Verse. 1191 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاِذَا تُتْلٰى عَلَيْہِمْ اٰيٰتُنَا قَالُوْا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاۗءُ لَقُلْنَا مِثْلَ ہٰذَاۗ۝۰ۙ اِنْ ہٰذَاۗ اِلَّاۗ اَسَاطِيْرُ الْاَوَّلِيْنَ۝۳۱
Waitha tutla AAalayhim ayatuna qaloo qad samiAAna law nashao laqulna mithla hatha in hatha illa asateeru alawwaleena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا تُتلى عليهم آياتنا» القرآن «قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا» قاله النضر بن الحارث لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة «إن» ما «هذا» القرآن «إلا أساطير» أكاذيب «الأولين».

31

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد. حكى مكرهم في دين محمد، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم، فيقرأ عليهم أساطير الأولين، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله: {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاوَّلِينَ } وههنا موضع بحث، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزاً عن أنه صلى الله عليه وسلم تحدى العرب بالمعارضة، فلم يأتوا بها، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه. والجواب: أن كلمة {لَوْ } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. فقوله: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } يدل على أنه ما شاء ذلك القول، وما قال. فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها، وهذا ضعيف. لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه. والشبهة الثانية: لهم قولهم: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا. فإن قيل: هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين: الأول: أن قوله {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } حكاه الله عن الكفار، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر، وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلاْرْضِ يَنْبُوعًا }تفسير : [الإسراء: 90] وذلك أيضاً كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته، وذلك يدل على حصول المعارضة. الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب، فلو كان نزول القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة، وحيث أتوا بهذه المبالغة، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة. والجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام. والجواب عن الثاني: هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه. المسألة الثانية: قوله: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } قال الزجاج: القراءة بنصب {ٱلْحَقّ } على خبر {كَانَ } ودخلت {هُوَ } للفصل ولا موضع لها، وهي بمنزلة «ما» المؤكدة ودخلت ليعلم أن قوله: {ٱلْحَقّ } ليس بصفة لهذا وأنه خبر. قال: ويجوز هو الحق رفعاً ولا أعلم أحداً قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، وروى صاحب «الكشاف» عن الأعمش أنه قرأ بها. واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى، وهو قوله: {لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية، وهو قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا: اللهم إن كان محمد محقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، ذكر تعالى أن محمداً وإن كان محقاً في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه، وعلى منكري نبوته، لسببين: الأول: أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضراً معهم، فإنه تعالى لا يفعل بهم ذلك تعظيماً له، وهذا أيضاً عادة الله مع جميع الأنبياء المتقدمين، فإنه لم يعذب أهل قرية إلا بعد أن يخرج رسولهم منها، كما كان في حق هود وصالح ولوط. فإن قيل: لما كان حضوره فيهم مانعاً من نزول العذاب عليهم، فكيف قال: {أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } تفسير : [التوبة: 14]. قلنا: المراد من الأول عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة. والسبب الثاني: قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } وفي تفسيره وجوه: الأول: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفيهم مؤمنون يستغفرون، فاللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد بعضهم كما يقال: قتل أهل المحلة رجلاً، وأقدم أهل البلدة الفلانية على الفساد، والمراد بعضهم. الثاني: وما كان الله معذب هؤلاء الكفار، وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، فوصفوا بصفة أولادهم وذراريهم. الثالث: قال قتادة والسدي: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي لو استغفروا لم يعذبوا، فكان المطلوب من ذكر هذا الكلام استدعاء الاستغفار منهم. أي لو اشتغلوا بالاستغفار لما عذبهم الله. ولهذا ذهب بعضهم إلى أن الاستغفار ههنا بمعنى الإسلام والمعنى: أنه كان معهم قوم كان في علم الله أن يسلموا. منهم أبو سفيان بن حرب. وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. والحرث بن هشام. وحكيم بن حزام. وعدد كثير، والمعنى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } مع أن في علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان. قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب. قال ابن عباس: كان فيهم أمانان نبي الله والاستغفار، أما النبي فقد مضى، وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة، ثم قال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ } واعلم أنه تعالى بين في الآية الأولى أنه لا يعذبهم ما دام رسول الله فيهم، وذكر في هذه الآية أنه يعذبهم فكان المعنى أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل بل يوم فتح مكة، وقال ابن عباس: هذا العذاب هو عذاب الآخرة، والعذاب الذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا، ثم بين تعالى ما لأجله يعذبهم، فقال: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وقد ظهرت الأخبار أنهم كيف صدوا عنه عام الحديبية، ونبه على أنهم يصدون لادعائهم أنهم أولياؤه، ثم بين بطلان هذه الدعوى بقوله: {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاؤُهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } الذين يتحرزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية، والمقصود بيان أن من كانت هذه حاله لم يكن ولياً للمسجد الحرام، فهم إذن أهل لأن يقتلوا بالسيف ويحاربوا، فقتلهم الله يوم بدر، وأعز الإسلام بذلك على ما تقدم شرحه.

القرطبي

تفسير : نزلت في النَّضر بن الحارث؛ كان خرج إلى الحِيرة في التجارة فاشترى أحاديث كَلِيلة ودِمنة، وكِسرى وقيصر؛ فلما قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا. وكان هذا وَقاحة وكذِبا. وقيل: إنهم توهموا أنهم يأتون بمثله، كما توهّمت سحرة موسى، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عِناداً: إن هذا إلا أساطير الأوّلين. وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} هو قول النضر بن الحارث، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم فإنه كان قاصهم، أو قول الذين ائتمروا في أمره عليه الصلاة والسلام وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصاً في باب البيان. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} ما سطره الأولون من القصص.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته إذا تتلى عليهم: أنهم يقولون: {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ} وهذا منهم قول بلا فعل، وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً، وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم على باطلهم، وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث لعنه الله؛ كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم؛ فإنه لعنه الله كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار، ولما قدم، وجد رسول الله صلى الله عليه وسلمقد بعثه الله، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام من مجلس، جلس فيه النضر، فحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أينا أحسن قصصاً، أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلمأن تضرب رقبته صبراً بين يديه، ففعل ذلك، ولله الحمد، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود رضي الله عنه؛ كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله، قال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إنه كان يقول في كتاب الله عز وجل ما يقول» تفسير : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فقال المقداد: يا رسول الله أسيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم أغن المقداد من فضلك» تفسير : فقال المقداد هذا الذي أردت، قال: وفيه أنزلت هذه الآية: { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وكذا رواه هشيم عن أبي بشر جعفر بن أبي دحية عن سعيد بن جبير أنه قال: المطعم بن عدي بدل طعيمة، وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حياً يوم بدر، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «حديث : لو كان المطعم بن عدي حياً، ثم سألني في هؤلاء النتنى، لوهبتهم له» تفسير : يعني: الأسارى؛ لأنه كان قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم رجع من الطائف، ومعنى {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها، فهو يتعلم منها، ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت؛ كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِى يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلاَْرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [الفرقان: 5-6] أي: لمن تاب إليه وأناب؛ فإنه يتقبل منه، ويصفح عنه، وقوله: { وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هذا من كثرة جهلهم وشدة تكذيبهم وعنادهم وعتوهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة؛ كقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } تفسير : [العنكبوت: 53] {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16] وقوله:{أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلْمَعَارِجِ}تفسير : [المعارج: 1-3] وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة كما قال قوم شعيب له: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} وقال هؤلاء: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قال شعبة عن عبد الحميد صاحب الزيادي عن أنس بن مالك قال: هو أبو جهل بن هشام قال: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فنزلت: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} رواه البخاري عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به، وأحمد هذا هو أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبيد الله النيسابوري، والله أعلم. وقال الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: { وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، قال: فأنزل الله: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} تفسير : [المعارج:1-2] وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث، زاد عطاء: فقال الله تعالى: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [ص: 16] وقال: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 94] وقال: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [المعارج:1-2] قال عطاء ولقد أنزل الله فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عز وجل، وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو نميلة، حدثنا الحسين عن ابن بريدة عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفاً يوم أحد على فرس، وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً، فاخسف بي وبفرسي. وقال قتادة في قوله: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} الآية، قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها، فعاد الله بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها. وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك الحنفي عن ابن عباس قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم قد، قد، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. ويقولون: غفرانك غفرانك، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} الآية، قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثني عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} الآية، فلما أمسوا، ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} - إلى قوله - {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأنفال:34] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإيمان، وهو الاستغفار، يستغفرون، يعني: يصلون، يعني بهذا: أهل مكة. وروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير والسدي نحو ذلك. وقال الضحاك وأبو مالك: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعني: المؤمنين الذين كانوا بمكة، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي قال: قال ابن عباس: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين، لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله إليه، وأمان بقي فيكم، قوله: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. وقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا: أن النضر بن عدي حدثه هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس. وروى ابن مردويه عن أبي موسى الأشعري نحواً من هذا. وكذا روي عن قتادة وأبي العلاء النحوي المقرىء. وقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنزل الله علي أمانين لأمتي: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة»تفسير : ، ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني»تفسير : . ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رِشْدين، هو ابن سعد، حدثني معاوية بن سعد التجيبي عمن حدثه عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله عز وجل».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا } القرآن {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ} قاله النضر بن الحارث لأنه كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدّث بها أهل مكة {إن } ما {هَٰذَا } القرآن {إلآ أَسَٰطِيرُ } أكاذيب {ٱلاْوَّلِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا} يحتمل وجهين: أحدهما: قد سمعنا هذا منكم ولا نطيعكم. والثاني: قد سمعنا قبل هذا مثله فماذا أغناكم. {لَوْ نَشَآءَ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} يحتمل وجهين: أحدهما: مثل هذا في النظم والبيان معارضة له في الإعجاز. والثاني: مثل هذا في الاحتجاج معارضة له في الاستدعاء إلى الكفر. {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} يعني أحاديث الأولين ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه قصص من مضى وأخبار من تقدم. والثاني: أنه مأخوذ عمن تقدم وليس بوحي من الله تعالى. وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، وقد قلته النبي صلى الله عليه وسلم صبراً في جملة ثلاثة من قريش: عقبه بن أبي معيط، والمطعم بن عدي، والنضر بن الحارث وكان أسير المقداد، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل النضر قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهُمْ أَعِنِ المِقْدَادَ" تفسير : ، فقال: هذا أردت. وفيه أنزل الله تعالى الآية التي بعدها. {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّْ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حَجَارَةً مِنَ السَّمَآءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وفي هذا القول وجهان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك عناداً للحق وبغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم. والثاني: أنهم قالوا ذلك اعتقاداً أنه ليس بحق. وفيهم نزل قوله تعالى {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} تفسير : [المعارج: 1] وفيهم نزل قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا} تفسير : [ص: 16]. قال عطاء: لقد نزلت في النضر بضع عشرة آية من كتاب الله تعالى. قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِم} يحتمل وجهين: أحدهما: أنه قال ذلك إكراماً لنبيه وتعظيماً لقدره أن يعذب قوماً هو بينهم. تعظيماً لحرمته. والثاني: إرساله فيهم رحمة لهم ونعمة عليهم فلم يجز أن يعذبهم وهو فيهم حتى يستحقوا سلب النعمة بإخراجه عنهم. {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وقد بقي فيهم من المسلمين قوم يستغفرون وهذا قول الضحاك وأبي مالك وعطية. والثاني: لا يعذبهم في الدنيا وهم يستغفرون فيها فيقولون: غفرانك. قال ابن عباس: كان المشركون بمكة يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لبيك لا شريك لك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : قَدْ قَدْ" تفسير : فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون غفرانك، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قاله أبو موسى ويزيد بن رومان ومحمد بن قيس. والثالث: أن الاستغفار في هذا الموضع الإسلام، ومعنى الكلام: وما كان الله معذبهم وهم يسلمون، قاله عكرمة ومجاهد. والرابع: وما كان الله معذب من قد سبق له من الله الدخول في الإسلام، قاله ابن عباس. والخامس: معناه أنهم لو استغفروا لم يعذبوا استدعاء لهم إلى الاستغفار، قاله قتادة والسدي وابن زيد. والسادس: وما كان الله معذبهم أي مهلكهم وقد علم أن لهم أولاد وذرية يؤمنون ويستغفرون.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {عليهم} عائد على الكفار، و "الآيات" هنا آيات القرآن خاصة بقرينة قوله {تتلى}، و {قد سمعنا} يريد وقد سمعنا هذا المتلو {لو نشاء لقلنا} مثله وقد سمعنا نظيره على ما روي أن النضر سمع أحاديث أهل الحيرة من العباد فلو نشاء لقلنا مثله من القصص والأنباء فإن هذه إنما هي أساطير من قد تقدم، أي قصصهم المكتوبة المسطورة، و {أساطير} جمع أسطورة، ويحتمل أن يكون جمع أسطار ولا يكون جمع أسطر كما قال الطبري، لأنه كان يجيء أساطر دون ياء، هذا هو قانون الباب، وقد شذ منه شيء كصيرف قالوا في جمعه صيارف، والذي تواترت به الروايات عن ابن جريج والسدي وابن جبير الذي قال هذه المقالة هو النضر بن الحارث، وذلك أنه كان كثير السفر إلى فارس والحيرة، فكان قد سمع من قصص الرهبان والأناجيل، وسمع من أخبار رستم وإسبنديار، فلما سمع القرآن ورأى فيه من أخبار الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان النضر من مردة قريش النائلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت فيه آيات من كتاب الله، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً بالصفراء منصرفه من بدر في موضع يقال له الأثيل وكان أسره المقداد، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما قد علمتم، ثم أعاد المقداد مقالته حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم أغن المقداد من فضلك " تفسير : فقال المقداد: هذا الذي أردت، فضرب عنق النضر، وحكى الطبري عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر صبراً ثلاثة نفر، المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم عظيم في خبر المطعم، فقد كان مات قبل يوم بدر، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لو كان المطعم حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له تفسير : يعني أسرى بدر، وقوله {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} الآية، روي عن مجاهد وابن جبير وعطاء والسدي أن قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث الذي تقدم ذكره، وفيه نزلت هذه الآية. قال القاضي أبو محمد: وترتب أن يقول النضر بن الحارث مقالة وينسبها القرآن إلى جميعهم، لأن النضر كان فيهم موسوماً بالنبل والفهم مسكوناً إلى قوله، فكان إذا قال قولاً قاله منهم كثير واتبعوه عليه حسبما يفعله الناس أبداً بعلمائهم وفقهائهم، والمشار إليه بهذا هو القرآن وشرع محمد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد، وذلك أنهم استبعدوا أن يكرم الله عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم هذه الكرامة، وعميت بصائرهم عن الهدى، وصمموا على أن هذا ليس بحق، فقالوا هذه المقالة كما يقول الإنسان لأمر قد تحقق بزعمه إنه لم يكن، إن كان كذا وكذا ففعل الله بي وصنع، وحكى ابن فورك أن هذه المقالة خرجت مخرج العناد مع علمهم بأنه حق، وكذلك ألزم بعض أهل اليمن معاوية بن أبي سفيان القصة المشهورة في باب الأجوبة، وحكاه الطبري عن محمد بن قيس ويزيد بن رومان. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد التأويل ولا يقول هذا على جهة العناد عاقل، ويجوز في العربية رفع {الحق} على أنه خبر {هو} والجملة خبر {كان} ، قال الزّجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز وقراءة الناس إنما هي بنصب "الحقَّ" على أن يكون خبر "كان" ويكون هو فصلاً، فهو حينئذ اسم وفيه معنى الإعلام بان الذي بعده خبر ليس بصفة. و {أمطر} إنما يستعمل في المكروه ومطر في الرحمة كذا قال أبو عبيدة. قال القاضي أبو محمد: ويعارض هذه قوله {أية : هذا عارض ممطرنا} تفسير : [الأحقاف:24] لأنهم ظنوها سحابة رحمة، وقولهم {من السماء} مبالغة وإغراق وهذان النوعان اللذان اقترحوهما هما السالفان في الأمم عافانا الله وعفا عنا ولا أضلنا بمنّه ويمنه.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا} نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة، ونزلت فيه {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا}تفسير : [الأنفال: 32] {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ}تفسير : [المعارج: 1] و{أية : رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا}تفسير : [ص: 16] قال عطاء: نزلت فيه بضع عشرة آية.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة من بني عبد الدار وذلك أنه كان يختلف إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وأحاديث العجم وكان يمر بالعباد من اليهود والنصارى فيراهم يقرؤون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون ويبكون فلما جاء مكة وجد النبي صلى الله عليه وسلم قد أوحي إليه وهو يقرأ ويصلي. فقال النضر بن الحارث: قد سمعنا يعني مثل هذا الذي جاء به محمد لو نشاء لقلنا مثل هذا فذمهم الله بدفعهم الحق الذي لا شبهة فيه بادعائهم الباطل بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا بعد التحدي وأبان عجزهم عن ذلك ولو قدروا ما تخلفوا عنه وهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة فبان بذلك كذبهم في قولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا {إن هذا إلا أساطير الأولين} يعني أخبار الماضين. قوله سبحانه وتعالى: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} نزلت في النضر بن الحرث أيضاً. قال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، قال النضر بن الحرث: لو شئت لقلت مثل هذا فقال له عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول الحق قال وأنا أقول الحق. قال: فإن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول لا إله إلا الله. قال: وأنا أقول لا إله إلا الله. ولكن هذه بنات الله، يعني الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا هو الحق يعني القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: يعني إن كان الذي يقول محمد صلى الله عليه وسلم من أمر التوحيد وادعاء النبوة وغير ذلك هو الحق فأمطر علينا حجارة من السماء يعني كما أمطرتها على قوم لوط أو ائتنا بعذاب أليم: يعني مثل ما عذبت به الأمم الماضية، في النضر بن الحرث نزل سأل سائل بعذاب واقع. قال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحرث وروى أنس بن مالك أن الذي قال ذلك أبو جهل (ق). عن أنس قال: قال أبو جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية فنزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم الآية فلما أخرجوه نزلت وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدونهم عن المسجد الحرام. قوله عز وجل: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} اختلفوا في معنى هذه الآية فقال محمد بن إسحاق: هذه الآية متصلة بما قبلها وهي حكاية عن المشركين وذلك أنهم قالوا إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمة ونبيها معها فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ثم قال تعالى رداً عليهم: وما لهم ألا يعذبهم الله وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون وهم يصدون عن المسجد الحرام. وقال آخرون: هذا كلام مستأنف يقول الله عز وجل إخباراً عن نفسه تعالى وتقدس وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، واختلفوا في معناه فقال الضحاك وجماعة: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت يا محمد مقيم فيهم بين أظهرهم. قالوا: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة ثم لما خرج منها بقي بقية من المسلمين يستغفرون، فأنزل الله عز وجل وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ثم لما خرج أولئك المسلمون من بين أظهر الكافرين أذن الله في فتح مكة فهو العذاب الذي وعدهم. وقال ابن عباس: لم يعذب الله قرية حتى يخرج نبيها منها والذين آمنوا معه ويلحق بحيث أمر فقال الله وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله لهم ومالهم ألا يعذبهم الله، وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع إلى المشركين وذلك أنهم كانوا يقولون بعد فراغهم من الطواف غفرانك غفرانك. وقال زيد بن رومان: قالت قريش اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا غفرانك اللهم فقال الله تعالى وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وقال قتادة والسدي: معناه وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي لو استغفروا ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقروا بالذنب واستغفروا الله لكانوا مؤمنين. وقيل: هذا دعاء لهم إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، كالرجل يقول لعبده لا أعاقبك. وأنت تطيعني أي أطعني حتى لا أعاقبك وقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون. يعني: لو أسلموا لما عذبوا. وقال ابن عباس: وفيهم من سبق له من الله العناية أنه يؤمن ويستغفر مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وغيرهم. وقال مجاهد: وهم يستغفرون، أي وفي أصلابهم من يستغفر وقيل في معنى الآية: إن الكفار لما بالغوا وقالوا إن كان محمد محقاً في قوله فأمطر علينا حجارة من السماء أخبر الله سبحانه وتعالى أن محمداً محق في قوله وأنه مع ذلك لا يمطر على أعدائه ومنكري نبوته حجارة من السماء ما دام بين أظهرهم وذلك تعظيماً له صلى الله عليه وسلم وأورد على هذا أنه إذا كانت إقامته مانعة من نزول العذاب بهم فكيف قال في غير هذه الآية قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم فالجواب أن المراد من العذاب الأول هو عذاب الاستئصال والمراد من العذاب الثاني وهو قوله سبحانه وتعالى يعذبهم الله بأيديكم هو عذاب القتل والسبي والأسر وذلك دون عذاب الاستئصال. قال أهل المعاني: دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان سلامة من العذاب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله أنزل عليّ أمانين لأمتي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة"تفسير : أخرجه الترمذي.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {بما تعملون}، {بصير} بتاء الخطاب: يعقوب. الوقوف: {مثل هذا} لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح {الأولين} ه {أليم} ه {وأنت فيهم} ط {يستغفرون} ه {وما كانوا أولياءه} ط {لا يعلمون} ه {وتصدية} ط {تكفرون} ه {عن سبيل الله} ط {يغلبون} ط لأن ما بعده مبتدأ {يحشرون} ه لا لتعا اللام {في جهنم} ط {الخاسرون} ه {ما سلف} ط لابتداء الشرط مع العطف {الأولين} ه {كله لله} ط {بصير} ه {مولاكم} ط {النصير} ه. التفسير: لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه. وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجراً واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم واسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة. ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه {اللهم إن كان هذا هو الحق} الآية. وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله {هو الحق} بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق. ومعنى {حجارة من السماء} الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع أخر من جنس العذاب الأليم. ومراده نفي كونه حقاً فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقاً فأمطر علينا حجارة. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة. قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة} ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له. ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال {وما كان الله ليعذبهم} اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيماً لشأن النبي {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم. وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلاناً وإنما قتله واحد منهم أو اثنان. وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده. وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب. قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار. أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باقٍ إلى يوم القيامة. ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال {ومالهم ألا يعذبهم الله} وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة. قيل: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر. وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله {وهم يصدون} أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية. والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الصدّ. وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلاً عن مشرك {ولكن أكثرهم لا يعلمون} كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة. أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم. ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} المكاء "فعال" كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر. والتصدية التصفيق "تفعلة" من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفاً أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة. قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً. وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به. وقيل: تصويب يشبه صوت المكَّاء بالتشديد وهو طائر معروف. عن ابن عمر: كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم. وفيه أن من كان المكاء والتثدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له. وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة. ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله {فذوقوا العذاب} عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة {بما كنتم تكفرون} بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة. ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} الآية. قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب. وكلهم من قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيد بن جبير وابن أبزى: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش - والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة - وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة. والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً - قاله في الكشاف. وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً لمن أصيب منا فأنزل الله تعالى الآية. ومعنى {ليصدّوا عن سبيل الله} أن غرضهم في الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك. ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال {فيسنفقونها} أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالاً لقوله{أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} تفسير : [المجادلة: 21] ومعنى "ثمك" في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكوروبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة. ثم قال {والذين كفروا} أي الكافرون منهم ولم يقل "ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون" لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم. ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال {ليميز الله الخبيث} أي الفريق الخبيث من الكفار {من} الفريق {الطيب} وهم المؤمنون {ويجعل} الفريق {الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً} عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام. يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض {أولئك} الفريق الخبيث {هم الخاسرون} وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله{أية : فتكوى بها جباههم وجنوبهم}تفسير : [التوبة: 35] وعلى هذا فاللام في قوله {ليميز الله} يتعلق بقوله {ثم تكون عليهم حسرة} قاله في الكشاف. ولا يبعد عندي أن يتعلق بـ {يحشرون} و {أولئك} إشارة إلى الذين كفروا. ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال {قل للذين كفروا} أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام {يغفر لهم ما قد سلف} من الكفر والمعاصي. ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: "أن تنتهوا يغفر لكم". وقد قرأ بذلك ابن مسعود {وإن تعودوا} لقتاله {فقد مضت سنة الأوّلين} منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله{أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي}تفسير : [المجادلة: 21] واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر {وإن يعودوا} بالعودة إلى الردة. واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل تبوته أم لا؟ والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : نحن نحكم بالظاهر" تفسير : ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق. ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال {وقاتلوهم} الآية. وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد ههنا لفظة {كله} في قوله {ويكون الدين كله لله} لأن القتال ههنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب {فإن انتهوا} عن الكفر وأسلموا {فإن الله بما يعملون بصير} يثيبهم على توبتهم وإسلامهم. ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء. {وإن تولوا} ولم ينتهوا {فاعلموا أن الله مولاكم} ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه {نعم المولى ونعم النصير} فثقوا بولايته ونصرته. التأويل: قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله. ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم {لقلنا مثل هذا} قولهم {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر} ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقاً فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب {إن أولياؤه إلا المتقون}، {ولكن أكثرهم} يعني أكثر المتقين أو {لا يعلمون} أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم {ثم يغلبون} لا يظفرون بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس {إلى جهنم} البعد والقطعية {يحشرون}، {ليميز الله} الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس {فيركمه جميعاً} فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطيعة {قل للذين كفروا} من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس {إن ينتهوا} عن اتباع الهوى {يغفر لهم} يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد. {وقاتلوا} كفار النفوس {حتى لا تكون} آفة مانعة عن الوصول {ويكون الدين كله لله} ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله تعالى أعلم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الآية. لمَّا حكى مكرهم في ذاتِ محمَّدٍ، حكى مكرهم في دين محمَّدٍ. روي أنَّ النَّضْرَ بن الحارث كان يختلف تاجراً إلى فارس والحيرةِ فيسمع أخبار رستم وسفنديار، وأحاديث العجمِ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة، ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرءون التوراة والإنجيل، ويركعون ويسجدون فجاء مكَّة فوجد محمداً صلى الله عليه وسلم يصلِّي ويقرأ القرآن، وكان يقعدُ مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأوَّلين أخبار الأمم الماضية وأسماءهم، وما سطر الأولون في كتبهم. وكان يزعمُ أنها مثل ما يذكره مُحمَّدٍ من قصص الأولين، فهذا هو المراد من قوله {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، والأساطير: جمع أسطورة وهي المكتوبة. فإن قيل: الاعتمادُ على كون القرآن معجزاً هو أنَّ الله تعالى تحدَّى العرب بمعارضته فلم يأتوا بها، وهذه الآيةُ تدلُّ على أنه أتى بالمعارضة. فالجواب: أن كلمة "لو" تفيدُ انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} يدلُّ على أنه ما شاء ذلك القول، وما قالوا؛ فثبت أنَّ النضر بن الحارث أقرَّ أنَّهُ ما أتى بالمعارضة، وإنَّما أخبر أنه لو شاء أتى بها، والمقصود إنَّما يحصل لو أتى بالمعارضة أمَّا مجرَّد هذا القول، فلا فائدة فيه.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر مكرهم بالرسول، ذكر مكرهم بما أرسل به، فقال عاطفاً على "إذ أنتم": {وإذا تتلى} أي من أي تال فرض {عليهم آياتنا} أي التي هي الفرقان جلالة وعظماً لم يدعوها تؤثر في تلك الحالة، بل {قالوا} إظهاراً لعنادهم لها وتشيعاً بما لم يعطوا وادعاء لما لمن ينالوا {قد سمعنا} ولما لم يتأثر عن سماعهم الإذعان، تشوف السامع إلى علة إعراضهم فقال معللاً أو مستأنفاً: {لو نشاء} أي في أيّ وقت أردنا {لقلنا مثل هذا} أي لأنه ليس قول الله كما يزعم محمد {إن} أي ما {هذا} الذي يتلى عليكم {إلا أساطير} جمع سطور وأسطار جمع سطر {الأولين*} أي من بني آدم، سطروا فيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس كلامنا وقائله من جنسنا، وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله إن كان له - كما يزعمون - مثل، وبالغ في تقريعهم فما منعهم - من إبراز شيء مما يدعون وليس بينهم وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا، مع انتقالهم إلى أشد الأمور: السيف الماحق على تهالكهم على قهره صلى الله عليه وسلم وعلى ما لهم من فرط الأنفة من العار والبعد مما يقضي عليهم بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب - إلا علمهم بأن ذلك فاضحهم، ومخزيهم مدى الدهر وقائحهم، والمعنى أني أثبت هذا النبي الكريم على صبره على ذلك ومثابرته على أداء الأمانة بالاجتهاد في النصيحة على ما يلقى إن نجيته منهم ومنعته من جميع ما كادوه به، وكنت لا أزل أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت له داراً وخبأت له أنصاراً، وجعلت داره بالأصحاب منيعة، وبنيت لها أعمدة بصوارم الأحباب ثابتة رفيعة، نقلته إلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع أهل الأرض في المنع، فلم يؤثر كيدهم، ولا أفادهم مع أيدي أيدهم، وجعلت نفس نقلته له فرقاناً يفرق بها بين الحق والباطل، وصار إلى ما ترون من قبول الأمر وجلالة القدر ونفاذ الفصل بين الأمور وظهر دينه أيّ ظهور، فلازموا التقوى ملازمته وداوموا على الطاعة مدوامته أهب لكم من سيادته وأحملكم بملابس إمامته. ولما كان ذلك موضع عجب من عدم إعجال الضُلال بالعذاب وإمهالهم إلى أن أوقع بهم في غزوة بدر لا سيما مع قوله {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} بيّن السر في ذلك وإن بالغوا في استعجاله فقال: {وإذ قالوا} أي إرادة المكابرة بالتخييل إلى الناس أنهم على القطع من أنه باطل وإلا لما دعوا بهذا الدعاء {اللهم} أي يا من له تمام المُلك وعموم الملك {إن كان هذا} أي الأمر الذي أتانا به محمد {هو} أي لا ما نحن عليه {الحق} حال كونه منزلاً {من عندك} وقال الزجاج: إنه لا يعلم أحداً قرأ {الحق} بالرفع - أفاده أبو حيان {فأمطر علينا حجارة} ولعل تقييده بقوله: {من السماء} مع أن الأمطار لايكون إلا منها - لإزالة وهم من يتوهم أن الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر لبيان أن الحجارة المرجوم بها في الكثرة مثل المطر {أو ائتنا بعذاب أليم*} أي غير الحجارة، ولعل مرادهم بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجيء الوحي إليك من السماء خارق كما أن إتيان الحجارة منها كذلك، فإن كنت صادقاً في إتيان الوحي إليك منها فأتنا بحجارة منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صوناً من الله لبيته الذي أراد الجيش انتهاك حرمته وإعظاماً له - أشار إلى ذلك أبو حيان، وهذه الآية والتي قبلها في " حديث : النضر بن الحارث أسره المقداد يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال المقداد: أسيري يا رسول الله! فقال: إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول، فعاد المقداد رضي الله عنه لقوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أغن المقداد من فضلك، فقال: ذاك الذي أردت يا رسول الله! فقتله النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدت أخته قتيلة أبياتاً منها: شعر : ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المخنق حديث : فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه"تفسير : . وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك قالوا {أية : إن كان هذا هو الحق من عندك}تفسير : [الأنفال: 32] وما قالوا: فاهدنا به، والسر الذي بينه في هذه الآية في إمهالهم هو أنه ما منعه من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في وقعة بدر إلا إجلال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فقال: {وما كان الله} أي مع ما له من صفات الكمال والعظمة والجلال، وأكد النفي بقوله: {ليعذبهم} أي ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات {وأنت} أي يا أكرم الخلق {فيهم} فإنه لعين شعر : تجازي ألف عين وتكرم تفسير : ولما بين بركة وجوده، أتبعه ما يخلفه صلى الله عليه وسلم إذا غاب في العباد من العذاب فقال: {وما كان الله} أي الذي له الكمال كله {معذبهم } أي مثبتاً وصف تعذيبهم بحيث يدوم {وهم يستغفرون*} أي يطلبون الغفران بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون: أستغفر الله، فإن لفظه وإن كان خبراً فهو دعاء وطلب، فوجوده صلى الله عليه وسلم في قوم أبلغ من نفي العذاب عنهم، وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما يدفع العذاب عنهم كما تقول: ما كنت لأضربك وأنت تطيعني، أي فأطعني - نبه عليه الإمام أبو جعفر النحاس، وفي ذلك حث عظيم لمن صار صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من مفارقته، وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقة في ساحتهم من جليل النعمة ترغيباً في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره في نهيه وأمره إذ المراد - والله أعلم - بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى، وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يوم القيامة. ولما كان هذا ليس نصاً في استحقاقهم العذاب، قال تعالى عاطفاً على ما تقديره: وليعذبهم الله إذ هاجرت عنهم ولم يؤمنوا فيستغفروا: {وما لهم} قال أبو حيان: الظاهر أن "ما" استفهامية، أي أي شيء لهم في انتفاء العذاب، وهو استفهام معناه التقرير، أي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه الصفة المتقضية للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة البيت - انتهى. وتقدير الكلام: وأيّ حظ لهم في {ألا يعذبهم الله} أي الذي له كمال العز والعظمة على الظالم والإكرام والرفق بالطائع عاجلاً {وهم} أي والحال أنهم مستحقون للعذاب فهو واقع بهم لا محالة وإن تأخر مدة إبانه وأبطأ عنهم أوانه وقوعاً ينسيهم ما نالوه من اللذات وإن عظم عندهم شأنها وامتد طويلاً زمانها لأنهم {يصدون} أي يوجدون الصد {عن المسجد} أي من أراد تعظيمه بالصلاة التي وضع المسجد لها وغيرها {الحرام} أي العظيم حرمته عند كل أحد فلا اختصاص به لشخص دون آخر، أي شأنهم فعل حقيقة الصد في الماضي والحال والمآل، لا ينفكون عن ذلك، كما كانوا يمنعون من شاؤوا من دخول البيت ويقولون: نحن ولاته، نفعل ما نشاء، ويصدون المؤمنين عن الطواف به التعذيب والفتنة وصدوا رسول الله عليه وسلم ومن معه بالإخراج ثم صدوهم عام الحديبية عن الوصول إلى البيت وعام عمرة القضية عن الإقامة بعد الثلاثة الأيام {وما} أي والحال أنه لم يكن لهم ذلك لأنهم ما {كانوا أولياءه} أي أهلاً لولايته بحيث إن صدهم ربما يقع موقعه؛ روى البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فنزلت {وما كان الله ليعذبهم} [الأنفال: 33] إلى {عن المسجد الحرام} [الأنفال: 33]. ولما نفى عنهم الولاية. ذكر أهلها فقال؛ {إن} أي ما {أولياؤه} أي بالاستحقاق {إلا المتقون} أي العريقون في هذا الوصف بما يجعلون بينهم وبين سخط الله من وقايات الطاعات، لا كل من آمن بل خاصة المؤمنين، وهم ليسوا كذلك لتلبسهم الآن بالكفر {ولكن أكثرهم لا يعلمون*} أي ليس لهم علم بالأمور ليميزوا بين الحق والباطل والمتقي والفاسق وحسن العواقب وسيئها، ولعله عبر بالأكثر إعلاماً بأن فيهم المعاند، ولأنه كان منهم من آمن بعد ذلك فصار من أولي العلم. ولما كانوا يفعلون عند البيت ما ينزه البيت عنه مما هو غاية في الجهل، قال مبيناً لجهلهم واستحقاقهم للنكال وبعدهم عن استحقاق ولايته: {وما كان صلاتهم} أي التي ينبغي أن تكون مبنية على الخشوع، وزاد في التبشيع عليهم بقوله: {عند البيت} أي فعلهم الذي يعدونه صلاة أو يبدلونها به {إلا مكاء} أي صفيراً يشبه صفير الطير والدبر بريح الحدث - من مكا يمكو مكواً ومكاء - إذا صفر بفيه أو شبك أصابعه ونفخ فيها، ومكت الشجرة بريحها: صوتت، والدبر بريح الحدث: صوت - قال أبو حيان: وجاء على فعال أي بالضم ويكثر فعال في الأصوات كالصراخ - انتهى. {وتصدية} أي و تصفيقاً، كان أهل الجاهلية يطوفون عراة ويصفرون بأفواههم ويصفقون بأيديهم مقصورة، فيكون تصويتهم ذلك يشبه الذي رجّع الصوت في المكان الخالي، فهو كناية عن أن صلاتهم لا معنى لها، وأصله صدد - مضاعف - إذا أعرض ومال مثل التظني من ظنن -، فهذا لهو لا عبادة وهزء لا جد مع أن الأمر جد وأيّ جد كما قال تعالى: {أية : أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون}تفسير : [النجم: 59- 61] أي ولا تبكون في حال جدكم بدأبكم في العمل الصالح، فهذا الذي يعملونه مناف لحال البيت فهو تخريب لا تعمير، قال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمينه يصفران ويصفقان، ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا عليه صلاته، وتقدير الكلام على قراءة الأعمش: صلاتهم - بالنصب: وما كان شيء إلا مكاء وتصدية صلاتهم، فنفى عما يجعلونه صلاة كل شيء إلا المكاء والتصدية، فالصلاة مقصورة عليهما بهذا الاعتبار، فقد صارت بهذا الطريق بمعنى القراءة المشهورة سواء فتأمله فإنه نفيس جداً، وخرج عليه الخلاف في آية الأنعام {أية : ثم لم تكن فتنتهم} تفسير : [الأنعام: 23] وغيره، وقد مضى هناك ما ينفع هنا، ومما يجب أن يعلم أن هؤلاء لم يذمهم الله لأنه أعلى الذم، بل ذمهم لكونهم اتخذوا العبادة لعباً لينبه بذلك على ذم من أشبههم في ذلك فعمد إلى ما هو مباح في أصله فاتخذه ديناً فكيف إذا كان مكروهاً أم كيف إذا كان حراماً، فقبح الله قوماً ادعوا أنهم أعرضوا عن الدنيا ثم اتخذوا الطبول والغنى والتصدية شعارهم ثم ضربوا به حتى فعلوه في المساجد وزادوا على فعل الجاهلية الرقص الذي ابتدعه قوم السامري لما عبدوا العجل، فأخذوا أنواعاً من أفعال أنواع من الكفرة وجعلوها عادتهم وشعارهم وديانتهم، فلقد انتهكوا حرمات الشريعة وبدلوها واستهانوا بها واسترذلوها. ولما كان مساق الكلام لبيان استحقاقهم العذاب، وأنه لا مانع لهم منه وكان قد أوقع بهم في هذه الغزوة مباديه، وكانت المواجهة بالتعنيف وقت إيقاع ما لا يطاق بالعدو إنكاء، قال مسبباً عن قبيح كا كانوا يرتكبونه: {فذوقوا العذاب} أي الذي توعدكم الله والذي رأيتموه ببدر وطلبتموه في استفتائكم حكم الاستهانة به {بما كنتم تكفرون*} اي إنكم قد صرتم بهذا الفعل أهلاً لذوقه بما تسترون مما دلتكم عليه عقولكم من هذا الحق الواضح.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال ‏"‏ حديث : قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر فلما أمر بقتله قال المقداد‏:‏ يا رسول الله أسيري‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول‏:‏ وفيه أنزلت هذه الآية ‏{‏وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين‏} ‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم، فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فقال‏:‏ ‏ {‏قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} التي حقها أن يخِرَّ لها صُمُّ الجبال {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} قاله اللعينُ النضْرُ بنُ الحارث، وإسنادُه إلى الكل لما أنه كان رئيسَهم وقاضيَهم الذي يقولون بقوله ويأخُذون برأيه وقيل: قاله الذين ائتمروا في أمره صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، وهذا كما ترى غايةُ المكابرة ونهايةُ العِناد كيف لا ولو استطاعوا شيئاً من ذلك فما الذي كان يمنعهم من المشيئة وقد تُحُدّوا عشرَ سنين وقُرعوا على العجز وذاقوا من ذلك الأمرَّيْن ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوا بما سواه مع أنَفتهم وفرْطِ استنكافِهم أن يُغلَبوا لاسيما في باب البـيان {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} أي ما يسطرونه من القصص. {وَإِذَا قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هذا أيضاً من أباطيل ذلك اللعين. روي أنه لما قال: إنْ هذا إلا أساطيرُ الأولين قال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويلَك إنه كلامُ الله تعالى»تفسير : فقال ذلك والمعنى أن القرآن إن كان حقاً منزلاً من عندك فأمطِرْ علينا الحجارةَ عقوبةً على إنكارنا أو ائتنا بعذاب أليم سواه، والمرادُ منه التهكمُ وإظهارُ اليقينِ والجزمِ التامِّ على أنه ليس كذلك وحاشاه، وقرىء الحقُّ بالرفع على أن هو مبتدأٌ لا فصلٌ، وفائدةُ التعريفِ فيه الدِلالةُ على أن المعلق به كونُه حقاً على الوجه الذي يدّعيه صلى الله عليه وسلم وهو تنزيلُه لا الحقُّ مطلقاً لتجويزهم أن يكون مطابقاً للواقع غيرَ منزلٍ كالأساطير {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} جوابٌ لكلمتهم الشنعاءِ وبـيانٌ للموجِب لإمهالهم والتوقفِ في إجابة دعائِهم واللامُ لتأكيد النفي والدِلالةِ على أن تعذيبَهم عذابَ استئصالٍ والنبـيُّ عليه الصلاة والسلام بـين أظهرِهم خارجٌ عن عادته تعالى غيرُ مستقيمٍ في حُكمه وقضائه، والمرادُ باستغفارهم في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إما استغفارُ مَنْ بقِيَ منهم من المؤمنين أو قولُهم: اللهم اغفِرْ أو فرضُه على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} تفسير : [هود: 117].

القشيري

تفسير : فَرْطُ جهلهم، وشؤم جحدهم سَتَرَ على عقولهم قُبْحَ دعاويهم في القدرة على معارضة القرآن فافتضحوا عند الامتحان بعدم البرهان، والعجز عما وصفوا به أَنفسهم من الفصاحة والبيان، وقديماً قيل: شعر : مَنْ تحلَّى بغير ما هو فيه فَضَحَ الامتحان ما يدَّعيه تفسير : ويقال لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حُرِموا بركات الفهم فعدُّوه من جملة أساطير الأولين، وكذلك منْ لا يراعي على حرمة الأولياء، يعَاقَبُ بأَنْ تُسْتَرَ عليه أحوالُهم، فيظنهم مثله في استحقاق مثالبه، فيطلق فيهم لسان الوقيعة، وهو بذلك أَحَقُّ، كما قيل: "رَمَتْنِي بدائِها وانْسَلَّتْ".

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا تتلى} -روى- ان النضر بن الحارث من بنى عبد الدار كان يختلف تاجرا الى فارس والروم والحيرة فيسمع اخبار رستم واسفنديار واحاديث العجم واشترى احاديث كليلة ودمنة وكان يمر باليهود والنصارى فيراهم يقرأون والتوراة والانجيل ويركعون ويسجدون فجاء مكة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى ويقرأ القرآن فطفق يقعد مع المستهزئين وهو منهم ويقرأ عليهم اساطير الاولين اى ما سطروه فى كتبهم من اخبار الامم الماضية واسمائهم وكان يزعم انها مثل ما يذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم من قصص الاولين فقال تعالى {واذا تتلى} {عليهم} اى على النضر ومتابعيه {آياتنا} القرآنية {قالوا قد سمعنا} هذا الكلام {لو نشاء لقلنا مثل هذا} وهذا كما ترى غاية المكابرة ونهاية العناد وكيف لا ولو استطاعوا شيأ من ذلك فما الذى كان يمنعهم من المشيئة وقد تحداهم عشر سنين فما استطاعوا معارضته مع فرط استنكافهم ان يغبلوا خصوصا فى باب ما يتعلق بالفصاحة والبيان فلما تحقق افحامهم دعتهم شدة المكابرة والعناد الى ان علقوا معارضته بمشيئتهم {ان} ما {هذا الا اساطير الاولين} اى ما سطره الاولون من القصص جمع اسطورة وهى المسطورة المكتوبة وفى التأويلات النجمية قالوا قد سمعنا وما سمعوا على الحقيقة فانها قرآن يهدى الى الرشد كما سمعت الجن وانهم سمعوا اساطير الاولين ولهذا قالوا ما قالوا فانهم يقدرون على ان يقولوا اساطير الاولين ولكن لا يقدرون على ان يقولوا مثل القرآن لان القرآن كلام الله وصفته القديمة وما يقولون هو كلام المحدث المخلوق فلا يكون مثل القرآن فى الصورة والمعنى والحقيقةوالاسرار والانوار ولا يقدر على مثله الخلائق كلهم كما قال {أية : قل لئن اجتمعت الانس والجن على أَن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً} تفسير : [الإسراء: 88]. وفى المثنوى شعر : جون كتاب الله برآمد هم بران اين جنين طعنه زدند آن كافران كه اساطير است وافسانه نثرند نيست تعميقى وتحقيقى بلند كود كان خرد فهمش ميكند نيست جز امر بسند ونابسند ذكر يوسف ذكر زلف برخمش ذكر يعقوب وزليخا وغمش ظاهر است وهركسى بى ميبرد كوبيان كه كم شود در روى خرد كفت اكر آسان نمايد اين بتو انيجنين يك سوره كواى سخت رو جنيان وانسيان واهل كار تويكى آيت ازين آسان بيار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "إذا": ظرفية شرطية، خافضة لشرطها، معمولة لجوابها، أي قالوا وقت تلاوة الآيات: لو نشاء... لخ. يقول الحق جل جلاله: {وإذا تُتلى عليهم آياتنا} القرآنية {قالوا قد سمعنا} ما تتلوه علينا {لو نشاء لقلنا مثل هذا إنْ هذا إلا أساطير الأولين} أي: اخبارهم المسطورة أو أكاذيبهم المختلقة. قال البيضاوي؛ وهذا قول النَّضْر بن الحارث، وإسناده إلى الجمع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم، فإنه كان قاصهم، أي: يقص عليهم أخبار فارس والروم، فإذا سمع القرآن يقص أخبار الأنبياء قال: لو شئت لقلتُ مثل هذا، أو قول الذين ائتمروا في شأنه: وهذا غاية مكائدهم، وفرط عنادهم، إذ لو استطاعوا ذلك لسارعوا إليه، فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا، مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلَبوا، خصوصاً في باب البيان؟ هـ. بالمعنى. الإشارة: هذه المقالة بقيت سُنَّةً في أهل الإنكار على أهل الخصوصية، إذا سمعوا منهم علوماً لدنية، أو أسراراً ربانية، أو حِكماً قدسية، قالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهم لا يقدرون على كلمة واحدة من تلك الأسرار، وهذا الغالب على المعاصرين لأهل الخصوصية، دون من تأخر عنهم، فإنهم مغرورون عنده، {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحوِيلاً} تفسير : [فاطر: 43]. ثم ذكر استعجالهم للعذاب؛ عناداً وعتواً، فقال: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى عن عناد هؤلاء الكفار ومباهتتهم للحق بأنهم بلغوا في ذلك إلى رفع الحق بما ليس فيه شبهة. وهو أنه {إذا تتلى عليهم آياتنا} يعني القرآن قالوا {لو نشاء لقلنا مثل هذا} وقد أبان التحدي كذبهم في ذلك وتخرصهم فيه بما ظهر من عجزهم عن سورة مثله، وانما قالوا {لو نشاء لقلنا مثل هذا} ولم يجز أن يقولوا لو نشاء لقلبنا الجماد حيواناً، لأنه يتموه هذا على كثير من الناس ولا يتموه ذلك، على أن قوم فرعون ظنوا أن السحرة يمكنهم قلب الجماد حيواناً. وقوله {قد سمعنا} معناه أدركناه بآذاننا. والسماع إدراك الصوت بحاسة الأذن، ولو لم نذكر الصوت لا نتقض بالحرارة والبرودة والآلام واللذة اذا ادرك بها، ولا يسمى سماعاً. وعلى هذا اذا قيل: ما الرؤية بالبصر؟ ينبغي أن يقال: هي ادراك المرئيات بها، لأنه قد يدرك الحرارة والبرودة بها. فاذا قلنا المرئيات لم ينتقض بذلك. ثم أخبر الله تعالى عن قولهم بأن قالوا ليس هذا الذي سمعناه {إلا أساطير الأولين} والأساطير جمع واحده أسطورة في قول الزجاج. وقال غيره: هو جمع أسطر، واسطر جمع سطر، وزيدت الياء للمد، كما قالوا دراهم، وارادوا ما هذا إلا ما سطره من الاحاديث بكتبه سطراً بعد سطر.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} عطف على يمكرون {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا} استهزاءً {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} قيل قائله النّضر بن الحارث بن كلدة الّذى قتل يوم بدرٍ بعد اسره على يد علىّ (ع) {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} اسمار الاوّلين فانّه يكنّى بالاساطير عنها.

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. قال الكلبي: لما قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه شأن القرون الأولى قال النضر إبن الحارث، أخو بني عبد الدار: لو شئت لقلت مثل هذا {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}، أي: كذب الأولين وباطلهم. قال الكلبي: يقول له عند عثمان بن مظعون: اتقِ الله يا نضر، فإن محمداً يقول الحق. قال النضر: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإن محمداً يقول لا إله إلا الله. فقال النضر: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله عندنا: اللات والعزى ومناة. فأنزل الله: (أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ ).تفسير : [الزخرف:81] وتفسيرها في حَمَ الزخرف؛ فقال النضر: ألاَ تَرون أنه قد صدّقني: إن للرحمن ولداً؟ فقال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكن قال: {إِن كَانَ}، منكراً لقولك. فصعق لها النضر فغضب، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.

اطفيش

تفسير : {وإذا تُتْلى عَليْهم آياتُنا قالُوا قَدْ سَمعْنا لو نَشاءُ لقلْنا مِثْل هذَا} من عندنا أو مما نجده مكتوبا، وذلك كذب على كل حال ليست فصاحة القرآن، وما يتضمنه فى قوتهم وملكتهم، ولا فى ما يجدونه مكتوبا، وإلا فما منعهم من أن يشاءوا القول فيقولوا، وقد حدَّهم وفرعهم بالعجز، فى غاية من العناد والمكابرة، وحب الغلبة. وعن الكلبى، والسدى، وابن جريج، وابن جبير: أن قائل ذلك النظر بن الحارث، أو القول إليهم لأنه فيهم ولرضاهم بقوله: ولأنه رئيسهم وقاضيهم وموسوم بالفهم فيهم، وسكون إلى قوله: حتى إذا قال شيئا قاله كثيرا، ولأنهم قالوا مثل ما قال، وكان كثير السفر إلى الحيرة وفارس، ويسمع القصص من الرهبان والعجم، ويشترى كتبهم ويمر باليهود والنصارى فيراهم يقرءون ويركعون، ويسجدون ويبكون، وسمع من الأخبار رستم وأسفندياد فقال ذلك. وقيل: حديث : لما رجع من سفرة من أسفاره إلى تلك البلاد، وجد النبى صلى الله عليه وسلم يقرأ ويركع ويسجد ويبكى، كما رأى هؤلاء فقال ذلك، وقد اشترى نسخة من حديث رستم وأسفندياد، وهو من بنى عبد الدار، وقد قتل صبرا بالصفراء عند الانصراف من بدر فى موضع يقال له: الأثيل، وكان الذى أسره المقداد فلما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله قال المقداد: هو أسيرى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه كان يقول فى كتاب الله ما قد علمتم" ثم اعاد الأمر بقتله، فأعاد المقداد قوله، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم أغنى المقداد من فضلك" فقال المقداد: هذا الذى أردت فضربت عنقه . تفسير : وقتل أيضا صبرا عقبة بن أبى معيط، وما رواه الطبرى، والخازن، عن ابن جبير: من أنه قتل يومئذ صبرا الثالث أيضا وهو المطعم بن عدى غير صحيح، لأنه مات قبل بدر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كان المطعم حيا وكلمنى فى هؤلاء - أشار إلى أسارى بدر - لتركتهم له". تفسير : {إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ} ما سطره الأولون من الأخبار واقصص، وأل فى الأساطير للحقيقة لأنه لم يرد أن ذلك مجموع أساطيرهم، بل أراد أنه بعضها، والأساطير جمع أسطورة بمعنى مسطورة، أو جمع إسطار لا جمع أسطر كما زعم بعضهم، وإلا قيل أساطر بدون ياء لأنه ليس فى أسطر ياء ولا مدة تقلب ياء فى الجمع ولما قال: {إن هذا إلا أساطير الأولين} قال له عثمان بن مظعون رضى الله عنه: اتق الله يا نظر، فإن محمدا يقول الحق، قال النظر: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإنه يقول: لا إله إلا الله، فقال النظر وأنا أقول لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله عندنا، يعنى اللات والعزة، ومناة، قيل: وغيرهن. قيل: فأنزل الله: {أية : قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} تفسير : فقال النظر: ألا ترون أنه قد صدقنى أن للرحمن ولدا، فقال الوليد ابن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكن قال: {إن كان} منكرا لقولك فصفق لها النظر وغضب، وقال: ما حكى الله عنه فى قوله: {وإن قَالُوا...}

اطفيش

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} قرآننا {قَالُوا} قال النضر بن الحارث عند مجاهد وابن جبير والجمهور وأَبو جهل عند أَنس بلسانه وغيره برضاه، ففى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز، وزعم بعض أَن القول حقيقة فى الاعتقاد، وبعض أَنه حقيقة فيه وفى اللفظ، والصحيح أَنه حقيقة فى اللفظ فيجاب عن الجمع بينهما باستعماله فى عموم المجاز وهو المعنى الموجود فى الحقيقة والمجاز. وذلك المعنى هو الرضى الموجود فى قلب اللافظ وقلب المعتقد بلا تلفظ، أَو أَسند القول إِليهم لأَن النضر رئيسهم وقاضيهم وقاصهم، وكان يأتى الحيرة للتجر ويشترى كتب أَخبار العجم كالفرس والروم ويمر بأَهل الكتاب ويحدث أَهل مكة عنها، وكان معروفاً فيهم بالفطنة، أَو القائلون المؤتمرون فى أَمره صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فلا مجاز إِلا إِن أُريد المؤتمرون، ومن رضى بقولهم {قَدْ سَمِعْنَا} ما قلت وليس ببدع مؤثر فينا، وقيل: سمعنا التوراة والإِنجيل مثل كلامك، ويرده قوله {لَوْ نَشَاءُ} القول {لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} لأَنا فصحاء بلغاء مثلك، وذلك عناد محض، إِذ لو قدروا على مثل القرآن لقالوا ليستريحوا عن الجدال، وبعد الهجرة يستريحوا عن القتل والسبى والغنم، وقد لبث فيهم عشر سنين أَو ثلاث عشرة وما أَطاقوه {إِنْ هَذَا} أَى القرآن {إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} جمع أَسطورة وهو المسطور العجيب، أَو جمع الجمع وهو أَسطار والمراد ما سطر أَى كتب فى أَخبار العجم.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا} التي لو أنزلناها على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} قائله النضر بن الحرث من بني عبد الدار على ما عليه جمهور المفسرن وكان يختلف إلى أرض فارس والحرة فيسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار وكبار العجم وكان يمر باليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل، وإسناد القول إلى ضمير الجمع من إسناد فعل البعض إلى الكل لما أن اللعين كان رئيسهم وقاضيهم الذي يقولون بقوله ويعملون برأيه. وقيل: قاله الذين ائتمروا في أمره عليه الصلاة والسلام في دار الندوة، وأياً ما كان فهو غاية المكابرة ونهاية العناد، إذ لو استطاعوا شيئاً من ذلك فما منعهم من المشيئة؟ وقد تحداهم عليه الصلاة والسلام وقرعهم بالعجز عشر سنين ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا بما سواه من أنفتهم واستنكافهم أن يغلبوا لا سيما في ميدان البيان فإنهم كانوا فرسانه المالكين لأزمته الحائزين قصب السبق به. واشتهر أنهم علقوا القصائد السبعة المشهورة على باب الكعبة متحدين بها، لكن تعقب أن ذلك مما لا أصل له وإن اشتهر، وزعم بعضهم أن هذا القول كان منهم قبل أن ينقطع طمعهم عن القدرة على الإتيان بمثله، وليس بشيء. {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} جمع أسطورة على ما قاله المبرد كأحدوثة وأحاديث ومعناه ما سطر وكتب. وفي «القاموس» ((الأساطير الأحاديث لا نظام لها جمع إسطار وإسطير [بكسرهما] وأُسطور وبالهاء في الكل. وأصل السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر وغيره وجمعه أسطر وسطور وأسطار وجمع الجمع أساطير ويحرك في الكل))، وقال بعضهم: إن جمع سطر بالسكون أسطر وسطور وجمع سطر أسطار وأساطير، وهو مخالف لما في «القاموس»، والكلام على التشبيه، وأرادوا ما هذا إلا كقصص الأولين وحكاياتهم التي سطروها وليس كلام الله تعالى، وكأنه بيان لوجه قدرتهم على قول مثله لو شاؤوا.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى ذكر بهتان آخر من حجاج هؤلاء المشركين، لم تزل آيات هذه السورة يتخللها أخبار كفرهم من قوله: {أية : ويقطع دابر الكافرين}تفسير : [الأنفال: 7] ـ وقوله ـ {أية : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله}تفسير : [الأنفال: 13] ـ وقوله ـ {أية : فلَمْ تقتلوهم ولكن الله قتلهم}تفسير : [الأنفال: 17] ـ وقوله ـ {أية : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}تفسير : [الأنفال: 21] ـ ثم بقوله ـ {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 30]. وهذه الجمل عطف على جملة: {أية : ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم}تفسير : [الأنفال: 23]. وهذا القول مقالة المتصدين للطعن على الرسول صلى الله عليه وسلم ومحاجته، والتشغيب عليه: منهم النضر بن الحارث، وطُعمية بن عدي، وعقبة بن أبي مُعَيْط. ومعنى {قد سمعنا}: قد فهمنا ما تحتوي عليه، لو نشاء لقلنا مثلها وإنما اهتموا بالقصص ولم يتَبيّنوا مغزاها ولا ما في القرآن من الآداب والحقائق، فلذلك قال الله تعالى عنهم {أية : كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}تفسير : [الأنفال: 21] أي لا يفقهون ما سمعوا. ومن عجيب بهتانهم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تحدّاهم بمعارضة سورة من القرآن، فعجزوا عن ذلك وأفحموا، ثم اعتذروا بأن ما في القرآن أساطير الأولين وأنهم قادرون على الإتيان بمثل ذلك ـ قيل: قائِل ذلك هو النضر بن الحارث من بني عبد الدار، كان رجلاً من مردة قريش ومن المستهزئين، وكان كثيرَ الأسفار إلى الحِيره وإلى أطراف بلاد العجم في تجارته، فكان يلقى بالحِيرة ناساً من العِبَاد (بتخفيف الباء اسم طائفة من النصارى) فيحدثونه من أخبار الإنجيل ويلقَى من العرب من ينقل أسطورة حروب (رُسْتُم) و(أسْفندياذ) من مُلوك الفرس في قصصهم الخُرافي، وإنما كانت تلك الأخبار تترجم للعرب باللسان ويستظهرها قصاصهم وأصحاب النوادر منهم ولم يذكر أحد أن تلك الأخبار كانت مكتوبة بالعربية، فيما أحسب، إلاّ ما وقع في «الكشاف» أن النضر بن الحارث جاء بنسخة من خبر (رُستم) و(اسفندياذَ) ولا يبعد أن يكون بعض تلك الأخبار مكتوباً بالعربية كتبها القصاصون من أهل الحِيرة والأنبار تذكرة لأنفسهم، وإنما هي أخبار لا حكمة فيها ولا موعظة، وقد أطال فيها الفردوسي في كتاب «الشاهنامه» تطويلاً مُملاً على عادة أهل القصص، وقال الفخر: اشترى النضر من الحِيرة أحاديث كليلة ودمنة، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم فيقرأ عليهم أساطير الأولين، فإسناد قول النضر بن الحارث إلى جماعة المشركين: من حيث إنهم كانوا يؤيدونه ويَحكونه ويُحاكونه، ويحسبون فيه معذرة لهم عن العجز الذي تلبسوا به في معارضة القرآن، وأنه نفّس عليهم بهذه الأغلوطة، فإذا كان الذي ابتكره هو النضر بن الحارث فليس يمتنع أن تصدر أمثال هذا القول من أمثاله وأتباعه، فمن ضمنهم مجلسه الذي جاء فيه بهذه النزاقة. وقولهم: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} إيهام بأنهم ترفعوا عن معارضته، وأنهم لو شاءوا لنقلوا من أساطير الأولين إلى العربية ما يوازي قصص القرآن وهذه وقاحة، وإلاّ فما منعهم أن يشاءوا معارضة من تحداهم وقرعهم بالعجز بقوله: {أية : فإنْ لم تفعلوا ولنْ تفعلوا}تفسير : [البقرة: 24] مع تحيزهم وتآمرهم في إيجاد معذرة يعتذرون بها عن القرآن وإعجازه إياهم وتحديه لهم، وما قاله الوليد بن المغيرة في أمر القرآن. و«الأساطير» جمع أسطورة بضم الهمزة ـ وهي القصة، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين}تفسير : في سورة [الأنعام: 25]. والمخالفة بين شرط {لو} وجوابها إذ جعل شرطها مضارعاً والجزاء ماضياً جرى على الاستعمال في (لو) غالباً، لأنها موضوعة للماضي فلزم أن يكون أحد جزَأيْ جملتها ماضياً، أو كلاهما. فإذا أريد التفنن خولف بينهما، فالتقدير: لو شئنا لقلنا، ولا يبعد عندي في مثل هذا التركيب أن يكون احتباكاً قائماً مقام شرطين وجزاءين فإحدى الجملتين مستقبلة والأخرى ماضية، فالتقدير لو نشاء أن نقول نقولُ، ولو شئنا القول في الماضي لقلنا فيه، فذلك أوعب للأزمان، ويكون هذا هو الفرق بين قوله: {أية : ولَوْ شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها}تفسير : [السجدة: 13] ـ وقوله: {أية : أنْ لَو يشاء الله لهدى الناس جميعاً}تفسير : [الرعد: 31] فهم لما قالوا: {لو نشاء لقلنا مثل هذا} ادعوا القدرة على قول مثله في الماضي وفي المستقبل إغراقاً في النفَاجة والوقاحة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} الآية. قد بينا قبل هذا الآيات المصرحة بكذبهم، وتعجيز الله لهم عن الإتيان بمثله. فلا حاجة إلى إعادتها هنا، وقوله هنا في هذه الآية عنهم: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} رد الله عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفرقان: 5-6] وما أنزله عالم السر في السموات والأرض فهو بعيد جداً من أن يكون أساطير الأولين، وكقوله: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [النحل: 103] إلى غير ذلك من الآيات:

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 31- واذكر - أيها النبى - معاندة المشركين عندما كنت تقرأ عليهم آيات القرآن الكريم، وهى آياتنا، فيذهب بهم فرط الجهل والغرور إلى أن يقولوا: لو أردنا أن نقول مثل هذا القرآن لقلنا، فما هو إلا ما سطره الأولون من قصص. 32- واذكر - أيها النبى - كيف ذهبوا فى محادَّتك ومحادَّة الله أن قالوا معاندين موجهين النداء لله ربهم: إن كان ما تجئ به هو الأمر الثابت، فاجعل السماء تمطر حجارة، أو أنزل عذاباً شديداً أليماً. 33- وما كان من حكمة الله تعالى أن يعذبهم فى الدنيا بعذاب شديد وأنت فيهم تدعو إلى الحق راجياً إجابتهم، وما كان من شأن الله أن يعذب العصاة وهم يستغفرونه ويقلعون عما هم فيه. 34- وإن حالهم القائمة الآن تسوغ تعذيبهم، لأنهم يمنعون الناس من المسجد الذى حرم الله القتال حوله، ولكن يؤخرهم الله لما قدَّره فى علمه من إيمان الكثيرين منهم، وإنهم فى حالهم هذه ليسوا نصراء ذلك المسجد المكرم، لأنهم دنَّسوه بالوثنية، وإنما نصراؤه الحقيقيون هم المؤمنون الطائعون لله، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون الدين، ولا مقام ذلك البيت الكريم. 35- وما كان دعاؤهم وتضرعهم عند هذا البيت العظيم إلا صفيراً وصفقاً بالأيدى، وإذا كانت تلك حالكم فتلقوا الموت وذوقوه فى ميدان القتال، لينزاح الشرك عن البيت، وذلك القتل فيكم بسبب كفركم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُنَا} {أَسَاطِيرُ} (31) - حِينَمَا كَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يَتْلُو القُرْآنَ عَلَى كُفّارِ قُرَيشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ سَمِعْنا، لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنا مِثْلَهُ. وَلَكِنَّ أحَداً مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَوْلَ شَيءٍ مِنْهُ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى تَحَدَّاهُمْ أكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أنْ يَأتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. وَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ الذِي يَقْرَأ فِيهِ القُرْآنَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إلى رَبِّهِمْ، يَأتِي النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ فَيَجْلِسُ مَكَانَ الرَّسُولِ، وَيُحَدِّثُ النَّاسَ بِأَسَاطِير فَارِسَ وَالرُّومِ وَقَصَصِهِمْ القَدِيمَةِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: بِاللهِ أيُّنَا أَحْسَنُ قَصَصاً أنَا أوْ مُحَمَّدٌ؟ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ - أَكَاذِيبُهُمُ المَسْطُورَةُ فِي كُتُبِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقول الحق: "آياتنا" يعني آيات القرآن؛ لأننا عرفنا من قبل أن الآيات إما أن تكون الآيات الكونية التي تلفت إلى وجود المكوِّن الأعلى مثل الليل والنهار والشمس والقمر، وإمّا أن تكون الآيات بمعنى المعجزات: {أية : وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا} تفسير : [الأعراف: 203]. وهذه الآيات المعجزة علامة على أنه صادق. أو الآيات التي هي قسط من القرآن وهو المنهج. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} [الأنفال: 31]. ونفهم من التلاوة أن المقصود هو آيات القرآن الكريم. فماذا قالوا؟ {قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} [الأنفال: 31]. وقولهم: "لو نشاء" هذا يدل على أنهم لم يقولوا؛ لأن "لو" حرف امتناع لامتناع، مثلما تقول: لو جئتني لأكرمتك، فامتنع الإكرام مني لامتناع المجيء منك، فهذا يعني امتناع لامتناع، ومثلما يقول قائل: لو عندي مال لاشتريت قصراً، ولأنه لا يملك مالاً، فهو لم يشتر القصر - إذن هم لم يشاءوا ولم يقولوا؛ لذلك كان كلامهم مجرد "تهويش" وتهديد لا محل له. فلم يحصل منهم هذا ولا ذاك. إذن ثبت الإعجاز. لقد ثبت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منهم أولاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وحين قالوا: إن القرآن كثير ولا يقدرون أن يأتوا بمثله، تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، وحين فشلوا، تحداهم بأن يأتوا بسورة، فلم يأتوا، وكان هذا تدرجاً في الإعجاز. لقد تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى التحدي حفز المُتَحدّى أن يُجند كل ما يقوى عليه ليرد التحدي. فإن لم تتجمع لهم المواهب التي تكفل قبول التحدي انسحبوا؛ لكن واحداً منهم "النضر بن الحارث" ذهب لفارس، ورأى كتاباً هناك يضم أساطير وحكايات، وجاء ليقول وسط قريش: هأنذا أقول مثل محمد. لكن كلامه لم يكن له هدف ولا يحمل منهجاً ولا توجد لكل كلمة فيه قدرة جذب لمعنى، ولم يوجد في قوله أي معنى جاذب للكلمة، لذلك انصرف عنه القوم. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]. وهذا قولهم، وسبق أن اعترفوا بأنه قرآن، وسبق لهم أن قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء:90 - 93]. وحين نقرأ هذه الآيات الكريمة ونقوم بتعداد ما طلبوا منه، نجد أنهم طلبوا تفجير الأرض بينبوع ماء، وطلبوا أن تكون له جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، وطلبوا أن تسقط السماء كما زعم عليهم كسفا، وطلبوا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا، وطلبوا أن يكون له بيت من زخرف، وطلبوا أن يرقى في السماء، وكل هذا كلام طويل أثبته القرآن الكريم، فهل ما قالوه يعد قرآنا؟ لا، ولنلتفت إلى دقة أداء القرآن، فلم يقل كل هذه الطلبات إنسان واحد، بل قال كل منهم طلباً، وبأسلوب مختلف، ولكن بلاغة القرآن الكريم جمعت كل الأساليب فأدتها بتوضيح دقيق وبإعجاز بالغ، ولذلك لنا أن نلتفت أننا ساعة نسمع نقلا لكلام الغير من القرآن، فعلينا ألا نأخذه على أن هذا الكلام الذي قيل هو معانٍ قيلت، وجاء القرآن الكريم بها بأسلوب الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إذا جئت لابنك وقلت له: يا بني اذهب إلى عمك فلان وقل له: إن أبي يدعوك غداً مساءً لتناول العشاء معه؛ لأن عنده ضيوفاً ويحرص على أن تشاهدهم ويشاهدوك وتقوي من مكانته. وحين ذهب الولد لعمه، هل قال له نفس الكلام؟ طبعا لا؛ لأن الأب قد يكون متعلماً، ولا يستطيع الابن أن يقول ذات الكلمات. أو قد يكون الأب أميّاً، والابن مثقفا ناضجا فينقل الابن رسالة أكثر بلاغة. إذن فأنت إذا سمعت أو قرأت كلاماً من غير الله على لسان أحد، فاعلم أن هذا أداء الله لمطلوبات المتكلم. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31]. والأساطير جمع أسطورة، أي الحوادث والأحاديث الخرافية مثل ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، والإلياذة وغيرها من كتب الأساطير. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} من مكرنا أياهم أنَّا ختمنا على قلوبهم وسمعهم بختم القساوة والغفلة بحيث {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} مع أنهم عارضوا زماناً، ثمَّ عجزوا مع وفوره دواعيهم، فلمَّا عجزوا عن إتيان مثله {قَالُواْ} مكابرةً وعناداً: {قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31] أي: أكاذيبهم التي سطروها في دواوينهم، لتعزيز السفهاء. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل وقت {إِذْ قَالُواْ} من غاية عتوهم وفرط انهماكهم في الغفلة والضلال، وأصرارهم على تكذيب القرآن والرسول: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا} المفترى {هُوَ ٱلْحَقَّ} الثابت النازل {مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} بسبب تكذيبنا إياه {حِجَارَةً مِّنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ} واستأصلنا بها {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32] مؤلم مفزع، وما هذا إلا مبالغة في تكذيب القرآن والرسول على سبيل التهكم. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} وإن استحقوا أشد العذاب والنكال والهلاك الكلي؛ بسبب تكذيبك وتكذيب كتابك {وَأَنتَ فِيهِمْ} يعني: ما دامت فيهم وفي ديارهم ومكانهم، فإن عذبهم الله فقد أصابك مما أصابهم {وَ} إن أمكن تخليصك وإنقاذك حين تعذيبهم {مَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} وما أراد تعذيبهم واستئصالهم {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] أي: يتوقع منهم، من أخلافهم الإيمان والاستغفار في الاستقبال بخلاف الأمم الهالكة من قبلأ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا} [الأنفال: 31] وما سمعوا على الحقيقة؛ لأنها قرآن يهدي إلى الرشد كما سمعت الجن وأنهم سمعوا أساطير الأولين، ولهذا {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31] فإنهم يقدرون على أن يقولوا: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} ولكن لا يقدرون على أن يقولوا مثل القرآن؛ لأن القرآن كلام الله وصفته القديمة وما يقولون هو كلامهم المحدث المخلوق، فلا يكون مثل القرآن في الصلاة والصفة والمعنى والحقيقة والأسرار والأنوار، ولا يقدر على مثله الخلائق كلهم كما قال تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}تفسير : [الإسراء: 88]. ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعوتهم {لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} قولهم: {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} [الأنفال: 32] ليعلم أن غاية عقلهم ونهاية فهمهم أن يقولوا مثل هذه المقالة من غاية الضلالة والجهالة، ولا يقولوا بدلاً عنها: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ومتعنا به واجعله شفاء قلوبنا ونور به صدورنا، وأمثال هذا فكيف بمن يكون هذا حاله أن يكون مثل القرآن مقاله. ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33] يا محمد وإن طلبوا العذاب بالجهل؛ لأنك رحمتي فيهم كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 107]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا رحمة مهداة"،تفسير : فالرحمة والعذاب ضدان، فالضدان لا يجتمعان، {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] في الدنيا والآخرة، {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] يعني: وهم أهل الاستغفار أي: أهل الإيمان؛ لقوله تعالى: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ}تفسير : [النساء: 147]، وقال تعالى: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ}تفسير : [طه: 82]. ثم قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} [الأنفال: 34] إذ لم يستغفروا لم يؤمنوا، {وَهُمْ يَصُدُّونَ} [الأنفال: 34] يعني: أهل الإيمان، {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} [الأنفال: 34] فيه إشارة إلى أن الله تعالى لا يعذب أولياءه وإن فعلوا؛ بل يتوب عليهم ويجعلهم من المتقين كما قال تعالى: {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} [الأنفال: 34] وفيه إشارة إلى أن الأولياء هم الأتقياء بالله عمَّا سواه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] ولكن أكثر المتقين لا يعلمون أنهم أولياء الله، وبه يشير إلى إيمان بعض الأولياء لا يجوز أن يعلم الأولى، ولكن الأكثرين من الأولياء لا يعلمون أنهم أهل الولاية، ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ} [الأنفال: 35] يعني: ما كان الكفار يوم كفرهم، {عِندَ ٱلْبَيْتِ} [الأنفال: 35] مع عظم قدره بدل الصلاة التي تصيب أهل السعادة بشقاوتهم، {إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} [الأنفال: 35] أي: عذاب هذه الشقاوة، {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35] أي: بشؤم كفركم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى في بيان عناد المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا } الدالة على صدق ما جاء به الرسول. { قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } وهذا من عنادهم وظلمهم،وإلا فقد تحداهم اللّه أن يأتوا بسورة من مثله، ويدعوا من استطاعوا من دون اللّه، فلم يقدروا على ذلك، وتبين عجزهم. فهذا القول الصادر من هذا القائل مجرد دعوى، كذبه الواقع،وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم أُمِّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا رحل ليدرس من أخبار الأولين، فأتى بهذا الكتاب الجليل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا } الذي يدعو إليه محمد { هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } قالوه على وجه الجزم منهم بباطلهم، والجهل بما ينبغي من الخطاب. فلو أنهم إذ أقاموا على باطلهم من الشبه والتمويهات ما أوجب لهم أن يكونوا على بصيرة ويقين منه، قالوا لمن ناظرهم وادعى أن الحق معه: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له، لكان أولى لهم وأستر لظلمهم. فمنذ قالوا: { اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } الآية، علم بمجرد قولهم أنهم السفهاء الأغبياء، الجهلة الظالمون،فلو عاجلهم اللّه بالعقاب لما أبقى منهم باقية، ولكنه تعالى دفع عنهم العذاب بسبب وجود الرسول بين أظهرهم، فقال: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } فوجوده صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أمنة لهم من العذاب. وكانوا مع قولهم هذه المقالة التي يظهرونها على رءوس الأشهاد، يدرون بقبحها، فكانوا يخافون من وقوعها فيهم، فيستغفرون اللّه [تعالى فلهذا] قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } فهذا مانع يمنع من وقوع العذاب بهم، بعد ما انعقدت أسبابه ثم قال: { وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } . { وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } أي: أي شيء يمنعهم من عذاب اللّه، وقد فعلوا ما يوجب ذلك، وهو صد الناس عن المسجد الحرام، خصوصا صدهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين هم أولى به منهم، ولهذا قال: { وَمَا كَانُوا } أي: المشركون { أَوْلِيَاءَهُ } يحتمل أن الضمير يعود إلى اللّه، أي: أولياء اللّه.ويحتمل أن يعود إلى المسجد الحرام، أي: وما كانوا أولى به من غيرهم. { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ } وهم الذين آمنوا باللّه ورسوله، وأفردوا اللّه بالتوحيد والعبادة، وأخلصوا له الدين. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك ادَّعَوْا لأنفسهم أمرا غيرهم أولى به.