Verse. 1184 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اسْتَجِيْبُوْا لِلہِ وَلِلرَّسُوْلِ اِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيْكُمْ۝۰ۚ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ يَحُوْلُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِہٖ وَاَنَّہٗۗ اِلَيْہِ تُحْشَــرُوْنَ۝۲۴
Ya ayyuha allatheena amanoo istajeeboo lillahi walilrrasooli itha daAAakum lima yuhyeekum waiAAlamoo anna Allaha yahoolu bayna almari waqalbihi waannahu ilayhi tuhsharoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول» بالطاعة «إذا دعاكم لما يحييكم» من أمر الدين أنه سبب الحياة الأبدية «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه» فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته «وأنه إليه تُحشرون» فيجازيكم بأعمالكم.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيد والزجاج {ٱسْتَجِيبُواْ } معناه أجيبوا وأنشد قول الشاعر:شعر : فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : المسألة الثانية: أكثر الفقهاء على أن ظاهر الأمر للوجوب، وتمسكوا بهذه الآية على صحة قولهم من وجهين: الوجه الأول: أن كل من أمره الله بفعل فقد دعاه إلى ذلك الفعل وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه. فإن قيل: قوله: {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ } أمر. فلم قلتم: إنه يدل على الوجوب؟ وهل النزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثبات أن الأمر للوجوب بناء على أن هذا الأمر يفيد الوجوب، وهو يقتضي إثبات الشيء بنفسه وهو محال. والجواب: أن من المعلوم بالضرورة أن كل ما أمر الله به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله: {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ } على هذا المعنى كان هذا جارياً مجرى إيضاح الواضحات وأنه عبث، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوناً لهذا النص عن التعطيل، ويتأكد هذا بأن قوله تعالى بعد ذلك {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } جار مجرى التهديد والوعيد، وذلك لا يليق إلا بالإيجاب. الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الآية على ثبوت هذا المطلوب. ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: «ما منعك عن إجابتي» قال كنت أصلي قال: «ألم تخبر فيما أوحى إلي استجيبوا لله وللرسول» فقال: لا جرم لا تدعوني إلا أجيبك، والاستدلال به أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاه فلم يجبه لامه على ترك الإجابة، وتمسك في تقرير ذلك اللوم بهذه الآية فلولا دلالة هذه الآية على الوجوب، وإلا لما صح ذلك الاستدلال وقول من يقول مسألة أن الأمر يفيد الوجوب، مسألة قطعية، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد ضعيف، لأنا لا نسلم أن مسألة الأمر يفيد الوجوب مسألة قطعية، بل هي عندنا مسألة ظنية، لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في المطالب العملية. فإن قالوا: إنه تعالى ما أمر بالإجابة على الإطلاق بل بشرط خاص وهو قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } فلم قلتم إن هذا الشرط حاصل في جميع الأوامر؟ قلنا: قصة أبي بن كعب تدل على أن هذا الحكم عام وغير مخصوص بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة. لأن إحياء الحي محال. فوجب حمله على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا الله إليه ورغب فيه فهو مشتمل على ثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر وذلك يفيد المطلوب. المسألة الثالثة: ذكروا في قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } وجوهاً: الأول: قال السدي: هو الإيمان والإسلام وفيه الحياة لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته، يدل عليه قوله تعالى: {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } تفسير : [الروم: 19] قيل المؤمن من الكافر. الثاني: قال قتادة: يعني القرآن أي أجيبوه إلى ما في القرآن ففيه الحياة والنجاة والعصمة، وإنما سمي القرآن بالحياة لأن القرآن سبب العلم. والعلم حياة، فجاز أن يسمى سبب الحياة بالحياة. الثالث: قال الأكثرون: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } هو الجهاد، ثم في سبب تسمية الجهاد بالحياة وجوه: أحدها: هو أن وهن أحد العدوين حياة للعدو الثاني. فأمر المسلمين إنما يقوى ويعظم بسبب الجهاد مع الكفار. وثانيها: أن الجهاد سبب لحصول الشهادة وهي توجب الحياة الدائمة قال تعالى: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }تفسير : [آل عمران: 169] وثالثها: أن الجهاد قد يفضي إلى القتل، والقتل يوصل إلى الدار الآخرة، والدار الآخرة معدن الحياة. قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ } تفسير : [العنكبوت: 64] أي الحياة الدائمة. والقول الرابع: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } أي لكل حق وصواب، وعلى هذا التقدير فيدخل فيه القرآن والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة. والمراد من قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } الحياة الطيبة الدائمة قال تعالى: {أية : فلنحيينه حياة طيبة }تفسير : [النحل: 97]. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } يختلف تفسيره بحسب اختلاف الناس في الجبر والقدر. أما القائلون بالجبر، فقال الواحدي حكاية عن ابن عباس والضحاك: يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، والشقي من أضله الله. والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه. وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه. قلت: وقد دللنا بالبراهين العقلية على صحة أن الأمر كذلك وذلك لأن الأحوال القلبية إما العقائد وإما الإرادات والدواعي. أما العقائد: فهي إما العلم، وإما الجهل. أما العلم فيمتنع أن يقصد الفاعل إلى تحصيله إلا إذا علم كونه علماً ولا يعلم ذلك إلا إذا علم كون ذلك الاعتقاد مطابقاً للمعلوم ولا يعلم ذلك إلا إذا سبق علمه بالمعلوم وذلك يوجب توقف الشيء على نفسه وأما الجهل فالإنسان البتة لا يختاره ولا يريده إلا إذا ظن أن ذلك الاعتقاد علم، ولا يحصل له هذا الظن إلا بسبق جهل آخر، وذلك أيضاً يوجب توقف الشيء على نفسه، وأما الدواعي والإرادات فحصولها إن لم يكن بفاعل يلزم الحدوث لا عن محدث، وإن كان بفاعل فذلك الفاعل إما العبد وإما الله تعالى، والأول باطل، وإلا لزم توقف ذلك القصد على قصد آخر وهو محال، فتعين أن يكون فاعل الاعتقادات والإرادات والدواعي هو الله تعالى، فنص القرآن دل على أن أحوال القلوب من الله، والدلائل العقلية دلت على ذلك، فثبت أن الحق ما ذكرناه. أما القائلون بالقدر فقالوا: لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، وبيانه من وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز، وأمر العاجز سفه، ولو جاز ذلك لجاز أن يأمرنا الله بصعود السماء، وقد أجمعوا على أن الزمن لا يؤمر بالصلاة قائماً، فكيف يجوز ذلك على الله تعالى؟ وقد قال تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وقال في المظاهر: {أية : فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً }تفسير : [المجادلة: 4] فأسقط فرض الصوم عمن لا يستطيعه. الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول. وذكر هذا الكلام في معرض الذكر والتحذير عن ترك الإجابة، ولو كان المراد ما ذكرتم لكان ذلك عذراً قوياً في ترك الإجابة، ولا يكون زجراً عن ترك الإجابة. الوجه الثالث: أنه تعالى أنزل القرآن ليكون حجة للرسول على الكفار، لا ليكون حجة للكفار على الرسول، ولو كان المعنى ما ذكرتم لصارت هذه الآية من أقوى الدلائل للكفار على الرسول ولقالوا إنه تعالى لما منعنا من الإيمان فكيف يأمرنا به؟ فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر، قالوا ونحن نذكر في الآية وجوهاً: الأول: أن الله تعالى يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لا بد منه ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة. قال القاضي: ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدل عليه وهو قوله: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } والمقصود من هذه الآية الحث على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها. الثاني: أن المراد أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه ويريده بقلبه، فإن الأجل يحول دون الأمل، فكأنه قال: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على ما يقع في قلوبكم من توقع طول البقاء، فإن ذلك غير موثوق به، وإنما حسن إطلاق لفظ القلب على الأماني الحاصلة في القلب لأن تسمية الشيء باسم ظرفه جائزة كقولهم، سال الوادي. الثالث: أن المؤمنين كانوا خائفين من القتال يوم بدر، فكأنه قيل لهم، سارعوا إلى الطاعة ولا تتمنعوا عنها بسبب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن، فإن الله تعالى يغير تلك الأحوال فيبدل الضعف بالقوة، والجبن بالشجاعة، لأنه تعالى مقلب القلوب. الرابع: قال مجاهد: المراد من القلب ههنا العقل فكان المعنى أنه يحول بين المرء وقلبه. والمعنى فبادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون، فإنكم لا تؤمنون زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف. وجعل القلب كناية عن العقل جائز، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } تفسير : [قۤ: 37] أي لمن كان له عقل. الخامس: قال الحسن معناه، أن الله حائل بين المرء وقلبه، والمعنى أن قربه تعالى من عبده أشد من قرب قلب العبد منه، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لا يخفى عليه شيء مما في باطن العبد ومما في ضميره، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }تفسير : [قۤ: 16] فهذه جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب لأصحاب الجبر والقدر. ثم قال تعالى: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي واعلموا أنكم إليه تحشرون أي إلى الله ولا تتركون مهملين معطلين، وفيه ترغيب شديد في العمل وتحذير عن الكسل والغفلة.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ: قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ} هذا الخطاب للمؤمنين المصدّقين بلا خلاف. والاستجابة: الإجابة: و{يُحْيِيكُمْ} أصله يحييكُم، حذفت الضمة من الياء لثقلها. ولا يجوز الإدغام. قال أبو عبيدة: معنىٰ «اسْتَجِيبُوا» أجيبوا؛ ولكن عُرْف الكلام أن يتعدّىٰ استجاب بلام، ويتعدّىٰ أجاب دون لام. قال الله تعالىٰ: {أية : يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحقاف: 31]. وقد يتعدّىٰ استجاب بغير لام؛ والشاهد له قول الشاعر:شعر : وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيب إلى النَّدَىٰ فلم يَستجِبْه عند ذاك مُجيبُ تفسير : تقول: أجابه وأجاب عن سؤاله. والمصدر الإجابة. والاسم الجابة؛ بمنزلة الطاقة والطاعة. تقول: أساء سَمْعاً فأساء جابة. هكذا يتكلم بهذا الحرف. والمجاوبة والتجاوب: التحاور. وتقول: إنه لحَسن الجِيبة (بالكسر) أي الجواب. {لِمَا يُحْيِيكُمْ} متعلق بقوله: «استجيبوا». المعنىٰ: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم. وقيل: اللام بمعنىٰ إلى، أي إلى ما يحييكم، أي يُحِيي دينكم ويعلمكم. وقيل: أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحّدوه، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من موت الكفر والجهل. وقال مجاهد والجمهور: المعنىٰ استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي؛ ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية، وقيل: المراد بقوله «لِما يحيِيكم» الجهاد؛ فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدوّ إذا لم يُغز غَزا؛ وفي غزوِهِ الموت، والموت والجهاد الحياةُ الأبدية؛ قال الله عز وجل: {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} تفسير : [آل عمران: 169] والصحيح العموم كما قال الجمهور. الثانية: روىٰ البخاريّحديث : عن أبي سعيد بن المُعَلَّى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أُجِبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلِّي. فقال: «ألم يقل الله عز وجل {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}»تفسير : وذكر الحديث. وقد تقدّم في الفاتحة. وقال الشافعيّ رحمه الله: هذا دليل على أن الفعل الفرضَ أو القول الفرضَ إذا أتىٰ به في الصلاة لا تبطل، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة. قلت: وفيه حجة لقول الأوزاعي: لو أن رجلاً يصلي فأبصر غلاماً يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالىٰ: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قيل: إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به، فلا يكتسبه إذا لم يُقدره عليه بل أقدره على ضدّه وهو الكفر. وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر. فَبانَ بهذا النص أنه تعالىٰ خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها. وهذا معنىٰ قوله عليه السلام: «حديث : لا، ومُقَلِّبِ القلوب»تفسير : . وكان فعل الله تعالىٰ ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ إذ لم يمنعهم حقاً وجب عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. قال السُّدِّي: يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه، ولا يكفر أيضاً إلا بإذنه؛ أي بمشيئته. والقلب موضع الفكر. وقد تقدّم في «البقرة» بيانه. وهو بيد الله، متىٰ شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل. أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل. وقال مجاهد: المعنىٰ يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع. وفي التنزيل:{أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}تفسير : [قۤ: 37] أي عقل. وقيل: يحول بينه وبينه بالموت، فلا يمكنه ٱستدراك ما فات. وقيل: خاف المسلمون يوم بَدْر كثرة العدوّ فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدّلهم بعد الخوف أمْناً، ويبدّل عدوّهم من الأمن خوفاً. وقيل: المعنىٰ يقلّب الأمور من حال إلى حال؛ وهذا جامع، واختيار الطبري أن يكون ذلك إخباراً من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء؛ حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئة الله عز وجل. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } عطف. قال الفرّاء: ولو استأنفت فكسرت، «وأنه» كان صواباً.

البيضاوي

تفسير : { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} بالطاعة. {إِذَا دَعَاكُمْ} وحد الضمير فيه لما سبق ولأن دعوة الله تسمع من الرسول. وروي أنه عليه الصلاة والسلام مر على أبي وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي قال: كنت أصلي، قال: «حديث : ألم تخبر فيما أوحي إلي» تفسير : {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ}. واختلف فيه فقيل هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضاً إجابة. وقيل لأن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله وظاهر الحديث يناسب الأول. {لِمَا يُحْيِيكُمْ} من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته. قال:شعر : لاَ تعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّته فَذَاكَ مَيتٌ وَثَوْبُهُ كَفَن تفسير : أو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال، أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم، أو الشهادة لقوله تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ }تفسير : [آل عمران: 169] {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ} تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }تفسير : [ق: 16] وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته، وبينه وبين الإِيمان إن قضى شقاوته. وقرىء "بَيْنَ ٱلْمَرْء" بالتشديد على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل مجرى الوقف على لغة من يشدد فيه. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فيجازيكم بأعمالكم.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: {ٱسْتَجِيبُواْ} أجيبوا {لِمَا يُحْيِيكُمْ} لما يصلحكم. حدثني إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن قال: سمعت حفص بن عاصم يحدث عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كنت أصلي، فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: «حديث : ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} - ثم قال - لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج» تفسير : فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج، فذكرت له. وقال معاذ: حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن سمع حفص بن عاصم سمع أبا سعيد - رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، وقال: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني. هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة. وقال مجاهد في قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: للحق، وقال قتادة: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والبقاء والحياة. وقال السدي: {لِمَا يُحْيِيكُمْ} ففي الإسلام إحياؤهم بعد موتهم بالكفر، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم. وقوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}، قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان، رواه الحاكم في مستدركه موقوفاً، وقال: صحيح، ولم يخرجاه، ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعاً، ولا يصح؛ لضعف إسناده، والموقوف أصح، وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي، وفي رواية عن مجاهد في قوله: {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} أي: حتى يتركه لا يعقل، وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه. وقال قتادة: هو كقوله: {أية : نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ} تفسير : [ق: 16] وقد وردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يناسب هذه الآية، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»تفسير : . قال: فقلنا: يا رسول الله آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: «حديث : نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها»تفسير : . وهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه عن هناد بن السري عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير عن الأعمش، واسمه سليمان بن مهران، عن أبي سفيان، واسمه طلحة بن نافع، عن أنس، ثم قال: حسن. وهكذا روي عن غير واحد عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي سفيان عن أنس أصح. (حديث آخر) وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن بلال، رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»تفسير : . هذا حديث جيد الإسناد، إلا أن فيه انقطاعاً، وهو مع ذلك على شرط أهل السنن، ولم يخرجوه. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بشر بن عبد الله الحضرمي: أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه» تفسير : وكان يقول: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قال: «والميزان بيد الرحمن يخفضه ويرفعه» تفسير : وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر فذكر مثله. (حديث آخر) قال الإمام أحمد حدثنا يونس حدثنا حماد بن زيد عن المعلى بن زياد عن الحسن: أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بها: «حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء، فقال: «حديث : إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أزاغه، وإذا شاء أقامه» تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني شهر، سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه يقول: «حديث : اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله أوَإِنَّ القلوب لتقلب؟ قال: «حديث : نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله عز وجل، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب» تفسير : قالت: فقلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «حديث : بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانىء: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفها كيف شاء» تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» تفسير : انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مُّعْرِضُونَ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } بالطاعة {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } من أمر الدين لأنه سبب الحياة الأبدية {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإرادته {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فيجازيكم بأعمالكم.

الشوكاني

.تفسير : الأمر هنا بالاستجابة مؤكد لما سبق من الأمر بالطاعة، ووحد الضمير هنا حيث قال: {إِذَا دَعَاكُمْ } كما وحده في قوله: {أية : وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ } تفسير : [الأنفال: 20] وقد قدّمنا الكلام في وجه ذلك، والاستجابة: الطاعة. قال أبو عبيدة معنى استجيبوا: أجيبوا. وإن كان استجاب يتعدّى باللام، وأجاب بنفسه كما في قوله: {أية : يٰقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحقاف: 31]، وقد يتعدّى استجاب بنفسه كما في قول الشاعر:شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } اللام متعلقة بقوله: {ٱسْتَجِيبُواْ } أي: استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم، ولا مانع من أن تكون متعلقة "بدعا" أي إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم الشريعة، فإن العلم حياة، كما أن الجهل موت. فالحياة هنا مستعارة للعلم. قال الجمهور من المفسرين: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية. وقيل المراد بقوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } الجهاد، فإنه سبب الحياة في الظاهر، لأن العدوّ إذا لم يغز غزا. ويستدلّ بهذا الأمر بالاستجابة على أنه يجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائناً ما كان، ويدع ما خالفه من الرأي وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة، وترك التقيد بالمذاهب، وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائناً ما كان. قوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } قيل معناه: بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها بزوال القلوب التي تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم. وقيل معناه: إنه خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدوّ، فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ويبدل عدوّهم من الأمن خوفاً. وقيل هو: من باب التمثيل لقربه سبحانه من العبد كقوله: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16] ومعناه: أنه مطلع على ضمائر القلوب، لا تخفى عليه منها خافية. واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عزّ وجلّ بأنه أملك لقلوب عباده منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئته عزّ وجلّ. ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني. {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } معطوف على {أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } وأنكم محشورون إليه، وهو مجازيكم بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً. قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت همزة "إنَّه" لكان صواباً. ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية. قوله: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } أي: اتقوا فتنة تتعدّى الظالم فتصيب الصالح والطالح، ولا تختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم. وقد اختلف النحاة في دخول هذه النون المؤكدة في {تُصِيبَنَّ } فقال الفراء: هو بمنزلة قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهو جواب الأمر بلفظ النهى، أي إن تنزل عنها لا تطرحنك، ومثله قوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ } تفسير : [النمل: 18] أي: إن تدخلوا لا يحطمنكم. فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء. وقال المبرد: إنه نهى بعد أمر. والمعنى: النهي للظالمين، أي لا يقربنّ الظلم، ومثله ما روى عن سيبويه لا أرينك هاهنا. فإن معناه: لا تكن هاهنا، فإن من كان ها هنا رأيته. وقال الجرجاني: إن {لا تصيبنّ} نهي في موضع وصف لفتنة. وقرأ عليّ، وزيد بن ثابت، وأبيّ وابن مسعود "لتصيبنّ" على أن اللام جواب لقسم محذوف، والتقدير: اتقوا فتنة والله لتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة. فيكون معنى هذه القراءة مخالفاً لمعنى قراءة الجماعة، لأنها تفيد أن الفتنة تصيب الظالم خاصة، بخلاف قراءة الجماعة. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ }، ومن شدّة عقابه أنه يصيب بالعذاب من لم يباشر أسبابه، وقد وردت الآيات القرآنية بأنه لا يصاب أحد إلا بذنبه، ولا يعذب إلا بجنايته، فيمكن حمل مافي هذه الآية على العقوبات التي تكون بتسليط العباد بعضهم على بعض. ويمكن أن تكون هذه الآية خاصة بالعقوبات العامة، والله أعلم. ويمكن أن يقال: إن الذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب: كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون الأسباب المتعدّية للظالم إلى غيره مختصة بمن ترك ما يجب عليه عند ظهور الظلم. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } قال: للحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في الآية: قال هو هذا القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } أي: للحرب التي أعزّكم الله بها بعد الذلّ. وقوّاكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من العذاب بعد القهر منهم لكم. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد بن المعلي، قال كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: "حديث : ألم يقل الله تعالى {استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم}»تفسير : . الحديث. وفيه دليل على ما ذكرنا من أن الآية تعمّ كل دعاء من الله أو من رسوله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه من طرق، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } قال: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله. ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس، في الآية قال علمه يحول بين المرء وقلبه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال: يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، في الآية قال: في القرب منه. وأخرج أحمد، والبزار، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن عساكر، عن مطرف، قال: قلت للزبير يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه. قال الزبير: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، قال: قرأ الزبير {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } قال: البلاء والأمر الذي هو كائن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن، في الآية قال: نزلت في عليّ وعثمان وطلحة والزبير. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك قال نزلت في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن السديّ قال: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، فكان من المقتولين طلحة والزبير، وهما من أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال: تصيب الظالم والصالح عامة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في الآية قال: هي مثل {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ } حتى يتركه لا يعقل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقد وردت الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأن هذه الأمة إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، عمهم الله بعذاب من عنده.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} يعني أجيبوا الله والرسول قال كعب ابن سعد الغنوي. شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : وإجابة الله تعالى هي طاعة أمره، وإنما خرجت عن هذا اللفظ لأنها في مقابلة الدعاء إليها فصارت إجابة لها. {إذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: إذا دعاكم إلى الإيمان، قاله السدي. والثاني: إذا دعاكم إلى الحق، قاله مجاهد. والثالث: إذا دعاكم إلى ما في القرآن، قاله قتادة. والرابع: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدو، قاله ابن إسحاق. والخامس: إذا دعاكم إلى ما فيه دوام حياتكم في الآخرة، ذكره علي بن عيسى. والسادس: إذا دعاكم إلى ما فيه إحياء أمركم في الدنيا، قاله الفراء. والسابع: أنه على عموم الدعاء فيما أمرهم به. روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُبيّ وهو قائم يصلي فصرخ به قال: "حديث : يَاأُبيّ"، تفسير : قال فعجل في صلاته، ثم جاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مَنَعَكَ إذْ دَعَوتُكَ أَنْ تُجِيبَنِي؟" تفسير : قال: يا رسول الله كنت أصلي، فقال: "حديث : أَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ {اسْتَجِيْبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْْ}" تفسير : قال بلى يا رسول الله، لا أعود. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فيه لأهل التأويل سبعة أقاويل: أحدها: يحول بين الكافر والإيمان، وبين المؤمن والكفر، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير والضحاك. والثاني: يحول بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل، قاله مجاهد. والثالث: يحول بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه، قاله السدي. والرابع: معناه أنه قريب من قلبه يحول بينه وبين أن يخفى عليه شيء من سره أو جهره فصار أقرب من حبل الوريد، وهذا تحذير شديد، قاله قتادة. والخامس: معناه يفرق بين المرء وقلبه بالموت فلا يقدر على استدراك فائت. ذكره علي بن عيسى. والسادس: يحول بين المرء وما يتمناه بقلبه من البقاء وطول العمر والظفر والنصر، حكاه ابن الأنباري. والسابع: يحول بين المرء وما يوقعه في قلبه من رعب خوف أو قوة وأمن، فيأمن المؤمن من خوفه، ويخاف الكافر عذابه.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ} بطاعته لما كانت في مقابلة الدعاء سماها إجابة {لِمَا يُحْيِيكُمْ} الإيمان، أو الحق. أو ما في القرآن، أو الحرب وجهاد العدو، أو ما فيه دوام حياة الآخرة، أو كل مأمور {يَحُولُ بَيْنَ} الكافر والإيمان وبين المؤمن والكفر، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل، أو بين المرء وقلبه أن يقدر على إيمان أو كفر إلا بإذنه، أو هو قريب من قلبه يحول بينه وبين أن يخفي عليه سره أو جهره. فهو {أية : أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16] وهذا تحذير شديد قاله قتادة، أو يفرق بينه وبين قلبه بالموت فلا يقدر على استدراك فائت، أو بينه وبين ما يتمنى بقلبه من البقاء وطول العمر والظفر والنصر، أو بينه وبين ما في قلبه من رعب وخوف وقوة وأمن، فيأمن المؤمن بعد خوفه ويخاف الكافر بعد أمنه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ...} الآية: {ٱسْتَجِيبُواْ} بمعنى: أجيبوا وقوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ } قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة، وما يتضمنه القرآن، وهذا إحياء مستعار؛ لأنه من مَوْتِ الكفر والجهل، والطَّاعَةُ تؤدي إلى الحَيَاةِ الدائمة في الآخرة. وقوله سبحانه: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} يحتمل وجوهاً: منها: أنه لما أمرهم سبحانه بالاستجابة في الطاعة، حضَّهم على المبادرة والاستعجال، وأعلمهم أنَّه يحولُ بين المرء وقَلْبه بالموت والقَبْض، أي: فبادروا الطاعات، ويلتئم مع هذا التأويلِ قوله: {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }، أي: فبادروا الطاعات، وتزوَّدوها ليوم الحَشْر. ومنها: أن يقصد إِعلامهم أن قُدْرة اللَّه وعلْمه وإِحاطته حائلةٌ بين المرء وقلبه، فكأن هذا المعنَى يحضُّ على المراقبة والخَوْفِ للَّه المُطلَّع على الضمائر؛ حُكِيَ هذا التأويلُ عن قتادة ويحتملُ أن يريد تخويفهم؛ إِنْ لم يمتثلوا الطَّاعات، ويستجيبوا للَّه وللرَّسول؛ أَنْ يَحُلَّ بهم ما حل بالكفَّار الذين أرادهم بقوله: { أية : وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنفال:23]؛ لأن حَتْمهُ عليهم بأنهم لو سَمِعُوا لم ينتفعوا يقتضِي أنه كان قد حال بينهم وبَيْنَ قلوبهم. ومنها: أنْ يكون المعنَى ترجيةً لهم بأنَّ اللَّه يبدِّل الخوف الذي في قلوبهم مِنْ كثرة الَعدُوِّ، فيجعله جراءةً وقوةً، وبضدِّ ذلك للكفَّار، أي: فإِن اللَّه تعالَى هو مقلِّب القلوب؛ كما كان قسم النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل غير هذا. قال مكِّيٌّ، وقال الطبريُّ: هذا خبر من اللَّه عز وجلَّ؛ أنه أَمْلَكُ بقلوبِ العباد منهم لها، وأنه يحولُ بينهم وبينها إِذا شاء حتى لا يُدْرِك الإِنسان شيئاً من إِيمان ولا كُفْر، ولا يعي شيئاً، ولا يفهم شيئاً إِلا بإذنه ومشيته سبحانه، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول في دعائه: حديث : « يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي علَى دِينِكَ » تفسير : انتهى من «الهداية». وروى مالكُ بن أنس والنسائي، حديث : أن رَسُولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم دَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْب وهو في الصَّلاَة، فَلَمْ يُجِبْهُ، وأَسْرَعَ في بَقِيَّةِ صَلاَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ قال أُبَيٌّ: لاَ جَرَمَ، يا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ تَدْعُونِي أَبَدَاً إِلاَّ أَجَبْتُكَ...» تفسير : الحديث بطوله، واختلاف ألفاظه، وفي «البخاريِّ ومسلم»؛ أن ذلك وقع مع أبي سَعِيدِ بن المُعَلَّىٰ، وروي أنه وقع نحوه مع حُذَيْفَة بن اليَمَانِ في غزوة الخَنْدَق. وقوله: عزَّ وجلَّ: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} في الآية تأويلاتٌ، أسبقها إِلى النفْسِ، أن اللَّه سبحانه حذَّر جميع المؤمنين من فتنة إِن أصابَتْ لم تخصَّ الظلمة فقطْ، بل تصيبُ الكُلَّ من ظالمٍ وبريءٍ، وهذا تأويلُ الزُّبَيْر بن العَوَّام، والحسنِ البَصْرِيِّ، وكذلك تأويل ابن عباس؛ فإنه قال: أمر اللَّه المؤمنين في هذه الآية ألاَّ يقروا المُنْكَرَ بين أظهرهم، فيعمَّهم العذاب و{خَاصَّةً}: نعت لمصدرٍ محذوف، تقديره إِصابةً خاصةً، فهي نصب على الحال، وقرأ علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وغيره: «لتُصِيبَنَّ» - باللام - على جواب قسم، والمعنَى على هذا: وعيدٌ للظلمة فقط. وقوله سبحانه: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ...} الآية: هذه الآية تتضمَّنِ تعديد نِعَم اللَّه على المؤمنين، و«إذ»: ظرفٌ لمعمول، «وَٱذْكُرُواْ»: تقديره: وٱذكروا حالَكُم الكائنةً، أو الثابتَةَ إذْ أنتم قليل، ولا يجوزُ أنْ تكون «إذْ» ظرفاً للذِّكْر. وإِنما يعمل الذِّكْرُ في «إذْ» لو قدَّرناها مفعولة، واختلف في الحال المشار إِليها بهذه الآية. فقَالَتْ فرقَةٌ؛ وهي الأكثر: هي حالُ المؤمنين بمكَّة في وقْتِ بداءةِ الإسلام، والنَّاس الذين يُخَافُ تخطُّفُهم كُفَّار مكَّة، والمأْوَى: المدينةُ، والتأييدُ بالنَّصْر: وَقْعَةُ بَدْرٍ وما ٱنْجَرَّ معها في وقتها، والطيبات: الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالتْ فرقة: الحال المشارُ إليها هي حالهم في غزوة بَدْرٍ، والناس الذين يُخَافُ تخطُّفهم، على هذا: عسكر مكَّة وسائر القبائل المجاورة، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يتخوَّف من بعضهم، والمأوى على هذا، والتأييد بالنصر: هو الإِمداد بالملائكَةِ والتغليبُ على العدو، والطَّيِّبَات: الغنيمة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} الآية. قال أبو عبيدة، والزجاج: "استَجِيبُوا" معناه: أجيبوا؛ وأنشدوا قول الغنوي: [الطويل] شعر : 2690 -................... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ تفسير : وهذه الآية تدلُّ على أنَّ الأمر يفيدُ الوجوب؛ لأنها تدل على أنه لا بُدَّ من الإجابة في كل ما دعاه الله إليه. فإن قيل: قوله {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ} أمرٌ. فلم قلتم: إنَّه على الوجوب؟ وهل النّزاع إلا فيه، فيرجع حاصل هذا الكلام إلى إثباتِ أنَّ الأمر للوجوب بناء على أنَّ هذا الأمر يفيدُ الوجوب فيقتضي إثبات الشيء بنفسه، وهو مُحال. فالجواب: أنَّ من المعلوم بالضَّرورة أنَّ كل ما أمر اللَّهُ به فهو مرغب فيه مندوب إليه، فلو حملنا قوله "اسْتَجِيبوا" على هذا المعنى كان ذلك جارياً مجرى إيضاح الواضحات وهو عبثٌ، فوجب حمله على فائدة زائدة، وهي الوجوب صوتاً لهذا النصّ عن التعطيل. ويؤيده ما روى أبو هريرة حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ على باب أبي بن كعب فناداه وهو في الصَّلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: "ما منعكَ عَنْ إجابتِي"؟ فقال: كنتُ أصلِّي، فقال: "أليس الله يقول: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}" فلامه على ترك الإجابةتفسير : متمسكاً بهذه الآية. فإن قيل: مسألةُ الأمر - يفيد الوجوب - مسألةٌ قطعيَّةٌ، فلا يجوز التمسك فيها بخبر الواحد. فالجوابُ: لا نسلم أنَّ مسألة الأمر - يفيدُ الوجوب - مسألة قطعيةٌ، بل هي ظنيَّةٌ؛ لأن المقصود منها العمل، والدلائل الظنية كافية في العمل. فإن قيل: إنَّ الله تعالى ما أمر بالإجابة مطلقاً، بل بشرط خاص، وهو قوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} فلم قلتم إنَّ هذا الشرط الخاص حاصلٌ في جميع الأوامر؟ فالجواب: أنَّ قصة أبي تدلُّ على أنَّ هذا الحكم عام ليس مخصصاً بشرط معين، وأيضاً فلا يمكن حمل الحياة ههنا على نفس الحياة؛ لأنَّ إحياء الحيِّ محالٌ؛ فوجب حملُه على شيء آخر وهو الفوز بالثواب، وكل ما دعا اللَّهُ إليه ورغب فيه مشتمل على الثواب، فكان هذا الحكم عاماً في جميع الأوامر. فصل في المُرادِ بقوله "لِمَا يُحْييكُم" وجوه: أحدها: قال السُّديُّ: هو الإيمان والإسلامُ وفيه الحياة، وقال قتادةُ: يعني القرآن فيه الحياة والنَّجاة. وقال مجاهدٌ: هو الحق. وقال ابن إسحاق: الجهادُ أعزكم اللَّهُ فيه بعد الذُّلِّ، وقال القتيبيُّ: الشَّهادةُ، قال تعالى: {أية : بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}تفسير : [آل عمران: 169]. قوله {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال الواحديُّ حكاية عن ابن عباس، والضحاك: يحولُ بين المرءِ الكافرِ وطاعته، ويحولُ بين المطيع ومعصيته، فالسَّعيدُ من أسعده اللَّهُ، والشقيُّ من أضله الله، والقلوب بيده يقلبها كيف يشاء. وقال السُّديُّ: يحول بين الإنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ: يحولُ بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان. وقيل: إنَّ القوم لمَّا دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم، فقيل لهم: قاتلُوا في سبيل اللَّهِ، واعلموا أنَّ الله يحُولُ بين المرءِ وقلبه فيبدلُ الله الخوف أمناً، والجبن جراءة. قوله: "بَيْنَ المَرْءِ" العامَّةُ على فتح الميم. وقرأ ابن أبي إسحاق: بكسرها على إتباعها لحركة الهمزة، وذلك أن في "المَرْءِ" لغتين: أفصحهما: فَتْح الميم مطلقاً، والثانية: إتباع الميم لحركة الإعراب فتقول: هذا مُرْءٌ - بضم الميم، ورأيت مَرْءاً - بفتحها، ومررت بِمِرْءٍ - بكسرها، وقرأ الحسن، والزهري: بفتح الميم وتشديد الرَّاءِ. وتوجيهها: أن يكون نقل حركة الهمزة إلى الرَّاءِ، ثم ضعَّف الراء، وأجرى الوصل مُجْرى الوقف. قوله "وأنَّهُ" يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعود على الله تعالى، وهو الأحسن لقوله: "إلَيْهِ تُحْشَرُونَ" أي إلى اللَّهِ؛ ولا تتركون مهملين. قوله {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ}. في "لا" وجهان: أحدهما: أنَّها ناهيةٌ، وعلى هذا، فالجملةُ لا يجوزُ أن تكون صفةً لـ "فِتْنَةً" لأنَّ الجملةًَ الطلبية لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون محمولة لقول، ذلك القولُ هو الصِّفة أي: فتنةً مقولاً فيها: لا تُصيبن، والنَّهيُ في الصورة للمصيبة، وفي المعنى للمخاطبين، وهو في المعنى كقولهم: لا أرَيَنَّكَ ههنا، أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم بسببها مصيبة لا تخص ظالمكم، ونونُ التوكيد على هذا في محلِّها، ونظيرُ إضمار القول قوله: [الرجز] شعر : 2691 - جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَط تفسير : أي مقول فيها ما رأيت. والثاني: أن "لا" نافية، والجملةُ صفة لـ "فِتْنَةً" وهذا واضحٌ من هذه الجهة إلاَّ أنَّهُ يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم، ولا طلب، ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يجري المنفيُ بـ "لا" مجرى النَّهي؟ فقال بعضهم: نعم؛ واستشهد بقوله: [الطويل] شعر : 2692 - فَلا الجَارةُ الدُّنْيَا بها تَلْحَينَّهَا ولا الضَّيْفُ فيها إن أنَاخَ مُحَوِّلُ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 2693 - فَلاَ ذَا نَعِيمٍ يُتْرَكنْ لِنعيمِهِ وإنْ قال قَرِّظْني وخُذْ رِشْوةً أبَى وَلاَ ذَا بئِيسٍ يتركنَّ لِبُؤْسِهِ فَيَنْفَعَهُ شَكُوٌ إليه إن اشْتَكى تفسير : فإذا جاز أن يُؤكد المنفيُّ بـ "لا" مع انفصاله، فلأن يؤكَّد المنفيُّ غيرُ المفصول بطريق الأولى إلاَّ أنَّ الجمهور يحملون ذلك على الضرورة. وزعم الفرَّاءُ أنَّ: "لا تُصِيبَنَّ"جواب للأمر نحو: انزلْ عن الدَّابة لا تَطْرَحَنَّكَ، أي: إن تنزل عنها لا تَطْرَحنك، ومنه قوله تعالى {أية : لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ}تفسير : [النمل: 18] أي: إن تدخلوا لا يَحْطِمنَّكُم، فدخلت النُّونُ لِما فيه من معنى الجزاء. قال أبو حيان. وقوله "لا يحطمنَّكُم" وهذا المثالُ، ليس نظير {فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذِينَ}؛ لأنه ينتظم من المثالِ والآيةِ شرطٌ وجزاءٌ كما قدَّر، ولا ينتظمُ ذلك هنا، ألا ترى أنه لا يَصِحُّ تقدير: إن تتقوا فتنة لا تُصِبِ الذين ظلموا، لأنه يترتَّبُ على الشرط غيرُ مقتضاه من جهة المعنى. قال الزمخشري: "لا تُصِيبَنَّ" لا يخلو إمَّا أن يكون جواباً للأمر، أو نهياً بعد أمرٍ، أو صفة لـ "فِتْنَةً" فإن كان جواباً فالمعنى: إن أصابتكُم لا تُصيب الظَّالمين منكم خاصة بل تَعُمُّكُم. قال أبو حيان "وأخذ الزمخشريُّ قول الفرَّاءِ، وزاده فساداً وخبَّط فيه" فذكر ما نقلته عنه ثم قال: "فانظر إليه كيف قدَّر أن يكون جواباً للأمر الذي هو: "اتَّقُوا" ثمَّ قدَّر أداة الشرطِ داخلةً على غير مضارع "اتقُوا"؟ فقال المعنى: إن أصابتكُم يعني: الفتنة. وانظر كيف قدَّر الفرَّاءُ، انزل عن الدَّابَّةِ لا تَطْرَحَنَّكَ، وفي قوله: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ}تفسير : [النمل: 18] فأدخل أداة الشَّرط على مضارع فعل الأمر، وهكذا يُقدَّر ما كان جواباً للأمر". وقيل: "لا تُصِيبَنَّ" جوابُ قسمٍ محذوف، والجملةُ القسميةُ صفةٌ لـ "فِتْنَةً" أي: فتنة واللَّه لا تُصيبنَّ، ودخولُ النُّون أيضاً قليلٌ، لأنه منفيٌّ. وقال أبُو البقاءِ "ودخلتِ النُّونُ على المنفي في غير القسم على الشُّذُوذِ" وظاهرُ هذا أنَّهُ إذا كان النَّفي في جواب القسم يَطَّرد دخولُ النُّونِ، وليس كذلك، وقيل: إنَّ اللام لامُ التَّوكيد والفعلُ بعدها مثبتٌ، وإنَّما أشبعتْ فتحةُ اللاَّمِ؛ فتولَّدت ألفاً، فدخول النُّون فيها قياسٌ، وتأثر هذا القائلُ بقراءةِ جماعةٍ كثيرة "لتُصِيبنَّ" وهي قراءة أمير المؤمنين، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والباقر، والربيع بن أنس، وأبي العالية، وابن جماز. وممَّن وجَّه ذلك ابنُ جني، والعجبُ أنه وجَّه هذه القراءة الشَّاذَّة بتوجيهٍ يَرُدُّهَا إلى قراءةِ العامَّة، فقال: "يجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود، ومن ذكر معه مخففةً من "لا" يعني حذفت ألفُ "لا" تخفيفاً واكتفي بالحركة". قال: "كما قالوا: أم واللَّه، يريدون: أما واللَّهِ". قال المهدويُّ "كما حذفت مِنْ "ما" وهي أخت "لا" في نحو: أم والله لأفعلنَّ وشبهه". قوله "أخت لا" ليس كذلك؛ لأنَّ "أما" هذه للاستفتاحِ، كـ "ألاَ"، وليست من النَّافية في شيءٍ، فقد تحصَّل من هذا أنَّ ابن جني خرَّج كلاًّ من القراءتين على الأخرى. وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتَّة، كيف يُورِدُ لفظ نفي، ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسه؟ وهذا ممَّا يقلب الحقائق، ويُؤدِّي إلى التَّعمية. وقال المبرِّدُ، والفرَّاءُ، والزَّجَّاجُ: في قراءة العامَّة "لا تُصِيبنَّ" الكلام قد تمَّ عند قوله: "فِتْنَةً" وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصةً عن التعرُّض للظُّلم فتصيبهم الفتنةُ خاصة، والمرادُ هنا: لا يتعرَّض الظَّالم للفتنة فتقع إصابتُها له خاصة. قال الزمخشريُّ في تقدير هذا الوجه: "وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ؛ فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً. ثم قيل: لا تتعرَّضُوا للظلم فيصيب العقابُ أو أثر الذَّنب من ظلم منكم خاصة". وقال عليُّ بن سليمان: هو نَهْيٌ على معنى الدُّعاءِ، وإنَّما جعله نهياً بمعنى الدُّعاء لأنَّ دخول النون في النفي بـ "لا" عنده لا يجوز، فيصير المعنى: لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة، واستلزمت الدُّعاء على غير الظَّالمينَ، فصار التقدير: لا أصابت ظالماً ولا غير ظالم فكأنَّه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها اللَّهُ بأحدٍ. وقد تحصَّلت في تخريج هذه الكلمة أقوال: النَّهْي بتقديريه، والدُّعاء بتقديريه، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفةً بتقدير القول. قوله: "مِنكُمْ" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أنَّها للبيان مطلقاً، والثاني: أنَّها حالٌ، فيتعلَّقُ بمحذوف. وجعلها الزمخشريُّ: للتبعيض على تقدير، وللبيان على تقدير آخر، فقال "فإن قلت: فما معنى "مِنْ" في قوله: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ}؟ قلت: التبعيضُ على الوجه الأوَّلِ، والبيان على الثاني؛ لأنَّ المعنى: لا تصيبنَّكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم منكم أقبحُ من سائر النَّاسِ" يعني بالأولِ كونه جواباً للأمر، وبالثاني كونه نهياً بعد أمرٍ، وفي تخصيصه التبعيض بأحد الوجهين دون الآخر، وكذا الثاني: نظرٌ، إذ المعنى يصح بأحد التقديرين مع التَّبعيض والبيان. قوله: "خَاصَّةً" فيه ثلاثة أوجهٍ: أظهرها: أنها حالٌ من الفاعل المستكنِّ في قوله: "لا تُصيبَنَّ" وأصلها أن تكون صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: إصابةً خاصة. الثاني: أنَّها حالٌ من المفعولِ وهو الموصولُ، تقديره: لا تصيبنَّ الظَّالمين خاصة، بل تعمُّهم، وتعمُّ غيرهم. الثالث: أنها حالٌ من فاعل "ظَلَمُوا" قاله ابن عطية. قال أبو حيان: "ولا يُعْقَلُ هذا الوجهُ". قال شهابُ الدِّين: "ولا أدري ما عدمُ تعقُّله؟ فإنَّ المعنى: واتقُوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا، ولا يظلم غيرهم، بمعنى: أنَّهم اختصوا بالظُّلْمِ، ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه الفتنةُ لا تختصُّ إصابتها لهؤلاء، بل تصيبهم، وتُصيبُ مَنْ لَمْ يظلم ألبتَّة، وهذا معنى واضح". فإن قيل: إنَّه تعالى خوَّفهم بعذابٍ لو نزل عمَّ المذنب، وغيره، وكيف يليقُ بالرحيم الحليمِ أن يوصل العذاب إلى من لم يذنب؟ فالجوابُ: أنَّهُ تعالى قد ينزل الموت، والفقر، والعمى، والزمانة بعبده ابتداء، إمَّا لأنَّهُ يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكيَّةِ، أو لأنَّه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاة على اختلاف المذهبين. فصل روي عن الحسن قال: "نزلت في علي، وعمار، وطلحة، والزبير، وهو يوم الجمل خاصة". قال الزبير: "نزلت فينا وقرأناها زماناً وما ظننَّا أنَّا أهلُها فإذا نحن المعنيُّون بها". وعن السدي"نزلت في أهل بدر واقتتلوا يوم الجمل". روي: حديث : أنَّ الزُّبير كان يُسامرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يوماً إذْ أقبل عليٌّ - رضي الله عنه - فضحك الزبير، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: كيف حبك لعليٍّ؟ فقال: يا رسول الله أحبُّه كحُبِّي لولدي أو أشد. فقال: كيف أنت إذا سرت تقاتله؟ وقال ابنُ عباسٍ: "أمر اللَّهُ المؤمنين ألاَّ يُقرُّوا المُنكرَ بين أظهرهم فيعمهم اللَّهُ بعذابٍ يصيب الظَّالم وغير الظَّالم" وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: "إنَّ الله لا يُعذب العامَّة بعملِ الخاصَّةِ حتَّى يروا المُنكر بيْنَ ظهرانيهِم، وهُمْ قادِرُونَ على أن يُنكِروه فلا يُنكِرُوه فإذا فعلُوا ذلك عذَّب اللَّهُ العامَّة والخَاصَّة" تفسير : وقال ابنُ زيد: "أراد بالفتنة افتراق الكلمة، ومخالفة بعضهم بعضاً". روي أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: حديث : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "تكونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فيها خيرٌ من القائمِ، والقائمُ فيها خيرٌ من المَاشِي، والماشي فيها خيرٌ من السَّاعِي، من تَشرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِقُهُ فَمنْ وجد مَلْجَأ أو معاذاً فليَعُذْ بِهِ" . تفسير : ثم قال: {واعلموا أنَّ الله شديد العقاب} والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة. قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} الآية. في "إذْ" ثلاثة أوجهٍ، أوضحها، أنَّهُ ظرفٌ ناصبه محذوفٌ، تقديره: واذكروا حالكم الثَّابتة في وقت قلَّتكم، قاله ابنُ عطيَّة. والثاني: أنَّهُ مفعول به. قال الزمخشريُّ: "نصب على أنَّهُ مفعولٌ به مذكور لا ظرفٌ، أي: اذكروا وقت كونكم أقلةً أذلةً" وفيه نظرٌ؛ لأنَّ "إذْ" لا يتصرَّف فيها إلاَّ بما تقدَّم ذكره، وليس هذا منه. الثالث: أن يكون ظرفاً لـ "اذْكُرُوا" قاله الحوفيُّ، وهو فاسدٌ؛ لأنَّ العامل مستقبلٌ، والظَّرفُ ماضٍ فكيف يتلاقيان. قوله "تخافُون" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أنه خبرٌ ثالثٌ. والثاني: أنَّهُ صفة لـ "قَلِيلٌ" وقد بُدِىء بالوصف بالمفرد، ثم بالجملة. الثالث: أن يكون حالاً من الضَّمير المستتر في "مُسْتَضعفُونَ". فصل المعنى: واذكروا يا معشر المهاجرين: {إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} في العدد: {مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: أرض مكَّة في ابتداء الإسلام: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} تذهب بكم النَّاس يعني كفار مكَّة. وقال عكرمةُ "كفَّار العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم". وقال وهبٌ: "فارس والرُّوم" "فآواكُمْ" إلى المدينة "وأيَّدكُم بنصره" أي: قوَّاكُم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبيُّ: "قوَّاك يوم بدر بالملائكة" {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} يعني الغنائم أحلَّها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم. ثم قال: "لعلَّكُم تشكُرُونَ" أي: نقلناكم من الشِّدَّة إلى الرَّخاءِ، ومن البلاءِ إلى النَّعماء حتى تشتغلُوا بالشكر والطاعة، وتتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذا دعاكم لما يحييكم‏} ‏ قال‏:‏ هو هذا القرآن فيه الحياة والتقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة‏. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذا دعاكم لما يحييكم‏} ‏ أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بها بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال‏:‏ يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإِيمان وطاعة الله‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ‏ {‏يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال "‏يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر وبين الهدى" ‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال‏:‏ يحول بين الكافر وبين أن يعي باباً من الخير أو يعمله أو يهتدي له‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله ‏ {‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال‏:‏ علمه يحول بين المرء وقلبه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الخلجي قال‏:‏ سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله ‏ {‏يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال‏:‏ يحول بين المؤمن وبين معصيته التي تستوجب بها الهلكة، فلا بد لابن آدم أن يصيب دون ذلك، ولا يدخل على قلبه الموبقات التي يستوجب بها دار الفاسقين، ويحول بين الكافر وبين طاعته ما يستوجب ما يصيب أولياءه من الخير شيئاً، وكان ذلك في العلم السابق الذي ينتهي إليه أمر الله تعالى، وتستقر عنده أعمال العباد‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي غالب قال‏:‏ حديث : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله ‏ {‏يحول بين المرء وقلبه‏} ‏ قال‏:‏ قد سبقت بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وصف لهم عن القضاء قال لعمر رضي الله عنه وغيره ممن سأله من أصحابه "‏اعمل فكل ميسر‏. قال‏:‏ وما ذاك التيسير‏؟‏ قال‏: صاحب النار ميسر لعمل النار، وصاحب الجنة ميسر لعمل الجنة" ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ أنه سمع غلاماً يدعو‏:‏ اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه فحل بيني وبين الخطايا فلا أعمل بسوء منها‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ رحمك الله، ودعا له بخير‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يحول بين المرء وقلبه‏}‏ قال‏:‏ في القرب منه‏.

ابو السعود

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تكريرُ النداء مع وصفهم بنعت الإيمانِ لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يردُ بعدَه من الأوامر وتنبـيهِهم على أن فيهم ما يوجب ذلك {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} بحسن الطاعة {إِذَا دَعَاكُمْ} أي الرسولُ إذ هو المباشرُ لدعوة الله تعالى {لِمَا يُحْيِيكُمْ} من العلوم الدينيةِ التي هي مناطُ الحياة الأبدية كما أن الجهَل مدارُ الموتِ الحقيقيِّ أو هي ماءُ حياةِ القلبِ كما أن الجهلَ موجبٌ موتَه، وقيل: لمجاهدة الكفارِ لأنهم لو رفضوها لغلبوهم وقتلوهم كما في قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ } تفسير : [البقرة: 179] روي «حديث : أنه عليه الصلاة والسلام (مر على أُبـيَّ بن كعب وهو يصلي فدعاه فعجّل في صلاته ثم جاء فقال عليه الصلاة والسلام: "ما منعك من إجابتي؟" قال: كنت في الصلاة قال: "ألم تخبَرْ فيما أوحِيَ إلي {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}" »تفسير : الخ). واختلف فيه فقيل: هذا من خصائص دعائه عليه الصلاة والسلام وقيل: لأن إجابته عليه الصلاة والسلام لا تقطع الصلاةَ وقيل: كان ذلك الدعاءُ لأمر مهم لا يحتمل التأخيرَ وللمصلي أن يقطع الصلاةَ لمثله {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَقَلْبِهِ} تمثيلٌ لغاية قربِه تعالى من العبد كقوله تعالى: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [ق: 16] وتنبـيهٌ على أنه تعالى مطلعٌ من مكنونات القلوب على ما عسى يغفُل عنه صاحبُها أو حثٌّ على المبادرة إلى إخلاص القلوبِ وتصفيتِها قبل إدراك المنيةِ فإنها حائلةٌ بـين المرء وقلبِه أو تصويرٌ وتخيـيلٌ لتملّكه على العبد قلبَه بحيث يفسخ عزائمهُ ويغيّر نياتِه ومقاصدَه ويحول بـينه وبـين الكفر إن إراد سعادتَه ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً وما أشبه ذلك من الأمور المعترضةِ المفوتةِ للفرصة، وقرىء (بـين المرِّ) بتشديد الراء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل مجرى الوقف {وَأَنَّهُ} أي الله عز وجل أو الشأن {إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لا إلى غيره فيجازيكم بحسب مراتبِ أعمالِكم فسارعوا إلى طاعته تعالى وطاعةِ رسولِه وبالغوا في الاستجابة لهما. {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} أي لا تختصّ إصابتُها بمن يباشر الظلمَ منكم بل يعُمه وغيرَه كإقرار المُنكَر بـين أظهُرِهم والمداهنةِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراقِ الكلمةِ وظهورِ البدع والتكاسلِ في الجهاد، على أن قوله: لا تصيبن الخ إما جوابُ الأمر على معنى أن إصابتكم لا تصيبن الخ وفيه أن جوابَ الشرط مترددٌ فلا يليق به النونُ المؤكدةُ لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } تفسير : [النحل: 18] وإما صفةٌ لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذٌ لأن النون لا تدخُل المنفيَّ في غير القسمِ، أو للنهي على إرادة القولِ كقول من قال: شعر : حتى إذا جَنّ الظلامُ واختلط جاؤوا بمذْقٍ هل رأيتَ الذئب قطّ تفسير : وأمّا جوابُ قسم محذوفٍ كقراءة من قرأ: لتصيبن وإن اختلف المعنى فيهما، وقد جُوِّز أن يكون نهياً عن التعرض للظلم بعد الأمرِ باتقاء الذنبِ فإن وبالَه يصيب الظالمَ خاصةً ويعود عليه ومِنْ في منكم على الوجوه الأُوَلِ للتبعيض وعلى الأخرين للتبـيـين، وفائدتُه التنبـيهُ على أن الظلمَ منكم أقبحُ منه من غيركم {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشِرْ سببَه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى ذكره {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [الآية: 24]. قال الجنيد رحمة الله عليه فى كتاب "رواء التفريط" فى هذه الآية: قرع أسماع همومهم حلاوة الدعوة وتنسموا روح ما أدَّته إليهم الأفهام الظاهرة من الأدناس، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب الواقفين معها، وهجموا بالنفوس على معانقة الحذر، وتجرعوا مرارة المكابدة وصدقوا الله فى المعاملة، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه، وهانت عليهم المصائب وعرفوا قدر ما يطلبون؛ فاغتنموا سلامة الأوقات، وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم، فيحيون حياة الأبد بالحق الذى لم يزل ولا يزال، فهذا معنى قوله تعالى: {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم}. وقال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}. قال: حياة [النفس] تصفيتها من كل معلول لفظًا وفعلاً. وقال جعفر: أجيبوه إلى الطاعة لتحيا بها قلوبكم. وقال أيضًا: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: الحياة بالله هى الحياة وهى المعرفة، كما قال الله { أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } تفسير : [النحل: 97]. قال بعضهم: استجيبوا لله بسرائركم وللرسول بظواهركم، إذا دعاكم لما يحييكم حياة النفوس بمتابعة الرسول، وحياة القلب بمشاهدة الغيوب، وهو الحياء من الله برؤية التقصير. قال ابن عطاء: الاستجابة على أربعة أوجه: أولها: إجابة التوحيد. والثانى: إجابة التحقيق. والثالث: إجابة التسليم. والرابع: إجابة التقريب. قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الآية: 24]. وأنه قيل: {أَنَّ ٱللَّهَ} إشارة إلى قلوب أوليائه بأن الله يأخذها منهم ويحجبها لهم ويقلبها بصفاته، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ". تفسير : فيختمها بخاتم المعرفة، ويطبعها بطابع الشوق. وسمعت النصرآباذى يقول: القلوب فى التقليب والنفوس فى التنقيل. وقيل: {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} أى: عَقلهُ فى التقليب وفهمه عن الله خطابه. وقيل: يحول بين المؤمن والإيمان، والكافر والكفر، يردهما إلى ما سبق لهما منه فى الأزل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم}. أجاب واستجاب بمعنى مثل أوقد واستوقد، وقيل للاستجابة مزية وخصوصية بأنها تكون طوعاً لا كرهاً، وفَرْقٌ بين من يجيب لخوفٍ أو طمع وبين من يستجيب لا بِعِوَضٍ ولا على ملاحظة غَرَضٍ. وحقُّ الاستجابة أن تجيب بالكلية من غير أَنْ تَذَرَ من المستطاع بقية. والمستجيبُ لربه محوٌ عن كلِّه باستيلاء الحقيقة، والمستجيب للرسول - صلى الله عليه وسلم وعلى آله - قائم بشريعته من غير إخلال بشيء من أحكامها. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالاستجابة له - سبحانه، وبالاستجابة للرسول؛ فالعبدُ المستجيبُ - على الحقيقة - من قام بالله سرَّاً، واتصف بالشرع جهراً فيُفْرِده الحقُّ - سبحانه - بحقائق الجمع و (...) في مشاهدة الفرق، فلا يكون للحدثان في مشرب حقائقه تكدير، ولا لمطالبات الشرع على أحواله نكير. قوله جلّ ذكره: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}. إذْ لمَّا أفناهم عنهم أحياهم به. ويقال العابدون أحياهم بطاعته بعد ما أفناهم عن مخالفته، وأما العالِمون فأحياهم بدلائل ربوبيته، بعد ما أفناهم عن الجهلِ وظُلْمته. وأمَّا المؤمنون فأحياهم بنور موافقته بعد ما أفناهم بسيوف مجاهدتهم. وأمَّا الموَحِّدونَ فأحياهم بنور توحيده بعد ما أفناهم عن الإحساس بكل غير، والملاحظة لكل حدثان. قوله جلّ ذكره: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. يصون القلب عن تقليب أربابها فيُقلِّبها كما يشاء هو، من بيان هداية وضلال، وغَيبةٍ ووصالٍ، وحُجْبةٍ وقُرْبة، ويقينٍ ومرية، وأُنْسٍ ووحشة. ويقال صان قلوب العُبَّادِ عن الجنوح إلى الكسل، فجدُّوا في معاملاتهم، وصان قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فصدقوا في منازلاتهم، وصان قلوب العارفين - على حدِّ الاستقامة - عن الميْل فتحققوا بدوام مواصلاتهم. ويقال حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى الله، فإذا سنح لهم أمر فليس لهم إلا الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل. وكم بين من يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين من لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه! كما قيل: شعر : لا يهتدي قلبي إلى غيركم لأنه سُدَّ عليه الطريق تفسير : ويقال العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم، قال تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب}تفسير : [ق: 37] والعارفون هم الذين فقدوا قلوبهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} اى اجيبوا الله ورسوله بان تطيعوهما {إذا دعاكم} اى الرسول اذ هو المباشر لدعوة الله ودعاؤه بامر الله فهو دعاء الله تعالى ولذا وحد الفعل {لما يحييكم} اللازم بمعنى الى اى الذى يحييكم وهو انواع منها العلوم الدينية فانها حياة القلب والجهل موته: قال شعر : لا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن تفسير : وقال شعر : جاهلى كان بعلم زنده نشت ميتش دان ومسكنش مدفن از جنازه نشان جمازه او جامهاى تنش بجاى كفن تفسير : وفى الخبر ان الله تعالى ليحيى القلب الميت بالعلم كما يحيى الارض الميتة بوابل المطر والعلوم الدينية الشرعية هى التفسير والحديث والاصول والفقه والفرائض شعر : علم دين فقهست وتفسير وحديث هركه خواند غير ازين كردد خبيث[1] تفسير : ومنها العقائد والاعمال فانها تورث الحياة الابدية فى النعيم الدائم. ومنها الجهاد فانه سبب البقاء اذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم كما فى قوله تعالى {أية : ولكُم في القِصاصِ حَيوٱةٌ} تفسير : [البقرة: 179]. ومنها الشهادة فان الشهداء احياء عند ربهم سواء كانوا مقتولين بسيف الكفار او بسيف الرياضات الشاقة والمجاهدات القوية شعر : دانه مردن اشيرين شداست بل هم احياءيى من آمده است[2] اقتلونى يا ثقاتى لائما ان فى قتلى حياتى دائما تفسير : فالموت هو الفناء عن الكل والحياة هو البقاء بنور الله تعالى {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قال فى القاموس كل ما حجز بين شيئين فقد حال بينهما وهو تمثيل لغاية قربه من العبد وهو اقرب الى قلبه منه لان ما حال بينك وبين الشيء فهو اقرب الى الشيء منك وتنبيه على انه مطلع من مكنونات القلوب على ما عسى يغفل عنه صاحبها. قال رضى الله عنه اللهم اغفر لى ما انت اعلم به منى او حث على المبادرة الى اخلاص القلوب وتصفيتها قبل ان يحول الله بينه وبين القلب بالموت او غيره من الآفات كأنه قيل بادر الى تكميل النفوس وتصفية القلوب باجابة الرسول المبعوث من علام الغيوب قبل فوات الفرصة فانها قد تفوت بان يحدث الله اسبابا لا يتمكن العبد معها من تصريف القلب فيما يشاؤه من اصلاح امره فيموت غير مستجيب لله ورسوله ويحتمل ان يكون المراد بالحيلولة تصوير تملكه تعالى قلب العبد وغلبته عليه فيفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ولا يمكنه من امضائها على حسب ارادته فيحول بينه وبين الكفر ان اراد سعادته وبينه وبين الايمان ان قضى شقاوته وكان عليه السلام يقول كثيرا "حديث : يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك " .تفسير : ويبدل بالامن خوفا وبالذكر نسيانا وما اشبه ذلك من الامور المعترضة المفوّتة للفرصة [در كشف الاسرار فرموده كه علما دلرا بايند ولمن كان له قلب اشارت بدانست وعرفادلرا كم كنند يحول بين المرء وقلبه عبارت از آنست در بدايت از دل نا جارست ودر نهايت حجاب ديدارست] شعر : زيد بيش همى ديدمش اندر دل خويش دل نيز حجاب بود برداشت زبيش تفسير : فالله تعالى يحول بتجلى صفاته بين المرء وقلبه يعنى اذا تجلى الله على قلب المرء يحول بسطوات انوار جماله وجلاله بين مرآت قلبه وظلمه اوصافه {وأَنه} اي واعلموا ايضا ان الله تعالى {إِليه} تعالى لا الى غيره {تحشرون} تبعثون وتجمعون فيجازيكم على حسب اعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر فسارعوا الى طاعة الله وطاعة رسوله وبالغوا فى الاستجابة لهما. واعلم ان الاستجابة لله بالسرائر وللرسول بالظواهر وايضا الاستجابة لله اجابة الاوراح للشهود واستجابة القلوب للشواهد واجابة الاسرار للمشاهدة واجابة الخفى للفناء فى الله والاستجابة للرسول بالمتابعة فى الاقوال والاحوال والافعال - حديث : وروى- انه عليه السلام مر على ابى وهو يصلى فدعاه فعجل فى صلاته ثم جاء فقال عليه السلام "ما منعك عن اجابتى" قال كنت اصلى "قال الم تخبر فيما اوحى الىَّ استجيبوا لله وللرسول" .تفسير : واختلف العلماء فى جواز قطع الصلاة لاجابة الداعى. فقال بعضهم انه مختص باستجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز قطع الصلاة اجابة غيره لأن قطعها ابطال لها وابطال العمل حرام. وقال بعضهم يجوز لكل مصل ان يقطع صلاته لامر لا يحتمل التأخير كما اذا خاف ان يسقط احد من سطح او تحرقه النار او يغرق فى الماء وجب عليه ان يقطع الصلاة وان كان فى الفريضة كذا فى غنية الفتاوى. ويجيب فى صلاة النافلة دعاء امه دون نداء ابيه اى يقطع الصلاة ويقول لبيك مثلاً وذلك لان مشقة الام وتحملها التعب من الولد اكثر ولذا ورد "حديث : الجنة تحت اقدام الامهات " .تفسير : معناه ان التواضع للامهات سبب دخوله الجنة. وقال بعض المشايخ الاب يقدم على الام فى الاحترام والام فى الخدمة حتى لو دخلا عليه يقوم للاب واجابة الدعوة من قبيل الخدمة غالبا. قال الطحاوى مصلى النافلة اذا ناداه احد ابويه ان علم انه فى الصلاة وناداه لا بأس ان يجيبه وان لم يعلم واما مصلى الفريضة اذا دعاه احد ابويه فلا يجيب ما لم يفرغ من صلاته الا ان يستغيثه لشيء فان قطع الصلاة لا يجوز الا للضرورة وكذا الافطار فى صوم النفل فانه اذا الحّ عليه احد بالافطار يجوز قبل الزوال واما اذا كان بعده فلا يفطر الا اذا كان فى ترك الافطار عقوق الوالدين او احدهما كذا فى شرح التحفة والوقاية. واما فى صوم القضاء فيكره الافطار مطلقا كذا فى الزاهدى. ثم اعلم ان استجابة الرسول يدخل فيها بطريق الاشارة استجابة الاولياء العلماء الادباء الامناء لانهم الورثة وطريقتهم طريقة النبى عليه السلام ولا بد لمن اراد الوصول الى الله تعالى من صحبة مرشد كامل عارف بالمقامات والمراتب وقبول ما دعا اليه سواء كان محبوبا له اولا فان هذا ليس طريق العقل بل طريق الكشف والالهام والمراتب وقبول ما دعا اليه سواء كان محبوبا له اولا فان هذا ليس طريق العقل بل طريق الكشف والالهام شعر : كردر سرت هواى وصالست حافظا بايد كه خاك دركه اهل نظر شوى تفسير : واهل الطريقة ثلاثة عباد ومريدون وعارفون. فطريق العباد وكثرة الاعمال والتجنب من الزنى والضلال. وطريق المريدين تخليص الباطن من الشوائب والنفور عن المشغلات وطريق العارفين تخليص القلب لله وبذل الدنيا والآخرة فى طلب رضاه اللهم اجعلنا من المستجيبين للدعوة الحقة واذقنا من حلاوة الاسرار المحققة آمين

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله} أي: أجيبوا فيما دعاكم إليه، {وللرسول} فيما دلكم عليه من الطاعة والإحسان، {إذا دعاكم لما يُحييكم} من العلوم الدينية؛ فإنها حياة القلب، كما أن الجهل موته، أو {إذا دعاكم لما يُحييكم} الحياة الأبدية، في النعيم الدائم، من العقائد والأعمال، أو من الجهاد، فإنه سبب بقائكم؛ إذ تركتموه لغلبكم العدو وقتلكم، أو الشهادة، لقوله تعالى: {أية : أَحيَاءُ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ} تفسير : [آل عمران: 169]، ووحد الضمير في قوله: {إذا دعاكم} باعتبار ما ذكر، أو لأن دعوة الله تُسمع من الرسول. وفي البخاري: أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أبيّ بْنَ كَعْبٍ، وهو في الصَّلاة، فلم يجب، فلما فرغ أجاب، فقال له صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما مَنَعَكَ أن تجيبني؟تفسير : فقال: كُنْتُ أُصلّي، فقال: حديث : أَلمْ تَسْمَعَ قوله:{استَجِيتُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول}تفسير : فاختلف فيه العلماء، فقيل لأن إجابته صلى الله عليه وسلم لا تقطع الصلاة، فيُجيب، ويبقى على صلاته، وقيل: إن دعاءه كان لأمر لا يقبل التأخير، وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله، كإنقاذ أعمى وشبهه. ثم قال تعالى: {واعلموا أنَّ الله يَحُولُ بين المرء وقلبه}؛ فينقله من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن اليقين إلى الشك ومن الشك إلى اليقين، ومن الصفاء إلى الكدر، ومن الكدر إلى الصفاء. وقيل البيضاوي: هو تمثيل لغاية قربه من العبد؛ كقوله تعالى: {أية : وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ} تفسير : [ق: 16]، وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب، مما عسى أن يغفل عنها صاحبها، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها، قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه؛ فيفسخ عزائمه، ويغير مقاصده، ويحول بينه وبين الكفر، إن أراد سعادته، وبينه وبين الإيمان، إن قضى شقاوته. هـ. {و} اعلموا أيضاً {أنه إليه تُحشرون}؛ فيجازيكم بأعمالكم وعقائدكم. الإشارة: قد جعل الله، من فضله ورحمته، في كل زمان وعصر، دعاة يدعون الناس إلى ما تحيا به قلوبهم، حتى تصلح لدخول حضرة محبوبهم، فهم خلفاء عن الله ورسوله، فمن استجاب لهم وصحبهم حيي قلبه، وتطهر سره ولبه، ومن تنكب عنهم ماتت روحه في أودية الخواطر والأوهام. تفسير : وقوله تعالى: {واعلموا أن الله يَحُولُ بين المرء وقلبه}؛ حيلولة الحق تعالى بين المرء وهو تغطيته وحجبه عن شهود أسرار ذاته وأنوار صفاته، بالوقوف مع الحس، وشهود الفرق بلا جمع، ويعبر عنه أهل الفن بفَقْد القلب، فإذا قال أحدهم: فقدتُ قلبي، فمعناه: أنه رجع لشهود حسه ووجود نفسه، ووجدان القلب هو احتضاره بشهود معاني أسرار الذات وأنوار الصفات، فيغيب عن نفسه وحسه، وعن سائر الأكوان الحسية، وفقدان القلب يكون بسبب سوء الأدب، وقد يكون بلا سبب؛ اختباراً من الحق تعالى، هل يفزع إليه في فقدان أو يبقى مع حاله. وقد تكلم الغزالي على القلب فقال، في أول شرح عجائب القلب من الإحياء: إن المطيع بالحقيقة لله هو القلب، وهو العالم بالله، وهو الساعي إلى الله، والمتقرب إليه، المكاشف بما عند الله ولديه، وإنما الجوارح أتباع، والقلب هو المقبول عند الله، إذا سَلِمَ من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً في غير الله وهو المطالب والمخاطب، وهو المعاتب والمعاقب، وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيفلح إذا زكاه، ويخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. ثم قال: وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه، وإذا جهله فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه، جهل ربه، ومن جهل قلبه فهو لغيره أجهل، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته، ومعرفة صفاته، وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين، ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيهم:{أية : نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُم أَنفُسَهُم} تفسير : [الحشر: 19] الآية.هـ. وقد أنشد من وجد قلبه، وعرف ربه، وغنى بما وجد، فقال: شعر : أَنَا القُرآنُ والسَّبْعُ المَثَانِي وروحُ الرُّوح لا روح الأَوَاني فؤادي عند معلوم مقيم تناجيه وعندكم لساني فَلاَ نَنْظُرْ بِطَرْفِكَ نَحْوَ جِسْمِي وعُدْ عن التنعيم الأواني فأَسْرارِي تراءت مبهمات مُسَتَّرَةً بأَنْوار المَعَاني فَمَنْ فَهِمَ الإشَارَةَ فليَصُنْها وإلاّ سوف يقتل بالسنانِ كَحَلاَّج المحبة إذْ تبدَّتْ له شمسُ الحقيقة بالتداني تفسير : ومن أسباب تشتت القلب وفقده دخولُ الفتنة عليه، الذي أشار أليه بقوله: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ}.

الطوسي

تفسير : أمر الله المؤمنين ان يجيبوا الله والرسول إذا دعاهم وان يطلبوا موافقته والاستجابة طلب موافقة الداعي فيما دعا اليه على القطع به. وقال ابو عبيدة والزجاج: معنى استجيبوا اجيبوا. وقال كعب بن سعد الغنوي: شعر : وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب تفسير : اي لم يجبة. والفرق بين الدعاء إلى الفعل وبين الامر به أن الامر فيه ترغيب في الفعل المأمور به، ويقتضي الرتبة. وهي ان يكون متوجهاً إلى من دونه، وليس كذلك الدعاء لأنه يصح من دونك لك. وقوله {إذا دعاكم لما يحييكم} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - دعاكم إلى احياء امركم بجهاد عدوكم مع نصر الله إياكم، وهو قول ابن اسحاق والفراء والجبائي. وقال البلخي: معناه لما يبقيكم ويصلحكم ويهديكم ويحيي امركم. الثاني - معناه لما يورثكم الحياة الدائمة في نعيم الاخرة من اتباع الحق: القرآن. الثالث - معناه لما يحييكم بالعلم الذي تهتدون به من اتباع الحق، والاقتداء بما فيه. وقوله {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - ان يفرق بين المرء وقلبه بالموت او الجنون وزوال العقل. فلا يمكنه استدراك ما فات. والمعنى بادروا بالتوبة من المعاصي قبل هذه الحال. الثاني - ان معناه بادروا بالتوبة لأنه اقرب إلى المرء من حبل الوريد لا يخفى عليه خافية من سره وعلانيته وفي ذلك غاية التحذير. والثالث - تبديل قلبه من حال إلى حال لانه مقلب القلوب من حال الأمن إلى حال الخوف ومن حال الخوف إلى حال الأمن على ما يشاء. وروي عن ابي عبد الله عليه السلام في معنى قوله {يحول بين المرء وقلبه} قال لا يستيقن القلب أن الحق باطل أبداً ولا يستيقن أن الباطل حق ابداً. فأما من قال من المجبرة: إن المراد إن الله يحول بين المرء والايمان بعد امره إياه به فباطل، لانه تعالى لا يجوز عليه أن يأمر أحداً بما يمنعه منه ويحول بينه وبينه، لان ذلك غاية السفه، تعالى الله عن ذلك. وايضاً فلا احد من الامة يقول: إن الايمان مستحيل من الكافر، فانهم وان قالوا إنه لا يقدر على الايمان يقولون يجوز منه الايمان ويتوقع منه ذلك، ومن ارتكب ذلك فقد خرج من الاجماع. ويحتمل ان يكون المراد ان امر الله بالموت يحول بين المرء وقلبه، كما قال {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله} تفسير : أي أمر الله. وقال قوم: يجوز ان يكون معناه يحول بينه وبين قلبه بان يسلبه قلبه فيبقى حياً بلا قلب وهذا قريب من معنى زوال العقل، قالوا: يجوز أن يكون المراد: انه عالم بما ينظرون اليه، وما يضمره العبد في نفسه من معصيته فهو في المعنى كأنه حائل بينه وبينه، لأن العبد لا يقدر على اضمار شيء في قلبه إلا والله عالم به، وهذا وجه حسن وروي في التفسير أن الله يحول بين المؤمن وبين الكفر. والمعنى في ذلك ان الله يحول بينه وبين الكفر بالوعد والوعيد، والامر والنهي، والترغيب في الثواب والعقاب. فأما ما روي عن سعيد بن جبير وغيره من ان الله يحول بين الكافر والايمان فقد بينا ان ذلك لا يجوز على الله. والعقل مانع منه. ولو صح ذلك لكان الوجه فيه ان الله يحول بين الكافر وبين الايمان في المستقبل بان يميته، لأنه لا يجب تبقيته حتى يؤمن، بل لو ابقاه لكان حسناً، وان لم يبقه كان ايضاً حسناً. وقوله تعالى {وأنه إليه تحشرون} معناه انكم تحشرون يوم القيامة للجزاء على اعمالكم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فلذلك يجب المبادرة بالطاعة والاقلاع عن المعصية بالتوبة وترك الاصرار على القبائح.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} بالحياة الانسانيّة وهو الايمان الخاصّ الحاصل بالولاية الّتى هى سبب دخول الايمان فى القلب الّذى هو سبب حياة القلب، فالمعنى اذا داعكم الرّسول (ص) لولاية علىّ (ع) ودعاؤه دعاء الله فاستجيبوه، وقد فسّر فى الاخبار بولاية علىّ (ع) والسّرّ فى ذلك انّ حياة الانسان بانفتاح باب قلبه الى دار الحيوان ووصول اثر الحياة من تلك الدّار اليه وهو الايمان الدّاخل فى القلب، وانتفاح باب القلب ووصول اثر الحياة اليه لا يتصوّر الاّ بالولاية الّتى هى الاتّصال بولىّ الامر الذى هو الحىّ بالحياة الاخرويّة وباعطاء اثر الحياة بنفخته فى القلب بتلقين الّذكر الّذى هو سبب انفتاح بابه {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} اى يصير حائلاً بين المرء ونفسه فان اراد سعادة المرء يمنع من وصول اثر عصيانها اليه لئلاّ يقوده الى النّار، وان اراد شقاوته يمنع من وصول اثر طاعتها اليه لئلاّ يقوده الى الجنّة، او يصير حائلاً بين المرء وقلبه الّذى به خيراته وحيوته الحقيقيّة فيمنع ان شاء من وصول اثر الحياة الانسانيّة اليه، او يصير حائلاً بينه وبين النّفس لئلاّ يعلم انّ الحق باطل والباطل حقّ، او يصير حائلاً بين المرء حين اشتهى شيئاً من مشتهياته وبين قلبه الّذى فطر على الحقّ حتّى لا يخرج المشتهيات المرء عن الحقّ الى الباطل او يصير حائلاً بين المرء ونفسه اى مشتهياتها، فلا يدع المرء ان يتّبع متشهيات النّفس او يوقع الحالات بين المرء وقلبه يعنى بيده تسخير الاحوال او يتردّد بين المرء وقلبه فيعلم خفيّات احوالهما او يتردّد بين المرء وقلبه فيوصل الحياة الابديّة الى المستجيب ويمنعها من غير المستجيب، والمقصود على كلّ المعانى التّحذير عن ترك الاستجابة والتّرغيب فى الاستجابة، وفى الاخبار تصريح بالبعض وتلويح الى البعض الآخر {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} لا تصيبنّ صفة لفتنة فانّ المقصود التّحذير عن فتنةٍ مخصوصة مقيّدة لا فتنةٍ ما، ولا الفتنة المطلقة فانّ الاولى لا يتعلّق بها غرض والثّانية يناسبها التّعريف بالّلام، ولا تصيبنّ منفىّ مؤكّد بالنّون يجبر شذوذ تأكيده بالنّون بمطلوبيّة المبالغة فيه او منهىّ مقدّر بالقول، وفيه وجوهُ اخر بعيدة عن اللّفظ غير متعلّق بها غرض معنوىّ. اعلم، انّ الظّلم عبارة عن منع الحقّ عن المستحقّ وايصاله الى غير المستحقّ وهذا المعنى لا اختصاص له بشيءٍ وشخصٍ دون شخصٍ وحقٍّ دون حقّ، فمنع الاطفال والنّسوان والاراذل عن مشتهياتهم ظلم بوجهٍ وان كان عدلاً بوجهٍ ولذا ورد ثلاثةٌ ان لم تظلموهنّ ظلموك: النّساء والصّبيان والسّفلة، ومنع النّفس وقواها عن مشتهياتها ظلم بوجهٍ وبالنّسبة اليها وان كان بالنّسبة الى اللّطيفة الانسانيّة عدلاً "ظلم بين كز عدلها كوميبرد" ومنع النّفس من حكومة العقل والانقياد تحت امره ظلم، ومنعها من الانقياد تحت حكومة نبىّ الوقت بالبيعة العامّة ظلم، وحقيقة الظّلم واصله وملاكه هو منع اللّطيفة الانسانيّة من قبول الولاية وبواسطته يتحقّق حقيقة الظّلم فى كلّ ظلم، ولولاه لم يكن الظّلم ظلماً، وان كان بصورة الظّلم كقتل محمّد (ص) ونهبه واجلائه كثيراً من مخالفيه وكقتل علىّ (ع) النّاكثين والمارقين والقاسطين ولكونه بصورة الظّلم حملوه على الظّلم وقالوا وفعلوا ما فعلوا حتّى قتلوه، ولولا الولاية لم يكن عدل وان كان الخالى عن الولاية بصورة العدل كفعل معاوية وعدله فى الامّة، والمقصود من الّذين ظلموهم الّذين كانوا من امّة محمّد (ص) وبايعوا بالبيعة العامّة بقرينة قوله منكم خطاباً للامّة وظلموا بمنع الاسلام عن حقّه الّذى هو الهداية الى الايمان وترك مودّة ذوى القربى الّتى هى غاية التّبليغ، والبيعة كأنّ غيره من الخطايا لا تعدّ ظلماً منهم وايضاً التّقييد بقوله منكم واعتبار حيثيّة القيد يشعر به، فالظّلم الّذى هو بعد الدّخول تحت حكومة النّبىّ (ص) من حيث هو بعد الدّخول المذكور ليس الاّ منع اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة عن الدّخول تحت حكم ولىّ الامر بالبيعة الخاصّة الّتى بها يدخل الايمان فى القلب وبها يتحقّق حقيقة العدل فى كلّ عدلٍ وبها ينفتح باب القلب الى الملكوت، وبها يمكن السّير على الطّريق المستقيم الى الله، والمراد بالفتنة المقيّدة هو الانحراف عن ولىّ الوقت فانّ من كان واقفاً على البيعة العامّة كان ظالماً على اللّطيفة الانسانيّة والفتنة المصيبة لهم هو الوقوف والانحراف عن البيعة الخاصّة مع ولىّ الوقت الّذى هو علىّ (ع) وهى الفتنة المجاوزة عنهم الى المبتاعين بالبيعة الخاصّة مع محمّد (ص) بعد رحلته والمبتاعين بالبيعة الخاصّة مع علىّ (ع) بعد رحلته والى المبتاعين بالبيعة الخاصّة مع الحسن (ع) بعد رحلته وهكذا الى انقراض العالم. وتفسير الفتنة بما يصل اثره الى غيره الفاعل كالغيبة والبدعة وغيرهما يناسب ظاهر التّنزيل واللّفظ لكن ليست هى المقصوده؛ وقد ورد فى الاخبار الاشعار بما ذكرنا غاية الامر انّها داخلة تحت الآية من باب سعة وجوه القرآن {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} فاتّقوا مطلق الفتنة خصوصاً الفتنة المذكورة الّتى هى اصل كلّ الفتن.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذِينَ آمنوا اسْتَجِيبُوا لله والرَّسُول} انقادوا لهما باطاعة فيما أمركم {إذا دَعاكُم} أمركم، ورجع الضمير إلى الرسول وحده، لأن أمره أمر الله، ولأن أمر الله يكون على لسانه، والاستجابة له استجابة للرسول، وبالعكس، وذلك على حد ما مر فى {ولا تولوا عنه} والمشهور تعدى استجاب باللام، وأجاب بنفسه ويجئ بالعكس {لما يُحْييكُم} من علوم الدين والاعتقادات والأعمال الحسنة، فإن العلم حياة للقلب، والجهل موته كما قال المتنبى من بحر البسيط: شعر : ولا تعجبن الجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن تفسير : والعمل الحسن يورث الحياة الطيبة الدائمة فى الجنة، وهذه الحياة مفقودة فى أهل النار، وتفسير الآية على العموم المذكور هو الحق الواضح، ثم اطلعت والحمد لله على أنه قول مجاهد والجمهور. وقال ابن إسحاق: المراد بما يجيبكم الجهاد أنه سبب البقاء، إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم، ولأن الله سبحانه أعز به المسلمين بعد الذل، و الحياة تطلق على العزة، يقال حييت حال فلان إذا ارتفعت، وقال النقاش: المراد الشهادة لقوله: {أية : بل أحياء عند ربهم} تفسير : وقيل: الإسلام، و المراد إذا دعاكم لسائر أعماله وأقواله بعد الإيمان، فلا يلزم منه تحصيل الحاصل كما توهمه بعض من ذكر الإيمان قبله، ومثل ذلك يأتى فى قول السدى، إن المراد الإيمان، وهذان قريبان بما ذكرته أولا على العموم. ويدل من العموم حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر بباب أبى بن كعب وهو يصلى فدعاه وأسرع بقية صلاته، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "وعليك السلام ما منعك يا أبى أن تجيبنى إذ دعوتك؟" فقال: يا رسول الله إنى كنت فى الصلاة، قال: "أفلم تجب فيما أوحى إلىَّ {استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم}؟" قال: بلى لا أعود إن شاء الله،تفسير : وفى رواية قال: حديث : لا جرم لا تدعونى أبدا إلا أجبتك،تفسير : رواه مالك بن أنس، وأبو هريرة. والذى فى البخارى ومسلم، أن ذلك وقع مع أبى سعيد بن المعلى أيضا، وأنه صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلى فى المسجد، وفى رواية مر بأبى وهو يصلى ولم يذكر الباب، ووقع نحو ذلك مع حذيفة ابن اليمانى فى غزوة الخندق، وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بالإجابة فى الصلاة، لأن الصلاة إجابة، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم إجابة، فلو أجابه لم يخرج عن الطاعة، وهذا مختص بالنبى صلى الله عليه وسلم إذا دعا مصليا. وقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم دعا لأمر لا يحتمل التأخير فوجب عليه أن ينصرف عن صلاته إليه، وهذا الحكم مستمر إذا كنت تصلى ودعيت لهم لا يحتمل التأخير، كتنجية الغريق، وتنجية الإنسان من السبع، أو من العدو، أو الحريق، أو نحو ذلك، وتنجية ملك لك لا تجد ما تأكل سواه، أو مال فى ضمانك، قيل: بل تنجية المال مطلقا، أورأيت شيئا من ذلك بلا دعاء أحد إياك فانصرف إليه، ثم عد إلى صلاتك إن لم تحدث ناقضا ولا تتكلم إلا إن لم تجد الإصلاح إلا بالكلام فتكلم وأعدها، والقول الأول أشد مناسبة للحديث، وفى الحديث دلالة على أن الأمر بالوجوب عند الإطلاق وهو مذهبنا. {واعْلَموا أنَّ اللهَ يحُولُ بيْنَ المرْءِ} وقرأ ابن أبى إسحاق بكسر الميم، وقرأ الحسن والزبيرى بفتح الميم ونقل كسرة الهمزة إلى الراء وتشديد الراء وإجراء للوصل مجرى الوقف على لغة من يشدد فى الوقف، وهى لغة بنى سعد، وهو قليل، قال الشيخ خالد: ولهذا لم يؤثر عن أحد عن القراء إلا عن عاصم فى {مستطر} فى سورة القمر انتهى، ولعله أراد بالقراء السبعة أو العشرة، أو يرى تشديد الراء فى هذه القراءة مع حذف الهمزة لغة فى الوصل والوقف مطلقا لا مختصا بالوقف والوصف الجارى مجراه. {وقَلْبهِ} فيريد الرء شيئا ويعزم عليه فينقض الله عزمه، ويصرفه إلى غير ذلك الشئ، يريد الطاعة ويصرفه للمعصية، ويريد المعصية ويصرفه للطاعة، وذلك بالتوفيق، والخذلان بالجبر، كما زعمت المجبرة وإلا بطل المدح والذم، والثواب والعقاب، ويحفظ وينسيه الله، وينسى ويذكره الله، ويخاف ويؤمنه الله، ويأمن ويخوفه الله وريد صلاة ركعتين فلا يصليهما، أو يصلى أربعا وهكذا فى الأفعال والأقوال والاعتقادات مطلقا، وقلبك فى حكم الله كالشئ بين الأصبعين. فلزم من هذا أن لا يأمن الإنسان المؤمن أن يموت كافرا، وأن يبادر الأعمال انتهازا للفرصة قبل الحول بينه وبينها بالموت و غيره، ويراقب القلب فإنه مذموم معاقب، أو ممدوح مثاب على اختياره وتناوله، وأن يعلم أن الله أقرب إليه من حبل الوريد، وقيل: إن الحول بين المرء وقلبه تمثيل لغاية قربه من العبد، وتنبيه على أنه عليم بمكنون القلب مما عسى أن يغفل عنه صاحبه، وقد قال بذلك قتادة، وقيل: المعنى أن الله يحول بين المرء وقلبه حتى لا يدرى ما يصنع، وقيل: أمروا بالقتال فخافوا لضعفهم وقلتهم، فأخبرهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بتبديل ما فيه من الخوف أمنا، ومن الجبن جراءة، فاعزموا على القتال يبدل الله خوفكم وجبنكم أمنا وجراءة، وأمن عدوكم وجراءته خوفا وجبنا {وأنَّه إليه تُحْشَرونَ} للثواب والعقاب.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ} بالطاعة {إِذا دَعَاكُمْ} لم يقل دعواكم لأَن طاعة الله فى طاعة الرسول، فأَفرد الضمير عائداً للرسول لبيان أَنه بمنزلة من الله حتى أَن دعوته دعوة الله، ولأَن دعوة الله لا تسمع بلا واسطة فى المعتاد بل برسول، ولإِجلال عن أَن يقرن مع مخلوق فى الضمير. قال رجل: من يطع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن يعصهما فقد غوى، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بئس الخطيب أَنت إِذ قلت ومن يعصهما"تفسير : . ومر بحث فى سورة المائدة. ويجوز عود الضمير لله، لأَن الدعوة أَصالة منه عز وجل {لِمَا يَحيِيكُمْ} من العلوم الدينية والجهاد، وقد أَعزكم الله عز وجل به، والأَعمال الصالحة والقرآن والحق فإِن الإِنسان بدونها كميت، وهى فيه كالروح، وذلك على الاستعارة التبعية، أَو المجاز الإِرسالى التبعى لعلاقة التسبب أَو اللزوم، أَو لما يبقيكم أَحياء حياة طيبة معتدا بها دائمة، وهى حياة الجنة فى النعيم الدائم، وهى ما ذكر من العلم والعمل والقرآن والحق، أَو لما يبقيكم غير موتى وغير مشبهين بالموتى وهو الجهاد، إِذ لو لم يجاهدوا لقتلهم العدو، أَو كانوا فى ذل وهوان كالموت، أَو لما يحييكم حياة الشهداءِ وهو الجهاد إِن ماتوا به، فإِن الشهداءَ أَحياء عند ربهم، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَبى سعيد الخدرى يصلى فدعاه فأَوجز فى صلاته ثم جاءَ فقال: ما منعك من إِجابتى؟ فقال: كنت أُصلى، قال: "حديث : أَلم تخبر فيما أَوحى إِلىَّ{استجيبوا لله وللرسول}" تفسير : قال: بلى ولا أَعود إِن شاءَ الله. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأَعلمنك سورة أَعظم سورة فى القرآن. الحمد لله رب العالمين هى السبع المثانى"تفسير : . رواه الترمذى ومثله فى البخارى عن أَبى هريرة إِلا قوله لأَعلمنك إِلخ.. وهذا قبل أَن يحرم الكلام فى الصلاة، أَو مطلقا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم. وعليه لا تبطل صلاته كما لا تبطل فى الأَول، وقيل: تبطل. وكذا ينتقل المصلى عن محل الصلاة للتنجية ساكتا، ويبنى على ما مضى إِن لم يحدث ناقض، وقيل ينقضها لذلك، وإِسناد الإِحياءِ إِلى ضمير ما مجاز عقلى، ويجوز الآن نقضها بالكلام فى الأَمر المهم الذى لا يحتمل أَن يؤخر كالموت ووقوع الطلاق يتكلم لئلا يقع ذاك {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقلْبِهِ} يريد الكفر فيحول بينهما، أَو الإِيمان فيحول بينهما، فليبادر الخير، وكذا غير الكفر والإِيمان من المباحات وسائر الاعتقادات، والآية عامة، وكل ما فى القلب أَو غيره من خير أَو شر فمن الله، قال ابن عباس: سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية فقال: "حديث : يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر والهدى"تفسير : ، والمراد العموم ولكن خص الإِيمان والكفر لأَنهما العمدة سعادة وشقاوة، وكذا فى قوله صلى الله عليه وسلم لأُم سلمة رضى الله عنها إِذ سأَلته عن إِكثار الدعاءِ بيا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك: حديث : يا أُم سلمة إِنه ليس آدمى إِلا وقلبه بين إِصبعين من أَصابع الرحمن تعالى، فمن شاءَ أَقام ومن شاءَ أَزاغتفسير : ، وقيل: لما ضاقت قلوبهم بالقلة والضعف نزلت، بمعنى أَن الله يبدل خوفكم أَمنا، وجبنكم جرأة، والآية كناية أريد لفظها وهو تغيرها فى اللفظ، ولازمها وهو قربه تعالى من القلب وهو اطلاعه على ما فيه، ولو لم ينتبه له صاحبه كما قال: "أية : ونحن أَقرب إِليه من حبل الوريد"تفسير : [ق: 16]. وللمبادرة للاخلاص والتصفية، ولفظ بين يمنع أَن يكون يحول بمعنى يقرب على الاستعارة التبعية، أَو المجاز المرسل من حيث إِن فصل الشئ وحده بين شيئين يوجب القرب منهما، ولا تتصور الاستعارة التمثيلية. وزعم بعض أَن ذلك استعارة تمثيلية لتمكنه من قلوب العباد فيصرفها عما يريدون، وهذا لا يكفى فى تقريرها {وَأَنَّهُ} أَى الله، أَو الشأْن، والأَول أَولى، {إِلَيْهِ} لا إِلى غيره {تُحْشَرُونَ} للجزاء بحسب مراتب أَعمالكم، ولا تخفى عنه، فلا تألوا جهدًا فى انتهاز الفرصة، ولا مهرب لكم منه فى الآخرة ولا عن حشره.

الالوسي

تفسير : {يَـا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تكرير النداء مع وصفهم بنعت الإيمان لتنشيطهم إلى الإقبال على الامتثال بما يرد بعده من الأوامر وتنبيههم على أن فيهم ما يوجب ذلك {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} بحسن الطاعة {إِذَا دَعَاكُمْ} أي الرسول إذ هو المباشر لدعوة الله تعالى مع ما أشرنا إليه آنفاً {لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي لما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال أو من الجهاد الذي أعزكم الله تعالى به بعد الذل وقواكم به بعد الضعف ومنعكم به من عدوكم بعد القهر كما روي ذلك عن عروة بن الزبير، وإطلاق ما ذكر على العقائد والأعمال وكذا على الجهاد إما استعارة أو مجاز مرسل باطلاق السبب على المسبب، وقال القتبي: المراد به الشهادة وهو مجاز أيضاً، وقال قتادة: القرآن، وقال أبو مسلم: الجنة، وقال غير واحد: هو العلوم الدينية التي هي مناط الحياة الأبدية كما أن الجهل مدار الموت الحقيقي، وهو استعارة مشهورة ذكرها الأدباء / وعلماء المعاني. وللزمخشري:شعر : لا تعجبن لجهول حلته فذاك ميت وثوبه كفن تفسير : واستدل بالآية على وجوب إجابته صلى الله عليه وسلم إذا نادى أحداً وهو في الصلاة، وعن الشافعي أن ذلك لا يبطلها لأنها أيضاً إجابة، وحكى الروياني أنها لا تجب وتبطل الصلاة بها، وقيل: إنه يقطع الصلاة إذا كان الدعاء لأمر يفوت بالتأخير كما إذا رأى أعمى وصل إلى بئر ولو لم يحذره لهلك، وأيد القول بالوجوب بما أخرجه الترمذي والنسائي عن أبـي هريرة «حديث : أنه صلى الله عليه وسلم مر علي أبـيّ بن كعب وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك من إجابتي؟ قال: كنت أصلي. قال: ألم تخبر فيما أوحي {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى، ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال له: لأعلمنك سورة أعظم سورة في القرآن {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} [الفاتحة: 2] هي السبع المثاني»، تفسير : وأنت تعلم أنه لا دلالة فيه على أن إجابته صلى الله عليه وسلم لا تقطع الصلاة، وقال بعضهم: إن ذلك الدعاء كان لأمر مهم لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله، وفيه نظر. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} عطف على {ٱسْتَجِيبُواْ}، وأصل الحول كما قال الراغب ((تغير الشيء وانفصاله عن غيره، وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول ... وباعتبار الانفصال قيل حال بينهما كذا))، وهذا غير متصور في حق الله تعالى فهو مجاز عن غاية القرب من العبد لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما وانفصال أحدهما عن الآخر، وظاهر كلام كثير أن الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، ويجوز أن يكون هناك استعارة تبعية، فمعنى يحول يقرب، ولا بعد في أن يكون من باب المجاز المرسل المركب لاستعماله في لازم معناه وهو القرب، بل ادعى أنه الأنسب، وإرادة هذا المعنى هو المروي عن الحسن وقتادة، فالآية نظير قوله سبحانه:{أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ }تفسير : [ق: 16]. وفيها تنبيه على أنه تعالى مطلع من مكنونات القلوب على ما قد يغفل عنه أصحابها، وجوز أن يكون المراد من ذلك الحث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها، فمعنى يحول بينه وبين قلبه يميته فيفوته الفرصة التي هو واجدها وهو التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ورده سليماً كما يريده الله تعالى، فكأنه سبحانه بعد أن أمرهم بإجابة الرسول عليه الصلاة والسلام أشار لهم إلى اغتنام الفرصة من إخلاص القلوب للطاعة وشبه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الذي به يعقل في عدم التمكن من علم ما ينفعه علمه، وإلى هذا ذهب الجبائي. وقال غير واحد: إنه استعارة تمثيلية لتمكنه تعالى من قلوب العباد فيصرفها كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويلهمه رشده ويزيغ عن الصراط السوي قلبه ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً، وذلك كمن حال بين شخص ومتاعه فإنه القادر على التصرف فيه دونه وهذا كما في حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إكثاره الدعاء بيا مقلب القلوب ثبت قلبـي على دينك فقال لها: حديث : يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله تعالى فمن شاء أقام ومن شاء أزاغتفسير : ، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال عليه الصلاة والسلام: يحول بين المؤمن والكفر ويحول بين الكافر والهدى. ولعل ذلك منه عليه الصلاة والسلام إقتصار على الأمرين اللذين هما أعظم مدار للسعادة والشقاوة وإلا / فهذا من فروع التمكن الذي أشرنا إليه ولا يختص أمره بما ذكر، وقد حال سبحانه بين العدلية وبين اعتقاد هذا فعدلوا عن سواء السبيل، وبين بعض الأفاضل ربط الآيات على ذلك بأنه تعالى لما نص بقوله عز من قائل: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 23] الخ، على أن الإسماع لا ينفع فيهم تسجيلاً على أولئك الصم البكم من على المؤمنين بما منحهم من الإيمان ويسر لهم من الطاعة، كأنه قيل: إنكم لستم مثل أولئك المطبوعين على قلوبهم فإنهم إنما امتنعوا عن الطاعة لأنهم ما خلقوا إلا للكفر فما تيسر لهم الاستجابة، وكل ميسر لما خلق له، فأنتم لما منحتم الإيمان ووفقتم للطاعة فاستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما فيه حياتكم من مجاهدة الكفار وطلب الحياة الأبدية واغتنموا تلك الفرصة واعلموا أن الله تعالى قد يحول بين المرء وقلبه بأن يحول بينه وبين الإيمان وبينه وبين الطاعة ثم يجازيه في الآخرة بالنار، وتلخيصه أوليتكم النعمة فاشكروها ولا تكفروها لئلا أزيلها عنكم ا هـ. ولا يخفى ما فيه من التكليف، وقيل: إن القوم لما دعوا إلى القتال والجهاد وكانوا في غاية الضعف والقلة خافت قلوبهم وضاقت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله تعالى إذا دعيتم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الأمن خوفاً والجبن جرأة. وقرىء {بَيْنَ ٱلْمَرْء} بتشديد الراء على حذف الهمزة ونقل حركتها إليها وإجراء الوصل مجرى الوقف. {وَأَنَّهُ} أي الله عز وجل أو الشأن {إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لا إلى غيره فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم التي لم يخف عليه شيء منها فسارعوا إلى طاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالغوا في الاستجابة، وقيل: المعنى أنه تحشرون إليه تعالى دون غيره فيجازيكم فلا تألوا جهداً في انتهاز الفرصة، أو المعنى أنه المتصرف في قلوبكم في الدنيا ولا مهرب لكم عنه في الآخرة فسلموا الأمر إليه عز شأنه ولا تحدثوا أنفسكم بمخالفته. وزعم بعضهم أنه سبحانه لما أشار في صدر الآية إلى أن السعيد من أسعده والشقي من أضله وأن القلوب بيده يقلبهما كيفما يشاء ويخلق فيها الدواعي والعقائد حسبما يريد ختمها بما يفيد أن الحشر إليه ليعلم أنه مع كون العباد مجبورين خلقوا مثابين معاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين، وأنت تعلم أن الآية لا دلالة فيها على الجبر بالمعنى المشهور وليس فيها عند من أنصف بعد التأمل أكثر من انتهاء الأمور بالآخرة إليه عز شأنه.

ابن عاشور

تفسير : يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}. إعادة لمضمون قوله: {أية : يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله ورسوله}تفسير : [الأنفال: 20] الذي هو بمنزلة النتيجة من الدليل أو مقصد الخطبة من مقدمتها كما تقدم هنالك. فافتتاح السورة كان بالأمر بالطاعة والتقوى، ثم بيان أن حق المؤمنين الكُمّل أن يخافوا الله ويطيعوه ويمتثلوا أمره وإن كانوا كارهين، وضرب لهم مثلاً بكَراهتهم الخروج إلى بدر، ثم بكراهتهم لقاء النفير وأوقفهم على ما اجتنوه من بركات الامتثال وكيف أيدهم الله بنصره ونصب لهم عليه أمارة الوعد بإمداد الملائكة؛ لتطمئن قلوبهم بالنصر وما لطف بهم من الأحوال، وجعل ذلك كله إقناعاً لهم بوجوب الثبات في وجه المشركين عند الزحف ثم عاد إلى الأمر بالطاعة وحذرهم من أحوال الذين يقولون سمعنا وهم لا يسمعون، وأعقب ذلك بالأمر بالاستجابة للرسول إذا دعاهم إلى شيء، فإن في دعوته إياهم إحياء لنفوسهم وأعلمهم أن الله يكسب قلوبهم بتلك الاستجابة قوى قدسية. واختير في تعريفهم، عند النداء، وصفُ الإيمان ليوميء إلى التعليل كما تقدم في الآيات من قبل، أي أن الإيمان هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم. والاستجابة: الإجابة، فالسين والتاء فيها للتأكيد، وقد غلب استعمال الاستجابة في إجابة طلب معيّن أو في الأعم، فأما الإجابة فهي إجابة لنداء وغلب أن يُعدى باللام إذا اقترن بالسين والتاء، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : فاستجاب لهم ربهم}تفسير : في [آل عمران: 195]. وإعادة حرف بعد واو العطف في قوله: {وللرسول} للإشارة إلى استقلال المجرور بالتعلق بفعل الاستجابة، تنبيهاً على أن استجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعم من استجابة الله لأن الاستجابة لله لا تكون إلاّ بمعنى المجاز وهو الطاعة بخلاف الاستجابة للرسول - عليه الصلاة والسلام - فإنها بالمعنى الأعم الشامل للحقيقة وهو استجابة ندائِه، وللمجاز وهو الطاعة فأريد أمرهم بالاستجابة للرسول بالمعنيين كلما صدرت منه دعوة تقتضي أحدهما. ألا ترى أنه لم يُعَد ذكر اللام في الموقع الذي كانت فيه الاستجابة لله والرسول - صلى الله عليه وسلم - بمعنى واحد، وهو الطاعة، وذلك قوله تعالى: {أية : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح}تفسير : [آل عمران: 172] فإنها الطاعة للأمر باللحاق بجيش قريش في حمراء الأسد بعد الانصراف من أُحد، فهي استجابة لدعوة معينة. وإفراد ضمير {دعاكم} لأن الدعاء من فعل الرسول مباشرة، كما أفرد الضمير في قوله: {أية : ولا تَولوا عنه}تفسير : [الأنفال: 20] وقد تقدم آنفاً. وليس قوله: {إذا دعاكم لما يحييكم} قيْداً للأمر باستجابة، ولكنه تنبيه على أن دعاءه إياهم لا يكون إلاّ إلى ما فيه خير لهم وإحياء لأنفسهم. واللام في {لما يحييكم} لام التعليل أي دعاكم لأجل ما هو سبب حياتكم الروحية. والإحياء تكوين الحياة في الجسد، والحياة قوة بها يكون الإدراك والتحرك بالاختيار ويُستعار الإحياء تبعاً لاستعارة الحياة للصفة أو القوة التي بها كمال موصوفها فيما يراد منه مثل حياة الأرض بالإنبات وحياة العقل بالعلم وسداد الرأي، وضدها الموت في المعاني الحقيقية والمجازية، قال تعالى: {أية : أمواتٌ غير أحياء}تفسير : [النحل: 21] {أية : أوَ من كان ميتاً فأحييناه}تفسير : وقد تقدم في سورة [الأنعام: 122]. والإحياء والإماتة تكوين الحياة والموت. وتستعار الحياة والإحياء لبقاء الحياة واستبقائها بدفع العوادي عنها {أية : ولكم في القصاص حياة}تفسير : [البقرة: 179] {أية : ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}تفسير : [المائدة: 32]. والإحياء هذا مستعار لما يشبه إحياء الميت، وهو إعطاء الإنسان ما به كمال الإنسان، فيعم كل ما به ذلك الكمالُ من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخُلق الكريم، والدلالة على الأعمال الصالحة وإصلاح الفرد والمجتمع، وما يتقوم به ذلك من الخلال الشريفة العظيمة، فالشجاعة حياة للنفس، والاستقلال حياة، والحرية حياة، واستقامة أحوال العيش حياة. ولما كان دعاءُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة أمَر الله الأمة بالاستجابة له، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو إليه الرسول سواء دعَا حقيقة بطلب القدوم، أم طلَب عمَلاً من الأعمال، فلذلك لم يكن قيدُ {لما يحييكم} مقصوداً لتقييد الدعوة ببعض الأحوال بل هو قيد كاشف، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يدعوهم إلاّ وفي حضورهم لديْه حياةٌ لهم، ويكشف عن هذا المعنى في قيد {لما يحييكم} ما رواه أهل الصحيح حديث : عن أبي سعيد بنِ المُعَلى، قال: كنتُ أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ثم أتيتُه فقلت يا رسول الله إني كنتُ أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم} تفسير : ثم قال: ألا أعلمك صورة الحديث في فضل فاتحة الكتاب، فوقْفُه على قوله: {إذا دعاكم} يدل على أن {لِما يحييكم} قيدٌ كاشف وفي «جامع الترمذي» عن أبي هريرة حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على أبيّ بن كعب فقال: يا أبيّ ـ وهو يصلي ـ فالتفت أبَيّ ولم يجبه وصلى أبيّ فخفف ثم انصرف إلى رسول الله فقال: السلامُ عليك يا رسول الله ـ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليك السلام ما منَعك يا أبيّ أن تجيبني إذْ دعوتك ـ فقال: يا رسول الله إني كنت في الصلاة ـ فقال: أفلم تجد فيما أوحي إلي أن استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ـ قال: بَلَى ولا أعود إن شاء الله» تفسير : الحديثَ بمثل حديث أبي سعيد بن المعلى ـ قال ابن عطية: وهو مروي أيضاً من طريق مالك بن أنس (يريد حديث أبيّ بن كعب وهو عند مالك حضر منه عند الترمذي) قال ابن عطية وروي أنه وقع نحوُه مع حذيفة بن اليمان في غزوة الخندق، فتكون عدة قضايا متماثلة ولا شك أن القصد منها التنبيهُ على هذه الخصوصية لدعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. مقتضى ارتباط نظم الكلام يوجب أن يكون مضمونُ هذه الجملة مرتبطاً بمضمون الجملة التي قبلها فيكون عطفها عليها عطف التكملة على ما تُكمّلُه، والجملتان مجعولتان آية واحدة في المصحف. وافتتحت الجملة باعلموا؛ للاهتمام بما تتضمنه وحث المخاطبين على التأمل فيما بعدَه، وذلك من أساليب الكلام البليغ أن يفتتح بعض الجمل المشتملة على خبر أوْ طلبِ فهم باعْلم أو تَعَلمْ لَفتاً لذهن المخاطب. وفيه تعريض غالباً بغفلة المخاطب عن أمر مهم فمن المعروف أن المخبر أو الطالب ما يريد إلاّ علمَ المخاطب فالتصريح بالفعل الدال على طلب العلم مقصود للاهتمام، قال تعالى: {أية : اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفورٌ رحيمٌ}تفسير : [المائدة: 98] ـ وقال ـ {أية : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ}تفسير : [الحديد: 20] الآية وقال في الآية، بعد هذه {أية : واعلموا أن الله شديد العقاب}تفسير : [الأنفال: 25] وفي الحديث حديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي مسعود الأنصاري وقد رآه يضرب عبداً له «أعلم أبَا مسعود اعْلَم أبا مسعود: أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»تفسير : وقد يفتتحون بتَعَلّم أو تَعَلَمَنَّ قال زهير: شعر : قلتُ تعلَّمْ أن للصيد غرة وإلاّ تُضَيِّعْها فإِنك قاتلُه تفسير : وقال زياد بن سَيّار: شعر : تَعلّمْ شفاء النفس قَهرُ عدوها فبالغْ بلطف في التحيُّل والمكر تفسير : وقال بشر بن أبي خازم: شعر : وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتُم بُغاةٌ ما بَقينا في شقاق تفسير : و{أن} بعد هذا الفعل مفتوحة الهمزة حيثما وقعت، والمصدر المؤول يسُدّ مسدّ مفعولي عَلم مع إفادة (أن) التأكيد. والحَوْل، ويقال الحُؤُل: منع شيء اتصالاً بين شيئين أو أشياء قال تعالى: {أية : وحالَ بينهما المَوج}تفسير : [هود: 43]. وإسناد الحول إلى الله مجاز عقلي لأن الله منزه عن المكان، والمعنى يحولُ شأنٌ من شؤون صفاتِه، وهو تعلق صفة العلم بالإطلاع على ما يضمره المرء أو تعلق صفة القدرة بتنفيذ ما عزم عليه المرءُ أو بصرفه عن فعله، وليس المرادُ بالقلب هنا البضعة الصنوبرية المستقرة في باطن الصدر، وهي الآلة التي تدفع الدم إلى عروق الجسم، بل المراد عقل المرء وعزْمه، وهو إطلاق شائع في العربية. فلما كان مضمون هذه الجملة تكملة لمضمون الجملة التي قبلها يجوز أن يكون المعنى: واعلموا أن علم الله يخلُص بين المرء وعقله خُلوص الحائِلِ بين شيئين فإنه يكون شديد الاتصال بكليهما. والمراد بـ{المرء} عمله وتصرفاته الجسمانية. فالمعنى: أن الله يعلم عزم المرء ونِيّته قبل أن تنفعل بعزمه جوارحُه، فشبه علم الله بذلك بالحائِل بين شيئين في كونه أشد اتصالاً بالمحول عنه من أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}. وجيء بصيغة المضارع (يحول) للدلالة على أن ذلك يتجدد ويستمر، وهذا في معنى قوله تعالى: {أية : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}تفسير : [ق: 16] قاله قتادة. والمقصود من هذا تحذير المؤمنين من كل خاطر يخطر في النفوس: من التراخي في الاستجابة إلى دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتنصل منها، أو التستر في مخالفته، وهو معنى قوله: {أية : واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}تفسير : [البقرة: 235]. وبهذا يظهر وقع قوله: {وأنه إليه تحشرون} عقبه فكان ما قبله تحذيراً وكان هو تهديداً وفي «الكشاف»، و«ابن عطية»: قيل إن المراد الحث على المبادرة بالامتثال وعدم إرجاء ذلك إلى وقت آخر خشية أن تعترض المرءَ موانع من تنفيذ عزمه على الطاعة أي فيكون الكلام على حذف مضاف تقديره: إن أجَل الله يحول بين المرء وقلبه، أي بين عمله وعزمه قال تعالى: {أية : وأنْفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدَكم الموتُ}تفسير : [المنافقون: 10] الآية. وهنالك أقوال أخرى للمفسرين يحتملها اللفظ ولا يساعد عليها ارتباط الكلام والذي حملنا على تفسير الآية بهذا دون ما عداه أن ليس في جملة: {أن الله يحول بين المرء وقلبه} إلاّ تعلق شأن من شؤون الله بالمرء وقلبه أي جثمانه وعقله دون شيء آخر خارج عنهما، مثل دعوة الإيمان ودعوة الكفر، وأن كلمة {بين} تقتضي شيئين فما يكون تحول إلاّ إلى أحدهما لا إلى أمر آخر خارج عنهما كالطبائِع، فإن ذلك تحويل وليس حُؤلاً. وجملة: {وأنه إليه تحشرون} عطف على {أن الله يحول بين المرء وقلبه} والضمير الواقع اسم (أن) ضمير اسم الجلالة، وليس ضمير الشأن لعدم مناسبته، ولإجراء أسلوب الكلام على أسلوب قوله: {أن الله يحول} الخ. وتقديم متعلق {تُحشرون} عليه لإفادة الاختصاص أي: إليه إلى غيره تحشرون، وهذا الاختصاص للكناية عن انعدام ملجإٍ أو مَخْبَإٍ تلتجئون إليه من الحشر إلى الله فكني عن انتفاء المكان بانتفاء محشورٍ إليْه غير الله بأبدع أسلوب، وليس الاختصاص لرد اعتقادٍ، لأن المخاطبين بذلك هم المؤمنون، فلا مقتضى لقصر الحشر على الكون إلى الله بالنسبة إليهم.

الواحدي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} أجيبوا لهما بالطَّاعة {إذا دعاكم لما يحييكم} يعني: الجهاد؛ لأنَّ به يحيا أمرهم ويقوى، ولأنَّه سبب الشَّهادة، والشُّهداء أحياءٌ عند ربهم، ولأنَّه سببٌ للحياة الدَّائمة في الجنَّة {واعلموا أنَّ الله يحول بين المرءِ وقلبه} يحول بين الإِنسان وقلبه، فلا يستطيع أن يؤمن إلاَّ بإذنه، ولا أن يكفر، فالقلوب بيد الله تعالى يُقلِّبها كيف يشاء {وأنَّه إليه تحشرون} للجزاء على الأعمال. {واتقوا فتنة...} الآية. أمر الله تعالى المؤمنين ألا يُقرّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب، والفتنة ها هنا: إقرار المنكر، وترك التَّغيير له، وقوله: {لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة} أَيْ: تصيب الظَّالم والمظلوم، ولا تكون للظَّلمة وحدهم خاصَّة، ولكنَّها عامَّة، والتَّقدير: واتَّقوا فتنةً، إن لا تتقوها لا تصيب الذين ظلموا منكم خاصَّة، أَيْ: لا تقع بالظَّالمين دون غيرهم، ولكنها تقع بالصَّالحين والطَّالحين {واعلموا أنَّ الله شديد العقاب} حثٌّ على لزوم الاستقامة خوفاً من الفتنة، ومن عقاب الله بالمعصية فيها. {واذكروا} يعني: المهاجرين {إذ أنتم قليل} يعني: حين كانوا بمكَّة في عنفوان الإِسلام قبل أن يُكملوا أربعين {مستضعفون في الأرض} يعني: أرض مكَّة {تخافون أن يتخطفكم الناس} المشركون من العرب لو خرجتم منها {فآواكم} جعل لكم مأوىً ترجعون إليه، وضمَّكم إلى الأنصار {وأيَّدكم بنصره} يوم بدرٍ بالملائكة {ورزقكم من الطيبات} يعني: الغنائم أحلَّها لكم {لعلكم تشكرون} كي تطيعوا.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: استجيبوا: اسمعوا وأطيعوا. لما يحييكم: أي لما فيه حياتكم ولما هو سبب في حياتكم كالإِيمان والعمل الصالح والجهاد. فتنة: أي عذاباً تفتنون به كالقحط أو المرض أو تسلط عدو. مستضعفون: أي ضعفاء أمام أعدائكم يرونكم ضعفاء فينالون منكم. ورزقكم من الطيبات: جمع طيب من سائر المحللات من المطاعم والمشراب وغيرها. لعلكم تشكرون: رجاء أن تشكروه تعالى بصرف النعمة في مرضاته. معنى الآيات: هذا هو النداء الثالث بالكرامة للمؤمنين الرب تعالى يشرفهم بندائه ليكرمهم بما يأمرهم به أو ينهاهم عنه تربية لهم وإعداداً لهم لسعادة الدارين وكرامتهما فيقول {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} وهو بمعنى النداء الأول أطيعوا الله ورسوله. وقوله {لِمَا يُحْيِيكُمْ} إشعار بأن أوامر الله تعالى ورسوله كنواهيهما لا تخلوا أبداً مما يحيي المؤمنين أو يزيد في حياتهم أو يحفظها عليهم، ولذا وجب أن يطاع الله ورسوله ما أمكنت طاعتهما. وقوله {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} تنبيه عظيم للمؤمنين إذا سنحت لهم فرصة للخير ينبغي أن يفترصوها قبل الفوات لا سيما إذا كانت دعوة من الله أو رسوله، لأن الله تعالى قادر على أن يحول بين المرء وما يشتهي وبين المرء وقلبه فيقلب القلب ويوجهه إلى وجهة أخرى فيكره فيها الخير ويرغب في الشر وقوله {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فالذي يعلم أنه سيحشر رغم أنفه إلى الله تعالى كيف يسوغ له عقله أن يسمع نداءه بأمره فيه أو ينهاه فيعرض عنه، وقوله {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تحذير آخر عظيم للمؤمنين من أن يتركوا طاعة الله ورسوله، ويتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينتشر الشر ويعم الفساد، وينزل البلاء فيعم الصالح والطالح، والبار والفاجر، والظالم والعادل، وقوله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. وهو تأكيد للتحذير بكونه تعالى إذا عاقب بالذنب والمعصية فعقابه قاس شديد لا يطاق فليحذر المؤمنون ذلك بلزوم طاعة الله ورسوله. وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه موعظة ربانية لأولئك المؤمنين الذين عايشوا الدعوة الإِسلامية من أيامها الأولى يذكرهم ربهم بما كانوا عليه من قلة وضعف يخافون أن يتخطفهم الناس لقلتهم وضعفهم، فآواهم عز وجل إلى مدينة نبيه المنورة ونصرهم بجنده فعزوا بعد ذلة واستغنوا بعد عيلة وفاقة، ورزقهم من الطيبات من مطعم ومشرب وملبس ومركب، ورزقهم من الطيبات إكراماً لهم، ليعدهم بذلك للشكر إذ يشكر النعمة من عاشها ولابسها، والشكر حمد المنعم والثناء عليه وطاعته ومحبته وصرف النعمة في سبيل مرضاته، والله يعلم أنهم قد شكروا فرضي الله عنهم وأرضاهم والحقنا بهم صابرين شاكرين. هداية الآيات هداية الآيات: 1- وجب الاستجابة لنداء الله ورسوله بفعل الأمر وترك النهي لما في ذلك من حياة الفرد المسلم. 2- تعين اغتنام فرصة الخير قبل فواتها فمتى سنحت للمؤمن تعين عليه اغتنامها. 3- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتقاء للفتن العامة التي يهلك فيها العادل والظالم. 4- وجوب ذكر النعم لشكرها بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. 5- وجوب شكر النعم بحمد الله تعالى والثناء عليه والاعتراف بالنعمة له والتصرف فيها حسب مرضاته.

القطان

تفسير : هذا هو النداء الثالث: بعد ان ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة، والمبادرة الى الطاعة والامتثال دون إبطاء وتسويف، وأرشدهم الى أن ما يدْعَون اليه فيه حياتُهم، بالعلم والمعرفة، بالشرف والعزة، بالسلطان وعلوا الكلمة، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم. يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به، واجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به، اذا دعاكم الرسول الى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة اجسامكم وارواحكم وعقولكم وقلوبكم. فنحن مأمورون ان نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه. ان سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الاسلام، والعمل بها عملٌ على حفظ كيان الاسلام وتقدمه، وفي تركها انحلال الاسلام. كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من اركان الاسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وافعاله. وهناك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون الى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها، وما هذه الدعوة الا لهدم الاسلام وتقويض اركانه. وهذا خروج عن الاسلام والحاد كبير نعوذ بالله منه. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} واعلموا علم اليقين ان الله قائم على قلوبكم، يوجّهها كما يشاء. روى البخاري واصحاب السنن قال: "حديث : كانت يمين النبي لا ومقلّب القلوب"تفسير : . وفي صحيح مسلم: "حديث : اللهم مصرّف القلوب، صرِّفْ قلوبنا الى طاعتك" . تفسير : {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} وانكم جمعا ستجعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} (24) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمُِنينَ بِالاسْتِجَابَةِ إلى دَعْوَتِهِ تَعَالَى، وَإلَى دَعْوَةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم التِي أَمَرَهُ اللهُ بِإِبْلاَغِهَا إلَيْهِمْ، لأنَّها تُزكِّي نُفُوسَهُمْ وَتُطَهِّرُهَا، وَتُحْيِيها بِالإِيمَانِ، وَتَرْفَعُها إلى مَرَاتِبِ الكَمَالِ فَتَحْظَى بِرِضَا اللهِ، ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنّهُ قَائِمٌ عَلَى قُلوبِ العِبَادِ يُوَجِّهُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، فَيَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَبَيْنَ قَلْبِهِ، فَيُمِيتُ الإِحْسَاسَ وَالوِجْدَانَ وَالإِدْرَاكَ فِيهِ، فَتُشَلُّ الإِرَادَةُ، وَيَفْقِدُ الإِنْسَانُ سَيْطَرَتَهُ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَيَتْبَعُ هَوَاهُ، فَلاَ تَعُودُ تَنْفَعُ فِيهِ المَوَاعِظُ وَالعِبَرُ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِمَّا تَرَدَّوْا فِيهِ، إذَا اتَّجَهُوا إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. ثُمَّ يَحْشُرُ اللهُ العِبَادَ إليهِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّونَ. يُحْيِيكُمْ - يُورِثُكُمْ حَيَاةً أبَدِيَّةً فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا نقل المسألة من سماع إلى استجابة؛ لأن مهمة السماع أن تستجيب. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي استجيبوا لله تعالى تشريعا، وللرسول صلى الله عليه وسلم بلاغاً، وغاية التشريع والبلاغ واحدة، فلا بلاغ عن الرسول إلا بتشريع من الله عز وجل، بل وللرسول صلى الله عليه وسلم تفويض بأن يشرع. ورسول الله لم يشرع من نفسة، وإنما شرع بواسطة حكم من الله تعالى حيث يقول: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: نسمع أن فلاناً قد فُصل لأنه غاب خمسة عشر يوماً عن عمله في وظيفته، ويعود المحامي إلى الدستور الذي تتبعه البلد فلا يجد في مواد الدستور هذه الحكاية، ويسمع من المحامي الأكثر خبرة أن هذا القانون مأخوذ من تفويض الدستور للهيئة التي تنظم العمل والعاملين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفوض من ربه بالبلاغ وبالتشريع. {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم} [الأنفال: 24]. ونجد هنا أيضاً أن الحق تبارك وتعالى قال: {إِذَا دَعَاكُم} ولم يقل: إذا دعَوَاكُمْ، وفي ذلك توحيد للغاية، فلم يفصل بين حكم الله التشريعي وبلاغ الرسول لنا. ونعلم أن الأشياء التي حكم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم حكماً ثم عدّل الله له فيها الحكم، هذا التعديل نشأ من الله، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينشىء حكماً عدّله الله تعالى إلا فيما لم يُنزِل الله فيه حكماً. وحين ينزل الله حكماً مخالفاً لحكم وضعه الرسول، فمن عظمته صلى الله عليه وسلم أنه أبلغنا هذا التعديل، وهكذا جاءت أحكامه صلى الله عليه وسلم إذا وافقت حقّاً فلا تعديل لها، وإن لم يكن الأمر كذلك فهو صلى الله عليه وسلم يعدل لنا. وبذلك تنتهي كل الأحكام إلى الله تعالى. فإذا قال قائل: كيف تقول إن قول الرسول يكون من الله؟ نجيب: إنه سبحانه القائل: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 3-4]. و"الهوى" - كما نعلم - أن تعلم حكماً ثم تميل عن الحكم إلى مقابله لتخدم هوًى في نفسك، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمد إلى أي حكم شرعه ولم يكن عنده حكم من الله عز وجل، فإن جاءه تعديل أبلغنا. إذن ما ينطق عن الهوى. أي من كل ما لم ينزله الله، وحكم فيه صلى الله عليه وسلم ببشريته، ولم يكن له هوى يخدم أي حكم، ونجد في قول الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم} [الأنفال: 24]. أنَّ كلمة "دعاكم" مفردة، مثلها مثل كلمة "يرضوه" في قوله لكم: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 62]. ومثلها مثل الضمير في "عنه" في قوله تعالى: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ}تفسير : [الأنفال: 20]. وفي هذه الآيات الكريمة توحيد للضمير بعد المثنى، وهذا التوحيد كان مثار شبهة عند المستشرقين، فقالوا: كيف يخاطب اثنين ثم يوحدهما؟ ونقول لمن يقول ذلك: لأنك استقبلت القرآن بغير ملكة العربية. فلم تفهم، ولو وجد الكفار في أسلوب القرآن ما يخالف اللغة لما سكتوا، فهم المعاندون، ولو كانوا جربوا في القرآن كلمة واحدة مخالفة لأعلنوا هذه المخالفة. وعدم إعلان الكفار عن هذه الشبهات التي يثيرها الأعداء، يدل على أنهم فهموا مرمى ومعنى كل ما جاء بالقرآن، وهم فهموا - على سبيل المثال - الآية التي يكرر المستشرقون الحديث عنها ليشككوا الناس في القرآن الكريم، وهي قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [الحجرات: 9]. وتساءل المستشرقون - مستنكرين -: كيف يتحدث القرآن عن طائفتين، ثم يأتي الفعل الصادر منهما بصيغة الجمع؟. ونقول: إن "طائفتان" هي مثنى طائفة، والطائفة لا تطلق على الفرد، إنما تطلق على جماعة، مثلما نقول: المدْرَسَتان اجتمعوا؛ وصحيح أن المَدْرسة مفرد. لكن كل مدرسة بها تلاميذ كثيرون، وكذلك "طائفتان"، معناها أن كل طائفة مكونة من أفراد، وحين يحدث القتال فهو قتال بين جمع وجمع؛ لذلك كان القرآن الكريم دقيقاً حين قال: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} ولم يقل القرآن الكريم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا؛ لأن هذا القول لا يعبر بدقة عن موقف الاقتتال لأنهم كطائفتين، إن انتهوا فيما بينهم إلى القتال. فساعة القتال لا يتحيز كل فرد لفرد ليقاتله، وإنما كل فرد يقاتل في كل أفراد الطائفة الأخرى، وهكذا يكون القتال بين جمع كبير من أفراد الطائفتين. وبعد ذلك يواصل الحق تبارك وتعالى تصوير الموقف من الاقتتال بدقة فيقول سبحانه: {أية : فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}تفسير : [الحجرات: 9]. وهنا يقول سبحانه وتعالى: {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}، ولم يقل: أصلحوا بينهم. وهكذا عدل عن الجمع الذي جاء في الاقتتال إلى المثنى؛ لأننا في الصلح إنما نصلح بين فئتين متحاربتين، ونحن لا نأتي بكل فرد من الطائفة لنصلحه مع أفراد الطائفة الأخرى. ويمثل كل طائفة رؤساؤها أو وفد منها، وهكذا استخدم الحق المثنى في مجاله، واستخدم الجمع في مجاله، وسبحانه وتعالى منزه عن الخطأ. وهنا في الآية التي ما زلنا بصدد خواطرنا عنها وفيها يقول المولى سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. وفي أولها نداء من الله للمؤمنين، والنداء يقتضي أولاً أن يكون المنادى حيّاً؛ لأنه سبحانه وتعالى القائل: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [فاطر: 22]. إذن: كيف يقول سبحانه لمن يخاطبهم وهم أحياء: {دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟. وهنا نقول: ما هي الحياة أولاً؟. نحن نعلم أن الحياة تأخذ مظهرين، مظهرَ الحسّ ومظهرَ الحركة، ولا يتأتى ذلك إلا بعد أن توجد الروح في المادة فتتكون الحياة، وهذه مسألة يتساوى فيها المؤمن والكافر. وثمرة الحياة أن يسعد فيها الإنسان، لا أن يحيا في حرب وكراهية وتنغيص الآخرين له وتنغيصه للآخرين، والحياة الحقيقية أن يوجد الحسّ والحركة، شرط أن تكون حركة كل إنسان تسعده وتسعد من حوله، وبذلك تتآزر الطاقات في زيادة الإصلاح في الأمور النافعة والمفيدة، أما إذا تبددت الطاقات الناتجة من الحسّ والحركة وضاعت الحياة في معاندة البعض للبعض الآخر، فهذه حياة التعب والمشقة، حياة ليس فيها خير ولا راحة. وهذا ما يخالف ما أراده الحق سبحانه وتعالى للخلق، فقد جعل الله عز وجل الإنسان خليفة له في الأرض ليصلح لا ليفسد، وليزيد الصالح صلاحاً، ولا تتعاند حركة الفرد مع غيره؛ لأن كل إنسان هو خليفة لله، وما دمنا كلنا خلفاء لله تعالى في الأرض. فلماذا لا نجعل حركاتنا في الحياة متساندة غير متعاندة؟ وعلى سبيل المثال: إن أراد إنسان أن يخدم نفسه ومن حوله بحفر بئر، هنا يجب أن يتعاون معه جميع من سوف يستفيدون من البئر؛ فمجموعة تحفر، ومجموعة تحمل التراب بعيداً، ليخرج الماء ويستفيد منه الجميع، لكن أن يتسلل إنسان ليردم البئر، فهذا يجعل حركة الحياة متعاندة لا متساندة. وقد نزل المنهج من الله عز وجل ليجعل حركة الحياة متساندة؛ لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. والنداء هنا من الله للمؤمنين فقط، فإذا قال الله: يأيها الذين آمنوا استجيبوا لما آمنتم به؛ فهو لم يطلب أن تستجيب لمن لم تؤمن به، بل يطلب منك الاستجابة إذا كنت قد دخلت في حظيرة الإيمان بالله، واهتديت إلى ذلك بعقلك، وبالأدلة الكونية واقتنعت بذلك، وصرت تؤمن أنه إذا طلب منك شيئاً فهو لا يطلب منك عبثاً؛ بل طلب منك لأنك آمنت به تعالى إلهاً، وربّاً، وخالقاً، ورازقاً، وحكيماً، وعادلاً. حين يأمرك من له هذه الصفات، فمن الواجب عليك أن تستجيب لما يدعوك إليه. ولله المثل الأعلى؛ نجد في حياتنا الأب والأم يراعيان المصالح القريبة للغلام، ويأمره الأب قائلا: اسمع الكلام لأني والدك الذي يتعب من أجل أن تنعم أنت. وتضيف الأم قائلة له: اسمع كلام والدك، فليس غريباً عنك، بل لك به صلة وهو ليس عدوّاً لك، وتجربته معك أنه نافع لك ويحب لك الخير، هنا يستجيب الابن. وكلنا عيال الله، فإذا ما قال الله: يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول المبلغ عن الله لأنه سيدعوكم لما يحييكم فعلينا أن نستجيب للدعوة. الداعي - إذن - هو الله تعالى وقد سبقت نعمه عليك قبل أن يكلفك، وهو سبحانه قد أرسل رسولاً مؤيداً بمعجزة لا يستطيع واحد أن يأتي بها، ويدعو كل إنسان إلى ما فيه الخير، ولا يمنع الإنسان من الاستجابة لهذا الدعاء إلا أن يكون غبيا. ونلحظ في حياتنا اليومية أن الإنسان المريض، المصاب في أعز وأثمن شيء عنده وهو عافيته وصحته، وهو يحاول التماس الشفاء من هذا المرض ويسأل عن الطبيب المتخصص فيما يشكو منه، وهناك لكل جزء من الجسم طبيب متخصص، فإذا كان له علم بالأطباء فهو يذهب إلى الطبيب المعين، وإن لم يكن له علم فهو يسأل إلى أن يعرف الطبيب المناسب، وبذلك يكون قد أدى مهمة العقل في الوصول إلى من يأمنه على صحته. فإذا ما ذهب إلى الطبيب وشخص له الداء وكتب الدواء، في هذه اللحظة لن يقول المريض: أنا لا أشرب الدواء إلا إن أقنعتني بحكمته وفائدته وماذا سيفعل في جسمي؛ لأن الطبيب قد يقول للمريض: إن أردت أن تعرف حكمة هذا الدواء، اذهب إلى كلية الطب لتتعلم مثلما تعلمت. وطبعاً لن يفعل مريض ذلك؛ لأن المسألة متعلقة بعافيته، وهو سيذهب إلى الصيدلية ويشتري الدواء ويسأل عن كيفية تناوله، والمريض حين يفعل ذلك إنما يفعله لصالحه لا لصالح الطبيب أو الصيدلي. والرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعونا لما يحيينا به، إنما يفعل ذلك لأن الله تعالى أوكل له البلاغ بالمنهج الذي يصلح حالنا، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة، بعد أن تأتي الروح في المادة، يواجه الإنسان ظروف الحياة من بعد ذلك إلى الممات. وهذه حياة للمؤمن والكافر. وقد يكون في الحياة منغصات وتمتلىء بالحركات المتعاندة ، وقد يمتلىء البيت الواحد بالخلافات بين الأولاد وبين الجيران، ويقول الإنسان: هذه حياة صعبة وقاسية. والموت أحسن منها. والشاعر يقول: شعر : كفى بك داء أن ترى الموت شافياً تفسير : وشاعر آخر يقول: شعر : ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحِمام تفسير : والحِمام هو الموت، وكأن الموت - كما يراه الشاعر - أخف من الحياة المليئة بالمنغصات. إذن فليس مجرد الحياة الأولى هو المطلوب، بل المطلوب حياة خليفة يأتي في مجتمع خلفاء لله في الأرض. وكل منا موكل بالتعاون وإصلاح المجال الذي يخصه. ولا يصح للوكلاء أن يتعاندوا مع بعضهم البعض، بل عليهم أن يتفقوا؛ لأنهم وكلاء لواحد أحد. كذلك خلف الله الإنسان، خلفه خليفة له في الأرض وأنجب الخليفة خلفاء؛ ليؤدوا الخلافة بشكل متساند لا متعاند. إننا - على سبيل المثال - حين نرغب في تفصيل جلباب واحد، نجد الفلاح يزرع القطن، والغزّال يغزله، والنسّاج ينسجه، ومن بعد ذلك نشتريه لنذهب به إلى الخيّاط الذي يأخذ المقاسات المناسبة للجسم، ثم يقوم بحياكة الجلباب على آلة اشتراها بعد أن صنعها آخرون. إذن فجلباب واحد يحتاج إلى تعاون بين كثير من البشر، هكذا تتعاضد الحياة. وإذا نظرنا إلى العالم الذي نحيا فيه نجده مليئاً بالتعب، خصوصاً الأمم المتخلفة، وأيضاً نجد التعب في الأمم المتقدمة؛ لأننا نجد صعاليك من أية دولة يصعدون إلى طائرة تتبع دولة كبرى ويهددون بتفجير الطائرة بمن فيها ويفرضون الشروط، وَيُزِلُّون الدولة الكبرى. إذن فالحياة حتى في الدول الراقية متعبة. وعلى سبيل المثال: الحروب التي قامت في منطقتنا منذ عام 1948 مع إسرائيل واستمرت كل هذه المدة الطويلة، ثم الحرب الأهلية في لبنان، ثم الحرب التي دارت بين العراق وإيران؛ هذه الحروب تكلفت المليارات التي لو استخدمت في وجه آخر لرفعت من شأن تقدم بلادنا. إذن الذي يتعب العالم هو الحركة المتعاندة، والحق سبحانه وتعالى أنزل لنا المنهج القويم ليجعل حركة حياتنا متساندة. فإن اتبعنا المنهج صرنا نأخذ الأوامر من إله واحد، وصار كل منا مكلفاً بالتعاون مع غيره، وهذا لن يحدث إلا إذا استجبنا لما يدعونا الله تشريعاً والرسول بلاغاً، وبهذا تتساند الحياة وتصبح حياة لها طعم. وينطبق عليها قول الحق تبارك وتعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [النحل: 97] . أمَّا من يحيا بغير منهج فتكون حالته كما يبينها قول الله تعالى: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ}تفسير : [طه: 124]. وعلى هذا: فالعقاب على عدم اتباع المنهج الإلهي لا يتأخر إلى يوم القيامة، ولكن الحياة في الدنيا تكون مرهقة، والمعيشة ضنكا. إذن إياكم أن تفهموا أن المنهج الديني لله غايته الآخرة فقط، لا. بل إن اتباع المنهج الديني لله جزاؤه في الآخرة، وأما ثمرته ففي الدنيا. فمن يوفق في هذه الدنيا، وحركته متساندة مع غيره، يعطي له الله الجزاء في الحياة المستريحة في الدنيا بالإضافة إلى جزاء الآخرة. وهكذا نفهم أن موضوع الدين هو الدنيا، أما الآخرة فهي جزاء على هذا الاختبار الدنيوي. وقوله سبحانه وتعالى: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. أي يعطيكم منهجاً من إله واحد؛ لا يعود بالخير عليه ولا على المبلغ عنه وهو الرسول، وإنما يعود بالخير عليكم أنتم، وتلك هي حيثيات الاستجابة، ومن لا يستجيب لهذه فهو الأحمق. {ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. إذن فالخير يأتي من أمر إله واحد؛ فلا يجعل كل منا إلهه هواه، حتى لا تتعدد الأهواء: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ} تفسير : [المؤمنون: 71]. ولذلك لا يتعرض التشريع من الله سبحانه وتعالى إلا ما للأهواء فيه مدخل، أمَّا الشيء الذي ليس للأهواء فيه مدخل فهو يترك الإنسان ليواجهه بملكاته التي خلقها الله له، والشرع يتدخل فقط فيما يمكن أن يخضع للهوى، أما الأمور التي لا تخضع للهوى فألد الأعداء يتفقون فيها. والحياة الآن فيها موجة ارتقاء طموحي علمي، وهذا الطموح العلمي نشأ عن التجربة في المعمل حيث يجلس العلماء الوقت الطويل ليخترعوا ويطوروا، مثال ذلك: "أديسون" الذي قضى وقتاً طويلاً ليخترع المصباح الكهربي، وغيره من العلماء طوروا مخترعاته وجاءوا باختراعات جديدة، ولم ندر عنهم شيئاً إلا أننا نفاجأ بمخترع قد أتى منهم، والعالمُ من هؤلاء تجده أشعث أغبر، لا يفكر في العناية بحسن مظهره وقد لا يأكل ولا يشرب، ولا تدري أنت به إلا إذا الثمرة من عمله واختراعه جاءت، ويقال: فلان اخترع الشيء "الفلاني". وتنتفع أنت بما اخترع رغم أنك لم تَشْقَ شقاءَه حين أخذت الخير الناتج منه. ونرى المعسكرات المتضادة في عالمنا المعاصر تحاول أن تسرق تجارب غيرها في العلوم، وهذه المعسكرات تختلف فقط في الأهواء، فذلك شيوعي، وآخر رأسمالي، وثالث وجودي. الخلاف - إذن - في الأهواء غير المحكومة بالمادة أو بالتجربة. ومن المؤسف حقًا أن ما اتفقنا عليه كالعلوم المادية الكونية التي هي وليدة التجربة، هذه المخترعات نستعملها في فرض ما نختلف فيه، وهكذا تجد أن التعب في العالم إنما يأتي من الطموح الأهوائي لا الطموح المادي العلمي؛ لذلك يتدخل الشرع في الأهواء ويحسمها؛ ليكون كل منا عبداً لله تعالى، وكل منَّا حر أمام غيره. والرسول صلى الله عليه وسلم بمنهجه الذي جاء به من الله يدعو الحيّ - صاحب الحس والحركة - إلى أن تكون حياته حياة طيبة ليس فيها ضنك؛ هذا إن نظرنا إلى كيفية الحياة. فإن قسنا الحياة بعمر الآخرة، فهي لا تساوي إلا القليل؛ لأن ما لا نختلف فيه كأفراد في الخلافة يجب أن يكون غاية للخلفاء، فربنا قد يخلق واحدا ليموت في بطن أمه، وواحدا يموت بعد ساعة من مولده، وثالثا يموت بعد شهر من ميلاده، ومنا من يعمر مائة سنة، ولا يمكن أن يكونَ الأمر المُخْتَلَف فيه غاية للمتحدين في الجنس، فالغاية أن نعمر الدنيا بالعمل الصالح لنسعد بها، ونعبر منها إلى ما هو أجمل وهي الآخرة، ومأمون فيها أننا لا نموت، ومأمون فيها أننا لن نتعب أبداً، لأنه كلما اشتهيت شيئاً ستجده أمامك. وهذه قمة الحياة الطيبة. وعلى فرض أنك ستتعب في سبيل منهج الله حين تبلغه للناس، دفاعاً عنه بالحرب والقتال وبالتضحية بالأموال، فأنت رابح لحياة طيبة أبدية، ويبين القرآن الكريم لنا هذه الحياة في قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 64]. فالدار الآخرة ليست مجرد حياة، بل أكبر من حياة؛ لأن حياتك الدنيا موقوتة ومحددة، ونعيمك فيها على قدر إمكانياتك وتصوراتك، ولكن الحياة الأخرى ليست موقوته بل ممتدة، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات خالقك المنعم القادر. وهكذا نتأكد أنه صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى ما يحيينا. والحق سبحانه وتعالى حينما دعانا إلى الحياة الطيبة سمى المعيشة في منهجه حياة، لأنها حياة سعيدة، وتسلم إلى حياة خالدة. ولذلك سمى الحياة الأولى التي تأتي إذا نفخ الله الروح في المادة، وقال عن آدم وكل بني آدم: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [ص: 72]. وأعطى الله سبحانه وتعالى هذه الحياة للمؤمن والكافر. وسمى سبحانه وتعالى ما يحمل المنهج للناس وهو القرآن روحاً: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}تفسير : [الشورى: 52]. والمنهج - إذن - روح من أمر الله سبحانه وتعالى نزل به الروح الأمين، وهذه هي الحياة المطلوبة لله سعادة، وتسانداً، وخلوداً في الجنة. ولذلك أنزل المنهج ليمنع التعاند والتعارض والتضاد بين المؤمنين، وليحمي كل مؤمن نفسه من الزلل، فيقاوم المعصية وهي صغيرة قبل أن تكبر وتستفحل. ثم يقول المولى سبحانه وتعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. وماذا يعني قوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}؟. وأقول: إياك أن تظن أن الكافر - على سبيل المثال - يعلن أن قلبه قد انعقد على الكفر؛ لأنه قد يجرب أن يخلع نفسه من هواه وينظر إلى حقيقة الإيمان فيقتنع به، ولن يسيطر على هواه، وقد انقلب أكثر من قلب شرير إلى قلب خير، مثل صناديد قريش من الكفار الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد كانت قلوبهم معقودة على الشر، لكنها لم تستمر على الشر، بل حال الحق بين كل إمرىء منهم وقلبه. والقلب هو محل التمنيات والأماني، وأول الأماني أن تطول حياة الإنسان، خصوصاً وهو يرى أن من في مثل عمره يموت، ومن في مثل عمر والده يموت. وأن جده يموت، ولأن الإنسان يحب أن تطول حياته، يرغب في أن ينجب ولداً ليمتد ذكره، إنه يريد الحياة ولو من غيره، ما دام منسوباً له. كما أن الإنسان يحب الآمال، ويبني في أحلامه الكثير مما يريد أن يحققه، والواجب عليه ألاَّ ينسى أن لهذا الكون إلهاً قادراً، قد ينهى حياة أي منا رغم أن كل إنسان يحلم أن تطول حياته، وقد يقف بين الإنسان وبين آماله التي يريد أن يحققها، ولا أحد منا معزول عن خالقه، وكل منا في يد الخالق، وسبحانه وتعالى لم يخلق الخلق ثم يترك النواميس لتعمل دون إرادته، بل كل النواميس في يده. وما دام الحق يحول بين المرء وتمنيات قلبه؛ استطالة حياة، وتحقيق آمال، وستراً للموت وأسبابه وزمنه، كل ذلك لنتجه دائماً إلى فعل الخير لنحيا في ضوء المنهج وأنت لا تعرف متى ينتهي الأجل، وإلى الله المصير. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الكافرين، وشبّههم بالأنعام السارحة لأنهم أعرضوا عن قبول دعوة الله، أمر المؤمنين هنا بالاستجابة لله والرسول، وقبول دعوته التي فيها حياة القلوب، وبها السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة. اللغَة: {مُكَآءً} المكاء: الصفير قال أبو عبيدة: والكثير في الأصوات أن تكون على فعال كالصراخ والخوار والدُّعاء والنباح {تَصْدِيَةً} التصدية: التصفيق يقال: صدى تصدية إِذا صفق بيديه وأصله من الصَّدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل {فَيَرْكُمَهُ} الركم: الجمع قال الليث: هو أن تجمع الشيء فوق الشيء حتى تجعله ركاماً مركوماً كركام الرمل والسحاب {سَلَفَ} مضى {سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} عادة الله وسنته في إِهلاك المكذبين من الأمم السالفة {مَوْلاَكُمْ} ناصركم ومعينكم. سَبَبُ النّزول: أخرج ابن جرير عن الزهري حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حاصر يهود بني قريظة طلبوا الصلح فأمرهم أن ينزلوا على حكم "سعد بن معاذ" فقالوا: أرسل لنا "أبا لبابة" فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إِليهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم سعد؟ فأشار إِلى حلقه يعني أنه الذبح، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله فقال: لا والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ فنزلت الآية تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ..} الآية ثم نزلت توبته. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} أي أجيبوا دعاء رسوله إِذا دعاكم للإِيمان الذي به تحيا النفوس، وبه تحيون الحياة الأبدية قال قتادة: هو القرآن فيه الحياة، والثقة، والنجاة، والعصمة في الدنيا والآخرة {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} أي أنه تعالى المتصرف في جميع الأشياء، يصرّف القلوب كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغيّر مقاصده، ويلهمه رشده، أو يُزيغ قلبه عن الصراط السوي، وفي الحديث: "حديث : يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك" تفسير : قال ابن عباس: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإِيمان قال أبو حيان: وفي ذلك حضٌ على المراقبة، والخوف من الله تعالى والمبادرة إِلى الاستجابة له جلَّ وعلا {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي وأنه سبحانه إِليه مرجعكم ومصيركم فيجازيكم بأعمالكم {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} أي احذروا بطش الله وانتقامه إن عصيتم أمره واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل تعم الجميع، وتصل إِلى الصالح والطالح، لأن الظالم يهلك بظلمه وعصيانه، وغير الظالم يهلك لعدم منعه وسكوته عليه وفي الحديث "حديث : إِن الناس إِذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعذابٍ من عنده" تفسير : قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب، فيصيب الظالم وغير الظالم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وهذا وعيد شديد أي شديد العذاب لمن عصاه {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ} أي اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن كنتم قلة أذلة يستضعفكم الكفار في أرض مكة فيفتنونكم عن دينكم وينالونكم بالأذى والمكروه {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} أي تخافون المشركين أن يختطفوكم بالقتل والسلب، والخطف: الأخذ بسرعة {فَآوَاكُمْ} أي جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم وهو المدينة المنورة {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} أي أعانكم وقواكم يوم بدر بنصره المؤزر حتى هزمتموهم {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي منحكم غنائمهم حلالاً طيبة ولم تكن تحل لأحد من قبل {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لتشكروا الله على هذه النعم الجليلة، والغرض التذكير بالنعمة فإِنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، فعليهم أن يطيعوا الله ويشكروه على هذه النعمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أي لا تخونوا دينكم ورسولكم بإِطلاع المشركين على أسرار المؤمنين {وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} أي ما ائتمنكم عليه من التكاليف الشرعية كقوله {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ...} تفسير : [الأحزاب: 72] الآية قال ابن عباس: خيانة الله سبحانه بترك فرائضه، والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته وارتكاب معصيته، والأمانات: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعلمون أنه خيانة وتعرفون تبعة ذلك ووباله {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي محنة من الله ليختبركم كيف تحافظون معها على حدوده قال الإِمام الفخر: وإِنما كانت فتنة لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجاباً عن خدمة المولى {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي ثوابه وعطاؤه خير لكم من الأموال والأولاد فاحرصوا على طاعة الله {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} أي إِن أطعتم الله واجتنبتم معاصيه يجعل لكم هداية ونوراً في قلوبكم، تفرقون به بين الحق والباطل كقوله {أية : وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} تفسير : [الحديد: 28] وفي الآية دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي يسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي واسع الفضل عظيم العطاء {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذا تذكير بنعمة خاصة على الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تذكير المؤمنين بالنعمة العامة عليهم والمعنى: اذكر يا محمد حين تآمر عليك المشركون في دار الندوة {لِيُثْبِتُوكَ} أي يحبسوك {أَوْ يَقْتُلُوكَ} أي بالسيف ضربة رجل واحد ليتفرق دمه صلى الله عليه وسلم بين القبائل {أَوْ يُخْرِجُوكَ} أي من مكة {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} أي يحتالون ويتآمرون عليك يا محمد ويدبر لك ربك ما يبطل مكرهم ويفضح أمرهم {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} أي مكره تعالى أنفذ من مكرهم وأبلغ تأثيراً قال الطبري في روايته عن ابن عباس: إِن نفراً من أشراف قريش اجتمعوا في دار الندوة فاعترضهم إِبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من العرب، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح قالوا: أجل فادخل، فقال انظروا في شأن هذا الرجل - يعني محمداً صلى الله عليه وسلم - فقال قائل: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، فصرخ عدو الله وقال: والله ما هذا لكم برأي، فليوشكن أن يثب أصحابه عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه فإِنه إِذا خرج فلن يضركم ما صنع وأين وقع، فقال الشيخ المذكور: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بحديثه؟ والله لئن فعلتم لتجتمعن عليكم العرب حتى يخرجوكم من بلادكم ويقتلوا أشرافكم، قالوا صدق فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال نأخذ من كل قبيلة غلاماً شاباً جلداً، ونعطي كل واحد سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، ويتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها فيقبلون الدية ونستريح منه ونقطع عنا أذاه، فصرخ عدو الله إِبليس: هذا والله الرأي لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ..} الآية {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} أي وإِذا قرئت عليهم آيات القرآن المبين {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} أي قالوا مكابرة وعناداً: قد سمعنا هذا الكلام ولو أردنا لقلنا مثله {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إِلا أكاذيب وأباطيل وحكايات الأمم السابقة سطروها وليس كلام الله تعالى قال أبو السعود: وهذا غاية المكابرة ونهاية العناد، كيف لا، ولو استطاعوا لما تأخروا! فما الذي كان يمنعهم وقد تحداهم عشر سنين؟ وقرِّعوا على العجز، ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوه، مع أنفتهم، وفرط استنكافهم أن يغلبوا لا سيما في باب البيان؟! {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} أي إِن كان هذا القرآن حقاً منزلاً من عندك {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي أنزل علينا حاصباً وحجارة من السماء كما أنزلتها على قوم لوط {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي بعذاب مؤلم أهلكنا به، وهذا تهكم منهم واستهزاء قال ابن كثير: وهذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكنهم استعجلوا العقوبة والعذاب لسفههم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} هذا جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان للسبب الموجب لإِمهالهم أي إِنهم مستحقون للعذاب ولكنه لا يعذبهم وأنت فيهم إِكراماً لك يا محمد، فقد جرت سنة الله وحكمته ألا يعذب أمة ونبيها بين ظهرانيها قال ابن عباس: لم تعذب أمة قط ونبيها فيها، والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي وما كان الله ليعذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون الله، وهو إٍشارة الى استغفار من بقي بين أظهرهم من المسلمين المستضعفين قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إِلى يوم القيامة {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم؟ وكيف لا يعذبون وهم على ما هم عليه من العتو والضلال؟ {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي وحالهم الصد عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وكما اضطروه والمؤمنين إِلى الهجرة من مكة، {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} أي ما كانوا أهلاً لولاية المسجد الحرام مع إِشراكهم {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} أي إِنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكن أكثرهم جهلة سفلة فقد كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، نصد من نشاء، وندخل من نشاء.. والغرض من الآية بيان استحقاقهم لعذاب الاستئصال بسبب جرائمهم الشنيعة، ولكن الله رفعه عنهم إِكراماً لرسوله عليه السلام، ولاستغفار المسلمين المستضعفين {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} هذا من جملة قبائحهم أي ما كانت عبادة المشركين وصلاتهم عند البيت الحرام إِلا تصفيراً وتصفيقاً، وكانوا يفعلونهما إِذا صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم، والمعنى أنهم وضعوا مكان الصلاة والتقرب إِلى الله التصفير والتصفيق قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراةٌ يصفرون ويصفقون {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أي فذوقوا عذاب القتل والأَسر بسبب كفركم وأفعالكم القبيحة، وهو إِشارة إِلى ما حصل لهم يوم بدر {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يصرفون أموالهم ويبذلونها لمنع الناس عن الدخول في دين الإِسلام، ولحرب محمد عليه السلام، قال الطبري: لما أصيب كفار قريش يوم بدر، ورجع فلُّهم إِلى مكة قالوا: يا معشر قريش إِن محمداً قد وتَرَكم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا فنزلت الآية {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي فسينفقون هذه الأموال ثم تصير ندامة عليهم، لأن أموالهم تذهب ولا يظفرون بما كانوا يطمعون من إِطفاء نور الله وإِعلاء كلمة الكفر {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} إِخبار بالغيب أي ثم نهايتهم الهزيمة والاندحار {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ} تفسير : [المجادلة: 21] {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} أي والذين ماتوا على الكفر منهم يساقون إِلى جهنم، فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} أي ليفرق الله بين جند الرحمن وجند الشيطان، ويفصل بين المؤمنين الأبرار والكفرة الأشرار، والمراد بالخبيث والطيب الكافر والمؤمن {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ} أي يجعل الكفار بعضهم فوق بعض {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي يجعلهم كالركام متراكماً بعضهم فوق بعض لشدة الازدحام {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} أي فيقذف بهم في نار جهنم {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، ثم دعاهم تعالى إِلى التوبة والإِنابة، وحذرهم من الإِصرار على الكفر والضلال فقال سبحانه {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، إِن ينتهوا عن الكفر ويؤمنوا بالله ويتركوا قتالك وقتال المؤمنين، يغفر لهم ما قد سلف من الذنوب والآثام {وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} أي وإِن عادوا إِلى قتالك وتكذيبك فقد مضت سنتي في تدمير وإِهلاك المكذبين لأنبيائي، فكذلك نفعل بهم، وهذا وعيد شديد لهم بالدمار إِن لم يقلعوا عن المكابرة والعناد {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي قاتلوا يا معشر المؤمنين أعداءكم المشركين حتى لا يكون شرك ولا يعبد إِلا الله وحده، قال ابن عباس: الفتنة: الشرك، أي حتى لا يبقى مشرك على وجه الأرض وقال ابن جريج: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} أي تضمحل الأديان الباطلة ولا يبقى إِلا دين الإِسلام قال الألوسي: واضمحلالها إِما بهلاك أهلها جميعاً، أو برجوعهم عنها خشية القتل، لقوله عليه السلام "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إِله إِلا الله" تفسير : {فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي فإِن انتهوا عن الكفر وأسلموا فإِن الله مطلع على قلوبهم، يثيبهم على توبتهم وإِسلامهم {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ} أي وإِن لم ينتهوا عن كفرهم وأعرضوا عن الإِيمان فاعلموا يا معشر المؤمنين أن الله ناصركم ومعينكم عليهم، فثقوا بنصرته وولايته ولا تبالوا بمعاداتهم لكم {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} أي نعم الله أن يكون مولاكم فإِنه لا يضيع من تولاه، ونعم النصير لكم فإِنه لا يُغلب من نصره الله. البَلاَغَة: 1- {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، شبه تمكنه تعالى من قلوب العباد وتصريفها كما يشاء، بمن يحول بين الشيء والشيء، وهي استعارة لطيفة. 2- {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} صيغة المضارع لاستحضار الصورة العجيبة من تآمر المشركين على صاحب الرسالة عليه السلام. 3- {وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} إِضافة المكر إِليه تعالى على طريق "المشاكلة" بمعنى إِحباط ما دبروا من كيد ومكر، والمشاكلة ان يتفق اللفظ ويختلف المعنى وقد تقدم. 4- {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} تأمل التعبير الرائع في أسلوب القرآن حيث وضعوا المكاء والتصدية "التصفير والتصفيق" موضع الصلاة التي ينبغي أن تؤدى عند البيت فكانوا كالأنعام التي لا تفقه معنى العبادة، ولا تعرف حرمة بيوت الله، وهو على حد قول القائل: "تحية بينهم ضرب وجيع". 5- {ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} كناية عن المؤمن والكافر وبين لفظ "الخبيث" و "الطيب" طباق وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: روى الحافظ ابن كثير عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: حديث : كنت أصلي فمر بي النبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله تعالى {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ ثم قال: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت له ذلك فقال {ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته . تفسير : لطيفَة: حكي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملَّكُوا عليهم امرأة! فقال الرجل: أجهل من قومي قومك حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إِلى الحق {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ولم يقولوا: إِن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إِليه، فسكت معاوية رضي الله عنه.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} معناه لِمَا يُهدِيكُمْ ويُصلِحُكُمْ.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ} تقدم الكلام في استجاب في قوله: {أية : فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي} تفسير : [البقرة: 186]، وأفرد الضمير في دعاكم كما أفرده في: ولا تولوا عنه. والظاهر تعلق لما بقوله: دعاكم، ودعا يتعدى باللام قال: دعوت لما نابني مسْوَراً. وقال آخرون: شعر : وان أدع للجلي أكن من حماتها تفسير : {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} المعنى أنه تعالى هو المتصرف في جميع الأشياء والقادر على الحيلولة بين الإِنسان وبين ما يشتهيه قلبه فهو الذي ينبغي أن يستجاب إذا دعي إذ بيده ملكوت كل شىء وزمامه. {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً} الآية، هذا خطاب ظاهره العموم باتقاء الفتنة التي لا تختص بالظالم بل تعم الصالح والطالح. والجملة من قوله: لا تصيبن، خبرية صفة لقوله: فتنة، أي غير مصيبة الظالم خاصة إلا أنّ دخول نون التوكيد على المنفي بلا مختلف فيه فالجمهور لا يجيزونه ويحملون ما جاء منه على الضرورة أو على الندور، والذي نختاره الجواز وإليه ذهب بعض النحويين، وإذا كان قد جاء لحاقها الفعل منفياً بلا مع الفصل نحو قوله: شعر : فلاذا نعيم يتركن لنعيمه تفسير : وإن قال قرظني وخذ رشوة أبي. فلأن تلحقه من غير الفصل أولى نحو لا تصيبن. وزعم الزمخشري أن الجملة صفة وهي نهي، قال: وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول كأنه قيل: واتقوا فتنة، مقولاً فيها لا تصيبن. وزعم الفراء أن الجملة جواب للأمر نحو قولك: انزل عن الدابة لا تطرحنك أي أن تنزل عنها لا تطرحنك. قال: ومنه لا يحطمنكم أي أن تدخلوا لا يحطمنكم فدخلت النون لما فيها من معنى الجزاء. "انتهى". وهذا المثال وهو قوله: ادخلوا، ليس نظير واتقوا فتنة، لأنه ينتظم من المثال والآية شرط وجزاء كما قدر ولا ينتظم ذلك هنا ألا ترى أنه لا يصح تقدير أن تتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منك خاصة، لأنه يترتب إذ ذاك على الشرط غير مقتضاه من جهة المعنى. وأخذ الزمخشري قول الفراء وزاده فساداً وخبط فيه فقال: وقوله: لا تصيبن، لا يخلو من أن يكون جواباً للأمر أو نهياً بعد أمر أو صفة لفتنة فإِذا كان جواباً فالمعنى أن إصابتكم فتنة لا تصيب الظالمين منكم خاصة ولكنها تعمكم. "انتهى" تقريره لهذا القول، فانظر كيف قدر أن يكون جواباً للأمر الذي هو اتقوا ثم قدر أداة الشرط داخلة على غير مضارع اتقوا فالمعنى ان إصابتكم يعني الفتنة، وانظر كيف قدر الفراء في انزل عن الدابة لا تطرحنك، وفي قوله: ادخلوا، فادخل أداة الشرط على مضارع فعل الأمر وهكذا يقدر ما كان جواباً للأمر وفيه تخريجات أخر ذكرت في البحر. قال الزمخشري: خاصة أصله أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أي إصابة خاصة وهي حال من الفاعل المستكن في لا تصيبن ويحتمل أن يكون حالاً من الذين ظلموا أي مخصوصين بها بل تعمهم وغيرهم. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون خاصة حالاً من الضمير في الذين ظلموا. "انتهى". لا أتعقل أنا هذا الوجه. {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} الآية نزلت عقب بدر فقيل خطاب للمهاجرين خاصة كانوا بمكة قليلي العدد مقهورين فيها يخافون أن يستلبهم المشركون، قاله ابن عباس فآواهم بالمدينة وأيدهم بنصره يوم بدر. والطيبات: الغنائم وما فتح به عليهم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية قال ابن عباس: نزلت في أبي لبابة حين استنصحته قريظة لما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسيرهم إلى أذرعات وأريحاء كفعله ببني النضير فأشار أبو لبابة إلى حلقه أي ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح فكانت خيانته في قصة طويلة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وفي كون الأجر العظيم عنده تعالى إشارة إلى أن لا يفتن المرء بماله وولده فيؤثر محبتهما على ما عند الله تعالى فيجمع المال ويحب الولد حتى يؤثر ذلك كما فعل أبو لبابة لأجل كون ماله وولده كانوا عند بني قريظة. {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية، الفرقان مصدر من فرق بين الشيئين أي حال بينهما. قال ابن عباس وجماعة: فرقانا مخرجاً. قال الشاعر: شعر : فكيف أرجي الخلد والموت طالبي ومالي من كأس المنية فرقان تفسير : أي مخرج ومخلص. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية، لما ذكر المؤمنين نعمه تعالى عليهم ذكرهم صلى الله عليه وسلم نعمه عليه في خاصة نفسه عليه السلام وكانت قريش تشاوروا في دار الندوة بما يُفعَل به فمن قائل يحبس ويقيد ويتربص به ريب المنون ومن قائل يخرج من مكة يستريحوا منه وتصور لهم إبليس في صورة شيخ نجدي وقيّل هذين الرأيين، ومن قائل يجتمع من كل قبيلة رجل ويضربونه ضربة واحدة بأسيافهم فيتفرق دمه في القبائل فلا يقدر بنو هاشم على محاربة قريش كلها فيرضون بأخذ الدية، فصوّب إبليس لعنه الله هذا الرأي. فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك وأمره ألا يبيت في مضجعه وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمر علياً أن يبيت في مضجعه ويتشح ببردته وباتوا راصدين فبادروا إلى المضجع فأبصروا علياً فبهتوا وخلف علياً رضي الله عنه ليرد ودائع كانت عنده وخرج إلى المدينة. ومعنى ليثبتوك أي ليثخنوك بالجراح والضرب، من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه ولا حراك به ولا براج ورمى الطائر. فأثبته أي أثخنه. وقال الشاعر: شعر : فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا تفسير : أي مثخناً. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الآية، قائل ذلك النضر بن الحارث واتبعه قائلون كثيرون وكان من مردة قريش سافر إلى فارس والحيرة وسمع من قصص الرهبان والأناجيل واخبار رستم واسافنديار ورأى اليهود والنصارى يركعون ويسجدون قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً بالصفراء بالأثيل منها منصرفة من بدر وفي هذا التركيب جواز وقوع المضارع بعد إذا وجوابه الماضي جواباً فضيحاً بخلاف أدوات الشرط فإِنه لا يجوز ذلك فيها إلا في الشعر، نحو: شعر : من يكدني بشىء كنت منه تفسير : ومعنى قد سمعنا ولا نطيع أو قد سمعنا مثل هذا. وقولهم: لو نشاء أي لو نشاء القول لقلنا مثل هذا الذي تتلوه وذكر على معنى المتلو وهذا القول منهم على سبيل البهت والمصادمة وليس ذلك في استطاعتهم فقد طولبوا بسورة منه فعجزوا وكانوا أحب شىء إليهم الغلبة وخصوصاً في باب البيان فكانوا يتمالطون ويتعارضون ويحكم بينهم في ذلك وكانوا أحرص الناس على قهره صلى الله عليه وسلم فكيف يحيلون المعارضة على مشيئتهم ويتعللون بأنهم لو أرادوا لقالوا مثل هذا القول. {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تقدم شرحه من الانعام.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه منادياً للمؤمنين تذكيراً له وتعليماً: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: إجابة الله وإجابة رسوله {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ} بامتثال مأموراته وأحكامه واجتناب نواهيه {وَلِلرَّسُولِ} سنته وآدابه وأخلاقه {إِذَا دَعَاكُم} وحده، باعتبار أن دعوة الرسول هي بعينها دعوة الحق {لِمَا يُحْيِيكُمْ} من العلوم الدينية والمعارف الحقيقية المثمرة للمكاشفات والمشاهدات التي اضمحلت دنها نفوس السّوى والأغيار مطلقاً، المورثة للحياة الأزلية والبقاء السرمدي التي لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى التي هي الانخلاع عن لوازم البشرية، ومقتضيات القوى البهيمية، ولا بدَّ أن تكون إجابتكم وقولكم على وجه الخلوص والتسليم. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائر عباده {يَحُولُ} ويحجب {بَيْنَ ٱلْمَرْءِ} المشخص بالهوية الشخصية، المتعين بالتعين العدلي {وَقَلْبِهِ} الذي يسع فيه الحق المنزه عن الإطلاق والتقييد، المبرئ عن الإحاطة والتحديد بالحجب الكثيرة فمادامت الحجب والأستار مسدولة بين المرء وقلبه لم يشم رائحة المحبة والولاء المؤدي إلى الفناء، المثمر للبقاء. وانفتاح أبواب المحبة والولاء إنما يحصل بالإخلاص والتسليم والتفويض والتوكل والتبتل، والتوحيد المقسط للإضافات مطلقاً {وَ} بالجلمة: {أَنَّهُ} أي: الشأن {إِلَيْهِ} سبحانه لا إلى غيره بد رفع الأظلال الهالكة والتعينات الباطلة {تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] ترجعون رجوع الظل إلى ذي الظل. {وَٱتَّقُواْ} أيها المؤمنون {فِتْنَةً} أي: معصية مسقطة للعدالة، مزيحة للمروءة مورثة للمصيبة الشاملة إثرها لعباد الله مثل الطاعون المترتب على الزنا واللواط، والقحط المترتب على التخسير والتطفيف والاحتكار وغيرها من طرق الربا، مع أن أثرها {لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي: أتوا بها {مِنكُمْ خَآصَّةً} بل يعم الظالمين وغيرهم بشؤمهم؛ لأن غيرهم يداهنون معهم كأنهم راضون بفعلهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 25] ضعب الانتقام، سريع الحساب لعى من خرج من مقتضى أمره ونهيه. {وَٱذْكُرُوۤاْ} أيها المؤمنون نعمنا إياكم، وداموا بشكرها وقت {إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ} يستضعفكم مَنْ {فِي ٱلأَرْضِ} يعني: أرض مكة - شرفها الله - ومن غاية ضعفكم وقلتكم {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ} ويلتقطكم {ٱلنَّاسُ} عن وجه الأرض إلى حيث يستأصلكم بالمرة؛ من غاية ضعفكم وقلتكم {فَآوَاكُمْ} الله بحوله وقوته، وأعادكم إليها بعدما أخرجكم العدو منها ظلماً وزوراً {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} بأن تغلبوا وتظفروا على عدوكم، وتخرجوهم منها مهانين مغلوبين مستضعفين {وَ} بعدما أيدكم وأظفركم سبحانه {رَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} التي غنمتم منها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] رجاء أن تواظبوا شكر هذه النعم الجسام.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة للّه وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: { إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } وصف ملازم لكل ما دعا اللّه ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية اللّه تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. ثم حذر عن عدم الاستجابة للّه وللرسول فقال: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } فإياكم أن تردوا أمر اللّه أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء. فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك. { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي: تجمعون ليوم لا ريب فيه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بعصيانه. { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } بل تصيب فاعل الظلم وغيره،وذلك إذا ظهر الظلم فلم يغير، فإن عقوبته تعم الفاعل وغيره،وتقوى هذه الفتنة بالنهي عن المنكر، وقمع أهل الشر والفساد، وأن لا يمكنوا من المعاصي والظلم مهما أمكن. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } لمن تعرض لمساخطه، وجانب رضاه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 305 : 11 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير في قوله {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال، يحول بين المؤمن وبين أن يكفر وبين الكافر وبين أن يؤمن. [الآية 24]. 306 : 12 : 2 - سفين عن ليث قال، سألت مجاهدا. قال، قلنا: "ما يحول بين المرء وقلبه"؟ قال، إذا حال بين المرء وقلبه، هلك.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ} [24] 225- أنا عمران بن موسى، نا يزيد، نا روح بن القاسم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أُبيِّ بن كعب، وهو يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيه أُبَي" فالتفت أُبَي ولم يُجبه، ثم صلى أُبي فخفف، ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: / سلام عليك يا رسول الله قال: "ويحك، ما منعك أُبي أن دعوتك أن لا تُجيبني؟" قال: يا رسول الله، كنت في صلاة. قال: "فليس تجد فيما أَوحَى الله إليَّ أن {ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}" قال: بلى، يا رسول الله لا أعود فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتحب أن أُعلمك سورة لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفُرقان مثلها؟" قال: نعم أي رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو ألا تخرج من هذا الباب حتى تعلمها" أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي يحدثني، فلما دنونا من الباب قلت: يا رسول الله، ما السورة التي وعدتني؟ قال: "كيف تقرأ في الصلاة؟" فقرأت عليه أُمَّ القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، ما أُنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزَّبور، ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُعطيت ".

همام الصنعاني

تفسير : 1002- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}: [الآية: 24] قال: هي كقوله تعالى: {أية : أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : : [ق: 16]. 1003- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، قال الكلبي: يحول بن المؤمن وبَيْنَ الكُفْرِ ويحول بين الكافر وبين الإيمان. 1004- عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الآية: 24] قال: بن المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان. 1005- عبد الرزاق، عَنْ عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعته يقول: {يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الآية: 24]، قال: يَحُولُ بَيْنَ الكافرِ وطاعة الله وبين المؤمن ومعصية الله.