٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى كما حذر الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه، فكذلك حذره من الفتن، والمعنى: واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة بل تتعدى إليكم جميعاً وتصل إلى الصالح والطالح. عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة. قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زماناً وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها، وعن السدي: نزلت في أهل بدر اقتتلوا يوم الجمل، وروي أن الزبير كان يسامر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً إذ أقبل علي رضي الله عنه، فضحك إليه الزبير فقال رسول الله: «كيف حبك لعلي، فقال يارسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد فقال: «كيف أنت إذا سرت إليه تقاتله». فإن قيل: كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر؟ قلنا: فيه وجهان: الأول: أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي، ومتى كان كذلك حسن إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي، كقولك انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك، وكقوله تعالى: {أية : نَمْلَةٌ يأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ وَجُنُودُهُ } تفسير : [النمل: 18] الثاني: أن التقدير: واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص. وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة، والمراد منه: المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة. ثم قال تعالى: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } والمراد منه: الحث على لزوم الاستقامة خوفاً من عقاب الله. فإن قيل: حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب وغيره، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من لم يذنب؟ قلنا: إنه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزمانة بعبده ابتداء، إما لأنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية، أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين فكذا ههنا. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولىٰ: قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألا يُقِرّوا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب. وكذلك تأوّل فيها الزبير بن العوّام فإنه قال يوم الجمل، وكان سنة ست وثلاثين: ما علمت أنا أُرِدنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت. وكذلك تأوّل الحسن البصري والسّدي وغيرهما. قال السّدي: نزلت الآية في أهل بدر خاصة: فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فٱقتتلوا. وقال ٱبن عباس رضي الله عنه؛ نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال: أمر الله المؤمنين ألا يقِرّوا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب. وعن حُذيفة بن الَيَمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستنّ بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار».تفسير : قلت: وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة؛ ففي صحيح مسلم حديث : عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث»تفسير : . وفي صحيح الترمذي: «حديث : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده»تفسير : وقد تقدّمت هذه الأحاديث. وفي صحيح البخاريّ والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَثَل القائِم على حدود الله والواقِع فيها كمثل قومٍ استَهَمُوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوْا من الماء مروّا على مَن فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا وَنَجَوْا جميعاً»تفسير : . ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفيه استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال علماؤنا: فالفتنة إذا عُملت هلك الكل. وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وإذا لم تُغيَّر وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هِجران تلك البلدة والهرب منها. وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم؛ كما في قصة السّبْت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم. وبهذا قال السلف رضي الله عنهم. روىٰ ٱبن وهب عن مالك أنه قال: تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهاراً ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدّرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها. خرّجه الصحيح. وروى ابن البخاريّ عن ٱبن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعثوا على أعمالهم»تفسير : . فهذا يدل على أن الهلاك العامّ منه ما يكون طُهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نِقمة للفاسقين. وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير حديث : أن عائشة رضي الله عنها قالت: عَبِث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلت: يا رسول الله، صنعتَ شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: «العجبُ، إن ناساً من أمتي يَؤمُّون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم». فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس. قال: «نعم، فيهم المستبصِر والمجبور وٱبن السبيل يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتّىٰ يبعثهم الله تعالى على نياتهم»تفسير : . فإن قيل: فقد قال الله تعالىٰ: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]. {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} تفسير : [المدثر: 38]. {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286]. وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب. فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره؛ فإذا سكت عليه فكلهم عاص. هذا بفعله وهذا برضاه. وقد جعل الله في حُكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم في العقوبة؛ قاله ابن العربيّ: وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا. ومقصود الآية: وٱتقوا فتنة تتعدّىٰ الظالم، فتصيب الصالح والطالح. الثانية: واختلف النحاة في دخول النون في «لاَ تُصِيبنَّ». قال الفراء: هو بمنزلة قولك: ٱنزل عن الدابة لا تطرحنّك؛ فهو جواب الأمر بلفظ النهي؛ أي إن تنزل عنها لا تطرحنّك. ومثله قوله تعالىٰ: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ} تفسير : [النمل: 18]. أي إن تدخلوا لا يحطمنكم؛ فدخلت النون لما فيه من معنىٰ الجزاء. وقيل: لأنه خرج مخرج القَسَم، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القَسَم. وقال أبو العباس المبّرد: إنه نهي بعد أمر، والمعنىٰ النّهْيُ للظالمين؛ أي لا تقربن الظلم. وحكى سيبويه: لا أرينّك هاهنا؛ أي لا تكن هٰهنا؛ فإنه من كان هٰاهنا رأيته. وقال الجُرْجانيّ: المعنىٰ ٱتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة. فقوله {لاَّ تُصِيبَنَّ} نهي في موضع وصف النكرة؛ وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا. وقرأ عليّ وزيد بن ثابت وأبَيّ وٱبن مسعود «لتصيبن» بلا ألف. قال المهدَوِيّ: من قرأ «لتصيبن» جاز يكون مقصوراً من «لا تصيبن» حذفت الألف كما حذفت من «ما» وهي أخت «لا» في نحو أمَ والله لأفعلنّ، وشبهه. ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة؛ فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} اتقوا ذنباً يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن إما جواب الأمر على معنى أن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } تفسير : [النمل: 18] وأما صفة لـ {لفتنة}، ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو لنهي على إرادة القول كقوله:شعر : حتى إذا جن الظلام واختلط جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط تفسير : وَإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهياً بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم لأن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه، ومن في منكم على الوجه الأول للتبعيض وعلى الأخيرين للتبيين وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم أقبح من غيركم. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.
ابن كثير
تفسير : يحذر تعالى عباده المؤمنين فتنة، أي: اختباراً ومحنة، يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب، بل يعمهما حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا غيلان بن جرير عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير رضي الله عنه: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} لم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت، وقد رواه البزار من حديث مطرف عن الزبير، وقال: لا نعرف مطرفاً روى عن الزبير غير هذا الحديث، وقد روى النسائي من حديث جرير بن حازم عن الحسن عن الزبير نحو هذا، وقد روى ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خوفنا بها، يعني: قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة. وكذا رواه حميد عن الحسن عن الزبير رضي الله عنه. وقال داود بن أبي هند عن الحسن في هذه الآية قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وقال سفيان الثوري عن الصلت بن دينار عن عقبة بن صهبان: سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زماناً، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: { وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} وقد روي من غير وجه عن الزبير بن العوام، وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} يعني: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال في رواية له عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب، وهذا تفسير حسن جداً، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}: هي أيضاً لكم، وكذا قال الضحاك ويزيد بن أبي حبيب، وغير واحد، وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن: 15] فأيكم استعاذ، فليستعذ بالله من مضلات الفتن. رواه ابن جرير، والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم، هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى؛ كما فعله الأئمة، وأفردوه بالتخصيص، ومن أخص ما يذكر ههنا ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله، يعني: ابن المبارك، أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا: أنه سمع جدي، يعني: عدي بن عميرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة» تفسير : فيه رجل متهم، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل، يعني: ابن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل عن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» تفسير : ورواه عن أبي سعيد عن إسماعيل بن جعفر، وقال: «حديث : أو ليبعثن الله عليكم قوماً، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا رزين حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتنكم الله جميعاً بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد أيضاً: حدثني يحيى بن سعيد عن زكريا، حدثنا عامر رضي الله عنه قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنه يخطب يقول: وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه يقول: «حديث : مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، والمداهن فيها، كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها، وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقاً، فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وأمرهم، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نجوا جميعاً» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش عن عامر بن شراحيل الشعبي به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن علقمة بن مرثد عن المعرور بن سويد عن أمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده» تفسير : فقلت: يا رسول الله أما فيهم أناس صالحون؟ قال: «حديث : بلى» تفسير : قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: «حديث : يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان»تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من قوم يعملون بالمعاصي، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع، لا يغيره، إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب» تفسير : ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق به. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعملون، ثم لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب»تفسير : ، ثم رواه أيضاً عن وكيع عن إسرائيل، وعن عبد الرزاق عن معمر وعن أسود عن شريك ويونس، كلهم عن أبي إسحاق السبيعي به. وأخرجه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع به، وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان حدثنا جامع بن أبي راشد عن منذر عن الحسن بن محمد عن امرأته عن عائشة، تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا ظهر السوء في الأرض، أنزل الله بأهل الأرض بأسه» تفسير : فقلت: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: «حديث : نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً } إن أصابتكم {لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } بل تعمهم وغيرهم، واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } لمن خالفه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} فيها أربعة أقاويل: أحدها: أنه المنكر، أمر الله تعالى المؤمنين ألا يقروه بين أظهرهم فيعمهم العذاب قاله ابن عباس. والثاني: أنها الفتنة بالأموال والأولاد كما قال تعالى {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُم فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28] قاله عبد الله بن مسعود. والثالث: أن الفتنة ها هنا البلية التي يبلى الإنسان بها، قاله الحسن. والرابع: أنها نزلت في النكاح بغير وليّ، قاله بشر بن الحارث. ويحتمل خامساً: أنها إظهار البدع. وفي قوله تعالى: {لاَ تُصِيَبنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُم خَاصَّةً} وجهان: أحدهما: لا تصيبن الفتنة الذين ظلموا. الثاني: لا يصيبن عقابُ الفتنة، فتكون لأهل الجرائم عقوبة، ولأهل الصلاح ابتلاء. وفيه وجه ثالث: أنه دعاء للمؤمن أن لا تصيبه فتنة، قاله الأخفش.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل وما علمت أنَّا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب بها ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال: هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، وكذلك تأول ابن عباس، فإنه قال: أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، وبينه القتبي فيما ذكر مكي عنه بياناً شافياً. قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله {لا تصيبن} على هذا التأويل صفة لـ {فتنة} ، فكان الواجب إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجّاج: زعم بعض النحويين أن الكلام جزاء فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى: {أية : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم} تفسير : [النمل:18] فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن، وقال قوم: هو خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون، وقال المهدوي: وقيل هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة لا تصيبن، ودخلت النون مع لا حملاً على دخولها مع اللام فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته "لا" أو كان منفياً في الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجباً دخلته اللام والنون الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن زيد، هذا هو قانون الباب ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية هو أن يكون قوله {واتقوا فتنة} خطاباً عاماً لجميع المؤمنين مستقلاً بنفسه تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول. والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك ها هنا يريدون لا تقم ها هنا فتقع مني رؤيتك، ولم يريدوا نهي الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه، الزجّاج، وهو قول أبي العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة ها هنا بلفظ مخاطبة الجمع كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء فقط، و {خاصة} نعت لمصدر محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما انحذف المصدر من الضمير في {تصيبن} وهذا الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون {خاصة} حالاً من الضمير في {ظلموا} ولا يحتاج إلى تقدير مصدر محذوف والأول أمكن في المعنى، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز "لتصيبن" باللام على جواب قسم، والمعنى على هذا وعيد الظلمة فقط، قال أبو الفتح: يحتمل أن يراد بهذه القراءة "لا تصيبن" فحذف الألف من "لا" تخفيفاً واكتفاء بالحركة كما قالوا أم والله ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، "لا تصيبن" فمطلت حركة اللام فحدثت عنها ألف. قال القاضي أبو محمد: وهذا تنطع في التحميل وحكى النقاش هذه القراءة عن الزبير بن العوام، وهذا خلاف لما حكى الطبري وغيره من تأويل الزبير رضي الله عنه في الآية، وحكى النقاش عن ابن مسعود أنه قرأ "واتقوا فتنة أن تصيب" وقوله {واعلموا أن الله شديد العقاب} وعيد يلتئم مع تأويل الزبير والحسن التئاماً حسناً ويلتئم مع سائر التأويلات بوجوه مختلفة. وروي عن علي بن سليمان الأخفش أن قوله {لا تصيبن} هي على معنى الدعاء ذكره الزهراوي وقوله تعالى: {واذكروا إذ أنتم قليل} الآية، هذه آية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين، و {إذ} ظرف لمعمول {واذكروا} ، تقديره واذكروا حالكم الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون {إذ} ظرفاً للذكر وإنما يعمل الذكر في {إذ} لو قدرناها مفعولة، واختلف الناس في الحال المشار إليها بهذه الآية، فقالت فرقة هي الأكثر: هي حال مكة في وقت بداءة الإسلام، والناس الذين يخاف "تخطفهم" كفار مكة، و "المأوى" على هذا التأويل المدينة والأنصار، و "التأييد بالنصر" وقعة بدر وما أنجز معها في وقتها، و {الطيبات} الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة: الحال المشار إليها هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر، والناس الذي يخاف تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل المجاورة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا والتأييد بالنصر هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو، و {الطيبات} الغنيمة. قال القاضي أبو محمد: وهذان قولان يناسبان وقت نزول الآية لأنها نزلت عقب بدر، وقال وهب بن منبه وقتادة: الحال المشار إليها هي حال العرب قاطبة، فإنها كانت أعرى الناس أجساماً وأجوعهم بطوناً وأقلهم حالاً ونعماً، والناس الذين يخاف "تخطفهم" على هذا التأويل فارس والروم، و "المأوى" على هذا هو النبوءة والشريعة، و "التأييد بالنصر" هو فتح البلاد وغلبة الملوك، و {الطيبات} هي نعم المآكل والمشارب والملابس. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يرده أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل, ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب في هذه الآية في آخر زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن تمثل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثله صحيح، وأما أن تكون حالة العرب هي سبب الآية فبعيد لما ذكرناه، وقوله {لعلكم تشكرون} ترج بحسب البشر متعلق بقوله {واذكروا}.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً} أُمروا أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب، قاله "ع"، أو الفتنة: ما يبتلى به الإنسان، أو الأموال والأولاد، أو نزلت في النكاح بلا ولي، قاله بشر بن الحارث {لاَّ تُصِيبَنَّ} الفتنة، أو عقابها، أو دعاء للمؤمن ألا تصيبه فتنة قاله الأخفش.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} لما أخبر الله عز وجل أنه يحول بين المرء وقلبه حذر من وقوع المرء في الفتن والمعنى واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالم خاصة بل تتعدى إليكم جميعاً وتصل إلى الصالح والطالح وأراد بالفتنة الابتلاء والاختبار وقيل: تقديره واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم جميعاً الظالم وغير الظالم. قال الحسن: نزلت هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير. قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زماناً وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها يعني ما كان منهم في يوم الجمل. وقال السدي ومجاهد والضحاك وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل. وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب فيصيب الظالم وغير الظالم روى البغوي بسنده عن عدي بن عدي الكندي قال حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة"تفسير : والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي بن عميرة الكندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"تفسير : أخرجه أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا"تفسير : أخرجه أبو داود. وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضاً (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذبه"تفسير : فإن قلت ظاهر قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} يشمل الظالم وغير الظالم كما تقدم تفسير فكيف يليق برحمة الله وكرمه أن يوصل الفتنة إلى من يذنب. قلت: إنه تعالى مالك الملك وخالق الخلق وهم عبيده وفي ملكه يتصرف فيهم كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فيحسن ذلك منه على سبيل المالكية أو لأنه تعالى علم اشتمال ذلك على أنواع المصلحة والله أعلم بمراده. وقوله سبحانه وتعالى: {واعلموا أن الله شديد العقاب} فيه تحذير ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره الله منها.
البقاعي
تفسير : ولما كان لمجيب ربما قال: ليس عليّ إلا الإجابة في خاصة نفسي، وليس عليّ تعريض نفسي للأذى بالأخذ على يد غيري، نبَّه سبحانه على أن ذلك منابذة للدين واجتثاث له من أصله، لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على كفرانه، وذلك موجب لعموم البلاء، ومزيد القضاء فقال تعالى: {واتقوا فتنة} أي بلاء مميلاً محيلاً إن لا تتقوه يعمكم، هكذا كان الأصل، لكن لما كان نهي الفتنة على إصابتهم أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن التعريض لها لما فيه من تصوير حضورها وفهمها للنهي أتى به، ولما كان نهيها عن تخصيص الظالم أشد روعة لإفهامه، أمرها بأن تعم؛ قال مجيباً للأمر: {لا تصيبن} ولحقه نون التأكيد لأن فيه معنى النهي {الذين ظلموا} أي فعلوا بموافقة المعصية ما لا يفعله إلا من لا نور له {منكم} أيها المأمورن بالتقوى {خاصة} أي بل تعمكم، فهو نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها، أي لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره عموماً أو لا يباشر أسباب العذاب بعضكم والبعض الآخر مقر له يعمكم الله به، وذلك مثل: لا أرينك هاهنا، والمعنى فكن هاهنا فأراك فالتقدير: واجعلوا بينكم وبين البلاء العام وقاية بإصلاح ذات بينكم واجتماع كلمتكم على أمر الله ورد من خالف إلى أمر الله ولا تختلفوا كما اختلفتم في أمر الغنيمة فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب عام من أعدائكم أو غيرهم، فإن كان الطائع منكم أقوى من العاصي أو ليس أضعف منه فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم، ذلك بفعله وهذا برضاه، فيكون العذاب عذاب انتقام للجميع؛ روى أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترميذي عن أبي الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية وتأولونها على خلاف تأويلها {أية : يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلَّ إذا اهتديتم} تفسير : [المائدة: 105] إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده" تفسير : ؛ وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيد! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم" تفسير : ؛ وللإمام أحمد عنه رضي الله عنه أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله جميعاً بعذاب أو ليؤمرن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم. وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي، فإن كان الطائع أضعف من العاصي نزل على ما روى أبو داود والترمذي - وحسنه - وابن ماجه عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أنه قيل له: حديث : كيف تقول في هذه الآية {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودينا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قال: يارسول الله! أجر خمسين رجلاً منهم؟ قال: أجر خمسين منكم" تفسير : . والأحاديث في مثله كثيرة، وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ويبعثون على نياتهم. ولما حذرهم سبحانه عموم البلاء، أتبعه الإعلام بأنه قادر مربوب ليلزموا سبيل الاستقامه فقال: {واعلموا أن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات العظمة {شديد العقاب*}. ولما كان من أشد العقاب الإذلال، حذرهموه بالتذكير بما كانوا فيه من الذل، لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال: {واذكروا} وذكر المفعول به فقال: {إذ أنتم} أي في أوائل الإسلام {قليل} أي عددكم. ولما كان وجود مطلق الاستضعاف دالاً على غاية الضعف بنى للمفعول قوله: {مستضعفون} أي لا منفذ عندكم {في الأرض} أطلقها والمراد مكة، لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها، ولأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولذلك عبر الناس في قوله: {تخافون} أي في حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد {أن يتخطفكم} أي على سبيل التدريج {الناس} أي كما تتخطف الجوارح الصيود، فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على قادر على أن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف، وكانت كلمتهم مجتمعه على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله، أعقبهم الإيواء في دار منيعة، قد أيدهم بالنصر وأحسن رزقهم، وذلك معنى قوله تعالى مسبباً عما قبله: {فآواكم} أي في دار الهجرة رحمة لكم {وأيدكم بنصره} أي بأهلها مع الملائكة {ورزقكم من الطيبات} أي الغنائم الكاملة الطيبة بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها {لعلكم تشكرون*} أي ليكون حالكم حال من يرجى شكره، فيكون بعيداً عن المنازعه في الأنفال، وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة، كان - بإقبالهم على مثل ما أتاهم به وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه، فالآية منصبة إلى الصحابه بالقصد الأول وهي صالحة للعرب كافة فتنصرف إليهم بالقصد الثاني؛ قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأعراهم جلداً وأبينهم ضلالاً، من عاش شقياً ومن مات منهم تردى في النار معكوفين على رأس الحجرين الشديدين: فارس والروم، يؤكلون ولا يأكلون، وما في بلادهم شيء عليه يحسدون حتى جاء الله بالإسلام، فمكن لهم من البلاد ووسع لهم في الرزق والغنائم وجعلهم ملوكاً على قارب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه، فإن ربكم يحب شكره والشاكر في مزيد من الله تعالى. ولما ختم الآية هو في غاية النصيحة منه تعالى لهم من الإيواء والنصر والرزق الطيب المشار به إلى الامتنان بإحلال المنعم، وختم ذلك بالحث على الشكر؛ نهانا عن تضييع الشكر في ذلك بالخيانة في أوامره بالغلول أو غيره فقال: {يا أيها الذين آمنوا} تذكيراً بما ألزموا به أنفسهم من الوفاء {لا تخونوا الله} أي تنقصوا من حقوق الملك الأعظم، فإن أصل الخون النقص ثم استعمل في ضد الأمانه والوفاء فصارت نقصاً خاصاً {والرسول} بغلول ولا غيره، بل أدوا الأمانه في جميع ذلك، ولعله كرر العامل في قوله: {وتخونوا آماناتكم} من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن الخيانتين مختلفتان، فخيانتهم لله حقيقة، وخيانتهم للأمانه استعارة، لأن حاملها لما أخلَّ بها كان كأنه خانها؛ وخفف عنهم بقوله: {وأنتم تعلمون*} حال الغفلة ونحوها، ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى: وأنتم علماء، ويكون ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل منهم عذر بجهل ولا نسيان لأنهم علماء، والعالم هو العارف بالله، والعارف لا ينبغي أن ينفك عن المراقبة.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال: الزبير رضي الله عنه: إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر وعثمان رضي الله عنهم {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ، ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن الزبير رضي الله عنه قال: لقد قرأنا زماناً وما نرى إنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال: البلاء، والأمر الذي هو كائن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: أما والله لقد علم أقوام حين نزلت أنه سيخص بها قوم. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: علم - والله - ذو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية أنه سيكون فتن. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، فكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال: أخبرت أنهم أصحاب الجمل. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال: تصيب الظالم والصالح عامة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال: هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {واتقوا فتنة...} الآية. قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الآية: 25]. قيل: الفتنة التى يرضى العبد بها أو يميل إلى إحدى جوانبها، فإنها فتنة أصابته وإن لم يباشرها. قال أبو عثمان: اكتساب المال من الحرام من الفتن التى تصيب غير مباشرها. قال بشر بن الحارث: لا أرى هذه الآية {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} نزلت إلا فيمن يرى النكاح من غير ولى.
القشيري
تفسير : احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها من تعاطاها ومن لم يتعاطها. وغير المجرم لا يُؤْخَذ بِجُرْم من أذنب، ولكن قد ينفرِد أحدٌ بجرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرم فبعد أن لم يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحال بل إنها تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل بسبب تعصبه لهذا الظالم ومطابقته معه، ورضاه به، و هذا معنى التفسير من حيث الظاهر. فأمَّا من جهة الإشارة: فإن العبدَ إذا باشر زَلّةً بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة وهي العقوبة المعجلة، وتصيب النَّفْس منها العقوبة المؤجلة، والقلبُ إذا حصلت منه فتنة الزلة - عندما بهم بما لا يجوز - تَعدَّتْ فتنته إلى السِّر وهي الحُجْبَةُ. والمُقَدَّمُ في شأنه إذا فعل ما لا يجوز انقطعت البركاتُ التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبِعِيه وتلامذتِه، وكان لهم نصيبهم من الفتنة وهم لم يعملوا ذنباً. ويقال إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر عند تَرْكِهِم الأذكار أصابتهم فتنةُ ما فعلوه؛ فلقد قيل إنَّ السفيه إذا لم يُنْهَ مأمورُ. فعلى هذا تصيب فتنةُ الزَّلةِ مرتكبَها ومَنْ تَرَكَ النَّهي عن المنكر - مثل مَنْ ترك الأمر بالمعروف - يؤخذ بِجُرْمه. ويقال إنَّ الزاهد إذا انحط إلى رخص الشرع في أخذ الزيادة من الدنيا مما فوق الكفاية - وإن كان من وجهٍ حلال - تؤدي فتنته إلى من يخرج به من المبتدئين، فبجملة ما أبدى من الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل يؤدي إلى الانهماك في أودية الغفلة والأشغال الدنيوية. والعابد إذا جَنَحَ عن الأَشَقِّ وتَرَكَ الأوْلى تعدَّى ذلك إلى من كان ينشط في المجاهدة؛ فيستوطنون الكسل، ثم يحملهم الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصيرون كما قيل: شعر : إن الشبابَ والفراغ والجدة مَفْسَدةٌ للمرء أي مفسدة تفسير : وهكذا يكون نصيبهم من الفتنة. والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظٌّ له، نَظَرَ إليه المريدُ، فتتداخله فترة فيما هو به من صدق المنازلة، ويكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وفي الجملة إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَل عن سياسة رعيته تَعَطَّلَ الجندُ والرعية، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا: شعر : رُعَاتُك ضيَّعوا - بالجهل منهم - غُنَيْماتٍ فَاسَتْها ذِئابُ تفسير : {ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} بتعجيله ذلك، ومن شدة عقوبته أنه إذا أخذ عبداً ليُعَاقِبَه لا يُمَكِّنه من تلافي موجب تلك العقوبة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّة} حذر الله اهل القصة من دعاوى الكاذبة وهى التى لم يبلغ صاحبها الى ما تدعى من المقامات فيفلّتن بها هو وغيره من المريدين فان من اظهر شيئا من نفسه ولم يكن اهل ذلك فهو يحتجب ه عن كل مقصود ويضل من يقتدى به ممن لا يعرف الحق من الباطل قال عليه السّلام المتتبع بما لم يعط كلابس ثوب زور قال ابو عثمان اكتساب المال من الحرام من الفتن الذى نصيب غير مباشره وقال الاستاذ الاشارة اذا باشر زلة بنفسه عاد الى القلب منه الفتنة وهى القسوة وتصيب النفس من الفتنة العقوبة والقلب اذا حصل منه زلة وهو هو فيما لا يجوز يتادى فتنته الى السر وهى الحجبة ويقال ان الزاهد اذا انحط الى رحض الشرع فى اخذ الزيادة من الدنيا ما فوق الكفاية وان كان من وجه الحلال تعدى فتنته الى من تخرج به من المبتدين فيحمله على ما رأى منه على الرغبة فى الدنيا وترك التقلل فتوديه الى الانهماك فى اودية الغفلة من الاشغال الديناوية والعابد اذا جنح الى ترك الاوراد لغدى ذلك الى من كان يبسط فى المجاهدة فيستوطن الكسل ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على اتباع الشهوات فيصير كما قيل ان الفراغ والشباب والحدة مفسدة للمرء اى مفسدة
اسماعيل حقي
تفسير : {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}. قال الحدادى فى تفسيره نزلت فى عثمان وعلى رضى الله عنهما اخبر الله تعالى النبى صلى الله عليه وسلم بالفتنة التى تكون بسببهما انها ستكون بعدك تلقاها اصحابك تصيب الظالم والمظلوم ولا تكون للظلمة وحدهم خاصة ولكنها عامة فاخبر النبى عليه السلام بذلك اصحابه فكان بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم من الفتن بسبب علي وعثمان رضى الله عنهما ما لا يخفى على احد انتهى. والمعنى لا تختص اصابتها بمن يباشر الظلم منكم بل تعمه وغيره كاقرار المنكر بين اظهرهم والمداهنة فى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل فى الجهاد {واعلموا أنّ الله شديد العقاب} ولذلك يصيب بالعذاب من لم يباشر سببه وفيه تحذير من شدة العقوبة لمن اهاج الفتن وفى الحديث "حديث : الفتنة راتعة فى بلاد الله واضعة خطامها فالويل لمن اهاجها ". تفسير : وفى بعض الاخبار "حديث : الفتنة نائمة لعن الله من ايقظها ".تفسير : : قال السعدى شعر : ازان همنشين تاتوانى كريز كه مرفتنه خفته را كفت خيز تفسير : قال القرطبى فان قيل قال الله تعالى {أية : ولا تزر وازرة وزر اخرى} تفسير : [الأنعام: 164] و{أية : وكل نفس بما كسبت رهينة} تفسير : [المدثر: 38] و {أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} تفسير : [البقرة: 286]. وهذا يوجب ان لا يؤاخذ احد بذنب غيره وانما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب فالجواب ان الناس اذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه ان يغيره فان سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه وقد جعل الله فى حكمه وحكمة الراضى بمنزلة العامل فانتظم فى العقوبة قاله ابن العربى انتهى. قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدّس سره فى شرح الاربعين حديثا واحيانا تظهر سلطنة العمل الفاسد فيسرى حكمها فى حال ذى العمل الصالح فيتضرر بذلك وان لم يتعد الضرر الى اعماله والاشارة الى ذلك قوله تعالى {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا} الآية وليس هذا بمخالف للاصل المترجم عنه بقوله تعالى {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [فاطر: 18]. فان هذا الاثر لا يقع ولا يسرى بحكم ما به امتاز الصالح من الطالح بل بموجب ما به يثبت الاتحاد والاشتراك بينهما وقوله {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الاسراء: 15]. لسان غلبته حكم ما به الامتياز وايضا ففعل الحق من حيث صدوره من جنابه وحدانى كلى شامل لا تخصيص فيه بل التخصيص من القوابل المتأثرة وهذا عام فى الشر والخير ففى الشر ما ذكر فى قوله تعالى {واتقوا فتنة} الآية وفى الخبر ما اشار اليه عليه السلام فى الحديث المذكور فى حق الذين يجتمعون لذكر الله وكون الحق يباهى بهم الملائكة ويقول اشهدكم انى قد غفرت لهم وقول بعض الملائكة ان فيهم فلانا ليس منهم وانما اتاهم لحاجة فيقول الحق سبحانه وتعالى وله قد غفرت هم القوم لا يشقى جليسهم فهذا اثر عموم الحكم من جهة الحق وكليته واثر صلاح الحال الفاسد بمجاورة ذى الحال والعمل الصالح والحضور معه فتذكر انتهى كلام القنوى: فى المثنوى شعر : اى خنك آن مرده كزخودرسته شد دروجود زنده بيوسته شد[1] واى آن ونده كه بامرده نست مرده كشت وزندكى ازوى بجست حق ذات باك الله الصمد كه بود به ماربد از يار بد[2] ماربد جانى ستاند از سليم ياربد آرد سوى نار مقيم تفسير : .والاشارة فى الآية {واتقوا} يا ايها الواصلون {فتنة} يعنى ابتلاء بشئ من حظوظها الدنيوية والاخروية {لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصة} يعنى لا تصيب تلك الفتنة النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الارواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها حضائض صفات الانس كما قال تعالى {أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} تفسير : [القلم: 44]. {واعلموا أن الله شديد العقاب} فيعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عن الالتفات الى ما سواه كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: دخلت النون في (لا تصيبن)؛ لأنه في معنى النهي، على حد قوله: {أية : لاَ يَحطِمَنَّكُم سُلَيَمَانُ} تفسير : [النمل: 18] انظر البيضاوي. يقول الحق جل جلاله: {واتقوا فتنة}، إن نزلت {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، بل تعم الظالم وغيره، ثم يبعث الناس على نيتهم، وذلك كإقرار المنكَر بين أظهركم، والمداهنة في الأمر بالمعروف، واقتراف الكبائر، وظهور البدع، والتكاسل في الجهاد، وعن الفرائض، وغير ذلك من أنواع الذنوب، وفي الحديث: "حديث : لَتأْمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ولَتَنْهُونَّ عن المُنْكَرِ،أو لَيَعُمَّنَّكُمْ اللَّهُ بِعَذَابِهِ"تفسير : . أو كما قال صلى الله عليه وسلم. قالت عائشة رضي الله عنها: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "حديث : نعم، إذا كثُر الخبث ." تفسير : قال القشيري. في معنى الآية: احذروا أن ترتكبوا زلَّةً توجب لكم عقوبة لا تخص مرتكبها، بل يعمُّ شؤمُها مَنْ تعاطاها ومن لم يتعاطاها. وغير المجرم لا يُؤخْذَ بجُرْم من أذنب، ولكن قد ينفرد واحدٌ بجُرم فيحمل أقوامٌ من المختصين بفاعل هذا الجُرْم، كأن يتعصبوا له إذا أُخِذَ بحكم ذلك الجرّم، فبعد ألا يكونوا ظالمين يصيرون ظالمين بمعاونتهم وتعصبهم لهذا الظالم؛ فتكون فتنة لا تختص بمن كان ظالماً في الحا ل، بل تصيب أيضاً ظالماً في المستقبل؛ بسبب تعصبه لهذا الظالم، ورضاه به. هـ. وسيأتي تمامه في الإشارة. وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وطلحة والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل.هـ. قال تعالى؛ {واعلموا أن الله شديد العقاب} لمن ارتكب معاصيه وتسبب في فتنة غيره. الإشارة: في القشيري، لما تكلم على تفسير الظاهر، قال: وأما من جهة الإشارة فإن العبدّ إذا باشر زّلّةٍ بنفسه عادت إلى القلب منها الفتنة، وهي العقوبة المعجلة، ونصيب النفس من الفتنة العقوبة، والقلبُ إذا حصلت منه فتنة، وهو همه بما لا يجوز، تَعدَّتْ فتنته إلى السر وهي الحُجْبَةُ. وكذلك المُقَدًّمُ في شأنه، إذا فعل ما لا يجوز، انقطعت البركات التي كانت تتعدى منه إلى مُتَّبعِيهِ وتلامذتِهِ، فكان انقطاع تلك البركات عنهم نصيبهم من الفتنة، وهم لم يعملوا ذنباً، ويقال: إن الأكابر إذا سكتوا عن التنكير على الأصاغر أصابتهم فتنة بتَرْكِهِم الإنكار عليهم فيما فعلوا من الإجرام. ثم قال: ويقال: إنًّ الزاهد إذا انحط إلى رخصة الشرع في اخذ الزيادة من الدنيا بما فوق الكفاية ـ وإن كانت من وجه حلال ـ تعدت فتنتهُ إلى من يتخرج على يديه من المبتدئين، فيحمله على ما رأى منه على الرغبة في الدنيا، وتَرْكِ التقلل، فيؤديه إلى الانهماك في أودية الغفلة في الأشغال الدنيوية، والعابد إذا جَنَحَ إلى سوء ترك الأوراد تعدَّى ذلك إلى ما كان ينشط في المجاهدة به، ويتوطَّن الكسل، ثم يحمله الفراغ وترك المجاهدة على متابعة الشهوات فيصير كما قيل: شعر : إن الشبابَ والفراغ والجدَةْ مفسدةٌ للمرء أي مفسده تفسير : فهذا يكون نصيبهم من الفتنة، والعارف إذا رجع إلى ما فيه حَظَّ له، نَظَرَ إليه المريدُ فتتداخله فتنة فَتْرَةٌ فيما هو به من الصدق المنازلة، فيكون ذلك نصيبه من فتنة العارف. وبالجملة: إذا غفل المَلِكُ، وتَشَاغَلَ عن سياسة رعيته، تَعَطَّلَ الجندُ والرعية، وعَظُمَ فيهم الخَلَلُ والبَليَّة، وفي معناه أنشدوا: شعر : رُعَاتُك ضيَّعوا ـ بالجهل منهم غُنَيْمَاتٍ فَساسَتْها ذِئابُ تفسير : انتهى كلامه رضي الله عنه. ثم ذكّرهُمْ، فقال: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى المكلفين من خلقه أن يتقوا فتنة لا تصيب الذين ظلموا منهم خاصة والفتنة البلية التي يظهر بها باطن امر الانسان فيها. والفتنة الهرج الذي يركب فيه الناس بالظلم قال ابن عباس امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بالعذاب. وقال عبد الله: هو من قوله تعالى {أية : أنما أموالكم وأولادكم فتنة} تفسير : وقال الحسن: الفتنة البلية. وقال ابن زيد: هي الضلالة. وقال الجبائي: هي العذاب. {لا تصيبن} فالاصابة الايقاع بالشيء بحسب الارادة، وضده الخطأ. يقال: أصاب الغرض او أخطأه. وقوله {لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} معناه انها تعم لان الهرج إذا وقع دخل ضرره على كل أحد. ويجوز أن يقال يخص الظالم، ولا يعتد بما وقع بغيره للعوض الذي يصل إليه. ويحتمل أن يكون اراد إن هذه العقوبة على فتنتكم لا تختص بالظالمين منكم بل كل ظالم منكم كان أو من غيركم فستصيبه عقوبة ظلمه وفسقه وفتنته واراد بذلك تحذير الناس كلهم، وأنهم سواء في المعصية، وما توجبه من العقوبة ليكون الزجر عاماً. وفي دخول النون الثقيلة في {تصيبين} قولان: احدهما - قال الفراء: لانه نهي بعد أمر وفيه معنى الجزاء كقوله {أية : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده} تفسير : ومثله لا ارينكم ها هنا. والثاني - أن يكون خرج مخرج جواب القسم. وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نهياً بعد أمر وتقديره اتقوا فتنة، ثم نهى، فقال {لا تصيبن الذين ظلموا} أي لا يتعرض الذين ظلموا لما ينزل معه العذاب. ومثله قال في قوله {لا يحطمنكم} فيكون لفظ النهي لسليمان، ومعناه النمل، كما يقول القائل لا أرينك ها هنا، فلفظ النهي لنفسك، والمراد لا تكون ها هنا، فاني اراك. و {الخاصة} للشيء ما كان له دون غيره ونقيضة العامة. وقوله {واعلموا أن الله شديد العقاب} معناه لمن لم يتق معاصيه ولم يتبع اوامره، وقال الحسن والسدي ومجاهد وابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل الجمل. وقال قتادة قال الزبير: لقد نزلت وما نرى ان أحداً منا يقع فيها ثم اختلفنا حتى اصابتنا خاصة. وروي ذلك عن الزبير من جهات.
اطفيش
تفسير : {واتَّقُوا فِتنةً لا تُصيبنَّ الَّذينَ ظلمُوا منْكُم خاصَّةً} أى اتقوا ذنبا لا يختص وباله بفاعله، فالفتنة الذنب، وظلموا فعلوا ذنبا، وذلك كترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكالمداهنة وهى جلب الدنيا بالدين، وكاقتران الكلمة وظهور البدع، والتكاسل عن الجهاد، قاله القاضى، وفى بعضه نظر، فإن الذنب الذى هو ترك الأمر والنهى، أو الذى هو المداهنة يصيب فاعله فقط، وأما تارك المعروف، وفاعل ما يداهن عليه، فإنما يصيبهم ذنبهم الذى فعلوا والأولى تفسير الفتنة بالعذاب، فيكون المعنى احذروا العذاب العام، بأن تأمروا وتنهوا، أو تنصفوا، وإلا فعميم العذاب من فعل الذنب ومن لم يأمره ولم ينهه، ولم ينصف وبأن تجمعوا الكلمة وتزيد البدع وتجاهدوا، وإلا اتصل الباطل بكل أحد وانتشر، وخاضوا فيه فيعمهم العذاب. وقد ثبت فى الحديث: أن من قدر على تغيير المنكر ولم يغيره كان كفاعله ويصيبه الله بعقاب قبل أن يموت، ومن رضى به كمن حضره وكمن فعله، وذلك إذا ظهر المنكر أو علم به، وأنه ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى خير من الساعى، من تشوف لها تسترقه، ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ. وقد علمت مما ذكرت أن غير الظالم بذنب إنما يصيبه العقاب بذنب آخر، ففاعل المنكر يعاقب بفعله وغيره يعاقب بترك النهى، فلا حاجة إلى قول بعضهم فى الجواب أن الخلق ملك لله يتصرف فيه بما شاء، وعن قتادة، والضحاك، ومقاتل، والسدى: نزلت فى قوم مخصوصين من الصحابة أصابتهم الفتنة يوم الجمل، وهم: على، وطلحة، والزبير، قيل: وعمار، قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعينون بها، وما علمت أنا مرادون بها إلا اليوم، يعنى يوم الجمل، قال السدى: زلت فى أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل. حديث : وكان الزبير يساير النبى صلى الله عليه وسلم يوما فاقبل علىّ فضحك إليه الزبير، فقال صلى الله عليه وسلم: "كيف حبك لعلى؟" فقال: يا رسول الله بأبى أنت وأمى إنى أحبه كحبى لولدى أو أشد، فقال: "فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟" وما كنت أظنها إلا فيمن حوط بها وقت نزولها،تفسير : وقيل: الفتنة الابتلاء والاختبار ولا يصح أن تكون جملة لا تمييز جواب للأمر، ولا نافية إذ لا يصح معنى قولك إن اتقيتموها لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، وشرط الجزم فى جواب الأمر والنهى أو غيرهما كما قال ابن هشام تقدر الشرط من مضمون ما قبله، مثل: لا تدن من الأسد تسلم، أى لا تدنى منه تسلم، فقد لا النافية، لأن النهى نفى إلا على مذهب الكسائى ومن معه من الكوفيين، فلا يشترطون ذلك فيجيزون الجزم فى قولك: لا تدن من الأسد يأكلك، بتقدير إن تدن منه يأكلك، فيجوز على قولهم كون لا تصيبن جوابا للأمر أى إن لم تتقوها لا تصيبن، وهكذا يقدرون ما يناسب الكلام، لكن من جنس ما تقدم، فتقدير القاضى إن أصابتكم لا تصيبن الخ لا يصح كما قال ابن هشام، ولو أقره السعد والسمنى إذ لا يناسب كونه جواباً للأمر، ولا يتبين وعليه فتصيب فى محل جزم، ويضعفه أن جواب الشرط متردين الوقوع وعلمه فلا يليق به النون المؤكدة لكن لما تضمن النفى معنى النهى ساغ كقوله: {أية : لا يحطمنكم سليمان} تفسير : كذا قيل. قلت: تضمن النفى معنى النهى لا يخرج الجواب عن التردد، لأن جواب الشرط متردد، ولو كان طلبا لتعليقه بالشرط وقوعا أو عدما، والأولى أن يقال كما قال ابن هشام وخالد وغيرهما: إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية قليل، ووجه وروده شبهها بالناهية صورة، فيكون التضعيف بالقلة، فيجاب بتضمين معنى النهى. وقيل إن تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية مختص بالضرورة، ويجوز كون لا تصيبن نعتا لفتنة ولا نافية وفميا مر من قلة تأكيد الفعل بالنون بعد لا النافية، وإن أجيب بتضمنها معنى النهى أحوج ذلك إلى تقدير القول، وإلى التأويل بأن الكلام من التغير بالمسبب اللازم عن السبب الملزوم، يما يحوج إلى ذلك التقدير، وذلك التأويل جعل لا ناهية، وحمل الكلام على النعت، وذلك لأن الطلب لا يقع نعتا، فقدر القول وإصابة الفتنة الظالم وغيره مسلية عن التعرض لها، ولازمة له، والتعرض سبب ولازم، والاصل لا تتعرض لها فتصيب الظالم وغيره، وأنت خبير بأن الإصابة لا تختص بالمتعرضين كما تراه واضحا من العبادة، ولو كان مفعول الإصابة هو فاعل التعرض خلافا لبعض المتأخرين وغيرهم كالقاضى وابن هشام. قيل: ويجوز تنزيل الفتنة منزلة العاقل الذى ينهى، فلا يحتاج إلى ذلك التأويل، ولك أن تجعل لا ناهية، والكلام مستأنفا فلا يقدر القول، ولكن يحتاج إلى ذلك التأويل أو إلى هذا التنزيل، ويجوز كون لا تصيبن جوابا لقسم المحذوف، وتوكيد الفعل بالنون بعد لا النافية فى جواب القسم جائز تنزيلا لها منزلة اللام، ويؤيده قراءة ابن مسعود: لتصيبن باللام لا بلا، وكذا قرأ على، وزيد بن ثابت، وأبو جعفر محمد ابن على، والربيع بن أنس، وأبو العالية، وابن خمار، وحكاه النقاش عن الزبير بن العوام، وهو مخالف لما مر عنه من تأويل الآية بنفسه، ومن معه يوم الجمل، والإصابة فى هذه القراءة خاصة بالظالمين. قال أبو الفتح: أن يكون الأصل فى هذه القراءة لا تصيبن خفف بحذف الألف اكتفاء بالفتح، وأن يكون الأصل فى قراءة لا تصيبن، لتصيبن أشبعت اللام فتولدت الألف، وحكى النقاش، عن ابن مسعود: واتقوا فتنة أن تصيب الذين، فالمصدر من تصيب بدل اشتمال من فتنة، وقال الأخفش على بن سليمان: لا تصيبن على معنى الدعاء والاستئناف، أو النعت على تقدير القول، والمراد أنه على طريق الدعاء لا حقيقة الدعاء، وأنها لا تصيب الظالم بها فقط، بل الظالم بها والظالم بغيرها كما مرّ، فبطل قول بعضهم: إن هذا إنما يأتى إن كان الكلام مقولا على لسان بعض الناس، وفيه ما لا يخفى، وأنه شديد الضعف، أو خاصة مفعول مطلق، أى إصابة خاصة أو حال من الضمير فى تصيب. وزعم بعضهم أنه يجوز كونه حالا من الذين على معنى أنهم غير مختصين بها، وهو ضعيف، لأن الذين بمنزلة جمع المذكر السالم، وقولك: جاء الشاهدون راكبة، ضعيف، والراجح راكبين بخلاف جاء الشهود راكبة، قلما ضعف فيه، ومن للتبعيض، قال بعضهم: إلا إذا جعلت لا ناهية مستأنفة أو نافية فى جواب قسم، فللتبيين وأن فائدة التبيين التنبيه على أن الظالم منكم أقبح من الظالم من غيركم. {واعْلمُوا أنَّ الله شَديدُ العِقابِ} على من أوقد نار الحرب.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّقُوا} أَيها المؤمنون {فِتْنَةً} صرفا عن الدين لأَنفسكم بالكبائر كالبدع وإِقرار المشرك فيكم والمداهنة وافتراق الكلمة وعدم النهى، أَو اتقوا عذابا دنيويا كالقحط، اتقوا موجبه من الذنوب فعاد إِلى التفسير الأَول {لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ} فعلوا الكبائر، لا نافية وأَكد الفعل بالنون بعدها على القلة، والجملة نعت فتنة، أَو جواب لإِنْ محذوفة. أَى إِن لا تتقوها، أَو إِن أَصابتكم لا تصيبن، وأَداة الشرط والشرط والجواب نعت، أَو جواب قسم، أَى والله لا تصيبن، وذكر النون هنا قولا بجواز توكيد المضارع المقرون بلا النافية إِجراء لها مجرى النهى، أَو لا ناهية مستأنفة أَو مقولة لنعت محذوف، أَى فتنة مقولا فيها لا تصيبن، والنهى فى اللفظ للفتنة وفى المعنى للمكلفين، أَى لا تظلموا أَنفسكم بالذنوب فتصيبكم الفتنة وحدكم خاصة إِذ نهاكم غيركم كما هو وجه فى قوله تعالى: "أية : لا يحطمنكم سليمان" تفسير : [النمل: 18] إلخ.. وعلى النفى يكون المعنى لا تصيبكم وحدكم، بل تعم من لم ينه عنها فتكون عليكم تباعتها، ووجه تأكيد النفى مع أَنه على طريق الترديد لكونه فى جواب أَن أَنه لا ترديد بحسب وقوع الشرط بمعنى أَنه إِن وقع الشرط تحقق الانتفاء وتأَكد، وقيل أَنه بمعنى النهى، وعلى كل حال المراد لا يصيبن أَثرها أَو عقابها أَو الفتنة نفس العقاب، والخطاب للمؤمنين. ومن اتقاء الفتنة إِنكار موجبها من الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا عملت الخطيئة فى الأَرض كان من شهدها فأَنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كمن شهدها"تفسير : ، ولفظ ابن الأَثير عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أَن ينكروه فلم ينكروه، فإِذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة"تفسير : . قال أَبو داود عن جرير بن عبد الله البجلى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من رجل يكون فى قوم يعمل فيهم بالمعاصى يقدرون على أَن يغيروا عليه ولم يغيروا إِلا أَصابهم الله بعقاب قبل أَن يموتوا"تفسير : ، وعن ابن عباس: أَمر الله عز وجل المؤمنين أَن لا يقروا المنكر بين أَظهرهم فيعمهم الله تعالى بعذاب يصيب الظالم وغيره، قال أَبو بكر رضى الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إِن الناس إِذا رأَوا الظالم ولم يأخذوا على يده أَوشك أَن يعمهم الله بعقاب"تفسير : ، رواه الترمذى وأَبو داود. ولما وقعت بنو إِسرائيل فى المعاصى وجالس بعض بعضا وواكلوهم وشاربوهم ضرب قلوب بعض ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، رواه ابن مسعود، وعن الزبير: ما ندرى أَنا معشر أَهل بدر مرادون بالآية لحدث يوم الجمل حتى كان، وكذا السدى، وفى البخارى ومسلم عن أَبى هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من الساعى، ومن تشرف لها تتشرفه، ومن وجد ملجأْ أَو معاذا فليعُذْ به"تفسير : ، وذلك أَن الرضى وترك النهى وزر، فلا ينافى قوله تعالى: "أية : ولا تزر وازرة وزر أُخرى"تفسير : ومن لم يتأَلم بالمنكر كما يتأَلم بماله أَو ولده إِذا أُصيب فهو راض يعمه العذاب {خَاصَّةً} إِصابة خاصة، أَو حال من المستتر فى تصيب {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} على الظالمين ومن أَقرهم على الظلم.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} أي لا تختص إصابتها لمن يباشر الظلم منكم بل تعمه وغيره والمراد بالفتنة الذنب وفسر بنحو إقرار المنكر والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد حسبما يقتضيه المعنى، والمصيب على هذا هو الأثر كالشآمة والوبال، وحينئذ إما أن يقدر أو يتجوز في إصابته، وجوز أن يراد به العذاب فلا حاجة إلى التقدير أو التجوز فيما ذكر لأن إصابته بنفسه، وكذا لا حاجة إلى ارتكاب تقدير في جانب الأمر ولا التزام استخدام و {لا} نافية، والجملة المنفية قيل جواب الأمر على معنى إن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم، واعترض بأن جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر لا من جنس الجواب ولو قدر ذلك وفاء بالقاعدة فسد المعنى، إذ يكون إن تتقوا الفتنة تعمكم إصابتها ولا تختص بالظالمين منكم وهو كما ترى، وأجيب بأن أصل الكلام واتقوا فتنة لا تصيبنكم فإن أصابتكم لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة بل عمتكم فأقيم جواب الشرط الثاني مقام جواب الشرط المقدر في جواب الأمر لتسببه منه، وسمي جواب الأمر لأن المعاملة معه لفظاً. / وفيه أن من البين أن عموم الإصابة ليس مسبباً عن عدم الإصابة ولا عن الأمر وظاهر التعبير يقتضيه، وقال بعض المحققين: إن ذلك على رأي الكوفيين من تقدير ما يناسب الكلام وعدم التزام كون المقدر من جنس الملفوظ نفياً أو إثباتاً فيقدرون في نحو لا تدن من الأسد يأكلك الإثبات أي إن تدن يأكلك وفي نحو {ٱتَّقُواْ فِتْنَةً} النفي أي إن لم تتقوا تصبكم واعترض عليه بأن ذلك القائل لم يقدر لا هذا ولا ذاك وإنما قدر ما يستقيم به المعنى من غير نظر إلى مضمون الأمر أو نقيضه، وأجيب بأن مراده أن التقدير إن لم تتقوا تصبكم وإن أصابتكم لا تختص بالظالمين فأقيم جواب الشرط الثاني مقام جواب الشرط المقدر الذي هو نقيض الأمر لتسببه عنه، وما أورد على هذا من أنه لا حاجة إلى اعتبار الواسطة حينئذ إذ يكفي أن يقال: إن لم تتقوا لا تصب الظالمين خاصة فمع كونه مناقشة لفظية مدفوع بأدنى تأمل لأن عدم اختصاص إصابة الفتنة بالظالمين كما يكون بعموم الإصابة لهم ولغيرهم كذلك يكون بعدم أصابتها لهم رأساً فلا بد من اعتبار الواسطة قطعاً. وقال بعض المتأخرين: مراد من قدر إن أصابتكم إن لم تتقوا على مذهب من يرى تقدير النفي، لكنه عبر عنه بأصابت لتلازمها فلا يرد حديث الواسطة، نعم قيل: إن جواب الشرط متردد فلا يليق تأكيده بالنون إذ التأكيد يقتضي دفع التردد، وأجيب بأنه هنا طلبـي معنى فيؤكد كما يؤكد الطلبـي وهو لا ينافيه التردد في وقوعه لأنه لا تردد في طلبه على أنه قيل: إنه وإن كان متردداً في نفسه لكونه معلقاً بما هو متردد وهو الشرط لكنه ليس بمتردد بحسب الشرط، وعلى تقدير وقوعه فيليق به التأكيد بذلك الاعتبار، وأنت تعلم أن ابن جني رجح أن المنفي ـ بلا ـ يؤكد في السعة لشبهه بالنهي كما في قوله سبحانه: {أية : ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ لاَيَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـٰنُ } تفسير : [النمل: 18]. وقال ناصر الدين [البيضاوي]: إن هذا الجواب لما تضمن معنى النهي ساغ توكيده، ووجهه أن النفي إذا كان مطلوباً كان في معنى النهي وفي حكمه فيجوز فيه التأكيد كالنهي الصريح، ولا خفاء في أن عدم كونهم بحيث تصيبهم الفتنة مطلوب كما أن عدم كونهم يحطمهم سليمان وجنوده كذلك، وجوز أن تكون الجملة المنفية في موضع النصب صفة لفتنة، واعترض بأن فيه شذوذاً لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، وقد يجاب بأنك قد عرفت أن ابن جني وكذا بعض النحاة جوز ذلك، وقد ارتضاه ابن مالك في «التسهيل»، نعم ما ذكر كلام الجمهور. وقال أبو البقاء وغيره: يحتامل أن تكون {لا} ناهية والجملة في موضع الصفة أيضاً لكن على إرادة القول كقوله:شعر : حتى إذا جن الظلام واختلط جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط تفسير : لأن المشهور أن الجملة الإنشائية نهياً كانت أو غيرها لا تقع صفة ونحوها إلا بتقدير القول، وقد صرحوا بأن قولك: مررت برجل أضربه بتقدير مقول فيه أضربه، وليس المقصود بالمقولية الحكاية بل استحقاقه لذلك حتى كأنه مقول فيه، ومن الناس من جوز الوصف بذلك باعتبار تأويله بمطلوب ضربه فلا يتعين تقدير القول، وأن تكون الجملة جواب قسم محذوف أي والله لا تصيبن الظالمين خاصة بل تعم، وحينئذ يظهر أمر التأكيد، وأيد ذلك بقراءة عليّ كرم الله تعالى وجهه وزيد بن ثابت وأبـيّ وابن مسعود والباقر والربيع وأبو العالية {لتصيبن} فإن الظاهر فيها القسمية، وقيل: إن الأصل ـ لا ـ إلا أن الألف حذفت تخفيفاً كما قالوا: أم والله، وقال بعضهم: / أن {لا} في القراءة المتواترة هي اللام والألف تولدت من إشباع الفتحة كما في قوله:شعر : فأنت من العواتك حين ترمي ومن ذم الرجال بمنتزاح تفسير : وكلا القولين لا يعول عليه، ويحتمل أن تكون نهياً مستأنفاً لتقرير الأمر وتأكيده، وهو من باب الكناية لأن الفتنة لا تنهى عن الإصابة إذ لا يتصور الامتثال منها بحال، والمعنى حينئذ لا تتعرضوا للظلم فتصيبكم الفتنة خاصة و {مِنْ} على تقدير كون {لا} ناهية سواء جعلت الجملة صفة أو مؤكدة للأمر بيانية لا تبعيضية لأنها لو اعتبرت كذلك لكان النهي عن التعرض للظلم مخصوصاً بالظالمين منهم دون غيرهم فغير الظالم لا يكون منهياً عن التعرض له بمنطوق الآية وذلك شيء لا يراد. وأما على الوجوه الأخر من كون {لا} نافية لا ناهية سواء كان قوله سبحانه وتعالى: {لاَّ تُصِيبَنَّ} صفة لفتنة كما هو الظاهر أو جواب الأمر أو جواب قسم فهي تبعيضية قطعاً، إذ الآية على هذه التقادير جميعاً مخبرة بأن إصابة الفتنة لا تخص بالظالمين بل تعم غيرهم أيضاً، فلو بين الذين ظلموا بالمخاطبين لأفهمت أن الأصحاب رضي الله تعالى عنهم كلهم ظالمون وحاشاهم، ثم لا يخفى أن الخطاب إذا كان عاماً للأمة وفسرت الفتنة بإقرار المنكر لا يجيء الإشكال على عموم الإصابة بقوله سبحانه:{أية : وَلاَ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] لأنه كما يجب على مرتكب الذنب الانتهاء عنه يجب على الباقين رفعه وإذا لم يفعلوا كانوا آثمين فيصيبهم ما يصيبهم لأثمهم. ويدل للوجوب ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أمر الله تعالى المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله تعالى بعذاب يصيب الظالم و غير الظالم، وأخرج الترمذي وأبو داود عن قيس بن حازم عن أبـي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب»تفسير : وروى الترمذي أيضاً عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله تعالى قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدونتفسير : . ومن ذهب إلى أن الخطاب خاص فسر الفتنة بافتراق الكلمة، وجعل ذلك إشارة إلى ما حدث بين أصحاب بدر يوم الجمل. وممن ذهب إلى أنهم المعنيون السدي وغيره، وأخرج غير واحد عن الزبير قال: قرأنا هذه الآية زماناً وما نرى أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها، وقد أخرج نهيهم عن ذلك على أبلغ وجه وأقيم الظالمون مقام ضميرهم تنبيهاً على أن تعرض الفتنة وهي افتراق الكلمة من أشد الظلم لا سيما هؤلاء الأجلاء، ثم فسر بضميرهم دلالة على الاختصا ص وأكد بخاصة وكثيراً ما يشدد الأمر على الخاصة. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} لمن خالف أمره وكذا من أقر من انتهك محارمه.
ابن عاشور
تفسير : عُقب تحريضُ جميعهم على الاستجابة، المستلزمُ تحذيرهم من ضدها بتحذير المستجيبين من إعراض المعرضين، ليعلموا أنهم قد يلحقهم أذى من جراء فعل غيرهم إذا هم لمُ يُقَوّموا عِوَج قومهم، كَيلا يحسبوا أن امتثالهم كاف إذا عصى دهماؤهم، فحذّرهم فتنة تلحقهم فتعم الظالم وغيره. فإن المسلمين إن لم يكونوا كلمة واحدة في الاستجابة لله وللرسول - عليه الصلاة والسلام - دب بينهم الاختلاف واضطربت أحوالهم واختل نظام جماعتهم باختلاف الآراء وذلك الحال هو المعبر عنه بالفتنة. وحاصل معنى الفتنة يرجع إلى اضطراب الآراء، واختلال السير، وحلول الخوف والحذر في نفوس الناس، قال تعالى: {أية : وفتنّاك فتوناً}تفسير : [طه: 40] وقد تقدم ذكر الفتنة في قوله: {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : في سورة [البقرة: 91]. فعلى عقلاء الأقوام وأصحاب الأحلام منهم إذا رأوا دبيب الفساد في عامتهم أن يبادروا للسعي إلى بيان ما حل بالناس من الضلال في نفوسهم، وأن يكشفوا لهم ماهيته وشبهته وعواقبه، وأن يمنعوهم منه بما أوتوه من الموعظة والسلطان، ويزجروا المفسدين عن ذلك الفساد حتى يرتدعوا، فإن هم تركوا ذلك، وتوانوا فيه لم يلبث الفساد أن يسري في النفوس وينتقل بالعدوى من واحد إلى غيره، حتى يعم أو يكاد، فيعسر اقتلاعه من النفوس، وذلك الاختلالُ يفسد على الصالحين صلاحَهم وينكد عيشهم على الرغم من صلاحهم واستقامتهم، فظهر أن الفتنة إذا حلّت بقوم لا تصيب الظالم خاصة بل تعمه والصالح، فمن أجل ذلك وجب اتقاؤها على الكل، لأن إضرار حلولها تصيب جميعهم. وبهذا تعلم أن الفتنة قد تكون عقاباً من الله تعالى في الدنيا، فهي تأخذ حكم العقوبات الدنيوية التي تصيب الأمم، فإن من سُنتها أن لا تخص المجرمين إذا كان الغالب على الناس هو الفساد، لأنها عقوبات تحصل بحوادث كونية يستتب في نظام العالم الذي سنه الله تعالى في خلق هذا العالم أن يوزع على الأشخاص كما ورد في حديث النهي عن المنكر في الصحيح: أن النبي قال: حديث : مثل القائِم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ مَن فوقنا فإنْ يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجَوا ونجَوا جميعاًتفسير : وفي صحيح مسلم حديث : عن زينب بنت جحش أنها قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ـ قال: نعم إذا كثر الخبث ثم يحشْرون على نياتهم»تفسير : . وحرف {لا} في قوله: {لا تصيبن} نهي بقرينة اتصال مدخولها بنون التوكيد المختصة بالإثبات في الخبر وبالطلب، فالجملة الطلبية: إما نعت لـ{فتنة} بتقدير قول محذوف، ومثله وارد في كلام العرب كقول العجاج: شعر : حتى إذا جَن الظلام واختلط جاءوا بِمَذْق هَلْ رأيتَ الذئب قط تفسير : أي مقول فيه. وباب حذف القول باب متسع، وقد اقتضاه مقام المبالغة في التحذير هنا والاتقاء ـ من الفتنة فأكد الأمر باتقائها بنهيها هي عن إصابتها إياهم، لأن هذا النهي من أبلغ صيغ النهي بأن يُوجه النهي إلى غير المراد نهيه تنبيهاً له على تحذيره من الأمر المنهي عنه في اللفظ، والمقصودُ تحذير المخاطب بطريق الكناية لأن نهي ذلك المذكور في صيغة النهي يستلزم تحذير المخاطب فكأنّ المتكلم يجمع بين نهيين، ومنه قول العرب: لا أعرِفَنّك تفعل كذا، فإنه في الظاهر المتكلمِ نفسَه عن فعل المخاطب، ومنه قوله تعالى: {أية : لا يفتننكم الشيطان}تفسير : [الأعراف: 27] ويسمى هذا بالنهي المحول، فلا ضمير في النعت بالجملة الطلبية. ويجوز أن تكون جملة: {لا تصيبن} نهياً مستأنفاً تأكيداً للأمر باتقائها مع زيادة التحذير بشمولها مَن لم يكن من الظالمين. ولا يصح جعل جملة: {لا تصيبن} جواباً للأمر في قوله: {واتقوا فتنة} لأنه يمنع منه قوله: {الذين ظلموا منكم خاصة} وإنما كان يجوز لو قال: «لا تصيبنكم» كما يظهر بالتأمل، وقد أبطل في «مغني اللبيب» جعل (لا) نافية هنا، ورَد على الزمخشري تجويزه ذلك. و{خاصة} اسم فاعل مؤنث لجريانه على {فتنة} فهو منتصب على الحال من ضمير {تصيبن} وهي حال مفيدة لأنها المقصود من التحذير. وافتتاح جملة: {واعلموا أن الله شديد العقاب} بفعل الأمر بالعلم للإهتمام لقصد شدة التحذير، كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلْبه}تفسير : [الأنفال: 24] والمعنى أنه شديد العقاب لمن يخالف أمره، وذلك يشمل من يخالف الأمر بالاستجابة.
القطان
تفسير : هنا امرنا الله ان نتقي الفتن الاجتماعية التي لا تخص الظالمين، بل تتعداهم الى غيرهم، وتصل الى الصالح والطالح، فقال: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}. قال ابن عباس: امر الله المؤمنين ان لايُقرّوا المنكّر بين أظهُرهم فيعمّهم العذاب وفي صحيح مسلم حديث : عن زينب بن جحش انها سألت رسول الله، فقالت له: يا رسول الله أنِلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، اذا كثر الخبث . تفسير : فاتقوا ايها المؤمنون الفتن، واضربوا على أيدي المجرمين، فان الذنب العظيم مفسدٌ جماعتكم ولا يصيب الذين ظلموا وحدهم، بل يصيب الجميع. والأفرادُ في نظر القرآن مسئولون عن خاصة انفسهم، ومسئولون عن أمتهم ايضاً فإذا قصروا في أحد الجانبين او فيهما - عرّضوا انفسهم وأمتهم للدمار والهلاك. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} للأمم والافراد اذا سكتوا عن الفحشاء والمنكَر فيهم، ولم يتلافوا المفاسد التي تحصل بينهم. ثم يشفع الله هذا التحذير بتذكيرهم بنعمة الله عليهم حينما استجابوا وتضامنوا في المسؤولية والحرص على اعلاء كلمته، وكيف نظر الله اليهم على قلتهم فكثّرهم، والى ضعفِهم فقوّاهم وخوفهم فآمنهم، فقال: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ..} تذكّروا أيها المؤمنون، وقت أن كنتم عدداً قليلا، وضعفاء يستغلّ أعداؤكم ضعفكم، وقد استولى عليكم الخوف من ان يتخطفكم اعداؤكم فيفتكوا بكم. يومئذٍ آواكم أيها المهاجرون إلى يثرب حيث تلقّاكم الأنصار، وأيدكم وإياهم بنصره في غزواتكم، ورزَقكُم الغنائم الطيبة رجاء ان تشكروا هذه النعم فتفسيروا في طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله. ثم يأتي النداء الرابع، وفيه ينبّههم الى ان مخالفة الله في اوامره - ومن أشدِّها إفشاء سر الأمة للاعداء - خيانةٌ لله ولرسوله وخيانة للأمة، وحسب الخائنين سقوطا عند الله قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 58]. يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول بموالاة الاعداء، ولا تخونوا الامانات التي تكون بينكم، فالخيانة من صفات المنافقين، والأمانة من صفات المؤمنين. واكبر خيانة في الوقت الحاضر هي قعود المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، وتركُ المسجد الأقصى في يد أعداء اله اليهود. فالخيانة بكل معانيها صفة مذمومة. روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حديث : آية المنافق ثلاث: اذا حدّث كذب، واذا وعد أخلَف، واذا ائتُمِن خان، وان صام وصلى وزعم انه مسلم).تفسير : {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وانتم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم الله لها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} يحذّر الله هنا من شهوة النفس في الحرص على المال والولد، ذلك ان فتنة الاموال والاولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الالباب، فلا تغلِّبوا ايها المؤمنون محبة المال والولد على محبة الله تعالى. إن ذلك يفسِد أموركم. فيجب على المؤمن الصادق الإيمان ان يتقي الفتنة في المال بأن يكسبه من الحلال وينفقه في سبيل البر والاحسان، ويتقي الفتنة في الأولاد بحسن تربيتهم وتعويدهم الفضائل وحسن الاخلاق. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} يجزيكم به عن المال والولد، فعليكم ان تؤثروا ما عند ربكم. لمّا حذّر الله تعالى من الفتنة بالأموال والأولاد، قفّى على ذلك بطلب التقوى التي هي اساس الخير كله، وان التقوى شجرة مثمرة، اعظم ثمارها الفرقان والنور الذي يبصرّنا بالحق والعدل والصلاح، والذي به نهتدي ونسعد، كما تُمحة سيئاتنا، ويغفر الله لنا ذنوبنا، وبه تفتح لنا ابواب السماء. وهذا هو النداء الخامس: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} ان تخضعوا لاوامر الله في السر والعلن، يجعل الله تعالى في انفسكم قدرةً تفرّقون بها بين الحق والباطل، وينصركم على أعدائكم، ويغفر لكم جميع ذنوبكم، فهو ذو الفضل العظيم عليكم وعلى جميع خلقه.
د. أسعد حومد
تفسير : (25) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ مِنْ وُقُوعِ البَلاءِ وَالفِتَنِ بَيْنَهُمْ إذَا لَمْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ نَحْوَ دِينِهِم وَجَمَاعَتِهِمْ فِي الجِهَادِ، وَالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَفِي الضَّرْبِ عَلَى أَيْدِي المُفْسِدِينَ، وَفِي النُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَفي إطَاعَةِ أولي الأمْرِ. وَيُنَبِّهُهُمْ تَعَالَى إلَى أنَّ العِقَابَ الذِي يُنْزِلُهُ اللهُ بِالأمَمِ المُقَصِّرَةِ بِالقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا لاَ يُصِيبُ السَّيِّىءَ وَحْدَهُ، وَإنَّما يَعُمُّ بِهِ المُسِيءَ وَغَيْرَهُ، وَيُعْلِمُهُمْ أنَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ لِلأمَمِ التِي تُخَالِفُ سُنَنَهُ وَهُدَى دِينِهِ، وَتُقَصِّرُ فِي دَرْءِ الفِتَنِ، وَفِي التَّعَاوُنِ عَلَى دَفْعِهَا، وَالقَضَاءِ عَلَيْهَا. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ لاَ يُقِرُّوا المُنْكَرَ بَينَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَيَعُمَّهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويأمرنا الحق عز وجل أن نتقي الفتن من بدئها قبل أن يستفحل شأنها. وأن يتجنب الإنسان المعصية، وأن يضرب المجتمع على يد أي انحراف، فمن يسرق الآن الخزائن قد بدأ أولا بسرقة اليسير، سرق من أخيه أو من البيت ثم من الجيران ثم من البنك. ولو أن كل انحراف عوجل بالضرب على يد من فعله وهو صغير لما كبر المنحرف والانحراف. ولتم وأد الجرائم الكبيرة في مهدها؛ لأن من ارتكب الصغيرة قد عوقب. وإياكم أن يقول أحدكم ما دام مثل هذا الانحراف لا يمسني فليس لي به شأن؛ لأن الذي اجترأ على مثلك، من السهل أن يجترىء عليك. ونحن نعرف جميعاً قصة الثيران الثلاثة؛ الأحمر والأبيض والأسود، فقد هاجم الأسد الثور الأبيض فأكله، ولم يدافع عنه الثور الأحمر أو الأسود. وهاجم الأسد الثور الأحمر بعد ذلك فقال الثور الأسود لنفسه: ما دام الأسد لم يأكلني فلا دخل لي بهذا الأمر. وجاء الأسد إلى الثور الأسود، بينما هو يقترب منه قال: لقد أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} [الأنفال: 25]. هذا القول يدلنا على أن اتقاء الفتنة يبدأ من الضرب على أيدي صانع الفتنة وهي في بدايتها. وأضرب هذا المثل ليبقى في الذاكرة دائما؛ إن الأم التي قسمت الأكل بما فيه من لحم وخضر وفاكهة على الأبناء، فأكل أحد الأبناء نصيبه، ثم احتفظت الأم ببقية أنصبة إخوته في الثلاجة، ومن بعد ذلك لاحظت الأم أن الابن الذي أكل نصيبه يأكل نصيب أحد إخوته من خلف ظهرها ودون استئذانها، وهنا يجب أن تؤنبه وتعاقبه على مثل هذا الفعل حتى لا يتمادى في ذلك. كذلك إن دخل الابن بلعبة أو بشيء يفوق قدرة مصروف يده على الشراء، فعلى الأب أن يضرب على يد الابن حتى لا يتمادى الولد في إفساد نفسه. ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى جعل الدية في القتل الخطأ على العاقلة وهم العصبة أي قرابة القاتل من جهة أبيه، ويطلق عليهم العائلة - أي عائلة القاتل - لأن أفراد العائلة حين يرون أن كلاً منهم سوف يصيبه جزء من الغرم، فإنه يضرب على يد من يتمادى في إرهاب الغير وتهديدهم إن كان من عائلته. ولذلك ترى أن الناس إذا رأوا الظالم ثم لم يضربوا على يده فإن الله يعمهم بغضب من عنده؛ لأن الظالم يتمادى في ظلمه وطغيانه ويعربد في الآخرين. فيستشري الظلم في المجتمع ويحق على الجميع عقاب الله. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر رضوان الله عليه - يقول، يبين لنا ذلك فيما رواه عنه الإمام أحمد. فقد روى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنتم تقرأون هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم بعقابه ". تفسير : ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق الفاصل في القضايا العقدية والحكمية ويأتي بمثال واضح يتفق عليه الكل، فيقول صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عنه النعمان بن بشير: "حديث : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوْا من الماء مرُّوا على مَنْ فوقهم، فقالوا لو أنّا خرقنا خرقاً في نصيبنا ولم نؤذ منْ فَوْقنا. فإن يَتْركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا ونَجَوْا جميعا ". تفسير : والرسول صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل بقوم ركبوا سفينة، وأجروا فيما بينهم القرعة لينقسموا إلى جماعتين؛ جماعة تجلس في النصف الأعلى من السفينة أي على سطحها، وجماعة تسكن في بطن السفينة، حسب ما تأتي به قسمة القرعة وهي ما تسمى بالاستهام. وهذا يدلنا على أنهم أناس طيبون، ولا توجد فيهم جماعة قوية تفرض شيئاً على جماعة ضعيفة. وكان الذين يسكنون أسفل السفينة حين يريدون الماء يصعدون إلى أعلى لينزلوا الأواني من فوق سطح السفينة إلى النهر. ولو تُرك الذين في أسفل السفينة لتنفيذ رغبتهم في خرق السفينة ليأخذوا الماء من النهر لغرقت السفينة، لكن إن ضرب الذين يعيشون فوق السفينة على يد من يريدون خرقها لنجوا جميعاً. وهكذا يكون فهمنا لقول الحق تبارك وتعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 25]. ولسائل أن يسأل ويقول: إن العقاب يقع هنا على الظالم والمظلوم، والظالم هو الذي يستحق العقاب على ما وقع منه من ظلم، ولكن ما ذنب المظلوم؟ والجواب: أن المظلوم قد كان في مكنته أن يرد الظلم لكنه سكت عن ذلك فاستحق أن يشمله العقاب. وإن لم تنتبه المجتمعات إلى مقاومة الفتن، أنزل الله بها العقاب، وعقاب الحق تبارك وتعالى أشد من عقاب الخلق. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ...}
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 307 : 13 : 5 - سفين عن جويبر عن الضحاك في قوله {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} قال، نزلت في أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم. [الآية 25]. 308 : 14 : 6 - سفين قال، أخبرني من سمع عقبة بن صهبان أنه سمع الزبير بن العوام {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} قال، لقد أتى علينا زمان وما نظن إنا من أهلها - فإذا نحن المعنيون بها.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً} [25] 226- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرحمن بن مهدي، نا جرير بن حازم قال: سمعت الحسن، عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت هذه الآية {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} الآية قال: ونحن يومئذ متوافرون، قال: فجعلت أتعجب من هذه الآية، أيُّ فتنة تصيبنا؟ ما هذه الفتنة؟ حتى رأيناها.
همام الصنعاني
تفسير : 1006- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً}: [الآية: 25]، أن الزبير بن العوام قال: لقد نزلت، وما نرى أحداً آمَنَ بها أو نفع بِهَا، قال: ثم خلفنا حتى أصابتنا خاصَّةً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):