٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قُريظة: وهو الذي حمله على ملاينتهم؛ فهذا إشارة إلى ذلك. {فِتْنَةٌ} أي ٱختبار؛ ٱمتحنهم بها. {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فآثِروا حقّه على حقكم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } لكم صادّة عن أمور الآخرة {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } فلا تُفَوِّتوه بمراعاة الأموال والأولاد والخيانة لأجلهم.
الخازن
تفسير : وقوله عز وجل {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}. قيل: هذا مما نزل في أبي لبابة وذلك لأن أمواله وأولاده كانت في بني قريظة فلذلك قال ما قال خوفاً عليهم. وقيل: إنه عام في جميع الناس وذلك أنه لما كان الإقدام على الخيانة في الأمانة هو حب المال والولد نبَّه الله سبحانه وتعالى بقوله: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة على أنه يجب على العاقل أن يحذر من المضار المتولدة من حب المال والولد، لأن ذلك يشغل القلب ويصيره محجوباً عن خدمة المولى وهذا من أعظم الفتن وروى البغوي بسنده عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم "أتى بصبي فقبله، وقال: أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله"تفسير : أخرج الترمذي عن عمر بن عبد العزيز قال زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم قال:"حديث : خرج ذات يوم وهو محتضن أحد ابني ابنته وهو يقول إنكم لتبخلون وتجبنون وتجهلون وإنكم لمن ريحان الله " تفسير : قال الترمذي: لا نعرف لعمر بن عبد العزيز سماعاً عن خولة. قوله، لمن ريحان الله: أي لمن رزق الله والريحان في اللغة الرزق. وقوله تعالى: {وأن الله عنده أجر عظيم} يعني لمن أدى الأمانة ولم يخن وفيه تنبيه على أن سعادة الآخرة وهو ثواب الله أفضل من سعادة الدنيا وهو المال والولد. وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله} يعني بطاعته وترك معاصيه {يجعل لكم فرقاناً} يعني يجعل لكم نوراً وتوفيقاً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل والفرقان أصله الفرق بين الشيئين لكنه أبلغ من أصله لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل والحجة والشبهة. قال مجاهد: يجعل لكم مخرجاً في الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: مخرجاً في الدين من الشبهات وقال عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون وقال محمد بن إسحاق: فصلاً بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفئ باطل من خالفكم وقيل يفرق بينكم وبين الكفار بأن يظهر دينكم ويعليه ويبطل الكفر ويوهنه {ويكفر عنكم سيئاتكم} يعني ويمح عنكم ما سلف من ذنوبكم {ويغفر لكم} يعني ويستر عليكم بأن لا يفضحكم في الدنيا ولا في الآخرة {والله ذو الفضل العظيم} لأنه هو الذي يفعل ذلك بكم فله الفضل العظيم وعلى غيركم من خلقه ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به قيل إنه يتفضل على الطائعين بقبول الطاعات ويتفضل على العاصين بغفران السيئات وقيل: معناه أن بيده الفضل العظيم فلا يطلب من عند غيره. قوله سبحانه وتعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} لما ذكر الله المؤمنين نعمه عليهم بقوله تعالى: واذكروا إذ أنتم قليل ذكر نبيه صلى الله عليه وسلم نعمه عليه فيما جرى عليه بمكة من قومه لأن هذه السورة مدنية وهذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة والمعنى واذكر يا محمد إذ يمكر بك الذين كفروا وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير قالوا جميعاً إن قريشاً فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر فاجتمع نفر من كبار قريش في دار الندوة ليتشاورا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رؤوسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأبو سفيان وطعيمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأمية بن خلف، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً. فقالوا: ادخل. فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتحبسوه في بيت مقيداً وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون منها طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من قبله من الشعراء فصرخ عدو الله إبليس وهو الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم لئن حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم فقالوا صدق الشيخ النجدي. فقام هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، فقال: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه. فقال إبليس اللعين: ما هذا لكم برأي تعتمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وطلاقة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه والله لئن فعلتم ذلك يذهب ويستميل قلوب قوم آخرين ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم فقالوا: صدق الشيخ النجدي. حديث : فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شاباً نسيباً وسطاً فتياً ثم نعطي كل فتى سيفاً صارماً ثم يضربوه جميعاً ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها وأنهم إذا أرادوا ذلك. قالوا: العقل فتؤدي قريش ديته فقال إبليس اللعين: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأياً. والقول ما قال لا أرى غيره فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجتمعون عليه فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأذن الله عز وجل له عند ذلك بالخروج إلى المدينة "فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يبيت في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه" ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ قبضه من تراب وأخذ الله عز وجل أبصارهم عنه فخرج وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: {إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً} إلى قوله، فهم لا يبصرونتفسير : . ومضى إلى الغار من ثور وهو أبو بكر وخلف علياً بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته. قالوا: وبات المشركون يحرسون علياً وهو على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا، ساروا إليه ليقتلوه فرأوه علياً فقالوا له: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتفوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخله لم يكن لنسج العنكبوت على بابه أثر فمكث في الغار ثلاثاً ثم خرج إلى المدينة فذلك قوله سبحانه وتعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} وأصل المكر احتيال في خفية {ليثبتوك} أي ليحبسوك ويوثقوك لأن كل من شد شيئاً وأوثقه فقد أثبته لأنه لا يقدر على الحركة {أو يقتلوك} يعني كما أشار عليهم أبو جهل {أو يخرجوك} يعني من مكة {ويمكرون} يعني ويحتالون ويدبرون في أمرك {ويمكر الله} يعني ويجازيهم الله جزاء مكرهم فسمى الجزاء مكر، لأنه في مقابلته. وقيل: معناه ويعاملهم الله معاملة مكرهم. والمكر: هو التدبير وهو من الله تعالى التدبير بالحق. والمعنى: أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى أظهره وقواه ونصره فضاع فعلهم وتدبيرهم وظهر فعل الله وتدبيره {والله خير الماكرين} فإن قلت كيف قال الله سبحانه وتعالى والله خير الماكرين ولا خير في مكرهم. قلت: يحتمل أن يكون المراد والله أقوى الماكرين فوضع خبر موضع أقوى وفيه تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله.وقيل: يحتمل أن يكون المراد أن مكرهم فيه خير بزعمهم فقال سبحانه وتعالى في مقابلته: والله خير الماكرين. وقيل: ليس المراد التفضيل بل إن فعل الله خير مطلقاً.
البقاعي
تفسير : ولما كان سبب الخيانة غالباً محبة المال أو الولد، وكان سبب التقاول المسبب عنه إنزال هذه السورة - كما سلف بيانه أولها - الأموال من الأنفال، وكان من أعظم الخيانة في الأنفال الغلول، وكان الحامل على الغلول المحنة بحب جمع المال إما استلذاذاً به أو لإنفاقه على محبوب، وكان الولد أعز محبوب؛ حسن كل الحسن إيلاء ذلك قوله: {واعلموا} وهي كلمة ينبه بها السامع على أن ما بعدها مهم جداً {أنما أموالكم} قلّت أو جلّت هانت أو عزّت {وأولادكم} كذلك {فتنة} أي سببها، يفعل الله بها فعل المختبر لينكشف للعباد من يغتر بالعاجل الفاني ممن تسمو نفسه عن ذلك، فلا يحملنكم ذلك على مخالفة أمر الله فتهلكوا {وأن الله} أي المحيط بكل كمال {عنده أجر عظيم*} عاجلاً وآجلاً لمن وقف عند حدوده، فيحفظ له ماله ويثمر أولاده ويبارك له فيهم مع ما يدخر له في دار السعادة، وعنده عذاب أليم لمن ضيعها، فأقبلوا بجميع هممكم إليه تسعدوا، وزاد وضعها هنا حسناً سبب نزول التي قبلها من قصة أبي لبابة رضي الله عنه الحامل عليها ماله وولده، وكانت قصته في قريظة سنة خمس وغزوة بدر في السنة الثانية. ولما ذكرهم ما كانوا عليه قبل الهجرة من الضعف، وامتنَّ عليهم بما أعزهم به، وختم هذه بالتحذير من الأموال والأولاد الموقعة في الردى، وبتعظيم ما عنده الحامل على الرجاء، تلاها بالأمر بالتقوى الناهية عن الهوى بالإشارة إلى الخوف من سطواته إشارة إلى أنه يجب الجمع بينهما، وبين تعالى أنه يتسبب عنه الأمن من غيره في الأولى والنجاة من عذابه في الأخرى فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} تكريراً لهذا الوصف تذكيراً بما يلزم بادعائه {إن تتقوا الله} بإصلاح ذات بينكم، وذلك جامع لأمر الدين كله {يجعل لكم فرقاناً} أي نصراً، لأن مادة "فرق" ترجع إلى الفصل، فكأن الشيء إذا كان متصلاً كان كل جزء منه مقهوراً على ملازمة صاحبه، فإذا جعل له قوة الفرق قدر على الاتصال والانفصال، فحقيقته: يجعل لكم عزاً تصيرون به بحيث تفترقون ممن أردتم متى أردتم وتتصلون بمن أردتم متى أردتم لما عندكم من عزة الممانعة، وتفرقون بين من أردتم متى أردتم لما لديكم من قوة المدافعة، أي يجعل لكم ما يصير لكم به قوة التصرف فيما تريدون من الفصل والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إلى قولهم عند التنازع، لا كما كنتم في مكة، لا تأمنون في المقام ولا تقدرون على الكلام - فضلاً عن الخصام - إلا على تهيب شديد، ومع ذلك فلا يؤثر كلامكم أثراً يسمى به فارقاً، والفاروق من الناس الذي يفرق بين الأمور ويفصلها، وبه سمي عمر رضي الله عنه لأنه أظهر الإسلام بمكة إظهاراً فيه عز وقوة، جعل فيه الإيمان مفارقاً للكفر لا يخافه، وفرق - بالكسر بمعنى خاف - يرجع إلى ما دارت عليه المادة، فإن المراد به: تفرقت همومه من اتساع الخوف، والفرق الذي هو المكيال الكبير كأنه هو الفارق بين الغني والفقير، قال الهروي: هو اثنا عشر مداً: وأفرق من علته - إذا برىء، أي صارت له حالة فرقت بين صحته ومرضه الذي كان به، ومنه الفريقة وهي تمر وحلبة يطبخ للنفساء؛ وقرفت الشيء - بتقديم القاف: قشرته، والقرف: الخلط، كأنه من الإزالة، لأنهم قالوا: إن "فعل" يدخل في كل باب، ومنه: قرف الشيء واقترافه: اكتسبه، والاقتراف بمعنى الجماع، ويمكن أن يرجع إلى الوعاء لأن القرف الوعاء، لأنه يفصل مظروفه عن غيره، وفلان قرفتي، أي موضع ظني منه كأنه صار وعاء لذلك، وفرس مقرف، أي بيّن القرفة، أي هجين لأنه واضح التميز من العربي، وقرف بسوء: رمى به، أي جعل وعاء له أو فرق همومه؛ والقفر - بتقديم القاف: المكان الخالي لانفصاله من الناس، وأقفر المكان: خلا، وأقفر الرجل من أهله: انفرد عنهم، وقفر الطعام: خلا من الأدم، ورجل قفر الرأس: لا شعر عليه لانفصاله عنه، وقفر الجسد: لا لحم عليه، والقفار: الطعام لا أدم له، واقتفرت الأثر: اتبعته لتفصله من غيره؛ والفقرة - بتقديم الفاء - والفقار: ما تنضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب لتميز كل واحدة عن أختها، وفقرت الأرض فقراً: حفرتها حفراً، فصارت كل واحدة منفصلة من الأخرى، والفاقرة: الداهية الكاسرة للفقار، ومنه الفقر والافتقار للحاجة، وأفقرني دابته: أعارني ظهرها، وراميته من أدنى فقرة: من أدنى معلم لأن المعالم منفصل بعضها عن بعض، والتقفر في رجل الدابة بياض لانفصاله عن بقية لونها، ورفقت بالأمر: لطفت به، ولا يكون ذلك إلا بفصله عما يضره، ومنه الرفيق للصاحب من الرفقة، والمرفق من ذلك لما يحصل به من اللطف. ولما كان الإنسان محل النقصان فلا يخلو من زلة أو هفوة، أشار إلى ذلك بقوله: {ويكفِّر عنكم سيئاتكم} أي يسترها ما دمتم على التقوى {ويغفر لكم} أي يمحو ما كان منكم غير صالح عيناً وأثراً، وفيه تنبيه لهم على أن السادات على خطر عظيم لأنهم مأمورون بالمساواة بين الناس، والنفس مجبولة على ترجيح من لاءمها على من نافرها، وإشارة إلى أن الحكم بالعدل في أعلى الدرجات لا يتسنمه إلا الفرد النادر،وقوله: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال {ذو الفضل العظيم*} مرّج للزيادة على الكفارة والمغفرة من فضله، ومعلم بأنه لا يمتنع عليه شيء، فمن الممكن أن يلزم كلاً منهم طريق العدل وإن كانت من خرق العادة في أعلى محل، وفي الآية أعظم مناسبة لقصة أبي لبابة رضي الله عنه لأنه لما كان الحامل له على ما فعل بنفسه من العقوبة التقوى، فكفرت عنه خطيئته وغفر له، عقبت بها ترغيباً لغيره في الإسراع بالتوبة عند مواقعة الهفوة، وختم هذه الآية بالفضل على ما كان من نقص، إشارة إلى تفضله سبحانه بما رزق أهل الإسلام من علو المنزلة وانتشار الهيبة وفخامة الأمر في قلوب المخالفين كما هو مشاهد، وختم الآية المحذرة من المداهنة بشديد العقاب، إشارة إلى ما ألبسهم من الأحوال المذكورة في التي تليها من قلة منعتهم واستضعافهم وخوفهم من تخطف المخالفين لهم، ولكنه تعالى رحمهم بأن جعل ذلك من بعضهم ممن يشمله اسم الإسلام لبعض، لا من غيرهم فلبسهم شيعاً وأذاق بعضهم بأس بعض، فكل خائف من الآخر، وصار المتقي من كثرة المخالف لا يزال من المعاطب والمتالف خائفاً يترقب، ومباعداً لا يقرب، على أنهم لا يعدمون أنصاراً يؤيدهم الله بهم، ولا يزال أهل الظلم يختلفون فيما بينهم فيرجع الفريقان إليهم ويعولون عليهم، فمن نصروه فهو المنصور، فكلامهم عند المضايق هو الفرقان، ولهم في قلوب الظالمين هيبة وإن نزلت بهم الحال أكثر مما للظلمة في قلوبهم من الهيبة ليتيقن الكل أنهم على الحق الذي الله ناصره، وأن أهل الشر على الباطل الذي الله خاذله، قال الحسن البصري رحمه الله في حق العالين في الأرض: أما والله! إن للمعصية في قلوبهم لذلاً وإن طفطف بهم اللحم، فقد انقسم الخوف بينهم نصفين وشتان ما بين الحزبين، فخوفهم يزيدهم الله به أجراً ويجعله لهم ذخراً، وخوف أهل الباطل يزيدهم به وزوراً ويجعله لدينه أزراً، فهذه حقيقة الحال في وصف أهل الحق والمحال. ولما وعد سبحانه بهذا الفضل العظيم والنبأ الجسيم، ذكرهم من أحوال داعيهم وقائدهم وهاديهم عليه الصلاة والسلام والتحية والإكرام بما يدعوهم إلى ملازمة أسبابه في سياق المخاطبة له صلى الله عليه وسلم تذكيراً بنعمته وإشارة إلى دوام نصرته فقال تعالى عاطفاً على {إذ أنتم} {وإذ يمكر بك} أي يدبر في أذاك على وجه الستر {الذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف، وفيهم من لم يكن راسخ القدم فيه؛ ثم بيَّن غاية مكرهم فقال: {ليثبتوك} أي ليمنعوك من التصرف بالحبس في بيت يسدون عليك بابه - كما هو واضح من قصة مشاورتهم في دار الندوة في أمره صلى الله عليه وسلم في السير، ومن قرأها بالموحدة ثم التحتانية من البيات الذي معناه إهلاك العدو ليلاً، فعطفُ {أو يقتلوك} عنده بمعنى القتل نهاراً جهاراً، وكأنه عد البيات للاستخفاء به عدماً بالنسبة غلى المجاهرة {أو يخرجوك} أي من مكة {ويمكرون} أي والحال أنهم يمكرون بإخفاء ما يريدون بك من ذلك وغيره من الكيد {ويمكر الله} أي يفعل المحيط بكل شيء قدرة وعلماً في أمرهم فعل من يمكر بإخفاء ما يقابلهم به {والله خير الماكرين*} لأنه لا يمكن أحداً علم ما يريد إخفاءه لأنه الملك الأعلى المحيط بالجلال والجمال، فالنافذ إنما هو مكرُه، والعالي إنما هو نصره، فكأنه تعالى يقول: انظروا إلى مصداق ما وعدتكم به في أحوال نبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان وحده وجميع الناس يخالفونه فثبت على أداء الرسالة إليهم وإبلاغ النصيحة لهم على ما يصله منهم من الأذى ولا يزيده أذاهم له إلا اجتهاداً في أداء ما ينفعهم إليهم.
ابو السعود
تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنها سببُ الوقوعِ في الإثم والعقاب أو محنةٌ من الله عز وجل ليبلُوَكم في ذلك فلا يحمِلَنّكم حبُّهما على الخيانة كأبـي لُبابة {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن آثرَ رضاه تعالى عليهما وراعىٰ حدودَه فيهما فنيطوا هِممَكم بما يؤديكم إليه.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تكريرُ الخطابِ والوصفِ بالإيمان لإظهار كمالِ العنايةِ بما بعده والإيذانِ بأنه مما يقتضي الإيمان يقتضي الإيمانُ مراعاتَه والمحافظةَ عليه كما في الخطابـين السابقين {إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في كل ما تأتون وما تذرون {يَجْعَل لَّكُمْ} بسبب ذلك {فُرْقَانًا} هدايةً في قلوبكم تفرِّقون بها بـين الحقِّ والباطل أو نصراً يفرّق بـين المُحِقِ والمُبطل بإعزاز المؤمنين وإذلالِ الكافرين، أو مخرجاً من الشبهات أو نجاةً عما تحذرون في الدارين أو ظهوراً يشهَرُ أمرَكم وينشرُ صِيتَكم، من قولهم بتّ أفعلُ كذا حتى سطَع الفُرقانُ أي الصبح {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} أي يسترها {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبَكم بالعفو والتجاوزِ عنها، وقيل: السيئاتُ الصغائرُ والذنوبُ الكبائرُ، وقيل: المرادُ ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرها الله تعالى لهم وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تعليلٌ لما قبله وتنبـيهٌ على أن ما وعده الله تعالى لهم على التقوى تفضّلٌ منه وإحسانٌ لا أنه مما يوجبه التقوى كما إذا وعد السيدُ عبدَه إنعاماً على عمل. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} منصوبٌ على المفعولية بمضمر خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم معطوفٍ على قوله تعالى: وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ الخ مسوقٌ لتذكير النعمةِ العامةِ للكل، أي واذكر وقتَ مكِرهم بك {لِيُثْبِتُوكَ} بالوَثاق، ويعضُده قراءةُ من قرأ: ليقيدوك، أو الإثخانِ بالجرح، من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حَراك به ولا بَراح، وقرىء ليثبّتوك بالتشديد وليبّـيتوك من البـيات. {أَوْ يَقْتُلُوكَ} أي بسيوفهم {أَوْ يُخْرِجُوكَ} أي من مكة (وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصارِ ومبايعتِهم له عليه الصلاة والسلام فرِقوا واجتمعوا في دار الندوة يتشاورون في أمره صلى الله عليه وسلم فدخل إبليسُ عليهم في صورة شيخٍ وقال: أنا من نجد سمعتُ باجتماعكم فأردت أن أحضُركم ولن تعدَموا مني رأياً ونُصحاً فقال أبو البَحْتري: رأيـي أن تحبِسوه في بـيت وتسدّوا منافذه غيرَ كوّةٍ تلقون إليه طعامَه وشرابَه منها حتى يموت فقال الشيخ: بئسُ الرأيُ يأتيكم من يقاتلُكم من قومه ويخلِّصه من أيديكم فقال هشامُ بنُ عمْرو: رأيـي أن تحمِلوه على جمل وتُخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع فقال: وبئس الرأي يُفِسدُ قوماً غيرَكم ويقاتلكم بهم فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخُذوا من كل بطنٍ غلاماً وتعطوه سيفاً فيضرِبوه ضربةً واحدة فيتفرقَ دمُه في القبائل فلا يقوىٰ بنو هاشم على حرب قريشٍ كلِّهم فإذا طلبوا العقلَ عقَلْناه فقال: صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه فأتى جبريلُ النبـي عليهما الصلاة والسلام وأخبره بالخبر وأمره بالهجرة فبـيّت عليّاً رضي الله تعالى عنه على مضجعه وخرج هو مع أبـي بكر رضي الله عنه إلى الغار) {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} أي يرد مكرَهم عليهم أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملةَ الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حمَلوا عليهم فلقُوا منهم ما لقُوا {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} لا يُعبأ بمكرهم عند مكرِه، وإسنادُ أمثالِ هذا إليه سبحانه مما يحسن للمشاكلة، ولا مساغَ له ابتداءً لما فيه من إيهام ما لا يليق به سبحانه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الآية: 28]. قال بعضهم: أموالكم فتنة إن جمعتم وأمسكتم، ونعمة إن أنفقتم وبذلتم فى وجوه الخيرات. قال بعضهم: المال فتنة لمن طلب به الفتنة. نعمة لمن كان خازنًا لله فيه يأخذه بأمره. ويخرجه بأمره إلى أربابه. وقال أبو الحسين الوراق: ما اعتمدت سوى الله فى الدنيا والآخرة فهو فتنة، حتى تعرض عن الجميع وتقبل على مولاك وتعتمد عليه.
القشيري
تفسير : أموالكم وأولادكم سبب فتنتكم لأن المرءَ - لأجل جمع ماله ولأجل أولاده - يرتكب ما هو خلاف الأمر، فيورثه فتنة العقوبة. ويقال الفتنةُ الاختبارُ؛ فيختبرك بالأموال.. هل تؤثرها على حقِّ الله؟ وبالأولاد.. هل تتركُ لأجلهم ما فيه رضاء الله؟ فإنْ آثرتم حقَّه على حقِّكم ظهرت به فضيلتُكم، وإنْ اتصفتم بضدِّه عوملتم بما يوجِبه العكس من محبوبكم. ويقال المالُ فتنةٌ إذا كان عن اللهِ يشغلكم، والأولادُ فتنةٌ إذا لأَجْلِهم قَصَّرْتُم في حقِّ الله أو فَرَّطتُم. ويقال المال - ما للكفافِ والعفافِ - نِعْمَةٌ، وما للتقاصِر والتفاخرِ فتنةٌ، وفي الجملة ما يشغلكَ عن اللهِ فهو فتنة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} بين سبحانه ان من اتكل الى المال في معيشة وتولى الى اولاده فى طلب نصرته فقد افتتن فى طريق الله بغير الله قال بعضهم اموالكم فتنة ان جمعتم وامسكتم ونعمة اذا انفقتم وبذلتم فى وجوه الخيرات وقال بعضهم المال فتنة لمن طلب الفتنة ونعمة لمن كان خارجا لله فيه ياخذه بامره ويخرجه بامره الى اربابه وقال ابو الحسين الوراق ما اعتمدت سوى الله من الدنيا والاخرة فهو فتنة حتى تعرض عن الجميع وتقبل على مولاك وتعتمد عليه.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى المكلفين ان يعلموا ويتحققوا ان اموالهم واولادهم فتنة. وإنما يمكنهم معرفة ذلك بالنظر والفكر في الأدلة المؤدية إليه، وهو ما يدعوا إليه الهوى في الاموال والاولاد، وما يصرف عنه فمن تفقد ذلك وتحرز منه نجاه من مضرته. والمراد بالفتنة ها هنا المحنة التي يظهر بها ما في النفس من اتباع الهوى او تجنبه فيخلص حاله للجزاء بالثواب او العقاب بحسب الاستحقاق. والولد حيوان يتكون من حيوان بخلق الله له، فعلى هذا لم يكن آدم ولداً وكان عيسى ولد مريم. والمال هو النصاب الذي تتعلق به الزكاة من ذهب او فضة او ابل او بقر او غنم عند بعض المفسرين. وأصله الكسر من العين والورق. و (العظيم) استحقاق الصفة بالغنى. فالكثير عظيم للاستغناء به عن القليل من جنسه، والقليل لا يستغنى [به] عنه. بين الله تعالى ان الاموال والاولاد في هذه الدنيا محنة وبلاء وان الله تعالى عنده الثواب العظيم على الطاعات وترك المعاصي. وروي عن ابن مسعود انه قال: ليس احد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة لقوله {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} فاسألوا الله تعالى ان يعيذكم منها.
الجنابذي
تفسير : {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} امتحان لكم من الله هل تشغلون بها عن اماناتكم ام تثبتون معها على اماناتكم فمن شغل بها خلص شقاوته ومن ثبت على اماناته استحقّ اجراً عظيماً لخلوص سعادته {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لمن ثبت وخلص عن الفتنة سالماً، او المعنى واعلموا انّما اموالكم واولادكم فتنة وفساد لكم فلا تغترّوا بها وانّ الله عنده اجرٌ عظيمٌ فاطلبوه منه بترك الاشتغال بالاموال والاولاد.
اطفيش
تفسير : {واعْلَموا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادكُم فِتْنةٌ} اختبار، هل تشكرون الله فى المال وتخرجون حقوقه، وتضعونه فى موضعه، ولا تربوا تغشوا، وتشكرونه فى الأولاد، وتنصفون فيهم، ولا يحملكم حبهم على الحيف والجور لأجلهم، ولا على البخل والجبن والجهل، وإهانة الدين، وفى الحديث: "حديث : إن الولد مجبنة مبخلة مجهلة وأنه من ريحان الله" تفسير : أى من رزقه، وحب المال والولد يشغلان القلب و البدن عن طاعة الله، فالعاقل يرغب عنهما. أو معنى كون الأموال والأولاد فتنة أنها سبب الوقوع فى الفتنة وهى الذنب، فيجب المال والولد، قال أبو لبابة ما قال اليهود، وقد قال بعض: إن هذا من تمام ما نزل فيه، وإنما صح الإخبار عن الأموال والأولاد أنها اختبار أو ذنب مبالغة، أو بتقدير مضاف، أى آلة اختبار، أو رزق أموالكم وأولادكم اختبار، أو سبب الذنب أو آلة الذنب، أو اطلق المسبب واللازم وهو الذنب، على الملزوم وهو المال والولد. {وأنَّ الله عِندهُ أجرٌ عَظيمٌ} وهو الجنة لمن أدى الأمانة واتقى الله فى المال والولد، وهما أيضا من جملة الأمانات.
اطفيش
تفسير : {وَاعْلمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنةٌ} يسبب الفتنة كما كانت سبباً لفتنة أَبى لبابة، ولكن الله تاب عليه، وقد قيل: نزل هذا فيه، والفتنة الصرف عن الدين بمعصية الله بالحمية الباطلة على المال والولد ومنع الحقوق لحب لمال والتوفير له للأَولاد، وكسبه من الحرام لهم، أَو الفتنة الاختبار هل تراعون الله فيهما، أَو العقاب، وعليه فتنة مجاز مرسل لعلاقة التسبب وميل النفس إِلى المال أَشد من الميل إِلى الأَولاد ففتنته أَعظم، ولذلك قدم الأَموال، وعن ابن مسعود: ما منكم من أَحد إِلا وفيه فتنة لهذه الآية.. فاستعيذوا بالله من مضللات الفتن {وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فى الآخرة لمن لم يفتنه ماله أَو ولده، وراعى حق الله فيه..
الالوسي
تفسير : {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ} لأنها سبب الوقوع في الإثم والعقاب، أو محنة من الله عز وجل يختبركم بها فلا يحملنكم حبها على الخيانة كأبـي لبابة، ولعل الفتنة في المال أكثر منها في الولد ولذا قدمت الأموال على الأولاد، ولا يخفى ما في الأخبار من المبالغة. وجاء عن ابن مسعود ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله سبحانه يقول: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ} الخ فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله تعالى من مضلات الفتن؛ ومثله عن علي كرم الله تعالى وجهه {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عَذَابٌ عظِيمٌ} لمن مال إليه سبحانه وآثر رضاه عليهما وراعى حدوده فيهما فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه.
الشنقيطي
تفسير : أمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا: أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سبباً للوقوع فيما لا يرضى الله؟ وزاد في مواضع آخر أن الأزواج فتنة أيضاً، كالمال والولد، فأمر الانسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى الله. ثم أمره إن اطلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له، وأخصهم به، وهم الأولاد، والأزواج أن يعفو عنهم. ويصفح ولا يؤاخذهم. فيحذر منهم أولاً، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَٱللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} تفسير : [التغابن: 14-15]. وصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره جل وعلا، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه، وهو قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [المنافقون: 9]، والمراد بالفتنة في الآيات: الاختبار والابتلاء، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالُكُمْ} {وَأَوْلاَدُكُمْ} (28) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَاكُمُ الأمْوَالَ وَالأوْلاَدَ لِيَخْتَبِرَ إِيمَانَكُمْ، وَلِيَرَى هَلْ تَشْكُرُونَ رَبَّكُمْ عَلَيْها، وَتُطِيعُونَهُ فِيها، أمْ تَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْهُ، وَتَعْتَاضُونَ بِهَا مِنْهُ؟ وَثَوابُ اللهِ وَعَطَاؤُهُ وَجَنَّاتُهُ خَيْرٌ مِنَ الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ، فَالأَوْلاَدُ قَدْ يَكُونُ مِنْهُمْ عَدُوٌّ لَكُمْ، وَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ لاَ يُغْنُونَ عَنِ الإِنْسَانِ شَيْئاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَدَى اللهِ الثَّوَابُ الجَزِيلُ الذِي يُغْنِي الإِنْسَانَ عَنِ المَالِ وَالوَلَدِ. فِتْنَةٌ - اخْتِبَارٌ وَابْتِلاءٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإذا بحثنا عن علاقة هذه الآية بالآية السابقة عليها نجد أن العلاقة واضحة؛ لأن خيانة الله، وخيانة الرسول، وخيانة الأمانات إنما يكون لتحقيق شهوة أو نفع في النفس، وعليك أن تقدر أنت على نفسك لأنك قد لا تقدر على غيرك، ومثال ذلك: أنت قد لا تقدر على مطالب أولادك، وقد لا يكفي دخلك لمطالبهم، فهل يعني ذلك أن تأخذ من أمانة استودعها واحد عندك؟ لا. هل يعني ذلك أن تخون في البيع والشراء لتحقيق مصلحة ما؟ لا. هل تخون أمانات الناس من أجل مصالح أولادك أو لتصير غنيّاً؟. لا. وقد جاء الحق هنا بالأمرين، والأولاد وأخبرنا أنهما فتنة، والفتنة - كما علمنا من قبل - لا تذم ولا تمدح إلا بنتيجتها؛ فقد تكون ممدوحة إذا نجحت في الاختبار، وتكون مذمومة حين ترسب في ذلك الاختبار المبين في تلك الآية الكريمة. والمتتبعون لأسرار الأداء القرآني يعرفون أن لكل حرف حكمة، وكل كلمة بحكمة، وكل جملة بحكمة؛ لذلك نجد من يتساءل: لماذا قدم الحق تبارك وتعالى الأموال على الأولاد؟. ونقول: لأن كل واحد له مال ولو لم يكن له إلا ملبسه. وبطبيعة الحال ليس لكل واحد أولاد. ثم إن الأبناء ينشأون من الزواج، ومجيء الزوج، يحتاج إلى المال؛ لذلك كان من المنطق أن يأتي الحق بالأموال أولاً ثم يأتي بذكر الأولاد. وأساليب القرآن الكريم تتناول هذا الموضوع بألوان مختلفة؛ فيقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ} تفسير : [آل عمران: 14]. وفي هذا القول نجد أن القناطير المقنطرة من الذهب والفضة تأخرت هنا عن النساء والبنين. ولم يأت بذكر الأموال أولاً ثم الأولاد كفتنة. وعلينا أن ننتبه أنه سبحانه وتعالى جاء هنا بالقناطير المقنطرة، وهي تأتي بعد تحقيق الشهوة الأولى؛ وهي النساء، والزينة الثانية وهي الأبناء، ونعلم أن من عنده مال يكفيه للزواج والإنجاب قد يطمع في المزيد من المال، فإن كانت الوحدة من القناطير المقنطرة هي القنطار، فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يملك قنطاراً إنما يطمع في الزيادة مثلما يطمع من يملك ألف جنيه في أن يزيد ما يمتلكه ويصل إلى مليون جنيه، وهكذا. إذن فالقناطير المقنطرة تعني الرغبة في المبالغة في الغنى. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 28]. ويقول في آية ثانية: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : [التغابن: 14]. وفي هذا القول نجد أن العداوة تأتي من الأزواج قبل الأولاد، ونعلم أن الزوجة في بعض الأحيان هي التي تكره أولاً ثم يتأثر بكراهيتها ويتشبه بها الأبناء، وهذا كلام منطقي؛ لأن الذي يتكلم هو رب حكيم. {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}. وفي هذا القول تحذير واضح: إياكم أن ترسبوا في هذا الاختبار؛ فمن يجمع المال من حرام لترف أبنائه فهو خائن للأمانة، وهذا له عقاب، ولذلك يذكرنا الحق تبارك وتعالى في آخر هذه الآية بما يحبب إلينا النجاح في الاختبار فيقول سبحانه: {وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}. ونعلم أن النفس البشرية مولعة بحكم تكوينها الفطري من الله بحب النفع لنفسها، ولكن المختلف فيه قيمة هذا النفع؛ وعمر هذا النفع؛ لأن الذي يسرق إنما يريد أن ينفع نفسه بجهد غيره، ومن لا يسرق يريد أيضاً أن ينفع نفسه ليبارك الله له في المال وأن يعطيه الرزق الحلال. وهكذا تكون النفعية وراء كل عمل سواء أكان إيجاباً أم سلباً، والمثال الذي أضربه دائماً لذلك هو الطالب الذي يهمل في دروسه، ويوقظه أهله كل صباح بصعوبة، ثم يخرج من المنزل ليتسكع في الشوارع، والطالب الثاني الذي استيقظ صباحاً وذهب إلى مدرسته وانكب على دروسه، إنَّ كلاً من الطالبين قد أراد نفع نفسه، الفاشل أراد النفع الأحمق، والناجح أراد النفع في المستقبل. ونعرف أن النفع غاية مطلوبة لكل نفس. والمهم هو قيمة النفع، وعمر النفع. فإذا كانت الخيانة ستؤدي لك نفعاً في أولادك أو أموالك؛ فاذكر ما يقابل الأمانة من الأجر عند الله عز وجل، وضع هذه في كفة، وضع تلك في الكفة الأخرى، وانظر أي كفة ترجح، ولا بد أن ترجح كفة الأجر عند الله عز وجل. ولذلك قال المتنبي: شعر : أرى كلنا يبغي الحياةَ لنفسه حريصاً عليها مستهاماً بها صبًا فحُبُّ الجبانِ النفسَ أوْرَده التقى وحُبُّ الشجاعِ النفسَ أوْرَده الحَرْبَا تفسير : فكلنا نحب الحياة؛ الجبان الخائف من الحرب يحب الحياة، والشجاع الذ يحب نفسه ويعلم قيمتها عند خالقها يخوض الحرب رغبة في حياة الاستشهاد، وهي حياة عند الله إلى أن تقوم الساعة، ثم تتلوها حياة الجنة حيث يخلد فيها أبداً. إذن فالمعيار الذي نقيس به النفع هو محل الاختلاف. وفي عرف البشر نجد أن الأجر يساوي قيمة العمل، لكن الأجر عند الله لا يساوي العمل فقط، بل هو عظيم بطلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى: ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):