٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمرهم بطاعة الله وطاعة الرسول، ثم أمرهم باتقاء المعصية، أكد ذلك التكليف بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى بين أنهم كانوا قبل ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية القلة والذلة، وبعد ظهوره صاروا في غاية العزة والرفعة، وذلك يوجب عليهم الطاعة وترك المخالفة. أما بيان الأحوال التي كانوا عليها قبل ظهور محمد فمن وجوه: أولها: أنهم كانوا قليلين في العدد. وثانيها: أنهم كانوا مستضعفين، والمراد أن غيرهم يستضعفهم، والمراد من هذا الاستضعاف أنهم كانوا يخافون أن يتخطفهم الناس. والمعنى: أنهم كانوا إذا خرجوا من بلدهم خافوا أن يتخطفهم العرب، لأنهم كانوا يخافون من مشركي العرب لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم، ثم بين تعالى أنهم بعد أن كانوا كذلك قلبت تلك الأحوال بالسعادات والخيرات، فأولها: أنه آواهم والمراد منه أنه تعالى نقلهم إلى المدينة، فصاروا آمنين من شر الكفار، وثانيها: قوله: {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } والمراد منه وجوه النصر في يوم بدر، وثالثها: قوله: {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } وهو أنه تعالى أحل لهم الغنائم بعد أن كانت محرمة على من كان قبل هذه الأمة. ثم قال: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي نقلناكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء، حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة، فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة والمخاصمة بسبب الأنفال؟
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} قال الكَلْبي: نزلت في المهاجرين؛ يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام. {مُّسْتَضْعَفُونَ} نعت. {فِي ٱلأَرْضِ} أي أرض مكة. {تَخَافُونَ} نعت. {أَن يَتَخَطَّفَكُمُ} في موضع نصب. والخطف: الأخذ بسرعة. {ٱلنَّاسُ} رفع على الفاعل. قَتَادة وعِكرمة: هم مشركو قريش. وهب بن منبّه: فارس والرّوم. {فَآوَاكُمْ} قال ابن عباس: إلى الأنصار. السُّدِّي: إلى المدينة؛ والمعنى واحد. آوى إليه (بالمد): ضمّ إليه. وأوى إليه (بالقصر): ٱنضمّ إليه. {وَأَيَّدَكُم} قوّاكم. {بِنَصْرِهِ} أي بعونه. وقيل: بالأنصار. وقيل: بالملائكة يوم بدر. {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي الغنائم. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قد تقدّم معناه.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ} أرض مكة يستضعفكم قريش، والخطاب للمهاجرين. وقيل للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم. {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} كفار قريش أو من عداهم فإنهم كانوا جميعاً معادين لهم مضادين لهم. {فَآوَاكُمْ} إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون به عن أعاديكم. {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} على الكفار أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر. {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} من الغنائم. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم. { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون، أو بالغلول في المغانم. وروي: (أنه عليه الصلاة والسلام حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء بأرض الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت. فشد نفسه على سارية في المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي فقال عليه الصلاة والسلام حديث : يجزيك الثلث أن تتصدق به) تفسير : وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه. {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } فيما بينكم وهو مجزوم بالعطف على الأول أو منصوب على الجواب بالواو. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم تخونون، أو أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنهم سبب الوقوع في الإِثم أو العقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم، فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه. { يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل أو نصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجاً من الشبهات، أو نجاة عما تحذرون في الدارين، أو ظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم من قولهم بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي الصبح. {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} ويسترها. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} بالتجاوز والعفو عنكم. وقيل السيئات الصغائر والذنوب الكبائر. وقيل المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما الله تعالى لهم. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، وأنه ليس مما يوجب تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاماً على عمل. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تذكار لما مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في خلاصه. من مكرهم واستيلائه عليهم، والمعنى واذكر إذ يمكرون بك. {لِيُثْبِتُوكَ} بالوثاق أو الحبس، أو الإِثخان بالجرح من قولهم ضربه حتى أثبته لا حراك به ولا براح، وقرىء {لِيُثْبِتُوكَ } بالتشديد «وليبيتوك» من البيات «وليقيدوك». {أَوْ يَقْتُلُوكَ } بسيوفهم. {أَوْ يُخْرِجُوكَ} من مكة، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم فرقوا واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت، فقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمر ورأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع، فقال بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه. فقال صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه، فأتى جبريل النبي عليهما السلام وأخبره الخبر وأمره بالهجرة، فبيت علياً رضي الله تعالى عنه في مضجعه وخرج مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى الغار. {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} برد مكرهم عليهم، أو بمجازاتهم عليه، أو بمعاملة الماكرين معهم بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا ما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم.
ابن كثير
تفسير : ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم، فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة قليلين مستخفين مضطهدين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم؛ لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم قال قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله في قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ}، قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالاً، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلاً منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا الله على نعمه؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأَرْضِ } أرض مكة {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ } يأخذكم الكفار بسرعة {فَآوَاكُمْ } إلى المدينة {وَأَيَّدَكُم } قوّاكم {بِنَصْرِهِ } يوم بدر بالملائكة {وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } الغنائم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمه.
الشوكاني
.تفسير : الخطاب بقوله: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ } للمهاجرين، أي اذكروا وقت قلتكم، و{مُّسْتَضْعَفُونَ } خبر ثان للمبتدأ، والأرض هي أرض مكة، والخطف: الأخذ بسرعة، والمراد بالناس: مشركو قريش. وقيل: فارس والروم {فَآوَاكُمْ } يقال: آوى إليه بالمد وبالقصر بمعنى: انضم إليه. فالمعنى: ضمكم الله إلى المدينة أو إلى الأنصار {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } أي: قوّاكم بالنصر في مواطن الحرب التي منها يوم بدر، أو قوّاكم بالملائكة يوم بدر {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } التي من جملتها الغنائم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: إرادة أن تشكروا هذه النعم، التي أنعم بها عليكم، والخون أصله كما في الكشاف: النقص. كما أن الوفاء التمام، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء، لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان. وقيل معناه: الغدر وإخفاء الشيء. ومنه قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلاْعْيُنِ } تفسير : [غافر: 19] نهاهم الله عن أن يخونوه بترك شيء مما افترضه عليهم، أو يخونوا رسوله بترك شيء مما أمنهم عليه، أو بترك شيء مما سنه لهم، أو يخونوا شيئاً من الأمانات التي اؤتمنوا عليها، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من منع الحق، مأخوذة من الأمن. وجملة {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } في محل نصب على الحال، أي وأنتم تعلمون أن ذلك الفعل خيانة، فتفعلون الخيانة عن عمد، أو وأنتم من أهل العلم لا من أهل الجهل. ثم قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } لأنهم سبب الوقوع في كثير من الذنوب، فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده، وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم، ليحصل لكم ما عنده من الأجر المذكور. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَٱذْكُرُواْ إِذَ أَنتُمْ قَلِيلٌ } قال: كان هذا الحيّ من العرب أذلّ الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالة، من عاش عاش شقياً، ومن مات منهم ردّي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلاً من حاضري الأرض يومئذ كان أشرّ منزلاً منهم حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس. وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عزّ وجلّ. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في قوله: {يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ } قال: في الجاهلية بمكة {فَآوَاكُمْ } إلى الإسلام. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن وهب، في قوله: {يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ } قال: الناس إذ ذاك فارس والروم. وأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم، والديلمي، في مسند الفردوس، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في قوله: {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلأرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ } قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال: "حديث : أهل فارس"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {فَآوَاكُمْ } قال: إلى الأنصار بالمدينة {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } قال: يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن جابر بن عبد الله، أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا"تفسير : ، فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله: {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } الآية. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن أبي قتادة، قال: نزلت هذه الآية {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } في أبي لبابة بن عبد المنذر، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فنزلت. قال أبو لبابة: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. وأخرج سنيد، وابن جرير، عن الزهري نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، عن الكلبي أن رسول الله بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفاً لهم، فأومأ بيده أنه الذبح، فنزلت. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ، في هذه الآية: أنها نزلت في أبي لبابة، ونسختها الآية التي في براءة {أية : وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } تفسير : [التوبة: 102]. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ } قال: بترك فرائضه {وَٱلرَّسُولِ } بترك سننه، وارتكاب معصيته {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } يقول: لا تنقصوها. والأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد. وأخرج ابن جرير، عن المغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان. ولعل مراده أن من جملة من يدخل تحت عمومها قتل عثمان. وأخرج أبو الشيخ، عن يزيد بن أبي حبيب، في الآية قال: هو الإخلال بالسلاح في المغازي، ولعل مراده أن هذا مما يندرج تحت عمومها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود، قال: ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة، لأن الله يقول: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } فمن استعاذ منكم، فليستعذ بالله من مضلات الفتن. وأخرج هؤلاء عن ابن زيد في الآية قال: فتنة الإختبار اختبرهم، وقرأ و{أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً }تفسير : [الأنبياء: 35].
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاذْكُرُواْ إذْ أنتُم قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ} يريد بذلك قلتهم إذ كانوا بمكة وذلتهم باستضعاف قريش لهم. وفي هذا القول وجهان: أحدهما: أن الله ذكّرهم بذلك نعمه عليهم. والثاني: الإخبار بصدق وعده لهم. {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} فيه قولان: أحدهما: يعني بالناس كفار قريش، قاله عكرمة وقتادة. والثاني: فارس والروم، قاله وهب بن منبه. ثم بيّن ما أنعم به عليهم فقال {فَئَاوَاكُمْ} وفيه وجهان: أحدهما: أي جعل لكم مأوى تسكنون فيه آمنين. والثاني: فآواكم بالهجرة إلى المدينة، قاله السدي. {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} أي قواكم بنصره لكم على أعدائكم يوم بدر. {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} يعني من الحلال، وفيه قولان: أحدهما: ما مكنكم فيه من الخيرات. والثاني: ما أباحكم من الغنائم، قاله السدي. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في المهاجرين خاصة بعد بدر.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَلِيلٌ} بمكة تستضعفكم قريش، ذّكَّرهم نعمه، أو أخبرهم بصدق وعده. {يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} كفار قريش، أو فارس والروم. {فَآوَاكُمْ} إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تسكنونه آمنين {وَأَيَّدَكُم} قوَّاكم بنصره يوم بدر. {الطَّيِّبَاتِ} الحلال من الغنائم، أو ما مكنوا فيه من الخيرات، قيل نزلت في المهاجرين خاصة بعد بدر.
الخازن
تفسير : وقوله عز وجل: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} لما أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله وحذرهم من الفتنة ذكرهم نعمته عليهم. فقال تعالى: واذكروا يا معشر المؤمنين المهاجرين إذ أنتم قليل يعني في العدد مستضعفون في الأرض يعني في أرض مكة في ابتداء الإسلام {تخافون أن يتخطفكم الناس} يعني كفار مكة قال عكرمة كفار العرب وقال وهب ابن منبه يعني فارس والروم {فآواكم} يعني إلى المدينة {وأيدكم بنصره} يعني وقواكم بالأنصار. وقال الكلبي: وقواكم يوم بدر بالملائكة {ورزقكم من الطيبات} يعني الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم {لعلكم تشكرون} يعني تشكرون الله على نعمه عليكم قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} قال الزهري والكلبي: نزلت هذه الآية في أبي لبابة هارون بن عبدالمنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا أرسل إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر وكان مناصحاً لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه يعني إنه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدّ نفسه على سارية من سواري المسجد. وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرَّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه فقيل له يا أبا لبابة قد تيب عليك فقال والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاء فحله بيده ثم قال أبو لبابة إن تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يجزيك الثلث أن تصدق به" تفسير : فنزل فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول}. وقال السدي: كانوا يسمعون السر من النبي صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنزلت هذه الآية وقال جابر بن عبد الله: إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه إن أبا سفيان في مضوع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا قال فكتب رجل من المنافقين إليه إن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله عز وجل لا تخونوا الله والرسول {وتخونوا أماناتكم} ومعنى الآية لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم {وأنتم تعلمون} يعني أنها أمانة وقيل: معناه وأنتم تعلمون أن ما فعلتم من الإشارة إلى الخلق خيانة وأصل الخيانة من الخون وهو النقص لأن من خان شيئاً فقد نقصه والخيانة ضد الأمانة، وقيل في معنى الآية: لا تخونوا الله والرسول فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم. وقال ابن عباس: معناه لا تخونوا الله بترك فرائضه ولا تخونوا الرسول بترك سنته ولا تخونوا أماناتكم قال ابن عباس هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله تعالى والأعمال التي ائتمن عليها العباد وقال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ومنه الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {واذكروا إذ أنتم قليل...} الآية. قال: كان هذا الحي أذل الناس ذلاً، وأشقاه عيشاً، وأجوعه بطوناً، وأعراه جلوداً، وأبينه ضلالة، معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم. لا والله ما في بلادهم يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم ردى في النار، يؤكلون ولا يأكلون. لا والله ما نعلم قبيلا ًمن حاضر الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإِسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {يتخطفكم الناس} قال: في الجاهلية بمكة فآواكم إلى الإِسلام. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه في قوله {يتخطفكم الناس} قال: الناس إذ ذاك: فارس والروم. وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس} قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال "أهل فارس" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {فآواكم} قال: إلى الأنصار بالمدينة {وأيدكم بنصره} قال: يوم بدر.
ابو السعود
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} أي وقتَ كونِكم قليلاً في العدد، وإيثارُ الجملةِ الاسمية للإيذان باستمرار ما كانوا فيه من القلة وما يتبعها من الضعف والخوف، وقوله تعالى: {مُّسْتَضْعَفُونَ} خبرٌ ثانٍ أو صفةٌ لقليل وقوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ} أي في أرض مكةَ تحت أيدى قريشٍ والخطابُ للمهاجرين، أو تحت أيدي فارسَ والرومَ، والخطاب للعَرَب كافةً فإنهم كانوا أذلاء تحت أيدي الطائفتين، وقوله تعالى: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} خبرٌ ثالثٌ أو صفةٌ ثانية لقليلٌ وُصِفَ بالجملة بعد ما وصف بالمُفرد، أو حالٌ من المستكنِّ في مستضعفون والمرادُ بالناس على الأول وهو الأظهرُ إما كفارُ قريشٍ وإما كفارُ العرب لقربهم منهم وشدةِ عداوتهم لهم، وعلى الثاني فارس والروم أي واذكروا وقت قِلتِكم وذِلتكم وهَوانِكم على الناس وخوفِكم من اختطافهم {فَآوَاكُمْ} إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} على الكفار أو بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} من الغنائم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعمَ الجليلة. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أصلُ الخَوْنِ النقصُ كما أن أصلَ الوفاءِ التمام، واستعمالهُ في ضد الأمانة لتضمنه إياه أي لا تخونوهما بتعطيل الفرائضِ والسنن أو بأن تُضمِروا خلافَ ما تظهرون، أو في الغلول في الغنائم، روي (أنه عليه الصلاة والسلام حاصَر بني قُريظةَ إحدى وعشرين ليلةً فسألوا الصُّلْحَ كما صالح بني النضيرِ على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرِعاتٍ وأريحاءَ من الشام، فأبى إلا أن ينزِلوا على حكم سُعد بن معاذ رضي الله عنه فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لُبابةَ وكان مناصِحاً لهم لِما أن ماله وعيالَه كانا في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا: ما ترى هل ننزل على حُكم سعدٍ فأشار إلى حلقه إنه الذبحُ قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى عملتُ أني خُنتُ الله ورسولَه فنزلت فشد نفسَه على سارية من سواري المسجدِ وقال: والله لا أذوقُ طعاماً ولا شراباً حتى أموتَ أو يتوبَ الله عليّ فمكث سبعةَ أيامٍ حتى خرَّ مغشياً عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيبَ عليك فحُلَّ نفسَك، قال: لا والله لا أحُلّها حتى يكونَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحُلّني فجاءه عليه الصلاة والسلام فحلّه فقال: إن من تمام توبتي أن أهجُرَ دارَ قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ وأن أنخلِع من مالي فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يُجزِئُك الثلثُ أن تتصدقَ به»تفسير : {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ} فيما بـينكم وهو مجزومٌ معطوفٌ على الأول أو منصوبٌ على الجواب بالواو {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم تخونون أو وأنتم علماءُ تميِّزون الحسنَ من القبـيح.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ}. يُذَكرهم ما كانوا فيه من القِلَّة والذِّلة وصنوف (...) ثم ما نَقَلَهم إليه من الإِمْكان والبَسْطَة، ووجوه الأمان والحيطة، وقَرَّبهم إلى إقامة الشكر على جزيل تلك القِسَم، وإدامة الحمد على جميل تلك النِّعم، فمهَّد لهم في ظل أبوابه مقيلاً، ولم يجعل للعدوِّ إليهم - بيُمْنِ رعايته - سبيلاً. قوله جلّ ذكره: {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. رَزَقَ الأشباحَ والظواهرَ من طيبات الغذاء، ورزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء. وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المُنْعم.
البقلي
تفسير : {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْض} من الله على اوليائه بانه وان عددهم قليل فهم عند الله عظيم فكثرهم بالاخوان من العارفين حين كانوا عند الاعداء خائفين من شرهم ومن شر معصيتهم وقلة احترامهم بقوله {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} لان هم فى منادى الاحوال فلما اواهم الله الى مقام مشاهدته والبسهم لباس انوار هيبته وسقاهم شرابُ صلته غلبوا بنصرة الله على اعداء الله وصاروا صاغرين عند هؤلاء الاولياء وذلك قوله تعالى {فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} آواهم من قهره الى لطفه ووسمهم بسمات قدرته واطعمهم من موائد قربته {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تعرفون مشكوركم حين يعجزوا عن اداء شكر معرفته قال الاستاذ رزق الاشباح من طيبات الغذاء ورزق الارواح والسراير من صنوف الضياء فلما وقف بعوالى تلك الدرجات حذرهم الله عن الخيانة فى الطريق بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون} اذا عرّفكم الله معالم الربوبية وحقائق العبودية واعلمكم علوم حكم المعرفة لا تكتموها عن اهلها من المريدين الصادقين وما وجدكم من ذلك من === وعلمه المأثور منه لا تمنعوا منه عمن يقتبس منكم قال عليه السلام بلغوا عني ولو آية واذا عرفتم ذلك اعملوا به ولا تخونوا فى تلك الامانة التى اودعها الله فى قلوبكم بترك رعايتها بنعت العمل والامر بالمعروف والنهى عن المنكر فذلك قوله تخونوا اماناتكم وانتم تعلمون انكم خائنون فى تضييعكم من الله عليكم من علمه الذي علمكم وايضا من عرف الله والتفت عنه الى شيء غير الله فقد خان الله فى محبته وامانته ودائع معرفته فى صدور عباده التى توجب انفراد خواطرهم من كل عوارض نفسانية وشيطانية قال ابو عثمان من خان الله فى السر هتك ستره فى العلانية وقال بعضهم خيانة الله فى الاسرار من حب الدنيا وحب الرياسة والاظهار خلاف الاضمار وخيانة الرسول فى اداب الشريعة وترك السنن والتهاون بها وخيانات الامانات فى المعاملات والاخلاق ومعاشرة المؤمنين فى ترك النصيحة لهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكروا} ايها المهاجرون {اذ أنتم قليل} اى وقت كونكم قليلا فى العدد {مستضعفون} خبر ثان اى مقهورون تحت ايدى قريش {فى الارض} اى ارض مكة {تخافون} خبر ثالث {أن يتخطفكم الناس} التخطف الاخذ والاستلاب بسرعة وهم كانوا يخافون ان يخرجوا من مكة حذرا من ان يستلبهم كفار قريش ويذهبوا بهم {فآويكم} اى جعل لكم مأوى ترجعون اليه وهو المدينة دار الهجرة {وايدكم بنصره} على الكفار {ورزقكم من الطيبات} من الغنائم التى لم تكن حلالا للامم السالفة على الكفار {ورزقكم من الطيبات} من الغنائم التى لم تكن حلالا للامم السالفة {لعلكم تشكرون} هذه النعم. قال الجنبد قدس سره كنت عند السرى وانا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون فى الشكر فقال لى يا غلام ما الشكر فقلت ان لا تعصى الله بنعمه فقال يوشك ان يكون حظك من الله لسانك فلا أزال. ابكى على هذه الكلمة. واعلم ان الدولة العثمانية التى هى آخر الدول الاسلامية كانت على الضعف فى الاوائل واهلها قليلون مستضعفون تحت ايدى فارس والروم حتى قواهم الله بالعدد ونصرهم على اعدائهم فكانوا يستفتحون من مشارق الارض ومغاربها ويأوون الى الاماكن فى الاقطار الى ان آل الامر الى ما آل فكل ذلك نعم جسيمة وستعود هذه الحال الى ما كانت عليه فى الابتلاء فان الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا وما ذلك الا بالغرور والكفران وادعاء الاستحقاق من غير برهان: قال السعدى قدس سره شعر : ترا آنكه جشم ودهان داد وكوش اكر عاقلى در خلافش مكوش مكن كردن ازشكر منعم ميبج كه روزى بسين سربر آرى بهيج تفسير : ثم اعلم ان الروح والقلب فى بدء الخلقة وتعلقهما بالقالب وكذا صفاتهما مستضعفون من غلبات النفس لاعواز التربية بألبان آداب الطريقة وانعدام جريان احكام الشريعة عليهم الى اوان البلوغ والتربية فى هذه المدة للنفس وصفاتها لاستحكام القالب لحمل اعباء تكاليف الشريعة وهما اعنى الروح والقلب يخافون ان تستلبهم النفس وصفاتها ويغتالهم الشيطان واعوانه فآواكم الى حظائر القدس وايدكم بنصره بالواردات الربانية {ورزقكم من الطيبات} اى من المواهب الطاهرة من لوث الحدوث {لعلكم تشكرون} فتستحقون المزيد شعر : شكر نعمت نعمتت افزون كند كفر نعمت از كفت بيرون كند تفسير : والعمدة قلة الاكل وكثرة الشكر والطاعة. ويقال اربع فى الطعام فريضة. ان لا يأكل الا من الحلال. وان يعلم انه من الله تعالى. وان يكون راضيا. وان لا يعصى الله ما دامت قوة ذلك الطعام فيه. واربع سنة. ان يسمى الله فى الابتداء. وان يحمد الله فى الانتهاء. وان يغسل يديه قبل الطعام وبعده. وان يثنى رجله اليسرى وينصب اليمنى عن الجلوس. واربع آداب. ان يأكل مما يليه. وان يصغر اللقمة. وان يمضغها مضغا ناعما. وان لا ينظر الى لقمة غيره. واثنان دواء. ان يأكل ما سقط من المائدة. وان يلعق القصعة. واثنان مكروهان. ان يشم الطعام. وان ينفخ فيه ولا يأكل حارا حتى يبرد فان اللذة فى الحار والبركة فى البارد. فعلى العاقل الساعى فى طلب مرضاة الله تعالى تحصيل القوت الحلال وكثرة شكر المنعم المفضال ولله على العبد نعم ظاهرة وباطنة والطاف جليلة وخفية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {واذكروا إذ أنتم قليل} أي؛ اذكروا هذه النعمة، حيث كنتم بمكة وأنتم قليل عَددكم مع كثرة عدوكم، {مستضعفون في الأرض} أي: أرض مكة، يستضعفكم قريش ويعذبونكم ويضيقون عليكم، {تخافون أن يتخطفكم الناسُ} أي: قريش، أو من عداهم، {فآواكم} إلى المدينة، وجعلها لكم مأوىً تتحصنون بها من أعدائكم، {وأَيَّدكم} أي: قواكم {بنصره} على الكفار، أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر، {ورزَقكم من الطيبات}؛ من الغنائم، {لعلكم تشكرون} هذه النعم. والخطاب للمهاجرين، وقيل: للعرب كافة؛ فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم، يخافون أن يتخطفهم الناس من كثرة الفتن، فكان القوي يأكل الضعيف منهم، فآواهم الله إلى الإسلام، فحصل بينهم الأمن والأمان، وأيدهم بنصره، حيث نصرهم على جميع الأديان، وأعزهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورزقهم من الطيبات، حيث فتح عليهم البلاد، وملكوا ملك فارس والروم، فملكوا ديارهم وأموالهم، ونكحوا نساءهم وبناتِهم، لعلهم يشكرون. الإشارة: التذكير بهذه النعمة يتوجه إلى خصوص هذه الأمة، وهم الفقراء المتوجهون إلى الله، فهم قليل في كل زمان، مستضعفون في كل أوان، حتى إذا تمكنوا وتهذبوا، وطهروا من البقايا منَّ عليهم بالنصر والعز والتأييد، كما وعدهم بقوله: {أية : وَنُرِيدُ أًن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ فىِ الأَرضِ...} تفسير : [القصص:5] الآية، والغالب عليهم شكر هذه النعم، لَمَا خصهم به من كمال المعرفة. والله تعالى أعلم. ثم نهاهنم عن الخيانة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ}.
الطوسي
تفسير : الذكر ضد السهو، وهو إحضار المعنى للنفس. وإنما أمروا بالتعرض له، لان إحضار المعنى بقلوبهم ليس من فعلهم. وقوله {إذ أنتم قليل} فالقلة النقصان عن المقدار في العدد وكان اصحاب النبي صلى الله عليه وآله قليلين في الأصل فلطف الله لهم حتى كثروا وعزوا، وقل اعداؤهم وذلوا وكانوا مستضعفين، فقووا. والاستضعاف طلب ضعف الشيء بتهوين حاله. والضعف خلاف القوة. والاستضعاف استجلاب ضعفه بتحقير حاله، فامتن الله عليهم بذلك وبين انهم كانوا قليين فكثرهم وكانوا مستضعفين، فقواهم بلطفه. وقوله {تخافون أن يتخطفكم الناس} فالتخطف الاخذ بسرعة انتزاع، تخطف تخطفاً وخطف خطفاً واختطف اختطافاً، فبين انهم كانوا خائفين من ان ينال منهم العدو. وقوله {فآواكم} اي جعل لكم مأوى حريزاً ترجعون إليه وتسكنون فيه وقال السدي {آواكم} إلى المدينة. وقوله {وأيدكم بنصره} يعني بالانصار في قول السدي وقيل في المعني بقوله {الناس} قولان: احدهما - مشركوا قريش في قول عكرمة وقتادة. وقال وهب بن منية يعني فارس والروم، وقوله {ورزقكم من الطيبات} أي أطعمكم غنيمتكم حلالا طيباً {لعلكم تشكرون} أي لكي تشكروه على هذه النعم المترادفة والآلاء المتضاعفة.
الجنابذي
تفسير : {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} من حيث العدد او من حيث المال ولفظ قليلٌ قد يفرد وقد يجمع {مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ} تذكيرٌ لهم بنعمه والمراد ضعفهم قبل المهاجرة {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} من قريشٍ {فَآوَاكُمْ} الى المدينة {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} من الغنائم وغيرها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وجعل الخطاب للعرب تماماً وجعل ضعفهم ذلّتهم عند الرّوم والعجم بعيدٌ جدّاً.
اطفيش
تفسير : {واذْكُروا} يا أيها الذين آمنوا {إذْ} مفعول به للفعل قبله، أو ظرف متعلق بمحذوف نعت لمفعول محذوف، أى اذكروا حالكم الكائنة والثابتة إذ {أنتُم قليلٌ مسْتضعَفُون فى الأرْضِ} أرض مكة وأرض المدينة، فإن المهاجرين قليل، وأهل المدينة قليل. {تخافُونَ أنْ يتخطَّفكُم الناسُ} باقى العرب والفرس والروم {فَآواكُم} تكفل بكم وحفظكم منهم {وأيَّدكُم} قوَّاكم {بنَصْره} يوم بدر على من قاتلكم نصرا متعديا إلى غيرهم، وقيل: الخطاب للمهاجرين، استضعفهم كفار قريش وغيرهم، وخافوا أن يتخطفوهم فآواهم الله سبحانه إلى المدينة، أى ضمهم إليها، أو جعلها لهم مأوى يتحصنون به، وأيدهم بنصره بالأنصار وبإمداد الملائكة. وقيل: الخطاب للعرب مطلقا، فإنهم كانوا أذلاء فى أيدى فارس والروم والترك وأعرى أجساما وأجوع بطونا، وأشدهم ضلالا، وأشقاهم عيشا، يوكلون ولا يأكلون فآواهم الله عز وجل بالنبوة والشريعة والنصر، وفتح البلاد، وغلبت الملوك، ورد هذا القول بأن العرب كانت وقت نزول الآية كافرة إلا القليل والبلاد غير مفتتحة، والملوك غير مغلوبة، نعم يصح ما ذكره بعد من أن الخطاب للعرب، والإيواء والنصر بيوم بدر، لكن باعتبار أنه إذا كانت هذه القوة والنصرة فى العرب المسلمين، ولو على العرب المشركين فهى لسائر العرب، عزلو علموا يتوصلون به إلى غلبة الملوك {وَرَزقَكم من الطَّيِّباتِ} الحلال مطلقا أو ما يستلذ من المآكل والمشارب والملابس، أو من الغنائم {لعلَّكُم} تعليل أو ترج مصروف إلى المخاطبين {تَشْكُرون} هذه النعم.
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ} معشر المؤمنين والنبى {قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ} خبر ثان أَو نعت، قليل أَى معدودون مع تلك القلة ضعفاء، أَو موجودون ضعفاءَ، أَو مصيرون ضعفاءَ {فِى الأَرْضِ} أَى أَرض مكة وغيرها، أَو فى أَرض مكة على أَن الخطاب فى اذكروا وأَنتم للمهاجرين، وعليه فأَطلق الأَرض مع أَن المراد أَرض مكة للعهد، أَو لعظمها كأَنها الأَرض كلها، ولأَن الأَرض بسطت من تحت الكعبة، ولأَن حالهم فى سائر الأَرض كحالهم فيها من الاستضعاف، كما قال {تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ} يأخذونكم بسرعة، فإِنهم يخافون فى مكة وغيرها أَن يتخطفهم الناس، إِما قريش فى مكة، وإِما غيرهم فى غيرها، أَو الخطاب للعرب مطلقا يخافون أَن يتخطفهم فارس والروم، فالأَرض أَرض مكة وغيرها إِلا ما جعل الله لأَهل مكة من الأَمن، ولو طمع فيهم هؤلاءِ إِلا أَن فارس لم يملكوا كلهم، وعن ابن عباس، قيل: يا رسول الله مَنِ الناس؟ قال: فارس {فَآوَاكُمْ} ضمكم إِلى حفظه، وأَزال عنكم الضعف وخوف التخطف، وجعل المدينة مأوى لكم تتحصنون فيها عن عدوكم {وَأَيَّدَكُمْ} قواكم {بِنَصْرِهِ} إِياكم على الكفار لمظاهرة الأَنصار، وإِمداد الملائكة فى بدر وغير ذلك {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} ما حل مما ينفعكم سواء كان لذيذا جدا أَو دون ذلك، ومنهن الغنائم والزكاة فإِنهما لم يطبن إِلا لهذه الأُمة {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} الله على إِنعامه عليكم، ويروى أَنه صلى الله عليه وسلم حاصر قريظة خمسا وعشرين ليلة، عند البيهقى، أَو إِحدى وعشرين، أَو خمس عشرة فأَجهدهم وسأَلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن ينقلهم إِلى إِخوتهم إِلى أَذرعات، أَو أَريحاءَ من أَرض الشام، فقال: لا بل انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقال رئيسهم كعب بن أسيد آمنوا فقد علمتم أَنه رسول الله فى كتابكم تنجوا من القتل والسبى، أَو قتَّلوا أَبناءَكم ونساءَكم واخرجوا إِليه بسيوف مجردة، ولم تتركوا وراءَكم ما تخافون عليه، فقالوا: أَى عيش بعد أَبنائنا ونسائنا. أَو قاتلوهم الليلة لعلهم قد آمنوا منا لأَنها سبت، قالوا: لا نفسد سبتنا لئلا يصيبنا ما أَصاب من تعدى فيه من المسخ، وأَرسلوا إِليه صلى الله عليه وسلم أَن ابعث إِلينا أَبا لبابة، - وهو رفاعة ابن عبد المنذر - نستشيره فى أَمرنا - وكان يناصحهم وفيهم عياله وماله، فأَرسله إِليهم وقد أَبوا النزول على حكم سعد لأَنه لا يناصحهم، فلما رأَوه قام إِليه الرجال والنساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوا: يا أَبا لبابة أَننزل على حكم محمد؟ قال: نعم - لأَن فيهم عياله وماله - وأَشار بيده إِلى حلقه "إِنه الذبح" - ويروى أَننزل على حكم سعد؟ قال: لا.. إِنه الذبح. قال: وعرفت فى مقامى أَنى خنت الله ورسوله، فربط نفسه إِلى عمود فى المسجد بحبل أَو سلسلة ثقيلة قبل أَن يراه صلى الله عليه وسلم، وحلف أَلا يفكه حتى يتوب الله عليه، وكانت زوجته أَو ابنته، قولان، تحله للصلاة وحاجة الإِنسان ثم تربطه، ستة أ َيام، أَو بضعة عشر - قولان، وكاد يصم ويعمى، وسمعت أَم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتها يضحك. فقالت: "مم تضحك؟ أَضحك الله سنك" قال: تاب الله عز وجل على أَبى لبابة، قالت: أبشره، فقال: إِن شئت. فنادته من باب حجرتها: أَبشر وقد تاب الله عليك. فأَرادوا إِطلاقه، فقال: لا والله حتى يطلقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحله فى ذهابه إِلى الصلاة، ولما اشتد الحصار نزلوا على حكمه صلى الله عليه وسلم فحكم فيهم سعد فجئَ به من بيت امرأَة من أَسلم فى المسجد تداوى الجرحى حسبة على حمار بوطاء، وكان رجلا جسيماً، ولما جاءَ قال صلى الله عليه وسلم: قوموا إِلى سيدكم. فقاموا، فقالوا: إِن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمك فى مواليكم - أَى حلفائك - فقال: تقتل رجالهم، وتقسم أَموالهم، وتسبى ذراريهم ونساؤهم. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أَرفعة"تفسير : ، أَى سماوات إِذ رفعت بالنجوم، وقيل: الربط فى غزوة تبوك، ونزل فى أَبى لبابة مروان بن عبد المنذر، أَو اسمه رفاعة وهو الصحيح، وقيل هما رجلان.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} أي في العدد، والجملة الإسمية للإيذان باستمرار ما كانوا فيه من القلة وما يتبعها، وقوله سبحانه: {مُّسْتَضْعَفُونَ} خبر ثان وجوز أن يكون صفة لقليل، وقوله تعالى: {فِى ٱلأَرْضِ} أي في أرض مكة تحت أيدي كفار قريش والخطاب للمهاجرين، أو تحت أيدي فارس والروم والخطاب للعرب كافة مسلمهم وكافرهم على ما نقل عن وهب. واعترض بأنه بعيد لا يناسب المقام مع أن فارس لم تحكم على جميع العرب، وقوله تعالى: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} خبر ثالث أو صفة ثانية لقليل وصف بالجملة بعدما وصف بغيرها، وجوز أبو البقاء أن تكون حالاً من المستكن في {مُّسْتَضْعَفُونَ} / والمراد بالناس على الأول: وهو الأظهر أما كفار قريش أو كفار العرب كما قال عكرمة لقربهم منهم وشدة عداوتهم لهم، وعلى الثاني: فارس والروم. وأخرج الديلمي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال: أهل فارس، والتخطف كالخطف الأخذ بسرعة، وفسر هنا بالاستلاب أي واذكروا حالكم وقت قلتكم وذلتكم وهوانكم على الناس وخوفكم من اختطافكم، أو اذكروا ذلك الوقت {فَآوَاكُمْ} أي إلى المدينة أو جعل لكم مأوى تتحصنون به من أعدائكم {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} بمظاهرة الأنصار أو بإمداد الملائكة يوم بدر أو بأن قوى شوكتكم إذ بعث منكم من تضطرب قلوب أعدائكم من اسمه {وَرَزَقَكُم مّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} من الغنائم ولم تطب إلا لهذه الأمة، وقيل: هي عامة في جميع ما أعطاهم من الأطعمة اللذيذة؛ والأول أنسب بالمقام والامتنان به هنا أظهر. والثاني متعين عند من يجعل الخطاب للعرب {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعم الجليلة.
ابن عاشور
تفسير : عُطف على الأمر بالاستجابة لله فيما يدعوهم إليه، وعلى إعلامهم بأن الله لا تخفى عليه نياتُهم، وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول - صلى الله عليه وسلم - تذكيرُهم بنعمة الله عليهم بالعزة والنصر، بعد الضعف والقلة والخوف، ليذكروا كيف يسر الله لهم أسباب النصر من غير مظانها، حتى أوصلهم إلى مكافحة عدوهم وأن يتقيَ أعداؤُهم بأسَهم، فكيف لا يستجيبون لله فيما بعد ذلك، وهم قد كثروا وعزوا وانتصروا، فالخطاب للمؤمنين يومئذٍ، ومجيء هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساقَ لهم هذه الخيرات كلها، وأنه سيكون هذا أثَرَه فيهم كلما احتفظوا عليه كُفُوه من قبلِ سُؤالهم، ومن قبل تسديد حالهم، فكيف لا يكونون بعد ترفّه حالهم أشد استجابة وأثبت قلوباً. وفعل {واذكروا} مشتق من الذكر ـ بضم الدال ـ وهو التذكر لا ذكر اللسان، أي تَذَكروا. و{إذْ} اسم زمان مجرد عن الظرفية، فهو منصوب على المفعول به، أي اذكروا زمن كنتم قليلاً. وجملة: {أنتم قليل} مضاف إليها {إذْ} ليحصل تعريف المضاف، وجيء بالجملة اسمية للدلالة على ثبات وصف القلة والاستضعاف فيهم. وأخبر بـ{قليل} وهو مفرد عن ضمير الجماعة لأن قليلاً وكثيراً قد يجيئان غير مطابقين لما جريا عليه، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : معه ربيون كثيرٌ}تفسير : في سورة [آل عمران: 146]. والأرض يراد بها الدنيا كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ولا تفسدوا في الأرض}تفسير : في سورة [الأعراف: 56] فالتعريف شبيه بتعريف الجنس، أو أريد بها أرض مكة، فالتعريف للعهد، والمعنى تذكير المؤمنين بأيام إقامتهم بمكة قليلاً مستضعفين بين المشركين، فإنهم كانوا حينئذٍ طائفة قليلة العدد قد جفاهم قومهم وعادوهم فصاروا لا قوم لهم وكانوا على دين لا يعرفه أحد من أهل العالم فلا يطمعون في نصرِ موافق لهم في دينهم وإذا كانوا كذلك وهم في مكة فهم كذلك في غيرها من الأرض فآواهم الله بأن صرف أهل مكة عن استيصالهم ثم بأن قيّض الأنصار أهلَ العقبة الأولى وأهلَ العقبة الثانية، فأسْلموا وصاروا أنصاراً لهم بيثرب، ثم أخرجهم من مكة إلى بلاد الحبشة فئاواهم بها، ثم أمرهم بالهجرة إلى يثرب فئاواهم بها، ثم صار جميع المؤمنين بها أعداء للمشركين فنصرهم هنالك على المشركين يوم بدر، فالله الذي يسّر لهم ذلك كله قبل أن يكون لهم فيه كسب أو تعمّل، أفلا يكون ناصراً لهم بعد أن ازدادوا وعزوا وسعَوا للنصر بأسبابه، وأفلا يستجيبونهم له إذا دعاهم لما يحييهم وحالهم أقرب إلى النصر منها يوم كانوا قليلاً مستضعفين. والتخطف شدة الخطف، والخطف: الأخذ بسرعة، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : يكاد البرق يخطف أبصارهم}تفسير : [البقرة: 20] وهو هنا مستعار للغلبة السريعة لأن الغلبة شبه الأخذ، فإذا كانت سريعة أشبهت الخطف، قال تعالى: {أية : ويتخطف الناس من حولهم}تفسير : [العنكبوت: 67] أي يأخذكم أعداؤكم بدون كبرى مشقة، ولا طول محاربة إذ كنتم لقمة سَايغة لهم، وكانوا أشد منكم قوة، لولا أن الله صرفهم عنكم، وقد كان المؤمنون خائفين في مكة، وكانوا خائفين في طرق هجرتيْهم، وكانوا خائفين يوم بدَر، حتى أذاقهم الله نعمة الأمن من بعد النصر يوم بدر. و{الناس} مراد بهم ناس معهودون وهم الأعداء، المشركون من أهل مكة وغيرهم، أي طائفة معروفة من جنس الناس من العراب الموالين لهم. وما رزقهم الله من الطيبات: هي الأموال التي غنموها يوم بدر. والإيواء: جعل الغيْر ءاوياً، أي راجِعاً إلى الذي يجعله، فيؤول معناه إلى الحفظ والرعاية. والتأييد: التقوية أي جعل الشيء ذا أيد، أي ذا قدرة على العمل، لأن اليد يكنى بها عن القدرة قال تعالى: {أية : واذْكر عبدنا داود ذا الأيد}تفسير : [ص: 17]. وجملة: {ورزقكم من الطيبات} إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال المنة بنعمة النصر وتوفير العَدد بعد الضعف والقلة، فإن الأمن ووفرة العدد يجلبان سعة الرزق. ومضمون هذه الآية صادق أيضاً على المسلمين في كل عصر من عصور النبوة والخلافة الراشدة، فجماعتهم لم تزل في ازدياد عزة ومنعة، ولم تزل منصورة على الأمم العظيمة التي كانوا يخافونها من قبل أن يؤمنوا، فقد نصرهم الله على هوازن يوم حُنين، ونصرهم على الروم يوم تَبوك ونصرهم على الفرس يوم القادسية، وعلى الروم في مصر، وفي برقة، وفي إفريقية، وفي بلاد الجلالقة، وفي بلاد الفرنجة من أوروبا، فلما زاغ المسلمون وتفرقوا أخذ أمرهم يقِف ثم ينقبض ابتداء من ظهور الدعوة العباسية، وهي أعظم تفرق وقع في الدولة الإسلامية. وقد نبههم الله تعالى بقوله: {لعلكم تشكرون} فلما أعطوا حق الشكر دام أمرهم في تصاعد، وحين نَسوه أخذ أمرهم في تراجع ولله عاقبة الأمور. ولم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - ينبه المسلمين بالموعظة أن لا يحيدوا عن أسباب بقاء عزهم، وفي الحديث، حديث : عن حذيفة بن اليمان قال: «قلت يا رسول الله إنّا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخَيْر من شَر»؟ ـ قال: نعم ـ «قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَن» تفسير : الحديث، وفي الحديث الآخر «حديث : بُدىء هذا الدين غريباً وسيَعْود كما بُدىء».
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 26- وتذكروا - أيها المؤمنون فى حال قوتكم - وقت أن كنتم عدداً قليلاً، وضعفاء يستغل أعداؤكم ضعفكم، وقد استولى عليكم الخوف من أن يتخطفكم أعداؤكم، فهاجرتم بأمر الله وجعل من يثرب مأوى لكم، وكان لكم النصر بتأييده وتوفيقه، ورزقكم الغنائم الطيبة رجاء أن تشكروا هذه النعم، فتسيروا فى طريق الجهاد لإعلاء كلمة الحق. 27- يا أيها الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له، لا يصح أن تكون منكم خيانة لله ورسوله بموالاة أعداء الحق، أو بالخيانة فى الغنائم، أو بالقعود عن الجهاد، ولا تخونوا فى الأمانات التى تكون بينكم، وأنتم تعلمون أوامر الله ونواهيه. 28- واعلموا - أيها المؤمنون الصادقون - أن فتنة نفوسكم تجئ من فرط محبتكم لأولادكم، فلا تُغلِّبوا محبة المال والولد على محبة الله تعالى، فإن ذلك يفسد أموركم. واعلموا أن ثواب الله عظيم يجزيكم عن المال والولد. 29- يا أيها الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له، إن تخضعوا لأوامر الله فى السر والعلن، يجعل الله تعالى فى أنفسكم قدرة تفرقون بها بين الحق والباطل، ويهبكم نصراً ليفصل بينكم وبين أعدائكم، ويستر سيئاتكم فتذهب ويغفرها لكم، وهو - سبحانه - صاحب الفضل الكبير دائماً. 30- واذكر - أيها النبى - نعمة الله عليك، إذ يمكر المشركون للإيقاع بك: إما بأن يحبسوك، وإما بأن يقتلوك، وإما بأن يخرجوك. إنهم يدبرون لك التدبير السيئ، والله تعالى يدبر لك الخروج من شرهم، وتدبير الله هو الخير وهو الأقوى والغالب.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَآوَاكُمْ} {ٱلطَّيِّبَاتِ} (26) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ إلَى مَا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الوَفِيرَةِ، فَقَدْ كَانُوا قَلِيلِي العَدَدِ، مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ، يَعْتَدِي عَلَيهِم النَّاسُ، خَائِفِينَ مِنْ مُجْرِمِي قُرَيْشٍ، فَقَوَّاهُمْ وَآوَاهُمْ، وَنَصَرَهُمْ وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ النِّعَمِ التِي أَنْعَمَ بِهَا اللهُ عَلَيْهِمْ تَسْتَحِقُّ مِنْهُمْ أَنْ يَشْكُرُوهُ عَلَيْهَا، فَاللهُ تَعَالَى مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشُكْرَ مِنْ عِبَادِهِ. يَتَخَطَّفَكُمُ - يَسْتَلِبُوكُمْ وَيَصْطَلِمُوكُمْ بِسُرْعَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد كل ما حدث من وقائع، يذكّر الحق عز وجل هنا صاحب الحال الأعلى بالماضي الأدنى، ليثبت له: أن الذي نقلك من أدنى حياة إلى أعلى حياة، موجود ولا يزال موجوداً، وما دام قد شاءت قدرته أن ينقلك من الأدنى للأعلى، فقدرته سبحانه وتعالى - إن شاءت - نقلتك من الأعلى إلى الأدنى. فإذا كنت في حال أعلى؛ إياك أن تنسى أنك كنت في حال أدنى. وعليك أن تعترف بجميل عطاء الخالق المنعم المتفضل وتقول: إن ربي القوي العظيم هو الذي وهبني ورفع مكانتي ولم أفعل ذلك بمهارتي، وحتى إن كنت قد ارتقيت بالمهارة، فالمهارة عطاء منه سبحانه وتعالى، لذلك يقول المولى عز وجل هنا: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ}. أي اجعلوا هذا الأمر على بالكم دائما وإياكم أن تخافوا أية قوة مهما بلغت هذه القوة، ولكن أعدوا لكل قوة ما يناسبها من أسلوب المواجهة الكثير؛ لأنكم حملة دعوة، ومن يحمل الدعوة قد يعاني من المصاعب والمتاعب والمشقات؛ لكن يجب ألاَّ يفت ذلك في عضدكم. لقد كان المسلمون الأوائل قلة تعاني من إذلال واضطهاد الكافرين الأقوياء. وكان المسلم من الأوائل لا يجد أحياناً من يحميه من اضطهاد المتجبرين، فيلجأ إلى كافر يتوسم فيه الرحمة ويقول له: أجرني من إخوانك الكفر. وحين بلغ الضعف بالمسلمين الأوائل أشده، ولم يجدوا حامياً لهم من ظلم وتعذيب الكفار، عرض عليهم صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى الحبشة؛ لأنَّ فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد. وكانت الهجرة إلى الحبشة هرباً من قوة الخصوم، ولم يظل حال المسلمين كذلك، بل نصرهم الله لا بقوتهم، ولكنه سبحانه وتعالى شاء لهم أن يأخذوا بأسباب منهجه فانتصروا وعلت كلمة الله عز وجل. إننا نتخذ من هذه المسألة حجة ومثلاً نواجه به من يشككون في قدرة المسلمين على إدارة الحياة والارتقاء بها؛ لأن العالم كله قد شهد ألف عام كان المسلمون فيها هم قادة العلم والفكر والابتكار، وكانت غالبية الدول تخضع لحكم دولة الإسلام. لقد سبق أن قلت: إن هارون الرشيد الخليفة المسلم بعث لشارلمان ملك فرنسا بهدية هي ساعة دقاقة بالماء؛ تم تصميمها بدقة عالية تفوق طاقة خيال الناس في فرنسا، ولحظة أن شاهدوها في فرنسا ظنوا أن الشياطين هي التي تحركها؛ لأن التقدم العلمي والتطبيقي في بغداد في ذلك الوقت فاق كل التصور الأوروبي حيث كانوا يعيشون في تخلف علمي شديد. لكن المسألة انعكست في زماننا هذا وصرنا نعاني من تخلف في الأخذ بأسباب الله للاستفادة بالعلم، فحين جاء "الراديو" وجاء "التليفزيون" إلى بعض البلاد الإسلامية، وجدنا من يقول عن الراديو: إن بداخله شيطاناً يتكلم ويلوّن ويغير من صوته. ولم يغير أصحاب هذا الرأي اندهاشهم ورفضهم لوجدوا محطة الإذاعة وأجهزة الاستقبال في بلادهم إلا بعد أن قلنا لهم: حرّكوا مؤشر الراديو وستجدونه يذيع القرآن الكريم، وحين فعلوا ذلك استمعوا إلى صوت الشيخ محمد رفعت، وكان يقرأ في سورة مريم، وقلنا لأصحاب هذا الرأي: إن الشيطان لا يقرأ القرآن، بل إن الإذاعة وأجهزة الاستقبال هي اختراعات علمية توصل إليها من أخذوا بأسباب الله في العلم التطبيقي. وحين جاء اختراع "الميكروفون" وطالب الكثير بوضعه في المساجد وقت صلاة الجمعة، وجدنا البعض يرفض دخول الميكروفون إلى المسجد، متجاهلاً أن هناك مساجد كبيرة يحتاج إسماع الناس فيها لخطبة الجمعة وجود أكثر من "ميكروفون". وقلت لواحد من هؤلاء: ليصلح الله حالك وبالك، لماذا ترتدي نظارة طبية وتضعها على عينيك؟ أجابني: لأن نظري ضعيف والنظارة تكبر لي الكتابة. فقلت: وهكذا "الميكروفون" يكبر الصوت ليسمعه من يجلس بعيداً عن المنبر والإمام، أثناء صلاة الجماعة وصلاة الجمعة. فإذا كان بعض من الدول الإسلامية قد وصل بها الحال إلى هذا الحد من العجز في تقبل العلم، فهذا تنبيه لنا لأن نعيد الأخذ بأسباب الله في الكون، ولنطور العلوم، ونخدم بها منهج الله، بدلاً من أن نظل متخلفين رغم أن منهج الله يحضنا على الأخذ بالأسباب الموجودة في الكون، وكلنا يعلم أن كون الله في يده والنواميس في يده، يسخرها سبحانه وتعالى لمن يأخذ بالأٍباب. ويذكرنا الحق تبارك وتعالى بقوله: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} [الأنفال: 26]. والخطف هو أخذ بسرعة، أي أن يأخذ إنسان أو جماعة غير الحق، وعرفنا من قبل أنَّ أخذ غير الحق له صُوَر متعددة، والمثال: نجد تاجراً يعرض أيْ يفرش بضاعته من تمر أو تفاح، ويأتي أحد المارة لينظر إلى البضاعة المعروضة والمفروشة وليس معه نُقُود يشتري بها فيخطف تفاحة أو بعضاً من التمر ويجري بسرعة، ويحاول صاحب البضاعة أن يلحق به وحاول اللص أن يتخلص ويفلت منه؛ فهذا اسمه "غصب"، أما السرقة، فهي أخذ المال خفيةً من حرز وصاحبه غير موجود. ويختلف كل ذلك عن الاختلاس؛ لأن الاختلاس هو أن تأخذ مما في حوزتك وأنت مأمون عليه؛ إذن أخذ غير الحق له عدة صور هي: خطف، أو غصب، أو سرقة أو اختلاس. والحق تبارك وتعالى يقول: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} [الأنفال: 26]. أي يأخذونكم دون أن يدافع عنكم أحد. وها أنتم أولاء قد صرتم أقوياء باستقرار الإيمان في قلوبكم، وبمدد من الله عز وجل؛ لذلك يجب أن تذكروه دائماً امتناناً وتقديرا وعبادة، وشكراً، وخشوعاً. فهو سبحانه وتعالى قد أعطاكم الاستقرار في المأوى الجديد - المدينة المنورة - ورحب بكم مجتمع الإيمان في المدينة المنورة. وعندما دخلتم إلى المدينة أقمتم المسجد وهو سمة استمرار النور من السماء هداية للأرض. كان هذا هو أول عمل لكم ولم تنشغلوا من قبله بأي عمل آخر. واعتبركم الأنصارُ إخوةً، فصرتم أقوياء بأخوة الإيمان، وصاروا هم أيضا أقوياء بهذه الأخوة بعد أن كان اليهود هناك يستفتحون عليهم بالرسول القادم، جاء الرسول وكان في نصرة المستضعفين وصار منهجه قوة لكم وللأنصار، وكان المهاجر منكم يجد الدعوة من الأنصارى إلى بيته، لا للطعام ولا للشراب فقط، بل للإقامة أيضاً. ثم حدث الملحظ العجيب، فالإنسان إذا أنعم الله عليه بنعم شتى، فقد يحب أن يمتع صاحبه من هذه النعم، إلا المرأة، فالزوج يغار على نسائه. لكن الأنصاري من هؤلاء إن كان متزوجاً من اثنين، يقول للمهاجر: لقد جئت من مكة إلى المدينة دون أهلك. فانظر إلى زوجتيَّ، فأيهما تعجبك أطلقها وتتزوجها بعد انقضاء عدتها، هذا هو الملظ العجيب، وهي مسألة لا يمكن أن تمر على خيال العربي أبداً. ويذيل الحق تبارك وتعالى الآية الكريمة بقوله: {وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] وقد رزقهم المولى سبحانه وتعالى وأمدهم بالخيرات والأسلحة والنفائس وهزموا صناديد قريش، ولم تكن الغنائم تحل لأحد من الأنبياء من قبل، لكنها أحلت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فالذي صنع لكم كل ذلك حقيق أن يُذكر فلا ينسى وأن يشكر دائما. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى ممتنا على عباده في نصرهم بعد الذلة، وتكثيرهم بعد القلة، وإغنائهم بعد العيلة. { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ } أي: مقهورون تحت حكم غيركم { تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ } أي: يأخذونكم. { فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } فجعل لكم بلدا تأوون إليه، وانتصر من أعدائكم على أيديكم، وغنمتم من أموالهم ما كنتم به أغنياء. { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } اللّه على منته العظيمة وإحسانه التام، بأن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا.
همام الصنعاني
تفسير : 1007- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي أو قتادة أو كلاهما في قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 26]، إنها في يوم بدر، كانُوا يومئذٍ يخافون أنْ يتخطفهم الناس، فآواهم الله و أيدهم بِنَصْرِهِ. 1008- عبد الرزاق، قال: أخبرني أبي، عن وهب، في قوله: {تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ}: [الآية: 26]، قَالَ: فَارس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):