قال الليث: الإقصار الكف عن الشيء قال أبو زيد: أقصر فلان عن الشر يقصر إقصاراً إذا كف عنه وانتهى قال ابن عباس: ثم لا يقصرون عن الضلال والإضلال، أما الغاوي ففي الضلال وأما المغوي ففي الإضلال.
القرطبي
تفسير : فيـه مسألتان: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} يريد الشرك والمعاصي. {إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة وقراءة أهل المدينة وأهلِ الكوفة «طَائِفٌ». وروي عن سعيد بن جبير «طَيّفٌ» بتشديد الياء. قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا «طَيْفٌ» بالتخفيف؛ على أنه مصدر من طاف يَطِيفُ. قال الكسائيّ: هو مخّفف من «طَيِّف» مثل مَيْتٌ ومَيِّتٌ. قال النحاس: ومعنىٰ «طَيْف» في اللغة ما يُتخيلَّ في القلب أو يُرَىٰ في النوم؛ وكذا معنىٰ طائف. وقال أبو حاتم: سألت الأصْمَعيّ عن طَيّف؛ فقال: ليس في المصادر فيعل. قال النحاس: ليس هو بمصدر، ولكن يكون بمعنىٰ طائف. والمعنىٰ: إن الذين ٱتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية؛ وقيل: الطَّيْفُ والطّائِفُ معنيان مختلفان. فالأول ـ التخيّل. والثاني ـ الشيطان نفسه. فالأول مصدر طاف الخيال يَطُوف طَيْفاً؛ ولم يقولوا من هذا طائف في اسم الفاعل. قال السهيلِيّ: لأنه تخَيُّل لا حقيقة له. فأما قوله: {أية : فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ}تفسير : [القلم: 19] فلا يقال فيه: طيْفٌ؛ لأنه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف، وطاف الخيال يَطيف. وقال حسان:شعر : فَدَعْ هذا ولكن مَن لِطَيْف يُؤَرّقُني إذا ذهب العِشَاء تفسير : مجاهد: الطّيْف الغضب. ويسمىٰ الجنون والغضب والوسوسة طَيْفاً؛ لأنه لَمَّةٌ من الشيطان تُشَبَّه بَلّمة الخيال. {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي منتهون. وقيل: فإذا هم على بصيرة. وقرأ سعيد بن جبير: «تَذَّكَّرُوا» بتشديد الذال. ولا وجه له في العربية؛ ذكره النحاس. الثانية ـ قال عصام بن المُصْطَلِق: دخلت المدينة فرأيت الحسن بن عليّ عليهما السلام، فأعجبني سَمْتُه وحُسن رُوائه؛ فأثار منِّي الحسد ما كان يُجِنّه صدري لأبيه من البُغْض؛ فقلت: أنت ابن أبي طالب! قال نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه؛ فنظر إليّ نظرة عاطفٍ رَؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ} فقرأ إلى قوله: {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} ثم قال لي: خفِّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنك لو استعنتنا أعنّاك، ولو استَرْفَدْتَنَا أرفدناك، ولو استرشدتنا أرشدناك. فتوسم فيَّ الندم على ما فرط منِّي فقال: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} أمن أهل الشأم أنت؟ قلت نعم. فقال:شعر : شِنْشِنَـةٌ أعْرِفُـها مـن أَخْـزَمِ تفسير : حَيَّاك الله وبيَّاك، وعافاك، وآداك؛ انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك، تجدنا عند أفضل ظنك، إن شاء الله. قال عصام: فضاقت عليّ الأرض بما رَحُبَت، وودِدت أنها ساخت بي، ثم تسلّلْتُ منه لِوَاذاً، وما على وجه الأرض أحبُّ إليّ منه ومن أبيه. قوله تعالىٰ: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} قيل: المعنىٰ وإخوان الشياطين وهم الفجّار من ضُلاّل الإنس تمدّهم الشياطين في الغيّ. وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم. وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان. هذا أحسن ما قيل فيه؛ وهو قول قتادة والحسن والضحاك. ومعنىٰ «لاَ يُقْصِرُونَ» أي لا يتوبون ولا يرجعون. وقال الزجاج: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنىٰ: والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصراً ولا أنفسهم ينصرون، وإخوانهم يمدّونهم في الغيّ؛ لأنّ الكفار إخوان الشياطين. ومعنىٰ الآية: إن المؤمن إذا مسه طَيْف من الشيطان تنبَّه عن قُرْب؛ فأما المشركون فيمدّهم الشيطان. و «لاَ يُقْصِرُونَ» قيل: يرجع إلى الكفار على القولين جميعاً. وقيل: يجوز أن يرجع إلى الشيطان. قال قتادة: المعنىٰ ثم لا يُقصرون عنهم ولا يرحمونهم. والإقصار: الانتهاء عن الشيء، أي لا تقصر الشياطين في مدّهم الكفار بالغيّ. وقوله: {فِي ٱلْغَيِّ} يجوز أن يكون متصلاً بقوله: «يَمُدُّونَهُمْ» ويجوز أن يكون متصلاً بالإخوان. والغيّ: الجهل. وقرأ نافع «يُمِدُّونَهُمْ» بضم الياء وكسر الميم. والباقون بفتح الياء وضم الميم. وهما لغتان مَدّ وأمَدّ. ومَدّ أكثر، بغير الألف؛ قاله مكيّ. النحاس: وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة؛ منهم أبو حاتم وأبو عبيد، قال أبو حاتم: لا أعرف لها وجهاً، إلا أن يكون المعنىٰ يزيدونهم في الغيّ. وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كَثّر شيء شيئاً بنفسه مدّه، وإذا كثّرة بغيره قيل أمَدّه؛ نحو {أية : يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران: 125]. وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال: يقال مددت له في كذا أي زيّنته له واستدعيته أن يفعله. وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك. قال مكيّ: والاختيار الفتح؛ لأنه يقال: مددت في الشر، وأمددت في الخير؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [البقرة: 15]. فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف؛ لأنه في الشر، والغيّ هو الشر، ولأن الجماعة عليه. وقرأ عاصم الجَحْدَرِيّ «يُمَادُّونهُمْ فِي الغيّ». وقرأ عيسىٰ بن عمر «يَقْصُرُونَ» بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف. والباقون «يُقْصِرُونَ» بضدّه. وهما لغتان. قال امرؤ القيس:شعر : سَمَـا لك شَـوْقٌ بعـد مـا كـان أقْصَـرَا
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} لمة منه، وهو اسم فاعل من طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم، أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب «طيف» على أنه مصدر أو تخفيف «طيف» كلين وهين، والمراد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره. {تَذَكَّرُواْ} ما أمر الله به ونهى عنه. {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} بسبب التذكر مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها، والآية تأكيد وتقرير لما قبلها وكذا قوله:
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر: أنهم {إِذَا مَسَّهُمْ} أي: أصابهم طيف. وقرأ الآخرون: طائف، وقد جاء فيه حديث، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب، وقوله: {تَذَكَّرُواْ} أي: عقاب الله وجزيل ثوابه ووعده، ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله، ورجعوا إليه من قريب {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني، فقال: «حديث : إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك» تفسير : فقالت: بل أصبر ولا حساب عليّ، ورواه غير واحد من أهل السنن، وعندهم: قالت: يا رسول الله إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني، فقال: «حديث : إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة» تفسير : فقالت: بل أصبر ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف. وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه: أن شاباً كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة، فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} فخر مغشياً عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عمر، فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً، فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46] فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربي عز وجل في الجنة مرتين. وقوله تعالى: {وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} أي: وإخوان الشياطين من الإنس، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ} تفسير : [الإسراء: 27] وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم، يمدونهم في الغي، أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي، وتسهلها عليهم، وتحسنها لهم. وقال ابن كثير: المد: الزيادة، يعني: يزيدونهم في الغي، يعني: الجهل والسفه {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} قيل: معناه إن الشياطين تمد الإنس، لا تقصر في أعمالهم بذلك، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: { وَإِخْوَٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} الآية، قال: لا الإنس يقصرون عما يعملون، ولا الشياطين تمسك عنهم، وقيل: معناه كما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: {يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس، ثم لا يقصرون، يقول: لا يسأمون، وكذا قال السدي وغيره: إنه يعني: الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من إمدادهم في الشر؛ لأن ذلك طبيعة لهم وسجية {لاَ يُقْصِرُونَ} لا تفتر فيه، ولا تبطل عنه؛ كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} تفسير : [مريم: 83] قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ } أصابهم {طَآئِفٌ} وفي قراءة «طيف» أي شيء ألمّ بهم { مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُواْ } عقاب الله وثوابه {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } الحق من غيره فيرجعون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ} قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة {طَآئِفٌ}، وقرأ الباقون {طَيْفٌ} واختلف في هاتين القراءتين على قولين: أحدهما: أن معناهما واحد وإن اختلف اللفظان، فعلى هذا اختلف في تأويل ذلك على أربعة تأويلات: أحدها: أن الطيف اللمم كالخيال يلم بالإنسان. والثاني: أنه الوسوسة، قاله أبو عمرو بن العلاء. والثالث: أنه الغضب، وهو قول مجاهد. والرابع، أنه الفزع، قاله سعيد بن جبير. والقول الثاني: أن معنى الطيف والطائف مختلفان، فالطيف اللمم، والطائف كل شيء طاف بالإنسان. {تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ} فيه وجهان: أحدهما: علموا فإذا هم منتهون. والثاني: اعتبروا فإذا هم مهتدون.
ابن عطية
تفسير : {اتقوا} هنا عامة في اتقاء الشرك واتقاء المعاصي بدليل أن اللفظة إنما جاءت في مدح لهم، فلا وجه لقصرها على اتقاء الشرك وحده، وأيضاً فالمتقي العائذ قد يمسه طائف من الشيطان إذ ليست العصمة إلا للأنبياء عليهم السلام وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة "طائف"، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي "طيّف"، وقرأ سعيد بن جبير "طيْف"، واللفظة إما من طاف يطوف وإما من طاف يطوف وإما من طاف يطيف بفتح الياء، وهي ثابتة عن العرب، وأنشد أبو عبيدة في ذلك: شعر : أنى ألمَّ بك الخيال يطيفُ ومطافه لك ذكرة وشغوف تفسير : فـ "طائف" اسم فاعل كقائل من قال يقول وكبائع من باع يبيع و "طيّف" اسم فاعل أيضاً كميت من مات يموت أو كبيع ولين من باع يبيع ولان يلين و "طيّف" يكون مخففاً أيضاً من طيف كميت من ميت، وإذا قدرنا اللفظة من طاف يطيف فطيف مصدر، وإلى هذا مال أبو علي الفارسي وجعل الطائف كالخاطر والطيف كالخطرة، قال الكسائي: الطيف اللمم والطائف ما طاف حول الإنسان. قال القاضي أبو محمد: وكيف هذا وقد قال الأعشى: [الطويل] شعر : وتصبح عن غب السرى وكأنّما ألمّ بها من طائف الجن أولق تفسير : ومعنى الآية: إذا مسهم غضب وزين الشيطان معه ما لا ينبغي، وقوله {تذكروا} إشارة إلى الاستعاذة المأمور بها قبل، وإلى ما لله عز وجل من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرض الشيطان فيها، وقرأ ابن الزبير "من الشيطان تأملوا فإذا هم"، وفي مصحف أبي بن كعب "إذا طاف من الشيطان طائف تأملوا"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الغضب جند من جند الجن، أما ترون حمرة العين وانتفاخ العروق؟ فإذا كان ذلك فالأرض الأرض، وقوله {مبصرون} من البصيرة أي فإذا هم قد تبينوا الحق ومالوا إليه. وقوله تعالى: {وإخوانهم يمدونهم في الغي} الآية، في هذه الضمائر احتمالات، قال الزجاج: هذه الآية متصلة في المعنى بقوله: {أية : ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون} تفسير : [الأعراف:192]. قال القاضي أبو محمد: في هذا نظر، وقال الجمهور: إن الآية مقدرة موضعها إلا أن الضمير في قوله {وإخوانهم} عائد على الشياطين والضمير في قوله {يمدونهم} عائد على الكفار وهم المراد بالإخوان، و {الشيطان} في الآية قبل هذه للجنس فلذلك عاد عليهم هاهنا ضمير جميع فالتقدير على هذا التأويل وإخوان للشياطين يمدونهم الشياطين في الغي، وقال قتادة إن الضميرين في الهاء والميم للكفار. قال القاضي أبو محمد: فتجيء الآية على هذه معادلة للتي قبلها أي إن المتقين حالهم كذا وكذا وهؤلاء الكفار يمدهم إخوانهم من الشياطين ثم لا يقصرون، وقوله {في الغي} يحتمل أن يتعلق بقوله {يمدونهم} وعليه يترتب التأويل الذي ذكرنا أولاً عن الجمهور، ويحتمل أن يتعلق بالإخوان فعلى هذا يحتمل أن يعود الضميران جميعاً على الكفار كما ذكرناه عن قتادة ويحتمل أن يعودا جميعاً على الشياطين ويكون المعنى وإخوان الشياطين في الغي بخلاف الأخوة في الله يمدون الشياطين أي بطاعتهم لهم وقبولهم منهم، ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق في الغي بالإمداد لأن الإنس لا يغوون الشياطين، والمراد بهذه الآية وصف حالة الكفار مع الشياطين كما وصف حالة المتقين معهم قبل، وقرأ جميع السبعة غير نافع "يمدونهم" من مددت، وقرأ نافع وحده "يُمدونهم" بضم الياء من أمددت، فقال أبو عبيدة وغيره: مد الشيء إذا كانت الزيادة من جنسه وأمده شيء آخر. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير مطرد، وقال الجمهور هما بمعنى واحد إلا أن المستعمل في المحبوب أمد فمنه قوله تعالى: {أية : إنما نمدهم به من مال وبنين} تفسير : [المؤمنون:55] وقوله {أية : وأمددناهم بفاكهة} تفسير : [الطور:22] وقوله {أية : أتمدونني بمال} تفسير : [النمل:36] والمستعمل في المكروه مد فمنه قوله تعالى: {أية : ويمدهم في طغيانهم} تفسير : [البقرة:15] ومد الشيطان للكفرة في الغي هو التزيين لهم والإغواء المتتابع: فمن قرأ في هذه الآية "يمُدونهم" بضم الميم فهو على المنهاج المستعمل، ومن قرأ "يمدونهم" فهو مقيد بقوله في الغي كما يجوز أن تقيد البشارة فتقول بشرته بشر، وقرأ الجحدري "يمادّونهم"، وقوله {ثم لا يقصرون} عائد على الجمع أي هؤلاء لا يقصرون في الطاعة للشياطين والكفر بالله عز وجل، وقرأ جمهور الناس "يُقصرون" من أقصر، وقرأ ابن أبي عبلة وعيسى بن عمر "يَقصرون" من قصر. وقوله {وإذا لم تأتهم بآية} سببها فيما روي أن الوحي كان يتأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً، فكان الكفار يقولون هلا اجتبيتها، ومعنى اللفظة في كلام العرب تخيرتها واصطفيتها، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد وغيرهم: المراد بهذه اللفظة هلا اخترتها واختلقتها من قبلك ومن عند نفسك، والمعنى إذ كلامك كله كذلك على ما كانت قريش تزعمه، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك: المراد هلا تلقيتها من الله وتخيرتها عليه، إذ تزعم أنك نبي وأن منزلتك عنده منزلة الرسالة، فأمره الله عز وجل أن يجيب بالتسليم لله تعالى وأن الأمر في الوحي إليه ينزله متى شاء لا معقب لحكمه في ذلك فقال {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} ثم أشار بقوله هذا إلى القرآن، ثم وصفه بأنه {بصائر} أي علامات هدى وأنوار تضيء القلوب، وقالت فرقة: المعنى ذو بصائر، ويصح الكلام دون أن يقدر حذف مضاف لأن المشار إليه بهذا إنما هو سور وآيات وحكم، وجازت الإشارة إليه بهذا من حيث اسمه مذكر، وجاز وصفه بـ {بصائر} من حيث هو سور وآيات، {وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} أي لهؤلاء خاصة، قال الطبري: وأما من لا يؤمن فهو عليه عمى عقوبة من الله تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {طيف} و {طَآئِفٌ} واحد وهو لمم كالخيال يلم بالإنسان، أو وسوسة، أو غضب، أو نزغ، أو الطيف: الجنون، والطائف: الغضب، أو الطيف اللمم، والطائف كل شيء طاف بالإنسان. {تَذَكَّرُواْ فإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} علموا فانتهوا، أو اعتبروا فاهتدوا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَـٰئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ تَذَكَّرُواْ...} الآية خرَجَتْ مَخْرَجَ المَدْحِ للمتقين، والتقوَىٰ ههنا عامَّة في اتقاء الشِّرْك والمعاصِي، وقرأ ابن كثير وغيره: «طَيْفٌ». قال أبو عليٍّ الطائفُ كالخَاطِرِ، والطَّيْف كالخَطْرة، وقوله: {تَذَكَّرُواْ}: إشارة إِلى ٱلاستعاذة المأمور بها، وإِلى ما للَّه عزَّ وجلَّ من الأوامر والنواهي في النازلة التي يقع تعرُّض الشيطانِ فيها، وقرأ ابنُ الزُّبَيْر: «مِن الشَّيْطَان تَأَمَّلُوا فإِذَا هُمْ»، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ «إِذَا طَافَ مِنَ الشَّيْطَانِ طَائِفٌ تَأَمَّلُوا»، وقوله: {مُّبْصِرُونَ }: من البصيرة، أي: فإِذا هم قد تبيَّنوا الحقَّ، ومالوا إليه، والضميرُ في {إِخْوَٰنُهُمْ }، عائدٌ على الشياطين، وفي {يَمُدُّونَهُمْ } عائدٌ على الكُفَّار، وهم المرادُ بـــ «الإِخوان»، هذا قول الجمهور. قال * ع *: وقرأ جميعُ السبعة غير نافع: «يَمُدُّونَهُمْ»؛ من مَدَدتُّ، وقرأ نافعٌ: «يَمِدُّونَهُمْ»، من أَمْدَدتْ. قال الجمهور: هما بمعنًى واحدٍ، إلا أن المستعمَلَ في المحبوب «أَمَدَّ»، والمستعملَ في المكروه «مَدَّ»، فقراءة الجماعةِ جارِيَةٌ على المنهَاج المستعمل، وقراءةُ نافع هي مقيَّدة بقوله: {فِي ٱلْغَيِّ }؛ كما يجوز أَنّ تقيِّد البِشَارَةَ، فتقول: بَشَّرْتُهُ بشرٍّ وَمَدُّ الشياطينِ للكَفَرَةَ، أيْ: ومَنْ نَحا نحوهم: هو بالتزيين لهم، والإِغواءِ المتتابعِ، وقوله: {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ }؛ من أَقْصَرَ، والضميرُ عائدٌ على الجميع، أي: هؤلاء لا يقصرون عن الإغواء، وهؤلاء لا يُقْصِرُونَ في الطاعة للشياطين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {إنَّ الذين اتقوا} قال: هم المؤمنون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {إذا مسهم طيف من الشيطان} قال: الغضب. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الطيف: الغضب. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ {إذا مسهم طائف من الشيطان} بالألف {تذكروا} قال: هَم بفاحشة فلم يعملها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا} يقول: إذا زلوا تابوا. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال: كنت جالساً عند الحسن إذ جاءه رجل فقال: يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب؟ قال: لم يزدد بتوبته من الله إلا دنواً. قال: ثم عاد في ذنبه ثم تاب؟ قال: لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله. قال: ثم قال لي: ألم تسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: وما قال؟ قال "حديث : مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتستقيم أحياناً - وفي ذلك تكبر - فإذا حصدها صاحبها حمد أمره كما حمد صاحب السنبلة بره،ثم قرأ {إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: إن الله لم يسم عبده المؤمن كافراً، ثم قرأ {إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا} فقال: لم يسمه كافراً ولكن سماه متقياً. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ {إذا مسهم طائف} بالألف. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش عن إبراهيم ويحيى بن وثاب قرأ أحدهما طائف، والآخر طيف. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ {إذا مسهم طائف} بالألف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: الطائف اللمة من الشيطان {تذكروا فإذا هم مبصرون} يقول: إذا هم منتهون عن المعصية، آخذون بأمر الله، عاصون للشيطان وإخوانهم. قال: إخوان الشياطين {يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} قال: لا الإِنس عما يعملون السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} يقول: لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس {وإخوانهم يمدونهم في الغي} قال: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس {ثم لا يقصرون} يقول: لا يسامون {وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها} يقول: هلا افتعلتها من تلقاء نفسك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد {وإخوانهم من الشياطين يمدونهم في الغي} قال: استجهالاً وفي قوله {لولا اجتبيتها} قال: ابتدعتها. وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: حديث : أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه، فأخذ بلحيتي فقال "إنا لله وإنا إليه راجعون، أتاني جبريل آنفاً فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قلت: أجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما ذاك يا جبريل؟! فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير، قلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ قال: كل ذلك سيكون. قلت: ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله...! قال: بكتاب الله يضلون، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، قلت: يا جبريل فيم يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي} قال: هذا القرآن {هذا بصائر من ربكم} أي بينات فاعقلوه {وهدى ورحمة} لمن آمن به وعمل به ثم مات عليه.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: من جَالَ سره فى ميادين الأنس والقربة، وحجز نفسه عن طوارق الفتنة وطوائف الشيطان هم الذين قال الله لهم {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ}. قال بعضهم: الناس فى مطالعة الأسرار على وجوه ثلاثة: منهم من له فى سره مطالع يطالعه فذلك قوله تعالى: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ}. ومنهم من له فى سره ينهاه قال الله تعالى {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النازعات: 40].
القشيري
تفسير : إنما يمس المتقين طيفُ الشيطانِ في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقرَبُ قلباً في حال شهوده الله؛ لأنه ينخنس عند ذلك. ولكن لكل صارمٍ نبوة، ولكلِّ عالمٍ هفوة، ولكل عابدٍ شدة، ولكل قاصدٍ فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارفٍ حجبة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه ليُغَان على قلبي..."تفسير : أخبر أنه يعتريه ما يعتري غيرَه، وقال صلى الله عليه و سلم: "حديث : الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي"تفسير : ، فأخبر أنَّ الأمة - وإنْ جَلَّتُ رُتْبَتَهُم لا يتخلصون عن حِدَّةٍ تعتريهم في بعض أحوالهم فَتُخْرِجُهم عن دوام الحِلْم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين اتقوا} اى اتصفوا بوقاية انفسهم عما يضرها {اذا مسهم طائف من الشيطان} ادنى لمة منه وهى الوسوسة والمس. والطائف اسم فاعل من طاف يطوف اذا دار حول الشئ كأنها تطوف بهم وتدور حولهم لتوقع بهم او من طاف به الخيال بطيف طيفا اى الم فالطائف بمعنى الجائى والنازل. وفى الصحاح طيف الخيال مجيئه فى النوم وطيف من الشيطان وطائف منه لمم منه والخيال فى الاصل اسم بمعنى التخيل وارتسام الصورة فى محل القوة المتخيلة ويطلق على نفس تلك الصورة وطيفه نزوله فى محل المتخيلة {تذكروا} اى ما امر به ونهى عنه. وقال المولى ابو السعود اى الاستعاذة به تعالى والتوكل عليه {فاذا هم} بسبب ذلك التذكر {مبصرون} مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها {واخوانهم} اى اخوان الشياطين وهم المنهمكون فى الغى المعرضون عن وقاية انفسهم عن الضمار فضمير اخوانهم للشيطان والجمع لكون المراد به الجنس {يمدونهم فى الغى} اى يكون الشياطين مددا لهم فيه ويعضدونهم بالتزيين والحمل عليه والغى والضلال {ثم لا يقصرون} اى لا يمسكون عن الاغواء حتى يردونهم بالكلية يقال اقصر عن الشئ اذا كف عنه وانتهى. فعلى العاقل مباعدة أهل الطغيان ومجانبة وسوسة الشيطان - حكى - ان بعض الاولياء سأل الله تعالى ان يريه كيف يأتى الشيطان ويوسوس فاراه الحق تعالى هيكل الانسان فى صورة بلور وبين كتفيه خال اسود كالعش والوكر فجاء الخناس يتحسس من جميع جوانبه وهو فى صورة خنزير له خرطوم كخرطوم الفيل فجاء من بين الكتفين فادخل خرطومه قبل قلبه فوسوس اليه فذكر الله تعالى فخنس ورآه ولذلك سمى بالخناس لانه ينكص على عقبيه مهما حصل نور الذكر فى القلب ولهذا السر الالهى احتجم صلى الله تعالى عليه وسلم بين كتفيه وامر بذلك ووصاه جبريل بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده لنه يجرى وسوسته مجرى الدم ولذلك كان خاتم النبوة بين كتفيه عليه السلام اشارة الى عصمته عليه السلام من وسوسته لقوله عليه السلام "حديث : اعاننى الله عليه فاسلم " . تفسير : اى بالختم الالهى ايده به وخصه وشرفه وفضله بالعصمة الكلية فاسلم قرينه وما اسلم قرين آدم فوسوس اليه لذلك. واعلم ان اصل الخواطر اثنان ما يكون بالقا الملك وما يكون بالقاء الشيطان والفرق ام كل ما يكون سببا للخير بحيث يكون مأمون الغائلة اى الآفة فى العاقبة ولا يكون سريع الانتقال الى غيره ويحصل بعده توجه تام الى الحق ولذة عظيمة مرغبة فى العبادة فهو ملكى وبالعكس شيطانى. قال بعضهم قد يلبس الشيطان ويرى الباطل فى صورة الحق فاجمع المشايخ على ان من كان قوته من الحرام لا يفرق بين الخواطر الملكية والشيطانية بل منهم من قال من كان قوته غير معلوم لا يفرق بينهما: وفى المثنوى شعر : طفل جان ازشير شيطان بازكن بعد ازانش باملك انباز كن تاتو تارك وملول وتيره دانكه باديو لعيم همشيره لقمه كان نور افزود وكمال آن بود آورده از كسب حلال جون زلقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرادان حرام زايد ازلقمه حلال اندر دهان ميل خدمت عزم رفتن آن جهان تفسير : قال حضرة شيخنا الفريد امده الله بالمزيد فى كتاب اللائحات البرقيات الملك الموكل بامر الله على قلوب اهل الحق يلقى اليهم دائما فاذا مسهم طائف من الشيطان فيذكرهم بذلك الطائف الشيطانى فهم يتذكرون ويبصرون ويمحون والشيطان المتسلط بخذلان الله على صدور اهل الباطل يلقى اليهم الباطل دائما فاذا مسهم طائف من الرحمن فينسيهم ذلك فهم لا يتذكرون ولا يبصرون ولا يمحون فالشان الرحمانى دائما اراءة الحق حقا والباطل باطلا والشان الشيطانى اراءة الحق باطلا والباطل حقا وهذا هو السر والحكمة فى كون عباد الرحمن هادين ومهديين وعباد الشيطان ضالين ومضلين لان الاراءة الاولى هى الهداية بعينها والثانية هى الاضلال بعينه والاضلال لا بد من انه يستلزم الضلال كما ان الهداية لا بد من انها تستلزم الاهتداء انتهى كلامه. قال فى التاويلات النجمية {إن الذين اتقوا} هم ارباب القلوب والتقوى من شان القلب كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : التقوى ههنا " . تفسير : واشار الى صدوره التقوى نور يبصرون به الحق حقا والباطل باطلا فلذا قال {اذا مسهم طائف من الشيطان} اى اذا طاف حول القلب التقى النقى نوع طيف من عمل الشيطان يراه القلب بنور التقوى ويعرفه فيتذكر انه يفسده ويكدر صفاءه ويقيسه فيجتنبه ويحترز منه فذلك قوله {تذكروا فاذا هم مبصرون واخوانهم يمدونهم فى الغى} يعنى النفوس اخوان القلب فان النفس والقلب توأمان ولدا من ازدواج الروح والقالب فالقلب يمد النفس فى الطاعة ولولا ذلك ما صدر من القلب معصية لأنه جبل على الاطمئنان بذكر الله وطاعته {ثم لا يقصرون} لا يسأم كل واحد منهما من فعله ولا يدع ما جبل عليه لئلا يأمن ارباب القلوب من كيد النفوس ابدا ولا يقنط ارباب النفوس المسرفين على انفسهم من رحمة الله من اصلاح احوال قلوبهم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الطيف ـ بسكون الياء ـ: مصدر طاف به الخيال يطيف طيفًا، أو مخفف؛ من طيّف؛ كهين ولين وميت. ومن قرأ {طائف}: فاسم فاعل، والمراد به: لَمَّةُ الشيطان ووسوسته. وحذف مفعول {تذكروا}؛ للعموم على ما يأتي في المعنى. وقوله: {فإذا هم مبصرون}: أتى بإذا الفجائية؛ ليقتضي سرعة تيقظهم، وبالجملة الاسمية ولم يقل: تذكروا فأبصروا؛ ليفيد أنهم كانوا على البُصرى، وإنما السَّنة طرقتهم ثم رجعوا عنها. يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين اتَّقَوا} الشرك والمعاصي، {إذا مسَّهُم طائفٌ من الشيطان} أي: لَمَّةُ منه، كما في الحديث: " حديث : إنَّ للشَّيطَانِ لَمّةٌ وللمَلكِ لَمّةَ..."تفسير : الخ، فإذا أخذتهم تلك السنة وغفلوا {تذكّروا} عقابَ الله وغضبه، أو ثواب الله وإنعامه، أو مراقبته والحياء منه، أو مننه وإحسانه، أو طرده وإبعاده، أو حجبه وإهماله، أو عدواة الشيطان وإغواءه، كلٌ على قدر مقامه، فلما تذكروا ذلك {فإذا هم مبصرون} بسبب ذلك التذكر، أي: فإذا هم على بصيرة من ربهم التي كانوا عليها قبل المس، أو: فإذا هم مبصرون مواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون منها، ولا يعودون إليها بخلاف المنهمكين في الغفلة، كما قال تعالى: {وإِخوانُهم يَمدُّونهم في الغَي} أي: وإخوان الشياطين، الذين لم يتقوا، يمدونهم، أي: ينصرونهم، ويكونون مددًا لهم في الضلال والغي؛ بالتزيين والحمل عليه، {ثم لا يُقصرون}؛ لا يُمسكون عن إغوائهم حتى يُوردوهم النار، أو: لا يقصر الكفار عن غيهم وضلالهم حتى يهلكوا. الإشارة: البصيرة حارسة للقلب، الذي هو بيت الرب، فإذا نامت طرقها الشيطان، فإن كان نومها خفيفًا أحست به وطردته، وهذه بصيرة المتقين، الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا}، وإذا كان نومها ثقيلاً سرق الشيطان ما فيها، ولم تفطن به، وهذه بصيرة الغافلين، الذين هم أخوان الشياطين. قال القشيري: إنما يمس المتقين طيفُ الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسَّهم طائف الشيطان، فإن الشيطانَ لا يَقَربُ قلبًا في حال شهوده الله؛ لأنه يخنس عند ذلك، ولكل عازمٍ فترة، ولكلِّ عالم هفوة، ولكل عابد شدة، ولكل قاصد فترة، ولكل سائر وقفة، ولكل عارفٍ حجبة. قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : الحِدَّةُ تعتري خيار أمتي" تفسير : . فأخبر بأن خيار الأمة، وإن جلت رتبتهم، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم، فتخرجهم عن دوام الحلم. هـ. وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله: {وإما ينزغنك...} الآية، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به، وترقية له، وتحويش له إلى ربه، والله تعالى أعلم. ثم ردَّ الله على من طلب الآيات، فقال: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير واهل البصرة والكسائي {طيف} بغير الف وبغير همز. الباقون بألف بعدها همزة. قال الحسن: الطيف في كلام العرب اكثر من طائف. وقال ابو زيد: طاف الرجل يطوف طوفاً إذا اقبل وادبر واطاف يطوف طوفاً إذا جعل يستدبر القوم ويأتيهم من نواحيهم. وطاف الخيال طيفاً إذا ألم في المنام. وقال ابو عبيدة: طيف من الشيطان بأن يلم به، لما يقال منه: طفت اطيف طيفاً. وقال قوم: الطائف ما أطاف بك من وسوسة الباطل. والطيف اللمم والمس. وقال ابو عمرو ابن العلا: الطيف الوسوسة. وحكى الرماني: ان الطيف اصله طوف من الواو مثل سيد وميت، فخفف، وانشد ابو عبيدة للاعشى في الالمام. شعر : ونصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن اولق تفسير : وكأن معنى الآية إذا مسهم من ينظر لهم نظرة من الشيطان. ويكون طائف مثل العاقبة والعافية، مما جاء المصدر منه على فاعل وفاعلة، فالطيف اكثر لان المصدر على هذا الوزن اكثر منه على وزن فاعل، والطائف كالخاطر. وقال الحسن معناه يطوف عليهم الشيطان بوساوسه، فيقبل بعض وحبه من يعصي الله. وقوله {تذكروا} أي تذكروا ما عندهم من المخرج والتوبة {فاذا هم مبصرون} قد تابوا. وقال مجاهد: هم المؤمنون إذا مسهم طيف أي غضب تذكروا. وقال سعيد ابن جبير: هو الرجل يغضب الغضب فيذكر فيكظم غيظه. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله تعالى فيتركه. اخبر الله تعالى بأن الذين يتقون الله باجتناب معاصيه إذا وسوس اليهم الشيطان واغراهم بمعاصيه تذكروا، فعرفوا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبونه ويتركونه. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الطيف الغضب. وقال ابن عباس والسدي: هي الزلة التي إذا ارتكبها تاب منها. و "اذا" الأولى بمنزلة الجزاء ولها جواب، والثانية بمعنى المفاجأة كقولك خرجت، فاذا زيد. وقال ابن عباس الطيف النزغ. وقال أبو عمرو بن العلا: الوسوسة. وقال غيره هو اللمم.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} ارادوا التّقوى من نزغ الشّيطان او اتّقوا موالاة الشّيطان او اتّقوا تقوى حقيقيّة حاصلة بولاية علىّ (ع) والبيعة الخاصّة الولويّة وعلى اىّ معنى فهو فى موضع تعليل للامر بالاستعاذة {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ} خطرة وسوسة لانّ الانسان قلّما ينفكّ منها فكأنّها طائفة بهم ودائرة معهم او طائفٌ وشيطان من قبل ابليس الابالسة او خيال من الطّيف بمعنى الخيال {مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ} اوامره تعالى ونواهيه، او تذكّروا سوء عاقبة الطّائف، او تذكّروا المأخوذ من ولىّ امرهم، او تذكّروا بالفكر الحاصل من الّذكر المأخوذ الّذى هو مثال شيخه {فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} سوء عاقبة الطّائف او انّ الطّائف من الشّيطان او جذب الطّائف الى السّفل السّجّين او انّه شيطان يوسوسه من قبل ابليس.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {إن الذين اتقوا} الكفر والكبائر {إذا مسهم} إذا أصابهم {طائف} قيل: وسوسة، وقيل: غضب {تذكروا} في الوعد والوعيد، وقيل: تذكروا الله تعالى فتركوا الذنب {فإذا هم مبصرون} ما عليهم من الخطيئة والعصيان، وما لهم من الثواب والرضوان {وإخوانهم} يعني إخوان الشياطين في الضلال {يمدونهم} الشياطين، وقيل: إخوان الشياطين المشركين، وإنما سماهم إخواناً لقبولهم منهم {ثم لا يقصرون} أي يكفون عن أغوائهم، وقيل: لا يمسكون، ومعنى: {لولا اجتبيتها} هلا اجتمعتها افتعالاً من عند نفسك، لأنهم كانوا يقولون: {ما هذا إلا إفك مفترى} يعني القرآن {بصائر} حجج وبراهين {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا} ظاهرة وجوب الاستماع والانصات وقت تلاوة القرآن وفي صلاة وغير صلاة، وقيل: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن، وقيل: معناه استمعوا له اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه {واذكر ربك في نفسك} هو عام في الاذكار من قراءة القرآن وغيرها من الدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك، وقيل: هو أمر بالصلاة، وقيل: بالقراءة في الصلاة {تضرعاً} تخشعاً وتذللاً، وقيل: المراد به الصلوات المكتوبات {وخيفة} خفا خوفاً من عقابه {ودون الجهر من القول} ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن الإِخفاء أدخل في الإِخلاص {بالغدوّ والآصال}، قيل: أراد دوام الذكر ومعنى بالغدو وقت أول النهار، والآصال العشي {ولا تكن من الغافلين} الذين يغفلون عن ذكر الله تعالى: {إن الذين عند ربك} هم الملائكة (صلوات الله عليهم) قال الحاكم: والآية تدل على أن الملائكة أفضل من بني آدم {ويسبِّحونه} ينزهونه عما لا يليق عليه {وله يسجدون}، قيل: يخضعون، وقيل: يهلون. فصل لا خلاف أن في آخر الأعراف سجدة، قال أبو حنيفة: كل موضع للسجود في آخر السورة أو قريباً منه فهو بالخيار إن شاء ركع وإن شاء سجد ورفع رأسه قام وقرأ القرآن ثم ركع، واختلفوا في حكمها فقال أبو حنيفة: سجدة التلاوة واجبة، شرط فيها من الطهارة والقبلة وغيرها ما يشرط في الصلاة، وقال الشافعي: سنة مؤكدة، قال أبو حنيفة: يكبر ويسجد ويكبر ويرفع رأسه مكبر ولا سلام، وقال الشافعي: فيه سلام.
اطفيش
تفسير : {إنَّ الذِينَ اتَّقَوا} تركوا الشرك والمعاصى {إذا مسَّهمْ طائفٌ مِنَ الشَّيْطانِ} نزغ منه خاطر بهم، وقيل: الطائف أكبر من النزغ، كأنه طاف بهم من جهاتهم، وحالة الشيطان مع غير الأنبياء أقوى من حالته معهم، وقيل: الطائف أدنى نزغ، وهو اسم فاعل من طاف يطوف، أو من أطاف يطيف لغتان بمعنى، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائى، ويعقوب: طيف بفتح الطاء وإسكان الياء وهو مصدر من طاف يطيف، أى خطرة أو لمسة، والمراد النزعة، أو صفة مشبهة مخففة من طيف بتشديد الياء مكسورة، وهو من طاف يطوف، أو من طاف يطيف، وقرأ ابن جبير طيف بالتشديد والكسر، وذكر الكسائى أن الطيف بالإسكان الوسوسة, والطائف ما يطوف حول الإنسان، فكان يقرأ بالإسكان، والصحيح أن الطائف يطلق أيضا على السوسة ويسمى الغضب، والوسوسة طيفا لأنهما يشبهان الجنون، وهما من الشيطان، والجنون يسمى طيفا. {تَذَكَّروا} أن ذلك نزغ من الشيطان فتركوه، أو تذكروا ما أمر الله به وما نهى عنه مما خالف نزغ الشيطان، أو تذكروا العقاب والثواب، أو تذكروا الاستعاذة أو ذلك كله، وقرأ ابن الزبير تأملوا، وفى مصحف أبى: إن طاف من الشيطان طائف تأملوا، وقال مجاهد: الطائف الغضب، والصحيح أنه كل ما وسوس به الشيطان من المعاصى. {فإذا هُم مُبْصرونَ} بالتذكر والتأمل طريق الهدى، فتجنبوا كيد الشيطان، وفى الآية إشارة إلى أنهم قبل التذكر قد خفى عنهم الهدى بوسوسة الشيطان، فهم غير مبصريه، ولا سيما إذا كانت النزغة غضبا، فإن الغضبان لا يدرى أين هو، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الغضب جند من جند الجن، أما ترون حمرة العين وانتفاخ العروق، فإذا كان ذلك فالأرض الأرض" تفسير : وروى الحسن: "حديث : أن الغضب جمرة توقد فى الجوف، ألم تر إلى حمرة العينين، وانتفاخ الودجين، فإذا غضب أحدكم فإن كان قاعدا فلا يقم، وإن كان قائما فليقعد، وذلك أن الإنسان يجد فيه الشيطان فى حالة الغضب ما لا يجد فى غيرها"تفسير : وعن الحسن: أن من الناس رجل سريع الغضب سريع الرضا، ورجل بطيئهما فما للرجلين وما عليهما؟ ورجل سريع الغضب بطئ الرضا فهذا عليه ورجل سريعه بطئ الغضب وهذا له، وهذه الآية وما بعدها تأكيد وتقرير لما قبلها. ومن ابتلى بوسوسة أو خوف أو فزع أو حديث نفس أو خيال فليكتب: {وإما ينزغنك} إلى {مبصرون} بزعفران وماء ورد يوم الجمعة فى سبع ورقات عند طلوع الشمس، ويبلع كل يوم ورقة، ويشرب عليها جرعة ماء يبرأ بإذن الله تعالى، والمراد بالشيطان الجنس، ولذا عبر عنه بالجمع أو بضمير الجماعة فى قوله: {وإخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ...}
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا} حذر الشرك والمعاصى {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ} أَلم بهم أَمر كشئ يدور حول الشئ، والمراد الوسوسة بترك طاعة أَو من فعل معصية، قيل: أَو ما يخطر من ذلك فى القلب، وهو ضعيف لأَن هذا الخاطر أَيضاً من الشيطان، وقيل: الطائف الغضب، والشيطان الجنس كما جمع فى قوله: وإِخوانهم، أَى إِخوان الشياطين، {تَذَكَّرُوا} عقاب الله على ترك الواجب أَو على فعل المعصية، وكلا ذلك معصية، وتذكروا ثواب الواجب أَو ثواب المستحب فلا يتركوه {فَإِذَا هُمُ مُبْصِرُونَ} مميزون بالتذكر الحق من الباطل، والراجح من المرجوح كمن غشيه غيم أَو دخان ثم زال عنه، وهكذا الوسوسة مع القلب، والآية مع عمومها تأكيد لما قبلها فى خصوص النبى صلى الله عليه وسلم على أَن الخطاب فى ينزغنك له صلى الله عليه وسلم، وإِن جعل لكل من يصلح للخطاب، ففيها أَيضاً العموم بدليا، كما كان فى هذه شمولياً.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} استئناف مقرر لما قبله من الأمر ببيان أن الاستعاذة سنة مسلوكة للمتقين والإخلال بها شنشنة الغاوين، أي إن الذين اتصفوا بتقوى الله تعالى {إِذَا مَسَّهُمْ طٱَـئِفٌ مّنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي لمة منه كما روي عن ابن عباس، وتنوينه للتحقير، والمراد وسوسة ما، وهو اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله، وجعل الوسوسة طائفاً للإيذان بأنها وإن مست لا تؤثر فيهم فكأنها طافت حولهم ولم تصل إليهم. وجوز أن يكون من طاف طيف الخيال إذا ألم في المنام فالمراد به الخاطر. وذهب غير واحد إلى أن المراد بالطائف الغضب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (طيف) على أنه مصدر أو تخفيف من طيف من الواوي أو اليائي كهين ولين. والمراد بالشيطان الجنس لا إبليس فقط ولذا جمع ضميره فيما سيأتي. {تَذَكَّرُواْ} أي ما أمر الله تعالى به ونهى عنه، أو الاستعاذة به تعالى والالتجاء إليه سبحانه وتعالى، أو عداوة الشيطان وكيده {فَإذَا هُمْ} بسبب ذلك التذكر {مُّبْصِرُونَ} مواقع الخطأ ومناهج الرشد فيحترزون عما يخالف أمر الله تعالى وينجون عما لا يرضيه سبحانه وتعالى، والظاهر أن المراد من الموصول من اتصف بعنوان الصلة مطلقاً، وقال بعض المحققين: إن الخطاب في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ } تفسير : [الأعراف: 200] الخ إما أن يكون مختصاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو الظاهر فالمناسب أن يراد بالمتقين المرسلون من أولي العزم، أو يكون عاماً على طريقة «بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة»، أو خاصاً يراد به العام نحو {أية : يا أيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } تفسير : [الطلاق: 1] فالمتقون حينئذٍ الصالحون من عباد الله تعالى انتهى. ولا يخفى أن الملازمة في الشرطية الأولى في حيز المنع والعموم هو المتبادر على كل حال، وزعم بعضهم أن المراد بالمتقين المنسوب إليهم المس غير الأنبياء عليهم السلام، وجعل الخطاب فيما سبق خاصاً بالسيد الأعظم صلى الله عليه وسلم وادعى أن النزغ أول الوسوسة والمس لا يكون إلا بعد التمكن، ثم قال: ولذا فصل الله سبحانه وتعالى بين النبـي عليه الصلاة والسلام وغيره من سائر المتقين فعبر في حقه عليه الصلاة والسلام بالنزغ وفي حقهم بالمس، وقد يقال: إن اهتمام الشيطان في الوسوسة للكامل أكمل من اهتمامه في الوسوسة لمن دونه فلذا عبر أولاً بالنزغ وثانياً بالمس.
ابن عاشور
تفسير : هذا تأكيد وتقرير للأمر بالاستعاذة من الشيطان، فتتنزل جملة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ} إلى آخرها منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحسّ بنزغ الشيطان، ولذلك افتتحت بـ {إن} التي هي لمجرد الاهتمام لا لرد تردد أو إنكار، كما افتتحت بها سابقتها في قوله: {أية : إنه سميع عليم} تفسير : [الأعراف: 200] فيكون الأمر بالاستعاذة حينئذ قد علل بعلتين أولاهما أن الاستعاذة بالله منجاة للرسول عليه الصلاة والسلام من نزغ الشيطان، والثانية: أن في الاستعاذة بالله من الشيطان تذكراً الواجب مجاهدة الشيطان والتيقظِ لكيده، وأن ذلك التيقظ سنة المتقين، فالرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بمجاهدة الشيطان: لأنه متق، ولأنه يبتهج بمتابعه سيرة سلفه من المتقين كما قال تعالى: {أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} تفسير : [الأنعام: 90]. وقد جاءت العلة هنا أعم من المعلل: لأن التذكر أعم من الاستعاذة. ولعل الله ادخر خصوصية الاستعاذة لهذه الأمة، فكثر في القرآن الأمر بالاستعاذة من الشيطان، وكثر ذلك في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وجعل للذين قبلهم الأمر بالتذكر، كما ادخر لنا يوم الجمعة. و(التقوى) تقدم بيانها عند قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : في سورة البقرة (2)، والمراد بهم: الرسل وصالحو أممهم، لأنه أريد جعلهم قدوة وأسوة حسنة. و(المس) حقيقته وضع اليد على الجسم، واستعير للإصابة أو لأدْنى الإصابة. والطائف هو الذي يمشي حول المكان ينتظر الإذن له، فهو النازل بالمكان قبل دخوله المكان، اطلق هنا على الخاطر الذي يخطر في النفس يبعث على فعل شيء نهى الله عن فعله شُبه ذلك الخاطر في مبدأ جولانه في النفس بحلول الطائف قبل أن يستقر. وكانت عادة العرب أن القادم إلى أهل البيت، العائِذَ برب البيت، المستأنسَ للقرى يستانس، فيطوف بالبيت، ويستأذن، كما ورد في قصة النابغة مع النعمان بن المنذرِ حين أنشد أبياته التي أولها:شعر : أصم أمْ يسمعُ رب القُبّهْ تفسير : وتقدمت في أول سورة الفاتحة، ومن ذلك طواف القادمين إلى مكة بالكعبة تشبها بالوافدين على المملوك، فلذلك قُدّم الطواف على جميع المناسك وختمت بالطواف أيضاً، فلعل كلمة طائف تستعمل في معنى الملم الخفي قال الأعشى:شعر : وتُصبح عن غب السُّرَي وكأنّها ألمَّ بها من طائِف الجن أَوْلَقُ تفسير : وقال تعالى: {أية : فطاف عليها طائفٌ من ربك وهم نائمون} تفسير : [القلم: 19]. وقراءة الجمهور: {طائف}، بألف بعد الطاء وهمزة بعد الألف، وقراءة ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب: (طيْف) بدون ألف بعد الطاء وبياء تحتية ساكنة بعد الطاء، والطيْف خيال يراك في النوم وهو شائع الذكر في الشعر. وفي كلمة (إذا) من قوله: {إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} مع التعبير بفعل {مَسهم} الدال على إصابة غير مكينة، إشارة إلى أن الفزع إلى الله من الشيطان، عند ابتداء إلمام الخواطر الشيطانية بالنفس، لأن تلك الخواطر إذا أمهلت لم تلبث أن تصير عزماً ثم عملاً. والتعريف في {الشيطان} يجوز أن يكون تعريف الجنس: أي من الشياطين ويجوز أن يكون تعريف العهد والمراد به إبليس باعتبار أن ما يوسوس به جنده وأتباعُه، هو صادر عن أمره وسلطانه. والتذكر استحضار المعلوم السابق، والمراد: تذكروا أوامر الله ووصاياه، كقوله: {أية : ذَكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}تفسير : [آل عمران: 135] ويشمل التذكر تذكر الاستعاذة لمن أمر بها من الأمم الماضية، إن كانت مشروعة لهم، ومن هذه الأمة، فالاقتداءُ بالذين اتقوا يعم سائر أحوال التذكر للمأمورات. والفاء لتفريع الإبصار على التذكر. وأكد معنى (فاء) التعقيب بــــ (إذا) الفجائية الدالة على حصول مضمون جملتها دَفعة بدون تريث، أي تذكروا تذكر ذويَ عزم فلم تتريث نفوسهم أن تَبين لها الحقُ الوازع عن العمل بالخواطر الشيطانية فابتعدت عنها، وتمسكت بالحق، وعملت بما تذكرت، فإذا هم ثابتون على هداهم وتقواهم. وقد استعير الإبصار للاهتداء كما يستعار ضده العمى للضلال، أي: فإذا هم مهتدون ناجون من تضليل الشيطان، لأن الشيطان أراد إضلالهم فسلموا من ذلك ووصفُهم باسم الفاعل دون الفعل للدلالة على أن الإبصار ثابت لهم من قبلُ، وليس شيئاً متجدداً، ولذلك أخبر عنهم بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَائِفٌ} {ٱلشَّيْطَانِ} (201) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّ المُتَّقِينَ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ إذا ألَمَّ بِهِمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ بَوَسْوَسَتِهِ إلَيْهِمْ لِيَحْمِلَهُمْ عَلَى المَعْصِيَةِ، أوْ لِيُوقِعَ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ ... تَذَكَّرُوا أَنَّ هذا مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ عَدُوِّهِمْ وَتَذَكَّرُوا أَنَّ رَبَّهُمْ قَدْ حَذَّرَهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ، وَوَسْوَسَتِهِ، فَتَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَعَاذُوا بِاللهِ، وَرَجَعُوا إلَيهِ، فَإذا هُمْ قَدِ اسْتَقَامُوا وَصَحَوْا (مُبْصِرُونَ). مَسَّهُمْ طَائِفٌ - ألَمَّ بِهِمْ وَسْوَسَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومن رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا مسّهم" ولم يقل: "لمسَهم". لأنهم من الذين اتقوا، أي وضعوا بينهم بين صفات جلال الله وقاية تجعلهم يقفون عند حدوده ولذلك يقول: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُواْ}. والطائف هو الخيال الذي يطوف بالإنسان ليلاً، وبما أن الشيطان لا يرى، لذلك نصوره على أنه خيال، فإذا ما طاف الشيطان بالمس للذين اتقوا وتذكروا خالق الشيطان وخالقهم، وتذكروا منهج الله الذي يصادم شهواتهم، وتذكروا أن عين الله تراهم ولا تغفل عنهم، وأن محارم الله واضحة وبينة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في الحديث الذي يرويه عنه النعمان بن بشير: "حديث : الحلال بيّن والحرامُ بيّن وبينهما مشَبهات لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : وإذا ما تذكر المؤمنون العقوبة المترتبة على أي فعل شائن يزينه الشيطان لهم، هنا تزول عنهم أي غشاوة ويبصرون الطريق القويم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن / 25ظ / ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} [الآية: 201] قال: هو الغضب. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِخْوَانُهُمْ}: يعني من الشياطين، {يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} [الآية: 202]. أًَي: يمدون المشركين في الغي استجهالا. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} [الآية: 203]. يقول: لولا ابتدعتها من قبل نفسك. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصلاة فسمع قراءَة فتى من الأَنصار فنزل: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الآية: 204]. فكان لا يرى بالذكر بأْساً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ} معناهُ جنونٌ. وطَائِفٌ من الشَّيطانِ. معناهُ يُريدُ بِهِ الغَضب.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه تذكيراً لنبيه وعظة: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ} من عبادنا كانوا {إِذَا مَسَّهُمْ} واستولى عليهم {طَائِفٌ} خاطر يطوف حول قلوبهم {مِّنَ} قبل {ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ} ما أمروا به ونُهوا عنه من عند الله {فَإِذَا هُم} بتذكير المأمور والمنهي {مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] مميزنون مواقع الخطأ فيحترزون منها، ويتعوذون إلى الله عمَّا يغريهم إليه. {وَ} الذين لم يتقوا، بل هم {إِخْوَانُهُمْ} أي: إخوان الشياطين، إذا مسهم ما مسهم لا يتأتى بهم التذكر ولم يوفقوا عليه، بل {يَمُدُّونَهُمْ} أي: الشياطين بالتزيين والتحسين، والوسوسة والإغواء إلى أن يوقعوا بهم {فِي ٱلْغَيِّ} والضلا ل {ثُمَّ} بعد الإيقاع فيه {لاَ يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202] بلا يبالغون في إغوائهم وإغرائهم إلى حيث يردونهم بحال لا يرجى لهم الفلاح أصلا. و{وَ} من غاية انهماكهم في الغي والضلال، ونهاية غراقتهم فيه {إِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ} يا أكمل الرسل {بِآيَةٍ} اقترحوها منك، عناداً {قَالُواْ} على سبيل التهكم والاستهزاء: {لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} أي: هل انتخبتها من الأقوال وأنشأئها كسائر منشآتك، أعجزت فيها؟ فإن أعجزت لِمَ لَمْ تطلبها من ربك على مقتضى دعوانك، كما طلبت غيرها منه؟ {قُلْ} في جوابهم: ما أنا مختلق، بل رسول مبلغ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي{} الذي هو مرسلي ومبلغي، ما لي صنع في نظمه وتأليفه، وبلاغته وفصاحته وإعجازه، بل {هَـٰذَا} أي: القرآن وما فيه من الرموز والإشارات {بَصَآئِرُ} للمستبصرين المستكشفين بمقتضى الودائع الفطرية التي أودعها الله في قلوب عباده، ومتى انكشفتهم بودائعكم علمتم أنها {مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى} يوصلكم إلى ما جبلتم لأجله، وهو التوحيد والعرفان {وَرَحْمَةً} نازلة لكم من الله يوفظكم عن نومه الغفلة والنسيان، كل ذلك {لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203] أي: يتحققون بمرتبة اليقين العلمي، ويطلبون الترقي منها إلى العين والحق. حققنا بلطفك بحقيتك، وخلصنا من هويتنا الباطلة بفضلك وجودك يا أرحم الراحمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):