Verse. 1190 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِيُثْبِتُوْكَ اَوْ يَقْتُلُوْكَ اَوْ يُخْرِجُوْكَ۝۰ۭ وَيَمْكُـرُوْنَ وَيَمْكُرُ اؙ۝۰ۭ وَاللہُ خَيْرُ الْمٰكِـرِيْنَ۝۳۰
Waith yamkuru bika allatheena kafaroo liyuthbitooka aw yaqtulooka aw yukhrijooka wayamkuroona wayamkuru Allahu waAllahu khayru almakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر يا محمد «إذ يمكر بك الذين كفروا» وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة «ليثبتوك» يوثقوك ويحبسوك «أو يقتلوك» كلهم قَتلَة رجل واحد «أو يخرجوك» من مكة «ويمكرون» بك «ويمكرُ الله» بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه وأمرك بالخروج «والله خير الماكرين» أعلمهم به.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ } تفسير : [الأنفال: 26] فكذلك ذكر رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه، وهذه السورة مدنية. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وذكر أنه من أهل نجد. فقال بعضهم: قيدوه نتربص به ريب المنون، فقال إبليس: لا مصلحة فيه، لأنه يغضب له قومه فتسفك له الدماء. وقال بعضهم أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم، فقال إبليس: لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم. وقال أبو جهل: الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلاً فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها، فيرضون بأخذ الدية، فقال إبليس: هذا هو الرأي الصواب، فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة، وأمر علياً أن يبيت في مضجعه، وقال له: تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم. وقوله: {لِيُثْبِتُوكَ } قال ابن عباس: ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت، لأنه لا يقدر على الحركة ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحه تمنعه من الحركة. فقد أثبت فلان فهو مثبت، وقيل ليسجنوك، وقيل ليحبسوك، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه، وقرأ بعضهم {لِيُثْبِتُوكَ } بالتشديد وقرأ النخعى {لِيُثْبِتُوكَ } من البيات وقوله: {أَوْ يَقْتُلُوكَ } وهو الذي حكيناه عن أبي جهل لعنه الله {أَوْ يُخْرِجُوكَ } أي من مكة، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ }تفسير : [آل عمران: 54] تفسير المكر في حق الله تعالى، والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد والله تعالى نصره وقواه، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى. قال القاضي: القصة التي ذكرها ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث إبليس، فإنه زعم أنه كانت صورته موافقة لصورة الإنس وذلك باطل، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل الله أو من فعل إبليس، والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ليفتن الكفار في المكر، والثاني أيضاً باطل، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يقدر إبليس على تغيير صورة نفسه. واعلم أن هذا النزاع عجيب، فإنه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر إبليس على أنواع الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه؟ فإن قيل: كيف قال: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } ولا خير في مكرهم. قلنا: فيه وجوه: أحدها: أن يكون المراد أقوى الماكرين فوضع {خَيْرٌ } موضع أقوى وأشد، لينبه بذلك على أن كل مكر فهو يبطل في مقابلة فعل الله تعالى. وثانيها: أن يكون المراد خير الماكرين لو قدر في مكرهم ما يكون خيراً وحسناً. وثالثها: أن يكون المراد من قوله: {خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } ليس هو التفضيل، بل المراد أنه في نفسه خير كما يقال: الثريد خير من الله تعالى.

القرطبي

تفسير : هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم في دار النَّدْوة؛ فٱجتمع رأيهم على قتله فبيّتوه، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يُعمي عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غَشيَهم النوم، فوضع على رؤوسهم تراباً ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم عليٌّ فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. الخبر مشهور في السيرة وغيرها. ومعنى «لِيُثْبِتُوكَ» ليحبسوك؛ يقال: أثبتّه إذا حبسته. وقال قتادة: «لِيُثْبِتُوكَ» وثَاقاً. وعنه أيضاً وعبدِ الله بن كَثير: ليسجنوك. وقال أبَان بن تَغْلِب وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد. قال الشاعر: شعر : فقلتُ ويحكما ما في صحيفتكم قالوا الحليفة أمسى مُثبتاً وجعا تفسير : {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} عطف. {وَيَمْكُرُونَ} مستأنف. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} ٱبتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: {لِيُثْبِتُوكَ}: ليقيدوك، وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: قال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: «حديث : يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني»تفسير : . فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: «حديث : ربي» تفسير : قال: نعم الرب ربك استوص به خيراً. قال: «حديث : أنا استوصي به؟ بل هو يستوصي بي»تفسير : وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل المصري المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن المطلب بن أبي وداعة: أن أبا طالب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يأتمر بك قومك؟ قال: «حديث : يريدون أن يسحروني أو يقتلوني أو يخرجوني»تفسير : . فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: «حديث : ربي»تفسير : . قال: نعم الرب ربك فاستوص به خيراً. قال: «حديث : أنا استوصي به؟ بل هو يستوصي بي»تفسير : . قال: فنزلت: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} الآية. وذكر أبي طالب في هذا غريب جداً، بل منكر، لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو النفي أو القتل إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين؛ لما تمكنوا منه واجترؤوا عليه بسبب موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا ما روى الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي عن باذان مولى أم هانىء عن ابن عباس: أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأيي ونصحي، قالوا: أجل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك؛ كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، قال: فصرخ عدو الله الشيخ النجدي، فقال: والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ، فانظروا في غير هذا، قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم، فتستريحوا منه؛ فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم، فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب، ليجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا: صدق والله فانظروا رأياً غير هذا، قال: فقال أبو جهل لعنه الله: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها؛ فإنهم إذا رأوا ذلك، قبلوا العقل، واسترحنا، وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القول ما قال الفتى، لا أرى غيره. قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} وأنزل في قولهم: تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: {أية : أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ } تفسير : [الطور: 30] فكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة؛ للذي اجتمعوا عليه من الرأي، وعن السدي نحو هذا السياق: وأنزل الله في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: { أية : وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 76]. وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك، وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر الله، حتى إذا اجتمعت قريش، فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب، فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله بأبصارهم عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : - إلى قوله - {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس:1-9]، وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روي عن عكرمة ما يؤكد هذا، وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: «حديث : ما يبكيك يا بنية؟» تفسير : قالت: يا أبت ومالي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاهدون باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك؟ فقال: «حديث : يا بنية ائتني بوضوء» تفسير : فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، فطأطؤوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب، فحصبهم بها وقال: «حديث : شاهت الوجوه» تفسير : فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزري، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره ابن عباس في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} الآية قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً، رد الله تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل، اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} أي: فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر يا محمد {إِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة {لِيُثْبِتُوكَ } يوثقوك ويحبسوك {أَوْ يَقْتُلُوكَ } كلهم قِتْلِةَ رجل واحد {أَوْ يُخْرِجُوكَ } من مكة {وَيَمْكُرُونَ } بك {وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبّروه وأمرك بالخروج {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَٰكِرِينَ } أعلمهم به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الظرف معمول لفعل محذوف، أي: واذكر يا محمد وقت مكر الكافرين بك، أو معطوف على ما تقدّم من قوله {وَٱذْكُرُواْ } ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها عليه، وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم كما سيأتي بيانه {لِيُثْبِتُوكَ } أي: يثبتوك بالجراحات، كما قال ثعلب وأبو حاتم، وغيرهما، ومنه قول الشاعر:شعر : فقلت ويحكم ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا تفسير : وقيل: المعنى ليحبسوك، يقال أثبته: إذا حبسه. وقيل: ليوثقوك، ومنه: {أية : فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ } تفسير : [محمد: 4]. وقرأ الشعبي "ليبيتوك" من البيات. وقرىء «ليثبتوك» بالتشديد {أَوْ يُخْرِجُوكَ } معطوف على ما قبله، أي يخرجوك من مكة التي هي بلدك وبلد أهلك. وجملة: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ } مستأنفة. والمكر: التدبير في الأمر في خفية. والمعنى: أنهم يخفون ما يعدّونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المكايد، فيجازيهم الله على ذلك ويردّ كيدهم في نحورهم. وسمى ما يقع منه تعالى مكراً مشاكلة، كما في نظائره {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ } أي: المجازين لمكر الماكرين بمثل فعلهم، فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون، فيكون ذلك أشدّ ضرراً عليهم وأعظم بلاء من مكرهم. قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } أي التي تأتيهم بها، وتتلوها عليهم {قَالُواْ } تعنتاً وتمرّداً وبعداً عن الحق {قَدْ سَمِعْنَا } ما تتلوه علينا {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } الذي تلوته علينا. قيل: إنهم قالوا هذا توهماً منهم أنهم يقدرون على ذلك. فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه. ثم قالوا عناداً وتمرّداً {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأوَّلِينَ } أي: ما يستطره الوراقون من أخبار الأوّلين، وقد تقدّم بيانه مستوفى. {وَإِذْ قَالُواْ } أي: واذكر إذ قالوا {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } بنصب الحق على أنه خبر كان، والضمير للفصل، ويجوز الرفع. قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بها، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، والمعنى: إن كان القرآن الذي جاءنا به محمد هو الحق، {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا } قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار. قال أبو عبيدة: يقال أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة. وقال في الكشاف: قد كثر الإمطار في معنى العذاب. {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء، أو بغيرها من أنواع العذاب الشديد. فأجاب الله عليهم بقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ } يا محمد {فِيهِمْ } موجود، فإنك ما دمت فيهم فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك، أي: وما كان الله معذبهم في حال كونهم يستغفرونه. وقيل المعنى: لو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفره لم يعذبهم. وقيل إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم، أي وما كان الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين، فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده. وقيل المعنى: وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر الله. وقد أخرج عبد الرزاق، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل، والخطيب، عن ابن عباس، في قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليّ على فراش النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه علياً ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، والبيهقي، عن ابن عباس، فذكر القصة بأطول مما هنا. وفيها ذكر الشيخ النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش غلاماً، ويعطوا كل واحد منهم سيفاً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرّق دمه في القبائل، فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي، فتفرّقوا على ذلك. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبيد بن عمير، قال: لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "حديث : يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني"تفسير : ، قال: من حدّثك بهذا؟ قال: "حديث : ربي"تفسير : ، قال: نعم الربّ ربك استوص به خيراً، قال: "حديث : أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي"تفسير : . وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عنه. وهذا لا يصح، فقد كان أبو طالب مات قبل وقت الهجرة بسنين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَإِذ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } قال: قال عكرمة هي مكية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطاء في قوله: {لِيُثْبِتُوكَ } يعني: ليوثقوك. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال: قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عديّ، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول"تفسير : ، قال: وفيه أنزلت هذه الآية {وَإِذا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} وهذا مرسل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ أنها نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج البخاري، وابن أبي حاتم، وابن الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل بن هشام {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } الآية فنزلت {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة، أنها نزلت في أبي جهل. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في الآية، أنها نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، عن عطاء، نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية. قال ابن عباس، كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وبقي الاستغفار. وأخرج الترمذي وضعفه، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أنزل الله عليّ أمانين لأمتي {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار" تفسير : وأخرج أبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبهيقي في شعب الإيمان، عن أبي هريرة قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر، قال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } الآية. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، والطبراني وابن مردويه، والحاكم، وابن عساكر، عن أبي موسى الأشعري نحوه أيضاً، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مطلق الاستغفار كثيرة جدّاً معروفة في كتب الحديث.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} وذلك أن قريشاً تآمروا في دار الندوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمرو بن هشام: قيدوه واحبسوه في بيت نتربص به ريب المنون. وقال أبو البختري: أخرجوه عنكم على بعير مطرود تستريحوا منه ومن أذاه لكم. قال أبو جهل: ما هذا برأي ولكن اقتلوه وليجتمع عليه من كل قبيلة رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فترضى حينئذ بنو هاشم بالدية. فأوحى الله عز وجل بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الغار مع أبي بكر رضي الله عنه ثم هاجر منه إلى المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. فهذا بيان قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليثبتوك في الوثاق، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. والثاني: ليثبتوك في الحبس، قاله عطاء وعبد الله بن كثير والسدي. والثالث: معنى يثبتوك أي يخرجوك، كما يقال قد أثبته في الحرب إذا أخرجته، قاله بعض المتأخرين. {أَوْ يُخْرِجُوكَ} فيه وجهان: أحدهما: أو يخرجوك من مكة إلى طرف من أطراف الأرض كالنفي. والثاني: أو يخرجوك على بعير مطرود حتى تهلك، أو يأخذك بعض العرب فتقتلك فتريحهم منك، قاله الفراء.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} لما تآمرت قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، فقال عمرو بن هشام: قيِّدوه واحبسوه في بيت نتربَّص به رَيْب المنون، وقال أبو البختري: أخرجوه عنكم على بعير مطروداً تستريحون من أذاه، فقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن ليجتمع عليه من كل قبيلة رجل فيضربوه بأسيافهم ضربة رجل واحد فيرضى حينئذ بنو هاشم بالدية، فأعلم الله ـ تعالى ـ رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك فخرج إلى الغار ثم هاجر منه إلى المدينة. {لِيُثْبِتُوكَ} في الوثاق "ع" أو في الحبس، أو يجرحوك، أثبته في الحرب: جرحه. {أَوْ يُخْرِجُوكَ} نفياً إلى طرف من الأطراف، أو على بعير مطروداً حتى تهلك، أو يأخذك بعض العرب فيريحهم منك.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} الآية: تذكيرٌ بحال مكَّة وضيقها مع الكفرة، وجميل صُنْع اللَّه تعالى في جميع ذلك، والمَكْرُ: المخاتلة والتداهي؛ تقول: فلانٌ يَمْكُرُ بفلان؛ إِذا كان يستدرجه، وهذا المكر الذي ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية هو بإِجماع من المفسِّرين: إِشارةٌ إِلى ٱجتماع قُرَيْش في «دار النَّدْوَةِ» بمحْضَر إِبْليسَ في صورة شيخٍ نَجْدِيٍّ على ما نصَّ ابن إِسحاق في «سِيَرِهِ» الحديثَ بطوله، وهو الذي كان خُرُوجُ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بسببه، ولا خلاف أن ذلك كان بَعْدَ مَوْت أبي طالب، ففي القصَّة: حديث : أن أبا جهْلٍ قال: الرأْيُ أنْ نأخذ من كل بطنٍ في قريشٍ فَتًى قويًّا جَلْدياً، فيجتمعون ثم يأخُذ كُلُّ واحد منهم سيفاً، ويأتون محمداً في مَضْجَعه، فيضربونه ضَرْبةَ رجُلٍ واحدٍ، فلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ على قِتالِ قُرَيْشَ بأسرها، فيأخذون العَقْلَ، ونستريحُ منه، فقال النَّجْدِيُّ: صدق الفَتَى؛ هذا الرأيُ: لاَ رَأْيَ غيره، فٱفترقوا عَلَى ذلك، فأخبر اللَّه تعالَى بذلك نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخُرُوجِ إِلى المدينة، فخرج رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعليِّ بنْ أَبي طالب: « ٱلْتَفَّ في بُرْدِيَ الحَضْرَمِيِّ، وٱضْطَجِعْ فِي مَضْجَعِي؛ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّكَ شَيْء، فَفَعَل»، فجاءَ فتْيَانُ قُرَيْشٍ، فجعلوا يرصُدُون الشخْصَ، وينتظرون قيامه، فيثورون به، فلما قام رَأَوْا عَلِيًّا، فقالوا له: أيْنَ صَاحِبُكَ؟ فقال: لا أدْرِي، تفسير : وفي «السِّيَر»؛ أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْهِم، وهُمْ في طريقه، فطَمَسَ اللَّه أعينهم عَنْه، وجعل عَلَى رأس كلِّ واحد منهم تراباً، ومضَى لوجهه، فجاءهم رجُلٌ، فقال: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: محمَّداً، قال: إِنِّي رأَيْتُهُ الآن جائياً من ناحيتكم، وهو لا مَحَالَة، وضَعَ الترابَ علَى رؤوسكم، فَمَدّ كلُّ واحدٍ يده إِلى رَأْسِهِ، فإِذا عليه الترابُ، وجاؤوا إِلَىٰ مضجعِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجدوا عَلِيًّا، فركبوا وراءه حينئذٍ كُلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، وهو بالغارِ، ومعنى: {لِيُثْبِتُوكَ }: لِيَسْجُنُوكَ؛ قاله عطاء وغيره وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: ليُوثِقُوكَ. وقوله سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَـٰتُنَا }، يعني: القرآن، {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا }، وقولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، أي: قَصَصُهُمُ المَكْتُوبةُ المسْطُورة، وأساطيرُ: جمع «أُسْطُورَةٍ»، ويحتملُ حمع: «أَسْطَار»، وتواترتِ الرواياتُ عن ابنِ جُرَيْج وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بنُ الحارِثِ؛ وذلك أنه كان كَثِيرَ السَّفَرِ إِلى فَارسَ والحِيرَة، فكان قد سَمِعَ من قصص الرهبان وأخبار رُسْتُم وإسْفِنْديَار، فلما سمع القرآن، ورأى فيه أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلْتُ مثْلَ هذا، حديث : وكان النضْرُ من مَرَدةِ قريشٍ النائلين من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونزلَتْ فيه آيات كثيرة من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وأمْكَنَ اللَّه منْهُ يَوْمَ بدر، وقتله رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَبْراً بالصَّفْرَاء مُنْصَرَفَهُ من بَدْرٍ في موضعٍ يقال له «الأَثيل»، وكان أَسَرَهُ المِقْدادُ، فلما أمر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بضرب عُنْقِهِ، قال المقداد: أَسِيرِي، يا رَسُولَ اللَّهِ! فقال رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم« إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ في كِتَابِ اللَّهِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ»، ثُمَّ أَعَادَ الأَمْرَ بِقَتْلِهِ، فَأَعَادَ المِقْدَادُ مَقَالَتَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « اللَّهُمَّ، أَغْنِ المِقْدَادَ مِنْ فَضْلِكَ »، فَقَالَ المِقْدَادُ: هَذَا الَّذِي أَرَدتُّ، فَضُرِبَتْ عُنُقُ النَّضْر.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الآية. هذا الظرفُ معطوفٌ على الظَّرف قبله؛ لأنّ هذه السُّورة مدنيَّة، وهذا المكر والقول إنما كان بمكَّة ولكنَّ الله ذكرهم بالمدينة لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ}تفسير : [التوبة: 40]. واعلم أنه لمَّا ذكَّر المؤمنين بنعمه عليهم بقوله: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ}تفسير : [الأنفال: 26] فكذلك ذكر رسوله بنعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين. قال ابنُ عبَّاسٍ ومجاهدٌ وقتادة وغيرهم: إن قريشاً فزعوا - لمَّا أسلمت الأنصار - أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رُءُوسهُم عتبة، وشيبه ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسودِ، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف فاعترضهم إبليسُ في صورة شيخ، فلما رَأوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم ولن تعدموا منّي رأياً ونصحاً، قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتُقَيِّدُوه، وتحبسوه في بيت وتسدُّوا باب البيت غير كوة وتلقون إليه طعامه وشرابه، وتتَربَّصُوا به رَيْبَ المنُون حتَّى يهلك فيه كما هلك من قبلهُ من الشعراء، فصرخ عدوُّ الله الشيخُ النَّجدي وقال: بئس الرأي والله إن حبستموه في بيت ليخرجن أمره من وراء البيت إلى أصحابه، فيوشك أن يَثِبُوا عليكم فيقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم. قالوا: صدق الشَّيخُ. وقال بعضهم: أخرجوه من عندكم تستريحُوا من أذاه لكم. فقال إبليس: ما هذا برأي، تعمدُون إلى رجلٍ قد أفسد سفهاءكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم، ألَمْ تَرَوْا حلاوة منطقه، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه؟ والله لَئِن فعلتم ذلك لاستمال قلوب قومٍ ثم يسير بهم إليكم ويخرجكم من بلادكم قالوا: صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: إنِّي أرى أن تأخذُوا من كلِّ بطنٍ من قريش شابّاً نسيباً وسطاً فتيًّا ثم يُعْطى كل فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه ضربة رجل واحدٍ، فإذا قتلوهُ تفرَّق دمهُ بين القبائلِ كلها، ولا أظن هذا الحيّ من بني هاشم يَقوونَ على حرب قريش كلها فيرضونَ بأخذ الدِّية فتؤدي قريش ديته. فقال إبليس: صدق هذا الفتى وهو أجودكم رأياً، فتفرقوا على رأي أبي جهل فأوْحَى اللَّهُ تعالى إلى نبيِّه بذلك، وأذن له في الخُرُوج إلى المدينة، وأمره ألاَّ يبيت في مضجعه، فأمر الرسُول عليًّا أن يبيت في مضجعه وقال: اتَّشح ببُرْدَتي؛ فإنَّه لنْ يصلَ إليك أمرٌ تكرهه، ثمَّ خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من ترابٍ، وأخذ اللَّهُ أبصارهم عنه وجعل ينثر التُّراب على رءوسهم، وهو يقرأ {أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً}تفسير : [يس: 8] إلى قوله: {أية : فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [يس:9] ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليًّا بمكَّة حتَّى يؤدِّي عنه الودائع التي كانت توضع عنده لصدقه وأمانته، وباتُوا مُترصِّدين، فلمَّا أصبحوا ثَارُوا إلى مضجعه فأبصروا عليًّا فبهتوا. وقالوا له: أيْنَ صاحبُك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، فلما بلغوا الغار رَأوْا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه؛ فمكث فيه ثلاثاً ثم قدم المدينة فذلك قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. وقوله "لِيُثُبِتُوكَ" متعلِّقٌ بـ "يَمْكُرُ" والتثبيتُ هنا الضَّربُ، حتَّى لا يبقى للمضروب حركة؛ قال: [البسيط] شعر : 2698 - فَقلتُ: ويْحَكَ ماذا فِي صَحيفتكُمْ؟ قالوا: الخَليفَةُ أمْسَى مُثْبَتاً وجِعَا تفسير : وقرأ ابن وثَّابٍ "لِيُثِّبتُوكَ" فعدَّاهُ بالتضعيف، وقرأ النخعي "لِيبيتُوك" من البيات والمعنى: قال ابنُ عبَّاسٍ: ليوثقوك ومن شد فقد أثبت؛ لأنَّهُ لا يقدر على الحركة، ولهذا يقال لمن اشتدَّتْ به علة أو جراحة تمنعه من الحركة قد أثْبِتَ فلانٌ، فهو مُثْبَتٌ. وقيل: ليسجنوك، وقيل: ليثبتوك في بيتٍ، أو يقتلوك، وهو ما حكي من أبي جهل "أو يُخْرِجُوكَ" من مكَّة كما تقدم. ثم قال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} قال الضحاكُ: يصنعون ويصنع اللَّهُ، والمكرُ من الله التدبير بالحقِّ، وقيل: يجازيهم جزاء المكر. {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} وقد تقدَّم الكلام في تفسير "المَكْرِ" في حق الله تعالى في آل عمران عند قوله: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54]. فإن قيل: كيف قال {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} ولا خير في مكرهم؟. فالجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّ المراد أقوى الماكرين، فوضع "خَيْرُ" موضع "أقْوَى" تنبيهاً على أنَّ كُلَّ مكر، فإنَّهُ يبطل في مقابلة فعل اللَّهِ تعالى. وثانيها: أنَّ المُرادَ لو قدر في مكرهم ما يكون خيراً. وثالثها: أنَّ المراد ليس هو التفضيل، بل المرادُ أنَّهُ في نفسه خير كقولك: الزبد خير من الله، أي: من عند اللَّهِ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك‏} ‏ قال‏:‏ تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم‏:‏ إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم‏:‏ بل اقتلوه، وقال بعضهم‏:‏ بل أخرجوه‏.‏ فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً رضي الله عنه يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوه علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم فقالوا‏:‏ أين صاحبك هذا‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا‏:‏ لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال‏. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهل نجد، سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح‏.‏ قالوا‏:‏ أجل فادخل فدخل معهم فقال‏:‏ انظروا في شأن هذا الرجل - فوالله - ليوشكن أن يواتيكم في أمركم بأمره‏.‏ فقال قائل‏:‏ احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء‏:‏ زهير ونابغة، فإنما هو كأحدهم فقال عدوّ الله الشيخ النجدي‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، والله ليخرجن رائد من محبسه لأصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ثم يمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم فانظروا في غير هذا الرأي‏.‏ فقال قائل‏:‏ فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع، وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وكان أمره في غيركم‏.‏ فقال الشيخ النجدي‏:‏ لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذه القلوب بما تستمع من حديث‏؟‏ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجتمعن إليه، ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم‏.‏ قالوا‏:‏ صدق - والله - فانظروا رأياً غير هذا‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره‏.‏ قالوا‏:‏ وما هذا‏؟‏ قال‏:‏ تأخذوا من كل قبيلة غلاماً وسطاً شاباً مهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربوه به - يعني ضربة رجل واحد - فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلهم، وإنهم إذا أرادوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه‏.‏ فقال الشيخ النجدي‏:‏ هذا - والله - هو الرأي، القول ما قال الفتى لا أرى غيره، فتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له‏.‏ فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله له عند ذلك في الخروج وأمرهم بالهجرة وافترض عليهم القتال، فأنزل الله ‏{أية : ‏أُذن للذين يقاتلون‏}‏ ‏تفسير : [‏الحج: 39‏]‏ فكانت هاتان الآيتان أول ما نزل في الحرب، وأنزل بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا‏}‏ الآية‏. وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال ‏"‏حديث : لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب‏:‏ هل تدري ما ائتمروا بك‏؟‏ قال‏:‏ يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني‏. قال‏:‏ من حدثك بهذا‏؟‏ قال‏:‏ ربي‏.‏ قال‏:‏ نعم الرب ربك استوص به خيرا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏! ‏قال‏:‏ أنا استوصي به بل هو يستوصي بي "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن عمير رضي الله عنه عن المطلب بن أبي وداعة ‏"‏حديث : أنا أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما يأتمر بك قومك‏؟‏ قال‏: يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني‏. قال‏:‏ من حدثك بهذا‏؟‏ قال‏: ربي‏.‏ قال‏:‏ نعم الرب ربك فاستوص به خيراً‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قال‏: أنا أستوصي به بل هو يستوصي بي‏: فنزلت ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا‏} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا} ‏ قال‏:‏ هي مكية‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأيام، سئل عن يوم السبت فقال "هو يوم مكر وخديعة"‏. قالوا‏:‏ وكيف ذاك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ فيه مكرت قريش في دار الندوة إذ قال الله ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين‏}‏‏ . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ليثبتوك‏} ‏ يعني ليوثقوك‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ دخلوا دار الندوة يأتمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ لا يدخل عليكم أحد ليس منكم، فدخل معهم الشيطان في صورة شيخ من أهل نجد، فتشاوروا فقال أحدهم‏:‏ نخرجه‏:‏ فقال الشيطان‏:‏ بئسما رأى هذا هو قد كاد أن يفسد فيما بينكم وهو بين أظهركم فكيف إذا أخرجتموه فأفسد الناس ثم حملهم عليكم يقاتلونكم‏.‏ قالوا‏:‏ نعم ما رأى هذا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فخرج هو وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار في جبل يقال له ثور، وقام علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وباتوا يحرسونه يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه فإذا هم بعلي رضي الله عنه‏.‏ فقالوا‏:‏ أين صاحبك‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فاقتصوا أثره حتى بلغوا الغار ثم رجعوا، ومكث فيه هو وأبو بكر رضي الله عنه ثلاث ليال‏. وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي الله عنه‏.‏ أن قريشاً اجتمعت في بيت وقالوا‏:‏ لا يدخل معكم اليوم إلا من هو منكم، فجاء إبليس فقال له‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ شيخ من أهل نجد وأنا ابن أختكم‏.‏ فقالوا‏:‏ ابن أخت القوم منهم‏.‏ فقال بعضهم‏:‏ أوثقوه‏.‏ فقال‏:‏ أيرضى بنو هاشم بذلك‏؟‏ فقال بعضهم‏:‏ أخرجوه‏.‏ فقال‏:‏ يؤويه غيركم‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ ليجتمع من كل بني أب رجل فيقتلوه‏.‏ فقال إبليس‏:‏ هذا الأمر الذي قال الفتى‏.‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية ‏ {‏وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك‏} ‏ إلى آخر الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك‏} ‏ قال‏:‏ كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ شرى علي رضي الله عنه نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه، وكان المشركون يحسبون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت من قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يرمقون علياً ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل علي رضي الله عنه يتصور فإذا هو علي رضي الله عنه، فقالوا‏:‏ إنك للئيم، إنك لتتصوّر وكان صاحبك لا يتصوّرك ولقد استنكرناه منك‏. وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن الحسين رضي الله عنه وقال في ذلك‏: شعر : وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى ومن طاف بالبيت العتيق والحجر رسول الإِله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإِله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا وفي حفظ من الله وفي ستر وبت اراعيه وما يتهمونني وقد وطنت نفسي على القتل والاسر

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [الآية: 30]. قال: المكر مكران: مكر تلبيس ومكر هلاك. وقال الشبلى: المكر فى النعمة الباطنة، والاستدراج فى النعمة الظاهرة.

القشيري

تفسير : ذكره عظيم مِنَّتِه عليه حيث خَلَّصَه من أعدائه حين خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، وهمَّوا بقتله، وحاولوا أن يمكروا به في السِّر، فأعلمه الله ذلك. والمكرُ إظهارُ الإحسانِ مع قَصْدِ الإساءةِ في السِّر، والمكرُ من الله الجزاءُ على المكر، ويكون المكرُ بهم أَنْ يُلْقِيَ في قلوبهم أنه مُحْسِنٌ إليهم ثم - في التحقيق - يُعذِّبهم، وإذا شَغَلَ قوماً بالدنيا صَرَفَ همومَهم إليها حتى يَنْسَوْا أمر الآخرة، وذلك مكرٌ بهم، إذ يُوظِّنُون نفوسهم عليها، فيتيح لهم من مأمنهِم سوءاً، ويأخذهم بغتةً. ومن جملة مكره اغترارُ قومٍ بما يرزقهم من الصيت الجميل بين الناس، وإجراءِ كثير من الطعات عليهم، فأسرارهم تكون بالأغيار منوطةً، وهم عن الله غافلون، وعند الناس أنهم مُكْرَمُون، وفي معناه قيل: شعر : وقد حسدوني في قرب داري منكم وكم من قريب الدار وهو بعيد

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِين} وصف تعالى نفسه بالمكر ومكره منزه عن الجيل والمخائيل والاباطيل مكره سخطه السابق الذى ظهر سمات للعبد على وجوه المطرودين وسوابق المشية الازلية وامتناع جماله بغماته عن مطالعة غير العاشقين به فاخرجهم بصورة المقبولين وكانوا فى الازل من المطرودين فما عرفهم مكان قهره ومكره بهم وعليهم فابرز لهم انوار السعادة وازمهم فى ورطات قهرياته بازمة والشقاوة فراوا على انفسهم حلى الطاعات وعقلوا عن ظلمات بواطنهم لانهم مطموسون بطمس مكر الازل قال تعالى فى وصفهم ضل بعضهم فى الحيوة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً هذا وصف مكر البعد وله قال فى الاولياء مكر انبساط وقرب وهو من علم المجهول وذلك مقام الالتباس حيث ظهر عين الصفة فى عين الفعل على حد الجمع والتفرقة وذلك لطائف مشاهدة المتشابهات من الاستواء والنزول وغيرهما من الصفات وما ذكرنا مجموعه فيكون فى اشارته عليه السّلام حين عائن العدم فى مرآة الحدث بقوله رايت ربى فى احسن صورة وهذا محل العشق والبسط والانبساط والانس والشوق قال الشبلى المكر فى النعم الباطنة والاستدراج فى النعم الظاهرة وقيل المكر مكران مكر تلبيس ومكر هلاك وقال الاستاذ من جملة مكره اغترار قوم بما يرزقهم من الطيبات الجميل واجر كثير الطاعات عليهم مع شرب لهم من قبول الناس اياهم ثم اسرارهم يكون بالاغيار منوطة وهم عند الله غافلون وعند الناس انهم عند الله مكرمون وفى معناه قيل وقد حسدونى قرب دارى منهم فكم من قريب الدار وهو بعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإِذ يمكر بك الذين كفروا} تذكير لمكر قريش حين كان بمكة ليشكر نعمة الله فى خلاصه من مكرهم واستيلائه عليهم. قال ابن اسحق لما رأوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة واصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج اصحابه من المهاجرين اليهم عرفوا انهم قد نزلوا دارا واصابوا سعة فحذروا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا انه قد اجمع لحربهم فاجتمعوا له فى دار الندوة وهى الدار التى بناها قصىّ بن كلاب بمكة وكانت قريش لا تقضى امرا الا فيها وسميت دار الندوة لانهم ينتدون فيها اى يجتمعون للمشاورة والندىّ والندوة والنادى مجلس القوم ومتحدثهم فان تفرق القوم عنه لا يسمى نديا كما لا يسمى الظرف كأسا اذا لم يكن فيه شراب فتتشاوروا فى امر النبى عليه السلام منهم عتبة وشيبة أبى ابنا ربيعة وابو جهل وابو سفيان والنضر بن الحارث وابو البخترى بن هشام وابى بن خلف وزمعة بن الاسود وغيرهم من الرؤساء والاكابر فدخل عليهم ابليس فى صورة شيخ كبير عليه ثياب اطمار فجلس بينهم فقالوا مالك يا شيخ دخلت فى حلوتنا بغير اذننا فقال انا رجل من اهل نجد قدمت مكة فاراكم حسنة وجوهكم طيبة روائحكم فاححببت ان اسمع حديثكم فاقتبس منكم خيرا فدخلت وان كرهتم مجلسى خرجت وما جئتكم الا انى سمعت باجتماعكم فاردت ان احضر معكم ولن تعدموا منى رأيا ونصحا فقالوا ها رجل لا بأس عليكم منه فتكلموا فيما بينهم فبدأ عمر بن هشام فقال اما أنا فأرى ان تأخذوا محمدا فتجعلوه فى بيت تسدون عليه بابه وتشدون عليه وثاقه وتجعلون له كوة تدخلون عليه طعامه وشرابه فيكون محبوسا عندكم الى ان يموت فقال ابليس بئس الرأى يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من ايديكم فقالوا صدق والله الشيخ ثم تكلم ابو البخترى فقال ارى ان تحملوه على بعير فتشدوا وثاقه عليه ثم تخرجوه من ارضكم حتى يموت او يذهب حيث شاء فقال ابليس بئس الرأى تعمدون الى رجل افسد جماعتكم ومعه منكم طائفة فتخرجوه الى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم ايضا جماعة بما يرون من حلاوة كلامه وطلاقة لسانه وتجتمع اليه العرب وتستمع الى حسن حديثه ثم ليأتينكم به فيخرجكم من دياركم ويقتل اشرافكم فقالوا صدق والله الشيخ فتكلم ابو جهل فقال ارى ان يجتمع من كل بطن منكم رجل ويأخذون السيوف فيضربونه جميعا ضربة رجل واحد فيتفرق دمه فى القبائل فلا يدرى قومه من يأخذونه ولا يقومون على حرب قريش كلهم فاذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا فقال ابليس صدق والله هذا الشاب وهو اجودكم رأيا القول قوله لا ارى غيره فتفرقوا على رأيه فنزل جبرائيل عليه السلام فاخبر النبى بذلك وامره ان لا يبيت فى مضجعه الذى كان يبيت فيه وامره بالهجرة الى المدينة فبيت عليا رضى الله عنه على مضجعه وخرج هو مع ابى بكر الصديق رضى الله عنه الى الغار. والمكر حيلة وتدبير فى اهلاك احد وافساد امره بطريق الخفية بحيث لا يعلم المرء الا عند وقوعه. والمعنى اذكر يا محمد وقت مكرهم بك {ليثبتوك} بالوثاق والحبس فان اثبات الشئ وتثبيته عبارة عن الزامه بموضع ومن شد فقد اثبت لانه لا يقدر على الحركة والمراد ما قال عمرو بن هشام {أَو يقتلوك} اى بسيوفهم المختلفة وهو ما قال ابو جهل {او يخرجوك} اى من مكة من بين اظهرهم الى غيرهم وهو ما قال ابو البخترى {ويمكرون ويمكر الله} اى يرد مكرهم عليهم والمكر وامثاله لا يسند اليه تعالى الا على طريق المقابلة والمشاكلة ولا يحسن ابتداء لتضمنه معنى الحيلة والخدعة وهى لا تليق بعظمة الله تعالى {والله خير الماكرين} لا يعبأ بمكرهم عند مكره. قال الحدادى لانه لا يمكر الا بحق وصواب ومكرهم باطل وظلم. واعلم ان للخلق مكرا وللحق مكرا فمكر الخلق من الحيلة والعجز ومكر الخالق من الحكمة والقدرة فمكر الخلق مع مكر الحق باطل زاهق ومكر الحق حق ثابت: قال الحافظ شعر : سحر يا معجزه بهلو نزند ايمن باش سامرى كيست دست از يد بيضا ببرد تفسير : وقال آخر شعر : صعوه كو باعقاب سازد جنك دهد ازخون خود برش را رنك تفسير : قال ابو العيناء كانت لى خصماء ظلمة فشكوتهم الى احمد بن ابى دؤاد وقلت وقد تظاهروا فصاروا يدا واحدة فقال {أية : يد الله فوق أَيديهم} تفسير : [الفتح: 10]. فقلت لهم مكر فقال {أية : ولا يحيق المكر السئ الا باهله} تفسير : [فاطر: 43]. فقلت هم كثير فقال {أية : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإِذن الله} تفسير : [البقرة: 249] شعر : هركرا اقبال باشد رهنمون دشمنش كردد بزودى سرنكون تفسير : .وجد فى وقائع الاسكندر مكتوبا بالذهب اذا كان الله هو غاية الغايات فالمعرفة اجل العبادات. واذا كان الموت حقا فالركون الى الدنيا غرور. واذا كان القدر حقا فالحرص على الدنيا باطل. واذا كان الغدر فى النفوس طبعا فالثقة بكل احد عجز. واذا كان الله عدلا فى احكامه فعقوبات الخلق بما كسبت ايديهم. ولما قصد ابو جهل اضرار النبى عليه السلام بالقتل قتله الله فى بدر وازال شره عن المسلمين وذلك عدل محض منه تعالى فانظر الى قريش حيث شاهدوا الآيات العظام من جهة النبى عليه السلام فما زادوا الا كفرا وعنادا وعداوة فهم اشد الناس فى ذلك. ولو رأى اليوم واحد من الكفرة كرامة لولى امسك عن الاذى بل سارع الى التبجيل كما حكى ان بعض سلاطين الكفار استولى على بعض المسلمين بسفك دمائهم ونهب اموالهم واراد ان يقتل فقراء بعض المشايخ فاجتمع به الشيخ ونهاه عن ذلك فقال لهم السلطان ان كنتم على الحق فاظهروا لى آية فاشار الشيخ الى بعر الجمال هناك فاذا هى جواهر تضئ واشار الى كيزان الارض فارغة عن الماء فتعلقت فى الهواء وامتلأت ماء وافواهها منكسة الى الارض ولا يقطر منها قطرة فدهش السلطان من ذلك فقال له بعض جلسائه لا يكبر هذا فى عينك فانه سحر فقال له السلطان ارنى غير هذا فامر الشيخ بالنار وامر الفقراء بالسماع فلما عمل فيهم الوجد دخل بهم الشيخ الى النار وكانت نارا عظيمة ثم خطف الشيخ ولد السلطان ودار به فى النار ثم غاب به ولم يدر اين ذهبا والسلطان حاضر فبقى متفجعا على ولده فلما كان بعد ساعة ظهرا وفى احدى يدى ابن السلطان تفاحة وفى الاخرى رمانة فقال له السلطان من ذلك فقال له جلساء السوء وهذا عمل بصنعة باطلة فقال السلطان عند ذلك كل ما تظهره لا اصدق به حتى تشرب من هذه الكأس واخرج له كأسا مملوءة سما تقتل القطرة منه فى الحال فامر الشيخ بالسماع حتى وصل اليه الحال فاخذ الكأس حينئذ وشرب جميع ما فيها فتمزقت ثيابه التى عليه فالقوا اليه ثيابا اخرى فتمزقت كذلك ثم اخرى مرارا عديدة ثم ترشح عرقا وبقيت الثياب بعد ذلك ولم تنقطع فاعتقه السلطان وعظمه وبجله ورجع عن ذلك القتل والافساد ولعله اسم والله اعلم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر، يا محمد، نعمة الله عليك بحفظه ورعايته لك {إذ يمكُر بك الذين كفروا} من قريش، حين اجتمعوا في دار الندوة {ليُثْبِتُوكَ} أي: يحبسوك في الوثاق والسجن {أو يقتلوك} بسيوفهم، {أو يخرجوك} من مكة. وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، خافوا على أنفسهم، واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ، وقال: أنا من نجد، سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً، فقال أبو البحتري: أرى أن تحبسوه في بيت، وتسدوا منافذه، غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه فيها، حتى يموت، فقال الشيخ: بئس الرأي، يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: أرى أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم، فلا يضركم ما صنع، فقال الشيخ: بئس الرأي، يُفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً، وتعطوه سيفاً، فتضربوه ضربة واحدة، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإن طلبوا العَقَلَ عقلناه. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى، فتفرقوا على رأيه، فأتى جبريلُ النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وأمره بالهجرة فبيت عليّاً رضي الله عنه على مضجعه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار، ثم سافر مهاجراً إلى المدينة. قال تعالى: {ويمكرون ويمكر اللَّهُ}؛ برد مكرهم عليهم، أو مجازاتهم عليه، أو بمعاملة الماكرين معهم، بأن أخرجهم إلى بدر، وقلل المسلمين في أعينهم، حتى تجرأوا على قتالهم، فقُتِلوا وأُسِروا، {والله خيرُ الماكرين}؛ إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره، وإسناد أمثال هذا مما يحسن للمزاوجة، ولا يجوز إطلاقها ابتداء؛ لما فيه من إيهام الذم. قاله البيضاوي. الإشارة: وإذ يمكر بك أيها القلب الذين كفروا، وهم القواطع من العلائق والحظوظ والشهوات، ليحبسوك في سجن الأكوان، مسجوناً بمحيطاتك، محصوراً في هيكل ذاتك، أو يقتلوك بالغفلة والجهل وتوارد الخواطر والأوهام، أو يُخرجوك من حضرة ربك إلى شهود نفسك، أو من صحبة العارفين إلى مخالطة الغافلين، أو من حصن طاعته إلى محل الهلاك من موطن معصيته، أو من دائرة الإسلام إلى الزيغ والإلحاد، عائذاً بالله من المحن، والله خير الماكرين، فيرد كيد الماكرين، وينصر أولياءه المتوجهين والواصلين، وبالله التوفيق. ثم ذكر مساوئ أهل المكر، فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا}.

الطوسي

تفسير : خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله فقال: واذكر {إذ يمكر بك الذين كفروا} والمكر الفتل إلى جهة الشر في خفى وأصله الالتفاف من قول ذي الرمة. شعر : عجزاء ممكورة خمصانة قلق عنها الوشاح وتم الجسم والقصب تفسير : اي ملتفة. والمكر والختل والغدر نظائر. والفرق بين المكر والغدر ان الغدر نقض العهد الذي يلزم الوفاء به، والمكر قد يكون ابتداء من غير عقد. ووصف الله تعالى بأنه ماكر يحتمل وجهين: احدهما - انه سمى الجزاء على المكر مكراً للازدواج، كقوله {أية : الله يستهزئ بهم} تفسير : اي يجازيهم على الاستهزاء فيكون التقدير والله خير المجازين على المكر، ذكره الزجاج، والثاني - ان يكون على غير تضمن الحيلة لكن على اصل اللغة. قال ابو علي: ومكره بهم حق وصواب {وهو خير الماكرين} مكراً. وقوله "ليثبتوك" قيل في معناه قولان: احدهما - ليثبتوك في الوثاق، في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة. والثاني - قال عطا وعبد الله بن كثير، والسدي {ليثبتوك} في حبس وقال ابو علي الجبائي: معناه ليخرجوك، يقال: اثبته في الحرب إذا جرحه جراحة ثقيلة. وقوله {او يخرجوك} قال الفراء: او يخرجوك علي بعير تطرد به حتى تهلك او يكفيكموه بعض العرب. وهو قول ابي البختري وهشام. وكان سبب ذلك أنهم تآمروا في دار الندوة، فقال عمرو بن هشام: قيدوه تتربصون به ريب المنون. وقال البختري: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم. وقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه بان يجتمع عليه من كل بطن رجل فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد، فترضى حينئذ بنو هاشم بالدية فصوب إبليس هذا الرأي وخطأ الأولين وزيفهما، فاوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله بذلك فامره بالخروج، فخرج إلى الغار، في قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة، وهو قوله {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ولا خلاف بين المفسرين أنه بات عليّ تلك الليلة، وهي الليلة التي أمر النبي صلى الله عليه وآله بالخروج على فراشه إلى أن اصبح، وكانوا يحرسونه إلى الصباح، ولما طلع الفجر ثاروا اليه فاذا علي، قالوا له أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فتركوه وخرجوا في أثره.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} واذكروا وذكّر اذ يمكر بك {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تذكيرٌ لما انعم عليه من النّجاة مع غاية مكر قريش حين اجتمعوا وتشاوروا فى دار النّدوة واجتمع رأيهم على قتله بالاتّفاق حتّى يكون من كلّ قبيلةٍ رجل فيتفرّق دمه على القبائل ولا يتيسّر لبنى هاشمٍ القصاص، وقصّتهم مذكورة فى الصّافى وغيره {لِيُثْبِتُوكَ} بالحبس {أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ} واذ يمكرون بأىّ نحو يتصوّر فهو معطوف على يمكر او هو عطف باعتبار المعنى كأنّه قيل: مكروا ومكر الله ويمكرون فى الحال {وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} بأخذهم من حيث لا يعلمون او هو استنياف {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} من حيث لا يمكن الاطّلاع على سبب اخذه لغاية خفائه من حيث لا يتخلّف المقصود من مكره.

الأعقم

تفسير : {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} وذلك أن قريشاً لما أسلمت الأنصار وبايعوه اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره فدخل عليهم ابليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ فقال: أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً، فقالوا: تحبسونه في بيت وتشدوا وثاقه، فقال ابليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه، فقال هشام بن عمرو بن عروة: تخرجونه من بين أظهركم، فقال ابليس: بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل: تأخذون من كل بطن غلاماً فتضربونه ضربة رجل واحد، فيفترق دمه فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هذا أجودكم رأياً، فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن الله له في الهجرة، ونام علي (عليه السلام) في مضجعه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "اتشح ببردتي فإنه لا يصل إليك أمراً تكرهه" ثم خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال في الثعلبي: وجعل (صلى الله عليه وآله وسلم) ينثر التراب على رؤوسهم ومضى إلى الغار في ثور وهو جبل فدخل فيه هو وأبو بكر وخلف علي (عليه السلام) بمكة حتى يؤدي الودائع وبات المشركون يحرسون عليَّاً الى الصباح، وقالوا له: أين صاحبك؟ وقد رد الله مكرهم، فمكث في الغار ثلاثة أيام ثم قدم المدينة، وقوله: {ليثبتوك} أي يشدوك {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا} الآية نزلت في النضر بن الحرث وكان النضر يختلف بتجارة له إلى الشام إلى بلاد فارس، وهو المعنى بقوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك}، وقيل: نزلت في كفار قريش قالوا ذلك تمرداً، وقولهم: {هذا أساطير الأولين} أي أخبار الأمم الماضية {فأمطر علينا حجارة من السماء} كما أمطرتها على قوم لوط {أو ائتنا بعذاب أليم} أي ببعض ما عذب به الأمم قال عطا: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشر آية من كتاب الله تعالى، قال في الثعلبي: "حديث : وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل يوم بدر ثلاثة من قريش صبراً: المطعم بن عدي، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحرث، وكان النضر أسير المقداد فلما أمر بقتله قال المقداد، أسيري يا رسول الله؟ قالها ثلاثاً: فقال: "اللهم أغن المقداد من فضلك" فقال المقداد: هذا الذي أردت" تفسير : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} الآية يعني فيهم بقية من المؤمنين يستغفرون الله تعالى بعد خروج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأن عذاب الاستئصال يعمّ ولو عذب لعذاب هؤلاء المؤمنون المستغفرون، ولما خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عذبهم بالسيف {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام}، قيل: كانوا يصدون المؤمنين، وقيل: صدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية وكانوا يقولون نحن ولاة البيت، قال في الثعلبي: وقوله: {وما كان الله معذبهم} الآية فأما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد مضى، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة، وقال عكرمة: وهم يستغفرون أي يصلون.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}. قال الكلبي: بلغنا أن عصابة من قريش اجتمعوا في دار الندوة يمكرون بنبي الله عليه السلام، فدخل معهم إبليس عليه لعنة الله، عليه ثياب له أطمار، في صورة شيخ كبير، فجلس معهم؛ فقالوا ما أجلسك في جماعتنا بغير إذننا، فقال لهم: أنا رجل من أهل نجد، قدمت مكة فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأقتبس منكم خيراً، ورأيت وجوهكم حسنة، وريحكم طيبة؛ فإن أحببتم جلست معكم، وإن كرهتم مجلسي خرجت. فقال بعضهم لبعض: هذا رجل من أهل نجد، ليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه. فتكلموا بالمكر بنبي الله؛ فقال أبو البَخْتري بن هشام، أحد بني أسد بن عبد العزى: أما أنا فأرى لكم من الرأي أن تأخذوا محمداً فتجعلوه في بيت ثم تسدّوا عليه بابه، وتجعلوا فيه كوّة، فتدخلوا إليه طعامه وشرابه، ثم تذروه فيه حتى يموت. فقال القوم: نعم الرأي رأيت. فقال إبليس: بئس الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو، وقد سمع به من حولكم، فتحبسونه وتطعمونه وتسقونه، فيوشك ذلك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلوكم عليه، فتفسد فيه جماعتكم، وتسفك فيه دماؤكم. فقالوا صدق والله. ثم تكلم أبو الأسود، وهو هاشم بن عمير بن ربيعة، أحد بني عامر بن لؤي، فقال: أما أنا فأرى أن تحملوا محمداً على بعير، فتخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم. فقالوا: نعم والله الرأي رأيت. فقال إبليس: بئس الرأي والله رأيتم؛ تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم، واتبعته منكم طائفة فتخرجونه إلى غيركم، فيأتيهم فيفسدهم كما أفسدكم؛ يوشك والله أن يُقبل بهم عليكم. قالوا: صدق والله. ثم تكلم أبو جهل فقال: أما أنا فأرى من الرأي أن تأخذوا من كل بطن من قريش رجلاً، ثم تعطوا كل رجل سيفاً، فيأتونه، فيضربونه جميعاً، فلا يدري قومه من يأخذون به، وتؤدي قريش ديته. فقال إبليس: صدق والله هذا الشاب، إن الأمر لَكَما قال؛ فاتفقوا على ذلك. فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وأمره بالخروج؛ فخرج من ليلته إلى المدينة. قال الله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ}. قال بعضهم: في قوله: {لِيُثَبِتُوكَ} أي وثاقاً، أرادوا ذلك ونبي الله بمكة.

اطفيش

تفسير : {وإذْ يمكُر بكَ الَّذينَ كفَرُوا} واذكر إذ يمكرون بك، وزعم بعض أن إذ معطوفة على إذ فى قوله: {أية : واذكروا إذ أنتم قليل}تفسير : وهو سهو، لأنه لم يقل: وإذ يمكر بك، وأصل المكر الخديعة والضر فى الحقيقة، وعن ابن فورك أصله المدافعة على جهة اللعب حتى يوقع فى حفرة، والمضارع حكاية للحال الماضية بجعلها كأنها حاضرة، وذلك أن قريشا أرادوا مكره وشرعوا فيه، وذلك فى مكة، فنجاه الله، فذكره ذلك ليشكر. {ليُثْبتوكَ} يحبسوك عن الذهاب والتصرف، بالإيثاق بحبل أو حديد، أو فى بيت مغلق، وبه قال السدى، وعطاء، وابن أبى كثير، أو بكثرة الضرب والجرح به، قاله أبو حاتم، وبالأول قال ابن عباس، ومجاهد، وقد قرأ ابن عباس: ليقيدوك أى يوثقوك، وقيل: ليسخروك، قرأ يحيى بن وثاب بفتح الثاء وتشديد التاء حكاه الإمام أبو عمرو الدانى، وحكاه عنه النقاش ليبيتوك من البيات، وقيل: هذه ومعناه قريب من معنى قوله: {أو يقْتلُوك} لكن التبييت القتل ليلا {أو يخْرجُوكَ} من مكة {ويمْكُرونَ} يتعاطون ضره خفية {ويمْكُر اللهُ} أى يجازيهم على مكرهم، وسمى الجزاء باسم الذنب، أو يرد مكرهم عليهم، أو يعاملهم معاملة الماكر، وقد قلد المسلمين فى أعينهم حتى اغتروا بقتلهم، فكانت الوقعة عليهم، وذلك فى أمر بدر، ولا يوصف الله بالمكر إلا مقابلة مكر، لأنه يوهم الذم، وذلك وقوف مع الوارد فى صفة الله، ولم يرد وصف المكر إلا مع ذكر مكر الإنسان، وأجيز وصفه به مطلقا استعارة، كقول على: من وسع عليه فى الدنيا ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع. {واللهُ خَيرُ الماكرين} أى أعظمهم مكرا، أو زعموا أن فى مكرهم منفعة فأخبر الله أن مكرى أنفع، أو خرج خبر عن التفصيل أى فى مكر الله من بين مكر الماكرين نفع، وحكم وعدل، والآية مدنية بذكير بما وقع بمكة، عكرمة، ومجاهد: أنها مكية، وعن ابن زيد: أنها نزلت عقب كفاية المستهزئين. قيل: ولعل معنى كونها مكية أن القصة مكية، وذاك أنه لما سمعت قريش بإسلام الأنصار ومبايعتهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يجدون منعة، ويتفاخم أمرهم، ويجمعون لحربهم، وخافوا ذلك، وذلك بعد موت أبى طالب، فاجتمعوا فى دار الندوة وهى دار قصى بن كلاب، وكانوا لا يقضون أمرا إلا فيها، وكانت للمشاورة فى الحرب وغيرها لا للسكنى، والندوة الاجتماع، وحضر فيها رؤسائهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل، وأبو سفيان، والمطعم بن عدى، والنظر بن الحارث، وأبو البخترى بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، واعترضهم إبليس فى صورة شيخ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا منى رأيا ونصحا، فقالوا: ادخل، فدخل. قال بعضهم: إنما تمثل فى صورة نجدى لأنهم قالوا: لا يدخلن معكم فى المشاورة أد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد، فلذلك تمثل فى صورة نجدى، وكان فى ثياب رثة، وروى أنه دخل فيهم وجلس معهم فقالوا: وما أدخلك فى مجلسنا بغير إذننا؟ فقال: أنا رجل من أهل نجد، قدمت مكة فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأقتبس منكم خيرا، ورأيت وجوهكم حسنة، وريحكم طيبة، فإن أحببتم جلست معكم، وإن كرهتم مجلسى خرجت؟ فقال بعض لبعض: هذا نجدى لا بأس عليكم منه. فقال أبو البخترى: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه فى بيت مقيدا، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون منها طعامه وشرابه، وتتربصون به ريب المنون حتى يهلك، كمن هلك من قبله من الشعراء، فقالوا نِعْم الرأى رأيت. وصرخ الشيخ النجدى وهو إبليس لعنه الله وقال: بئس الرأى رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صفو، وقد سمع به من حولكم فتحبسونه وتطعمونه وتسقونه، فيخرج أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه، فيوشك صفوه الذى فيكم أن يقاتلوكم ويأخذوه من بين أيديكم، فتفسد جماعتكم، فقالوا: صدق النجدى. فقال هشام بن عمرو من بنى عامر بن لوى: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم فلا يضركم ما صنع، فتستريحون منه إذا غاب، فقالوا: نِعْم الرأى. فقال النجدى: بئس الرأى تعمدون إلى رجل قد أفسد جماعتكم، واتبعه منكم طائفة سفهاء فتخرجونه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم أو اشد، فيأتون عليكم فيخرجونكم من بلادكم، ألا ترون إلى حلاوة منطقه، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب بما تسمع من حيدثه، فقالوا: صدق الشيخ النجدى. فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأى ما أرى غيره، أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا قويا نسيبا وسطا، وتعطوا كل فتى سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه، ولا أظن هذا الحى من بنى هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإذا رأوا ذلك قالوا: الدية فتؤدى قريش ديته، وقيل: قال: فيضربوه جميعا فلا يدرى قومه من يأخذون به وتؤدى قريش ديته. وقال بعضهم: قال: إن لى فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد؟ قالوا: ما هو يا أبا الحكم؟ فذكر ذلك، على الروايات كلها قال النجدى: صدق والله هذا المفتى، وقيل: قال: الشاب، وقيل: قال: الرجل، وإنه لأجودكم رأيا، والرأى ما أرى ولا أرى غيره فتفرقوا عليه. فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك بواسطة جبريل عليه السلام، وأمره بالخروج إلى المدينة، وأن لا يبيت الليلة على فراشه، ولما كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه. حديث : فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: "نم على فراشى، وتغط بردائى هذا الحضرمى الأخضر" تفسير : وفى رواية: "حديث : بردتى فإنه لن يخلص إليك شئ تكرهه" تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم ينام فيها، ففعل علىّ ما قال له. قال محمد بن كعب القرظى، حديث : اجتمعوا له وفيهم أبو جهل فقال وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تتابعوه كان له فيكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى يده حفنة من تراب قال: "نعم أنا أقول ذلك وأنت أحدهم" وأخذ الله على أبصارهم، فنثر التراب على رءوسهم وهو يقرأ {يس} إلى {لا يبصرون} ومضى إلى غار ثور، فجاء رجل وقال: ما تنتظرون هاهنا؟ فقالوا: محمدا، وكانوا يعتقدون أنه فى الدار، قال: خيَّبكم الله، قد والله خرج وما ترك رجلا منكم إلا وقد وضع التراب على رأسه، أفما ترون ما بكم، فوضع كل واحد يده على رأسه فإذا عليه تراب، وماتوا كلهم يوم بدر . تفسير : وقيل: اجتمعوا فى بابه ليقتلوه إذا قام من نومه، فكانوا يرصدون الشخص المتغطى بالبردة، فلما قام رأوه عليا فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدرى، وعلى كل حال أرسلوا فى طلبه، وأرسلوا من يقتص الأثر، فاقتصه مقتص حتى وقف بهم على فم الغار، وقال: إنه دخل الغار أو صعد السماء، فقالوا: لو دخل الغار لتفسخ نسيج العنكبوت، ولما باضت الحمامة فى فمه وهو فيه، وقال علىّ فى شأن نومه ذلك شعر : وقيت بنفسى خير من وطئ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجرى رسول إله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكرى

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فهو متعلق بمحذوف وقع مفعولاً لفعل محذوف معطوف على ما تقدم أو منصوب بالفعل المضمر المعطوف على ذلك، أي واذكر نعمته تعالى عليك إذ أو اذكر وقت مكرهم بك {لِيُثْبِتُوكَ} بالوثاق ويعضده قراءة ابن عباس {ليقيدوك} وإليه ذهب الحسن ومجاهد وقتادة أو بالإثخان بالجرح من قولهم: ضربه حتى أثبته لا حراك به ولا براح، وهو المروي عن أبان وأبـي حاتم والجبائي، وأنشد:شعر : فقلت ويحكم ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعاً تفسير : أو بالحبس في بيت كما روي عن عطاء والسدي، وكل الأقوال ترجع إلى أصل واحد وهو جعله صلى الله عليه وسلم ثابتاً في مكانه أعم من أن يكون ذلك بالربط أو الحبس أو الإثخان بالجراح حتى لا يقدر على الحركة، ولا يرد أنَّ الإثخان إن كان بدون قتل فلا ذكر له فما اشتهر من القصة وإن كان بالقتل يتكرر مع قوله تعالى: {أَوْ يَقْتُلُوكَ} لأنا نختار الأول، ولا يلزم أن يذكر في القصة لأنه قد يكون رأي من لا يعتد برأيه فلم يذكروا المراد على ما تقتضيه {أَوْ يَقْتُلُوكَ} بسيوفهم {أَوْ يُخْرِجُوكَ} أي من مكة، وذلك على ما ذكر ابن إسحاق ((أن قريشاً لما رأت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم من غير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم منعة فحذروا [خروج] رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم فاجتمعوا [له] في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها يتشاورون فيها ما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام [حين خافوه] فلما اجتمعوا كما قال ابن عباس لذلك واتعدوا أن يدخلوا الدار ليتشاوروا فيها غدوا في اليوم الذي اتعدوا فيه وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة فاعترضهم إبليس عليه اللعنة في هيئة شيخ جليل عليه بدلة فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفاً على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأياً ونصحاً قالوا: أجل فادخل فدخل معهم وقد اجتمع أشراف قريش فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما رأيتم وإنا والله ما نأمنه قال: فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد واغلقوا عليه باباً ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا برأي والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم / ذلك ما أمنت أن يحل على ح من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه عليه ثم يسير بهم إليكم فيطؤكم بهم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأياً غيره. قال فقال أبو جهل: والله إن لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل [جميعها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم] فرضوا منها بالعقل فعقلناه لهم. قال فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل هو هذا الرأي لا أرى غيره فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي كرم الله تعالى وجهه نم على فراشي وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام في برده ذلك إذا نام))، وأذن له عليه الصلاة والسلام في الهجرة فخرج مع صاحبه أبـي بكر رضي الله تعالى عنه إلى الغار، وأنشد علي كرم الله تعالى وجهه مشيراً لما من الله تعالى به عليه:شعر : وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول اله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكر وبات رسول الله في الغار آمنا وقد صار في حفظ الإله وفي ستر وبت أراعيهم وما يتهمونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر تفسير : {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ} أي يرد مكرهم ويجعل وخامته عليهم أو يجازيهم عليه أو يعاملهم معاملة الماكرين وذلك بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فلقوا منهم ما يشيب منه الوليد، ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل أو استعارة تمثيلية، وقد يكتفي بالمشاكلة الصرفة {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ} إذ لا يعتد بمكرهم عند مكره سبحانه. قال بعض المحققين: إطلاق هذا المركب الإضافي عليه تعالى إن كان باعتبار أن مكره جل شأنه أنفذ وأبلغ تأثيراً فالإضافة للتفضيل لأن لمكر الغير أيضاً نفوذاً وتأثيراً في الجملة، وهذا معنى أصل فعل الخير فتحصل المشاركة فيه، وإذا كان باعتبار أنه سبحانه لا ينزل إلا الحق ولا يصيب إلا بما يستوجبه الممكور به فلا شركة لمكر الغير فيه فالإضافة حينئذٍ للاختصاص كما في ـ أعدلا بن مروان ـ لانتفاء المشاركة. وقيل: هو من قبيل ـ الصيف أحر من الشتاء ـ بمعنى أن مكره تعالى في خيريته أبلغ من مكر الغير في شريته. وادعى غير واحد أن المكر لا يطلق عليه سبحانه دون مشاكلة لأنه حيلة يجلب بها مضرة إلى الغير وذلك مما لا يجوز في حقه سبحانه. واعترض بوروده من دون مشاكلة في قوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ ٱللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 99] وأجيب بأن المشاكلة فيما ذكر تقديرية وهي كافية في الغرض، وفيه نظر، فقد جاء عن علي كرم الله تعالى وجهه «من وسع عليه في دنياه ولم يعلم أنه مكر به فهو مخدوع في عقله» والمشاكلة التقديرية فيه بعيدة جداً / بل لا يكاد يدعيها منصف.

سيد قطب

تفسير : يمضي السياق في السورة، يستعرض الماضي في مواجهة الحاضر؛ ويصور للعصبة المسلمة التي خاضت المعركة وانتصرت فيها ذلك النصر المؤزر، مدى النقلة الهائلة بين ذلك الماضي وهذا الحاضر؛ ويريها فضل الله عليها في تدبيره لها وتقديره.. الأمر الذي تتضاءل إلى جانبه الأنفال والغنائم؛ كما تهون إلى جانبه التضحيات والمشاق. ولقد سبق في الدرس الماضي تصوير ما كان عليه موقف المسلمين في مكة - وقبل هذه الغزوة - من القلة والضعف وقلة المنعة، حتى ليخافون أن يتخطفهم الناس؛ وتصوير ما صاروا إليه من الإيواء والعزة والنعمة بتدبير الله ورعايته وفضله.. وهنا يستطرد إلى تصوير موقف المشركين وهم يبيتون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبيل الهجرة ويتآمرون. وهم يُعرضون عما معه من الآيات ويزعمون أنهم قادرون على الإتيان بمثلها لو يشاءون! وهم يعاندون ويلج بهم العناد حتى ليستعجلون العذاب - إن كان هذا هو الحق من عند الله - بدلا من أن يفيئوا إليه ويهتدوا به! ثم يذكر كيف ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويجمعوا لحرب رسول الله؛ ويوعدهم بالخيبة والحسرة في الدنيا، والحشر إلى جهنم في الآخرة، والخسارة هنا وهناك من وراء الكيد والجمع والتدبير. وفي النهاية يأمر الله نبيه أن يواجه الذين كفروا فيخيرهم بين أمرين: أن ينتهوا عن الكفر العناد وحرب الله ورسوله فيغفر لهم ما سبق في جاهليتهم من هذه المنكرات. أو أن يعودوا لما هم عليه وما حاولوه فيصيبهم ما أصاب الأولين من أمثالهم؛ وتجري عليه سنة الله بالعذاب الذي يشاؤه الله ويقدره كما يريد.. ثم يأمر الله المسلمين أن يقاتلوهم حتى لا تكون للكفر قوة يفتنون بها المسلمين؛ وحتى تتقرر الألوهية في الأرض لله وحده - فيكون الدين كله لله - فإن أعلنوا الاستسلام قبل منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ونيتهم يحاسبهم بها الله، والله بما يعملون بصير. وإن تولوا وظلوا على حربهم وعنادهم وعدم اعترافهم بألوهية الله وحده، وعدم استسلامهم لسلطان الله في الأرض، واصل المسلمون جهادهم، مستيقنين أن الله مولاهم، ونعم المولى ونعم النصير.. {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك. ويمكرون ويمكر الله. والله خير الماكرين}.. إنه التذكير بما كان في مكة، قبل تغير الحال، وتبدل الموقف. وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل، كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر.. ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق. وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوف وقلق؛ في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة.. وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم، لا مجرد النجاة منهم! لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحبسوه حتى يموت؛ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه؛ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا.. ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله؛ على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا؛ ليتفرق دمه في القبائل؛ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر! قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجريري، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره ابن عباس في قوله: {وإذ يمكر بك}.. قال: "تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخروجه. فأطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك؛ فبات عليّ - رضي الله عنه - على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري! فاقتصوا أثره؛ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه.. فمكث فيه ثلاث ليال". {ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين}.. والصورة التي يرسمها قوله تعالى: {ويمكرون ويمكر الله}.. صورة عميقة التأثير.. ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون.. والله من ورائهم، محيط، يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون! إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة.. فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة.. قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط؟ والتعبير القرآني يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير؛ فيهز بها القلوب، ويحرك بها أعماق الشعور. ويمضي السياق في وصف أحوال الكفار وأفعالهم؛ ودعاويهم ومفترياتهم. حتى ليبلغ بهم الادعاء أن يزعموا أن في مقدورهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن لو شاءوا!‍ مع وصف هذا القرآن الكريم، بأنه أساطير الأولين: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا: قد سمعنا‍! لو نشاء لقلنا مثل هذا!‍ إن هذا إلا أساطير الأولين}.. ذكر ابن كثير في التفسير - نقلا عن سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم - أن القائل لذلك هو النضر ابن الحارث قال: "فإنه - لعنه الله - كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار؛ ولما قدم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بعثه الله وهو يتلو على الناس القرآن. فكان - عليه الصلاة والسلام - إذا قام من مجلس جلس فيه النضر فحدثهم من أخبار أولئك؛ ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصا؟ أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى فيه يوم بدر ووقع في الأسارى، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -أن تضرب رقبته صبرا بين يديه، ففعل ذلك والحمد لله. وكان الذي أسره المقداد بن الأسود رضي الله عنه.. كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير قال:"حديث : قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر صبرا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث. وكان المقداد أسر النضر، فلما فأمر بقتله قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه كان يقول في كتاب الله عزو جل ما يقول". فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله، أسيري، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم أغن المقداد من فضلك". فقال المقداد: هذا الذي أردت!"تفسير : قال: وفيه أنزلت هذه الآية: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا: قد سمعنا، لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين}.. ولقد تكررت في القرآن حكاية قول المشركين عن القرآن: إنه أساطير الأولين: {أية : وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكره وأصيلاً }.. تفسير : وما كان هذا القول إلا حلقة من سلسلة المناورات التي كانوا يحاولون أن يقفوا بها في وجه هذا القرآن، وهو يخاطب الفطرة البشرية بالحق الذي تعرفه في أعماقها فتهتز وتستجيب؛ ويواجه القلوب بسلطانه القاهر فترتجف لإيقاعه ولا تتماسك. وهنا كان يلجأ العلية من قريش إلى مثل هذه المناورات. وهم يعلمون أنها مناورات! ولكنهم كانوا يبحثون في القرآن عن شيء يشبه الأساطير المعهودة في أساطير الأمم من حولهم ليموهوا به على جماهير العرب، الذين من أجلهم تطلق هذه المناورات، للاحتفاظ بهم في حظيرة العبودية للعبيد! لقد كان الملأ من قريش يعرفون طبيعة هذه الدعوة، مذ كانوا يعرفون مدلولات لغتهم الصحيحةَ! كانوا يعرفون أن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، معناها إعلان التمرد على سلطان البشر كافة، والخروج من حاكمية العباد جملة؛ والفرار إلى ألوهية الله وحده وحاكميته. ثم التلقي في هذه العبودية لله عن محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، دون الناطقين باسم الآلهة أو باسم الله!.. وكانوا يرون الذين يشهدون هذه الشهادة يخرجون لتوهم من سلطان قريش وقيادتها وحاكميتها؛ وينضمون إلى التجمع الحركي الذي يقوده محمد - صلى الله عليه وسلم - ويخضعون لقيادته وسلطانه؛ وينتزعون ولاءهم للأسرة والعشيرة عليها هذه القيادة الجديدة.. كان هذا كله مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. وكان هذا واقعاً يشهده الملأ من قريش؛ ويحسون خطره على كيانهم، وعلى الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقيدية التي يقوم عليها كيانهم. لم يكن مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هو هذا المدلول الباهت الفارغ الهزيل الذي يعنيه اليوم من يزعمون أنهم مسلمون - لمجرد أنهم يشهدون هذه الشهادة بألسنتهم؛ ويؤدون بعض الشعائر التعبدية، بينما ألوهية الله في الأرض وفي حياة الناس لا وجود لها ولا ظل؛ وبينما القيادات الجاهلية والشرائع الجاهلية هي التي تحكم المجتمع وتصرف شؤونه. وحقيقة إنه في مكة لم تكن للإسلام شريعة ولا دولة.. ولكن الذين كانوا ينطقون بالشهادتين كانوا يسلمون قيادهم من فورهم للقيادة المحمدية؛ويمنحون ولاءهم من فورهم للعصبة المسلمة؛ كما كانوا ينسلخون من القيادة الجاهلية ويتمردون عليها؛ وينزعون ولاءهم من الأسرة والعشيرة والقبيلة والقيادة الجاهلية بمجرد نطقهم بالشهادتين.. فلم يكن الأمر هو هذا النطق الفارغ الباهت الهزيل. ولكن كانت دلالته الواقعية العملية هي التي تترجمه إلى حقيقة يقوم عليها الإسلام.. وهذا هو الذي كان يزعج الملأ من قريش من زحف الإسلام، ومن هذا القرآن.. إنه لم يزعجهم من قبل أن "الحنفاء" اعتزلوا معتقدات المشركين وعباداتهم؛ واعتقدوا بألوهية الله وحده وقدموا له الشعائر وحده، واجتنبوا عبادة الأصنام أصلا.. فإلى هنا لا يهم الطاغوت الجاهلي شيء؛ لأنه لا خطر على الطاغوت من الاعتقاد السلبي والشعائر التعبدية! إن هذا ليس هو الإسلام - كما يظن بعض الطيبين الخيرين الذين يريدون اليوم أن يكونوا مسلمين، ولكنهم لا يعرفون ما هو الإسلام معرفة اليقين! - إنما الإسلام هو تلك الحركة المصاحبة للنطق بالشهادتين.. هو الانخلاع من المجتمع الجاهلي وتصوراته وقيمه وقيادته وسلطانه وشرائعه؛ والولاء لقيادة الدعوة الإسلامية وللعصبة المسلمة التي تريد أن تحقق الإسلام في عالم الواقع.. وهذا ما كان يقض مضاجع الملأ من قريش، فيقاومونه بشتى الأساليب.. ومنها هذا الأسلوب.. أسلوب الادعاء على القرآن الكريم، بأنه أساطير الأولين! وأنهم - لو شاءوا - قالوا مثله! ذلك مع تحديهم به مرة ومرة ومرة.. وهم في كل مرة يعجزون ويخنسون! والأساطير واحدتها أسطورة. وهي الحكاية المتلبسة - غالباً - بالتصورات الخرافية عن الآلهة، وعن أقاصيص القدامى وبطولاتهم الخارقة، وعن الأحداث التي يلعب فيها الخيال والخرافة دوراً كبيراً.. وقد كان الملأ من قريش يعمدون إلى ما في القرآن من قصص الأولين؛ وقصص الخوارق والمعجزات؛ وفعل الله بالمكذبين وإنجائه للمؤمنين.. إلى آخر ما في القصص القرآني من هذه الموضوعات؛ فيقولون للجماهير المستغفلة: إنها أساطير الأولين؛ اكتتبها محمد ممن يجمعونها؛ وجاء يتلوها عليكم، زاعماً أنه أوحي إليه بها من عند الله.. وكذلك كان النضر ابن الحارث يجلس في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد انتهائه؛ أو يجلس مجلساً آخر يجاوره؛ ويقص الأساطير الفارسية التي تعلمها من رحلاته في بلاد فارس؛ ليقول للناس: إن هذا من جنس ما يقوله لكم محمد. وها أناذا لا أدعي النبوة ولا الوحي كا يدعي! فإن هي إلا أساطير من نوع هذه الأساطير! ولا بد أن نقدر أنه كان هناك تأثير لهذه البلبلة في الوسط الجاهلي عند عامة الناس. وبخاصة في أول الأمر، قبل أن تتجلى الفوارق بين هذه الأساطير والقصص، وبين القرآن الكريم. لندرك لم نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل المعركة في بدر بقتل النضر بن الحارث. ثم لما وجده أسيراً أمر بقتله هو والنفر القليل الذين أمر بقتلهم من الأسرى؛ ولم يقبل فيه فدية كالآخرين. على أن الذي انتهى إليه الأمر في مكة أن هذه الأساليب لم تعش طويلاً؛ وأن هذا النوع من المناورات قد انكشف بعد حين؛ وأن القرآن بسلطانه القاهر الذي يحمله من عند الله؛ وبالحق العميق الذي تصطلح عليه الفطرة سريعاً، قد اكتسح هذه الأساليب وهذه المناورات، فلم يقف له منها شيء؛ وراح الملأ من قريش - في ذعر - يقولون: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون!} تفسير : ووجد كبراؤهم، من أمثال أبي سفيان، وأبي جهل والأخنس بن شريق أنفسهم يخالس بعضهم بعضاً ليبيت ليلته يستمع خفية لهذا القرآن؛ ولا يملك نفسه من أن تقوده قدماه ليلة بعد ليلة إلى حيث يستمع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خفية عن الآخرين؛ حتى تعاهدوا وأكدوا على أنفسهم العهود، ألا يعودوا إليها، مخافة أن يراهم الفتية فيفتنوا بهذا القرآن وبهذا الدين! على أن محاولة النضر بن الحارث أن يلهي الناس عن هذا القرآن بشيء آخر يخدعهم به عنه، لم تكن هي المحاولة الأخيرة ولن تكون.. لقد تكررت في صور شتى وسوف تتكرر.. لقد حاول أعداء هذا الدين دائماً أن يصرفوا الناس نهائياً عن هذا القرآن. فلما عجزوا حولوه إلى تراتيل يترنم بها القراء ويطرب لها المستمعون، وحولوه إلى تمائم وتعاويذ يضعها الناس في جيوبهم وفي صدورهم وتحت وسائدهم... ويفهمون أنهم مسلمون، ويظنون أنهم أدوا حق هذا القرآن وحق هذا الدين! لم يعد القرآن في حياة الناس هو مصدر التوجيه.. لقد صاغ لهم أعداء هذا الدين أبدالاً منه يتلقون منها التوجيه في شؤون الحياة كلها.. حتى ليتلقون منها تصوراتهم ومفاهيمهم، إلى جانب ما يتلقون منها شرائعهم وقوانينهم، وقيمهم وموازينهم! ثم قالوا لهم: إن هذا الدين محترم، وإن هذا القرآن مصون. وهو يتلى عليكم صباحاً ومساء وفي كل حين؛ ويترنم به المترنمون، ويرتله المرتلون.. فماذا تريدون من القرآن بعد هذا الترنم وهذا الترتيل؟! فأما تصوراتكم ومفهوماتكم، وأما أنظمتكم وأوضاعكم، وأما شرائعكم وقوانينكم، وأما قيمكم وموازينكم، فإن هناك قرآناً آخر هو المرجع فيها كلها، فإليه ترجعون! إنها مناورة النضر بن الحارث، ولكن في صورة متطورة معقدة، تناسب تطور الزمان وتعقد الحياة.. ولكنها هي هي في شكل من أشكالها الكثيرة، التي عرفها تاريخ الكيد لهذا الدين، على مدار القرون! ولكن العجيب في شأن هذا القرآن، أنه - على طول الكيد وتعقده وتطوره وترقيه - ما يزال يغلب!.. إن لهذا الكتاب من الخصائص العجيبة، والسلطان القاهر على الفطرة، ما يغلب به كيد الجاهلية في الأرض كلها وكيد الشياطين من اليهود والصليبيين؛ وكيد الأجهزة العالمية التي يقيمها اليهود والصليبيون في كل أرض وفي كل حين! إن هذا الكتاب ما يزال يلوي أعناق أعدائه في الأرض كلها ليجعلوه مادة إذاعية في جميع محطات العالم الإذاعية؛ بحيث يذيعه - على السواء - اليهود، ويذيعه الصليبيون، ويذيعه عملاؤهم المتسترون تحت أسماء المسلمين! وحقيقة إنهم يذيعونه بعد أن نجحوا في تحويله في نفوس الناس "المسلمين"! - إلى مجرد أنغام وتراتيل؛ أو مجرد تمائم وتعاويذ! وبعد أن أبعدوه - حتى في خاطر الناس.. المسلمين!.. من أن يكون مصدر التوجيه للحياة؛ وأقاموا مصادر غيره للتوجيه في جميع الشؤون.. ولكن هذا الكتاب ما يزال يعمل من وراء هذا الكيد؛ وسيظل يعمل؛ وما تزال في أنحاء في الأرض عصبة مسلمة تتجمع على جدية هذا الكتاب، وتتخذه وحده مصدر التوجيه؛ وهي ترتقب وعد الله لها بالنصر والتمكين، من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد.. وما كان مرة لا بد أن سيكون.. ثم يمضي السياق يصف العجب العاجب من عناد المشركين في وجه الحق الذي يغالبهم فيغلبهم؛ فإذا الكبرياء تصدهم عن الاستسلام له والإذعان لسلطانه؛ وإذا بهم يتمنون على الله - إن كان هذا هو الحق من عنده - أن يمطر عليهم حجارة من السماء، أو أن يأتيهم بعذاب أليم. بدلاً من أن يسألوا الله أن يرزقهم اتباع هذا الحق والوقوف في صفه: {وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم}.. وهو دعاء غريب؛ يصور حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق، حتى ولو كان حقاً! إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو الله أن يكشف لها عن وجه الحق، وأن يهديها إليه، دون أن تجد في هذا غضاضة. ولكنها حين تفسد بالكبرياء الجامحة، تأخذها العزة بالإثم، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب، على أن تخضع للحق عندما يكشف لها واضحاً لا ريب فيه.. وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكة يواجهون دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية في وجه هذا العناد الجامح الشموس! ويعقب السياق على هذا العناد، وعلى هذا الادعاء، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء وللعذاب الأليم الذي طلبوه - إن كان هذا هو الحق من عنده - وإنه للحق.. مع هذا فإن الله قد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذبين قبلهم. لأن رسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى. والله لا يعذبهم عذاب الاستئصال والرسول فيهم. كما أنه لا يعذبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها؛ وليس تأخير العذاب عنهم لمجرد أنهم أهل هذا البيت. فهم ليسوا بأولياء هذا البيت إنما أولياؤه المتقون: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية. فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. إنها رحمة الله تمهلهم فلا يأخذهم الله بعنادهم؛ ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام - وقد كانوا يمنعون المسلمين أن يحجوا إليه، وهم لا يمنعون أحداً ولا يهيجونه عنه! إنها رحمة الله تمهلهم عسى أن يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه - ولو بعد حين - وما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم، يدعوهم، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم؛ فهم إكراماً لوجود رسول الله بينهم يمهلون. والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائماً مفتوح إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}.. فأما لو عاملهم الله بما هم فيه فهم مستحقون لهذا العذاب: {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام. وما كانوا أولياءه. إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون}.. إنه لا يمنع العذاب عنهم ما يدعونه من أنهم ورثة إبراهيم وسدنة بيت الله الحرام.. فهذه ليست سوى دعوى لا أساس لها من الواقع. إنهم ليسوا أولياء هذا البيت ولا أصحابه. إنهم أعداء هذا البيت وغاصبوه! إن بيت الله الحرام ليس تركة يرثها الخلف عن السلف. إنه بيت الله يرثه أولياء الله المتقون لله.. ومثله دعواهم أنهم ورثة إبراهيم - عليه السلام - فوراثة إبراهيم ليست وراثة دم ونسب؛ إنما هي وراثة دين وعقيدة. والمتقون هم ورثة إبراهيم وبيت الله الذي بناه لله؛ فإذا هم يصدون عنه أولياءه الحقيقيين المؤمنين بدين إبراهيم! إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم. فما هذه بصلاة! إنما كانت صفيراً بالأفواه وتصفيفاً بالأيدي، وهرجاً ومرجاً لا وقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع لهيبة الله. عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون. وإن هذا ليخطر بالبال صور العازفين المصفقين الصاخبين الممرغين خدودهم على الأعتاب والمقامات اليوم في كثير من البلاد التي يسمونها "بلاد المسلمين"! إنها الجاهلية تبرز في صورة من صورها الكثيرة. بعدما برزت في صورتها الواضحة الكبيرة: صورة ألوهية العبيد في الأرض، وحاكميتهم في حياة الناس.. وإذا وقعت هذه فكل صور الجاهلية الأخرى إنما هي تبع لها، وفرع منها! {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}.. وهو ذلك العذاب الذي نزل بهم في بدر بأيدي العصبة المسلمة. فأما العذاب الذي طلبوه - عذاب الاستئصال المعروف - فهو مؤجل عنهم، رحمة من الله بهم، وإكراماً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومقامه فيهم، عسى أن ينتهي بهم الأمر إلى التوبة والاستغفار مما هم فيه. والكفار ينفقون أموالهم ليتعاونوا على الصد عن سبيل الله.. هكذا فعلوا يوم بدر، على نحو ما ذكرنا في سياق الحديث عن الموقعة من كتب السيرة.. وهكذا ظلوا بعد بدر يستعدون للوقعة التالية. والله ينذرهم بالخيبة فيما يبغون وبالحسرة على ما ينفقون، ويعدهم الهزيمة في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله. فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة؛ ثم يغلبون؛ والذين كفروا إلى جهنم يحشرون. ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض، فيركمه جميعاً، فيجعله في جهنم، أولئك هم الخاسرون}.. روى محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم - أي جيشهم المهزوم - إلى مكة؛ ورجع أبو سفيان بِعيره، مشى عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم! فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا. ففعلوا. فقال: ففيهم - كما ذكر ابن عباس - أنزل الله عز وجل: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم...}. وليس هذا الذي حدث قبل بدر وبعدها إلا نموذجاً من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين.. إنهم ينفقون أموالهم، ويبذلون جهودهم، ويستنفدون كيدهم، في الصد عن سبيل الله، وفي إقامة العقبات في وجه هذا الدين. وفي حرب العصبة المسلمة في كل أرض وفي كل حين.. إن المعركة لن تكف. وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة. ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن. وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الجاهلية، وسبيل أوليائه أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على العدوان؛ ثم لإعلاء راية الله حتى لا يجرؤ عليها الطاغوت. والله - سبحانه - ينذر الكفار الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله بأنها ستعود عليهم بالحسرة.. إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية، وليغلبوا هم وينتصر الحق في هذه الدنيا. وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم، فتتم الحسرة الكبرى.. ذلك.. {ليميز الله الخبيث من الطيب، ويجعل الخبيث بعضه على بعض، فيركمه جميعاً؛ فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون}.. فكيف؟ إن هذا المال الذي ينفق يؤلب الباطل ويملي له في العدوان؛ فيقابله الحق بالكفاح والجهاد؛ وبالحركة للقضاء على قدرة الباطل على الحركة.. وفي هذا الاحتكاك المرير، تنكشف الطباع، ويتميز الحق من الباطل، كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل - حتى بين الصفوف التي تقف ابتداء تحت راية الحق قبل التجربة والابتلاء! - ويظهر الصامدون الصابرون المثابرون الذين يستحقون نصر الله، لأنهم أهل لحمل أماناته، والقيام عليها، وعدم التفريط فيها تحت ضغط الفتنة والمحنة.. عند ذلك يجمع الله الخبيث على الخبيث، فيلقي به في جهنم.. وتلك غاية الخسران.. والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جِرم ذو حجم، وكأنما هو كومة من الأقذار، يقذف بها في النار، دون اهتمام ولا اعتبار! {فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم}.. وهذا التجسيم يمنح المدلول وقعاً أعمق في الحس.. وتلك طريقة القرآن الكريم في التعبير والتأثير.. وعندما يصل السياق إلى هذا التقرير الحاسم، عن مصير الكفر المتعاون، ونهاية الخبث المتراكم، يتجه بالخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينذر الكافرين إنذاره الأخير، ويتجه بالخطاب كذلك إلى الجبهة المسلمة يأمرها بالقتال حتى لا تكون في الأرض فتنة، وحتى يكون الدين كله لله، ويطمئن العصبة المسلمة المجاهدة إلى أن الله مولاها ونصيرها، فلا غالب لها من الناس بحرب ولا بكيد، والله وليها الناصر المعين: {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير. وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم، نعم المولى ونعم النصير}.. قل للذين كفروا - في ضوء ما سبق من قرار الخالق الجبار عن خيبتهم في جمعهم، وحسرتهم على ما أنفقوا، وصيرورتهم بعد الخزي والحسرة في الدنيا إلى أن يركم الخبيث منهم على الخبيث فيجعل الخبيث كله في جهنم.. {قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين}.. فالفرصة أمامهم سانحة لينتهوا عما هم فيه من الكفر، ومن التجمع لحرب الإسلام وأهله، ومن إنفاق الأموال للصد عن سبيل الله.. والطريق أمامهم مفتوح ليتوبوا عن هذا كله ويرجعوا إلى الله، ولهم عندئذ أن يغفر لهم ما قد سلف. فالإسلام يجب ما قبله، ويدخله الإنسان بريئاً من كل ما كان قبله كما ولدته أمه.. فأما إن هم عادوا - بعد هذا البيان - إلى ما هم فيه من الكفر والعدوان فإن سنة الله في الأولين لا تتخلف.. ولقد مضت سنة الله أن يعذب المكذبين بعد التبليغ والتبيين؛ وأن يرزق أولياءه النصر والعز والتمكين...وهذه السنة ماضية لا تتخلف.. وللذين كفروا أن يختاروا وهم على مفرق الطريق! بذلك ينتهي الحديث مع الذين كفروا ويتجه السياق إلى الذين آمنوا: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير. وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم، نعم المولى ونعم النصير}.. وهذه حدود الجهاد في سبيل الله في كل زمان، لا في ذلك الزمان.. ومع أن النصوص المتعلقة بالجهاد في هذه السورة، وبقوانين الحرب والسلام، ليست هي النصوص النهائية، فقد نزلت النصوص الأخيرة في هذا الباب في سورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة؛ ومع أن الإسلام - كما قلنا في تقديم السورة - حركة إيجابية تواجه الواقع البشري بوسائل مكافئة، وأنه حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائر مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية.. ومع هذا فإن قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}.. يقرر حكماً دائماً للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم.. ولقد جاء الإسلام - كما سبق في التعريف بالسورة - ليكون إعلاناً عاماً لتحرير "الإنسان" في "الأرض" من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضاً وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين.. وأن معنى هذا الإعلان: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيه للبشر في صورة من الصور.. الخ. ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين: أولهما: دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين، ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان، ويرجعون بعبوديتهم لله وحده، ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال.. وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام، وتنفذه في عالم الواقع، وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين، أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه.. وثانيهما: تحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر - في صورة من الصور - وذلك لضمان الهدف الأَول، ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها، بحيث لا تكون هناك دينونة إلا لله وحده - فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله - وليس هو مجرد الاعتقاد.. ولا بد هنا من بيان الشبهة التي قد تحيك في الصدور من هذا القول، على حين أن الله سبحانه يقول: {أية : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي }.. تفسير : ومع أن فيما سبق تقريره عن طبيعة الجهاد في الإسلام - وبخاصة فيما اقتطفناه من كتاب: "الجهاد في سبيل الله" للأستاذ أبي الأعلى المودودي، ما يكفي للبيان الواضح.. إلا أننا نزيد الأمر إيضاحاً، وذلك لكثرة ما لبس الملبسون ومكر الماكرون من أعداء هذا الدين! إن الذي يعنيه هذا النص: {ويكون الدين كله لله}.. هو إزالة الحواجز المادية، المتمثلة في سلطان الطواغيت، وفي الأوضاع القاهرة للأفراد، فلا يكون هناك - حينئذ - سلطان في الأرض لغير الله، ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله.. فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفراداً يختارون عقيدتهم أحراراً من كل ضغط. على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين، ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى، ويفتن بها الذين يتحررون فعلاً من كل سلطان إلا سلطان الله.. إن الناس أحرار في اختيار عقيدتهم، على أن يعتنقوا هذه العقيدة أفراداً، فلا يكونون سلطة قاهرة يدين لها العباد. فالعباد لا يدينون إلا لسلطان رب العباد. ولن تنال البشرية الكرامة التي وهبها لها الله، ولن يتحرر "الإنسان" في "الأرض"، إلا حين يكون الدين كله لله، فلا تكون هنالك دينونة لسلطان سواه. ولهذه الغاية الكبرى تقاتل العصبة المؤمنة: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}.. فمن قبل هذا المبدأ وأعلن استسلامه له، قبل منه المسلمون إعلانه هذا واستسلامه، ولم يفتشوا عن نيته وما يخفي صدره، وتركوا هذا لله: {فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير}.. ومن تولى وأصر على مقاومة سلطان الله قاتله المسلمون معتمدين على نصرة الله: {وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم. نعم المولى ونعم النصير}.. هذه تكاليف هذا الدين؛ وهذه هي جديته وواقعيته وإيجابيته وهو يتحرك لتحقيق ذاته في عالم الواقع؛ ولتقرير ألوهية الله وحده في دنيا الناس.. إن هذا الدين ليس نظرية يتعلمها الناس في كتاب؛ للترف الذهني والتكاثر بالعلم والمعرفة! وليس كذلك عقيدة سلبية يعيش بها الناس بينهم وبين ربهم وكفى! كما أنه ليس مجرد شعائر تعبدية يؤديها الناس لربهم فيما بينهم وبينه! إن هذا الدين إعلان عام لتحرير الإنسان.. وهو منهج حركي واقعي، يواجه واقع الناس بوسائل مكافئة.. يواجه حواجز الإدراك والرؤية بالتبليغ والبيان.. ويواجه حواجز الأوضاع والسلطة بالجهاد المادي لتحطيم سلطان الطواغيت وتقرير سلطان الله.. والحركة بهذا الدين حركة في واقع بشري. والصراع بينه وبين الجاهلية ليس مجرد صراع نظري يقابل بنظرية! إن الجاهلية تتمثل في مجتمع ووضع وسلطة، ولا بد - كي يقابلها هذا الدين بوسائل مكافئة - أن يتمثل في مجتمع ووضع وسلطة، ولا بد بعد ذلك أن يجاهد ليكون الدين كله لله، فلا تكون هناك دينونة لسواه. هذا هو المنهج الواقعي الحركي الإيجابي لهذا الدين.. لا ما يقوله المهزومون والمخدوعون.. ولو كانوا من المخلصين الطيبين الذين يريدون أن يكونوا من "المسلمين"، ولكن تغيم في عقولهم وفي قلوبهم صورة هذا الدين! .. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله..

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون عطف قصة على قصة من قصص تأييد الله رسوله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين فيكون {إذْ} متعلقاً بفعل محذوف تقديره واذْكر إذ يمكر بك الذين كفروا، على طريقة نظائِره الكثيرة في القرآن. ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {أية : إذْ أنتم قليل مستضعفون في الأرض}تفسير : [الأنفال: 26] فهو متعلق بفعل (اذكروا) من قوله {أية : واذكروا إذ أنتم قليل}تفسير : [الأنفال: 26]، فإن المكر بالرسول - عليه الصلاة والسلام - مكر بالمسلمين ويكون ما بينهما اعتراضاً. فهذا تعداد لنعم النصر، التي أنعم الله بها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، في أحوال ما كان يظن الناس أن سيجدوا منها مخلصاً، وهذه نعمة خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والإنعام بحياته وسلامته نعمة تشمل المسلمين كلهم، وهذا تذكير بأيام مُقامهم بمكة، وما لاقاه المسلمون عموماً وما لاقاه النبي - صلى الله عليه وسلم - خصوصاً وأن سلامة النبي - صلى الله عليه وسلم - سلامة لأمته. والمكر إيقاع الضر خُفية، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}تفسير : في [آل عمران: 54]، وعند قوله تعالى: {أية : أفأمنوا مكرَ الله}تفسير : في سورة [الأعراف: 99]. والإتيان بالمضارع في موضع الماضي الذي هو الغالب مع {إذ} استحضار للحالة التي دبروا فيها المكر، كما في قوله تعالى: {أية : والله الذي أرسل الرياح فتُثير سحاباً}تفسير : [فاطر: 9]. ومعنى: {ليُثبتوك} ليحبسوك يقال أثبته إذا حبَسه ومنعه من الحركة وأوثقه، والتعبير بالمضارع في {يثبتوك}، و{يقتلوك}، و{يخرجوك}، لأن تلك الأفعال مستقبلة بالنسبة لفعل المكر إذ غاية مكرهم تحصيل واحد من هذه الأفعال. وأشارت الآية إلى تردد قريش في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اجتمعوا للتشاور في ذلك بدار الندوة في الأيام الأخيرة قُبيل هجرته، فقال أبو البختري: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق وسُدوا عليه باب بيت غير كَوة تُلْقون إليه منها الطعام، وقال أبو جهل: أرى أن نأخذ من كل بَطن في قريش فتىً جَلْداً فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفاً ويأتون محمداً في بيته فيضربونه ضربة رجل واحد فلا تقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها فيأخذون العقل ونستريح منه، وقال هشام بن عَمرو: الرأي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظْهُرِكُم فلا يضركم ما صنع. وموقع الواو في قوله {ويمكرون} لم أر أحداً من المفسرين عرج على بيانه وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون واو الحال، والجملة حال من {الذين كفروا} وهي حال مؤسسة غيرُ مؤكدة، باعتبار ما اتصل بها من الجملة المعطوفة عليها، وهي جملة: {ويمكرُ الله} فقوله: {ويمكر الله} هو مناط الفائِدة من الحال ومَا قبله تمهيد له وتنصيص على أن مكرهم يقارنه مكر الله بهم، والمضارع في {يمكرون} و{يمكر} الله لاستحضار حالة المكر. وثانيهما: أن تكون وَاو الاعتراض أي العطف الصوري، ويكون المراد بالفعل المعطوف الدوامَ أي هم مكروا بك لثبِتوك أو يقتلوك أو يخرجوك وهم لا يزالون يمكرون كقول كعب بن الأشرف لمحمد بن مَسلمة «وأيضاً لتَمَلّنَه» يعني النبي، فتكون جملة {ويمكرون} معترضة ويكون جملة: {ويمكر الله} معطوفة على جملة: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} والمضارع في جملة: {ويمكرون} للاستقبال والمضارع في {ويَمكر الله} لاستحضار حالة مكر الله في وقت مكرهم مثل المضارع المعطوف هو عليه. وبيان معنى إسناد المكر إلى الله تقدم: في آية سورة آل عمران [54] وآية سورة الأعراف [99] وكذلك قوله: {والله خير الماكرين}. والذين تولوا المكر هم سادة المشركين وكبراؤهم وأعوان أولئك الذين كان دأبهم الطعن في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفي نزول القرآن عليه، وإنما أسند إلى جميع الكافرين لأن البقية كانوا أتباعاً للزعماء يأتمرون بأمرهم، ومن هؤلاء أبو جهل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية بن خلف، وأضرابهم.

الواحدي

تفسير : {وإذ يمكر بك الذين كفروا} وذلك أنَّ مشركي قريش تآمروا في دارة النَّدوة في شأن محمَّد عليه السًّلام، فقال بعضهم: قيِّدوه نتربص به ريب المنون، وقال بعضهم: أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه، وقال أبو جهل - لعنه الله -: ما هذا برأي، ولكن اقتلوه، بأن يجتمع عليه من كلِّ بطنٍ رجلٌ، فيضربوه ضربة رجلٍ واحدٍ، فإذا قتلوه تفرَّق دمه في القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلِّها، فأوحى الله تعالى إلى نبيِّه بذلك، وأمره بالهجرة، فذلك قوله: {ليثبتوك} أَيْ: ليوثقوك ويشدُّوك {أو يقتلوك} بأجمعهم قتلةَ رجلٍ واحدٍ، كما قال اللَّعين أبو جهل، {أو يخرجوك} من مكَّة إلى طرفٍ من أطراف الأرض {ويمكرون ويمكر الله} أَيْ: يجازيهم جزاء مكرهم بنصر المؤمنين عليهم {والله خير الماكرين} أفضل المجازين بالسَّيئِة العقوبة، وذلك أنَّه أهلك هؤلاء الذين دبَّروا لنبيِّه الكيد، وخلَّصه منهم. {وإذا تتلى عليهم آياتنا...} الآية. كان النَّضر بن الحارث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، فكان يقعد به مع المستهزئين، فيقرأ عليهم، فلمَّا قصَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية قال النَّضرُ بن الحارث: لو شئتُ لقلتُ مثل هذا، إنْ هذا إلاَّ ما سطَّر الأوَّلون في كتبهم، وقال النَّضر أيضاً: {اللهم إن كان هذا} الذي يقوله محمَّدٌ حقَّاً {من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} كما أمطرتها على قوم لوط {أو ائتنا بعذابٍ أليم} أَيْ: ببعض ما عذَّبت به الأمم. حمله شدَّة عداوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم على إظهار مثل هذا القول، ليوهم أنَّه على بصيرةٍ من أمره، وغاية الثِّقة في أمر محمَّد، أنَّه ليس على حقٍّ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإذ يمكر بك: أي يبيتون لك ما يضرك. ليثبتوك: أي ليحبسوك مثبتاً بوثاق حتى لا تفر من الحبس. أو يخرجوك: أي ينفوك بعيداً عن ديارهم. ويمكرون ويمكر الله: أي يدبرون لك السوء ويبيتون لك المكروه، والله تعالى يدبر لهم ما يضرهم أيضاً ويبيت لهم ما يسوءهم. آياتنا: آيات القرآن الكريم. أساطير الأولين: الأساطير جمع أسطوره ما يدون ويسطر من أخبار الأولين. معنى الآيات: يذكر تعالى رسوله والمؤمنين بنعمة من نعمه تعالى عليهم فيقول لرسوله واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا {لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} إذا اجتمعت قريش في دار الندوة وأتمرت في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وفكرت ومكرت فأصدروا حكماً بقتله صلى الله عليه وسلم وبعثوا من ينفذ جريمة القتل فطوقوا منزله فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رماهم بحثية من تراب قائلاً شاهت الوجوه، فلم يره أحد ونفذ وهاجر إلى المدينة وهذا معنى {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} فكان في نجاته صلى الله عليه وسلم من يد قريش نعمة عظمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى سائر المؤمنين والحمد لله رب العالمين. وقوله تعالى في الآية الثانية {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} هذا الخبر تنديد بموقف المشركين ذكر بعد ذكر مؤامراتهم الدنية ومكرهم الخبيث حيث قرروا قتله صلى الله عليه وسلم يخبر تعالى أنهم إذا قرأ عليهم الرسول آيات الله المبينة للحق والمقررة للايمان به ورسالته بذكر قصص الأولين قالوا {سَمِعْنَا} ما تقرأ علينا، {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} أي الذي تقول {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي أخبار السابقين من الأمم سطرت وكتبت فهي تملى عليك فتحفظها وتقرأها علينا وكان قائل هذه المقالة الكاذبة النضر بن الحارث عليه لعائن الله، إذ مات كافراً. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- التذكير بنعم الله تعالى على العبد ليجد العبد في نفسه داعية الشكر فيشكر. 2- بيان مدى ما قاومت به قريش دعوة الإِسلام حتى إنها أصدرت حكمها بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم. 3- بيان موقف المشركين من الدعوة الإِسلامية، وإنهم بذلوا كل جهد في سبيل انهائها والقضاء عليها.

القطان

تفسير : ليُثْبتوك: ليمنعوك من الحركة بالحبس وشد الوثاق. يمكرون: يدبرون لك أخبث الحيل. ويمكر الله: يُبطل مكرهم. الأساطير: واحدها أُسطورة، وهي الخرافات والاحاديث القديمة. مُكاءً: تصفيراً بالفم. وتصدية: تصفيقا باليد. في هذه الآيات الكريمة تصوير لموفق المشركين وهم يبيّتون لرسول الله قبل الهجرة ويتآمرون عليه. اذكر أيها الرسول نعمة الله عليك إذ يمكر بك المشركون للإيقاع بك، إما بالحبس الذي يمنعك من لقاء الناس ودعوتهم الى الإسلام، وإما بالقتل، وإما بأن يُخرجوك من مكة، يدبّرون لك التدبير السيء، والله تعالى يُبطل مكرهم بأن يدبرّ لك الخروج من شرهم. وتدبيرُ الله هو الخير وهو الأقوى والغالب. ولما قص الله علينا مكرهم في ذاتِ النبيّ عليه السلام قصّ علينا هنا مكرهم في دِين محمد فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا...}. اذكر ايها النبي معاندة المشركين عندما كنتَ تقرأ عليهم آياتِ القرآن الكريم، وهي آياتنا، فيقولون جهلاً منهم وعناداً للحق: لو أردنا ان نقول مثل هذا القرآن لفعلْنا، ان هذا يشبه أساطير الأمم القديمة وخرافاتها. وكان زعماء قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والنضْر بن الحارث وغيرهم يتواصَون بالإعراض عن سماع القرآن ويمنعون الناس عنه. وكان النضر بن الحارث يحفظ كثيرا من أخبار الأمم القديمة كالفرس والهند واليهود، فكان يتتبع الرسول الكريم وكلّما سمعه يتلو القرآن، يجلس على إثره ويحدّث الناس بأخبار الملوك وقصص الفرس والهند ثم يقول: بالله أيّنا أحسن قصصا؟ انا او محمد؟. ولقد أسره المقداد بن الأسودَ يوم بدر، وامر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقتله. {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} اذكر أيّها النبيّ كيف ذهبوا في الكفر والعناد الى ان قالوا، موجِّهين النداء الى ربهم: اللهمّ إن كان هذا القرآن وما يدعو اليه محمد هو الحقّ فاجعلْ السماء تمطر علينا حجارة، او أنزلْ علينا عذاباً شديدا. وما كان من حكمة الله ورحمته ان يعذّبهم في الدنيا بعذاب شديد وانت فيهم تدعو الى الحقّ راجياً اجابتهم له، وما كان من شأنه ان يعذّب العصاة وهم يتسغفرونه، وسلمون ويرجعون عما هم فيه. {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ...}. وما لهم لايعذّبهم الله وحالُهم القائمة الآن تسوّغ تعذيبَهم، لأنهم يمنعون المسلمين من دخول المسجد الحرام، وما كانوا مستحقّين للولاية عليه لشرِكهم، وعملِ المفاسد فيه. {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} أن أولياءه الحقيقيين هم المؤمنون الطائعون لله، ولكنّ أكثرَ المشرِكين لا يعلمون حقيقة الدين، ولا ماقم ذلك البيت الكريم. {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} وما كانت صلاة المشركين وطوافهم في البيت الحرام إلا من قبيل اللّهو واللعب، فكانوا يطوفون رجالاً ونساءً عراةً يصفُرون بأفواههم ويصفّقون. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} ذوقوا عذابَ القتلِ لبعض كُبرائكم والأسرِ للآخرين منهم، وانهزمَ الباقين مدحورين يوم بدرٍ بسببِ كفركم. قال بعض العلماء ان الآيات من رقم 30 الى 36 مكيّة، وذلك لأنها تتحدث عن الهجرة وما كان يجري بمكة من أفعالِ مشركي قريش، وهذا وهمٌ غير صحيح، اذ ان سورة الأنفال كلّها مدنية، اما ما جاء في هذه الآيات فهو لتسلية الرسول الكريم، وللعِبرة والذكرى.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَاكِرِينَ} (30) - تآمَرَ المُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يُريدُونَ سَجْنَهُ أوْ قَتْلَهُ أوْ إِخْرَاجَهُ مِنُ مَكَّةَ، فَأَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِخُطَّتِهِمْ. وَجَاءَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَأَمَرَهُ بِألاَّ يَبيتَ فِي مَكَانِهِ الذِي يَبيتُ فِيهِ، فَدَعَا الرَّسُولُ عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ بأنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ، وَيَتَسَجّى بِبُرْدِهِ فَفَعَلَ. ثُمَّ خَرَجَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم وَالقَوْمُ الذِينَ كُلِّفُوا بِقَتْلِهِ وَاقِفُونَ بِالبَابِ، وَكَانَ مَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ، فَجَعَلَ يَذْرُوهَا عَلَى رُؤُوسِهِمْ، وَأَخَذَ اللهُ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْهُ وَهُوَ يَقْرَأ سُورَة (يس). وَذَكَرَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ يُخَطِّطُونَ وَيَمْكُرُونَ وَيُدَبِّرُونَ لإِيقَاعِ الأذَى بِكَ وَبِالمُؤْمِنِينَ، وَاللهُ يَمْكُرُ بِهِمْ، وَيُدَبِّرُ مَا يُفْسِدُ تَدْبِيرَهُمْ، وَيُعَطِّلُ مَكْرَهُمْ، وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرينَ لأنَّ مَكْرَهُ نَصْرٌ لِلْحَقِّ، وَإِعْزَازٌ لأهْلِهِ، وَخِذْلاَنٌ لِلبَاطِلِ وَحِزْبِهِ. يَمْكُرُ اللهُ - أيْ أنَّ اللهَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ المَاكِرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأت بمادة الذكر في جانب النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يقل له: واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا؛ لكنه في جانب الصحابة جاء بمادة الذكر حيث قال: واذكروا إذ أنتم قليل، فما السبب؟ ذلك لأنه لا يطرأ على البال أن يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذكر الله تعالى؛ لأن الذكر هو مهمته عليه الصلاة والسلام، وسبحانه وتعالى القائل: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ}تفسير : [الغاشية: 21]. هذا الذكر والتذكير هما وظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختلف هذا عن مهمة الإيمان في حياة المؤمنين؛ لأن الإيمان بالنسبة لهم إنما ليعدل من حياتهم. لذلك جاء هنا بالظرف فقط. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. وهذا كله شرط وحيثية لقولة تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الأنفال: 29]. والمكر هو التَّبْييت بشيءٍ خفِيً يضرّ بالخَصْم. والذي يمكر ويبيت شيئاً خفيّاً بالنسبة لعدوه، لا يملك قدرة على المواجهة، فيبيت من ورائه، ولو كانت عنده قدرة على المواجهة فلن يمكر؛ لذلك لا يمارس المكر إلا الضعيف. ونجد ربنا سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76]. ثم نجده سبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تفسير : [يوسف: 28]. وما دام كيدهن عظيما فضعفهن أعظم. ولذلك نجد الشاعر العربي يقول: شعر : وضعيفة فإذا أصابَتْ فرصةً قَتَلتْ كذلك قُدْرَةُ الضُّعفاءِ تفسير : لأن الضعيف إن أصاب فرصة استغلها حيث يظن أنه قد لا تتاح له فرصة ثانية؛ لذلك يندفع إلى قتل خصمه. أمَّا القوي فهو يثق في نفسه وقدراته ولذلك يعطي خصمه فرصة ثانية وثالثة، ثم يعاقب خصمه على قدر ما أساء إليه. {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30]. أي يذكرون الكيد والتبييت لك بالمكر، لكنهم لا يعلمون أن مَنْ أرسلك يا رسول الله لا تخفى عليه خافية، فقد يقدرون على المكر لمن هم في مثلهم من القدرة، لكنك يا رسول الله محاط بعناية الله تعالى وقدرته وحامل لرسالته فأنت في حفظه ورعايته. إذن فلست وحدك لأنك تأوي إلى الله، ويكشف الله لك كل مكرهم، وهذا المكر والتبييت مكشوف ومفضوح من الله؛ لذلك يقول لك المولى سبحانه وتعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]. والمكر منهم له وسائل وغايات، هم يمكرون ليثبتوك، ويمكرون ليقتلوك، ويمكرون ليخرجوك. وكل لقطة من الثلاثة لها سبب. فحين علم كفار قريش أن أهل المدينة من الأوس والخزرج قد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصروه؛ هنا فزع كفار قريش وأرادوا أن يضعوا حّداً لهذه المسألة، فاجتمعوا في دار الندوة يريدون أن يجدوا حلاً يوقف رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليهم أعرابي فوجدهم يتشاورون؛ وقالوا لنثبته، والتثبيت ضد الحركة، وقوله: "ليثبتوك" أي ليقيدوا حركتك في الدعوة؛ لأن هذه الدعوة تزلزلهم. ولولا الرسالة، لظلوا على الترحيب بك يا رسول الله، فقد كنت في نظرهم الصادق والأمين، ولم يرهقهم إلا التحرك الأخير لإشاعة منهج الله تعالى في الأرض، لذلك أرادوا أن يقيدوا حركته صلى الله عليه وسلم. والتقييد إما أن يكون بأن تمنع المتحرك عن الحركة، وإمّا أن تقيد المتحرك نفسه فتحدد مجال حركته. إذن فالتثبيت يكون بالقيد أو السجن، وقيل لهم: إن هذا رأي غير صائب لأنكم لو قيدتموه أو سجنتموه فسوف يقوم قومه ويغيرون عليكم، أو يحتالون ليفكوا عنه القيد أو السجن، وقد سبق لكم أن حاصرتموه فلم تفلحوا، وقال آخر: نخرجه من بلادنا، وناقشوا هذا الأمر فلم يجدوه صواباً، وقالوا: إنه إن خرج، فلسوف يؤثر فيمن يخرج إليهم تأثيراً يجعل له منهم أتباعاً، يأتون إلينا من بعد ذلك ليقاتلونا، وأشار الأعرابي بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كبار قريش قالوا: نخاف من قومه أن يأخذوا بثأره، فاقترح أبو جهل قائلا: نأخذ من كل قبيلة من قبائلنا فتى جلداً قويّاً، وبعد ذلك يذهبون إلى محمد وهو في فراشه ويضربونه ضربة رجل واحد، فإذا مات تفرق دمه في القبائل، ولن تستطيع قبيلة محمد أن تواجه القبائل كلها، فيرضون بالدية، وندفعها لهم وننهي هذا الأمر. هكذا ناقش القوم تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد حركته أو إخراجه من بلده أو قتله، وكل هذا بمكر وتبييت. وكشف الله لرسوله كل ذلك وأخرجه من مكة مهاجراً إلى المدينة ليوضح لهم أنه سبحانه خير الماكرين حقّاً وصدقاً. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِيُثْبِتُوكَ} معناه لِيُقَيِّدُوكَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { و } أذكر أيها الرسول، ما منَّ اللّه به عليك. { إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا } حين تشاور المشركون في دار الندوة فيما يصنعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، إما أن يثبتوه عندهم بالحبس ويوثقوه. وإما أن يقتلوه فيستريحوا - بزعمهم - من شره. وإما أن يخرجوه ويجلوه من ديارهم. فكلُّ أبدى من هذه الآراء رأيا رآه،فاتفق رأيهم على رأي: رآه شريرهم أبو جهل لعنه اللّه،وهو أن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش فتى ويعطوه سيفا صارما، ويقتله الجميع قتلة رجل واحد، ليتفرق دمه في القبائل.فيرضى بنو هاشم [ثَمَّ] بديته، فلا يقدرون على مقاومة سائر قريش، فترصدوا للنبي صلى الله عليه وسلم في الليل ليوقعوا به إذا قام من فراشه. فجاءه الوحي من السماء، وخرج عليهم، فذرَّ على رءوسهم التراب وخرج، وأعمى اللّه أبصارهم عنه، حتى إذا استبطؤوه جاءهم آت وقال: خيبكم اللّه، قد خرج محمد وذَرَّ على رءوسكم التراب. فنفض كل منهم التراب عن رأسه، ومنع اللّه رسوله منهم، وأذن له في الهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها، وأيده اللّه بأصحابه المهاجرين والأنصار،ولم يزل أمره يعلو حتى دخل مكة عنوة، وقهر أهلها،فأذعنوا له وصاروا تحت حكمه، بعد أن خرج مستخفيا منهم، خائفا على نفسه. فسبحان اللطيف بعبده الذي لا يغالبه مغالب.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 310 : 16 : 9 - سفين عن منصور عن مجاهد {لِيُثْبِتُوكَ} قال، يوبقوك. [الآية 30].

همام الصنعاني

تفسير : 1011- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عثمان الجزري، عن مقسم مَوْلَى ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: [الآية: 30]، قال تشاوروا فيه ليلة وهو بمكة فقال بعضهم: إذا أصْبَحَ فأثبتوه بالوثائق، وقال بَعْضُهُمْ: بَلْ اقْتُلُوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فلمَّا أصبحوا رأَوْا علياً، فردَّ الله تعالى مكرهم. قال معمر وأخبرني عثمان الجرزي، عن مقسم، أن علياً حين تشاوروا في النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، بات عَلى فراش النبي صلى الله عليه وسلم وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لَحِق بالغار، وبات المشركون يحرسونه يَحْسَبُون أنَّ علياً هُوَ النّبي صلى الله عليه وسلم، حتى أصبح وردَّ الله تعالى مكرهم. 1012- حدثنا عبد الرزاق، قال: سمعت أبي يُحدِّث عن عكرمة في قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: [الآية: 30]، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغَارِ أَمَرَ عليّ بن أبي طالب فنام في مضجعه وبات المشركون يحرسونه، فإذا رَأوهُ نَائماً حَسِبُوا أَنَّهُ النبي صلى الله عليه وسلم فتركوه. فلمَّا أصبحوا وثَبُوا إليه، وهم يَحْسَبُون أنَّه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هُمْ بعَليّ، فقالوا: أيْنَ صَاحِبُكَ؟ قال: لا أدري. قال: فركبوا الصَّعْبَ، والذَّلُولَ في طَلَبِهِ.