Verse. 1189 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِنْ تَتَّقُوا اللہَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَانًا وَّيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَـيِّاٰتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيْمِ۝۲۹
Ya ayyuha allatheena amanoo in tattaqoo Allaha yajAAal lakum furqanan wayukaffir AAankum sayyiatikum wayaghfir lakum waAllahu thoo alfadli alAAatheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله» بالإنابة وغيرها «يجعل لكم فرقانا» بينكم وبين ما تخافون فتنجون «ويكفِّر عنكم سيئآتكم ويغفر لكم» ذنوبكم «والله ذو الفضل العظيم».

29

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما حذر عن الفتنة بالأموال والأولاد، رغب في التقوى التي توجب ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إدخال الشرط في الحكم إنما يحسن في حق من كان جاهلاً بعواقب الأمور، وذلك لا يليق بالله تعالى. والجواب: أن قولنا إن كان كذا كان كذا، لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، فأما أن وقوع الشرط مشكوك فيه أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللفظ، سلمنا أنه يفيد هذا الشك إلا أنه تعالى يعامل العباد في الجزاء معاملة الشاك، وعليه يخرج قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [محمد: 31]. المسألة الثانية: هذه القضية الشرطية شرطها شيء واحد وهو تقوى الله تعالى، وذلك يتناول اتقاء الله في جميع الكبائر. وإنما خصصنا هذا بالكبائر لأنه تعالى ذكر في الجزاء تكفير السيئات، والجزاء يجب أن يكون مغايراً للشرط، فحملنا التقوى على تقوى الكبائر وحملنا السيئات على الصغائر ليظهر الفرق بين الشرط والجزاء، وأما الجزاء المرتب على هذا الشرط فأمور ثلاثة: الأول: قوله: {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } والمعنى أنه تعالى يفرق بينكم وبين الكفار. ولما كان اللفظ مطلقاً وجب حمله على جميع الفروق الحاصلة بين المؤمنين وبين الكفار فنقول: هذا الفرقان إما أن يعتبر في أحوال الدنيا أو في أحوال الآخرة. أما في أحوال الدنيا فإما أن يعتبر في أحوال القلوب وهي الأحوال الباطنة أو في الأحوال الظاهرة، أما في أحوال القلوب فأمور: أحدها: أنه تعالى يخص المؤمنين بالهداية والمعرفة. وثانيها: أنه يخص قلوبهم وصدورهم بالانشراح كما قال: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مّن رَّبّهِ } تفسير : [الزمر: 22] وثالثها: أنه يزيل الغل والحقد والحسد عن قلوبهم ويزيل المكر والخداع عن صدورهم، مع أن المنافق والكافر يكون قلبه مملوءاً من هذه الأحوال الخسيسة والأخلاق الذميمة، والسبب في حصول هذه الأمور أن القلب إذا صار مشرقاً بطاعة الله تعالى زالت عنه كل هذه الظلمات لأن معرفة الله نور، وهذه الأخلاق ظلمات، وإذا ظهر النور فلا بد من زوال الظلمة. وأما في الأحوال الظاهرة، فإن الله تعالى يخص المسلمين بالعلو والفتح والنصر والظفر، كما قال: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [المنافقين: 8] وكما قال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ }تفسير : [التوبة: 33] وأمر الفاسق والكافر بالعكس من ذلك. وأما في أحوال الآخرة، فالثواب والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة وكل هذه الأحوال داخلة في الفرقان. والنوع الثاني: من الأجزية المرتبة على التقوى قوله: {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } فنقول: إن حملنا قوله: {إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ } على الاتقاء من الكفر، كان المراد بقوله: {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } جميع السيئات التي وجدت قبل الكفر، وإن حملناه على الاتقاء عن الكبائر، كان المراد من هذا تكفير الصغائر. والنوع الثالث: قوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } واعلم أن المراد من تكفير السيئات سترها في الدنيا ومن المغفرة إزالتها في القيامة لئلا يلزم التكرار. ثم قال: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } ومن كان كذلك فإنه إذا وعد بشيء وفى به، وإنما قلنا: إن أفضال الله أعظم من أفضال غيره لوجوه: الأول: أن كل ما سوى الحق سبحانه فإنه لا يتفضل ولا يحسن إلا إذا حصلت في قلبه داعية الإفضال والإحسان، وتلك الداعية حادثة فلا تحصل إلا بتخليق الله تعالى، وعند هذا ينكشف أن المتفضل ليس إلا الله الذي خلق تلك الداعية الموجبة لذلك الفعل. الثاني: أن كل من تفضل يستفيد به نوعاً من أنواع الكمال إما عوضاً من المال أو عوضاً من المدح والثناء، وإما عوضاً من نوع آخر وهو دفع الألم الحاصل في القلب بسبب الرقة الجنسية والله تعالى يعطي ويتفضل ولا يطلب به شيئاً من الأعواض لأنه كامل لذاته، وما كان حاصلاً للشيء لذاته امتنع أن يستفيده من غيره. الثالث: أن كل من تفضل على الغير فإن المتفضل عليه يصير ممنوناً عليه من ذلك المتفضل، وذلك منفر، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الموجد لذات كل أحد بجميع صفاته، فلا يحصل الاستنكاف من قبول إحسانه. الرابع: أن كل من تفضل على غيره فإنه لا ينتفع المتفضل عليه بذلك التفضل إلا إذا حصلت له عين باصرة وأذن سامعة ومعدة هاضمة. حتى ينتفع بذلك الإحسان، وعند هذا ينكشف أن المتفضل هو الله في الحقيقة فثبت بهذه البراهين صحة قوله: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.

القرطبي

تفسير : قد تقدّم معنى «التقوى». وكان الله عالماً بأنهم يتقون أم لا يتقون. فذكر بلفظ الشرط؛ لأنه خاطب العباد بما يخاطِب بعضهم بعضاً. فإذا ٱتقى العبد ربّه ـ وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه ـ وتركَ الشبهات مخافة الوقوع في المحرّمات، وشحن قلبه بالنية الخالصة، وجوارحه بالأعمال الصالحة، وتحفّظ من شوائب الشرك الخفِيّ والظاهِر بمراعاة غير الله في الأعمال، والركون إلى الدنيا بالعِفة عن المال، جعل له بين الحق والباطل فرقاناً، ورزقه فيما يريد من الخير إمكاناً. قال ابن وهب: سألت مالكاً عن قوله سبحانه وتعالى: {إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} قال: مخرجاً، ثم قرأ {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً}تفسير : [الطلاق: 2]. وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء، وقاله مجاهد قبله. وقال الشاعر:شعر : مَالكَ من طُول الأسَى فُرقان بعد قَطينٍ رَحلوا وبَانُوا تفسير : وقال آخر:شعر : وكيف أرَجِّي الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقانُ تفسير : ابن إسحاق: «فُرْقَاناً» فَصْلاً بين الحق والباطل؛ وقاله ابن زيد. السديّ: نجاة. الفرّاء: فتحا ونصراً. وقيل: في الآخرة، فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس والسدي ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: {فُرْقَانًا}: مخرجاً، زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس: {فُرْقَانًا} نجاة، وفي رواية عنه: نصراً، وقال محمد بن إسحاق {فُرْقَانًا} أي: فصلاً بين الحق والباطل، وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم وهو يستلزم ذلك كله، فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه، وهو محوها، وغفرها: سترها عن الناس، وسبباً لنيل ثواب الله الجزيل؛ كقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [الحديد: 28].

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل في توبته {عَظِيمٌ يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ } بالإِنابة وغيرها {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } بينكم وبين ما تخافون فتنجونِ {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.

الشوكاني

.تفسير : جعل سبحانه التقوى شرطاً في الجعل المذكور، مع سبق علمه بأنهم يتقون أو لا يتقون جرياً على ما يخاطب به الناس بعضهم بعضاً. والتقوى: اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه. والفرقان: ما يفرق به بين الحق والباطل، والمعنى: أنه يجعل لهم من ثبات القلوب، وثقوب البصائر، وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس. وقيل: الفرقان المخرج من الشبهات والنجاة من كل ما يخافونه، ومنه قول الشاعر:شعر : مالك من طول الأسى فرقان بعد قطين رحلوا وبانوا تفسير : ومنه قول الآخر:شعر : وكيف أرجو الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقان تفسير : وقال الفراء: المراد بالفرقان الفتح والنصر. قال ابن إسحاق: الفرقان الفصل بين الحق والباطل، وبمثله قال ابن زيد، وقال السديّ: الفرقان النجاة، ويؤيد تفسير الفرقان بالمخرج والنجاة. قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً }تفسير : [الطلاق: 2] وبه قال مجاهد ومالك بن أنس. {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } أي: يسترها حتى تكون غير ظاهرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ما اقترفتم من الذنوب. وقد قيل إن المراد بالسيئات: الصغائر، وبالذنوب التي تغفر: الكبائر. وقيل المعنى: أنه يغفر لهم ما تقدّم من الذنوب وما تأخر {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } فهو المتفضل على عباده بتكفير السيئات ومغفرة الذنوب. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } قال: هو المخرج. وأخرج ابن جرير عنه، قال: هو: النجاة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: هو النصر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معنى فرقاناً أي هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل، قاله ابن زيد وابن إسحاق. والثاني: يعني مخرجاً في الدنيا والآخرة، قاله مجاهد. والثالث: يعني نجاة، قاله السدي. والرابع: فتحاً ونصراً، قاله الفراء. ويحتمل خامساً: يفرق بينكم وبين الكافر في الآخرة.

ابن عبد السلام

تفسير : {فُرْقَاناً} هداية في القلوب تفرِّقون بها بين الحق والباطل، أو مخرجاً من الدنيا والآخرة، أو نجاة، أو فتحاً ونصراً.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} الآية. لمَّا حذَّر من الفتنة بالأموال، والأولاد، رغَّب في التَّقوى الموجبة لترك الميل، والهوى في محبَّة الأموال والأولاد. فإن قيل: إدخالُ الشَّرط في الحكم إنَّما يحسن في حقِّ من كان جاهلاً بعواقب الأمورِ وذلك لا يليق باللَّهِ تعالى. فالجوابُ: أنَّ قولنا إن كان كذا كان كذا لا يفيدُ إلاَّ كون الشَّرطِ مستلزماً للجواب، فأمَّا أنَّ وقوع الشَّرط مشكوك فيه، أو معلوم فذلك غير مستفاد من هذا اللَّفظ، سلَّمنا أنَّه يفيد هذا الشَّك إلاَّ أنه تعالى يُعامل العباد في الجزاء معاملة الشَّاك، وعليه يخرَّج قوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [محمد: 31]. قال أبو العباس المقرىء: "الفرقان" على أربعة أوجهٍ: الأول: الفرقان النور، كهذه الآية أي: يجعل لكم نوراً في قلوبكم تُفرِّقون به بين الحلال والحرام. والثاني: الحجة. قال تعالى: {أية : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ}تفسير : [البقرة: 53] أي: الحجة. الثالث: القرآنُ. قال تعالى {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ}تفسير : [الفرقان: 1] أي: القرآن. الرابع: يوم بدر قال تعالى {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ}تفسير : [الأنفال: 41] أي: يوم بدر. فصل ومعنى الآية: إن تتَّقُوا الله بطاعته وترك معصيته يجعل لكم فرقاناً. قال مجاهد: "مَخْرَجاً في الدُّنيا والآخرة من الضَّلال" وقال مقاتل: "مَخْرَجاً في الدَِّين من الشُّبهات". وقال عكرمة "نجاة، أي: يفرق بينكم وبين ما تخافون". وقال الضحاك: "بياناً". وقال ابن إسحاق: "فصلاً بين الحق والباطل. يُظهر الله به حقكم ويطفىء باطل من خالفكم" قال مُزرد بن ضرار: [الخفيف] شعر : 2695 - بَادَرَ الأفْق أنْ يَغِيبَ فَلَمَّا أظْلَمَ اللَّيْلُ لَمْ يَجِدْ فُرقَانَا تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 2696 - مَا لَك مِنْ طُولِ الأسَى فُرقَانُ بَعْدَ قَطِينٍ رَحَلُوا وبَانُوا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 2697 - وكَيْفَ أرَجِّي الخُلْدَ والمَوْتُ طَالِبِي ومَا لِيَ مِنْ كَأسٍ المَنِيَّةِ فُرْقَانُ تفسير : والفرقان: مصدر كالرُّجحان والنُّقصان، وتقدم الكلام عليه أول البقرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏يجعل لكم فرقاناً‏}‏ قال‏:‏ نجاة‏. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏يجعل لكم فرقانا‏ً} ‏ قال‏:‏ نصراً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏يجعل لكم فرقانا‏ً} ‏ يقول‏:‏ مخرجاً في الدنيا والآخرة‏.

التستري

تفسير : وقوله: {إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}[29] أي نوراً في الدين من الشبهة بين الحق والباطل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الآية: 29]. قال سهل: نورًا فى القلب يفرق بين الحق والباطل. قال الجنيد رحمة الله عليه فى هذه الآية: إذا اتقى العبد ربه جعل له تبيانًا يتبين به الحق من الباطل، وهذه نتيجة التقوى، فقيل له: أليس التقوى فرقانًا؟ قال: بلى. الأول: بذاته من الله، والثانى: اكتساب فإذا اتقى الله اكتسب بتقواه معرفة التفرقة بين الحق والباطل، فيتبين هذا من هذا.

القشيري

تفسير : الفرقان ما به يفرق بين الحق والباطل مِنْ عِلْمٍ وافر وإلهام قاهر، فالعلماء فرقانُهم مجلوبُ برهانِهم، والعارفون فرقانهم موهوب عرفانهم؛ فأولئك مع مجهود أنفسهم، وهؤلاء بمقتضى جُودِ ربِّهم. والعرفانُ تعريفٌ من الله، والتكفيرُ تخفيفٌ من الله، والغفرانُ تشريفٌ للعبد من الله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} بين سبحانه من مخرج بسره عن جب شئ سوى الله من المال والولد والدنيا والاخرة يسرح الله فى قلبه من فى مسرحه التقوى مصباح انوا رالغيب يضئ الابصار اسراره ما فى خزائن ملك الملكوت ويفرق بسناها بين المكاشفات والمخائيل قال سهل نورا يفرق به بين الحق والباطل وقال الجنيد اذا اتقى العبد ربه جعل له تبيانا يتبين به الحق من الباطل وهذه نتيجة التقوى فقيل له اليس التقوى فرقاناَ قال بلى الاول بداية من الله والثانى اكتساب فاذا اتقى الله اكتسب بتقواه معرفة التفرقة بين الحق والباطل فيتبين هذا من هذا وقال الاستاذ الفرقان ما يتفرقون بين الحق والباطل من علم ما فوق الهام قاهر فالعلماء فرقانهم محبوب برهانهم والعارفون فرقانهم موهوب عرفانهم فهؤلاء مع مجهود نفسهم وهؤلاء لمقتضى جود ربهم فالعرفان تعريف من الله والتكفير تخفيض من الله والغفران بشر للعبد من الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إِن تتقوا الله} اى فى كل ما تأتون وترون {يجعل لكم} بسبب ذلك {فرقانا} هداية فى قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل او نصرا يفرق بين المحق والمبطل باعزاز المؤمنين واذلال الكافرين كما قال تعالى {أية : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} تفسير : [الأنفال: 41]. وأراد به يوم عز المؤمنين وخذلان الكافرين {ويكفر عنكم سيآتكم} اى يسترها والفرق بين السيئة والخطيئة ان السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لانها من الخطأ {ويغفر لكم} بالعفو والتجاوز عنها {والله ذو الفضل العظيم} اى عظيم الفضل على عباده وهو تعليل لما قبله وتنبيه على ان وعد الله لهم على التقوى تفضل واحسان لا انه مما توجب التقوى كما اذا وعد السيد عبده انعاما على عمل. وفى الآية امور. الاول التقوى وهو فى مرتبة الشريعة ما اشير اليه بقوله تعالى {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : [التغابن: 16]. وفى مرتبة الحقيقة ما اشير اليه بقوله تعالى {أية : اتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. [متقى آنست كه حق سبحانه وتعالى را وقاية خود كرفته باشد در ذات وصفات وافعال فعل او در افعال حق فانى شده باشد وصفت اودر صفات حق مستهلك كشته] شعر : كم شده جون سايه نور آفتاب باجو بوى كل در اجزاى كلاب تفسير : قال ابن المبارك سألت الثورى من الناس فقال العلماء قلت من الاشراف قال المتقون قلت من الملوك قال الزهاد قلت من الغوغاء قال القصاص الذين يستأكلون اموال الناس بالكلام قلت من السفلة قال الظلمة. الثانى ان التقوى اسندت الى المخاطبين وجعل الفرقان الى الله تعالى فالله تعالى اذا اراد بالعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل فى قلبه سراجا من نور قدسه يفرق به بين الحق والباطل والوجود والعدم والحدوث والقدم ويتبصر به عيوب نفسه كما حكى عن احمد بن عبد الله المقدسى قال صحبت ابراهيم ابن ادهم فسألته عن بداية امره وما كان سبب انتقاله من الملك الفانى الى الملك الباقى فقال لى يا اخى كنت جالسا يوما فى اعلى قصر ملكى والخواص قيام على رأسى فاشرفت من الطاق فرأيت رجلا من الفقراء جالسا بفناء القصر وبيده رغيف يابس فبله بالماء واكله بالملح الجريش وانا انظر اليه الى ان فرغ من اكله ثم شرب شيأ من الماء وحمد الله تعالى واثنى عليه ونام فى فناء القصر فالهمنى الله سبحانه وتعالى الفكر فيه فقلت لبعض مماليكى اذا قام ذلك الفقير فائتنى به فلما استيقظ من نومه قال له الغلام يا فقير ان صاحب هذا القصر يريد ان يكلمك قال بسم الله وبالله وتوكلت على الله لا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم وقام معه ودخل على فلما نظر الى سلم على فرددت عليه السلام وامرته بالجلوس فجلس فلما اطمأن قلت له يا فقير اكلت الرغيف وانت جائع فشبعت قال نعم قلت وشربت الماء على شهوة فرويت قال نعم قلت ثم نمت طيبا بلاهم وغم فاسترحت قال نعم فقلت فى نفسى وانا اعاتبها يا نفس ما اصنع بالدنيا والنفس تقنع بما رأيت وسمعت فعقدت التوبة مع الله تعالى فلما انصرم النهار واقبل الليل لبست مسحا من صوف وقلنسوة من صوف وخرجت حافيا سائحا الى الله تعالى وهذه احدى الروايتين فى بداية امره. والثالث ان المغفرة فضل عظيم من الله تعالى فلا بد للمؤمن حسن الظن بالله تعالى فانها ليست بمقطوعة. قيل اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام (انى اعلمك خمس كلمات هن عماد الدين ما لم تعلم ان قد زال ملكى فلا تترك طاعتى) شعر : همه تحت وملكى يذيرد زوال يجز ملك فرمانده لا يزال تفسير : (وما لم تعلم ان خزائنى قد نفذت فلا تهتم برزقك) شعر : در دائره قسمت ما نقطه تسليم لطف أنجه توانديشى وحكم آنجه توفرمايى تفسير : (وما لم تعلم ان عدوك قد مات يعنى ابليس فلا تامن من مفاجأته ولا تدع محاربته) شعر : كحاسر برآريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك تفسير : (وما لم تعلم انى قد غفرت لك فلا تعب المذنبين) شعر : مكن بنامه سياهى ملامت من مست كه آكه است كه تقدير برسرش جه نوشت تفسير : (وما لم تدخل جنتى فلا تأمن مكرى) شعر : زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار كه ره از صومعة تادير مغان اين همه نيست تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد الى آخر العمر كى يكفّر الله عنه سيآت وجوده الفانى ويستره بانوار جماله وجلاله والله ذو الفضل العظيم لمن تجاوز عما عنده راغبا فيما عند الله والفضل العظيم هو البقاء بالله بعد الفناء فيه كما فى التاويلات النجمية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله}، كما أمركم، {يجعل لكم فرقاناً}؛ نوراً في قلوبكم، تُفرقون به بين الحق والباطل، والحسن والقبيح. قال ابن جزي: وذلك دليل على أن التقوى تُنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم والمعرفة. هـ. أو: نصراً يُفرق بين المحق والمبطل؛ بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجاً من الشبهات، أو نجاة مما تحذرون في الدارين من المكروهات، أو ظهوراً يشهر أمركم ويثبت صِيتَكم، من قولهم: سطع فرقان الصبح، أي نوره، {ويُكفِّر عنكم سيئاتكم} أي: يسترها، فلا يفضحكم يوم القيامة، {ويغفرْ لكم}؛ يتجاوز عن مساوئكم، أو يكفر صغائركم ويغفر كبائركم، أو يكفر ما تقدم ويغفر ما تأخر، {والله ذوالفضل العظيم}، ففضله أعظم من كل ذنب، وفيه تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان، لا أن تقواهم أو جبت ذلك عليه، كالسيد إذا ما وعده عبده أن يعطيه شيئاً في مقابلة عمل امره به، مع أنه واجب عليه لا محيد له عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: الفرقان الذي يلقيه الله في قلوب المتقين من المتوجهين هو نور الواردات الإلهية، التي ترد على القلوب من حضرة الغيوب، وهي ثلاثة أقسام: وارد الانتباه: وهو نور يفرق به بين الغفلة واليقظة، وبين البطالة والنهوض إلى الطاعة، فيترك غفلته وهواه، وينهض إلى مولاه، ووارد الإقبال: وهو نور يفرق به بين الوقوف مع ظلمة الحجاب وبين السير إلى شهود الأحباب، ووارد الوصال: وهو نور يفرق به بين ظلمة الأكوان، ونور الشهود، أو بين ظلمة سحاب الأثر وشهود شمس العرفان. وإلى هذه الواردات الثلاثة أشار في الحكم بقوله: "إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وارداً، أورد عليك الوارد ليسلمك من يد الأغيار، ويحررك من رق الآثار، أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك". ثم ذكَّر نبيه صلى الله عليه وسلم بما فعل معه من الحفظ والرعاية من أعدائه اللئام، فقال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للمؤمنين خاطبهم الله بأنهم ان يتقوا معاصيه ويمتثلوا طاعاته ويتقوا عقابه باجتناب معاصيه يجعل لهم اجراً على ذلك {فرقاناً}. وقيل في معنى الفرقان اقوال: - احدها - قال ابن زيد وابن اسحاق يجعل هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل. وقال مجاهد: معناه يجعل لكم مخرجاً في الدنيا والآخرة. وقال السدي: معناه يجعل لكم نجاة. وقال الفراء: يجعل لكم فتحاً ونصراً وعزاً كقوله: {أية : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} تفسير : وقال الجبائي: يجعل لكم نصراً وعزاً وثواباً لكم، وعلى اعدائكم خذلانا وذلا وعقاباً كل ذلك يفرق بينكم وبينهم في الدنيا والآخرة. وانما جاز الشرط في اخبار الله مع اقتضائه شك المخبر منا من حيث ان الله تعالى يعامل عباده في الجزاء معاملة الشاك للمظاهرة في العدل ولذلك جازت صفة الابتلاء والاختبار لما في ذلك من البيان ان الجزاء على ما يظهر من الفعل دون ما في المعلوم مما لم يقع منه. ثم بين انه يضيف إلى ذلك تكفير سيئاتهم وغفران ذنوبهم وسترها عليهم تفضلا منه تعالى. وقوله {والله ذو الفضل العظيم} قيل في معناه قولان: احدهما - قال الجبائي: معناه ان من ابتدأكم بالفضل العظيم لأنه كريم لنفسه لا يمنعكم ما استحقيتموه بطاعاتكم له. الثاني - انه الذي يملك الفضل العظيم فينبغي ان يطلب من جهته.

الجنابذي

تفسير : {يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالايمان العامّ {إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى مخالفة الرّسول (ص) {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} نوراً فارقاً بين الحقّ والباطل وهو نور الولاية، فالمراد بالتّقوى هى التّقوى المتقدّمة على الايمان الخاصّ، او ان تتّقوا الله فى الانحراف عن الطّريق المستقيم الى الطّرق النّفسانيّة المعوجّة بالولاية والايمان الخاصّ الدّاخل فى القلب بالبيعة الخاصّة الولويّة فانّ حقيقة التقوى وهى التّحفّظ عن الانحراف الى الطّرق النّفسانيّة لا تحصل الاّ بالوصول الى الطّريق الى الله بالولاية، يجعل لكم فرقاناً وتميزاً بين الحقائق وحدودها واصيلها واعتباريّها فالمراد بالتّقوى التّقوى الحقيقيّة الحاصلة بالايمان الخاصّ. اعلم، انّ حقيقة التّقوى وهى التّحفظ عن اتّباع النّفس فى الصّغير وعن اتّباع اصل الشّرور واظلاله فى الكبير لا تحصل الاّ باتّباع العقل فى الصّغير وباتّباع علىّ (ع) فى الكبير واتّباع العقل ايضاً لا يحصل الاّ باتّباع علىّ (ع) وقبول ولايته بالايمان الخاصّ، لانّ الانسان ما لم يدخل فى الولاية ولم يدخل الايمان فى قلبه لا ينفتح باب قلبه وكلّ ما فعل باعتقاده من آثار التّقوى كان صدوره من نفسه وغايته راجعةً الى نفسه، فما تصوّره انّه كان تقوى لم يكن تقوى، واذا قبل الولاية بشرائطها المقرّرة عندهم انفتح باب قلبه واقبل الى الوحدة وادبر عن الكثرة وحصل له امتثال امر الله بالاقبال عن الكثرة، فكلّما فعل من هذه الجهة كان تقوى من طرق النّفس والكثرة مغيّىً بالوحدة، فكلّما قرأ آية من آيات الايمان هو القرآن رقى درجة من درجات الايمان وهى درجات الجنان، وكلّما رقى درجةً من درجات الايمان حصل له نور به يبصر الكثرات واعتباريّتها والوحدة واصلتها حتّى اذا وصل الى آخر مراتب التّقوى وهو الفناء الّذاتىّ والتّقوىّ الحقيقيّة حصل له آخر مراتب الفرقان وهو الحشر الى اسم الرّحمن والمالكيّة لما سوى الرّحمن وكأنّه للاشارة الى حصول الفرقان بتدريج الارتقاء اتى بالمضارع الدّالّ على الحصول بالتّدريج، او المراد تنتهوا فى تقوى الله بالفناء من انفسكم يجعل لكم فرقاناً حاصلاً بالحشر الى الرّحمن وهذا الفرقان هو النّبوّة او الرّسالة او الخلافة {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} الّتى تحتاج الى التّعمّل فى الزّوال الّتى هى الحدود الظّلمانيّة والتّعيّنات الّتى هى مساوى الانسان اذ بعد حصول الفرقان لا يرى الاّ مراتب الوجود الّتى هى مراتب النّور لا حدوده الّتى هى مراتب الظّلمات الّتى بعضها فوق بعض {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} مساويكم الّتى لا تنفكّ عن الانسان وهى تبعة المراتب ونقائصها {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} من قبيل اقامة السّبب مقام المسّبب اى ويتفضّل عليكم لانّ الله ذو الفضل العظيم ذكر اوصافاً اربعةً: النّور الفارق، وتكفير المساوى، وازالتها بواسطة النّور وغفران الصّغائر، والفضل العظيم الّذى لا يحدّ ولا يوصف.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا إن تتقوا الله يجْعَل لَكُم فُرقاناً} فرقا بليغا بينكم وبين الكفار ينصركم عليهم نصرا يفرق بين المحق والمبطل، أو بيانا يظهر أمركم وينشر عزكم فى أقطار الأرض، تقول: بات زيد يقرأ حتى سطع الفرقان أى الفجر، وقال مقاتل: مخرج من الشبهات، وشرحا للصدور وتوفيقا، وعن مجاهد: مخرجا عما تحذرون فى الدنيا والآخرة، ومثله لعكرمة، أو نصرا لأنه يفرق بين الحق والباطل، أو هداية تفرقون فيها بين الحق والباطل، وعن مجاهد حجة. {ويُكفِّر عنْكُم سيِّئاتكُم} ذنوبكم كبيرا وصغيرا يمحوها ويعاقبكم عليها {ويغْفِرْ لكُم} أى يسترها لا يفضحكم بها فى الدنيا ولا فى الآخرة، أو تكفيرها سترها وعدم الفضيحة بها، وغفرها محوها وعدم العقاب عليها، وقيل: السيئات الصغائر، والتقدير ويغفر لكم ذنوبكم وهى الكبائر: وقيل: يكفر ما تقدم من السيئات مطلقا، ويغفر ما تأخر كذلك، وإن ذلك فى أهل بدر، وقد غفر لهم ما تقدم وما تأخر إلا من خص بدليل. {والله ذُو الفَضْل العَظيمِ} يقبل اليسير ويجازى عليه بما لا غاية له، ويغفو عن الكثير ولا يخلف الميعاد، وفى ذكر الفضل تنبيه على أن ما جعله جزاءً ليس فى الحقيقة جزاء مقابلا للتقوى مساويا لها، بل تفضل وإحسان، أو جعل الفرقان والتكفير والغفران جزاء للتقوى، وعنده الفضل العظيم لأهلها زيادة على الجزاء.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} كرر الخطاب بوصف الإِيمان تنشيطاً وإِيذاناً بأَن ما بعده ما يوجب الإِيمان به {إِنْ تَتَّقُوا اللهَ} فى أَحوالكم باتباع العمل للقول {يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} فصلا بينكم وبين ما تخافون من ضر الدين أَو الدنيا فلا تصيبكم، أَو الفرقان هدى ينور به القلب فيميل إِلى الحق ويجانب الباطل، أَو نصر، أَو إِذلال العدو لكم يتبين به لكم المحق من المبطل، أَو برهانا يزيل عنكم الشبهة فى الدين، أَو ظهوراً ينشره ذكر جميلكم أَو نجاة فى الدارين، أَو ذلك كله {وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} كبائر وصغائر يسترها ولا يفضحكم بها يوم القيامة بإِظهارها لأَهل الحشر، ولا يشينكم بها فى الدنيا، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أَى ذنوبكم كبائر وصغائر بأَن يعفو عنكم ولا يعاقبكم عليها، أَو السيئات الصغائر والذنوب الكبائر أَو السيئات ما تقدم من الكبائر والصغائر والذنوب الكبائر، المتأَخرة لأنها فى أَهل بدر، وقد غفر لهم، وهذا ضعيف لأَن فيه مراعاة الواقع دون لفظ الآية، وفى الحديث يرويه قومنا "حديث : لعل الله اطلع إِلى أَهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" تفسير : {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ الْعَظِيمِ} تفضل عليكم فى رحمته ومغفرته، ولا واجب عليه، فلو شاءَ لم يثبكم على أَعمالكم، وقد اقتضت حكمته أَلا يعذبكم فى الآخرة وأَنتم مطيعون، وذكره ليشكر بما أَنعم عليه من التنجية من قريش حين كان فى مكة بقوله: {وَإِذْ} اذكر إِذ، أَو اذكر الواقع إِذ يمكر، أَو إِنعامه بالإِنجاء إِذ يمكر {يَمْكُرُ بِكَ} أَى مكروا والمضارع لحكاية الحال الماضية {الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} فلا تنتقل عن موضعك بالوثاق بالحديد، أَو الحبس فى بيت، أَو الضرب أَو الجرح، وذلك رأى البخترى ابن هشام بفتح الموحدة وإِسكان الخاء المعجمة وضم المثناة، أَو بفتح الموحدة والمثناة حين اجتمع فى دار الندوة للمشاورة فى أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من كبار قريش هو وعتبة وعتيبة ابنا ربيعة وأَبو جهل وأَبو سفيان وطعمة بن عدى والنضر بن الحارث وعمر ابن هشام، ومن بنى عامر بن لؤى، وعن أَبى البخترى: أَوثقوه فى بيت وسدوه عليه إِلا كوة لطعامه وشرابه ومتاعه حتى يموت كما مات الشعراء قبله كزهير والنابغة. فقام إِبليس فى صورة شيخ جليل، وقال أَنه من أَهل نجد حضر الباب، وقال: سمعت بشأنكم وأَنا من أَهل نجد، ولن تعدموا منى رأياً، فأَدخلوه، قال: بئس الرأى، يخرجه أَصحابه وقومه، فقالوا: صدقت، والدار بناها قصى للمشاورة لأَمر يحدث ولا يجتمعون لمهم إِلا فيها، والندوة الجماعة، وهى أَول دار بمكة لما حج معاوية اشتراها بمائة أَلف درهم، ثم أدخلت فى الجانب الشمالى من المسجد الحرام {أَوْ يَقْتُلُوكَ} يقتلك متعددون من كل قبيلة واحد فتشترك القبائل كلهم فى قتلك تعطون من كل قبيلة شاباً سيفاً صارماً فيضربونه بمرة فيفترق دمه على القبائل، فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش كلها وتعطونهم الدية. قاله أَبو جهل، فقال إِبليس لعنهما الله: هذا هو الرأَى لا أَرى غيره، فقاموا عليه. ويسمى يوم اجتماعهم للمشاورة فى الدار يوم الزحمة، اتفقوا من اليوم قبله أَن يجتمعوا فيها ضحى {أَوْ يُخْرِجُوكَ} من مكة، قال هشام بن عمرو: أَخرجوه على بعير، فلا يضركم ما فعل غائبه، فقال إِبليس - أَعاذنا الله منه ومن أَعوانه -: يجمع الناس عليكم بحلاوة لسانه وطلاقته فيجتمعون فيخرجونكم من بلادكم، بئس الرأى. وأَخبر جبريل النبى صلى الله عليه وسلم الإِمام علياً فى مضجعه ببردته، ويروى بثوب أَخضر، وقال: قد يصيبك ضر منهم، فخرج منهم من الباب لا من الحائط كما قيل وهم منتظرون عند الباب، وأَلقى الله عليهم نوماً، أَو أَخذ بأَبصارهم، ونثر على رءُوسهم تراباً وهو يتلو يس... إِلى: فهم لا يبصرون. وقال لهم رجل مر عليهم: ما وقوفكم؟ فقالوا: ننتظر محمداً.. فقال: خيبكم الله، قد خرج فى حاجته وما منكم إِلا وعلى رأسه تراب منه. والرجل أَبصر التراب عليهم ليلا بقدرة الله عز وجل، فوجدوا ذلك وما أَصابت أَحداً منهم حصاة إِلا قتل يوم بدر على أَنه دماهم بالحصا أَو بتراب فيه الحصا، وروى أَنهم هموا بالدخول عليه فصاحت امرأَة من الدار، فقالوا: نعاير بتسور الجدار على بنات العم فأَقاموا إِلى الصبح عند الباب، {وَيَمْكُرُونَ} يحتالون على إِهلاكه وإِبطال دينه {وَيَمْكُرُ اللهُ} أَى يبطل مكرهم، أَو يجازيهم عليه ويرد عليهم مثله مؤثراً فيهم، أَو يعاملهم معاملة من يريد إِهلاك أَحد باحتيال وخفية بأَن خيل لهم أَنهم غالبون، وأَن المسلمين لقلتهم مغلوبون فخرجوا إِلى بدر بقضاء الله عز وجل. يشبه إِيقاعه ذلك بالمكر على الاستعارة التمثيلية أَو المفردة التبعية أَو المجاز الإِرسالى فقتلهم المسلمون، وسمى ذلك كله مكراً للمشاكلة. وقد قيل: لا يطلق عليه إِلا مع ذكر مكر الناس، واعترض بقوله تعالى: "أية : أَفأَمنوا مكر الله" تفسير : [الأَعراف: 99] إِلخ. وأجيب بأَن التقدير أَمكروا فأَمنوا مكر الله، ويجاب بأَن الأَصل عدم التأويل، ويقول الإِمام على: من وسع عليه فى دنياه ولم يعلم أَنه مكر به فهو مخدوع فى عقله، وأَجيب بأَن مخدوع بمعنى ممكور به {وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} مكره أَفضل من كل مكر فى القوة والخفاء، أَو فى مكرهم حسن فى زعمهم لكن مكر الله تعالى أَحسن، ولا مانع من كون مكر الله تمثيلا فى الموضعين بأَن شبه تقليل المسلمين فى أَعينهم وظنهم أَنهم غالبون لهم باستعداد أَحد شيئاً، وظنه أَنه نافع، ولا يقال كما زعم بعض أَن المعنى فعل الله مطلقاً خير من كل فعل لأَن هذا صح من جهة المعنى، ولا يصح تفسير الآية لذكره الماكرين، لا يقال: زيد أَفضل القائمين، ويراد أَفضل القاعدين أَيضاً ونحو ذلك فإِنه فى شأَن غير القيام كقولك زيد القائم خير من القاعدين إِلا على ضرب من التأويل كقولك للعسل فى حلاوته أَعظم من الخل فى حموضته أَو العكس.

الالوسي

تفسير : {يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} في كل ما تأتون وما تذرون {يَجْعَلْ لَّكُمْ} بسبب ذلك الاتقاء {فُرْقَانًا} أي هداية ونوراً في قلوبكم تفرقون به بين الحق والباطل كما روي عن ابن جريج وابن زيد، أو نصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين كما قال الفراء، أو نجاة في الدارين كما هو ظاهر كلام السدي، أو مخرجاً من الشبهات كما جاء عن مقاتل، أو ظهوراً يشهر أمركم وينشر صيتكم كما يشعر به كلام محمد بن إسحاق ـ من بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان ـ أي الصبح، وكل المعاني ترجع إلى الفرق بين أمرين، وجوز بعض المحققين الجمع بينهما {وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ} أي يسترها في الدنيا {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} بالتجاوز عنها في الأخرى فلا تكرار، وقد يقال: مفعول {يَغْفِرْ} الذنوب وتفسر بالكبائر وتفسر السيئات بالصغائر، أو يقال: المراد ما تقدم وما تأخر لأن الآية ف أهل بدر وقد غفر لهم. ففي الخبر «لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تعليل لما قبله وتنبيه على أن ما وعد لهم على التقوى تفضل منه سبحانه وإحسان وأنها بمعزل عن أن توجب عليه جل شأنه / شيئاً، قيل: ومن عظيم فضله تعالى أنه يتفضل من غير واسطة وبدون التماس عوض ولا كذلك غيره سبحانه، ثم إنه عز وجل لما ذكر من ذكر نعمته بقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} تفسير : [الأنفال: 26] الخ ذكر نبيه عليه الصلاة والسلام النعمة الخاصة به بقوله عزَّ من قائل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.

ابن عاشور

تفسير : استيناف ابتدائي متصل بالآيات السابقة ابتداء من قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه}تفسير : [الأنفال: 20] الآية وما بعده من الآيات إلى هُنا. وافتتح بالنداء للاهتمام، كما تقدم آنفاً. وخوطب المؤمنون بوصف الإيمان تذكيراً لهم بعهد الإيمان وما يقتضيه كما تقدم آنفاً في نظائِره، وعقب التحذير من العصيان والتنبيه على سوء عواقبه، بالترغيب في التقوى وبيان حسن عاقبتها وبالوعد بدوام النصر واستقامة الأحوال إن هم داموا على التقوى. ففعل الشرط مراد به الدوام، فإنهم كانوا متقين، ولكنهم لما حُذروا من المخالفة والخيانة ناسب أن تفرض لهم الطاعة في مقابل ذلك. ولقد بَدَا حُسنُ المناسبة إذ رُتبتِ على المنهيات تحذيراتٌ من شرور وأضرار من قوله: {أية : إن شر الدواب عند الله الصم البكم}تفسير : [الأنفال: 22] ـ وقوله ـ {أية : واتقوا فتنة}تفسير : [الأنفال: 25] الآية، ورتب على التقوى: الوعد بالنصر ومغفرة الذنوب وسعة الفضل. والفرقان أصله مصدر كالشكران والغُفران والبُتان، وهو ما يَفرِق أي يميَز بين شيئين متشابهين، وقد أطلق بالخصوص على أنواع من التفرقة فأطلق على النصر، لأنه يفرق بين حاليْن كانا محتَمَلَيْن قبلَ ظهور النصر، ولُقب القرآنُ بالفرقان؛ لأنه فَرّقَ بين الحق والباطل، قال تعالى: {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}تفسير : [الفرقان: 1] ولعل اختياره هنا لقصد شموله ما يصلح للمقام من معانيه، فقد فُسّر بالنصر، وعن السدي، والضحاك، ومجاهد، الفرقانُ المَخْرَج، وفي «أحكام ابن العربي»، عن ابن وهب وابن القاسم وأشهب أنهم سألوا مالكاً عن قوله تعالى: {يجعل لكم فرقاناً} قال مَخَرجاً ثم قرأ: {أية : ومن يَتَقِ الله يَجْعَلْ له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه}تفسير : [الطلاق: 2-3]، وفسر بالتمييز بينهم وبين الكفار في الأحوال التي يُستحب فيها التمايز في أحوال الدنيا، فيشمل ذلك أحوالَ النفس: من الهداية، والمعرفة، والرضى، وانشراح القلب، وإزالةِ الحِقد والغل والحسد بينهم، والمكرِ والخداعِ وذميمِ الخلائق. وقد أشعر قوله: {لكم} أن الفرقان شيء نافع لهم فالظاهر أن المراد منه كل ما فيه مخرج لهم ونجاة من التباس الأحوال وارتباك الأمور وانبهام المقاصد، فيؤول إلى استقامة أحوال الحياة، حتى يكونوا مطمئني البالِ منشرحي الخاطر وذلك يستدعي أن يكونوا: منصورين، غالبين، بُصراء بالأمور، كَمَلة الأخلاق سائرين في طريق الحق والرشد، وذلك هو ملاك استقامة الأمم، فاختيار الفرقان هنا، لأنه اللفظ الذي لا يؤدي غيرُه مُؤداه في هذا الغرض وذلك من تمَام الفصاحة. والتقوى تشمل التوبة، فتكفير السيئات يصح أن يكون المراد به تكفير السيئات الفارطة التي تعقبها التقوى. ومفعول {يغفر لكم}، محذوف وهو ما يستحق الغفران وذلك هو الذنب، ويتعين أن يحمل على نوع من الذنوب. وهو الصغائر التي عبر عنها باللمم، ويجوز العكس بأن يراد بالسيئات الصغائِر وبالمغفرة مغفرة الكبائر بالتوبة المعقبَة لها، وقيل التكفير الستر في الدنيا، والغفران عدم المؤاخذة بها في الآخرة، والحاصل أن الإجمال مقصود للحث على التقوى وتحقق فائِدتها والتعريض بالتحذير من التفريط فيها، فلا يحصل التكفير ولا المغفرة بأي احتمال. وقوله: {والله ذو الفضل العظيم} تذييل وتكميل وهو كناية عن حصول منافع أخرى لهم من جراء التقوى.

الشنقيطي

تفسير : قال ابن عباس، والسدَّي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: فرقاناً مخرجاً، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس فرقاناً: نجاة، وفي رواية عنه: نصراً. وقال محمد بن إسحاق: فرقاناً. أي فصلا بين الحق والباطل، قاله ابن كثير. قال مقيده: - عفا الله عنه - قول الجماعة المذكورة: إن المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى: {أية : وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} تفسير : [الطلاق: 2] الآية والقول بأنه النجاة أو النصر، راجع في المعنى إلى هذا، لأن من جعل الله له مخرجاً أنجاه ونصره، لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق، لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون، وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو معناه في قوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الفرقان: 1]، أي الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وقوله: {أية : وَأَنْزَلَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [آل عمران: 4]، وقوله: {أية : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [البقرة: 53]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَان}تفسير : [الأنبياء: 48]، ويدل على أن المراد بالفرقان هنا: العلم الفارق بين الحق والباطل. قوله تعالى في الحديد: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} تفسير : [الحديد: 28] الآية. لأن قوله هنا: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعني: علماً وهدى تفرقون به بين الحق والباطل، ويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافراً فهداه الله: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام: 122] الآية. فجعل النور المذكور في الحديد: هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى. وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتباً أيضاً عليها في آية الحديد، وهو بيان واضح كما ترى.

د. أسعد حومد

تفسير : {يِا أَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} (29) - يُخْبِرُ تَعَالَى النَّاسَ أنَّهُمْ إذا آمَنُوا بِهِ وَاتَّقَوْا، فَاتَّبَعُوا أَوَامِرَهُ، وَانْتَهَوْا عَنْ زَوَاجِرِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أمْرِهِمْ فَرَجاً، وَمِنْ ضِيقِهِمْ مَخْرَجاً، وَجَعَلَ لَهُمْ نُوراً وَهُدًى (فُرْقَاناً) يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكَفَّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَغَفَرَ ذُنُوبَهُمْ، وَاللهُ عَظِيمُ الفَضْلِ وَالإِحْسَانِ، جَزِيلُ الثَّوَابِ، يُثيبُ عَلَى القَلِيلِ، وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الكَثِيرِ. فُرْقَاناً - هِدَايَةً وَنُوراً، أوْ نَجَاةً وَمَخْرَجاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويستهل الحق تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة بنداء الإيمان، ثم يضع شرطاً هو: {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ}، ويكون جواب الشرط أن يجعل لنا فرقاناً، ويكفر عنا السيئات، ويغفر لنا وسبحانه هو الكريم وصاحب الفضل العظيم. والمراد بالتقوى هنا أن تكون التزاما بالأحكام؛ وقمة الالتزام بالأحكام هي الإيمان بالله عز وجل، وإذا وجد الاثنان؛ الإيمان بالله والالتزام بالأحكام، لا بد أن يتحقق وعد الله المتنثل في قوله تعالى {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. والفرقان من مادة "فرق" "الفاء والراء والقاف"، وتأتي دائماً للفصل بين شيئين، مثلما ضرب موسى البحر بعصاه فكان كل فِرْق كالطود العظيم. وسبحانه وتعالى يقول: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [البقرة: 50]. أي نزع الله سبحانه الاتصال بين متصلين فصار بينهما فرق كبير. وافرض - على سبيل المثال - أنك أحضرت ثوباً من قماشٍ مُتَساوٍ في النسيج واللون، ثم شققت من الثوب جزءاً منه؛ هنا لا يقال إنك فرقت بين القطعتين، بل فصلت بينهما، لكن لا يقال فِرْق إلا إذا كان الفصل يؤدي إلى فرقتين؛ فِرقة هنا، وفِرقة هناك وهذه أشياء ومتعلقات، وتلك لها أشياء ومتعلقات. إذن فالفرق ليس هو الفصل بين متلاحمين فقط، بل هو فصل يؤدي إلى أن يكون لكل فرقة منهج، ومذهب، ورأي. و{يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} أي يفصل بين شيئين لم يكن يوجد بينهما اتفاق؛ لأنه لو كان بينهما اتفاق لصارا فرقة واحدة، لكن لأنهما مختلفات لذلك لا بد من وجود تناقض بينهما. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: إنه يجعل لكم فرقاناً، مثال ذلك، هناك من يهتدي، وهناك من يضل. وبطبيعة الحال يوجد فرق بين الهدى وبين الضلال. فالله شرح صدر المتهدي للإسلام، وجعل صدر الكافر ضيقاً حرجا؛ فيه غل وحقد وحسد ومكر، وخديعة؛ لذلك يفصل ربنا بين من بقلبه طمأنينة الإيمان وبين من يمتلىء صدره بالضغينة، فالمؤمن من فرقة تختلف عن فرقة أصحاب القلوب الحقودة. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29]. أي أنه سبحانه وتعالى يفصل بينكم أو يفصل بين عموم الحق وعموم الباطل؛ لأنه يريد أن تكون حركة الحياة وحدة متكاملة منسجمة، لا يسودها هوى جماعة ضد جماعة لها هوى آخر؛ لأنهم كلهم خلفاء لله في الأرض، وكلهم مخلوقون لله، وكلهم متمتعون بخيرات الله؛ لذلك يجب أن تكون حركاتهم متساندة ومتناسقة غير متعاندة. والتفرق - كما نعلم - إنما ينشأ عن اشتباك؛ بين فريقين اثنين، واحد منهما يمثل فريق الهدى، والثاني هو من حق عليه عذاب الله. {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29]. ويتمثل الفرقان في هدى القلب، والبصيرة والعلم؛ وأي شيء يفصل بين الحق والباطل، وأحوال الإنسان - كما نعلم - قسمان: أحوال الدنيا، وأحوال الآخرة، وأحوال الدنيا فيها أمور قلبية مستترة، وفيها أمور ظاهرة، وإن نظرنا إلى حالات الدنيا نجد منها الظاهر وهو الحركة المحسة، ومنها القلبي الذي لا يعرفه من بعد الله إلا صاحب القلب. والفرقان في أحوال الدنيا القلبية تلمسه حين تجد من اهتدى، ومن ضل؛ ونجد أن المهتدي قد شرح ربنا صدره للإسلام. ونجد أن الضال هو من لم يشرح الله صدره للإسلام والمهتدي يعيش ضمن الفريق الذي لا غل فيه ولا حقد، والضال هو من يعيش في فريق يتصف بالغل والحقد، هذا في الأمور القلبية. أما في الأعمال الظاهرة، فالحق يجعل الفرقان بين أهل الإيمان وأهل الكفر؛ بالنصر، والغلبة، والعزة. وماذا عن الفرقان في الآخرة؟. إن الحق يجعل الفرقان في الآخرة بحيث يكون لأهل الإيمان النعيم المقيم والثواب العظيم، ويجعل لأهل الكفر العذاب الشديد والمقت الكبير. {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [الأنفال: 29]. وإذا كنا سنتقي الله فهل سيكون لنا سيئات؟. وأقول: إن أردت بقوله: {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ} إيماناً به، فسبحانه يُكَفِّر عنكم سيئاتكم؛ صغائرها وكبائرها. ولا يضر مع الإيمان معصية، بل تدخل في عفو الله وغفرانه. وإن أردت بالتقوى "التزام أمر" فتكفير السيئات يعني أن نتقي الله بترك الكبائر فيكفر عنا السيئات وهي الصغائر. والتكفير على نوعين؛ أولا أن يسترها عليك في الدنيا، أو يذهب عنك عقوبة الآخرة، ولذلك يقول سبحانه في ختام جميل للآية: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. وحين يوصف الفضل بأنه عظيم، فمعنى ذلك أنَّ هناك فَضْلاً أقل من عظيم، كما أن هناك فَضْلاً يعلوه تميزاً. نعم، ونعلم أن التفاضل موجود عند البشر؛ هذا يتفضل على هذا بطعام، أو يتفضل عليه بِمَلْبَس، أو يتفضل عليه بشراب، أو يتفضل عليه بمسكن، أي أن هناك أنواعاً متعددة من الفضل، لكنها لا توصف بالعظمة؛ لأن الفضل العظيم يكون من الله تعالى فقط لأنه سيؤول إليه كل فضل من دونه، فمن أعطى آخر رغيف خبز فلنعلم أن وراءه من أحضر الخبز من المخبز، ووراءه من جاء بالدقيق من المطحن، ووراءه من زرع وحصد. إذن كل فضل هو من الله ومآله مردود إلى الله عز وجل، وهذا هو الفضل العظيم. وأيضاً نجد أن الذي يتفضل على واحد لا بد أنه يبغي من وراء هذا الفضل شيئاً، مثل كمال الذات، وأنه يود الحمد والثناء، ويبغي راحة نفس إنسانية، ونرى أناساً يؤدون الفضل لغيرهم ليقللوا من آلامهم، لا لأنهم يطبقون منهج الله، بل يرغبون في مجرد راحة النفس، مثل الكفار الذين يصنعون أشياء تفيد الناس، فهم يفعلونها وليس في بالهم الله، بل في بالهم راحة النفس وانسجامها. إذن فالذي يتفضل إنما يريد شيئاً، إما كمال مال أو ثناء وإطراء، وراحة نفس من مناظر الإيلام التي يراها، وهذا دليل على أنه يعاني من نقص ما ويريد أن يكمله. فإذا كان الله عز وجل هو صاحب الفضل، ألله نقص في كمال؟!! لا. إذن فهذا هو الفضل العظيم ويمنحه لعباده تفضلاً منه دون رغبة في كمال أو ثناء، وأيضاً فكل فضل من دون الله يتضمّن المنّ، لكن فضل الله تعالى ليس فيه منّ وليس فيه ذِلة لأحد. وقد يستنكف إنسان أن يأخذ شيئا من إنسان آخر. لكن من الذي يستنكف على فضل الله؟. لا أحد. لأنَّ الحياة كلها هبة منه، ولذلك يُضرب المثل بالفتاة التي قالت لمعن بن زائدة: شعر : فَعُدْ إنَّ الكريَم له معاد وظنِّي بِابْن أروى أن يعودا تفسير : وكانت الفتاة تطالب ابن زائدة أن يعود إلى التفضل عليهم، فنهرها أبوها، فقالت له: يا أبي إن الملوك لا يُسْتَحَى من الطلب منهم. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن تنتبه إلى أن كل مظهر من مظاهر وجودك في الحياة ومظاهر استبقاء حياتك، ومظاهر نعيمك كلها، إن نسبتها فستصل إلى الله، فإن كنت تشتري - على سبيل المثال - أثاثاً لبيتك، واخْتَرت خَشَب الورد ليكون هو الخشب الذي يصنع لك منه النجار هذا الأثاث، فأنت تأتي بهذا الخشب من أندونيسيا أو باكستان مثلاً؛ لأن الغابات هناك تنتج مثل هذا النوع من الخشب، وكل شيء في حياتك إن سلسلته ستجد أن أيدي المخلوقات من البشر تنتهي عند خلق لله وهبه للإنسان، وهذا هو الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى. وبعد أن أوضح الحق سبحانه وتعالى بهذا التوجيه: لا تخونوا الله، ولا تخونوا الرسول، ولا تخونوا أماناتكم، من أجل أولادكم أو أزواجكم، واعلموا أن مرد كل الفضل إلى الله تعالى، واذكروا واقع الدنيا معكم، أصدقت هذه المسائل أم لم تصدق؟ لقد صدقت كلها، كما قال الحق سبحانه وتعالى من قبل: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [الأنفال: 26]. وكان هذا القول بالنسبة للمسلمين، فماذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟. هنا يقول المولى سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَّكُمْ فُرْقَاناً} معناهُ حُججٌ ويقالُ نصرٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتب اللّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئا كثيرا،فذكر هنا أن من اتقى اللّه حصل له أربعة أشياء، كل واحد منها خير من الدنيا وما فيها: الأول: الفرقان: وهو العلم والهدى الذي يفرق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة. الثاني والثالث: تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب،وكل واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق وعند الاجتماع يفسر تكفير السيئات بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب بتكفير الكبائر. الرابع: الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن اتقاه وآثر رضاه على هوى نفسه. { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 309 : 15 : 8 - سفين عن منصور عن مجاهد {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} قال، مخرجا. [الآية 29].

همام الصنعاني

تفسير : 1009- عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، في قوله تعالى: {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الآية: 29] قال: نجاة. 1010- عبد الرزاق، عن منصور، عن الثوري، عن مجاهد في قوله تعالى: {إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} [الآية: 29] قال: مخرجاً.