٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أنه رزقهم من الطيبات، فههنا منعهم من الخيانة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بتلك الخيانة على أقوال: الأول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لما حاصرهم، وكان أهله وولد فيهم. فقالوا يا أبا لبابة ما ترى لنا أننزل على حكم سعد بن معاد فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أي أنه الذبح فلا تفعلوا، فكان ذلك منه خيانة لله ورسوله. الثاني: قال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم، فيشقونه ويلقونه إلى المشركين، فنهاهم الله عن ذلك. الثالث: قال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون، يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. الرابع: عن جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه، فكتب إليه رجل من المنافقين أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم، فأنزل الله هذه الآية. الخامس: قال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة لما هم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها، حكاه الأصم. والسادس: قال القاضي: الأقرب أن خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرسول غير خيانة الأمانة، لأن العطف يقتضي المغايرة. إذا عرفت هذا فنقول: إنه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة له، لأنه خيانة لعطيته وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرسول، وهذه الغنيمة قد جعلها الرسول أمانة في أيدي الغانمين وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة، والوديعة أمانة في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة الناس، إذ الخيانة ضد الأمانة، قال: ويحتمل أن يريد بالأمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف بأسرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال. وأما الوجوه المذكورة في سبب نزول الآية، فهي داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: معنى الخون النقص. كما أن معنى الوفاء التمام. ومنه تخونه إذا انتقصه، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء. لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه. المسألة الثالثة: في قوله: {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } وجوه: الأول: التقدير {وَلاَ تَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } والدليل عليه ما روي في حرف عبد الله {وَلاَ تَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ } الثاني: التقدير: لا تخونوا الله والرسول، فإنكم إن فعلتم ذلك فقد خنتم أماناتكم، والعرب قد تذكر الجواب تارة بالفاء، وأخرى بالواو، ومنهم من أنكر ذلك. وأما قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } فيه وجوه: الأول: وأنتم تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عن تعمد لا عن سهو. الثاني: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح، وحسن الحسن، ثم إنه لما كان الداعي إلى الإقدام على الخيانة هو حب الأموال والأولاد. نبه تعالى على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب. فقال: {إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } لأنها تشغل القلب بالدنيا، وتصير حجاباً عن خدمة المولى. ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } تنبيهاً على أن سعادات الآخرة خير من سعادات الدنيا لأنها أعظم في الشرف، وأعظم في الفوز، وأعظم في المدة، لأنها تبقى بقاء لا نهاية له، فهذا هو المراد من وصف الله الأجر الذي عنده بالعظم. ويمكن أن يتمسك بهذه الآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأن الاشتغال بالنوافل يفيد الأجر العظيم عند الله، والاشتغال بالنكاح يفيد الولد ويوجب الحاجة إلى المال، وذلك فتنة، ومعلوم أن ما أفضى إلى الأجر العظيم عند الله، فالاشتغال به خير مما أفضى إلى الفتنة.
القرطبي
تفسير : روي أنها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قُريظة بالذبح. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله؛ فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شدّ نفسه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت، أو يتوب الله عليّ. الخبر مشهور. وعن عكرمة قال: حديث : لما كان شأن قريظة بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم عليّاً رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس؛ فلما ٱنتهى إليهم وقَعُوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها: فلكأنّي أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل عليهما السلام؛ فقلت: هذا دِحية يا رسول الله؟ فقال: «هذا جبريل عليه السلام». قال: «يا رسول الله ما يمنعك من بني قُريظة أن تأتيهم»؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيكف لي بحصنهم»؟ فقال جبريل: «فإني أدخل فرسي هذا عليهم». فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً مُعْرَوْرًى؛ فلما رآه عليّ رضي الله عنه قال: يا رسول الله، لا عليك ألاّ تأتيهم، فإنهم يشتمونك. فقال: «كلا إنها ستكون تحية». فأتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «يا إخوة القردة والخنازير» فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فحاشاً! فقالوا: لا ننزل على حكم محمد، ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ؛ فنزل. فحكم فيهم أن تقتل مقاتِلتهم وتُسْبَى ذراريهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بذلك طرقني المَلَكَ سَحَراً» تفسير : فنزل فيهم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }. نزلت في أبي لُبابة، أشار إلى بني قُريظة حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، لا تفعلوا فإنه الذبح، وأشار إلى حلقه. وقيل: نزلت الآية في أنهم كانوا يسمعون الشيء من النبيّ صلى الله عليه وسلم فيُلقونه إلى المشركين ويُفشونه. وقيل: المعنى بغلول الغنائم. ونسبتها إلى الله؛ لأنه هو الذي أمر بقسمتها. وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المؤدّي عن الله عز وجل والقَيِّم بها. والخيانة: الغدر وإخفاء الشيء؛ ومنه: {أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ} تفسير : [غافر: 19] وكان عليه السلام يقول: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البِطانة»تفسير : . خرّجه النسائي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول...؛ فذكره. {وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} في موضع جزم، نسقاً على الأوّل. وقد يكون على الجواب؛ كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. والأمانات: الأعمال التي ٱئتمن الله عليها العباد. وسميت أمانة لأنها يُؤمَن معها من منع الحق؛ مأخوذة من الأمن. وقد تقدّم في «النساء» القول في أداء الأمانات والودائع وغير ذلك. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي ما في الخيانة من القبح والعار. وقيل: تعلمون أنها أمانة.
ابن كثير
تفسير : قال عبد الرزاق بن أبي قتادة والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقاً حتى يموت، أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشياً عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فحله، فقال: يا رسول الله إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: «حديث : يجزيك الثلث أن تصدق به»تفسير : . وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، رضي الله عنه: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد بن المحرم قال: لقيت عطاء بن أبي رباح، فحدثني قال: حدثني جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أبا سفيان في موضع كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا» تفسير : فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمداً يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله عز وجل: {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ} الآية، هذا حديث غريب جداً، وفي سنده وسياقه نظر، وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة: أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب، فاسترجعه، واستحضر حاطباً، فأقر بما صنع، وفيها: فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: «حديث : دعه؛ فإنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟»تفسير : . قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَتَخُونُوۤاْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ} الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: {لاَ تَخُونُواْ} لا تنقضوها. وقال في رواية: {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ}، يقول: بترك سنته، وارتكاب معصيته. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره، فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول، فقد خانوا أماناتهم، وقال أيضاً: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين، وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون، وقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ}، أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه عليها، وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه؟ كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } تفسير : [التغابن: 15] وقال: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35]. وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} تفسير : [المنافقون: 9]. وقال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلـٰدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن: 14] الآية، وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئاً، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر: «حديث : يقول الله تعالى: يا بن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء» تفسير : وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه»تفسير : ، بل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين».
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه، فاستشاروه فأشار إليهم أنه الذبح لأن عيالهُ وماله فيهم { يٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ } لا {تَخُونُواْ أَمَٰنَٰتِكُمْ } ما ائتمنتم عليه من الدين وغيره. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُواْ لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} فيه قولان: أحدهما: لا تخونوا الله سبحانه والرسول عليه السلام كما صنع المنافقون في خيانتهم، قاله الحسن والسدي. والثاني: لا تخونوا الله والرسول فيما جعله لعباده من أموالكم. ويحتمل ثالثاً: أن خيانة الله بمعصية رسوله، وخيانة الرسول، بمعصية كلماته. {وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: فيما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم. الثاني: فيما ائتمن الله العباد عليه من الفرائض والأحكام أن تؤدوها بحقها ولا تخونوها بتركها. والثالث: أنه على العموم في كل أمانة أن تؤدى ولا تخان. {وَأَنتُم تَعْلَمُونَ} فيه قولان: أحدهما: وأنتم تعلمون أنها أمانة من غير شبهة. والثاني: وأنتم تعلمون ما في الخيانة من المأثم بخلاف من جهل. قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابَة بن عبد المنذر أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لنزلوا على حكم سعد فاستشاروه وكان قد أحرز أولاده وأمواله عندهم فأشار عليهم أن لا يفعلوا وأومأ بيده إلى حلقة أنه الذبح فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُم فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن ما عند الله تعالى من الأجر خير من الأموال والأولاد. والثاني: أن ما عند الله تعالى من أجر الحسنة التي يجازي عليها بعشر أمثالها أكثر من عقوبة السيئة التي لا يجازي عليها إلا بمثلها.
ابن عطية
تفسير : هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها، قال الزهراوي: والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم، وقال الزهراوي وعبد الله بن أبي قتادة: سبب نزولها أمر أبي حبابة، وذلك أنه أشار لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الذبح، أي فلا تنزلوا، ثم ندم وربط نفسه بسارية من سواري المسجد حتى تاب الله عليه، الحديث المشهور، وحكى الطبري أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئاً حتى تيب عليه، وحكي أنه كان لأبي لبابة عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}، وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله: سببها أن رجلاً من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فقوله: {يا أيها الذين آمنوا} معناه أظهروا الإيمان، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقاً أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق، وحكى الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال: أنزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد: يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه الله، فقد كانت خيانة لله وللرسول والأمانات، والخيانة التنقص للشيء باختفاء وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما، مالاً كان أو سرّاً أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر, وخيانة الرسول تنقص فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي حكاه، {وأنتم تعلمون} ، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد، وقوله {فتنة} يريد محنة واختباراً وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك، وقوله {وأن الله عنده أجر عظيم} يريد فوز الآخرة فلا تدعوا حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المدخور للآخرة أعظم قدراً من مكاسب الدنيا. وقوله تعالى: {وتخونوا} قال الطبري: يحتمل أن يكون داخلاً في النهي كأنه قال: لا تخونوا الله والرسول ولا تخونوا أماناتكم فمكانه على هذا جزم، ويحتمل أن يكون المعنى لا تخونوا الله والرسول فذلك خيانة لأماناتكم فموضعه على هذا نصب على تقدير وأن تخونوا أماناتكم، قال الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ تفسير : وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فيما روي عنه أيضاً "وتخونوا أمانتكم" على إفراد الأمانة، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} الآية، وعد للمؤمنين بشرط الاتقاء والطاعة له، و {ويجعل لكم فرقاناً} معناه فرقاً بين حقكم وباطل من ينازعكم أي بالنصرة والتأييد عليهم، و "الفرقان" مصدر من فرق بين الشيئين إذا حال بينهما أو خالف حكمهما، ومنه قوله {أية : يوم الفرقان} تفسير : [الأنفال:41] وعبر قتادة وبعض المفسرين عن الفرقان ها هنا بالنجاة، وقال السدي ومجاهد معناه مخرجاً ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه، وقد يوجد للعرب استعمال الفرقان كما ذكر المفسرون فمن ذلك قول مزرد بن ضرار: [الخفيف] شعر : بادر الأفقُ أنْ يَغيبَ فلمّا أَظْلَمَ اللّيلُ لمْ يجدْ فُرْقَانا تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : ما لك من طولِ الأسَى فُرقانُ بعد قطينٍ رحلوا وبانوا تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : وكيف أرجّي الخلدَ والموتُ طالبي وماليَ من كأسِ المنيَّةِ فرقان تفسير : وقوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} الآية، يشبه أن يكون قوله {وإذ} معطوفاً على قوله {أية : إذ أنتم قليل} تفسير : [الأنفال:26], وهذا تذكير بحال مكة وضيقها مع الكفرة وجميل صنع الله تعالى في جمعها، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، وهذا كله على أن الآية مدنية كسائر السورة وهذا هو الصواب، وحكى الطبري عن عكرمة ومجاهد أن هذه الآية مكية، وحكي عن ابن زيد أنها نزلت عقب كفاية الله ورسوله المستهزئين بما أحله بكل واحد منهم، الحديث المشهور، ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد هذه مكية أن أشارا إلى القصة لا إلى الآية، والمكر المخاتلة والتداهي، تقول: فلان يمكر بفلان إذا كان يستدرجه ويسوقه إلى هوة وهو يظهر جميلاً وتستراً بما يريد، ويقال أصل المكر الفتل، قاله ابن فورك فكأن الماكر بالإنسان يفاتله حتى يوقعه، ومن المكر الذي هو الفتل قولهم للجارية المعتدلة اللحم: ممكورة، فمكر قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرهم ما يسوءه وسعيهم في فساد حاله وإطفاء نوره، وتدبير قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخصال الثلاث لم يزل قديماً من لدن ظهوره لكن إعلانهم لا يسمى مكراً وما استسروا به هو المكر، وقد ذكر الطبري بسند أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد ماذا يدبر فيك قومك، قال: يريدون أن أقتل أو أسجن أو أخرج، قال أبو طالب من أعلمك هذا؟ قال: ربي، قال: إن ربك لرب صدق فاستوص به خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو يا عم يستوصي بي خيراً. قال القاضي أبو محمد: وهذا المكر الذي ذكره الله في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارة إلى اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره، الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب، ففي القصة أن أبا جهل قال: الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قوياً جلداً فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفاً ويأتون محمداً في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها، فيأخذون العقل ونستريح منه، فقال النجدي: صدق الفتى، هذا الرأي لا أرى غيره، فافترقوا على ذلك فأخبر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخروج إلى المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعلي بن أبي طالب التفّ في بردي الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء، ففعل علي وجاء فتيان قريش فجعلوا يرصدون الشخص وينتظرون قيامه فيصورون به، فلما قام رأوا علياً فقالوا له أين صاحبك؟ قال: لا أدري. وفي السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله عيونهم عنه، وجعل على رأس كل واحد منهم تراباً ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون، قالوا محمداً، قال إني رأيته الآن جائياً من ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم، فمد كل واحد يده إلى رأسه، وجاؤوا إلى مضجع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوا علياً فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول وهو بالغار، ومعنى {ليثبتوك} ليسجنوك فتثبت، قاله السدي وعطاء وابن أبي كثير، وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ليوثقوك، وقال الطبري وقال آخرون المعنى ليسحروك. وقرأ يحيى بن وثاب فيما ذكر أبو عمرو الداني "ليثبّتوك" وهذه أيضاً بالتضعيف، وحكى النقاش عن يحيى بن وثاب أنه قرأ "ليبيتوك" من البيات، وهذا أخذ مع القتل فيضعف من هذه الجهة، وقال أبو حاتم معنى {ليثبتوك} أي بالجراحة، كما يقال أثبتته الجراحة، وحكاه النقاش عن أهل اللغة ولم يسم أحداً، وقوله تعالى: {ويمكر الله} معناه يفعل أفعالاً منها تعذيب لهم وعقوبة ومنها ما هو إبطال لمكرهم ورد له ودفع في صدره حتى لا ينجع، فسمى ذلك كله باسم الذنب الذي جاء ذلك من أجله، ولا يحسن في هذا المعنى إلا هذا وأما أن ينضاف المكر إلى الله عز وجل على ما يفهم في اللغة فغير جائز أن يقال، وقد ذكر ابن فورك في هذا ما يقرب من هذا الذي ضعفناه، وإنما قولنا ويمكر الله كما تقول في رجل شتم الأمير فقتله الأمير هذا هو الشتم فتسمى العقوبة باسم الذنب، وقوله {خير الماكرين} أي أقدرهم وأعزهم جانباً. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه الجهة أعني القدرة والعزة يقع التفضيل لأن مكرة الكفار لهم قدرة ما، فوقع التفضيل لمشاركتهم بها، وأما من جهة الصلاح الذي فيما يعلمه الله تعالى فلا مشاركة للكفار بصلاح، فيتعذر التفضيل على مذهب سيبويه والبصريين إلا على ما قد بيناه في ألفاظ العموم مثل خير واجب ونحو هذا إذ لا يخلو من اشتراك ولو على معتقد من فرقة أو من واحد.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ} كما صنع المنافقون، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو لا تخونوا فيما جعله لعباده في أموالكم. {أَمَانَاتِكُمْ} ما أخذتموه من الغنيمة أن تحضروه إلى المغنم، أو ما ائتمنكم الله عليه من الفرائض والأحكام [أن] تؤدوها بحقها، ولا تخونوا بتركها، أو عام في كل أمانه {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنها أمانة بغير شبهة، أو ما في الخيانة من المأثم. قيل نزلت في أبي لبابة بن عبدالمنذر لما أُرسل بني قريظة لينزلوا على حكم سعد فاستشاروه، وكان أحرز أمواله وأولاده عندهم، فأشار بأن لا يفعلوا، وأومأ بيده إلى حلقه إنه الذبح فنزلت إلى قوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}تفسير : [الأنفال: 28].
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} هذا خطابٌ لجميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخياناتِ كلَّها قليلَهَا وكثيرَهَا، والخيانةُ: التنقُّص للشيءِ بٱختفاءٍ، وهي مستعْمَلَةٌ في أنْ يفعل الإِنسان خلاف ما يَنْبَغِي مِنْ حفظ أمْرٍ مَّا، مالاً كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة للَّه عَزَّ وجل: هي في تنقُّص أو أمره في سِرٍّ. وقوله: {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ }. قال الطبريُّ: يحتمل أن يكون داخلاً في النهيْ؛ كأنه قال: لا تخونوا اللَّه والرسولَ، ولا تخونوا أماناتِكُمْ، ويحتمل أن يكون المعنَى: لا تخونوا اللَّه والرسول؛ فذلك خيانةٌ لأماناتكم. وقوله: {فِتْنَةٌ}، يريد: محنةً وٱختباراً وٱمتحاناً؛ ليرى كَيْفَ العملُ في جميع ذلك. وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، يريد: فوز الآخرة، فلا تَدَعُوا حظَّكم منه؛ للحيطة على أموالكم وأبنائكم؛ فإِن المذخور للآخرة أعظمُ أجراً. قوله سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ...} الآية: وعْدٌ للمؤمنين بشرط التقوىٰ والطاعةِ للَّه سبحانَهُ، و{يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}: معناه: فرْقاً بين حقِّكم، وباطل مَنْ ينازعكم؛ بالنصْر والتأييد، وعبَّر قتادة، وبعضُ المفسِّرين عن «الفُرْقَان» ههنا بالنجاةِ، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ: معناه: مَخْرَجاً، ونحو هذا مما يعمه ما ذكَرْناه، وقد يوجَدُ للعرب ٱستعمالُ «الفرقان»، كما ذكر المفسِّرون؛ وعلى ذلك شواهد؛ منها قول الشاعر: [الطويل] شعر : وَكَيْفَ أُرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي وَمَاليَ مِنْ كَأْسِ المَنيِّةِ فُرْقَانُ تفسير : * ت *: قال ابن رُشْد: وأَحْسَنُ ما قيلَ في هذا المعنى قوله تعالى: {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا }؛ أي: فَضْلاً بين الحق والباطل؛ حتى يعرفوا ذلك بقلوبهم، ويهتدوا إِليه. انتهى من «البيان».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} الآية. لمَّا ذكر أنَّه رزقهم من الطَّيبات، فههنا منعهم من الخيانةِ، واختلفوا في تلك الخيانةِ. فقال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى قريظة لمَّا حاصرهم وكان أهله وولده فيهم، فقالوا: ما ترى لنا، أننزل على حكم سعد بن معاذ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، إنَّه الذبح فلا تفعلوا، فكان منه خيانة لله ورسوله. وقال السديُّ "كانُوا يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيفشونه ويبلغونه إلى المشركين فنهاهم الله عز وجل عن ذلك". وقال ابن زيد: "نَهاهُم الله أن يخُونُوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان، ويسرون الكُفْرَ". وقال جابرُ بن عبد الله: "إنَّ أبا سفيان خرج من مكَّة فعلم النبي صلى الله عليه وسلم خروجه، وعزم على الذهاب إليه، فكتب رجلٌ من المنافقين إليه أنَّ محمداً يريدكم، فخذوا حذركم فنزلت الآية". وقال الكلبيُّ والأصمُ والزهريُّ "نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكَّة لمَّا همَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخروج إليها". فصل قال أبو العباس المقرىء: ورد لفظ "الخيانة" في القرآن بإزاء خمسة معانٍ: الأول: أنَّ المراد بالخيانة: الذَّنب في الإسلام، كهذه الآية، لمَّا نزلت في أبي لبابة. الثاني: الخيانة: السرقة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}تفسير : [النساء: 105] نزلت في طعمة، لمَّا سرق الدرعين. الثالث: نقض العهد، قال تعالى: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً}تفسير : [الأنفال: 58]. الرابع: الخيانة: المخالفة، قال تعالى: {فَخَانَتَاهُمَآ} أي: خالفتاهما في الدين؛ لأنه يروى أنه ما زنت امرأةٌ نبي قط. الخامس: الخيانة: الزِّنا، قال تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ}تفسير : [يوسف: 52] يعني: الزنا. فصل قال القاضي: "الأقربُ: أنَّ خيانة الله غير خيانة رسوله، وخيانة الرَّسُولِ غير خيانة الأمانة؛ لأنَّ العطف يقتضي المغايرة". وإذا عرف ذلك فنقول: إنَّه تعالى أمرهم أن لا يخونوا الغنائم، وجعل ذلك خيانة للَّه؛ لأنَّهُ خيانة لعطيته وخيانة لرسوله؛ لأنه القيم بقسمها، فمن خانها فقد خان الرَّسُول، وهذه الغنيمة قد جعلها الله أمانة في أيدي الغانمين، وألزمهم أن لا يتناولوا لأنفسهم منها شيئاً فصارت وديعة. والوديعة أمانةٌ في يد المودع، فمن خان منهم فيها فقد خان أمانة النَّاس. إذ الخيانةُ ضد الأمانة. قال: ويحتمل أن يريد بالإمانة كل ما تعبد به، وعلى هذا التقدير: فيدخل فيه الغنيمة وغيرها، فكان معنى الآية: إيجاب أداء التكاليف تامة كاملة. قال ابن عباس: "لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته" "وتخُونُوا أماناتِكُم". قال ابن عباس: "هي ما يخفى عن أعين النَّاس من فرائض الله تعالى" والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد المذكورة في سبب النُّزول داخلة فيها، لكن لا يجب قصر الآية عليها لأنَّ العبرةَ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّببِ. قال الزمخشريُّ "ومعنى الخون النقص، كما أن معنى الوفاء التَّمام، ومنه تخوَّنه إذا تنقصه ثم استعمل في ضد الأمانة؛ لأنك إذا خُنتَ الرَّجُلَ في شيءٍ، فقد أدخلت النُّقصان فيه". قوله: "وتَخُونُوا" يجوزُ فيه أن يكون منصوباً بإضمارِ "أنْ" على جواب النَّهي، أي: لا تجمعوا بين الخيانتين. كقوله: [الكامل] شعر : 2694 - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتأتِيَ مِثلَهُ عَارٌ علَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ تفسير : والثاني: أن يكون مجزوماً نسقاً على الأوَّل، وهذا الثاني أولى؛ لأن فيه النهي عن كلِّ واحدٍ على حدته بخلاف ما قبله فإنَّه نهيٌ عن الجمع بينهما، ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُ عن كلٍّ واحدٍ على حدته، وقد تقدَّم تحريره في قوله: {أية : وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ}تفسير : [البقرة: 42] أول البقرة. و "أماناتكم" على حذف مضاف، أي: أصحاب أماناتكم، ويجوزُ أن يكونوا نهوا عن خيانة الأماناتِ مبالغةً كأنَّها جعلت مخونةً. وقرأ مجاهدٌ ورويت عن أبي عمرو "أمَانتكُم" بالتَّوحيد، والمراد الجمع. وقوله: "وأنتُمْ تَعْلَمُونَ" جملة حالية، ومتعلَّقُ العلم يجوزُ أن يكون مراداً أي: وأنتم تعلمون قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها، ويجوزُ ألاَّ يُقَدَّر، أي: وأنتم من ذوي العلمِ. والعلمُ يحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون بمعنى العرفان. قوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}. لمَّا كان الدَّاعي إلى الإقدام على الخيانةِ هو حب الأموالِ، والأولاد، نبَّه تعالى على أنه يجبُ على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك. فقال: {أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنَّها تشغل القلب بالدُّنيا. ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي: أنَّ سعادة الآخرة خيرٌ من سعاداتِ الدُّنيا، لأنَّ سعادات الآخرة لا نهاية لها، وسعادات الدنيا تفنى وتنقضي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا. فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: إن محمداً صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حذركم، فأنزل الله {لا تخونوا الله والرسول} الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية {لا تخونوا الله والرسول} في أبي لبابة بن عبد المنذر، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فنزلت قال أبو لبابة رضي الله عنه: ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله. وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله {لا تخونوا الله والرسول...} الآية. قال "نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه أنه الذبح، فقال أبو لبابة رضي الله عنه: لا والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب عليّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. قال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني. فجاء فحله بيده ". وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه حديث : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا لبابة رضي الله عنه إلى قريظة وكان حليفاً لهم، فأومأ بيده أي الذبح، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرأة أبي لبابة. أيصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة؟ فقالت: إنه ليصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله. فبعث إليه فأتاه فقال: يا رسول الله والله إني لأصلي وأصوم وأغتسل من الجنابة. وإنما نهست إلى النساء والصبيان فوقعت لهم ما زالت في قلبي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} قال: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه نسختها الآية التي في براءة {أية : وآخرون اعترفوا بذنوبهم} تفسير : [التوبة : 102]. وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال حديث : "لما كان شأن بني قريظة، بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس، انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق، فقالت عائشة رضي الله عنها: فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام، فقلت: هذا دحية يا رسول الله؟ قال: هذا جبريل. فقال: يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف لي بحصنهم؟ فقال جبريل عليه السلام: إني أدخل فرسي هذا عليهم، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً معروراً، فلما رآه علي رضي الله عنه قال: يا رسول الله لا عليك أن لا تأتيهم فإنهم يشتمونك. فقال: كلا إنها ستكون تحية، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً...؟! فقالوا: لا ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم ولكننا ننزل على حكم سعد بن معاذ، فنزلوا فحكم فيهم: أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بذلك طرقني الملك سحراً، فنزل فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه، أشار إلى بني قريظة حين قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، لا تفعلوا فإنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لا تخونوا الله} قال: بترك فرائضه {والرسول} بترك سنته وارتكاب معصيته {وتخونوا أماناتكم} يقول: لا تنقصوها والأمانة التي ائتمن الله عليها العباد. وأخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله {لا تخونوا الله والرسول} هو الإِخلال بالسلاح في المغازي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة لأن الله يقول {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} قال: فتنة الاختبار اختبرهم وقرأ قول الله تعالى {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة} تفسير : [الأنبياء : 35].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} [الآية: 27]. قال أبو عثمان: من خان الله فى السر هتك ستره فى العلانية. وقال بعضهم فى هذه الآية: خيانة الله فى الأسرار من حب الدنيا وحب الرياسة. والإظهار خلاف الإضمار، وخيانة الرسول فى آداب الشريعة وترك السنن والتهاون بها، وخيانات الأمانات فى المعاملات والأخلاق. ومعاشرة المؤمنين فى ترك النصيحة لهم.
القشيري
تفسير : الخيانة الاستبطان بخلاف ما يُؤَمَّل منك بحق التعويل، فخيانةُ اللهِ بتضييع ما ائتمنك عليه، وذلك بمخالفة النُّصح في دينه، وخيانة الرسولِ بالاتصاف بمخالفة ما تبدي من مشايعته. والخيانة في الأمانات بترك الإنصاف، والاتصاف بغير الصدق. وخيانة كل أحد على حسب ما وضع عنده من الأمانة، فمن اؤتمِنَ في مالٍ فتصرَّفَ فيه بغير إذن صاحبه - خيانة، ومن اؤتمن على الحُرَم فملاحظته إياهن - خيانة. فعلى هذا: الخيانةُ في الأعمال الدعوى فيها بأنها من قِبَلَك دون التحقيق بأنَّ مُنْشِئها اللهُ. والخيانة في الأحوال ملاحظتُك لها دون غيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، إن لم يكن استهلاكك في وجود الحق. وإذا أَخْلَلْتَ بِسُنَّةٍ من السُّنَنِ أو أدبِ من آداب الشَّرع فتلك خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم. والخيانة في الأمانات - بينك وبين الخلْق - تكون بإيثار نصيب نفسك على نصيب المسلمين، بإرادة القلب فضلاً عن المعاملة بالفعل.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} اصل الخون النقص كما ان اصل الوفاء التمام واستعماله فى ضد الامانة لتضمنه اياه فانك اذا خنت الرجل فقد ادخلت عليه النقصان - روى - انه عليه السلام حاصر بنى قريظة احدى وعشرين ليلة فسألوه الصلح كما صالح اخوانهم بنى النضير على ان يسيروا الى اخوانهم باذرعات واريحا من الشام فأبى الا ان ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضى الله عنه فأبوا وقالوا ارسل الينا ابا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم لان عياله وماله كانت فى ايديهم فبعثه اليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد فاشار الى حلقه بالذبح اى ان حكم سعد فيكم ان تقتلوا صبرا فلا تنزلوا على حكمه يقال فلان مقتول صبرا اذا صار محبوسا على القتل حتى يقتل قال ابو لبابة فما زالت قدماى من مكانهما حتى علمت انى قد خنت الله ورسوله وذلك لانه عليه السلام اراد منهم ان ينزلوا على حكم سعد ويرضوا بما حكم فيهم وهو صرفهم عنه فنزلت هذه الآية فشد نفسه على سارية من سوارى المسجد وقال والله لا اذوق طعاما ولا شرابا حتى اموت او يتوب الله على فمكث سبعة ايام حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له قد تيب عليك فحل نفسك فقال والله لا احلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يحلنى فجاءه عليه السلام فحله فقال ان من تمام توبتى ان اهجر دار قومى التى اصبت فيها الذنب وان انخلع من مالى فقال عليه السلام "حديث : يجزئك الثلث ان تتصدق به " .تفسير : {وتخونوا أماناتكم} فيما بينكم اى تخونوها فهو مجزوم معطوف على الاول {وأنتم تعلمون} انكم تخونون يعنى ان الخيانة توجد منكم عن عمد ولا عن سهو ولما نهى عن الخيانة نبه على ان الداعى اليها انما هو حب المال والاولاد ألا يرى ان ابا لبابة انما حمله على ما فعل ماله واهله وولده الذين كانوا فى بنى قريظة لانه انما ناصحهم لاجلهم وخان المسلمين بسببهم فقال {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} الفتنة قد تطلق على الآفة والبلاء وقد تطبق على الابتلاء والامتحان فالمعنى على الاول انما اموالكم واولادكم اسباب مؤدية الى الوقوع فى الآفة التى هى ارتكاب المعصية فى الدنيا والوقوع فى عقاب الآخرة وعلى الثانى انها اسباب لوقوع العبد فى محن الله تعالى واختباراته حيث يظهر من اتبع الهوى ممن آثر رضى المولى {وأن الله عنده أَجر عظيم} لمن آثر رضى الله وراعى حدوده فيهم فأنيطوا اى علقوا هممكم بما يؤديكم اليه ولا يحملنكم حبهما على الخيانة [احمد انطاكى فرموده كه حق سبحانه وتعالى مال وفرزندانرا فتنه كفت تا ازفتنه بيكسورويم وما بيوسته بخلاف حكم خداوند آن فتنه را زيادت ميخواهيم] شعر : جوان وبيركه دربند مال وفرزندند نه عاقلندكه طفلان ناخر مندند تفسير : قال بعض السلف كل ما شغلك عن الله سبحانه وتعالى من مال وولد فهو مشؤوم عليك واما ما كان من الدنيا يقرب من الله ويعين على عبادته فهو المحمود بكل لسان المحبوب لكل انسان: قال فى المثنوى شعر : جبست دنيا از خدا غافل بدن نى قماش ونقره وميزان وزن مال راكز بهر دين باشى حمول نعم مال صالح خواندش رسول آب دركشتى هلاك كشتى است آب اندر زير كشتى بشتى است جونكه مال وملك را ازدل براند زان سليمان خويش جز مسكين نخواند تفسير : وفى الحديث "حديث : ان العبد اذا قال لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله من عصا ربه " .تفسير : فعلى العاقل ان لا يشتغل بسبب الدنيا ولعنها بل يلوم نفسه ولعنها فى حب الدنيا قال ابو يزيد قدس سره جمعت فكرى واحضرت ضميرى ومثلت نفسى واقفا بين يدى ربى فقال لى يا أبا يزيد بأى شيء جئتنى قلت يا رب بالزهد فى الدنيا. قال يا ابا يزيد انما كان مقدار الدنيا عندى مثل جناح بعوضة ففيم زهدت منها فقلت الهى وسيدى استغفرك من هذه الحالة جئت بالتوكل عليكم قال يا ابا يزيد ألم اكن ثقة فيما ضمنت لك حتي توكلت على قلت الهى وسيدى استغفرك من هاتين الحالتين جئتك بالافتقار اليك فقال عند ذلك قبلناك فهذه حال العارفين بالله تعالى وفوا عهودهم فى طلبه فجعلهم الله امناء لاسراره. واعلم ان الخيانة على انواع فالفرائض والسنن اعمال ائتمن الله تعالى عليها عباده ليحافظوا على ادائها فى اوقاتها برعاية حدودها وحقوقها فمن ضيعها فقدخان الله تعالى فيها. والوجود وما يتبعه من الاعضاء والقوى امانات والاهل والاولاد والاموال امانات والاماء والعبيد وسائر الخدم امانات والسلطنة والوزارة والامارة والقضاء والفتوى وما يلحقها امانات وفى الحديث "حديث : من قلد انسانا عملا وفى رعيته من هو اولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين"تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : كسى راكه باخواجه تست جنك بد ستش جرا ميدهى جوب وسنك سك آخر كه باشدكه خوانش نهند بفرماى تا استخوانش دهند تفسير : وفى الحديث "حديث : انا ثالث الشريكين ما لم يخن احدهما صاحبه فاذا خان خرجت من بينهما وجاء الشيطان" تفسير : ففى كل ذلك يلزم العبد ان يكون امينا غير خائن والا فقد تعرض لسخط الله تعالى ونعوذ بالله منه. قال ابن عباس رضى الله عنهما كلب امير خير من صاحب خاءن. وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم وكان شديد المحبة لهم فخرج فى بعض منتزهاته ومعه ندماؤه فتخلف منهم واحد فدخل على زوجته فاكلا وشربا ثم اضطجعا فوثب الكلب عليهما فلما رجع الحارث الى منزله وجدهما قتيلين فعرف الامر فانشد يقول شعر : وما زال يرعى ذمتى ويحوطنى ويحفظ عرشى والخليل يخون فيا عجبا للخل تحليل حرمتى ويا عجبا للكلب كيف يصون تفسير : والاشارة فى الآية {يا أيها الذين آمنوا} اى يا أيها الارواح والقلوب المنورة بنور الايمان المستعدة بسعادات العرفان {لا تخونوا الله} فيما آتاكم من المواهب فتجعلوها شبكة الدنيا واصطياد اهلها {والرسول} يترك السنة والقيام بالبدعة {وتخونوا أماناتكم} فالامانة هى محبة الله وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات يشير الى ارباب القلوب واصحاب السلوك اذا بلغوا الى اعلى مراتب الطاعات والقربات ثم التفتوا الى شيء من الدنيا وزينتها وخانوا الله بنوع من التصنع وخانوا الرسول بالتبدع وترك التتبع بتعدى الخيانة وآفاتها الى الامانة التى هى المحبة فتسلب منهم بالتدريج فيكون لهم ركونهم الى الدنيا وسكونهم الى جمع الاموال حرصا علىالاولاد {وأنتم تعلمون} انكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالاولى {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم} التى تعرضون عن الله لها {فتنة} يختبركم الله بها لكى يتميز الموافق من المنافق والصديق من الزنديق فمن اعرض عن الدنيا وما فيها من صدق فى طلب المولى {وأَن الله عنده أجر عظيم} فمن ترك ما عنده فى طلب ما عند الله يجده عنده او ان الله عنده اجر عظيم والعظيم هو الله فى الحقيقة فيجد الله تعالى كذلك فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله}؛ بتضييع أوامره، وارتكاب نواهيه، {والرسول}؛ بمخالفة أمره وترك سنته، أو بالغلول في الغنائم، أو بأن تُبطنوا خلاف ما تظهرون. قيل: نزلت في أبي لبابة في قصة بَني قُرَيْظَةَ. روي أنه صلى الله عليه وسلم حاصرهم إِحْدَى وعشرين ليلةً، فَسَأَلوا الصُّلْحَ كما صَالَحَ إِخْوانَهُمْ بَني النَّضِير، عَلَى أَنْ يَصيروا إلى إخوانهم بأذْرِعَاتٍ وأريحا من الشَّام، فأبَى إلا أن يَنْزِلوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأبَوْا وقَالوا: أرْسِلَ لنا أبا لُبَابَةَ، وكان مُنَاصِحاُ لهُمْ؛ لأنَّ عيَالهُ ومَالَهُ في أَيْدِيِهِمْ، فَبَعَثَه إليْهِمْ، فقالوا: ما تَرَى؟ هَلْ نَنْزِلُ على حُكْم سَعْدٍ؟ فأَشارَ إلى حَلْقِهِ، أنه الذَّبْحُ، فقال أبو لُبَابَة: فما زَالت قَدَمَاي حَتَّى عَلِمْتُ أَنِّي قَدْ خُنْتُ الله ورسُولَهُ، فنزل وشدَّ نَفْسَهُ إلى ساريةٍ في المسجد، وقال: والله لا أَذُوقُ طعاماُ ولا شَرَاباً حتى أمُوتَ، أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيام حتى خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيهِ، ثم تَابَ اللَّهُ عليه فَقِيلَ لَهُ؛ تِيب عَلَيْكَ فحُلّ نفسك، فقال: لاً والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلَّه، فقال صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فحلَّه، فقال: إِنَّ من تَمام تَوْبَتِي أن أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الّتِي أصَبْتُ فيها الذَّنْب، وأن أنخَلِعَ من مَالِي، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَجْزِيكَ الثُّلثُ أنْ تَتَصَّدَّقَ بِه ". تفسير : ثم قال تعالى: {وتخونوا أماناتكم} فيما بينكم، أو فيما أسر الرسول إليكم من السر فتفشوه، {وأنتم تعلمون} أن الخيانة ليست من شأن الكرام، بل هي من شأن اللئام، كما قال الشاعر: شعر : لا يَكتُمُ السرَّ إلا كُلُّ ذِي ثِقَةٍ فالسرُّ عِنْدَ خِيَارِ النَّاسِ مَكْتُومُ تفسير : أو: وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح. {واعلموا أنما أموالكم وأولادُكُم فتنةٌ}؛ لأنه سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله ليبلوكم فيهم، فلا يحملنكم حبهم على الخيانة، كما فعل أبو لبابة. {وأنَّ الله عنده أجرٌ عظيم} لمن آثر رضا الله ومحبته عليهم، وراعى حُدود الله فيهم، فعلّقوا هممكم بما يؤديكم إلى أجره العظيم، ورضاه العميم، حتى تفوزوا بالخير الجسيم. الإشارة: خيانة الله ورسوله تكون بإظهار الموافقة وإبطان المخالفة، بحيث يكون ظاهره حسن وباطنه قبيح، وهذا من أقبح الخيانة، وينخرط فيه إبطان الاعتراض على المشايخ وإظهار الوفاق، فمن فعل ذلك فسيف الشريعة فوق رأسه، إذا كان سالكاً غير مجذوب، لأن من أفشى سر الملك استحق القتل، وكان خائناً، ومن كان خائناً لا يُؤمن على السر، فهو حقيق أن ينزع منه، إن لم يقتل أو يتب، ولله در القائل: شعر : سَأَكْتُم عِلْمِي عَنْ ذَوِي الجَهْلِ طَاقَتِي وَلاَ أَنْثُرُ الدُّر النفيس على الْبَهَمْ فإنْ قَدَّرَ اللَّهُ الكريمُ بلُطْفِهِ وَلاَ أَهلاً للعلوم وللحِكَمْ بَذَلْتُ عُلومِي واسْتَنَفَدْتُ عُلُومَهُم وإِلاّ فمخزونٌ لديَّ ومُكْتَتَمْ تفسير : ثم دلهم على ما فيه دواء القلوب ومحو العيوب، فقال: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم ان يخونوا الله والرسول. والخيانة منع الحق الذي قد ضمن التأدية فيه. وهي ضد الامانة. وأصل الخيانة ان تنقص من ائتمنك أمانته، قال زهير: شعر : بارزة الفقاوة لم تخنها قطاف في الركاب ولا خلاء تفسير : أي لم تنقص من فراهتها. والمعنى لا تخونوا مال الله الذي جعله لعباده فلا يخن بعضكم بعضاً فيما ائتمنه عليه في قول ابن عباس. وقال الحسن، والسدي: لا تخونوه كما صنع المنافقون. وقال الجبائي: نهاهم ان يخونوا الغنائم. وقال ابن زيد: الأمانة ها هنا الدين، نزلت في بعض المنافقين. والامانة مأخوذة من الأمن من منع الحق وهي حال يؤمن معها منع الحق الذي تجب فيه التأدية وقوله "وأنتم تعلمون" قيل في معناه قولان: أحدهما - وأنتم تعلمون انها امانة من غير شبهة. والثاني - وانتم تعلمون ما في الخيانة من الذم والعقاب بخلاف الجهال بتلك المنزلة. وقوله: {وتخونوا} موضعه الجزم بتقدير، ولا تخونوا في قول ابن عباس وقال السدي: هو نصب على الظرف أي إنكم إذا خنتم الرسول فقد خنتم أماناتكم. قال الفراء، ومثله قول الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتأت مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وحكى الفراء في بعض القراآت: {ولا تخونوا أمانتكم} وقال جابر بن عبد الله: نزلت الاية في بعض المنافقين حين انذر أبا سفيان بخروج النبي لأخذ العير. وقال الزهري: نزلت في ابي لبابة في قصة بني قريظة وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله (عليهما السلام).
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} ان كان نزوله فى ابى لبابة بن عبد المنذر الانصارىّ فى غزوة بنى قريظة ومشورتهم له فى نزولهم على حكم سعد بن معاذٍ كما قرّره الرّسول (ص) وقوله لهم: ان تنزّلوا على حكمه تقتلوا، كما فى الاخبار فالمقصود عامّ والمراد بخيانة الله والرّسول (ص) هو خلاف ما أظهر للرّسول (ص) فى البيعة والميثاق من عدم مخالفته ظاهراً وباطناً وارادة خير المؤمنين كذلك، والمراد بالامانات امّا الامانات التكوينيّة الّتى اصلها واسسّها وملاكها الامانة المعروضة على السّماوات والارض، الّتى هى اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة المستتبعة لتمام القوى الانسانيّة المستلزمة لتمام التّكاليف الشّرعيّة النّبويّة والاصليّة الولويّة الحاصلة منها تمام المراتب الانسانيّة، او الامانات التّكليفيّة الولويّة القلبيّة من الّذكر المأخوذ من ولىّ الامر وسائر ما يؤخذ، او الامانات التّكليفيّة النّبويّة المأخوذة من نبىّ الوقت من الاعمال القالبيّة الشّرعيّة، وتخونوا امّا معطوف على المنهىّ فيكون كلّ نهياً مستقلاًّ او بتقدير ان بعد الواو بمعنى مع فيكون مشعراً بمعيّة الثّانى للاوّل معيّة المسبّب للسّبب {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} اى تشعرون غير غافلين ووجه التّقييد بالحال الاشارة الى انّ الانسان قلّما ينفكّ عن غفلة عمّا امر به وانّه خيانة بوجهٍ ما، لكنّه غير مضيّق عليه وغير مشدّد عليه مثل عدم الغفلة، ولمّا كان الخيانة كثيراً ما تقع بسبب الاموال والاولاد فانّ الانسان يدع دينه لاولاده عقّبه بذمّ الاموال والاولاد فقال {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}.
الهواري
تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. قال الكلبي: أما خيانتكم الله فمعصيتُه، وكذلك خيانتكم الرسول هي معصية الرسول. أما خيانتكم أماناتكم فكل عبد مؤتمَن على ما افترض الله عليه، لم يطلع عليها إلا الله. وقال بضعهم: إن أَبَا لُبَابة أشار لليهود إلى النحور حتى لا ينزلوا على الحكم، [فكانت خيانة منه وذنباً]. وقال الحسن: لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم كما صنع المنافقون الذين قالوا ولم يعملوا فإنهم خانوا الله والرسول في ترْكهم الوفاء بفرائضه، إذ لم يستكملوا العمل مع القول. {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} يقول: إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم إذ لم توفوا بالعمل الذي أقررتم به مع القول، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم قد خنتم. وتخونوا أماناتكم أيضاً فيما بينكم وبين الناس. قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} أي بلية، ابتلاكم الله بالأموال والأولاد لكي تطيعوه فيما ابتلاكم به. {وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} أي الجنة. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}. قال مجاهد: يجعل لكم فرقاناً، أي حجة. وقال بعضهم: مخرجاً [في الدين من الشبهة والضلالة]. وقال بعضهم: يجعل لكم نجاة. وقال الحسن: {فُرْقَاناً}. أي: يفرق فيه بين الحق والباطل، فتعرفون ما أحل لكم وما حرم عليكم. {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ذنوبكم {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لا تخُونُوا اللهَ والرسُولَ} بإفشاء السر إلى الكفار، أو بتقويتهم بفعل أو رأى، أو بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون، أو بالغلول فى الغنائم، قال الزهرى، والكلبى، وعبد الله بن أبى قتادة: نزلت الآية فى أبى لبابة بن رفاعة بن عبد المنذر الأنصارى، من بنى عوف بن مالك، إذ قال لبنى قريظة فى حكم سعد: إنه الذبح، أو فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه الذبح، وتأتى قصته إن شاء الله فى سورة الأحزاب. وقيل: اسم أبى لبابة مروان، وقيل: هارون، وروى أنه قال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أمرت أو يتوب الله علىَّ، وربط نفسه بسارية فى المسجد. وقال السدى: كانوا يسمعون الشئ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه، حتى يبلغ المشركين، فنزلت الآية. وقال عطاء بن أبى رباح، حديث : عن جابر بن عبد الله: سببها أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان فى مكان كذا وكذا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن أبا سفيان فى موضع كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا" فكتب إليه رجل من المنافقين: أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم،تفسير : قال العلماء: فعلى هذا معنى آمنوا أظهروا الإيمان، وقد ضعف فى قلوبهم، أو أسروا الشرك، ويحتمل أن يخاطب المؤمنين حقا أن لا تفعلوا فعل ذلك المنافق. وزعم المغيرة بن شعبة فيما ذكر الطبرى، وجار الله: أنها نزلت فى قتل عثمان، والمعنى لا تقتلوه ولا تخذلوه، ولا يخفى مع كونه خطأ وتعصبا أنه بعيد، وأصل الخيانة النقص، كما أن معنى الوفاء التمام، فإنك إذ خنت الرجل فى شئ وقد أدخلت عليه النقص فيه، واستعمل فى ضد الأمانة لتضمنه إياه، قال جار الله، والقاضى: إن النقض خفيته، وقد قال ابن عباس: المراد خيانة ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله. {وتخُونُوا أمانَاتِكُم} عطف على تخونوا، فهو مجزوم، ولا تخونوا أماناتكم، أو عطف مصدره على لفظ الخيانة مقدرا مما قيل: أى لا تكن منكم خيانة لله ورسوله، خيانة لأماناتكم، فهو منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الواو فى جواب النهى مثل: لا تكن جلدا وتظهر الجزع، لكن على معنى أن خيانة الله ورسوله تصاحبها، وتترتب عليها خيانة الأمانات فيما بينكم، فاترك الخيانة كلها لا على معنى لا تجمعوا بين الخيانتين، ولكم إفراد إحداهما، وهو خلاف المشهور فى نصب الفعل بعد الواو فى الجواب، فالجزم أولى. وقد يقال: نهاهم عن الجمع بينهما لأنه أقبح، ولم يرد أن إفراد أحدهما جائز، وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فى رواية عنه: أمانتكم بالإفراد وفتح التاء، وقدر بعضهم المضاف أى وتخونوا ذوى أماناتكم، وفى الحديث: "حديث : أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" تفسير : فأوقع الخيانة على الإنسان لا على الأمانة. {وأنتُم تعْلمُونَ} تعرفون الحسن والقبيح، أو تعلمون أن على الخيانة عقابا، أو تعلمون الخيانة وتأتونها عمدا، أقوال، والجملة حال على تلك الأقوال وهى مؤكدة على الثالث إذ لا يسمى بالخيانة إلا فى العمد، وإن أريد مجرد النقص مؤسسة.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ والرَّسُولَ} فيما هو بينكم وبين الله كالصلاة والصوم والوضوء {وَتَخُونُوا} مجزوم عطفاً على تخونوا أَى ولا تخونوا {أَمانَاتِكُمْ} أَو منصوب، أَى مع أَن تخونوا أَماناتكم، والأَول أَولى لأَنه نهى عن كل على حدة، والثانى نهى عن الجمع، وأَماناتكم هى ما بينكم وبين الخلائق كأَمره صلى الله عليه وسلم بالنزول على الحكم، والسر بينكم، والأَموال، وفى المعاملة على الأَمانة، وفى إِيقاع الخيانة على الأَمانات مبالغة كأَنها عاقلة معاهدة خينت فى عهدها، أَو يقدر وتخونوا أَصحاب أَماناتكم، ومن الخيانة إِخبار المنافقين أَبا سفيان إِذ خرج من مكة هو وجماعة فى أَمر - وأَخبره صلى الله عليه وسلم جبريل بخروجه - بأَن المؤمنين قصدوكم فخذوا حذركم، وقد أَمر الصحابة أَن يخرجوا إِليه، والأولى أَن الآية أَعم من ذلك، إِذ اعتاد أَهل النفاق إِخبار المشركين بكل سر، ويفشونه حتى يبلغهم {وَأَنْتُمُ تَعْلمُون} أَنتم من أَهل العلم تعلمون أَن ذلك خيانة منكم، وأَن الخيانة حرام، وتميزون القبيح العقلى من الحسن.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} أصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء الإتمام، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه فإن الخائن ينقص المخون شيئاً مما خانه فيه، اعتبر الراغب في الخيانة أن تكون سراً، والمراد بها هنا عدم العمل بما أمر الله تعالى به ورسوله عليه الصلاة والسلام. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن خيانة الله سبحانه بترك فرائضه والرسول صلى الله عليه وسلم بترك سنته وارتكاب معصيته. وقيل: المراد النهي عن الخيانة بأن يضمروا خلاف ما يظهرون أو يغلوا في الغنائم. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبـي حبيب رضي الله تعالى عنه أن المراد بها الإخلال بالسلاح في المغازي. وذكر الزهري والكلبـي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة ـ وفي رواية البيهقي ـ خمساً وعشرين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات من أرض الشام فأبـى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل لنا أبا لبابة ورفاعة بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم لأن ماله وولده وعياله كان عندهم، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ فأشار بيده إلى حلقه يعني أنه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله تعالى علي، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره قال: حديث : أما لو جاءني لاستغفرت له أما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله تعالى عليه فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه ثم تاب الله تعالى عليه تفسير : فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاءه عله الصلاة والسلام فحله بيده ثم قال أبو لبابة: إن تمام توبتي أن أهجر دار قوم التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : يجزيك الثلث أن تصدق به تفسير : ونزلت فيه هذه الآية» وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من / رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتى يبلغ المشركين فنهوا عن ذلك، وأخرج أبو الشيخ وغيره عن جابر بن عبد الله حديث : أن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل عليه السلام النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبـي سفيان إن محمداً صلى الله عليه وسلم مريدكم فخذوا حذركم فنزلتتفسير : . {وَتَخُونُواْ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ} عطف على المجزوم أولاً والمراد النهي عن خيانة الله تعالى والرسول وخيانة بعضهم بعضاً، والكلام عند بعض على حذف مضاف أي أصحاب أماناتكم، ويجوز أن تجعل الأمانة نفسها مخونة، وجوز أبو البقاء أن يكون الفعل منصوباً بإضمار أن بعد الواو في جواب النهي كما في قوله:شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : والمعنى لا تجمعوا بين الخيانتين والأول أولى لأن فيه النهي عن كل واحد على حدته بخلاف هذا فإنه نهى عن الجمع بينهما ولا يلزمه النهي عن كل واحد على حدته، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير الأمانات بالأعمال التي ائتمن الله تعالى عليها عباده، وقرأ مجاهد {أمانتكم} بالتوحيد وهي رواية عن أبـي عمرو ولا منافاة بينها وبين القراءة الأخرى {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تبعة ذلك ووباله أو أنكم تخونون أو وأنتم علماء تميزون الحسن من القبيح، فالفعل إما متعد له مفعول مقدر بقرينة المقام أو منزل منزلة اللازم، قيل: ولس المراد بذلك التقييد على كل حال.
ابن عاشور
تفسير : استئناف خطاب للمؤمنين يحذرهم من العصيان الخفي. بعد أن أمرهم بالطاعة والاستجابة لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - حذرهم من أن يظهروا الطاعة والاستجابة في ظاهر أمرهم ويبطنوا المعصية والخلاف في باطنه، ومناسبته لما قبله ظاهرة وإن لم تسبق من المسلمين خيانة وإنما هو تحذير. وذكر الواحدي في «أسباب النزول» وروى جمهور المفسرين وأهل السير، عن الزهري والكلبي، وعبد الله بن أبي قتادة، أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاريحديث : لما حَاصر المسلمون بني قريظة، فسألت بنو قريظة الصلح فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تَنزلون على حكم سعد بن مُعاذ» فأبوا وقالوا: «أرسل إلينا أبا لُبابة» فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم أبا لُبابة وكان ولده وعيالُه وماله عندهم، فلما جاءهم قالوا له ما ترى أننزل على حكم سعد، فأشار أبو لُبابة بيده على حَلْقِه: أنّه الذبْح، ثم فطن أنه قد خان الله ورسولهتفسير : فنزلت فيه هذه الآية، وهذا الخبر لم يثبت في الصحيح، ولكنه اشتهر بين أهل السير والمفسرين، فإذا صح، وهو الأقرب كانت الآية مما نزل بعد زمن طويل من وقت نزول الآيات التي قبلها، المتعلقة باختلاف المسلمين في أمر الأنفال فإن بين الحادثتين نحواً من ثلاث سنين ويقرب هذا ما أشرنا إليه آنفاً من انتفاء وقوع خيانة لله ورسوله بين المسلمين. والخَوْن والخيانة: إبطال ونقضُ ما وقع عليه تعاقد من دون إعلان بذلك النقض، قال تعالى: {أية : وإمّا تخافَن من قومٍ خيانةً فانبِذْ إليهم على سواءٍ}تفسير : [الأنفال: 58] والخيانة ضد الوفاء قال الزمخشري: «وأصل معنى الخَون النقصُ، كما أن أصل الوفاء التمام، ثم استعمل الخَون في ضد الوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان فيه» أي واستعمل الوفاء في الإتمام بالعهد، لأن من أنجز بما عاهد عليه فقد أتم عهده فلذلك يقال: أوفى بما عاهد عليه. فالإيمان والطاعة لله ورسوله عهد بين المؤمن وبين الله ورَسوله، فكما حُذروا من المعصية العلنية حذروا من المعصية الخفية. وتشمل الخيانة كل معصية خفية، فهي داخلة في {لا تخونوا}، لأن الفعل في سياق النهي يعم، فكل معصية خفية فهي مراد من هذا النهي، فتشمل الغلول الذي حاموا حوله في قضية الأنفال، لأنهم لما سأل بعضهم النفل وكانوا قد خرجوا يتتبعون آثار القتلى ليتنفلوا منهم، تعين تحذيرهم من الغلول، فذلك مناسبة وقع هذه الآية من هذه الآيات سواء صح ما حكي في سبب النزول أم كانت متصلة النزول بقريناتها. وفعل «الخيانة» أصله أن يتعدى إلى مفعول واحد وهو المخون، وقد يعدى تعدية ثانية إلى ما وقع نقضه، يقال: خان فلاناً أمانتَه أو عهدَه، وأصله أنه نصب على نزع الخافض، أي خانه في عهده أو في أمانته، فاقتصر في هذه الآية على المخوف ابتداء، واقتصر على المخون فيه في قوله: {وتخونوا أماناتكم} أي في أماناتكم أي وتخونوا الناس في أماناتكم. والنهي عن خيانة الأمانة هنا: إن كانت الآية نازلة في قضية أبي لبابة: إن ما صدر منه من إشارة إلى ما في تحكيم سعد بن معاذ مِن الضر عليهم يعتبر خيانة لمن بعثه مستفسراً، لأن حقه أن لا يشير عليهم بشيء، إذ هو مبعوث وليس بمستشار. وإن كانت الآية نزلت مع قريناتها فنهي المسلمين عن خيانة الأمانة استطراد لاستكمال النهي عن أنواع الخيانة، وقد عدل عن ذكر المفعول الأصلي، إلى ذكر المفعول المتْسَع فيه، لِقصد تِبشيع الخيانة بأنها نقض للأمانة، فإن الأمانة وصف محمود مشهور بالحسن بين الناس، فما يكون نقضاً له يكون قبيحاً فظيعاً، ولأجل هذا لم يقل: وتخونوا الناسَ في أماناتهم فهذا حذف من الإيجاز. والأمانة اسم لما يحفظه المرء عند غيره مشتقة من الأمن؛ لأنه يأمنه من أن يضيعها، والأمين الذي يحفظ حقوق من يواليه، وإنما أضيفت الأمانات إلى المخاطبين مبالغة في تفظيع الخيانة، بأنها نقض لأمانة منسوبة إلى ناقضها، بمنزلة قوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29] دون: ولا تقتلوا النفس. وللأمانة شأن عظيم في استقامة أحوال المسلمين، ما ثبتوا عليها وتخلقوا بها، وهي دليل نزاهة النفس واعتدال أعمالها، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من إضاعتها والتهاون بها، وأشار إلى أن في إضاعتها انحلال أمر المسلمين، ففي «صحيح البخاري» حديث : عن حذيفة بن اليَمَان قال حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثين: رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلتْ على جَذْر قلوب الرجال ثم عَلمِوا من القرآن ثم علَموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومة فَتُقبض من قلبه فيظل أثرها مثل الوكْت، ثم ينام النّومة فتقبض فيبقى أثرها مثل أثر المَجْل كجَمْر دَحْرَجْتَه على رِجْلِك فَنفِط فتراه مُنْتَبِراً وليس فيه شيء، ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل ما أعْقَلَه وما أظْرَفَه ومَا أجْلَدَه، وما في قلبه مثقال حَبّهِ خَرْدَل من إيمان»تفسير : . (الوكت سواد يكون في البُسْر إذا قارب أن يصير رُطَباً، والمَجْل غِلَظ الجلد من أثر العمل والخدمة، ونَفِط تَقَرَّح ومُنْتَبِراً منتفخاً)، وقد جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان إذ قال في آخر الأخبار عنها وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وحسبك من رفع شأن الأمانة: أن كان صاحبها حقيقاً بولاية أمر المسلمين لأن ولاية أمر المسلمين، أمانة لهم ونصح، ولذلك قال عمر بن الخطاب حين أوصى بأن يكون الأمر شورى بين ستة «ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً لعهدت إليه لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له إنه أمين هذه الأمة». وقوله: {وتخونوا} عطف على قوله: {لا تخونوا} فهو في حَيز النهي، والتقدير: ولا تخونوا أماناتكم، وإنما أعيد فعل {تخونوا} ولم يُكتف بحرف العَطف، الصالح للنيابة عن العامل في المعطوف، للتنبيه على نوع آخر من الخيانة فإن خيانتهم الله ورسوله نقضُ الوفاءِ لهما بالطاعة والامتثال، وخيانة الأمانة نقض الوفاء بأداء ما ائتمنوا عليه. وجملة {وأنتم تعلمون} في موضع الحال من ضمير {تَخونوا} الأول والثاني، وهي حال كاشفة والمقصود منها تشديد النهي، أو تشنيع المنهي عنه لأن النهي عن القبيح في حال معرفة المنهي أنه قبيح يكون أشد، ولأن القبيح في حال علم فاعله بقبحه يكون أشنَعَ، فالحال هنا بمنزلة الصفة الكاشفة في قوله تعالى: {أية : ومَن يَدْعُ مع الله إلهاً آخر لا بُرهان له به فإنما حِسابُه عند ربه}تفسير : [المؤمنون: 117] ـ وقوله - {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}تفسير : [البقرة: 22] وليس المراد تقييد النهي عن الخيانة بحالة العلم بها، لأن ذلك قليل الجدوى، فإن كل تكليف مشروط بالعلم وكون الخيانة قبيحة أمر معلوم. ولك أن تجعل فعل {تَعْلمون} منزلاً منزلة اللازم، فلا يُقدّر له مفعول، فيكون معناه «وأنتم ذَوُو عِلم» أي معرفة حقائق الأشياء، أي وأنتم عُلماء لا تجهلون الفرق بين المَحاسن والقبائح، فيكون كقوله: {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}تفسير : في سورة البقرة (22). ولك أن تقدر له هنا مفعولاً دل عليه قوله: {وتخونوا أماناتكم} أي وأنتم تعلمون خيانة الأمانة أي تعلمون قبحها فإن المسلمين قد تقرر عندهم في آداب دينهم تقبيح الخيانة، بل هو أمر معلوم للناس حتى في الجاهلية. وابتداء جملة: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} بفعل {اعلموا} للاهتمام كما تقدم آنفاً عند قوله: {أية : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}تفسير : [الأنفال: 24] ـ وقوله ـ {أية : واعلموا أن الله شديد العقاب}تفسير : [الأنفال: 25] وهذا تنبيه على الحذر من الخيانة التي يحمل عليها المرءَ حبُ المال وهي خيانة الغلول وغيرها، فتقديم الأموال لأنها مظنة الحمل على الخيانة في هذا المقام. وعطف الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي الخيانة، فإن غرض جمهور الناس في جمع الأموال أن يتركوها لابنائهم من بعدهم، وقد كثر قرن الأموال والأولاد في التحذير، ونجده في القرآن، قيل إن هاته الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة. وجيء في الإخبار عن كون الأموال والأولاد فتنة بطريق القصر قصراً ادعائياً لقصد المبالغة في إثبات أنهم فتنة. وجُعل نفس «الأموال والأولاد» فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما، مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس الفتنة. وعطف قوله: {وأن الله عنده أجر عظيم} على قوله: {أنما أموالكم وأولادكم فتنة} للإشارة إلى أن ما عند الله من الأجر على كف النفس عن المنهيات هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال والأولاد.
الواحدي
تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} بترك فرائضه {والرسول} بترك سنَّته {وتخونوا} أَيْ: ولا تخونوا {أماناتكم} وهي كلُّ ما ائتمن الله عليها العباد، وكلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افترض الله عليه {وأنتم تعلمون} أنَّها أمانةٌ من غير شبهةٍ. وقيل: نزلت هذه الآية في أبي لُبابة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قُريظة لمَّا حاصرهم، وكان أهله وولده فيهم، فقالوا له: ما ترى لنا؟ أننزل على حكم سعدٍ فينا؟ فأشار أبو لبابة إلى حلقه، أنَّه الذَّبح، فلا تفعلوا، وكانت منه خيانةً لله ورسوله. {واعلموا أنَّما أموالكم وأولادكم فتنة} أَيْ: محنةٌ يظهر بها ما في النَّفس من اتِّباع الهوى أو تجنُّبه، ولذلك مال أبو لبابة إلى قُريظة في إطلاعهم على حكم سعد؛ لأنَّ ماله وولده كانت فيهم {وإنَّ الله عنده أجر عظيم} لمن أدى الأمانة ولم يخن. {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} باجتناب الخيانة فيما ذُكر {يجعل لكم فرقاناً} يفرق بينكم وبين ما تخافون، فتنجون {ويكفر عنكم سيئاتكم} يمحو عنكم ما سلف من ذنوبكم {والله ذو الفضل العظيم} لا يمنعكم ما وعدكم على طاعته.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تخونوا الله والرسول: أي بإظهار الإِيمان والطاعة ومخالفتهما في الباطن. وتخونوا أماناتكم: أي ولا تخونوا أماناتكم التي يأتمن عليها بعضكم بعضاً. إنما أموالكم وأولادكم فتنة: أي الاشتغال بذلك يفتنكم عن طاعة الله ورسوله. إن تتقوا الله: أي بامتثال أمره واجتناب نهيه في المعتقد والقول والعمل. يجعل لكم فرقاناً: نوراً في بصائركم تفرقون به بين النافع والضار والصالح والفاسد. ويكفر عنكم سيآتكم: أي يمحوا عنكم ما سلف من ذنوبكم التي بينكم وبينه. ويغفر لكم ذنوبكم: أي يغطيها فيسترها عليكم فلا يفضحكم بها ولا يؤاخذكم عليها. معنى الآيات: هذا نداء رباني آخر يوجه إلى المؤمنين {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي يا من آمنتم بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإِسلام ديناً. {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} بأن يظهر أحدكم الطاعة لله ورسوله، ويستسر المعصية، ولا تخونوا أماناتكم التي يأتمن بعضكم بعضاً عليها {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} عظيم جريمة الخيانة وآثارها السيئة على النفس والمجتمع، هذا ما دلت عليه الآية الأولى في هذا السياق {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقوله تعالى {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فيه إشارة إلى السبب الحامل على الخيانة غالباً وهو المال والأولاد فأخبرهم تعالى أن أموالهم وأولادهم فتنة تصرفهم عن الأمانة والطاعة، وأن ما يرجوه من مال أو ولد ليس بشيء بالنسبة إلى ما عند الله تعالى إن الله تعالى عنده أجر عظيم لمن أطاعه واتقاه وحافظ على أمانته مع الله ورسوله ومع عباد الله وقوله تعالى في الآية الثالثة {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} هذا حض على التقوى وترغيب فيها بذكر أعظم النتائج لها وهي أولاً إعطاء الفرقان وهو النصر والفصل بين كل مشتبه، والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع، والصحيح والفاسد، وثانياً تكفير السيئآت، وثالثاً مغفرة الذنوب ورابعاً الأجر العظيم الذي هو الجنة ونعيمها إذ قال تعالى في ختام الآية {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} إشارة إلى ما يعطيه الله تعالى أهل التقوى في الآخرة وهو الجنة ورضوانه على أهلها، ولنعم الأجر الذي من أجله يعمل العاملون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تحريم الخيانة مطلقاً وأسوأها ما كان خيانة لله ورسوله. 2- في المال والأولاد فتنة قد تحمل على خيانة الله ورسوله، فليحذرها المؤمن. 3- من ثمرات التقوى تكفير السيآت وغفران الذنوب، والفرقان وهو نور في القلب يفرق به المتقي بين الأمور المتشابهات والتي خفي فيها وجه الحق والخير.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {أَمَانَاتِكُمْ} (27) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أبِي لُبَابَةَ حِينَ بَعَثَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم إلَى بَني قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، فَاسْتَشَارَ اليَهُودُ أبَا لُبَابَةَ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ - فَأشَارَ عَلَيْهِمْ بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ أشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، أيْ إنّه الذَّبْحُ. ثُمَّ شَعَرَ أنَّهُ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةِ المَسْجِدِ تِسْعَةَ أيّامٍ لاَ يَذُوقُ طَعَاماً حَتَّى تَابَ اللهُ عَليهِ، فَأَطْلَقَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. (وَقِيلَ أيْضاً إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، الذِي أرْسَلَ رِسَالَةً إلى قُرَيْشٍ مَعَ امْرأةٍ يُعْلِمُهَا فِيهَا بِأَنَّ الرَّسُولَ تَجَهَّزَ لِغَزْوِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ). وَالآيَةُ عَامَّةٌ. يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ لاَ يَخُونُوا اللهَ بِارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا رَسُولَهُ بِتَرْكِ سُنَنِهِ، وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَأنْ لاَ يَخُونُوا أمَانَاتِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ التِي ائْتَمَنَ اللهُ العِبَادَ عَلَيهَا: يَعْنِي الفَرَائِضَ، وَهِيَ تَشْمَلُ أَمَانَةَ الإِنْسَانِ نَحْوَ النَّاسِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهُمْ: كَالمِكْيَالِ وَالمِيْزَانِ، وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ بِالحَقِّ وَالصِّدْقِ، وَكِتْمَانِ السِّرِّ .. إلخ. فَالأمَانَةُ وَاحِدَةُ وَلاَ تَبْعِيضَ فِيهَا، وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ مَسَاوِىءَ الخِيَانَةِ، وَسُوءَ عَاقِبَتِهَا.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} قال عطاء ابن أبي رباح: حدّثني جابر بن عبد الله حديث : أن أبا سفيان خرج من مكّة فأتى جبرئيل (عليه السلام) النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا" قال: فكتب رجلا من المنافقين إليه أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله تعالى الآية . تفسير : وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبيّ صلى الله عليه وسلم فيفشونه حتّى بلغ المشركين. وقال الزهري والكلبي: نزلت هذه الآية في أبي لبابة واسم أبي لبابة هارون بن عبد المنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك وذلك حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النضير على أن يسيروا الى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم، لأن عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أنزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى طقه أنّه الذبح فلا تفعلوا. قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أن قد خنت الله والرسول فلمّا نزلت هذه الآية شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتّى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغميّاً عليه ثمّ تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تُبت عليك. قال: لا والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلّني فجاءه فحله بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إن مَنْ تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب. وأن أنخلع من مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يجزيك الثلث إن تصدقت ". تفسير : فقال المغيرة بن شعبة: نزلت هذه الآية في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. قال محمد بن إسحاق: معنى الآية لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثمّ تُخالفونه في السر إلى غيره. وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته، وتخونوا أماناتكم. قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وعلى هذا التأويل يكون قوله (ويخونوا) نصباً على جواب النهي. والعرب تنصب جواب النهي وقالوا كما ينصب بالفاء. وقيل: هو نصب على الصرف كقول الشاعر: شعر : لا تنهى عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وقال الأخفش: هو عطف على ما قبله من النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم. وقرأ مجاهد: أمانتكم واحدة. واختلفوا في هذه [الآية] فقال ابن عباس: هو ما يخفي عن أعين الناس من فرائض الله عزّ وجلّ والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يقول لا تنقضوها. وقال ابن زيد: معنى الامانات هاهنا الدين وهؤلاء المنافقون ائتمنهم الله على دينه فخانوا، إذ أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر. قال قتادة: إنّ دين الله أمانة فأدّوا الى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده. ومَنْ كانت عليه أمانة فليردّها إلى مَنْ أئتمنه عليها. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ} التي عند بني قريظة {فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} بطاعته وترك معصيته واجتناب خيانته {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} قال مجاهد: مخرجاً في الدنيا والآخرة. وقال مقاتل بن حيان: مخرجاً في الدين من الشبهات. وقال عكرمة: نجاة. وقال الضحاك: بياناً. وقال مقاتل: منقذاً. قال الكلبي: بصراً، وقال ابن إسحاق: فصلاً بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل مَنْ خالفكم. وقال ابن زيد: فرقاً يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتّى يعرفوه ويشهدوا به. والفرقان مصدر كالرحمان والنقصان. تقول: فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقاً وفروقاً وفرقاناً، {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ} ما سلف من ذنوبكم {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ * وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} هذه الآية معطوفة على قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} [الأنفال: 26]. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ} لأن هذه السورة مدنية. وهذا القول والمكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكرهم ذلك بالمدينة كقوله {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ} تفسير : [التوبة: 40] وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسّرين أن قريشاً لمّا أسلمت الأنصار فرقوا أن تتفاقم أُمور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاجتمع نفر من مشايخهم وكبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت روؤسائهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبا جهل وأبا سفيان وطعمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البحتري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وبنيه ومنبّه ابنا الحجاج وأُميّة بن خلف فاعترض لهم إبليس في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا من رأي ونصح، قالوا: ادخل فدخل. فقال أبو البحتري: أمّا أنا فأرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيته وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت فتتركوه وتقدموا إليه طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون حتّى يهلك فيه كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وإنّما هو كأحدهم. فصرخ إبليس الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم تعمدون إلى الرجل وتحبسونه فيتم أجره، وقد سمع به مَنْ حولكم، [فأوشكوا أن يشبّوا فينتزعوه من أيديكم] ويقاتلونكم عنه حتّى يأخذوه منكم. قالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو وهو من بني عامر بن لؤي: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير فيخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم [ما ضر من] وقع إذا غاب عنكم واسترحم وكان أمره في غيركم. فقال إبليس بئس الرأي رأيكم تعمدون الى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجوا به الى غيركم يفسدهم كما أفسدكم، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقه لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه. والله لئن فعلتم، ثمّ استعرض العرب لتجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم فيخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره: إني أرى أن نأخذ واحداً من كل بطن من قريش غلاماً وسبطاً ثمّ يعطى كل رجل منهم سيفاً صارماً ثمّ يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمّه في القبائل كلّها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلّها وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدّي قريش ديته واسترحنا، فقال إبليس: صدق هذا الفتى و[هذا] أجودكم رأياً، القول ما قاله لا أرى غيره. فتفرقوا على قول أبي جهل، وهم مجتمعون فأتى جبرئيل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت على مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج الى المدينة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه فنام في مضجعه فقال: اتشح ببردي فإنّه لن يخلص إليك أمر تكرهه. ثمّ خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخذ قبضه من تراب فأخذ الله أبصارهم عنه وجعل ينثر التراب على رؤسهم وهو يقرأ {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ} تفسير : [يس: 8] ومضى إلى الغار من ثور فدخله هو وأبو بكر وخلّف عليّا رضي الله عنه بمكّة حتّى يؤدّي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته وكان المشركون يتحرسون عليّاً رضي الله عنه وهو على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنّه النبيّ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليّاً رضي الله عنه. وقد ردّ الله مكرهم وما ترك منهم رجلا إلاّ وضع على رأسه التراب. فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصّوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، وقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث أيام ثمّ قدم المدينة فذلك قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ}. قال ابن عباس ومجاهد ومقسم والسدي: ليوثقوك. وقال قتادة: ليشدوك وثاقاً. وقال عطاء. وعبد الله بن كثير: ليسجنوك. وقال أبان بن ثعلب. وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب. وأنشد: شعر : فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم قالوا ألخليفة امسى مثبتاً وجعاً تفسير : وقيل: معناه ليسخروك. وروى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عبد المطلب بن أبي وداعة حديث : أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدري ما أضمر بك قومك؟ قال: "نعم [يريدون] أن يسخروا بي ويقتلوني أو يخرجوني" فقال: مَنْ أخبرك بهذا؟ قال: "ربّي". قال: نِعم الرب ربّك فاستوصِ ربّك خيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا استوصي به بل هو يستوصي بي خيراً ". تفسير : وقرأ إبراهيم النخعي (وليثبتوك) من البيات {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} قال الحسن: فيقولون ويقول الله. وقال الضحاك: ويصنعون ويصنع الله {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} خير من استنقذك منهم وأهلكهم {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ} يعنى النضر بن الحرث {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} وذلك أنّه كان [يختلف] تاجراً إلى فارس والحيرة فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأُمم، فمر باليهود والنصارى فرآهم يقرأون التوارة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء مكّة فوجد محمداً يقرأ القرآن ويصلّي. فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينََ} أخبار الأُمم الماضية وأعمارهم، قال السدي: أساجيع أهل الحيرة. والأساطير جمع الجمع وأصلها من قوله: سطرت أي كتبت، وواحدها سطر ثمّ تجمع أسطار أو سطور ثمّ فيجمعان أساطر وأساطير. وقيل: الأساطير واحدها أُسطورة وأسطار. والجمع القليل: أسطر.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والخيانة مقابلها الأمانة، والأمانة هي الشيء يستودعه واحد عند آخر بدون وثيقة عليه، ولا شهود. بل الأمر متروك إلى من عنده الأمانة، إن شاء أقر بها وإن شاء أنكرها؛ لأن الأمانة ليس عليها صك ولا عليها شهود. ولا عليها "كمبيالة"، وغير محكومة بأي شيء إلا بذمة من ائْتُمن، والحق سبحانه تعالى يقول: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. وكل الأجناس التي في الوجود ودون الإنسان من حيوان ونبات وجماد، كلها مُسخرة، ولا تملك الاختيار في أن تفعل أو لا تفعل. الشمس ليس لها اختيار في أن تقول: سأشرق اليوم على هؤلاء الناس، أو لن أشرق اليوم. والهواء لا يملك إرادة الاختيار، كل الكائنات التي أوجدها الله في هذا الوجود ما عدا الإنسان مسخرة للمؤمن وللكافر. ورفضت هذه الكائنات أن تحمل أمانة الاختيار، لكن الإنسان قال: أنا لي عقل يختار بين البديلات وأقبل تحمل الأمانة وسوف أؤدي كل مطلوبات الأمانة لأني أقدر على الاختيار. لكن الإنسان ادّعى لنفسه القدرة على أداء الأمانة. وكأنه قد وثق من نفسه أنه سيؤديها، وهو لا يعلم بأي شيء حكم ذلك الحكم على أمر غيبي مستقبلي. صحيح أنه ساعة التحمل كان في نيته أن يؤدي الأمانة، لكن ماذا عن ساعة الأداء؟. وأنت لا تعرف ماذا تجيء به الأحداث والأغيار معك، فقد يأتي لك ظرف تضطر أن تبدد فيه الأمانة؛ لذلك تجد العاقل هو من يقول: ابعد عني أمانة الاختيار، لأني لا أعلم ماذا ماذا ستفعل بي الأغيار لحظة الأداء. وكل ما دون الإنسان أعلن عدم تحمل الأمانة وقبل التسخير، أما الإنسان فأعلن قبول الأمانة وأنه سيؤديها. ووصفه القرآن الكريم بقوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72]. "ظلوماً" لنفسه لأنه حمّل نفسه شيئاً ليس في يده. و"جهولاً" لأنه قاس وقت التحمل ولم يذكر وقت الأداء. فلم يضع في الاعتبار ما سوف تفعل به الأغيار. ويقول الحق عز وجل هنا: {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. وكثير من التصرفات السلوكية للإنسان تكون مستترة عن أعين الخلق؛ لأن أعين الخلق حين ترى جريمة ما، فهي تستدعي رجال القانون ليأخذوا حق المجتمع من المجرم، لكن ماذا عن الجرائم المستترة؟. نحن نعلم أن كل جريمة تطفو وتظهر واضحة إنما توجد تحتها جرائم مختفية؛ لأن الذي يقتل إنما يخفي جرائم أخرى؛ مثل شرائه السلاح بدون ترخيص، وإن كان لا يملك نقوداً فقد يسرق ليشتري السلاح، ثم يقوم بتجنيد غيره لمساعدته في القتل، وكل ذلك جرائم مستترة، وبالتأكيد هناك سلوكيات باطنة يأتي بعدها السلوك المقلق للمجتمع وهو الجريمة الظاهرة، وقصارى قانون البشر أن يحرس المجتمع من الجرائم الظاهرة فقط، لكن عين القانون لا ترى الجرائم الباطنة والخفية، أما عين الدين فتختلف، إنها ترشد الأعماق إلى الصواب؛ لأن الدين أمانة وضعها الحق - الذي خلق الخلق - في ضمير الإنسان. فإياك أن تخون الأمانة في الأمور السرية التي لا يعرفها أحد سوى الله؛ لأن الأمور التي يعرفها الناس يمكن أن تدافع عنها أمام هؤلاء الناس، بخلاف الأمور الباطنة وهي المهمة؛ لأنها هي التي تسيطر على إيجاد السلوك. فإياك أن تخون الله والرسول، وتخون الأمانة التي وضعت لك. ولا حجة لك - في ذلك - إلا اختيارك. إن شئت فعلت وإن شئت تركت، وعلى الإنسان ألا يخون الأمانة التي بينه وبين ربه وإذا لم تتوافر الحراسة الإيمانية من ضميره على الأعمال الباطنة قد ينحرف؛ لأن كل جريمة ظاهرة إنما تتم بتبييت أمرٍ باطن. وما دمت قد آمنت بالله تعالى ربّا بمحض اختيارك، فالتزم بالأشياء التي جاء لك بها من آمنت به، وأنت تعلم: أن الإيمان هو علة كل تكليف، وعلى سبيل المثال؛ أنت تصلي خمسة فروض لأن المشرع أمرك بذلك؛ تصلي في الصبح ركعتين، وفي الظهر أربع ركعات، وفي العصر أربع ركعات، وثلاث ركعات في المغرب، وأربع ركعات في العشاء؛ لأن المشرع وهو المولى سبحانه وتعالى أمرك بذلك. وأنت تصوم لأن الله أمرك أن تصوم، فإن أدركت من بعد الصيام أن فيه منافع لك، فهذا موضوع آخر، ومع ذلك تظل علة الصيام أن الله أمرك به، وهكذا تكون علة كل حكم هي الإيمان بمن حكم بهذا الحكم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} [الأنفال: 27]. وما الخيانة؟. إن مادة الخيانة كلها الانتقاص؛ وضده التمام، والكمال، والوفاء. ويقابل كل ذلك الاختيان والغدر. فإذا كان الله يقول لنا: لا تخونوا الله والرسول، فعلينا أن نلتزم؛ لأن التشريع وصلنا من الله بواسطة الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله؛ لأن الله لم يخاطبنا مباشرة، بل خاطب رسولاً اصطفاه من خلقه وأيده بمعجزة. وكل بلاغ وصلنا إنما كان بواسطة الرسول. {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ}. فلا تخن الله فيما جاء في القرآن، وجاء من الرسول المفوَّض من الله بأن يشرع. وتشريع الرسول واتباعه جاء في قوله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. فلله أمانة فيما نص عليها قرآناً، وللرسول أمانة فيما لم ينص عليه القرآن إلا بتفويض قائل القرآن للرسول بأن يشرع، فإن أطعت هذا الرسول، فقد أطعت الله. وعرفنا أن الاختيانَ هو الانتقاص، ومعنى الانتقاص هو الوقوف بعيداً عن الكمال والإتمام المطلوب. والإنسان حين آمن يصبح للإيمان في النفس أمانة. فأنت قد آمنت أنه لا إله إلا الله، وأمانة هذا الإيمان تقتضيك ألاَّ تجعل لمخلوق ولاية عليك ولا ولاء له إلا أن يكون هذا الولاء نابعاً من اتباع منهج الله تعالى. وهذه هي أمانة الشهادة، أما أمانة الرسالة فهي الحرص على تطبيق كل ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه قدر الاستطاعة. إذن فالأمانة مع الله تعالى أن تلتزم بكلمة الإيمان في أنه لا إله إلا الله، وإياك أن تعتقد في أن أحدا يمكنه أن يتصرف فيك، أو يملك لك ضرّاً أو نفعاً، أو أن مصالحك ممكن أن تقضى بعيداً عن الله، فكل شيء بيد الله سبحانه صاحب الحول والطول ولا إله إلا الله، وإياك أن تفهم أن حكماً يجيء لك عن غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنك إن خرجت عن هذا الإطار تكون إنساناً لم يؤد أمانة الله ولا أمانة الرسول. والقمة في الأمانة هي إيمان بالله، وإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. والله قد أمر بأحكام وحين تقبلها فلها أمانة، وأمانتها هي أداؤها من غير نقص في شيء سواء كان عاماً أو خاصاً، ولو في الحديث يجري أمامك، وتمتد أمانة الإيمان إلى كل شيء، مثل أمانة أي مجلس توجد فيه، فلا يحق لك ان تنقل أسرار غيرك إلى هذا المجلس أو أسرار المجلس إلى آخرين. ونعرف رجلاً من قادة العرب هو زياد بن أبيه وكان شديد الحزم، فوشى واش بهمام بن عبد الله السلولي إلى زياد، وتوقع القوم عقاباً صارماً بهمام؛ لأن زياداً كان يأخذ بالظن، لكن الله ألهم همَّاماً كلمة ظلت دستوراً يطبق، وحين استدعى زياد هماماً، قال زياد: بلغني أنك هجوتني. قال همام: كلا أصلحك الله. ما فعلت ولا أنت لذلك بأهل. فقال: إن هذا الرجل - وأخرج الرجل من الخباء - أخبرني. فنظر همام إليه فوجده جليساً وصديقاً ومؤنساً، فلما رآه كذلك أقبل عليه وقال: أنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً فخنت، وإما قلت قولاً بلا علم فأبت - رجعت - من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة الخيانة والإثم، أي إما أنك خائن أو آثم، فإن كنت قد ائتمنتك على كلمة نفست بها عن نفسي فأنت خائن، وإن كنت اختلقتها عليّ فأنت كاذب، فأعجب زياد هذا المنطق، وأقصي الواشي ولم يتقبل منه. ويقال إنه خلع همام الصلة والعطايا. فكان همام حين يرى الواشي يقول له: هل لك في وشاية أخرى تغنيني؟!! وفي سيرته صلى الله عليه وسلم وقائع حدثت في تاريخه حتى من بعض الصحابة، وعلى سبيل المثال: نحن نعلم أنه حينما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جعل عهداً بينه وبين اليهود، فاستقام لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استقاموا للعهد، فلما خالفوا هم العهد؛ أراد رسول الله أن يؤدبهم، فأدبهم، وكان أول ذلك في بني النضير وأوضح لهم أنه لن يقتلهم، بل سيكتفي بإخراجهم من ديارهم وإبعادهم إلى الشام. ثم حدثت خيانة من بني قريظة، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من الزمن. فبعثوا إلى رسول الله من يقول: يا رسول الله إن بني قريظة يريدون ان تصنع بهم ما صنعته مع بني النضير، أي أن بني قريظة يعرضون ترك البلاد إلى الشام، فرفض الرسول ذلك إلا بعد أن يحكّم فيهم سعد بن معاذ، وكان يحب بني قريظة وبينه وبينهم صلة، وعرف بنو قريظة أن رسول الله يطمئن إلى حكم سعد بن معاذ فقالوا: لا ولكن أرسل لنا أولاً أبا لبابة، وهذه كُنْيته، أما اسمه فهو مروان بن عبد المنذر، وكان ماله في يد اليهود يتاجرون له فيه، أي أن بينه وبينهم صلةً مالية. ذهب أبو لبابة إلى اليهود، فاسْتَشاروه في الأمر متسائلين: أنرضى بحكم سعد بن معاذ؟ فماذا قال أبو لبابة؟ قال: إنه الذبح، وأشار إلى حلقومه، وبعد ذلك لام أبو لبابة نفسه وقال: والله ما جالت قدماي حتى تيقنت أني خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن انظروا إلى الإيمان، ويقين الإيمان، وترجيح أمر الآخرة على أمر الدنيا، والنظر إلى أن افتضاح الإنسان في الدنيا أمر هين بالنسبة لافتضاحه في الآخره. ذهب إلى سارية المسجد - أي عمود في وسط المسجد - على مرأى ومشهد من الناس، وحكم على نفسه بأن يربط نفسه بالسارية بيده، وظل لا يَطْعَم ولا يَشْرَب سبعة أيام، حتى خارت قواه وغشي عليه وسقط، فعطف الله عليه، وأبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قد تاب عليه. فقالوا له: حل نفسك بنفسك لأنك أنت الذي ربطت نفسك، فقال: والله لا أحلها حتى يحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحله من السارية. لماذا فعل أبو لبابة ذلك بنفسه؟ لأنه شعر بأنه خان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه قال لليهود إنه الذبح. وهناك صحابي آخر هو حاطب بن أبي بلتعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع أمره لفتح مكة وأراد أن يستر مقدمه حتى تفاجأ قريش. وتكون المفاجأة سبباً في عدم تولد اللدد وليتم الصلح. لذلك كتم الأمر، وبعد ذلك جلس رسول الله بين صحابته وأعلمه الله أن حاطبا قد أرسل إلى قريش يخبرها. فانتدب عليّاً ومعه صحابيان وأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى مكان حدَّده لهم في الطريق إلى مكة ليجدوا فتاةً معها كتاب إلى قريش، فلما ذهبوا إلى المكان المحدد وجدوا الفتاة، فقال لها الإمام عليّ: أخرجي ما معك، فقالت: ليس معي شيء. فمسك عليّ بن أبي طالب عقيصتها وأخرج الكتاب من المكان الذي تخبىء فيه أشياءها، فوجد رسالة تحذير لقريش، وعاد عليّ - كرّم الله وجهه - بالرسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم حاطبا: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن ذلك لا يضرك في شيء، وأن الله ناصرك.. ناصرك، ولكني أردت أن أتخذ لي يداً عند قريش، لأنني رجل ضعيف ولا مال لي ولا أهل. فعفا عنه رسول الله صلى الله وسلم رغم أن هذا نوع من اختيان الرسول. ولكنْ عليك أن تعلم أن كل مخالفة لحكم قبلته من الله الذي آمنت به يعتبر خيانة للأمانة. {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. أي لا تخونوا الله والرسول في المنهج ولا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وأنتم تعلمون، أي ألا يخون أحدكم قومه عن عمد، ويؤخذ من هذا القول ثبوت المغفرة في حالة الخطأ والنسيان، والممنوع أن تخون وأنت تعلم وتقصد، لكن إن حدث أمر بسبب فلتة لسان، فاعلم أن ربنا سبحانه وتعالى غفور رحيم، وله فضل عظيم، لا يأخذك بالسهو، وأنتم تعلمون بالفطرة أن مثل هذا الفعل رذيلة لا يقبل عليها إنسان كريم، ولو لم يكن متديناً، وعليك أن تقيس الأمر بمقياس واضح هو: أتحب أن يفعل أحد معك نفس ما تفعله مع غيرك؟. وهذا سؤال تكون إجابته دليل الفطرة. فإن عرفت أن الفطرة ترفض الفعل ولا تقبله، فعليك ألا تفعله، لأنه مناف لهذه الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وعلى سبيل المثال: إن اللص لو تخيل نفسه مسروقاً لما رضي أن يسرق، والمعتدي على العرض، لو تخيل أن هناك من يعتدي على عرضه لما اقترف الاعتداء على عرض الغير بهدف تحقيق شهوة في النفس. وما لا ترضاه لنفسك يجب عليك ألا ترضاه لغيرك. أتحب أن يخونك أحد في حديث أو في أمانة؟ لا؛ لذلك عليك أن تقيس كل أمر لا من الطرف الآخر، بل من طرفك أنت. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي متعمدون، غير ناسين أو ساهين، أو جاء الأمر كفلتة لسان؛ لأنكم إذا كنتم تعلمون، ففي ارتكاب هذه الأفعال خيانة والله ينهي عن ذلك فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. ونلحظ أن الخطاب هنا لجماعة المؤمنين، وجاءت الأمانات أيضاً جماعة، وأنت حين تُفصِّل الأمانات المجموعة على القوم المخاطبين بذلك، تعلم أنَّ على كل إنسان تكليفاً محدوداً هو ألا يخون أمانته مثلما يقول الأستاذ للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم. فعذا أمر لجماعة التلاميذ بأن يخرج كل واحد قلمه. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه على وجه العظة والتذكير تعليماً للمؤمنين، منادياً لهم؛ ليقبلوا بما أمروا ونهوا: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم: أن {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ} في امتثال أوامره واجتناب نواهيه {وَٱلرَّسُولَ} في سنته وأخلاقه وآدابه التي وضعها فيما بينكم؛ لإصلاح حالكم {وَ} بالجملة: {تَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} التي ائتمنتم فيها اعتماداً وثقةً {وَ} الحال أنه {أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] قبح الخيانة من أنفسكم بلا احتياج إلى إنذار منذر، وإخبار مخبر، والخيانة في الأمانات إنما تنشأ من جلب المنفعة والحرص المفرط، وتكثير الميل إلى المال الصالح للعيال. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} اختيار وابتلاء لكم من ربكم يجربكم هل تضطربون في أمر المال والعيال، وتوقعون لأجلها في المهالك وإباحة المحرمات، وارتكاب الخيانات المسقطة للمروءات مطلقاً؟ أم تفوضون الأمور كلها إلى الله وترضون بما قضى عليكم، وقدر لكم في سابق علمه ولوح قضائه؟ {وَ} اعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع لجميع حالاتكم {عِندَهُ} وفي كنف حفظه وجواره {أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] للمفوضين الذين رضوا بقسمة الله في جميع حالاتهم، ووفوا بما ائتمنوا من الأمانات مجتنبين عن الخيانة فيها. {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} وتحذروا عن محارمة ومحضوراته مطلقاً، وتؤدوا الأمانات التي ائتمنتم بها من الأموال والشهادات بلا خيانة فيها، وتفوضوا أموركم كلها إليه مجتنبين {يَجْعَل لَّكُمْ} وينزل على قلوبكم تفضلاً وامتناناً {فُرْقَاناً} ينور به قلوبكم إلى حيث تميِّزون الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، والإلهام الإلهي من إغواء الشيطان وتقريره {وَيُكَفِّرْ} به ويمحو به {عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: جرائمكم اللاتي مضت عليكم بالمرة {وَ} بالجملة: {يَغْفِرْ لَكُمْ} ويستر عنكم ذنوبكم مطلقاً؛ تفضلاً وامتناناً {وَ} لا تتعجبوا من أفضاله هذا، ولا تستبعدوا منه سبحانه أمثاله، إن {ٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] واللطف الجسيم على من توكل عليه، والتجأ نحوه في جميع حالات على وجه الخضوع والخشوع. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل إنجاءنا وخلاصنا إياك وقت {إِذْ يَمْكُرُ} ويخدع {بِكَ} إهلاكك ومقتك {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني: قريشاً شاوروا لأمرك في دار الندوة {لِيُثْبِتُوكَ} ويحبسوك في دار ليس فيها منفذ ولا كوة يلقون منها طعامكم أحياناً {أَوْ يَقْتُلُوكَ} مزدحمين؛ بحيث لم ينسب قتلك إلى معين منهم {أَوْ يُخْرِجُوكَ} من مكة محمولاً على عجل؛ ليقتلك القطاع {وَ} بالجملة: {يَمْكُرُونَ} أولئك الكفرة العصاة الطغاة لمقتك {وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} الرقيب عليك؛ لإنجائك وخلاصك من أيديهم قغلب مكره سبحانه على مكره، وأخرجك من بينهم سالماً {وَٱللَّهُ} المطلع لجميع محايلهم {خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] أي: أشدهم وأقواهم تأثيراً وقوةً. وذلك أنهم حين سمعوا إيمان الأنصار تشاوروا على أظهرهم في أمره صلى الله عليه وسلم، وارتفاع شأنه، وسطوع برهانه فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وقال: أنا من نجد، سمعت اجتماعكم فأحضركم؛ لأعلم كيف تدبرون في أمر هذا الشخص الذي لو بقي زماناً على هذا يُخاف عليكم من شرءه؟. فقال أبو البحتري: رأيي أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه غير كوةٍ يلقون إليه طعامه وشرابه حتى يموت، فقال الشيخ النجدي: بئس هذا الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه يخلصونه من أيديكم، فقال هشام بن عمرو: رأيي أن يحملوه على جمل فيخرجوه من أرضكم، ولا يلحقكم ضرر بني هاشم، فقال الشيخ: يفسد قوماً آخر ويقاتلكم بهم أما رأيتم طلاقة لسانه وحلاوة كلامه، ووجاهة منظره؟. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً، فيضربون دفعة واحدة فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حروب قريش كلهم، فإن طلبوا العقل عقلناه، فقال الشي: صدق هذا التفى، واتفقوا على رأيه. فأتى جبريل النبي - عليهما السلام - وأخبره الخبر وأمره بالهجرة فبيَّت صلى الله عليه وسلم علياً - كرم الله وجهه - على مضجعه متسجياً ببرده، وخرج صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه ومضيا إلى الغار وبات المشركون يحرسون علياً - كرم الله وجهه - يحسبون النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أصبحوا ساروا ليقتلوه قرأوا عليّاً، فقالوا: أين صاحبكم؟ فقال: ما أدري فاتبعوا أثره، فلمَّا بلغوا الغار رأوا نسج العنكبوت على بابه، فقالوا: لو دخله ليم يبق لنسج العنكبوت أثر، فمكث فيه صلى الله عليه وسلم ثلاثة ثمَّ خرج نحو المدينة.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الأنفال: 27] أي: أيها الأرواح والقلوب المنورة بنور الإيمان المستعدة بسعادة العرفان. {لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ} [الأنفال: 27] فيما أتاكم من المواهب فتجعلوها سبيكة الدنيا واصصياد أهلها، {وَٱلرَّسُولَ} [الأنفال: 27] فخيانة الرسول ترك السنة وقيام البدعة، {وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال: 27] والأمانة: هي محبة الله تعالى، وخيانتها بتبديلها بمحبة المخلوقات، يشير إلا أن أرباب القلوب وأصحاب السلوك إذا بلغوا إلى أعلى مراتب المقامات والقربات ثم التفتوا إلى شيء من الدنيا وزينتها، وخانوا الله بنوع من التصنيع، وخانوا الرسول بالتبدع وترك التتبع، وتتعدى الخيانة وآفاتها إلى الأمانة التي هي المحبة، فتسلب عنهم بالتدريج فيكون ركونهم إلى الدنيا وسكونهم إلى جمع المال حرصاً على الأولاد، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] أنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ} [الأنفال: 28] تعرضون على الله لها، {فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28] لها فتنة يحيركم الله بها لكي يميز الموافق من المنافق والصديق من الزنديق، فيمن يعرض عن الدنيا وما فيها صدقاً في طلب المولى، {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] فمن ترك ما عنده في طلب ما عند الله يجده عنده وعنده أجر عظيم، والعظيم هو الله على تحقيقه فيجد الله تبارك وتعالى. ثم أكد الكلام بقوله تعالى: {يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الأنفال: 29] أي: يا من آمن بهذه المقامات والكرامات وإن تتقوا بالله من غير الله، {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29] يفيض عليكم من يحال نواله فيضاً من أنوار جماله القديم، فيفرق به بين الحدوث والقدم وهذا أمر عظيم لا تحتمله العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال، {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [الأنفال: 29] سيئات وجودكم الفاني، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [الأنفال: 29] أي: يستركم بأنوار جماله وجلاله، {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] لمن يجاوز عما عنده راغباً فيه عند الله، والفضل العظيم هو البقاء بعد الفناء. ثم أخبر عن حال الماكرين الممكورين بقوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 30] إلى قوله: {أية : فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}تفسير : [الأنفال: 35] الإشارة فيها: أن للمخلوق مكرين: مكر بخلق الحيلة والعجز، ومكر الخالق من القدرة والحكمة، فمكر الخلق مع مكر الخالق باطل زاهق؛ لأن مكر الخالق حق ثابت، كما قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] لأن مكره بالخير لمحمد صلى الله عليه وسلم ودفع الشر عنه ومكر الكفار بالشر له؛ وأيضاً لأن مكره مع أهل المكر والخذلان ومكرهم مع أهل الحق العرفان؛ وأيضاً لأن مكره لإصلاح حال أهل الصلاح وإفساد حال أهل الفساد، ومكرهم لإفساد حال الصلاح وإصلاح حال أهل الفساد، وذلك الإصلاح يؤدي إلى فساد حال الماكرين وحال من يريدون به الصلاح لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يؤدوا ما ائتمنهم اللّه عليه من أوامره ونواهيه، فإن الأمانة قد عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولافمن أدى الأمانة استحق من اللّه الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائنا للّه وللرسول ولأمانته، منقصا لنفسه بكونه اتصفت نفسه بأخس الصفات، وأقبح الشيات، وهي الخيانة مفوتا لها أكمل الصفات وأتمها، وهي الأمانة. ولما كان العبد ممتحنا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبة ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر اللّه تعالى أن الأموال والأولاد فتنة يبتلي اللّه بهما عباده، وأنها عارية ستؤدى لمن أعطاها، وترد لمن استودعها { وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }. فإن كان لكم عقل ورَأْيٌ، فآثروا فضله العظيم على لذة صغيرة فانية مضمحلة، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤثر أولاها بالإيثار، وأحقها بالتقديم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):