٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} قيل: الحجج والبراهين؛ إسماع تَفَهُّم. ولكن سبق علمه بشقاوتهم {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلِيّ بكفرهم. وقيل المعنى لأسمعهم كلام الموتىٰ الذين طلبوا إحياءهم؛ لأنهم طلبوا إحياء قُصَيّ بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم: الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه. {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون.
البيضاوي
تفسير : {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا} سعادة كتبت لهم أو انتفاعاً بالآيات. {لأَسْمَعَهُمْ} سماع تفهم. {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} وقد علم أن لا خير فيهم. {لَتَوَلَّواْ } ولم ينتفعوا به، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول. {وَهُم مُّعْرِضُونَ } لعنادهم. وقيل كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أحيي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً حتى يشهد لك ونؤمن بك. والمعنى لأسمعهم كلام قصي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا } صلاحاً بسماع الحق {لأَسْمَعَهُمْ } سماعَ تفهُّم {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } فرضاً وقد علم أن لا خير فيهم {لَتَوَلَّواْ } عنه {وَهُم مُّعْرِضُونَ } عن قبوله عناداً وجحوداً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} أي لأعد لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ولكن القلوب خالفت ذلك منهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {ولو أسمعهم} بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما نفعهم بعد أن ينفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: قالوا: نحن صم عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه بكم لا نجيبه فيه بتصديق، قتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد.
التستري
تفسير : وقوله: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ}[23] أي لفتح أقفال قلوبهم بالإيمان.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} [الآية: 23]. قال بعضهم: حقيقة السماع ما تبدو عليك منه بركات ما تسمعه من زيادة عمل أو زجر عن ارتكاب معصية. ومن أراد الله به الخير أسمعه من الحكمة ما ينفعه. قال يحيى بن معاذ: إن هذا العلم الذى تسمعونه، إنما تسمعون ألفاظه من العلماء ومعانيه من الله بآذان قلوبكم، فاعملوا تعقلوا ما تسمعون، فإن لم تعملوا كان ضره أقرب إليكم من نفعه. قال بعضهم: علامة الخير فى السماع أن يسمعه بفناء أوصافه ونعوته، ويسمعه بحق من حق. قال بعضهم: لوجعلهم أهلاً للسماع لفتح آذانهم للاستماع.
القشيري
تفسير : مَنْ أَقْصتْه سوابقُ القسمة لم تُدْنِه لواحقُ الخدمة، ومنْ عَلِمه اللهُ بنعت الشِّقوة حَرَمَه ما يوجبُ عَفْوَه. ويقال لو كانوا في متناولات الرحمة لألبسهم صدارَ العصمة، ولكن سبَق بالحرمان حكمُهم، فختم بالضلالةِ أمرُهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو علم الله فيهم خيراً} شيئاً من جنس الخير الذى من جملته صرف قواهم الى تحرى الحق واتباع الهدة {لأسمعهم} سماع تفهم وتدبر ولوقفوا على حقيقة الرسول واطاعوه وآمنوا به ولكن لم يعلم فيهم شيئاً من ذلك لخلوهم عنه بالمرة فلم يسمعهم لذلك لخلوه عن الفائدة. وخروجه عن الحكمة. قال ابن الشيخ عبر عن عدم استقرار الخير فيهم بعدم علم الله تعالى بوجوده فيهم لان كل ما وقع واستقر يجب ان يعلم الله تعالى بحصوله ووجوده فعدم علم الله تعالى بوجود الشئ من لوازم عدمه فى نفسه فعبر باللازم عن الملزوم فقيل {لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} مقام ان يقال لو كان فيهم خيرا لأسمعهم لكونه ابلغ فى الدلالة على انعدام الخير فيهم لان نفى لازم الشئ نفى لنفس ذلك الشئ بينه فيكون ابلغ من نفى نفس ذلك الشئ {ولو أسمعهم} سماع تفهم وهم على هذه الحالة العارية عن الخير بالكلية {لتولوا} عما سمعوه من الحق ولم ينتفعوا به قط او ارتدوا بعد ما صدقوه وصاروا كأن لم يسمعوه اصلا {وهم معرضون} اى لتولوا على ادبارهم والحال انهم معرضون عما سمعوه بقلوبهم لعنادهم وفيه اشارة الى ان من قدر له الشقاوة فانه يتولى عن المتابعة فى اثناء السلوك ويعرض عن الله وطلبه ويقبل على الدنيا وزخارفها. واعلم ان الانسان خلق فى احسن تقويم قابلا للتربية والترقى مستعدا لكمال لا يبلغه الملك المقرب فهو فى بدء الخلقة دون الملك وفوق الحيوان فبتربية الشريعة يصير فوق الملك فيكون خير البرية وبمخالفة الشريعة ومتابعة الهوى يصير دون الحيوان فيكون شر البرية فيؤول حال من يكون خيرا من الملك الى ان يكون شر الدواب. فعلى العاقل ان لا يخالف امر الرسول وشريعته فان الحيوان يستسلم لامره فكيف بالانسان - حديث : حكى - انه جاء رجل فى بعض اسفاره صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انه كان لى حائط فيه عيشى وعيش عيالى ولى فيه ناضحان والناضج البعير الذى يستسقى عليه فمنعانى انفسهما وحائطى وما فيه فلا نقدر ان ندنو منهما فنهض النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه حتى اتى الحائط فقال لصاحبه "افتح" قال امرهما عظيم قال "افتح" فلما حرك الباب اتيا ولهما جلبة فلما انفرج الباب نظرا الى النبى عليه السلام وبركا ثم سجدا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤوسهما ثم دفعهما الى صاحبهما وقال "استعملهما واحسن اليهما" فقال القوم تسجد لك البهائم أفلا تأذن لنا فى السجود لك فقال صلى الله تعالى عليه وسلم "ان السجود ليس الا للحى القيوم ولو امرت احدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها" .تفسير : وكل ما امر به النبى عليه السلام او نهى عنه ففيه حكمة ومصلحة ولست بمأمور بالتفتيش عنها وانما يلزم عليك الاطاعة والانقياد فقط. افترضي لنفسك ان تصدق ابن البيطار فيما ذكره فى العقاقير والاحجار فتبادر الى امتثال ما امرك به ولا تصدق سيد البشر صلى الله تعالى عليه وسلم فيما يخبر عنه وتتوانى بحكم الكسل عن الاتيان بما امر به او فعل وانت تحقق انه عليه السلام مكاشف من العالم بجميع الاسرار والحكم كما اخبر عن نفسه وقال "حديث : فعلمت علم الاولين والآخرين " .تفسير : ولما اخرجك الله من صلب آدم فى مقام ألست رددت الى اسفل السافلين ثم منه دعيت لترتفع بسعيك وكسبك الى اعلى عليين حيث ما قدر لك على حسب قابليتك ولا يمكنك ذلك الا بأمرين. احدهما بمحبته صلى الله عليه وسلم وبان تؤثر حبه على نفسك واهلك مالك. والثانى بمتابعته صلى الله عليه وسلم فى جميع ما امر به ونهى عنه وبذلك تستحكم مناسبتك به وبكمال متابعتك يحصل لك الارتفاع الى اوج الكمال ومن علامات المحبة حب القرآن وحب تلاوته والا كان من المعرضين عن سلوك طريقته صلى الله عليه وسلم ومن تمام محبته ايثار الفقر والزهد فى الدنيا شعر : كين جهان جيفه است ومردار ورخيص برجنين مردار جون باشم حريص تفسير : اللهم اعصمنا من المهالك واجعلنا من السالكين الى خير المسالك
الطوسي
تفسير : معنى الآية ان الله تعالى اخبر انه لو علم فيهم. يعني هؤلاء الكافرين انهم يصلحون بما يورده عليهم من حججه وآياته لأسمعهم إياها ولم يخلف عنهم شيئاً منها وإن كان قد أزاح علتهم في التكليف بما نصب لهم من الأدلة الموصلة إلى الحق، ولكنهم لا يصلحون بل يتولون وهم معرضون. وقال ابن جريج وابن زيد: لاسمعهم الحجج والمواعظ سماع تفهم. وقال ابو علي: لاسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم من قصي بن كلاب وغيره. وقال الزجاج: لاسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. والاعراض خلاف الاقبال وهو الانصراف بالوجه عن جهة الشيء والاقبال الانصراف بالوجه إلى جهته والاستماع إيجاد السماع بايجاده والتعريض له. فان الله تعالى يسمعهم بأن يوجد السماع لهم. والانسان يسمعهم بأن يعرضهم للسماع الذي يوجد لهم، هذا على مذهب من قال: إن الادراك معنى، ومن قال: انه ليس بمعنى، فمعنى الاسماع هو ان يوجد من كلامه الدال على ما يجب أن يسمعوه لكونهم أحياء لا آفة بهم في حواسهم. وقال الزجاج المعنى {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم} كلما يسألون عنه ولو اسمعهم كلما يخطر ببالهم لتولوا وهم معرضون. وقال الحسن: هو إخبار عن علمه كما قال {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}. تفسير : وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول: يجوز ان يكون في مقدوره لطف لو فعله بالكافر لآمن.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} هذه الشّرطيّة لانتفاء الثّانى لانتفاء الاوّل كما هو اكثر موارد استعمال لو لغةً وليست لمحض بيان الملازمة بين التّالى والمقدّم كما هو طريقة استعمال المنطقيّين {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} هذه الشّرطية لبيان الملازمة بين التّالى والمقدّم الّذى هو ضدّ ملزوم التّالى مع الاشعار بتحقّق ملزومه الواقعىّ مبالغة فى تحقّق التّالى مثل: لو لم يخف الله لم يعصه، فليست القضيّتان على طريقة استعمال الشّرطيّات فى المنطق واقيستها حيث يظنّ انهما صورة قياسٍ اقترانىٍّ من الشّكل الاوّل، ولو سلّم فالكبرى مهملة غير منتجة فالبحث بانّه قياس من الشّكل الاوّل وينتج: لو علم الله فيهم خيراً لتولّوا، ساقط من اصله، ولو سلّم صحّة القياس فالنتيجة صحيحة من قبيل: لو لم يخف الله لم يعصه.
الهواري
تفسير : قال الله: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً} أي إيماناً { لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ}. قال الحسن: هي كقوله: (أية : وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) تفسير : [الأنعام:28] أخبر بعلمه فيهم. قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال مجاهد: لما يحييكم به، أي الحق، يعني الهدى، وقال بعهضم: هو القرآن. وقال: هو القرآن، فيه الحياة والبقاء. قوله: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ}. قال بعضهم: يحول بين قلب المؤمن وبين معصيته بفعله، وبين قلب الكافر وبين طاعته بفعله. قال: { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي يوم القيامة. قوله: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [يعني أنها إذا نزلت تعم الظالم وغيره]. قال بعضهم: يعني [يوم] الجمل. وقال الحسن: يعني أَصحاب النبي عليه السلام. ذكروا أن الزبير بن العوام كان يقول: لقد تلوتُ هذه الآية زماناً ما أحدث نفسي أن أكون من أهلها، فإذا نحن أصحاب النبي المعنيّون بها: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً}. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}. قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ} [أي مقهورون في أرض مكة] {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} أي فارس والروم في تفسير بعضهم. {فَآوَاكُمْ} [أي ضمّكم] إلى المدينة حين أسلمتم. {وَأَيَّدَكُم} أي أعانكم { بِنَصْرِهِ} أي نصركم على المشركين { وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: الحلال من الرزق والغنيمة بعد، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا هذه النعم.
اطفيش
تفسير : {ولَوْ عَلم الله فِيهمْ خَيرا} سعادة قضى لَهم بها فى الأزل، وانتفاعا بالآيات والوعظ قضى لهم به فيه {لأسْمعَهم} أى الآيات والوعظ سماع تفهم وقبول، لكن لم يعلم فيهم خيرا فلم يسمعهم، ونفى علم الخبر اكتفاء بنفى اللازم عن نفى الملزوم، وذلك أنه لو كان فيهم خيراً لعلمه ولا بد. {ولَوْ أسْمعَهم} سماع تفهم وقبول فآمنوا {لَتولَّوْا} لارتدوا وماتوا على الارتداد ولما سبق عليهم من الشقاوة {وهُم مُعْرضُون} عنادا وطيشا، وهذه القضية الثانية الشرطية مستأنفة أو معطوفة على الأولى، ولكن عطف على أخرى لا متصلة بالأولى، بحيث تكونان على طريق القياس الاقترانى والأنتج، ولو علم فيهم خيرا لتولوا هذا خلف، لأن من علم الله فيه الخير لا يتولى ويموت على الارتداد، فليس قياسا اقترانيا، ولو اتخذ الوسط وهو الإسماع الذى هو جواب لو، أو الإسماع الذى هو شرط لو، فى أن المراد بهما معا سماع التفهم والقبول، ولك أن تجعل ذلك على طريق القياس الاقترانى، أن تجعل الوسط متحدا كما علمت، وتجعل الخير بمعنى الإيمان، والانتفاع مطلقا بمعنى السعادة، ولا بمعنى الإيمان والانتفاع الذين يموت عليها الإنسان، أى لو علم الله فى الأزل أنهم يؤمنون ويعملون الصالحات لأسمعهم الآيات والوعظ، ولو أسمعهم الآيات والوعظ لارتدوا عن ذلك للشقاوة، فينتج لو علم فيهم الإيمان والعمل الصالح لتولوا عنهما بعد العمل بهما للشقاوة، والوجه الأول أظهر عندى، وكلاهما جائز هذا ما ظهر لى بعد التأمل، ثم رأيت ابن هشام أشار إلى الثانى والحمد لله على موافقة علامة، وأما أن يجعل الوسط مختلفا هكذا لأسمعهم سماع تفهم وقبول، ولو أسمعهم سماع غير تفهم وقبول فلا يصح عندى، لأن لو امتناعية، فيلزم انتفاء إسماعهم سماع غير تفهم وقبول وهو موجود، لأنه السماع بالأذن، اللهم إلا إن أريد بهذا الإسماع الذى هو غير سماع تفهم وقبول، سماع زائد على سماع الأذن غير بالغ درجة النفع، أو تجعل لو بمعنى إن الشرطية لكن يضعف هذا قرن جوابها بالام، فإن اللام أصل فى الامتناعية. وقد أثبت القاضى وابن هشام هذا الوجه الذى هو اختلاف الوسط، ولم أر من أورد عليهما ما أوردت، ولا من أجاب بما أجبت، لكن كلام القاضى محتمل للوجه الأول، وما ذكرته من جوز كون الكلام على طريق القياس الاقترانى مبنى على التحقيق، لأنه يكون فى القضايا الشرطية، كما يكون فى الجملة، لا كما قال الأخضرى إنه مختص بالقضايا الجملية، وهو هنا من قضيتين شرطيتين متصلتين. وقيل: إنهم قالوا أحيى لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن لك، فالمعنى: لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم كلام قصى، بأن يحييه فيتكلم لهم بذلك، ولو اسمعهم كلامه لتولوا، والكلام فى هذا القول قابل لما ذكرته، من أن الكلام على طريق القياس الاقترانى، وعلى غير طريقه، وجملة هم معرضون حال مؤكدة لعاملها، فإن التولى عن الحق، والإعراض عنه بمعنى ترك اتباعه، وإن جعل ذلك تمثيلا بمن تولى بجسده أعرض بقلبه، فليست مؤكدة.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ} أي في هؤلاء الصم البكم {خَيْرًا} أي شيئاً من جنس الخير الذي من جملته صرف قواهم إلى تحري الحق واتباع الهدى {لأَسْمَعَهُمْ} سماع تدبر وتفهم ولوقفوا على الحق وآمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وأطاعوه {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} سماع تفهم وتدبر وقد علم أن لا خير فيهم {لَتَوَلَّواْ} ولم ينتفعوا به وارتدوا بعد التصدق والقبول {وَهُم مُّعْرِضُونَ} لعنادهم، والجملة حال مؤكدة مع اقترانها بالواو، ومما ذكر يعلم الجواب عما قيل: إن الآية قياس اقتراني من شرطيتين ونتيجته غير صحيحة لما أنه أشير فيه أولاً إلى منع القصد إلى القياس لفقد الكلية الكبرى، وثانياً إلى منع فساد النتيجة إذ اللازم لو علم الله تعالى فيهم خيراً في وقت لتولوا بعده قاله بعض المحققين، وفي «المغني» والجواب من ثلاثة أوجه اثنان يرجعان إلى منع كون المذكور قياساً وذلك لاختلاف الوسط. أحدهما أن التقدير لأسمعهم سماعاً نافعاً ولو أسمعهم سماعاً غير نافع لتولوا. والثاني أن يقدر ولو أسمعهم على تقدير علم عدم الخير فيهم كما أشير إليه. والثالث إلى منع استحالة النتيجة بتقدير كونه قياساً متحد الوسط، إذ التقدير ولو علم الله تعالى فيهم خيراً في وقت ما لتولوا بعد ذلك، ولا يخفى ضعف الجواب الأول لأنه لا قرينة على تقييد لو أسمعهم بالسماع الغير النافع ولأنه يحقق فيهم الإسماع الغير النافع إلا أن يقيد بالإسماع بعد نزول هذه الآية، وكذا ضعف الثالث لأن علمه تعالى بالخير ولو في وقت لا يستلزم التولي بل عدمه. وأما الجواب الثاني فهو قوي لأن الشرطية الأولى قرينة على تقييد الإسماع في الشرطية الثانية بتقدير علم عدم الخير فيهم، وذكر بعضهم في الجواب أن الشرطيتين مهملتان وكبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية ولو سلم فإنما ينتجان أي اللزومية لو كانتا لزوميتين وهو ممنوع ولو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، أي لا نسلم استحالة الحكم باللزوم بين المقدم والتالي وإن كان الطرفان محالين لأن علم الله تعالى فيهم خيراً محال والمحال جاز أن يستلزم المحال وإن لم يوجد بينهما علاقة عقلية على ما هو التحقيق من عدم اشتراط العلاقة في استلزام المحال للمحال. واعترض على أصل السؤال بأن لفظ {لَوْ} لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني وإنما يستعمل في القياس الاستثنائي المستثنى فيه نقيض التالي لأنها لامتناع الشي لامتناع غيره، ولهذا لا يصرح باستثناء نقيض التالي، وعلى الجواب بأن فيه تسليم كون ما ذكر قياساً ومنع كونه منتجاً لانتفاء شرائط الإنتاج وكيف يصح اعتقاد وقوع قياس في كلام الحكيم تعالى أهملت فيه شرائط الإنتاج وإن لم يكن مراده تعالى قياسيته وذكر أن الحق أن قوله سبحانه: {لَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا} وارد على قاعدة اللغة يعني أن سبب عدم الإسماع عدم العلم بالخير فيهم ثم ابتدأ قوله تعالى: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ} كلاماً آخر على طريقة ـ «لو لم يخف الله / تعالى لم يعصه» ـ وحاصل ذلك أنه كلام منقطع عما قبله والمقصود منه تقرير قولهم في جميع الأزمنة حيث ادعى لزومه لما هو مناف له ليفيد ثبوته على تقدير الشرط وعدمه، فمعنى الآية حينئذ أنه انتفى الإسماع لانتفاء علم الخير وأنهم ثابتون على التولي ففي الشرطية الأولى اللزوم في نفس الأمر وفي الثانية إدعائي فلا يكون على هيئة القياس. وقال العلامة الثاني: يجوز أن يكون التولي منفياً بسبب انتفاء الإسماع كما هو مقتضى أصل {لَوْ} لأن التولي بمعنى الاعراض عن الشيء كما هو أصل معناه لا بمعنى مطلق التكذيب والإنكار، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق التولي والإعراض لأن الإعراض عن الشيء فرع تحققه ولم يلزم من هذا تحقق الانقياد له لأن الانقياد للشيء وعدم الانقياد له ليسا على طرفي النقيض بل العدول والتحصيل لجواز ارتفاعهما بعدم ذلك الشيء وحاصله كما قيل: إنه إذا كان التولي بمعنى الإعراض يجوز أن يكون {لَوْ} بمعناه المشهور، ويكون المقصود الإخبار بأن انتفاء الثاني في الخارج لانتفاء الأول فيه كالشرطية الأولى ولا ينتظم منهما القياس إذ ليس المقصود منهما بيان استلزام الأول للثاني في نفس الأمر ليستدل بل اعتبار السببية واللزوم بينهما ليعلم السببية بين الانتفائين المعلومين في الخارج، وما يقال: من أن انتفاء التولي خير وقد ذكر أن لا خير فيهم مجاب عنه بأن لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير لأنه يجوز أن يكون ذلك بسبب عدم الأهلية للإسماع وهو داء عضال وشر عظيم، وإنما يكون خيراً لو كانوا من أهله بأن أسمعوا شيئاً ثم انقادوا له ولم يعرضوا وهذا كما يقال: لا خير في فلان لو كانت به قوة لقتل المسلمين، فإن عدم قتل المسلمين بناء على عدم القوة والقدرة ليس خيراً فيه وإن كان خيراً له ا هـ. ورده الشريف قدس سره بما تعقبه السيالكوتي عليه الرحمة. نعم قال مولانا محمد أمين بن صدر الدين: إن حمل التولي هٰهنا على معنى الإعراض غير ممكن لمكان قوله سبحانه: {وَهُم مُّعْرِضُونَ} وأوجب أن يحمل إما على لازم معناه وهو عدم الانتفاء لأنه يلزم الإعراض أو على ملزومه وهو الارتداد لأنه يلزمه الإعراض فليفهم، وعن الجبائي أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أحي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً حتى يشهد لك ونؤمن بك، فالمعنى ولو أسمعهم كلام قصي الخ، وقيل: هم بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه قاتلهم الله تعالى فقتلوا جميعاً بأحد وكانوا أصحاب اللواء، وعن ابن جريج أنهم المنافقون وعن الحسن أنهم أهل الكتاب، والجملة الاسمية في موضع الحال من ضمير {تَوَلَّوْاْ}، وجوز أن تكون اعتراضاً تذييلاً أي وهم قوم عادتهم الإعراض.
د. أسعد حومد
تفسير : (23) - إنَّ هَذِهِ المَخْلُوقَاتِ لاَ تَفْهَمُ فَهْماً صَحِيحاً، وَلَيْسَ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي عَمَلِ خَيْرٍ صَالِحٍ، وَلَوْ كَانَ اللهُ يَعْلَمُ فِيهِمْ اسْتِعْدَاداً لِلإِيمَانِ وَالاهْتِدَاءِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ لأسْمَعَهُمْ وَأفْهَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُم لاَ خَيْرَ فِيهِمْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمِعْهُمْ، لأنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا عَنِ القَبُولِ قَصْداً وَعِنَاداً، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فهو سبحانه وتعالى قد علم أنه ليس فيهم خير، فلم يسمعهم سماع الاستجابة. والمولى سبحانه وتعالى منزه من أن يبتدئهم بعدم إسماعهم؛ لأنهم لم يوجد فيهم خير، والخير هنا مقصود به الإيمان الأول بالرسول، وهم لم يؤمنوا. فلم يستمعوا لنداء الهداية منه صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن الله تعالى. إذن فعدم وجود الخير بدأ من ناحيتهم، وسبحانه وتعالى القائل: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 264]. وهم - إذن - سبقوا بالكفر فلم يهدهم الله. {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 258]. وهم سبقوا بالظلم فلم يهدهم الله. وسبحانه وتعالى القائل: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 108]. وهم سبقوا بالفسق فلم يهدهم الله. والله منزه عن الافتئات على بعض عباده، فلم يسمعهم سماع الاستجابة لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} وعلم الله تعالى أزلي، لكنه لا يحاكم عباده بما علم عنهم أزلاً. بل ينزل لهم حق الاختيار في التجربة الحياتية العملية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - تجد أباً يعاني من مأساة فشل ابنه في الدراسة أو في الاعتماد على نفسه في الحياة، ويحيا الولد لاهياً غير مقدر لتبعات الحياة، فيقول أصدقاء الوالد له: لماذا لا تقيم لابنك مشروعاً يشغله بدلاً من اللهو، فيرد الأب: إنني أعرف هذا الولد، سيأخذ المشروع ليبيعه ويصرف ثمنه على اللهو. والأب يقول ذلك بتجربته مع الابن. لكنْ ألا يُحتمل أن يكون هذا الابن قد ملَّ الانحراف واللهو وأراد أن يتوب، أو على الأقل ليثبت للناس أن رأى والده فيه غير صحيح؟ لذلك نجد الأب يفتح لابنه مشروعاً، لكن الولد يغلبه طبعه السيىء فيبيع المشروع ليصرف نقوده في الفساد. هل حدث ذلك من نقص في تجربة الوالد؟ لا، بل عرف الأب عدم الجد عن ابنه، وسهولة انقياده لهواه. فما بالنا بالحق الأعلى العليم أزلاً بكل ما خفي وما ظهر من عباده؟. ولكنّه سبحانه وتعالى شاء ألا يحاسب عباده بما علمه أزلاً، بل يحاسبهم سبحانه وتعالى بما يحدث منهم واقعاً، فهو القائل: {أية : وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ} تفسير : [العنكبوت: 11]. فسبحانه وتعالى العالم أزلاً، لكنه شاء أن يعلم أيضاً علم الإقرار من العبد نفسه؛ لأن الله لو حكم على العباد بما علم أزلاً، لقال العبد: كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب. لذلك يترك الحق الاختيار للبشر ليعلموا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقراراً بما حدث منهم. {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} [الأنفال:23]. وحتى لو أسمعهم الله عز وجل لتولوا هم عن السماع وأعرضوا عنه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنهم اختاروا أن يكونوا شرّاً من الدواب عنده، وهو الصم الذين لا يسمعون دعوة هداية، وبُكْم لا ينطقون كلمة توحيد، ولا يعقلون فائدة المنهج الذي وضعه الله تعالى لصلاح دنياهم وأخراهم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):