٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
202
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَإِخْوٰنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ} أي وإخوان الشياطين الذين لم يتقوا بمدهم الشياطين. {فِى ٱلْغَىِّ } بالتزيين والحمل عليه، وقرىء {يَمُدُّونَهُمْ} من أمد ويمادونهم كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال. {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} ثم لا يمسكون عن اغوائهم حتى يردوهم، ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يكفون عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، ويجوز أن يراد بالـ {إِخْوٰنَ} الشياطين ويرجع الضمير إلى {ٱلْجَـٰهِلِينَ} فيكون الخبر جارياً على ما هو له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِخْوٰنِهِمْ } أي إخوان الشياطين من الكفار {يَمُدُّونَهُمْ } أي الشياطين {فِى ٱلْغَىِّ ثُمَّ } هم {لاَ يُقْصِرُونَ } يكفون عنه بالتبصر كما تبصَّر المتقون.
الخازن
تفسير : {وإخوانهم} يعني وإخوان الشياطين من المشركين {يمدونهم} أي يمدهم الشياطين {في الغي} قال الكلبي لكل كافر أخ من الشياطين يمدونهم أي يطيلون لهم في الإغواء حتى يستمروا عليه وقيل يزيدونهم في الضلالة {ثم لا يقصرون} يعني لا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها وهذا بخلاف حال المؤمنين المتقين لأن المؤمن إذا أصابه طيف من الشيطان تذكر وعرف ذلك فنزع عنه وتاب واستغفر والكافر مستمر في ضلالته لا يتذكر ولا يرعوي. وقال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئآت ولا الشياطين يمسكون عنه فعلى هذا القول يحمل قوله لا يقصرون على فعل الإنس والشياطين جميعاً. قوله عز وجل: {وإذا لم تأتهم بآية} يعني وإذا لم تأت المشركين يا محمد بآية ومعجزة باهرة {قالوا} يعني قال المشركون {لولا اجتبيتها} يعني افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك تقول العرب اجتبت الكلام إذا اختلقته وافتعلته. وقال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا لولا اجتبيتها يعني هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين سألوا الآيات {إنما أتبع ما يوحي إلي من ربي} يعني القرآن الذي أنزل عليّ وليس لي أن أقترح الآيات والمعجزات {هذا بصائر من ربكم} يعني هذا القرآن حجج وبرهان وأصل البصائر من الإبصار وهو ظهور الشيء حتى يبصره الإنسان ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه اسم البصائر فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب {وهدى} يعني وهو هدى {ورحمة} يعني وهو رحمة من الله {لقوم يؤمنون} وهنا لطيفة وهي الفرق بين هذه المراتب الثلاث وذلك أن الناس متفاوتون في درجات العلوم فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد وهم أصحاب عين اليقين ومنهم من بلغ درجة الاستدلال والنظر وهم أصحاب علم اليقين ومنهم المسلم والمستسلم وهم عامة المؤمنين وهم أصحاب حق اليقين فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر وفي حق القسم الثاني وهم المستدلون هدى وفي حق القسم الثالث وهم عامة المؤمنين رحمة. قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} لما ذكر الله سبحانه وتعالى عظم شأن القرآن بقوله هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون أتبعه بما يجب من تعظيم شأنه عند قراءته فقال سبحانه وتعالى: وإذا قرئ عليكم أيها المؤمنون القرآن فاستمعوا له يعني أصغوا إليه بأسماعكم لتفهموا معانيه وتتدبروا مواعظه وأنصتوا يعني عند قراءته والإنصات السكوت للاستماع. يقال: نصت وأنصت وانتصت بمعنى واحد. واختلف العلماء في الحال التي أمر الله عز وجل بالاستماع لقارئ القرآن والإنصات له إذا قرأ لأن قوله فاستمعوا له وأنصتوا أمر. وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبين وللعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: وهو قول الحسن وأهل الظاهر أن تجري هذه الآيات على العموم ففي أي وقت وأي موضع قرئ القرآن يجب على كل أحد الاستماع له والسكوت. والقول الثاني: إنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة روي عن أبي هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكون والاستماع لقراءة القرآن. وقال عبد الله: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على فلان وسلام على فلان قال فجاء القرآن وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا. القول الثالث: إنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام روي عن أبي هريرة قال نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن ابن مسعود: أنه سمع ناساً يقرؤون مع الإمام فلما انصرف قال أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله. وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار. القول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء قال مجاهد: الإنصات للإمام يوم الجمعة. وقال عطاء وجب الصمت في اثنتين عند الرجل يقرأ القرآن وعند الإمام وهو يخطب. وهذا القول قد اختاره جماعة وفيه بعد لأن الآية مكية والخطبة إنما وجبت بالمدينة واتفقوا على أنه يجب الإنصات حال الخطبة بدليل السنة وهو ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت"تفسير : أخرجاه في الصحيحين واختلف العلماء في القراءة خلف الإمام فذهب جماعة إلى إيجابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسرّ. يروى ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ وهو قول الأوزاعي وإليه ذهب الشافعي وذهب قوم إلى أن يقرأ فيما أسرّ الإمام فيه القراءة ولا يقرأ فيما جهر الإمام فيه، يروى ذلك عن ابن عمر وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق وذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسرّ الإمام أو جهر. يروى ذلك عن جابر وإليه ذهب أصحاب الرأي حجة من لا يرى القراءة خلف الإمام ظاهر هذه الآية وحجة من قال يقرأ في السرية دون الجهرية قال إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن ودلت السنة على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآية على صلاة الجهرية وحملنا مدلول السنة على صلاة السرية جمعاً بين دلائل الكتاب والسنة وحجة من أوجب القراءة خلف الإمام في صلاة السرية والجهرية قال الآية واردة في غير الفاتحة لأن دلائل السنة قد دلت على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام ولم يفرق بين السرية والجهرية. قالوا وإذا قرأ الفاتحة خلف الإمام تتبع سكناته ولا ينازعه في القراءة ولا يجهر بالقراءة خلفه ويدل عليه ما روي عن عبادة بن الصامت قال: حديث : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال "أراكم تقرؤون وراء إمامكم قال" قلنا: يا رسول الله أي والله. قال "لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"تفسير : أخرجه الترمذي بطوله وأخرجاه في الصحيحين أقصر منه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"تفسير : (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثاً غير تمام فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام قال اقرأ بها في نفسك"تفسير : وذكر الحديث وقوله سبحانه وتعالى: {لعلكم ترحمون} يعني لكي يرحمكم ربكم باتباعكم ما أمركم به من أوامره ونواهيه.
البقاعي
تفسير : ولما وصف المتقون الذين هم العلماء ملوحاً إلى نصح وليهم لهم، وعرف من حالهم أنهم أعداء الشيطان، وعرف أن أضدادهم أولياؤه؛ أتبعه وصف الجاهلين وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين، فقال: {وإخوانهم} أي وإخوان الجاهلين من شياطين الأنس والجن {يمدونهم} أي يمدون الجاهلين، من المد وهو الإمهال والإطالة على قراءة الجماعة، وهو بمعنى قراءة أهل المدينة بالضم من الإمداد، وقال الواحدي: إن هذا أكثر ما يأتي فيما يحمد كأمددناهم بفاكهة، فهو من استعمال الشيء في ضده نحو {فبشرهم بعذاب}، وكأنه يشير إلى أن الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح الشفيق، والأوجه أن يكون الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة {الذين اتقوا} ويكون الضمير للشيطان المراد به الجنس، أي وإخوان الشياطين - وهم الجاهلون الذين لا يتقون - يمدهم أولياؤهم من الشياطين {في الغي} وهو ضد الرشاد، وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال والإغراء بأداة التراخي فقال: {ثم لا يقصرون*} أي لا يتركون إغواءهم ولو لحظة لجهلهم وشرهم. ولما تقرر ما شرعه من التعفف وعدم التنطع والتكلف، وكان قد أخبر أن من عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة، والشياطين لا يفترون عن إغوائهم، أخبره عن مطلق تكلفهم تعجباً منهم وإشهاداً لتماديهم مع إغواء شياطينهم، وأمره صلى الله عليه وسلم بما يجيبهم به فقال عاطفاً على {يمدونهم}: {وإذا لم تأتهم بآية} أي على حسب اقتراحهم {قالوا لولا} أي هلا {اجتبيتها} والجبي: الجمع، والإجباء تركه، والاجتباء: الجد في الجمع، ويلزم منه الاصطفاء والاختبار، فمعنى اجتبيتها اجتلبتها، أي تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختاره. ولما كان المقام داعياً إلى السؤال في تعليم الجواب،أسعف ذلك بقوله: {قل} أي إذا قالوا ذلك {إنما أتبع} أي أتعمد وأتكلف اتباع {ما يوحي إليّ} أي يأتيني به الملك {من ربي} أي المحسن إليّ بتعليمي ما ينفعني، لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ربي. ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل: ما هذا الذي يوحي إليك؟ فقال - ويجوز أن يكون تعليلاً لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغنٍ عن الآيات المقترحه قاهر في وجوب اتباعه -: {هذا} مشيراً إلى ما يوحى إليه تنبيهاً على أنه يجب أن يكون مستحضراً في سائر الأذهان، حاضراً بين عيني كل إنسان {بصائر} أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباة، بل هي خيار الخيار، يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضاً بصر يقربه مما يحث الكتاب على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك، وهي حجج بينة قاهرة على تصديقي وقبول كل ما جئت به، وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة أصولاً وفروعاً، فهو تسمية للسبب باسم المسبب، وعليّ مدحها بقولة: {من ربكم} أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم أصلاً، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل. ولما كانت البصائر جمعاً، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوتة، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في أعلى طبقات الهداية فقال: {وهدى} أي بيان؛ ولما كان البيان قد لا يكون على وجه الإكرام، قال: {ورحمة} أي إكرام. ولما كان من لا ينتفع بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة إليه، قال: {لقوم يؤمنون*} أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في كل وقت، وأما غيرهم فقد يكون عليهم عذاباً. ولما عظم الله شأن القرآن، فكان التقدير: فآمنوا به تفلحوا، عطف عليه قوله: {وإذا قرىء القرآن} أي وهو هذا الذي يوحى إليّ، فتأدبوا وتواضعوا لأنه صفة ربكم {فاستمعوا له} أي ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم عن السمع. ولما كان بعض الفهماء يسمع وهو يتكلم، أشار إلى أن هذا الكتاب أعلى قدراً من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل فقال: {وأنصتوا} أي للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقته فتعلموا بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات لكل قارىء على كل أحد، رغب فيه تعظيماً لشأنه فقال: {لعلكم ترحمون*} أي لتكونوا على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم. ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان، ومر إلى أن أمر بالاستماع لأعظم الذكر، وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه، وربما أسر لئلا يوجب على غيره الإصغاء، علمهم أدب القراءة، وأطلق ذلك في كل حال لأنه ربما فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ، ورقي الخطاب منهم إلى إمامهم ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا يكاد يقوم بهذا الأمر حق قيامه غيره صلى الله عليه وسلم فقال: {واذكر} أي بكل ذكر من القرآن وغيره - {ربك} أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك {في نفسك} أي ذكراً يكون راسخاً فيك مظروفاً لك لفهمك لمعانيه وتخلقك بما فيه، وليكن سراً لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأعون على التفكر، وكونه سراً دال على أشرف الأحوال، وهو المراقبة مع تحقق القرب، فإذا كان كذلك أثمر قوله: {تضرعاً} أي حال كونك ذا تضرع بالظاهر {وخيفة} أي لتدعو المخافة إلى تذلل قبلك لتجمع بين تضرع السر والعلن، وبهذا يكمل ذل العبودية لعز الربوبية. ولما أمر بالسر، قال مقابلاً له: {ودون الجهر} أي لأنه أدخل في الإخلاص، ومن المعلوم أنه فوق السر، وإلا لم تفد الجملة شيئاً، ولما كان الجهر قد يكون في الأفعال، أكده بقوله: {من القول} أي فإن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع من غير صياح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب، وكما قال صلى الله عليه وسلم للصحابة وقد جهروا بالدعاء فوق المقدار "حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً " تفسير : فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام. ولما أمر بالذكر مكيفاً بكيفيته اللائقة به، أمره صلى الله عليه وسلم بالمداومة عليه ذاكراً أحسن الأوقات له وأحقها به، لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال: {بالغدو} أي أوقات البكر، ولعله أفرده على جعله مصدر غداً، لأنه ما ثم إلا صلاة الصبح، وجمع ما بعده للعصرين والمغرب فقال: {والآصال} أي أوقات العشاء، وقيل: الغدو وجمع غدوة، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم أصيلاً لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت، وبالأصيل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاوياً على تعظيمه حق تعظيمه. ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين الوقتين وإن ظاهراً في الدوام، قال مصرحاً: {ولا تكن من الغافلين*} أي في وقت غيرهما، بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال؛ ثم علل الأمر بالمراقبة الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال: {إن الذين} وزاد ترغيباً في ذلك بقوله: {عند ربك} أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك أكرم أحبابه، وهم الملائكة الكرام أولو العصمة، والقرب دنو مكانة لا مكان {لا يستكبرون} أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر {عن عبادته} أي الخضوع له والتلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم {ويسبحونه} أي ينزهونه عن كل مالا يليق مع خلوصهم عن دواعي الشهوات والحظوظ. ولما كان هذا يرجع إلى المعارف، وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب، أردفه بقوله: {وله} أي وحده {يسجدون} أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال، وبالمباشرة لمحاسن الأعمال، وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار: عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية، والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق،وتخصيصه بالسجود، ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار، وكانت على قسمين: قلبية وجسمانية، أشار إلى القلبية بالتنزيه، وإلى الجسمانية بالسجود، وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه كالملائكة قرباً وزلفى "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" نبه عليه أبو حيان على أن العبادتين مرجعهما القلب، وإحداهما مدلول عليها بالقول والأخرى بالفعل، وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع، ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أيّ التفات، بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء، فقوله{أية : ولقد ذرأنا}تفسير : [الأعراف: 179] هو قوله{ أية : والذي خبث لا يخرج إلا نكداً} تفسير : [الأعراف: 58] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها{أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}تفسير : [الأعراف: 180] هو - {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية} و{أية : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق} تفسير : [الأعراف: 181] - هو {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة} تفسير : [الأعراف: 42] {أية : والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها}تفسير : [الأعراف: 36] {أية : وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} تفسير : [الأعراف: 185] هو{أية : إذا جاء أجلهم لا يستأخرون} تفسير : [الأعراف: 34] و{أية : يسئلونك عن الساعة} تفسير : [النازعات: 42] هو {أية : كما بدأكم تعودون} تفسير : [الأعراف: 29] و{أية : لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} تفسير : [الأعراف: 24] و{أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة} تفسير : [الأعراف: 189] {أية : لقد خلقناكم ثم صورناكم} تفسير : [الأعراف: 11] {أية : إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي} تفسير : [الأعراف: 203] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله:{أية : ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون}تفسير : [ٍالأعراف: 3] فسبحان من هذا كلامه، وتعالى حجابه وعز مرامه، وعلى من أنزل عليه صلاته وسلامه، وتحيته وإكرامه.
ابو السعود
تفسير : {وَإِخْوٰنِهِمْ} أي إخوانُ الشياطين وهم المنهمِكون في الغي المعرضون عن وقاية أنفسِهم عن المضار {يَمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَىِّ} أي يكون الشياطين مدداً لهم فيه ويعضدونهم بالتزيـين والحملِ عليه، وقرىء يُمِدّونهم من الإمداد ويُمادّونهم كأنهم يُعينونهم بالتسهيل والإغراء، وهؤلاء بالاتباع والامتثال {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يمسكون عن الإغواء حتى يردوهم بالكلية ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يرعون عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين ويرجعُ الضميرُ إلى الجاهلين فيكون الخبرُ جارياً على من هو له. {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِـئَايَةٍ} من القرآن عند تراخي الوحي أو بآية مما اقترحوه {قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} اجتبىٰ الشيءَ بمعنى جباه لنفسه، أي هلاّ جمعتَها من تلقاء نفسِك تقوّلا، يرون بذلك أن سائرَ الآياتِ أيضاً كذلك أو هلا تلقيتها من ربك استدعاءً {قُلْ} رداً عليهم {إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى} من غير أن يكون لي دخلٌ ما في ذلك أصلاً على معنى تخصيص حالهِ عليه الصلاة والسلام باتباع ما يوحىٰ إليه بتوجيه للقصر المستفادِ من كلمة إنما إلى نفس الفعلِ بالنسبة إلى مقابله الذي كلفوه إياه عليه الصلاة والسلام لا على معنى تخصيصِ اتباعِه عليه الصلاة والسلام بما يوحىٰ إليه بتوجيه القصرِ إلى المفعول بالقياس إلى مفعول آخرَ كما هو الشائع في موارد الاستعمال وقد مر تحقيقه في قوله تعالى {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ }تفسير : [الأنعام: 50, يونس: 15, الأحقاف: 9] كأنه قيل: ما أفعل إلا اتباعَ ما يوحىٰ إلي منه تعالى وفي التعرض لوصف الربوبـيةِ المنبئةِ عن المالكية والتبليغِ إلى الكمال اللائقِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه عليه الصلاة والسلام والتنبـيهِ على تأيـيده ما لا يخفى {هَـٰذَا} إشارةٌ إلى القرآن الكريم المدلولِ عليه بما يوحىٰ إلي {بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ} بمنزلة البصائرِ للقلوب بها تُبصِر الحقَّ وتدرك الصواب، وقيل: حججٌ بـينةٌ وبراهينُ نيِّرةٌ. و(من) متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لبصائرَ مفيدةٌ لفخامتها أي بصائرُ كائنةٌ منه تعالى، والتعّرضُ لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوبِ الإيمانِ بها وقوله تعالى: {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} عطفٌ على بصائرُ، وتقديمُ الظرفِ عليهما وتعقيبُهما بقوله تعالى: {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} للإيذان بأن كونَ القرآنِ بمنزلة البصائرِ للقلوب متحققٌ بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع، وأما كونُه هدى ورحمةً فمختصٌّ بالمؤمنين به إذ هم المقتبِسون من أنواره والمغتنِمون بآثاره، والجملةُ من تمام القولِ المأمورِ به.
القشيري
تفسير : إخوانُ الشيطانِ أربابُ دوام الغيبة؛ فهم في كمال الغفلة تدوم بهم الحجبة؛ فمنهم بالزَّلَّة مَنْ لم يُلِمْ، أَو أَلَّم ولكن لَم يُصِرّ فهم خِياره، ومنهم مَنْ غَفَلَ واغترَّ، وعلى دوام العيبة أَصَرَّ - فهم المحجوبون قطعاً، والمُبْعَدُون - عن محلِّ القربِ - صدَّا وردَّا.
الطوسي
تفسير : قرئ {يمدونهم} بضم الياء وكسر الميم عن نافع. الباقون بفتح الياء وضم الميم ومعنى الآية أن إخوان الشياطين من الكفار يمدهم الشياطين في الغي، ومعناه يزيدونهم في الغواية، والاضلال، ويزينون لهم ما هم فيه. ثم اخبر ان هؤلاء مع ذلك {لا يقصرون} كما يقصر الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان. وهو قول ابن عباس والسدي وابن جريج وابي علي، وأكثر المفسرين. وقال مجاهد: هم إخوان المشركين من الشياطين. وقال قتادة قوله {ثم لا يقصرون} يعني الشياطين {لا يقصرون} عن استغوائهم ولا يرحمونهم. وقصرت واقصرت لغتان، والقراءة على لغة اقصرت، ومن ضم الياء من {يمدونهم} فلقوله تعالى {أية : أنما نمدهم به من مال وبنين} تفسير : وقوله عز وجل {أية : وأمددناهم بفاكهة} تفسير : وقوله {أية : أتمدونني بمال} تفسير : ومن فتح الياء فلقوله تعالى {أية : ويمدهم في طغيانهم يعمهون}. تفسير : وأمددت فيما يستحب، ومددت فيما يكره. قال ابو زيد: امددت القائد بالجند وامددت الدواة وامددت القوم بالمال والرجال. وقال ابو عبيدة {يمدونهم في الغي} اي يزينون لهم يقال: مد له في غيه. هكذا يتكلمون به ووجه قراءة نافع قوله تعالى {فبشرهم بعذاب أليم}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِخْوَانُهُمْ} اى والحال انّ اخوان الّذين اتّقوا واخوان الشّياطين من الانس {يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ} من المدّ بمعنى الجذب او من المدد وقرئ يمدّونهم من الامداد يعنى يغرونهم على مخالفة الامر والمقصود الاشارة الى قوّة التّذكّر بحيث يمنع صاحبه من الغىّ وان كان شيطان الجنّ يغويه وشياطين الانس تجذبه او تعينه فى غيّه {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} لا يمسكون من الجذب او الامداد.
اطفيش
تفسير : {وإخْوانُهم} الإخْوان الشياطين والهاء الكفار {يمدُّونهمْ} الواو للشياطين، والهاء للكفار، فالخبر جار على ما هو له {فى الغَىِّ} الضلالة {ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ} لا يمسكون عن إغوائهم، والواو للشياطين، فالمعنى إن الشياطين الذين هم إخوان الكفار فى الكفر، يزيدون الكفار كفرا، ويعاضدونهم فيه بالتزيين والحمل، وعليه الطبرى، ويجوز أن يراد بالإخوان الكفار، وبالهاء الشياطين، فإن رجَّعنا الواو إلى الشياطين، والهاء الثانية للكفار، كان الخبر جاريا على غير ما هو له، وكان واو يقصرون للشياطين أيضا، وكان المعنى كالذى قبل، وإن رجَّعنا الواوين للكفار، و الهائين للشياطين، كان الخبر جاريا على ما هو له، وكان المعنى إن الكفار يعاضدون الشياطين فى الكفر لاتباعهم للشياطين فيه، وأمرهم غيرهم به، ولا يمسكون عن ذلك. وهذا الاحتمال بوجهيه أولى من حيث إنه يكون فيه إخوانهم فى مقابلة الذين اتقوا، وعليه بالوجه الثانى لجرى الخبر فيه على ما هو له مع المقابلة جره قتادة، ولو أريد بالإخوان والهاء الثانية الشياطين، وبالهاء الأولى والواوين الكفار لجاز، ويجوز رجع واو يقصرون للشياطين والكفار جميعا، أى كل لا يقصر عما هو فيه، وثم بمعنى الواو، أو للترتيب فى الأخبار أو للترتيب والمهلة لا فى حكم، بل باعتبار أن الإصرار وهو عدم الإقصار أغرق وأدخل فى الغى والكفر، ويمد ويقصر مضارعا أمد وأقصر، وهما مثل مد وقصر، وقد قرأ غير نافع: يمدونهم بفتح الياء وضم الميم، وقيل: مد فى الخير مثل: {أية : إنما نمدهم به من مال وبنين} {أية : وأمددناهم بفاكهة} {أية : أتمدوننى بمال} تفسير : لا فى الشر إلا بقرينة كالغى هنا، ومد فى الشر مثل: {أية : ويمدهم فى طغيانهم} تفسير : ونسبه بعضهم للجمهور. وقال أبو عبيدة وغيره: يقال مد الشئ بنفسه إذا كانت الزيادة من نفسه، وأمده إذا كانت من غيره، وليس بمطرد وقرأ الجحدرى بما دونهم وهو مفاعلة كل يمد الآخر، وقرأ عيسى بن عمر، وابن أبى عبلة يقصرون بفتح الياء وضم الصاد.
اطفيش
تفسير : {وَإِخْوانُهُمْ} قيل الإِخوان الشياطين، والهاءَان وواو الجماعة فى يقصرون للجاهلين، أَى إِخوان الجاهلين، وهم الشياطين يمدون الجاهلين فى الغى، ولا يقصر الجاهلون عن اتباعهم، وقيل: المراد إِخوان الشيطان، إِن كان المراد فى قوله: من الشيطان، الجنس، فالهاء للشيطان، بمعنى الشياطين، والإِخوان الآدميون الذين لم يتقوا الشرك والمعاصى، فالإِخوان مذكورون فى مقابلة الذين اتقوا {يَمُدُّونَهُمْ} الواو للشياطين من عود الضمير على المضاف إِليه، والخبر جار على غير ما هو له سببى، والهاء للذين لم يتقوا الشرك والمعاصى المعبر عنهم بالإِخوان، وهم آدميون، أَى وإِخوان الشياطين يمدهم الشياطين، والإِمداد الزيادة، أَى يزيدونهم، وذلك أَصح. وقيل: الضمير الأَول للإِخوان، والثانى للشياطين أَى إِخوان الشياطين يمدون الشياطين فالخبر جار على ما هو له أَى يمد الشياطين إِخوانهم الشياطين بالاتباع {فى الغَىِّ} فى الضلال بالتحمل عليه والتزيين، ويجوز أَن يراد بالإِخوان الشياطين والهاء للجاهلين أَو غير المتقين والواو للإِخوان، والمراد الشياطين الذين هم إِخوان الجاهلين، أَو غير المتّقين، يمدون الجاهلين أَو غير المتقين، والإِخوان الشياطين، والخبر جار على ما هو له حقيقى لا سببى، ويجوز أَن تعود الهاءَان للشياطين، والواو للإِخوان، والإِخوان الآدميون الكفار، وهو كالوجه قبله، {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} لا يقلعون عن الغى، بخلاف الإِخوة فى الله فإِنهم يتمادون بالطاعة والقبول، وعن ابن عباس: الواو للإِخوان.
الالوسي
تفسير : {وَإِخْوٰنِهِمْ} أي إخوان الشياطين الذين لم يتقوا وذلك معنى الأخوة بينهم، وهو مبتدأ وقوله سبحانه وتعالى: {يُمُدُّونَهُمْ فِى ٱلْغَيِّ} خبره، والضمير المرفوع للشياطين والمنصوب للمبتدأ، أي تعاونهم الشياطين في الضلال وذلك بأن يزينوه لهم ويحملوهم عليه، والخبر على هذا جار على غير من هو له وفي أنه هل يجب إبراز الضمير أولا يجب في مثل ذلك خلاف بين أهل القريتين كالصفة المختلف فيها بينهم، وقيل: إن الضمير الأول للإخوان والثاني للشياطين، والمعنى وإخوان الشياطين يمدون الشياطين بالاتباع والامتثال، وعلى هذا يكون الخبر جارياً على من هو له، والجار والمجرور متعلق بما عنده، وجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أو من المفعول. وقرأ نافع {يَمُدُّونَهُمْ} بضم الياء وكسر الميم من الإمداد والجمهور على فتح الياء وضم الميم. قال أبو علي في «الحجة» بعد نقل ذكر ذلك: وعامة ما جاء في التنزيل مما يحمد ويستحب أمددت على أفعلت كقوله تعالى: {أية : أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } تفسير : [المؤمنون: 55] {أية : وَأَمْدَدْنَـٰهُم بِفَـٰكِهَةٍ } تفسير : [الطور: 22] و {أية : أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ }تفسير : [النمل: 36] وما كان بخلافه على مددت قال تعالى: {أية : وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ }تفسير : [البقرة: 15] وهكذا يتكلمون بما يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب إليه الأكثر، ووجه قراءة نافع أنه مثل {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] {أية : فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ } تفسير : [الليل: 10] وقرأ الجحدري {يمادونهم} من باب المفاعلة وهي هنا مجازية كأنهم كان الشياطين يعينونهم بالإغراء وتهوين المعاصي عليهم وهؤلاء يعينون الشياطين بالاتباع والامتثال. {ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} أي لا يمسكون ولا يكفون عن إغوائهم حتى يردوهم بالكلية فهو من أقصر إذا أقلع وأمسك كما في قوله:شعر : سما لك شوق بعد ما كان أقصرا تفسير : وجوز أن يكون الضمير للإخوان وروي ذلك عن ابن عباس والسدي وإليه ذهب الجبائي، أي ثم لا يكف هؤلاء عن الغي ولا يقصرون كالمتقين، وجوز أيضاً أن يراد بالإخوان الشياطين وضمير الجمع المضاف إليه أولاً والمفعول ثانياً والفاعل ثالثاً يعود إلى الجاهلين في قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ }تفسير : [الأعراف: 199] أي وإخوان الجاهلين وهم الشياطين يمدون الجاهلين في الغي ثم لا يقصر الجاهلون عن ذلك، والخبر على هذا أيضاً جار على ما هو له كما في بعض الأوجه السابقة والأول أولى رعاية للمقابلة. وقرأ عيسى بن عمر {يقصرون} بفتح الياء وضم الصاد من قصر وهو مجاز عن الإمساك أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا} تفسير : [الأعراف: 201] عطفَ الضد على ضده، فإن الضدية مناسبة يحسن بها عطف حال الضد على ضده، فلما ذكر شان المتقين في دفعهم طائِف الشياطين، ذُكر شان اضدادهم من أهل الشرك والضلال، كما وقعت جملة: {أية : إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} تفسير : [البقرة: 6] من جملة {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : في سورة البقرة (2، 3). وجعلها الزّجاج عطفاً على جملة {أية : ولا يستطيعون لهم نصراً ولا لأنفسهم ينصرون} تفسير : [الأعراف: 192] أي ويمدونهم في الغي، يريد أن شركاءهم لا ينفعونهم بل يضرونهم بزيادة الغي. والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خَرَب وــــ وهو ذكر بزيادة الغي. والإخوان جمع أخ على وزن فعلان مثل جمع خَرَب ــــ وهو ذكر الحُبارَى ــــ على خربان. وحقيقة الأخ المشارك في بنوة الأم والأب أو في بنوة أحدهما ويطلق الأخ مجازاً على الصديق الودود ومنه ما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وقول أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم لما خطب النبي منه عائشة «إنما أنا أخوك ــــ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ــــ أنت أخي وهي حلال لي» ويطلق الأخ على القرين كقولهم أخو الحرب، وعلى التابع الملازم كقول عبد بني الحسحاس:شعر : أخُوكم ومولى خَيْركم وحليفُكم ومن قد ثَوى فيكم وعاشركم دَهْراً تفسير : أراد أنه عبدهم، وعلى النسب والقرب كقولهم: أخو العرب وأخو بني فلان. فضمير {وإخوانهم} عائِد إلى غير مذكور في الكلام، إذ لا يصح أن يعود إلى المذكور قبله قريباً: لأن الذي ذكر قبله {الذين اتقوا} فلا يصح أن يكون الخبر، وهو {يمدونهم في الغي} متعلقاً بضمير يعود إلى {المتقين}، فتعين أن يتطلب السامع لضمير {وإخوانهم} معادا غير ما هو مذكور في الكلام بقربه، فيحتمل أن يكون الضمير عائداً على معلوم من السياق وهم الجماعة المتحدث عنهم في هذه الآيات أعني المشركين المعنيين بقوله {أية : فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئاً} تفسير : [الأعراف: 190 ـــ 191] ــــ إلى قوله ــــ {أية : ولا يستطيعون لهم نصراً}تفسير : [الأعراف: 192] فيرد السامع الضمير إلى ما دل عليه السياق بقرينة تقدم نظيره في أصل الكلام، ولهذا قال الزجاج: هذه الآية متصلة في المعنى بقوله: {أية : ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون}تفسير : [الأعراف: 192]، أي وإخوان المشركين، أي أقاربهم ومن هو من قبيلتهم وجماعة دينهم، كقوله تعالى: {أية : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض}تفسير : [آل عمران: 156] أي يُمد المشركون بعضهم بعضاً في الغي ويتعاونون عليه فلا مخلص لهم من الغي. ويجوز أن يعود الضميران إلى الشيطان المذكور آنفاً باعتبار إرادة الجنس أو الأتباع، كما تقدم، فالمعنى وإخوان الشياطين أي أتباعهم كقوله: {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}تفسير : [الإسراء: 27] أما الضميران المرفوعان في قوله: {يُمدونهم} وقوله: {لا يُقصرون} فهما عائدان إلى ما عاد إليه ضمير {إخوانهم} أي الشياطين، وإلى هذا مال الجمهور من المفسرين، والمعنى: وإخوان الشياطين يمدهم الشياطين في الغي، فجملة يمدونهم خبر عن {إخوانهم} وقد جرى الخبر على غير من هو له ولم يُبرَز فيه ضميرُ من هو له حيث كان اللبس ما مونا وهذا كقول يزيد بن منقذ: شعر : وهُم إذا الخيلُ جالوا في كواثبها فَوارسُ الخيل لا مِيلٌ ولا قَزَم تفسير : فجملة «جالوا» خبر عن الخيل وضمير «جالوا» عائد على ما عاد عليه ضمير «وهم» لا على الخيل. وقوله فوارس خبر ضمير الجمع. ويجوز أن يكون المراد من الإخوان الأولياء ويكون الضميران للمشركين أيضاً، أي وإخوانُ المشركين وأولياؤُهم، فيكون «الإخوان» صادقاً بالشياطين كما فسر قتادة، لأنه إذا كان المشركون إخوان الشياطين، كما هو معلوم، كان الشياطين إخواناً للمشركين لأن نسبة الأخوة تقتضي جانبين، وصادقاً بعظماء المشركين، فالخبر جار على من هو له، وقد كانت هذه المعاني مجتمعة في هذه الآيات بسبب هذا النظم البديع. وقرأ نافع، وأبو جعفر: {يُمدونهم} ــــ بضم الياء وكسر الميم ــــ من الامداد وهو تقوية الشيء بالمدد والنجدة كقوله: {أية : أمدكم بأنعام وبنين}تفسير : [الشعراء: 133]، وقرأه البقية: {يَمُدونهم} ــــ بفتح الياء وضم الميم ــــ من مد الحبل يمده إذا طوله، فيقال: مد له إذا أرخى له كقولهم: (مد الله في عُمرك) وقال أبو علي الفارسي في كتاب «الحجة» «عامة ما جاء في التنزيل مما يستحب أمددتُ على أفعلت كقوله: {أية : أن ما نُمدهم به من مالٍ وبنين}تفسير : [المؤمنون: 55] {أية : وأمددناهم بفاكهة}تفسير : [الطور: 22] و{أية : أتمدونن بمال}تفسير : [النمل: 36]، ومَا كان بخلافه يجيء على مَدَدْت قال تعالى: {أية : ويَمُدهم في طغيانهم يعمهون}تفسير : [البقرة: 15] فهذا يدل على أن الوجه فتح الياء كما ذهب إليه الأكثر من القراء ــــ والوجه في قراءة من قرأ يُمدونهم ــــ أي بضم الياء ــــ أنه مثل {أية : فبشرهم بعذاب اليم}تفسير : [آل عمران: 21] (أي هو استعارة تهكمية والقرينه قوله في الغي كما أن القرينة في الآية الأخرى قوله بعذاب) وقد علمت أن وقوع أحد الفعلين أكثر في أحد المعنيين لا يقتضي قصر إطلاقه على ما غلب إطلاقه فيه عند البلغاء وقراءة الجمهور {يمدونهم} ــــ بفتح التحتية ــــ تقتضي أن يعدى فعل {يمدونهم} إلى المفعول باللام، يقال مد له إلا أنه كثرت تعديته بنفسه على نزع الخافض كقوله تعالى: {أية : ويَمدّهم في طغيانهم} تفسير : وقد تقدم في سورة البقرة (15) والغي الضلال وقد تقدم آنفاً. و(في) من قوله: {يمدونهم في الغي} على قراءة نافع وأبي جعفر استعارة تبعيه بتشبيه الغي بمكان المحاربة، وأما على قراءة الجمهور فالمعنى: وإخوانهم يمدون لهم في الغي من مَد للبعير في الطول. أي يطيلون لهم الحبْل في الغي، تشبيهاً لحال أهل الغواية وازديادهم فيها بحال النعم المطال لها الطول في المرعى وهو الغي، وهو تمثيل صالح لاعتبار تفريق التشبيه في أجزاء الهيئة المركبة، وهو أعلى أحوال التمثيل ويقرب من هذا التمثيل قول طرفة:شعر : لعمرك أن الموت ما أخطأ الفتى لكالطِوَل المُرْخَى وثنْياه باليد تفسير : وعليه جرى قولهم: مد الله لفلان في عمره، أو في أجله، أو في حياته والإقصار الامساك عن الفعل مع قدره الممسك على أن يزيد. و{ثم} للترتيب الرتبي أي وأعظم من الإمداد لهم في الغي أنهم لا يألونهم جهداً في الازدياد من الإغواء، فلذلك تجد إخوانهم أكبر الغاوين.
الشنقيطي
تفسير : {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن إخوان الإنس من الشياطين يمدون الإنس في الغي، ثم لا يقصرون، وبين ذلك أيضاً في مواضع أخر كقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}تفسير : [مريم:83]، وقوله: {أية : يَامَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ}تفسير : [الأنعام:128]، وبين موضع آخر أن بعض الإنس إخوان للشياطين وهو قوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الإسراء:27]الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَإِخْوَانُهُمْ} (202) - وَإِخْوَانُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الكُفَّارِ، وَهُمُ الجَاهِلُونَ الذِينَ لاَ يَتَّقُونَ اللهَ، تَتَمَكَّنُ الشَّيَاطِينُ مِنْ إغْوَائِهِمْ فَيَمُدُّونَهُمْ فِي غَيِّهِمْ وَفَسَادِهِمْ، وَيَزِيدُونَهُمْ ضَلاَلاً، وَلاَ يَكُفُّونَ عَنْ ذَلِكَ وَلاَ يُقَصِّرُونَ فِيهِ، لأنَّهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إذا شَعَرُوا بِالنُّزُوغِ إلى الشَّرِّ وَلاَ يَسْتَعِيذُونَ بِاللهِ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَمَسِّهِ. يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ - تُعَاوِنُهُمُ الشَّيَاطِينُ فِي الضَّلاَلِ. لا يُقْصِرُونَ - لاَ يَكُفُّونَ عَنْ إِغَوَائِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن حين نتتبّع كلمة "يمدونهم" في القرآن، نجدها مرة "يمدونهم" ومرة يمددكم كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ...} تفسير : [نوح: 12]. ونعلم أن الشياطين لن تترك المؤمنين في حالهم، بل تظل في محاولة الغواية، وتحاول الشياطين غواية المؤمنين الطائعين أكثر من محاولتهم غواية العاصين؛ لأن العاصي إنما يعاون الشيطان باتباعه شهوات نفسه، ولا يقصر العاصي أو الشيطان في ذلك، بل يحاول العاصي أو الشيطان غواية المؤمنين و "أقصر" من مادة "قصر"، أي أنه قادر أن يطول المسافة لكنه يقصرها. وهكذا إلحاح الشياطين لغواية المؤمنين. فالشيطان - كما جاء في القرآن - يعترف بموقفه من ملاحقة المؤمنين بالوسوسة وتزيين المعاصي. {أية : ...لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16]. والشيطان يعلم أن من لا يتقي الله لا يحتاج إلى تزيين أو غواية؛ لأنه يرغب ويميل للمعاصي والعياذ بالله؛ لذلك لا يبذل الشيطان لغوايته جهدا كبيراً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ...}
همام الصنعاني
تفسير : 971- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ}: [الآية: 202]، قال: إخوان الشيطاين، يمدّهم الشيطان في الغيِّ ثم لا يُنصَرُون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):