٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابّ عِندَ ٱللَّهِ} شر ما يدب على الأرض، أو شر البهائم. {ٱلصُّمُّ} عن الحق. {ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} إياه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإِبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ } عن سماع الحق {ٱلْبُكْمُ } عن النطق به {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ }ه.
ابن عطية
تفسير : المقصود بهذه الآية أن يبين أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله عز وجل، وأنها أخس المنازل لديه، وعبر بـ {الدواب} ليتأكد ذمهم وليفضل عليهم الكلب العقور والخنزير ونحوهما من السبع، والخمس الفواسق وغيرها، و {الدواب} كل ما دب فهو جميع الحيوان بجملته، وقوله {الصم البكم} عبارة عما في قلوبهم وقلة انشراح صدورهم وإدراك عقولهم، فلذلك وصفهم بالصم والبكم وسلب العقل، وروي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني الدار وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بهذه الأوصاف، ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم في قوله {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} والمراد لأسمعهم إسماع تفهيم وهدى، ثم ابتدأ عز وجل الخبر عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال {ولو أسمعهم} أي ولو أفهمهم {لتولوا} بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: المعنيّ بهذه الآية المنافقون، وضعفه الطبري وكذلك هو ضعيف وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} الآية، هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف، و {استجيبوا} بمعنى أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ويتعدى أجاب دوم لام، وقد يجيء تعدي استجاب بغير لام والشاهد قول الشاعر: [الطويل] شعر : وداعٍ دعا يا من يجيبُ إلى النِّدا فلم يستجبْه عند ذاك مجيب تفسير : وقوله {لما يحييكم} قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه، وهذا إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل، وقيل الإسلام وهذا نحو الأول ويضعف من جهة أن من آمن لا يقال له ادخل في الإسلام، وقيل {لما يحييكم} معناه للحرب وجهاد العدو وهو يحيي بالعزة والغلبة والظفر، فسمي ذلك حياة كما تقول حييت حال فلان إذا ارتفعت، ويحيي أيضاً كما يحيي الإسلام والطاعة وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة، وقال النقاش: المراد إذا دعاكم للشهادة. قال القاضي أبو محمد: فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة، وقوله {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} يحتمل وجوهاً، ومنها أنه لما أمرهم بالاستجابة في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال فقال: {واعلموا أن الله يحول بين المراء وقلبه} بالموت والقبض أي فبادروا بالطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل قوله {وأنه إليه تحشرون} ، أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر، ومنها أن يقصد بقوله {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} إعلامهم أن قدرة الله وإحاطته وعلمه والجة بين المرء وقلبه حاصلة هناك حائلة بينه وبين قلبه. قال القاضي أبو محمد: فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر، ويشبه على هذا التأويل هذا المعنى قوله تعالى: {أية : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} تفسير : [ق:16]، حكي هذا التأويل عن قتادة، ويحتمل أن يريد تخويفهم إن لم يمتثلوا الطاعات ويستجيبوا لله وللرسول بما حل بالكفار الذين أرادهم بقوله {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} ، لأن حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا وفهموا لم ينتفعوا يقتضي أنه قد كان حال بينهم وبين قلوبهم، فكأنه قال للمؤمنين في هذه الأخرى استجيبوا لله وللرسول ولا تأمنوا إن تفعلوا أن ينزل بكم ما نزل بالكفار من الحول بينهم وبين قلوبهم، فنبه على ما جرى على الكفار بأبلغ عبارة وأعلقها بالنفس، ومنها أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جرأة وقوة وبضد ذلك الكفار فإن الله هو مقلّب القلوب كما كان قسم النبي صلى الله عليه وسلم، قال بعض الناس ومنه لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حول على معصية ولا قوى على طاعة إلا بالله، وقال المفسرون في ذلك أقوالاً هي أجنبية من ألفاظ الآية حكاها الطبري، منها أن الله يحول بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان ونحو هذا، وقرأ ابن أبي إسحاق "بين المِرء" بكسر الميم ذكره أبو حاتم، قال أبو الفتح: وقرأ الحسن والزبيدي "بين المَرِّ" بفتح الميم وشد الراء المكسورة، و {تحشرون} أي تبعثون يوم القيامة، وروي عن طريق مالك بن أنس والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبيّ بن كعب وهو في الصلاة فلم يجب وأسرع في بقية صلاته، فلما جاءه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما سمعت فيما يوحى إلي {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} فقال أبيّ: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني أبداً إلا أجبتك، الحديث بطوله واختلاف ألفاظه، وفي البخاري ومسلم أن ذلك وقع مع أبي سعيد بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَرَّ الدَّوَآبِّ} نزلت في بني عبدالدار. {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} الحجج والمواعظ سماع تفهيم، أو لأسمعهم كلام الذي طلبوا إحياءه من قصي بن كلاب وغيره يشهدون بنبوتك، أو لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه.
البقاعي
تفسير : ولما كانت حال من هذا شأنه مشابهة لحال الأصم في عدم السماع لعدم الانتفاع به، والأبكم في عدم كلامه لعدم تكلمه بما ينفع، والعادم للعقل في عدم عقله لعدم انتفاعه به، قال معللاً لهذا النهي معبراً بأنسب الأشياء لما وصفهم به: {إن شر الدواب} أي التي تدب على وجه الأرض، جعلهم من جنس الحشرات أو البهائم ثم جعلهم شرها. ولما كان لهم من يفضلهم، وكانت العبرة بما عنده سبحانه، قال تعالى: {عند الله} أي الذي له جميع الكمال من إحاطة العلم والقدرة وغيرها {الصم البكم} أي الطرش الخرس طرشاً وخرساً بالغين {الذين لا يعقلون*} أي لا يتجدد لهم عقل، ومن لم ينتفع بسماع الداعي كان كذلك. ولما كان ذلك ربما دعا السامع إلى أن يقول: ما للقادر لم يقبل بمن هذا شأنه إلى الخير؟ أجاب بأنه جبلهم من أول الأمر - وله أن يفعل في مِلكه ومُلكه ما يريد - جبلة عريقة في الفساد، وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب التي لا تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء إلا لسبته، فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم فتركهم على ما علم منهم {ولو علم الله} أي الذي له الكمال كله {فيهم خيراً} أي قبولاً للخير {لأسمعهم} أي إسماعاً هو الإسماع، وهو ما تعقبه الإجابة المستمرة. ولما كان علم الله تعالى محيطاً، وجب أن يعلم كل ما كان حاصلاً، فكان عدم علمه بوجود الشيء من لوازم عدمه، فلا جرم كان التقدير هنا: ولكنه لم يعلم فيهم خيراً، بل علم أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع {ولو أسمعهم } وهم على هذه الحالة من عدم القابلية للخير إسماعاً قسرهم فيه على الإجابة {لتولوا} أي بعد إجابتهم {وهم معرضون*} أي ثابت إعراضهم مرتدين على أعقابهم، ولم يستمروا على إجابتهم لماة جبلوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة الخير، فلم يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهناً، وكما كان لأهل الردة الذين قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفاً من السيف ورغبة في المال وهو من وادي{أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28] فإن علم الله تعالى أربعة أقسام: جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدوماً كيف يكون حاله، وأن كل واحد من المعدومات لو كان موجوداً كيف يكون حاله، والقسمان الأولان علم بالواقع، والآخران علم بالقدر، والآية من القسم الأخير،ولعمري إنا دفعنا إلى زمان أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر، أجرأ الناس على الباطل، وأثبتهم في المصاولة فيه، وأوسعهم حبلاً في التوصيل إليه، وأجبنهم عند الدعوة إلى الحق، وأسرعهم نكوصاً عند الإقدام بعد جهد عليه، وألكنهم عند الجدال له، فصار ما كان مقدراً مفروضاً حاصلاً وموجوداً، وكلمة {لو} هنا يحتمل أن تكون هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد أن المعلق. وهو الثاني - موجود دائماً مثل قول عمر رضي الله عنه: نعم العبد صهيب رضي الله عنه! لو لم يخف الله لم يعصه، فالمراد هنا على هذا أنهم إذا كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة، فتوليهم مع عدمهما أولى - نبه على ذلك الرازي، ويحتمل أن يكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان، وانتفاء التولي إنما يكون خيراً إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير فيهم، وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من الخير في شيء بل هو شر مخص، التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم، بل هو الناشىء عن الإسماع الموصوف فلا يناقض ادعاؤه تحقق عنادهم وعدم انقيادهم، وتحقيقه أن المنفي إنما هو زيادة التولي الناشئة عن الإسماع، فالمعنى: ولو أسمعهم لزادوا إعراضاً، فالمنفي في هذا السياق تلك الزيادة - والله الموفق. ولما كان ما مضى من نكال الكافرين مسبباً عن عدم الاستجابة، أمر المؤمنين بها تحذيراً من الكون الكفرة في مثل حالهم فيحشروا معهم في مآلهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم {استجيبوا} أي صدقوا دعواكم ذلك بإيجاد الإجابة إيجاد من هو في غاية الرغبة فيها {لله} أي واجعلوا إجابتكم هذه خاصة للذي له جميع صفات الكمال {وللرسول} الذي أرسله إلى جميع الخلق. ولما كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم لا محالة لأن الله تعالى أمره بدعائهم، وكان لا يدعوهم إلا إلى ما أمره الله به، وكان سبحانه لا يدعو إلا إلى صلاح ورشد؛ عبر بأداة التحقيق ووحد الضمير وشوق بإثمار الحياة فقال: {إذا دعاكم} أي الرسول بالندب والتحريض. ولما كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب، نبه على ذلك باللام دون "إلى" فقال: {لما يحييكم} أي ينقلكم بعز الإيمان والعلم عن حال الكفرة من الصمم والبكم وعدم العقل الذي هو الموت المعنوي إلى الحياة المعنوية، ولا يعوقكم عن الاستجابة في أمر من الأمور أن تقولوا: إنا استجبنا إلى الإيمان وكثير من شرائعه، فلولا أن ربنا علم فينا الخير ما أسمعنا، فنحن ناجون؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ابن المعلي رضي الله عنه قال: "حديث : كنت أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ فقلت كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا} - الآية، ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له فقال: هي {الحمد لله رب العلمين} [الفاتحة:1] "هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"" تفسير : . وللترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبيّ! وهو يصلي، فالتفت أبيّ فلم يجبه وصلى أبيّ فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يارسول الله! فقال رسول صلى الله عليه وسلم: يا أبيّ! وهو يصلي، فالتفت أبيّ فلم يجبه وصلى أبيّ فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام، ما منعك يا أبيّ أن تجيبني إذ دعوتك، فقال: يا رسول الله! إني كنت في الصلاة، قال: فلم تجد فيما أوحي الله إليّ أن {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}[الأنفال:24] قال: بلى! ولا أعود إن شاء الله! قال: تجب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ قال: نعم، يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ في الصلاة؟ قال: فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده! ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيتهتفسير : - هذا حديث حسن صحيح. ولما كان الإنسان إذا كان على حالة يستعبد جداً أن يصبر على غيرها، قال تعالى مرغباً مرهباً: {واعلموا أن الله} أي الذي له جميع العظمة {يحول} أي بشمول علمه وكمال قدرته {بين المرء وقلبه} فيرده إلى ما علم منه فيصير فيما كشفه الحال كافراً معانداً بعد أن كان في ظاهر الحال مؤمناً مستسلماً فيكون ممن علم الله أنه لا خير فيه وقسره على الإجابة فلم يستمر عليها، ويرد الكافر بعد عناده إلى الإيمان بغاية ما يرى من سهولة قيادة، فكنى سبحانه بشدة القرب اللازم للحيلولة عن شدة الاقتدار على تبديل العزائم والمرادات، وهو تحريض على المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ما دامت القلوب مقبلة على ذلك خوفاً من تغييرها. ولما خوفهم عاقبة الحال، حذرهم شأن المآل فقال: {وأنه} أي واعلموا أنه تعالى {إليه تحشرون*} لا إلى غيره، فيحشر المستجيبين في زمرة المؤمنين، والمعرضين في عداد الكافرين وإن أبوا حكماً واحداً، لأن الدين لا يتجزأ، وقدم علم أن "إذا" ليست قيداً وإنما هي تنبيه على وجوب اتباعه في كل ما يدعو إليه لعصمته، وحكمة الإتيان بها الإعلام بأنه ما ترك خيراً إلا دعا إليه؛ قال الحرالي في أواخر كتاب له في أصوال الفقه: ولها - أي العصمة - معنيان: أحدهما عصمة الحفظ، وهو معنى ينشأ من التزام الحكم عليه بماضي شرعته، وهي العصمة العامة للأنبياء، وفي هذه الرتبة يقع الكلام في الحفظ من الصغائر بعد الاتفاق على الحفظ عما يخل بالتبليغ ويحط الرتبة والكبائر، وحقيقة الصغائر مقدمات الذنوب التي لم تتم، فيكون تمامها كبيرتها، وعلى ذلك بنى قوم احتمال وقوع الفعل محظوراً من نبي، وكل ذلك - وإن كان من أحوال أنبياء - فإن المتحقق من أمر النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو علو عن هذا المحل؛ المعنى الثاني من العصمة رفع الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم بما حفظه الحافظ من ماضي ظاهر شرعته وبما بلغ إليه فهمه من مبادىء التنشؤ من سننه، واتخاذ فعله مبدأ للأحكام في كل آن من غير التفات لما تقرر في ماضي الزمان، وهذه هي العصمة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم الجامع، فلا يكون لفعله حكم إلا ما يفهمه إنباؤه عن حال وقوعه، ويكون الأحكام تبعاً لفعله، لا أن فعله يتبع حكماً، فهذا وجه عصمته الخاصة الممتنع عليها جواز الخروج عنها، فمن كان يسبق إليه من أكابر الصحابة نحو من هذا المعنى لا يتوقف في شيء من أمره كالصديق رضي الله عنه وكما كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في اقتدائه حتى في إدارة راحلته وصبغه بالصفرة ولبسه النعال السبتية ونحو ذلك من أمره وأمر من حذا منهم هذا الحذو، ومن كان يتوهم الحكم عليه بمقتضى علمه وفهمه من أمر شرعته لا يكاد يسلم من وقوع في أمر يرد عليه انتحاله كما حكم أبيّ رضي الله عنه لما كان يصلي بإمضاء عمل الصلاة إذ دعاه حتى بين له قصور فهمه عن الله في حقه أي بقوله: ألم تسمع الله يقول {استجيبوا لله وللرسول} وكالذي قال: انزل فاجدع لنا، فقال: إن عليك نهاراً، فقال له في الثالثة أو الرابعة: انزل فاجدع لنا ويلك أو ويحك! فإذا وضح أن فعله مبدأ الحكم ومعلم الإنباء لزم صحة التأسي به في جميع أحواله، إما على بيان من تعين رتبة الحكم من وجوب أو ندب أو أباحة، أو على مطلق التأسي مع إبهام رتبة الحكم والاتكال على ما عنده هو صلى الله عليه وسلم من العلم، فنية التأسي به على إبهام في الحكم ربما كان أتم من العمل بما تبين حكمه، أحرم علي رضي الله عنه وهو باليمن، توجه إلى مكه بإحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتطرق لشيء من أمره صلى الله عليه وسلم بما وقع من كونه يفتي بأمر ثم يوافق في غيره، لأن الآخذ في ذلك عن قصور في العلم بمكانته من علم رحمانية الله وكلمته وتنزيله إلى موافقة أمر سنة الله وحكمته نحو الذي أفتاه بتكفير الجهاد كل ذنب بناء على علمه برحمانية الله وإمضاء كلمته، ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليه السلام من استثناء الدين الدين مما أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته، يعني - والله أعلم - أن من صح جهاده تكفر كل ذنوبه، وأن توقف الدين على إرضاء الله لخصمه، فالإخبار بالكفارة ناظر إلى المآل، والإخبار بنفيها ناظر إلى الابتداء، وكذلك أفتى بترك التلقيح بناء على إنفاذ كلمة الله، وردهم غلى عادة دنياهم حين لم يتجشموا الصبر إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته، فقد عمل بأول فتياه غير واحد ممن لم يسترب في نفاذ حكمه وصحته فأخفق ثمرات ثلاث سنين ثم عاد - في غنى عن التلقيح - إلى أحسن من حاله في متقدم عادته، ولا يتقاصر عن إدراك ذلك من أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى معرفة حظ من مكانته، فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان بياناً لواجب فهو منج من عقاب الله، وإن كان تعليماً لقربي من الله فهو وصلة إلى محبة الله كما قال تعالى {أية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} تفسير : [آل عمران: 31] وإن لم يتضح له مجمل منهما تأسى بها على إبهام يغنيه عمله وتعلو به نيته، وما كان مختصاً به فلا بد من إظهار أمر اختصاصه بخطاب من الله سبحانه أو منه عليه السلام كما قال تعالى {أية : خالصة لك من دون المؤمنين} تفسير : [الأحزاب: 50] -انتهى.
السيوطي
تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله {إن شر الدواب عند الله} قال: هم الكفار. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن شر الدواب عند الله} قال: هم نفر من قريش من بني عبد الدار. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {الصم البكم الذين لا يعقلون} قال: لا يتبعون الحق. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: أنزلت في حي من أحياء العرب من بني عبد الدار. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وقومه. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {إن شر الدواب عند الله} قال: الدواب الخلق، وقرأ {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} تفسير : [فاطر: 45]. {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} تفسير : [هود:6] قال: هذا يدخل في هذا.
السلمي
تفسير : قال بعضهم فى هذه الآية: الصم عن سماع الذكر وفهم معانيه، والبكم عن مداومة تلاوة الذكر وطلب الزوائد منه، الذين لا يعقلون ما خوطبوا به وما خلقوا له وما هم صائرون إليه فى الممات والمآب.
القشيري
تفسير : دواعي الحق بحسن البيان ناطقة، وألسنة البرهان فيما ورد به التكليف صادقة، وخواطر الغيب بكشف ظُلَمِ الريْبِ مُفْصِحة، وزواجر التحقيق عن متابعة التمويه للقلوب ملازمة. فَمنْ صُمَّ عن إدراك ما خوطب به سرُّه، وعمِيَ عن شهود ما كوشف به قلبه، وخَرِسَ - عن إجابة ما أُرْشِدَ إليه من حجة - فَهْمُه وعقله فَدُونَ رُتْبةِ البهائم قدْرُه، وفوق كل (...) من حكم الله ذُلُّه وصغره.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن شر الدواب} اى شر ما يدب على الارض فلفظ الدابة محمول على معناه اللغوى او شر البهائم فهو محمول على معناه العرفى والبهيمة كل ذات اربع من حيوانات البر والبحر {عند الله} اى فى حكم قضائه {الصم} الذين لا يسمعون {البكم} الذين لا ينطقون به {الذين لا يعقلون} الحق عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لابطالهم ما ميزوا به وفضلوا لاجله. وانما وصفهم بعدم العقل لان الاصم الابكم اذا كان له عقل ربما يفهم بعض الامور ويفهمه غيره بالاشارة ويهتدى بذلك الى بعض مطالبه. واما اذا كان فاقدا للعقل ايضا فهو الغاية فى الشريه وسوء الحال: قال السعدى شعر : بهائم خموشند وكويا بشر براكنده كوى از بهائم بتر بنطق است وعقل آدمى زاده فاش جوطوطى سخن كوى ونادان مباش
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إن شر الدوابّ عند الله}؛ وهو كل من يدب على وجه الأرض، {الصمُّ} عن سماع الحق، {البُكمُ} عن النطق به، {الذين لا يعقلون} الحق ولا يعرفونه، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها؛ لإبطالهم ما مُيزوا به وفُضلوا لأجله، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار. قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين، يعني يوم بدر، وحكمها عام. {ولو علِمَ الله فيهم خيراً}؛ سعادة كتبت لهم، أو انتفاعاً بالآيات، {لأسمعهُم} سماع تَفَهُّم، {ولو أسمعهم}، مع كونه قد علم الأخير فيهم، {لتولَّوا} عنه، ولم ينتفعوا به، وارتدوا بعد التصديق والقبول، {وهم مُّعرضون} عنه لعنادهم، وقيل: إنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يُحيي لهم قُصي بن كلاب، ويشهد له بالرسالة، حتى يسمعوا منه ذلك، فأنزل الله: {ولو عَلِمَ اللَّهُ فيهم خيراً لأسمعهم} كلامه بعد إحيائه، {ولو أسمعهم لتولوا وهم مُّعرضُون}، لسبق الشقاوة في حقهم. الإشارة: اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه، واستعمال العقل فيما يقربه إليه، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضل، ولله در ابن البنا، حيث يقول في مباحثه: شعر : وَاعْلَمْ أَنَّ عُصْبَةَ الجُهَّالِ بَهَائِمٌ في صُوَرِ الرِّجَال تفسير : واعلم أيضاً أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق، فأشغلها بعلم الشرائع، ولو علم فيها خيراً لأسمعها تلك الأسرار، ولو أسمعها، مع علمه بعدم قبولها، لتولت عنها وأعرضت؛ لضيق صدرها وعدم التفرغ لها. ثم دل على ما فيه حاية القلوب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى {إن شر الدواب عند الله الصم} والشر إظهار السوء الذي يبلغ من صاحبه وهو نقيض الخير. وقيل الشر الضر القبيح، والخير النفع الحسن. وقيل الشر الضر الشديد. والخير النفع الكثير، واصل الشر الاظهار من قول الشاعر: شعر : كما اشرّت بالأكف المصاحف تفسير : اي أظهرت، وشر الرجل يشر شرّاً وشروت الثوب إذا بسطته في الشمس وشرر النار ما تطاير منه لظهوره بانتشاره وتفرقه، ومنه الشر وهو ما يظهر من الضرر كشرر النار. والدواب جمع دابة وهي مادب على وجه الارض إلا انه تخصص في العرف بالخيل دب يدب دبيباً. فبين ان هؤلاء الكفار شر ما دب على الارض من الحيوان. ثم شبههم بالصم البكم الذين لا يعقلون من حيث لم ينتفعوا بما كانوا يسمعون من وعظ الله ولا يتكلمون بكلمة الحق، والصمم آفة في الاذن تمنع السمع، ثم يصم صمماً وهو اصم. وصمم على الامر إذا حقق العزم عليه وتصام عن القول إذا تغافل عنه. وعود اصم خلاف المجوف وأصله المطابقة من غير خلل. والبكم الخرس: الذي يولد به صاحبه لانه قد يكون لآفة عارضة، وقد يكون لآفة لازمة. وقال ابو جعفر عليه السلام نزلت الآية في بني عبد الدار لم يكن اسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له سويبط. وقيل: نزلت الآية في النضر ابن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ} عن المقصود {ٱلْبُكْمُ} عن التّنطّق بالحقّ المقصود من السّماع {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} المقصود من اشارات المسموع.
الأعقم
تفسير : {ان شر الدوابِّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}، قيل: نزلت الآية في بني عبد الدار بن قصي، قالوا: نحن صم بكم عما جاء به محمد فلا نسمعه ولا نجيبه، يعني أن شر ما يدب على الأرض من خلق الله عنده هؤلاء {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} العلم والقرآن {ولو أسمعهم لتولَّوا} عن القرآن {وهم معرضون} عن الإِيمان {يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} يعني إذا دعاكم إلى الإِيمان والطاعات التي هي حياة النفوس، وقيل: الى الحق لما يحييكم من علوم الدين والشرائع لأن العلم حياة كما أن الجهل موت {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} يعني يحول بين المرء والانتفاع بقلبه وإذهاب اللب، وقيل: بالموت، وقيل: بالنوم، وقيل: أراد تبديل قلبه من حال إلى حال لأنه مقلب القلوب سبحانه وتعالى واعلموا أنكم {إليه تحشرون} تجمعون فيجازيكم بأعمالكم {واتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة} أي العذاب لا يصيب ذلك الظالم وحده، بمعنى لا تفعلوا المعاصي وامروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإنكم إن لم تفعلوا أعمكم العذاب، وقيل: هو عذاب الاستئصال يصيب الظالم عقوبة وغيره محنة، وقيل: هو القحط، وقيل: هو الذنب، قال في الغرائب: هي الفتنة في زمن علي (عليه السلام) وقال فيه أيضاً: هي إظهار البدع {واذكروا إذ أنتم قليل} يا معاشر المهاجرين {مستضعفون} يعني مكة قبل الهجرة {تخافون أن يتخطفكم الناس} لأن الناس كانوا لهم أعداء منافقين {فآواكم} إلى المدينة {وأيدكم بنصره} بمظاهرة الانصار وإمداد الملائكة يوم بدر {ورزقكم من الطيبات} من الغنائم {لعلكم تشكرون} {يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم} الآية نزلت في خاطب بن أبي بلتعة حين كتب الى أهل مكة أن محمداً يريدكم، وقيل: نزلت في أبي لبابة الأنصاري حين حاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يهود بني قريظة إحدى وعشرون ليلة فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الصلح فلم يقبل منهم إلاَّ حكم سعد بن معاذ، فاستشاروا أبي لبابة، فأشار عليهم أبو لبابة إلى حلقه وأنه الذبح فلا تفعلوا ثم مات أبو لبابة، وقيل: الخطاب للمؤمنين، وقيل: للمنافقين الذين آمنوا ظاهراً، قيل: لا تخونوا الله بترك فريضته والرسول بترك سننه وشرائعه، قال الحسن: من ترك شيئاً من الدين وضيّعه فقد خان الله، وقوله: {وتخونوا أماناتكم}، قيل: إذا خانوا الله تعالى فقد خانوا أماناتهم، وقيل: الأموال أمانة في أيديكم {وأنتم تعلمون} ما في الخيانة من العقاب، وقال قتادة: واعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله تعالى ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده، ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها {يأيها الذين آمنوا ان تتقوا الله} بطاعته وترك معصيته {يجعل لكم فرقاناً}، قال في الثعلبي: مخرجا في الدنيا والآخرة، وقيل: نصراً، وقيل: فصلاً بين الحق والباطل {ويكفِّر عنكم سيئاتكم}، ويمحوا ما سلف من ذنوبكم {ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم}.
اطفيش
تفسير : {إنَّ شرَّ الدَّوابِّ} كل ما يدب على الأرض كما هو أصل اللغة، أو البهائم كما هو العرف العام ولو عند العرب {عِنْدَ اللهِ} متعلق بنسبة الخبر إلى اسم إن لا بشر، ولو كان اسم تفضيل، لأنك إذا قلت أعلم الناس عندى زيد لا نريد الذى أوجد عندى العلم الزائد زيد {الصُّمُّ} عن الحق لا يسمعونه سماع قبول وانتفاع، فكأنهم لا يسمعون أصلا {البَكْم} عن النطق به، كأنهم لا يتكلمون أصلا {الَّذينَ لا يعْقلونَ} الحق ولا يميزون بينه وبين الباطل، مع أن فيهم آلة التمييز، لكن لم يعملوا بها، فهم شر من الدواب، كالكلب والخنزير، والفأر وغيرها والبقر، لتركهم العلم بما به فضلوا عنها. ووجه التفضيل فى لفظ شر أن فى سائر الدواب خسة إذ لم يكن فيها مزية الإنسان فى هؤلاء الصم البكم خسة من حيث الكفر، وهذه الخسة أعظم من تلك، ويجوز خروج اسم التفضيل عن بابه، أى أن الذى هو الشرير من بين الدواب الصم البكم، ويجوز أن يراد بالشر المضرة مبالغة، وعليه فليس بوصف، والآية نزلت على العموم، وقيل: نزلت فى بنى عبد الدار بن قصى، لم يسلم منهم إلا رجلان: مصعب ابن عمير، وسويد بن حرملة، كانوا يقولون: نحن صم بكم فى ما جاء به محمد، نسمعه ولا نجيبه، فقتلوا جميعا يوم أحد، وكانوا أصحاب اللواء فيه إلا من أسلم وهو مصعب وسويد، والمراد طائفة من بنى عبد الدار لا جميعهم إذ لم يحضروا أحدا كلهم كما قال ابن عباس، هم نفر من بنى عبد الدار، وذكر ما مر، وقالت فرقة: هم المنافقون، وضعفه الطبرى، وقال الحسن: أهل الكتاب.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} ما يدب على الأَرض من عاقل وغيره، أَو المراد العقلاءِ ولو كان فواعل لأَن المفرد بالتاءِ وهو دابة {عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ} القوم الذين لا يقبلون الحق كأَنهم لا يسمعون بآذانهم {البُكْمُ} الذين لا ينطقون بالحق قبولا بها ولا إِعانة ولا عملا بها كأَنهم لا ينطقون، بعدوا عن الحق بعد من لا تسمع أُذنه ولا ينطق لسانه {الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} لا يستعملون عقولهم، ولم يساووا الدواب، بل كانوا أَخسر لأَنهم ضيعوا ما به التمييز، وقدْ مَنَّ الله تعالى عليهم به ليستعملوه، والأَبكم الأَخرس قد يعمل بعقله، وهم كأَنهم لا عقل لهم، وهم، أَو منهم نفر من بنى عبد الدار بن قصى، يقولون: نحن صم بكم عمى عما جاءَ به محمد - صلى الله عليه وسلم - قتلوا جميعا يوم بدر، وكانوا أَصحاب اللواء، ولم يسلم منهم إِلا رجلان: مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة. وقيل: هم المنافقون، وقيل: أَهل الكتاب، وقيل: من ذكر كلهم وغيرهم: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا} صلوحا بسماع التفهم والقبول {لأَسْمَعَهُمْ} سماع التفهم والقبول والانقياد إِلى السعادة. هذه قضية شرطية متصلة، وتمامها بالقياس الاستثنائى أَن يرفع التالى وهو جواب لو. أَى ينفى فينتفى المقدم وهو شرطها، هكذا، لكنه لم يسمعهم فتعلمون أَن الله لم يعلم فيهم خيرا أَو صلوحا للتفهم والقبول والانقياد إِلى السعادة حتى أَنه لو أَسمعهم والحال هذه لكان إِجبارا ولا وجه للإِجبار فى التكليف، وهنا تم الكلام، وبدأَ آخر بقوله {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} سماع تفهم وقبول دون سعادة {لَتَوَلَّوْا} بعده عنادا {وَهُمْ مُعْرِضُونَ} عنه ولم يدوموا عليه. لعدم صلوحهم ولسوءِ الخاتمة، فلو فى الموضعين امتناعية بدليل اللام فى الجواب، وليست لو الامتناعية منتفية الجواب لانتفاءِ الشرط، بل هذا غالب، فلو الثانية من غير الغالب، فإِن التولى عند عدم السماع أَولى، وهذا التالى مطلق عدم قصد الحق، ومن ذلك "أية : ولو سمعوا ما استجابوا لكم" تفسير : [فاطر: 14] فإِن عدم الاستجابة عند عدم السماع أَولى، "أية : قل لو أَنتم تملكون خزائن رحمة ربى إِذًا لأَمسكتم" تفسير : [الإِسراء: 100] إِلخ.. فإِن الإِمساك عند عدم ذلك أَولى، ويصح أَن يقال: المعنى.. لو علم الله فيهم سعادة لأَسمعهم سماع تفهم، لكن لم يعلم فيهم فلم يسمعهم، وتم الكلام هنا واستأنف قضية أُخرى شرطية، بمعنى ولو أَسمعهم سماع تفهم وقد علم أَن لا خير فيهم لتولوا عن التصديق بعد أَن صدقوا، وليست كبرى للأُولى، ثم إِن المراد من نفى العلم نفى المعلوم، وادعى بعض أَن المعنى لأَسمعهم كلام قصى أَن محمدا رسول الله، ولو أَسمعهم هذا لم يقبلوه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ} استئناف مسوق لبيان كمال سوء حال المشبه بهم مبالغة في التحذير وتقريراً للنهي إثر تقرير، والدواب جمع دابة، والمراد بها إما المعنى اللغوي أو العرفي أي إن شر من يدب على الأرض أو شر البهائم {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه وقضائه {ٱلصُّمُّ} الذين لا يسمعون الحق {ٱلْبُكْمُ} الذين لا ينطقون به، والجمع على المعني، ووصفوا بذلك لأن ما خلق له الحاستان سماع الحق والنطق به وحيث لم يوجد فيهم شيء من ذلك صاروا كأنهم فاقدون لهما رأساً. / وتقديم الصم على البكم لما أن صممهم متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له كما أن النطق به من فروع سماعه، وقيل: التقديم لأن وصفهم بالصمم أهم نظراً إلى السابق واللاحق، ثم وصفوا بعدم التعقل في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} تحقيقاً لكمال سوء حالهم فإن الأصم الأبكم إذا كان له عقل ربما يفهم بعض الأمور ويفهمه غيره [بالإشارة] ويهتدي [بذلك] إلى بعض مطالبه. أما إذا كان فاقداً للعقل أيضاً فقد بلغ الغاية في الشرية وسوء الحال، وبذلك يظهر كونهم شر الدواب حيث أبطلوا ما به يمتازون عنها.
د. أسعد حومد
تفسير : (22) - وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَِسْمَعُونَ، هُمْ شَرُّ المَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى سَطْحِ الأَرْضِ، وَأَسْوَؤُهَا لأَِنَّهُمْ صُمٌّ لاَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، وَبُكْمٌ عَنْ فَهْمِ الحَقِّ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَهُ. وَكُلُّ الدَّوَابِّ مُطِيعَةٌ لِخَالِقِهَا، أمَّا هَؤُلاَءِ فَقَدْ خَلَقَهُمُ اللهُ لِعِبَادَتِهِ فَكَفَرُوا، فَهُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ. الدَّوَابِّ - كُلُّ مَا دَبَّ عَلَى الأرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ وَقَلَّمَا تُسْتَعْمَلُ لِلإِنْسَانِ، وَاسْتِعْمَالُهَا هُنَا لِلْمُشْرِكِينَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْقِيرِ لِشَأْنِهِمْ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ} يعني أن شرّ [الدواب] على وجه الأرض من خلق الله {عِندَ ٱللَّهِ} فقال الأخفش: كل محتاج إلى غذا فهو دابة. {ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ} عن الحق كأنّهم لا يسمعون ولا ينطقون. قال ابن زيد: هم صم القلوب وبكمها وعميها. وقرأ {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46]. وقال ابن عباس وعكرمة: هم بنو عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صُمٌّ بُكم عُمّي عن مخاطبة محمد لا نسمعه ولا نجيبه، [فكانوا] جميعاً [بأُحد]، وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلاّ رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أمر الله {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً} صدقاً وإسلاماً {لأَسْمَعَهُمْ} لرزقهم الفهم والعلم بالقرآن {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ} عن القرآن {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} عن الإيمان بالقرآن لعلم الله فيهم وحكمه عليهم بالكفر {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} اختلفوا في قوله (لما يُحييكم): فقال السدي: هو الإيمان يحييهم بعد موتهم أي كفرهم. وقال مجاهد: للحق. وقال قتادة هو هذا القرآن فيه الحياة والفقه والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال ابن إسحاق: لما يحييكم يعني الحرب والجهاد التي أعزكم الله بها بعد الذل. وقوّاكم بها بعد الضعف ومنعكم بها عن عدوكم بعد القهر منهم لكم. وقال [القتيبي]: لمّا يحييكم: لما يُتقيكم، يعني الشهادة. وقرأ قوله {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169] فاللام في قوله (لما) بمعنى إلى ومعنى الاستجابة في هذه الآية الطاعة يدلُّ عليه ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: حديث : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُبي بن كعب وهو قائم يصلّي فصاح له فقال: "تعال إلي"، فعجل أُبي في صلاته ثمّ جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ما منعك يا أُبي أن تُجيبني إذا دعوتك؟ أليس الله يقول يا ايُّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم". قال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلاّ أجبتك وإن كنت مصلياً. قال: "تحب أن أُعلمّك سورة لم تنزل في التوارة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها"؟ قال أُبي: نعم يا رسول الله. قال: "لا تخرج من باب المسجد حتّى تعلمها" والنبيّ صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أُبي: يا رسول الله، فوقف فقال: "نعم كيف تقرأ في صلاتك" فقرأ أُبي أُمّ القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده ما أُنزلت في التوارة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن [مثلها] وإنّها لهي السبع المثاني التي أتاني الله عزّ وجلّ . تفسير : {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال سعيد بن جبير: معناه يحول بين الكافر أن يؤمن وبين المؤمن أن يكفر. ابن عباس: بين الكافر وبين طاعته ويحول بين المؤمن وبين معصيته. وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يفعل، وروى خصيف عنه قال: يحول بين قلب الكافر وبين أن يعمل خيراً. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلاّ بإذنه. وقال قتادة: معنى ذلك أنّه قريب من قلبه ولا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره. وهي كقوله عزّ وجلّ {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16]. وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في الحال الصعبة جاءت ظنونهم واختلجت صدروهم فقيل [فيهم] {أية : قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 167] وأعلموا أن الله يحول بين المرء وبين ما في قلبه فيبدّل الخوف أمناً والجُبن جُرأة. وقيل: يحول بينه وبين مراده، لأن الأجل حال دون الأمل. والتقدير منع من التدبير. وقرأ الحسن: بين المرء، وبتشديد الراء من غير همزة. وقرأ الزهري: بضم الميم والهمزة وهي لغات صحيحة. و{وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ويجزيكم بأعمالكم. قال أنس بن مالك: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، قلنا: يا رسول الله أمنّا بك فهل تخاف علينا؟ قال: "إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيف شاء إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه ". تفسير : والإصبع في اللغة الأثر الحسن، فمعنى قوله: بين إصبعين: بين أثرين من أثار الربوبية وفيها الإزاغة والإقامة. قال الشاعر: شعر : صلاة وتسبيح والخطأ نائل وذو رحم تناله منك إصبع تفسير : أي أثر حسن. وقال آخر: شعر : مَنْ يجعل الله عليه اصبعاً في الشر أو في الخير يلقه معاً تفسير : فالإصبع أيضاً في اللغة الإصبع. فمعنى الحديث بين مملكتين من ممالكه، وبين الإزاغة والإقامة والتوفيق والخذلان. قال الشاعر: شعر : حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الإصبع تفسير : {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً} أي اختبار وبلاء يصيبكم. وقال ابن زيد: الفتنة الضلالة {لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} واختلفوا في وجه قوله {لاَّ تُصِيبَنَّ} من الاعراب. فقال أهل البصرة: قوله (لا تصيبن) ليس بجواب ولكنّه نهي بعد أمره، ولو كان جواباً ما دخلت النون. وقال أهل الكوفة: أمرهم ثمّ نهاهم وفيه تأويل الجزاء فإن كان نهياً كقوله: {أية : ٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} تفسير : [النمل: 18]. أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه تأويل الجزاء وتقديره: واتقوا الله إن لم تنتهوا أصابتكم. وقال الكسائي: وقعت النون في الجر بمكان التحذير، فلو قلت: قم لا أغضب عليك لم يكن فيه النون لأنّه جزاء محض. وقال الفراء: هو جزاء فيه طرف من النهي كما تقول: أنزل عن الدابة لا يطرحك. ولا يطرحنك فهذا [جزاء من] الأمر بلفظ النهي. ومعناه: إن تنزل عنه لا يطرحنّك. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقال الحسن: نزلت في عليّ وعمار وطلحة والزبير قال الزبير بن العوّام: يوم الجمل لقد قرأنا هذه الآية زماناً وما أرنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها. واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة. فحلفنا حتّى أصابتنا خاصّة. قال السدي: هذه الآية نزلت في أهل بدر خاصّة فأصابتهم يوم الجمل فأقبلوا. وقال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلاّ هو مشتمل على الفتنة إنّ الله يقول: {أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28] فإيّكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلاّت الفتن. حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكون من ناس من أصحابي إساءة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستنّ بهم فيها ناس يعذبهم فيدخلهم الله بها النار ". تفسير : يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتّى تأتي فتنة [عمياء مظلمة] المضطجع فيها خير من الجالس والجالس فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي". فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إن أدركتني [وأنا مضطجع] قال: "فامش". قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا أمشي. قال "ارقد" قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا راقد فأجلس. قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا جالس. قال: "فقل هكذا بيدك، وضم يديه الى جسده، حتّى تكون عند الله المظلوم ولا تكون عند الله الظالم ". تفسير : عن زيد بن أبي زياد عن زيد بن الأصم عن حذيفة قال: أتتكم فتن كقطع الليل المظلم يهلك فيها كل شجاع بطل وكل راكب موضع وكل خطيب مشفع {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} في العدد {مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أرض مكّة في عنفوان الإسلام {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ} يُذهب بكم {ٱلنَّاسُ} كفّار مكّة، وقال وهب: فارس والروم {فَآوَاكُمْ} إلى المدينة {وَأَيَّدَكُم } يوم بدر أيدكم بالانتصار وأُمدّكم بالملائكة {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني الغنائم أجالها لكم ولم يجلها لأحد قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس ذلاًّ وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأغراهم جلوداً وآمنهم ضلالا، من عاش منهم عاش شقياً ومن مات منهم ردى في النار مكعوبين على رأس الحجرين الأشدين فارس والروم. يؤكلون ولا يأكلون وما في بلادهم شيء عليه يحسدون، والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا شر منزلاً منهم حتّى جاء الله عزّ وجلّ بالاسلام فمكن في البلاد ووسع به في الرزق وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يجب الشكر له [وأجمل] الشكر في مزيد من الله تعالى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة "دابَّة" تعني كل ما يدب على الأرض، ولكنها خُصَّتَّ عرفاً بذوات الأربع. وجمع دابة دوابّ. و"الدواب" كما نعلم هي القسم الثالث من الوجود، لأن الوجود مرتقي إلى حلقات؛ أولها الجماد، وثانيها النبات، وثالثها الحيوان، ورابعها الإنسان، ويجمع هذه الأشياء الأربعة رباط واحد، فنجد أن أعلى مرتبة في الأدنى، هي أول مرتبة في الأعلى، فالأدنى هو الجماد، وفوقه النبات، وأعلى شيء في الجماد، يُمثل أول شيء في النبات، مثل المرجانيات، كأن الجماد نفسه له ارتقاءات في ذاته تتوقف عند مرحلة معينة لا يتعداها، فلا ترتقي إلى أن تصير نباتاً، أو أن يصبح النبات حيواناً، لا، إن كل قسم يظل مستقلا بذاته وفيه ارتقاءات تقف عند حد معين. وإذا كان أعلى شيء في الجماد يكاد أن يماثل أول شيء في النبات، فهو لا يتحول نباتاً مثل ظاهرة نمو الشعاب المرجانية التي أخذت ظاهرة النبات، لكنها لا تنتقل إلى نبات، بل تظل أعلى قمة في الجماد. وكذلك النبات، نجده يرتقي إلى أن ينتهي إلى أعلى مرحلة فيه. فالنبات مراحل، وآخر مرحلة فيه أن يوجد نبات يُحسّ، لأن الإحساس فرع الحياة، وهذا ما نراه في نباتات الظل التي نشاهدها وهي تتجه بطبيعة تكوينها إلى نور النهار. وكأن فيها نوْعاً من الإحساس. وإن تغير مكان الضوء، فإنها تُغيِّر اتجاهها إلى المكان الجديد. وهناك نوع من النبات يذبل فور أن تلمسه. ونسمع عن نبات يسمى في الريف "الست المستحية" وهي تغلق أوراقها على ثمرها فور اللمس، وأخذت أعلى مرتبة في النبات، وهي أول مرتبة في الحيوان، لكنها لا ترتقي إلى حيوان. بل تظل في حلقتها كنبات. ونأتي إلى الحيوانات لنجدها ترتقي، فهناك حيوانات تستأنس، وحيوانات لا تستأنس، بل تظل متوحشة، وقد خلقها ربنا لحكمة ما. فالإنسان يستأنس الجمل ولا يستطيع أن يستأنس الثعبان، ولا البرغوث، كأن الله يريد بذلك أن يعلمنا أننا لم نستأنس الحيوانات التي نستأنسها بقدرتنا وبذكائنا؛ بل هو الذي جعلك تأنس بها، فأنت أنست بالجمل، وقد ترى البنت الصغيرة وهي تقوده، وتأمره بالقيام والقعود، بينما البرغوث الصغير قد يجعل الإنسان ساهراً طوال الليل لا يعرف كيف يصطاده. إذن هذه الأمور تعطينا حكمة أوجزها الحق تبارك وتعالى في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71 - 72]. ولو لم يذلل الحق تبارك وتعالى هذه المخلوقات، لما استطاع الإنسان تذليلها، ونرى المخلوق الصغير وقد عجز الإنسان أمام تذليله، ليعرف أن المذلل ليس الإنسان، بل المذلل هو الله سبحانه وتعالى. وفي المستأنس من الحيوانات تجد نوعاً تُعوده على بعض الأشياء فيعتادها ويقوم بها مثل القرد الذي يقول له مدربه اعجن عجين الصبية، أو العجوزة، فيقلد القرد الصبية أو "العجوزة"؛ لأن فيه قابلية التقليد، فهو يملك درجة من الفهم وهو أعلى مرتبة في الحيوان، ويقف عندها ولا يتطور إلى خارجها، بدليل أنك إن علمت قرداً كل شيء، فهو يصنع ما تعلمه له من الحركات ويضحك الناس منه، لكن القرد لا يستطيع أن يعلمها لبني جنسه. وكذلك نجد من يدرب الأسد والنمر ليؤدي فقرات ترفيهية في السيرك، لكن الأسد لا يعلم أولاده من الأشبال ما تعلمه من مدرب السيرك. إذن فالوجود بحلقاته الأربع؛ جماداً ونباتاً وحيواناً وإنساناً لا ترتقي فيه حلقة إلى الأعلى منها؛ بل تقف عند حد معين، وتلك هي الشبهة التي أصابت بعض المفكرين في أن يظنوا أن أصل الإنسان قرد؛ لأن المخلوقات حلقات يسلم بعضها لبعض، وأدنى مرتبة في الأعلى لكل حلقة هي أعلى مرتبة في الأدنى وتقف في حدودها. والذي يهدم نظرية داروين من أولها هو هذا الفهم لطبيعة التطور: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}تفسير : [الذاريات: 49]. أي أن كل الكائنات مخلوقة ابتداءً من الله، ولا يوجد جنس قد نشأ من جنس آخر. ونقدم هذا الدليل العقلي لغير المتدينين، فنقول: لماذا لم تؤثر الظروف التي أثرت في القرد الأول ليصير إنساناً، في بقية القرود لتكون أناساً؟ وهكذا تنهدم النظرية - نظرية داروين - من أولها لآخرها، وعلماء الأجناس يهدمونها الآن. والحق تبارك وتعالى أخبرنا أن هذه المخلوقات التي تقع في المرتبة تحت الإنسان، لا تستطيع أن ترتب المقدمات، وتأخذ منها النتائج. ولا تعرف البديلات في الاختيار، والحيوان وهو أرقى الأجناس ليس عنده بديلات؛ إنه يتعلم مهمة واحدة وتنتهي المسألة؛ لأنها دواب لا تعقل، لكن الإنسان يملك القدرة على الاختيار بين البديلات. وجرب أن تعاكس قطة فإنك تجدها تهاجمك وتجرحك بمخالبها إلا إن كنت أنت مستأنسها وتعرف أنك تداعبها. أمَّا المؤمن العاقل المكلف فهو يتصرف في المواقف بشكل مختلف. فإن قام إنسان بإيذائه فقد يعاقبه بمثل ما عوقب، وقد يعفو عنه، وقد يكظم غيظه. {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 134]. إذن فأنت أيها المؤمن عندك بديلات كثيرة، لكن الحيوان لا يملك مثل هذه البديلات. ولذلك ضربنا من قبل المثل: لو أنك علفت حيواناً إلى أن أكل وشبع ثم جئت إليه بعد شبعه بشيء زائد من أشهى طعام عنده؛ تجده لا يأكله. بينما الإنسان إن شبع فقد لا يمانع أن يأكل فوق الشبع من صنف يحبه. ومثال آخر: نرى في الريف أن الحمار حين يرى جدولاً من المياه ويكون اتساع الجدول فوق قدرته على أن يقفز عليه ليعبره، نجد الحمار قد توقف رافضاً القفز أو المرور فوق هذا الجدول. فهل قاس الحمار المسافة بنظره ووازنها بقدرته؟! إنه يقفز فوق الجداول التي في متناول قدرته، لكنه يرفض ما فوق هذه القدرة، رغم أننا نصف الحمار بالبلادة. وهذا يبين لنا أن كل جنس يسير في ناموس تكوينه ليؤدي مهمته التي أرادها له الله. ولقائل أن يقول: كيف يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ} بينما الحيوانات كلها مسخرة؟ ونقول: إذا كنت أيها الإنسان تأخذ وظيفة الأدنى فأنت تختار أن تكون شرًا من الدابة؛ لأن الأدنى مسخر بقانونه ويفعل الأشياء بغرائزه لا بفكره، فكأن فكر الاختيار بين البديلات غير موجود فيه، لكنك أيها الإنسان ميزك الله بالعقل الذي يختار بين البديلات، فإن أوقفت عقلك عن العمل، وسلبت قدرتك على القبول لما تسمع من وحي ألا تكون شر الدواب؟ وحين نتأمل كلمة "شر وخير" نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7 - 8]. فالخير يقابله الشر، وحين يقابل الخير الشر، فالإنسان يميز الخير، لأنه نافع وحسن، ويميز الشر؛ لأنه ضار وقبيح. ولكن كلمة "خير" تستعمل أحياناً استعمالاً آخر لا يقابله الشر، بل يقال: إن هذا الأمر خير من الثاني، رغم أن الثاني أيضاً خير، مثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير ". تفسير : إنّ كلاً منهما - أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف - فيه خير، لكن في الخير ارتقاءات، هناك خير يزيد عن خير، ويخبر المولى في قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}. أي أن الكفار شر ما دبَّ على الأرض لأنهم قد افتقدوا وسيلة الهداية وهي السماع، وبذلك صاروا بكماً أي لا ينطقون كلمة الهدى. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ} [الأنفال: 22] أي: شر من دب في الوجود، {عِندَ ٱللَّهِ} الأنفال: 22] في مراتب الموجودات، {ٱلصُّمُّ} [الأنفال: 22] عن استماع كلام الحق بسمع القبول والقلوب، {ٱلْبُكْمُ} [الأنفال: 22] عن كلام الحق والكلام مع الحق، وإنما خص الصم والبكم بالذكر؛ لأن الأصم لا بدَّ وأن يكون لكم. {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] أي: لا يعلمون لماذا خلقوا وما لهم من الاستعداد في طلب الكمال وانصرافهم في إفساد الاستعداد، فاعلم أن الإنسان خلق في أحسن تقويم قابلاً للتربية والترقي مستعداً للكمال لا يبلغه الملك والقرب في بدء الخلقة دون الملك وفوق الحيوان، فبتربيته الشريعة يصير فوق الملك فيكون خير البرية وبمخالفة الشريعة ومتابعة الهوى يصير دون الحيوان فيكون شر البرية فيؤول حال من يكون خيراً من الملك إلى أن يكون شر الدواب. ثم قال تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] كلامه بسمع القبول، {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} [الأنفال: 23] بسمع القلوب قدرة عند عدم استحقاق الخيرية، {لَتَوَلَّواْ} [الأنفال: 23] عن متابعة الرسول في أثناء السلوك، {وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] عن الله وطلبه ومقبلون على الدنيا وزخارفها لما قدرهم من الشقاوة وخصوصية شر الدوابية. ثم أخبر عمن أودع له استحقاق الخير في استجابة الله ورسوله من البرية بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الأنفال: 24] إلى قوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 25] الإشارة فيها: أن الله تعالى طلب للحجة من العبد الإجابة، كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} والاستجابة لله استجابة الأرواح للشهود، واستجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة، {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] بنور الله؛ يعني: يفنيكم عنكم ويبقيكم به، {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] يعني: إذا تجلى الله على قلب المرء يحول بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه، {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] بالفناء عنكم والبقاء به. ثم قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ} [الأنفال: 25] أيها الواصلون، {فِتْنَةً} [الأنفال: 25] يعني: أن ابتلاء النفوس بشيء من حظوظها من الدنيوية والأخروية، {لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25] يعني: لا تصيب تلك الفتنة النفوس الظالمة فقط؛ بل تصيب ظلماتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية، فتجذبها من حضائر القدس ورياض الأنس إلى خصائص صفات الإنس، كما قال تعالى: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182]، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 25] فيما يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عند التفاوت إلى ما سواه. ثم أخبر عن الذاكرين الشاكرين بقوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنفال: 26] إلى قوله: {أية : وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الأنفال: 29] والإشارة فيها: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ} أيها الروح والقلب، {قَلِيلٌ} ثم تنشأ بعد ذلك الصفات والأخلاق الروحانية، {مُّسْتَضْعَفُونَ} من غلبات صفات النفس وهواها واستيلاء الشيطان وحزبه؛ وذلك لأن الروح والقلب في بدء الخلقة وتعلقهما بالقالب، وكذا صفاتهما مستضعفون لأعوان التربية بلبان آداب الطريقة، وانعدام جريان أحكام الشريعة عليهم إلى إذان البلوغ والتربية في هذه المدة للنفس وصفاتها لاستحكام القالب بحمل أعباء تكاليف الشريعة، وهما أعني: الروج والقلب، {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ} [الأنفال: 26] إلى حضائر القدس. {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26] بالواردات الربانية، {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الأنفال: 26] من المواهب الظاهرة من لوث الحدوث، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] فتستحقون المزيد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ } من لم تفد فيهم الآيات والنذر،وهم { الصُّمُّ } عن استماع الحق { الْبُكْمُ } عن النطق به. { الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } ما ينفعهم، ويؤثرونه على ما يضرهم،فهؤلاء شر عند اللّه من جميع (1) الدواب، لأن اللّه أعطاهم أسماعا وأبصارا وأفئدة، ليستعملوها في طاعة اللّه، فاستعملوها في معاصيه وعدموا - بذلك - الخير الكثير،فإنهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البرية. فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية،والسمع الذي نفاه اللّه عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب،وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة اللّه تعالى عليهم بما سمعوه من آياته،وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته. { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } على الفرض والتقدير { لَتَوَلَّوْا } عن الطاعة { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } لا التفات لهم إلى الحق بوجه من الوجوه،وهذا دليل على أن اللّه تعالى لا يمنع الإيمان والخير، إلا لمن لا خير فيه، الذي لا يزكو لديه ولا يثمر عنده. .وله الحمد تعالى والحكمة في هذا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):