٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
القرطبي
تفسير : القراء على نصب «الحَقّ» على خبر «كان». ودخلت «هو» للفصل. ويجوز «هو الحق» بالرفع. {مِنْ عِندِكَ} قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بها، ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها، ولكن القراءة سنة، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية. واختلف فيمن قال هذه المقالة؛ فقال مجاهد وابن جُبير: قائل هذا هو النضر بن الحارث. أنس بن مالك: قائله أبو جهل؛ رواه البخاريّ ومسلم. ثم يجوز أن يقال: قالوه لشبهة كانت في صدورهم، أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة، ثم حلّ بهم يوم بدر ما سألوا. حُكي أن ٱبن عباس لقِيَه رجل من اليهود؛ فقال اليهوديّ: ممن أنت؟ قال: من قريش. فقال: أنت من القوم الذين قالوا: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} الآية. فهلاّ عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فاهدنا له! إنّ هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيليّ، من القوم الذين لم تَجِفّ أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه، وأنجى موسى وقومه؛ حتى قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] فقال لهم موسى: «إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» فأطرق اليهوديّ مفحماً. {فَأَمْطِرْ} أمطر في العذاب. ومطر في الرحمة؛ عن أبي عبيدة. وقد تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هذا أيضاً من كلام ذلك القائل أبلغ في الجحود. روي أنه لما قال النضر إن هذا إلا أساطير الأولين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ويلك إنه كلام الله» تفسير : فقال ذلك. والمعنى إن كان هذا حقاً منزلاً فأمطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره، أو ائتنا بعذاب أليم سواه، والمراد منه التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على كونه باطلاً. وقرىء {ٱلْحَقّ} بالرفع على أن {هُوَ} مبتدأ غير فصل، وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن المعلق به كونه حقاً بالوجه الذي يدعيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو تنزيله لا الحق مطلقاً لتجويزهم أن يكون مطابقاً للواقع غير منزل كأساطير الأولين. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} بيان لما كان الموجب لإِمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم خارج عن عادته غير مستقيم في قضائه، والمراد باستغفارهم إما استغفار من بقي فيهم من المؤمنين، أو قولهم اللهم غفرانك، أو فرصة على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }. تفسير : [هود: 117]
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا } الذي يقرؤه محمد {هُوَ ٱلْحَقُّ } المنزل {مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَآء أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } مؤلم على إنكاره: قاله النضر أوغيره على سبيل الاستهزاء أوالإيهام أنه على بصيرة وجَزْم ببطلانه.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} قاله عناداً وبغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم أو اعتقاداً أنه ليس بحق.
النسفي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا } أي القرآن {هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ } هذا اسم «كان» و «هو» فصل و {ٱلْحَقّ } خبر «كان». رُوي أن النضر لما قال {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ } قال له النبي عليه الصلاة والسلام «حديث : ويلك هذا كلام الله»تفسير : فرفع النضر رأسه إلى السماء وقال {إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } أي إن كان القرآن هو الحق فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } بنوع آخر من جنس العذاب الأليم فقتل يوم بدر صبراً. وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! قال: أجهل من قومي قومك، قالوا لرسول الله عليه السلام حين دعاهم إلى الحق {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } اللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم لأنك بعثت رحمة للعالمين وسنته أن لا يعذب قوماً عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } هو في موضع الحال ومعناه نفي الاستغفار عنهم أي ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، أو معناه وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المستضعفين. {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ } أي وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم، وما لهم ألا يعذبهم الله {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ } وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا ولاة أمر الحرم {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } من المسلمين. وقيل: الضميران راجعان إلى الله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند أو أردا بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً } صفيراً كصوت المكاء وهو طائر مليح الصوت، وهو فعال من مكا يمكوا إذا صفر {وَتَصْدِيَةً } وتصفيقاً تفعلة من الصدى، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم ويصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته يخلطون عليه {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } عذاب القتل والأسر يوم بدر {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بسبب كفركم. ونزل في المطعين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبيل الله {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ثم تكون عاقبة إنفاقها ندماً وحسرة، فكأن ذاتها تصير ندماً وتنقلب حسرة {ثُمَّ يُغْلَبُونَ } آخر الأمر وهو من دلائل النبوة لأنه أخبر عنه قبل وقوعه فكان كما أخبر {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } والكافرون منهم {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه. واللام في {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ } الفريق الخبيث من الكفار {مِنَ ٱلطَّيّبِ } أي من الفريق الطيب من المؤمنين، متعلقة بـ {يُحْشَرُونَ } {ليميّز} حمزة وعلي {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ } الفريق الخبيث {بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } فيجمعه {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ } أي الفريق الخبيث {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الفريق الخبيث {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أنفسهم وأموالهم. {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي أبي سفيان وأصحابه {إِن يَنتَهُواْ } عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } لهم من العداوة {وَإِن يَعُودُواْ } لقتاله {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأوَّلِينِ } بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، أو معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي، وبه احتج أبو حنيفة رحمه الله في أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } ويضمحل عنهم كل دين باطل ويبقى فيهم دين الإسلام وحده {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر وأسلموا {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } يثيبهم على إسلامهم {وَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا عن الإيمان ولم ينتهوا {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ } ناصركم ومعينكم فثقوا بولايته ونصرته {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ } لا يضيع من تولاه {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } لا يغلب من نصره. والمخصوص بالمدح محذوف. {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم } «ما» بمعنى «الذي»، ولا يجوز أن يكتب إلا مفصولاً إذ لو كتب موصولاً لوجب أن تكون «ما» كافة و {غَنِمْتُمْ} صلته والعائد محذوف والتقدير: الذي غنمتموه {مِّن شَىْء} بيانه قيل حتى الخيط والمخيط {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} والفاء إنما دخلت لما في «الذي» من معنى المجازاة و «أن» وما عملت فيه في موضع رفع على أنه خبر مبدأ تقديره: فالحكم أن لله خمسة {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ } فالخمس كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم على خمسة أسهم: سهم لرسول الله، وسهم لذي قرابته من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل استحقوه حينئذ بالنصرة لقصة عثمان وجبير بن مطعم، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، وأما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسهمه ساقط بموته، وكذلك سهم ذوي القربى، وإنما يعطون لفقرهم ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان على ستة: لله والرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر رضي الله عنه الخمس على ثلاثة، وكذا عمر ومن بعده من الخلفاء رضي الله عنهم، ومعنى {لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } لرسول الله كقوله {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62] {إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ } فاعملوا به وارضوا بهذه القسمة فالإيمان يوجب الرضا بالحكم والعمل بالعلم {وَمَا أَنزَلْنَا } معطوف على {بِٱللَّهِ } أي إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل {عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } يوم بدر {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح يومئذ وهو بدل من {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يقدر على أن ينصر القليل على الكثير كما فعل بكم يوم بدر. {إِذْ أَنتُم } بدل من {يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } والتقدير: اذكروا إذ أنتم {بِالْعُدْوَةِ } شط الوادي، وبالكسر فيهما: مكي وأبو عمرو {ٱلدُّنْيَا } القربى إلى جهة المدينة تأنيث الأدنى {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ } البعدى عن المدينة تأنيث الأقصى، وكلتاهما فعلى من بنات الواو، والقياس قلب الواو ياء كالعليا تأنيث الأعلى، وأما القصوى فكالقود في مجيئه على الأصل {وَٱلرَّكْبُ } أي العير وهو جمع راكب في المعنى {أَسْفَلَ مِنكُمْ } نصب على الظرف أي مكاناً أسفل من مكانكم يعني في أسفل الوادي بثلاثة أميال، وهو مرفوع المحل لأنه خبر المبتدأ {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ } لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله وسبب له {وَلَـٰكِنِ } جمع بينكم بلا ميعاد {لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } من إعزاز دينه وإعلاء كلمته، أو اللام تتعلق بمحذوف أي ليقضي الله أمراً كان ينبغي أن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: القضاء يحتمل الحكم أي ليحكم ما قد علم أنه يكون كائناً، أو ليتم أمراً كان قد أراده، وما أراد كونه فهو مفعول لا محالة وهو عز الإسلام وأهله وذل الكفر وحزبه ويتعلق بـ {يَقْضِى } {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } {حيـي} نافع وأبو عمرو، فالإدغام لالتقاء المثلين، والإظهار لأن حركة الثاني غير لازمة، لأنك تقول في المستقبل «يحيا» والإدغام أكثر. استعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام أي ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة حتى لا يبقى له على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم أيضاً عن يقين وعلم بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن وقعة بدر من الآيات الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابراً لنفسه مغالطاً لها، ولهذا ذكر فيها مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم مع أنهم قد علموا ذلك كله مشاهدة ليعلم الخلق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب بل بالله تعالى، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ومشقة، وكان العيروراء ظهور العدو مع كثرة عددهم وعدتهم وقلة المسلمين وضعفهم ثم كان ما كان {بَيّنَةٍ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ } لأقوالهم {عَلِيمٌ } بكفر من كفر وعقابه وبإيمان من آمن وثوابه.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ...} الآية: رُوِيَ عن مجاهدٍ وغيره: أن قائل هذه المقالة هو النَّضْرُ بْنُ الحَارثِ المذكورُ، وفيه نزلَتْ هذه الآية. قال * ع *: وترتَّب أن يقول النَّضْرُ مقالَةً، وينسبها القُرآن إِلى جميعهم؛ لأن النضر كان فيهم موسُوماً بالنُّبْل والفَهْم، مسكوناً إِلى قوله، فكان إِذا قال قولاً قاله منهم كثيرٌ، وٱتَّبَعُوهُ عليه؛ حَسَب ما يفعله الناسُ أبداً بعلمائهم وفقهائهم. * ت *: وخرَّج البخاريُّ بسنده، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قَالَ أَبو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِن كان هذا هُوَ الحَقَّ من عندكْ، فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ٱئتنا بعذاب أليم، فنزلَتْ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، إِلى: {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } ا هـــ، والمشار إِليه بـــ {هَـٰذَا } هو القرآن وشَرْعُ محمَّد صلى الله عليه وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحَسَدُ، فعَمِيَتْ بصائرهم عن الهدَى، وصَمَّموا على أنَّ هذا ليس بحقٍّ، نعوذ باللَّه من جَهْدِ البلاءِ، وسُوء القضاء، وحكى ابن فُورَكَ: أن هذه المقالة خرجَتْ منهم مَخْرَجَ العنادِ، وهذا بعيدٌ في التأويل، ولا يقولُ هذا على جهة العناد عاقلٌ، وقراءةُ الناسِ إِنما هي بنَصْب «الحق»؛ على أنه خَبَرَ «كان»، ويكون «هو» فَضلاً، فهو حينئذٍ ٱسُمٌ، و«أمْطِرْ» إِنما تستَعْملُ غالباً في المكروه، و«مَطَرَ» في الرحمة؛ قاله أبو عُبَيْدة. وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ...} الآية: قالَتْ فرقة: نزلَتْ هذه الآية كلُّها بمكَّة، وقالت فرقة: نزلَتْ كلُّها بعد وقعة بَدْرٍ؛ حكاية عما مضَى. وقال ابْنُ أَبْزَى: نَزَلَ قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } بمكَّة إِثر قولهم: {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }، ونزل قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، عند خروج النبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة في طريقه إِلى المدينة، وقد بقي بمكَّة مؤمنون يستغفرون، ونَزَلَ قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ...} إلى آخر الآية، بعد بَدْر عند ظهور العَذَاب عليهم. * ت *: وهذا التأويل بَيِّن، وعليه اعتمد عِيَاضٌ في «الشِّفَا» قال: وفي الآية تأويلٌ آخر، ثم ذكَرَ حديث التِّرْمِذيِّ، عن أبي موسَى الأشعريِّ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَىٰ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتي: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمْ ٱلاسْتِغْفَار » تفسير : . انتهى. قال * ع *: وأجمعَ المتأوِّلون عَلى أن معنى قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } أن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يعذِّب قطُّ أُمةً ونبيُّها بَيْنَ أظهرها، أي: فما كان اللَّه ليعذِّب هذه الأمة، وأنْتَ فيهم، بل كرامَتُكَ لديه أعظَمُ. وقوله عز وجل: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} تُوعُّد بعذاب الدنيا، والضميرُ في قوله: {أَوْلِيَاؤُهُ }: عائدٌ على اللَّه سبحانه، أو على المسجدِ الحرامِ، كلُّ ذلك جيِّد، ورُوِيَ الأخير عن الحسن. وقال الطبريُّ: عن الحسنِ بْنِ أَبي الحسنِ أن قوله سبحانه: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ } ناسخ لقوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ }. قال * ع *: وفيه نظر؛ لأنه خبر لا يدخلُهُ نَسْخٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}. نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدَّارِ. قال ابنُ عباسٍ: لمَّا قصَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية قال النَّضْرُ: لو شئت لقلتُ مثل هذا إن هذا إلا ما سطر الأوَّلُونَ في كتبهم. فقال له عثمانُ بن مظعون: اتق الله فإن محمداً يقول الحقَّ، قال: وأنا أقول الحق. قال عثمان: فإنَّ محمداً يقول: لا إله إلاَّ الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلاَّ الله ولكن هذه بنات الله، يعني: الأصنام. ثم قال: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا} الذي يقوله محمد {هُو الحقَّ من عندكَ}. فإن قيل: في الآية إشكال من وجهين: أحدهما: أن قوله {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ} الآية. حكاهُ الله عن كلام الكُفَّارِ، وهو من جنس نظم القرآن، فقد حصلت المعارضة في هذا وحكي عنهم في سورة الإسراء قولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنبُوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] الآيات، وهذا أيضاً كلامُ الكُفَّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرن، فدلَّ على حصول المعارضة. الوجه الثاني: أنَّ كفار قريش كانُوا معترفين بوجود الإله، وقدرته، وكانوا قد سمعوا التَّهديد الكثير من محمد صلى الله عليه وسلم في نزول العذاب، فلو كان القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً، لأنهم أرباب الفصاحةِ والبلاغةِ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يَشُكُّوا في نبوَّة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -، ولو كانُوا كذلك لما أقدموا على قولهم: {اللَّهُمَّ إِن كان هذا هُوَ الحقَّ من عندكَ فأمْطِرْ علينا حِجارةً منَ السَّماءِ}؛ لأن الشَّاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة علمنا أنَّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة. فالجواب عن الأول: أنَّ الإتيان بهذا القدر من الكلامِ لا يكفي في حصول المعارضة؛ لأنَّ هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة. والجوابُ عن الثَّانِي: هَبْ أنَّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزاً إلاَّ أنَّهُ لما كان معجزاً في نفسه، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال. قوله "هُو الحقَّ" العامَّةُ على نصب "الحقَّ" وهو خبر الكون، و "هُوَ" فصل، وقد تقدَّم الكلام عليه. وقال الأخفشُ: "هو" زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونه فصلاً. وقرأ الأعمشُ، وزيدُ بن علي: برفع "الحقَّ" ووجهها ظاهرٌ، برفع "هُوَ" بالابتداء و "الحق" خبره، والجملةُ خبرُ الكونِ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2699 - تَحِنُّ إلَى لَيْلَى وأنْتَ تَركْتَهَا وكُنْتَ عليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ تفسير : وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع "الحقّ" على خبر "هو" والجملة خبر لـ "كان". قال الزَّجَّاجُ "ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز"، وقد ظهر من قَرأَ به وهما رجلان جليلان. قوله: "مِنْ عندِكَ" حال من معنى "الحَقّ": أي: الثَّابت حال كونه من عندك. وقوله "مِنَ السَّماءِ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ متعلقٌٌ بالفعل قبله. والثاني: أنه صفة لـ "حِجَارةً" فيتعلقُ بمحذوفٍ. وقوله: "مِنَ السَّماءِ" مع أنَّ المطر لا يكون إلاَّ منها، قال الزمخشريُّ: "كأنه أراد أن يقال: فأمطرْ علينا السِّجِّيلَ، فوضع حجارة من السماء موضع السِّجِّيل كما يقال: صب عليه مسرودةً من حديد، تريدُ درعاً". قال أبو حيان: "إنَّهُ يريد بذلك التَّأكيد" قال: "كَمَا أنَّ قوله: "من حديد" معناه التأكيد؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلاَّ من حديدٍ، كما أنَّ الأمطارَ لا تكونُ إلاَّ من السَّماءِ". وقال ابنُ عطيَّة: "قولهم "مِنَ السَّماءِ" مبالغة وإغراق". قال أبو حيَّان: "والذي يظهر أنَّ حكمة قولهم: "مِنَ السَّماءِ" هي مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذكر عليه الصلاة والسلام أنه يأتيه الوحي من جهتها، أي: إنَّك تذكر أن الوحي يأتيك من السَّماءِ، فأتِنَا بالعذاب من الجهة التَّي يأتيك الوحي منها، قالوه استبعاداً له". فصل قال عطاءٌ: "لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر". قال سعيدُ بنُ جبيرٍ "قتل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ ثلاثةً من قريشٍ صبراً طعيمة بن عدي، وعقبة بن أبي معيطٍ، والنَّضْر بن الحارث". وروى أنس أن الذي قال هذا الكلام أبُو جُهْلٍ. قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} اللاَّم في "ليُعَذِّبهُمْ" قد تقدَّم أنها لامُ الجحود، والجمهورُ على كسرها، وقرأ أبُو السَّمَّال: بفتحها. قال ابن عطية عن أبي زيد: "سمعت من العرب من يقول "ليُعَذِّبهُمْ" بفتح اللاَّم، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن". يعني في المشهور منه، ولمْ يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال، وروى ابن مجاهد عن أبي زيد فَتْحَ كلِّ لامٍ عن بعض العربِ إلاَّ في {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ}تفسير : [الفاتحة: 2] وروى عبد الوارث عن أبي عمرو: فتح لام الأمر من قوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}تفسير : [عبس: 24]، وأتى بخبر "كان" الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية فإنَّه إمَّا أن يكون محذوفاً، وهو الإرادة كما يقدِّره البصريون أي: ما كان الله مُريداً لتعذيبهم وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّدَهُ باللاَّم على رأي الكوفيين لأنَّ كينونته فيهم أبلغُ من استغفارهم، فشتَّان بين وجودِه عليه الصَّلاة والسَّلام، وبين استغفارهم. وقوله "وأنتَ فيهِمْ" حال، وكذلك "وهُمْ يَسْتَغفرُونَ". والظَّاهر أنَّ الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على الكفار. وقيل: الضمير في "يُعذِّبَهُمْ" و "مُعَذِّبَهُمْ" للكفَّارِ، والضمير من قوله "وهُمْ" للمؤمنين. وقال الزمخشريُّ: "وهُمْ يَسْتَغفرُونَ" في موضع الحال، ومعناه: نفيُ الاستغفار عنهم أي: ولو كانوا ممَّن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذَّبهم، كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}تفسير : [هود: 117] ولكنهم لا يستغفرون، ولا يؤمنون ولا يتوقَّع ذلك منهم. وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة، وأبي زيد، واختاره ابنُ جريرٍ. فصل قال أبُو العباس المقرىءُ: ورد لفظ "في" في القرآن بإزاء ستَّةِ أوجه: الأول: بمعنى "مع" كهذه الآية، وقوله تعالى: {أية : وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [النمل: 19] أي: مع عبادك، ومثله: {أية : فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي}تفسير : [الفجر: 29]. الثاني: بمعنى "على". قال تعالى {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}تفسير : [طه: 71] أي: على جذوع النخل، ومثله: {أية : أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ}تفسير : [الطور: 38]. أي: عليه. الثالث: بمعنى "إلى" قال تعالى {أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا}تفسير : [النساء: 97] أي: إليها. الرابع: بمعنى "عن" قال تعالى: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ}تفسير : [الإسراء: 72] أي: عن هذه الآيات. الخامس: بمعنى "من" قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ}تفسير : [النحل: 89] أي: مِنْ كل أمة "شَهِيداً". السادس: بمعنى "عند" قال تعالى {أية : كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا}تفسير : [هود: 62]. فصل اختلفوا في معنى هذه الآيةِ: فقال محمدُ بنُ إسحاق: هذا حكايةٌ عن المشركين، وهذه الآية متصلة بالآية التي قبلها، وذلك أنَّهُم كانوا يقولون إنَّ الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب الله أمة ونبيها معها، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يُذكِّره جهالتهم وغرتهم قال: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ}[الأنفال: 32] الآية وقال {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] ثم قال ردّاً عليهم {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} وإن كنت بين أظهرهم، وإن كانوا يستغفرون {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. وقال آخرون: هذا الكلام مستأنف يقول الله إخباراً عن نفسه: {وما كان الله ليعذبهم} واختلفوا في تأويلها. فقال الضحاكُ، وجماعة: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مُقيم بين أظهرهم، قالوا: نزلت هذه الآية على النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكَّةَ ثمَّ خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقيَّة من المسلمين يستغفرون الله؛ فأنزل اللَّهُ {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم خرج أولئك من بينهم فعُذِّبوا وأذن اللَّهُ في فتح مكَّة، وهو العذاب الأليم الذي وعدهم اللَّهُ. قال ابن عباس "لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبي منها، والذين آمنوا ويلحق بحيث أمرَ". قال أبو موسى الأشعريُّ: كان فيكم أمانان: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فأمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى، والاستغفار كائن فيكم إلى يومِ القيامةِ. فإن قيل: لمَّا كان حضوره مانعاً من نزول العذاب بهم، فكيف قال: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14]؟ فالجوابُ: المرادُ من الأوَّلِ عذاب الاستئصال، ومن الثاني: العذاب الحاصل بالمحاربة والمقاتلة. وقال السديُّ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا مستغفرين ولو أقرُّوا بالذَّنب واستغفروا لكانوا مؤمنين. وقال عكرمةُ: "وهُمْ يَستَغْفرُونَ" يسلمون، يقول: لو أسلموا لما عذبوا، وروى الوالبي عن ابن عبَّاسٍ: أي: وفيهم من سبق له من الله أنه يؤمن ويستغفر كأبي سفيان، ومصعب بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام، وغيرهم. وروى عبد الوهاب عن مجاهدٍ: "وهُمْ يستغْفِرُونَ" أي: وفي أصلابهم من يستغفر. قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} الآية. في "أن" وجهان: أظهرهما: أنَّها مصدريةٌ، وموضعها إما نصبٌ، أو جرٌّ؛ لأنَّها على حذف حرف الجر، إذ التقدير: في ألاَّ يُعذِّبهم، وهذا الجارُّ متعلقٌ بما تعلَّق به: "لَهُمْ" من الاستقرار، والتقديرُ: أيَّ شيءٍ استقر لهم في عدم تعذيبِ اللَّهِ إياهم؟ بمعنى: لا حظ لهم في انتفاء العذاب. والثاني: أنَّها زائدةٌ وهو قول الأخفش. قال النَّحَّاسُ: لو كانت كما قال لرفع "يُعذِّبهم". يعني النَّحاس: فكان ينبغي أن يرتفع الفعلُ على أنه واقعٌ موضع الحال، كقوله: {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ}تفسير : [المائدة: 84] ولكن لا يلزمُ من الزيادةِ عدمُ العمل، ألا ترى: أنَّ "مِنْ" و "الباء" يعملان وهما مزيدتان. وقال أبُو البقاءِ: "وقيل هو حال، وهو بعيدٌ، لأنَّ "أنْ" تُخلِّص الفعل للاستقبال" والظَّاهرُ أنَّ "ما" في قوله "وَمَا لهُمْ" استفهامية، وهو استفهامٌ معناه التقرير، أي: كيف لا يُعذَّبُونَ وهم مُتَّصفون بهذه الحال؟. وقيل: "ما" نافية، فهي إخبارٌ بذلك، أي: ليس عدمُ التَّعذيب، أي: لا ينتفي عنهم التعذيب مع تلبسهم بهذه الحال. فصل معنى الآية: وما يمنعهم من أن يعذبوا، أي: بعد خروجك من بينهم: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي: يمنعون المؤمنينَ من الطَّواف، وقيل: أراد بالعذاب بالأوَّلِ عذاب الدُّنيا، وبهذا عذاب الآخرة. وقال الحسن: قوله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] منسوخة بقوله {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} [الأنفال: 34]. قوله {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانُوا أولياءَ المسجد. والثاني: أنَّها نسقٌ على الجملة الحاليَّة قبلها وهي: "وهُم يَصُدُّونَ" والمعنى: كيف لا يُعذِّبهُم اللَّه، وهم مُتَّصفون بهذين الوَصْفيْنِ: صدِّهم عن المسجد الحرام، وانتفاءِ كونهم أولياءه؟ ويجوزُ أن يعود الضَّميرُ على الله تعالى، أي: لم يكونوا أولياءَ الله. فصل قال الحسن: كان المشركون يقولون: نحن أولياء المسجد الحرامِ، فردَّ الله عليهم بقوله: {وما كانُوا أوْلياءَهُ} أي: أولياء البيت: "إنْ أوْلياؤُهُ" أي: ليس أولياء البيت "إلاَّ المُتَّقُون" يعني المؤمنين الذين يتَّقُون الشرك، ويحترزون عن المنكرات، كالذي كانوا يفعلونه عند البيت، فلهذا قال بعده: {وما كَانَ صلاتُهُمْ عندَ البيتِ إِلاَّ مُكاءً وتصْدِيَةً} ولكن أكثرهم لا يعلمون.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبو جهل بن هشام {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فنزلت {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: ذكر لنا أنها أنزلت في أبي جهل بن هشام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} قال: نزلت في النضر بن الحارث. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: نزلت في النضر {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} {أية : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} تفسير : [ص : 16]. {أية : ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} تفسير : [الأنعام: 94] و {أية : سأل سائل بعذاب واقع} تفسير : [المعارج: 1] قال عطاء رضي الله عنه: لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله. وأخرج ابن مروديه عن بريدة رضي الله عنه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون: لبيك لا شريك لك لبيك. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: قد، قد. ويقولون: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. فأنزل الله تعالى {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم...} الآية. فقال ابن عباس رضي الله عنه: كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار {وما لهم ألا يعذبهم الله} قال: هو عذاب الآخرة وذلك عذاب الدنيا. وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد صلى الله عليه وسلم أكرمه الله من بيننا {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء...} الآية. فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: غفرانك اللهم. فأنزل الله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} إلى قوله {لا يعلمون} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن أبزى رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأنزل الله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فلما خرجوا أنزل الله {وما لهم ألا يعذبهم الله...} الآية فأذن في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية رضي الله عنه في قوله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يعني المشركين حتى يخرجك منهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: يعني المؤمنين، ثم أعاد المشركين فقال {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين. وفي قوله {وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} يقول: وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قال: بين أظهرهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: وما كان الله معذبهم وهو لا يزال الرجل منهم يدخل في الإِسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: وهم يدخلون في الإِسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار رضي الله عنه قال: سئل سعيد بن جبير رضي الله عنه عن الاستغفار؟ فقال: قال الله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: يعملون على الغفران، وعلمت أن ناساً سيدخلون جهنم ممن يستغفرون بألسنتهم ممن يدعي الإِسلام وسائر الملل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي الله عنهما في قوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قالا: نسختها الآية التي تليها {وما لهم ألا يعذبهم الله} فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} يعني أهل مكة {وما كان الله معذبهم} وفيهم المؤمنون يستغفرون. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة رضي الله عنه قال: إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، أما داؤكم فذنوبكم، وأما دواؤكم فالاستغفار. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال: إن العبد ليذنب الذنب الصغير فيحتقره ولا يندم عليه ولا يستغفر منه، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود، ويذنب الذنب فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله عز وجل حتى يعفو له. وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنزل الله علي أمانين لأمتي {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه الله تعالى إليه، وأمان بقي فيكم قوله {وما كان الله ليعذبهم...} الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى رضي الله عنه قال: إنه قد كان فيكم أمانان، مضى أحدهما وبقي الآخر {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله، وأما الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في هذه الأمة أمانان: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، فذهب أمان - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبقي أمان، يعني الاستغفار. وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. قال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". تفسير : وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أكثر من الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن استطعتم أن تكثروا من الاستغفار فافعلوا، فإنه ليس شيء أنجح عند الله ولا أحب إليه منه ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن مغيث بن أسماء رضي الله عنه قال: كان رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي، فبينما هو ذات يوم يسير إذ تفكر فيما سلف منه فقال: اللهم غفرانك. فادركه الموت على تلك الحال فغفر له. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: طوبى لمن وجد في صحيفته بنداً من الاستغفار. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه خمس مرات، غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر. وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال "حديث : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله، فقام فلم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك. ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد انمخضت الشمس ". تفسير : وأخرج الديلمي عن عثمان ابن أبي العاص قال: قال رسول الله "حديث : في الأرض أمانان: أنا امان، والاستغفار أمان، وأنا مذهوب بي ويبقى أمان الاستغفار، فعليكم بالاستغفار عند كل حدث وذنب ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قال: ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} يقول: وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإِيمان: وهو الاستغفار. وقال للكافر {أية : ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} تفسير : [آل عمران: 179] فيميز الله أهل السعادة من أهل الشقاوة {وما لهم ألا يعذبهم الله} فعذبهم يوم بدر بالسيف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ثم استثنى أهل الشرك فقال {وما لهم ألا يعذبهم الله} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس وأبو الشيخ عن الضحاك {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} قال: المشركين الذين بمكة {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قال: المؤمنين بمكة {وما لهم ألا يعذبهم الله} قال: كفار مكة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وما لهم ألا يعذبهم الله} قال: عذابهم فتح مكة. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه {وما لهم ألا يعذبهم الله} وهم يجحدون آيات الله ويكذبون رسله، وإن كان فيهم ما يدعون. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله {وهم يصدون عن المسجد الحرام} أي من آمن بالله وعبده أنت ومن اتبعك. {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن أولياؤه إلا المتقون} قال: من كانوا حيث كانوا. وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه. حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه: "اجمع لي قومك، فجمعهم فلما حضروا باب النبي صلى الله عليه وسلم دخل عمر رضي الله عنه عليه فقال: قد جمعت لك قومي. فسمع ذلك الأنصار فقالوا: قد نزل في قريش الوحي. فجاء المستمع والناظر ما يقال لهم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقام بين أظهرهم فقال: هل فيكم من غيركم؟ قالوا: نعم، فينا حليفنا وابن أختنا وموالينا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، أنتم تسمعون أن أوليائي منكم إلا المتقون، فإن كنتم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم" . تفسير : وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أوليائي يوم القيامة المتقون وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فأقول هكذا وهكذا إلا وأعرض في كل عطفيه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلك؟ فقال: كل تقي، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إن أولياؤه إلا المتقون} ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين ". تفسير : وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أولى الناس بي المتقون، من كانوا وحيث كانوا ".
القشيري
تفسير : دَلَّ سؤالهم العذابَ على تصميم عقدهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، واستيقنوا عند أنفسهم بأنه لا يُسْتَجَابُ فيهم ما يدعونه على أنفسهم. وفي هذا أظهر دليل على أن سكون النفس إلى الشيء ليس بعلم؛ لأنه كما يوجد مع العلم يوجد مع الجهل.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قالوا} اى واذكر وقت قول النضر ومتابعيه -روى- انه لما قال {أية : إن هذا إلاّ أَساطير الأولين} تفسير : [المؤمنون: 83]. قال النبى صلى الله عليه وسلم ويلك انه كلام الله تعالى فقال {اللهم} [بارخدايا] {إِن كان هذا} القرآن {هو} ضمير فصل لا محل له من الاعراب {الحق} المنزل {من عندك} ومعنى الحق بالفارسية [راست ودرست] {فأَمطر علينا حجارة} نازلة {من السماء} عقوبة علينا كما امطرتها على قوم لوط واصحاب الفيل {أَو ٰئتنا بعذاب أَليم} سواه مما عذب به الامم والمراد به التهكم واظهار اليقين والجزم التام على كونه باطلا وحاشاه. قيل نزل فى النضر ابن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر فانه عليه السلام قتل يوم بدر ثلاثة من قريش صبرا وهم طعيمة بن عدى وعقبة بن ابى معيط والنضر بن الحارث وكان قد أسره المقداد ابن الاسود فانظر انه من غاية ضلالته وجهالته قال ما قال ولم يقل بدلا عنه اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا اليه ومتعنا به واجعله شفاء قلوبنا ونور به صدورنا وامثال هذا فكيف بمن يكون هذا حاله ان يكون مثل القرآن مقاله
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "الحق": خبر كان. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر {إذ قالوا اللهم إن كان هذا} الذي أتى به محمد {هو الحقَّ من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماءِ}؛ كأصحاب لوط، {أو ائتنا بعذاب أليم}، قيل: القائل هذا هو النَّضْر بن الحارث، وهو أبلغ في الجحود. رُوي أنه لما قال: {إن هذا أساطير الأولين}، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويلك إنه كلام الله"تفسير : فقال هذه المقالة. والذي في صحيحي البخاري ومسلم: أن القائل هو أبو جهل، وقيل: سائر قريش لمّا كذبوا الني صلى الله عليه وسلم دعوا على أنفسهم، زيادة في تكذيبهم وعتوهم. وقال الزمخشري: ليس بدعاء، وإنما هو جحود، أي: إن كان هو الحق فأمطر علينا، لكنه ليس بحق فلا نستوجب عقاباً. بالمعنى. الإشارة: قد وقعت هذه المقالة لبعض المنكرين على الأولياء، فعجلت عقوبته، ولعل ذلك الولي لم تتسع دائرة حلمه ومعرفته، وإلا لكان على قدم نبيه صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال الله تعالى في شأنه: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}.
الطوسي
تفسير : تقديره واذكر يا محمد إذ قال هؤلاء الكفار {إن كان هذا} القرآن {هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} شديد مؤلم. قال سعيد ابن جبير، ومجاهد: كان الطالب لذلك النضر بن الحارث بن كلدة لأنه كان سمع سجع اهل الحيرة وكلام الرهبان، فقتله النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر صبراً فقال: يا رسول الله من للصبيه؟ قال النار وقيل عقبة بن ابي معيط، والمطعم بن عدي، قتل هؤلاء الثلاثة صبراً من جملة من أسر، وفي النضر نزل قوله {أية : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين} تفسير : يعني ما سأله ها هنا. وهذا القول من قائله يجوز أن يكون عناداً، فان المعاند قد تحمله شدة عداوته للحق على اظهار مثل هذا القول. ليوهم انه على بصيرة في أمره. ويجوز أن يكون ذلك لشبهة تمكنت في نفوسهم. وقال الجبائي: ذلك دليل على اعتقادهم خلاف الحق الذي اتى به النبي صلى الله عليه وآله وهو حجة اهل المعارف، لأنهم لو عرفوا بطلان ما هم عليه، لما قالوا مثل هذا القول. فان قالوا كيف طلبوا بالحق من الله العذاب وانما يطلب به الخير والثواب؟. قلنا: لانهم قالوا ذلك على أنه ليس بحق من الله عندهم. واذا لم يكن حقاً من الله لم يصبهم البلاء الذي طلبوه. فان قيل لم قالوا {امطر علينا حجارة من السماء} والامطار لا يكون إلا من السماء؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - أن امطار الحجارة يمكن ان يكون من عل دون السماء. والثاني - ان يكون على جهة البيان بـ (من). والحجارة واحد الاحجار، وهو ما صلب من الاجسام، يقال استحجر الطين إذا صلب، فصار كالحجر. واكثر ما يقال حجر للمدر، مع ذلك فالياقوت حجر ولذلك يقال الياقوت افضل الحجارة، ولا يقال الياقوت افضل الزجاج، لانه ليس من الزجاج وكل شيء من العذاب يقال امطرت ومن الرحمة يقال مطرت. وقوله {هو} يجعل عماداً في ظننت واخواتها. ويسميه البصريون صلة زائدة وتوكيداً كزيادة (ما) ولا يزاد إلا في كل فعل لا يستغنى عن خبره، وفي لغة تميم يرفع ذلك كله، فيقولون {إن كان هذا هو الحق} وكذلك قوله {أية : ولكن كانوا هم الظالمين } تفسير : و {أية : تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً }تفسير : كل ذلك يرفعونه. وعلى الاول ينصب ما بعدها ومثله قوله { أية : ويرى الذين أوتوا العلم } تفسير : إلى قوله {أية : هو الحق }.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قيل: قائله كان بمكّة قبل الهجرة حين ادّعى النّبىّ (ص) النّبوّة ووعد قريشاً انّهم يملكون بتصديقه (ص) ملوك الارض وقائله كان النّضر او ابا جهلٍ، وقيل: قائله ابو جهل يوم بدرٍ، وقيل: قائله كان بغدير خمّ، وقيل: بمدينة بعد غدير خمّ {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعنى انّ لهم امانين من عذاب الله انت والاستغفار، فما دمت فيهم لم يعّذبهم، وما داموا استغفروا ايضاً لم يعّذبهم، وتكرار الفعل واختلافهما فى الخبر للاشارة الى انّ كلاً منهما امان بالاستقلال والاوّل اتمّ واقوى فانّ الاتيان بلام الجحود فى خبر كان للمبالغة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ} أي إن كان ما يقوله محمد حقاً {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. قوله: { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} قال مجاهد: وهم يسلمون. وقال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قومه إلى الهدى قال الحارث بن عامر بن نوفل. يا محمد، (أية : إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا )تفسير : [القصص:57] وإنما تتقي العربُ حرمَنا أنا على دينهم. يقول الله قد متعتهم بهذا الحرم، وهم يأكلون رزقي، ويعبدون غيري، وقد مكنت لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء، فكانوا يخافون أن لو عبدوني أن أسلط عليهم من يقتلهم ويسبيهم، ما كنت لأفعل ذلك بهم لو فعلوا واستغفروا، فلما لم يفعلوا [عذبوا].
اطفيش
تفسير : {وإذْ قالُوا} وإنما أسند القول إليهم، والقائل النظر لما مر، وقد قيل: إنهم قالوا كما قال، وقال أنس: القائل هنا أبو جهل {اللَّهمَّ إنْ كانَ هَذا} ما يقوله محمد من القرآن والوحى وأنه رسول {هُوَ الحقَّ} لفظ هو فصل، والحق خبر كان، قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ برفع الحق على أنه خبر هو، والجملة خبر كان، وقال جار الله: قرأ الأعمش بالرفع على ذلك، وأل فى الحق للعهد، أى الحق الذى يدعيه النبى صلى الله عليه وسلم، وهو كونه حقا منزلا لا الحق مطلقا، لتجويزهم أن يكون حقا غير منزل، كما اعتقدوا فى أساطير الأولين، وقيل: أرادوا بأساطير الأولين أكاذيبهم، وزاد لما ذكرته إيضاحا لقوله: {مِنْ عِنْدكَ} وهو حال من الحق، أو خبر ثان لكان مطلقا، أو خبر ثان للمبتدأ فى قراءة الرفع فقط، وروى أنه لما قال النظر: {إن هذا إلا أساطير الأولين} قال له النبى صلى الله عليه وسلم: "ويلك إنه كلام الله" فقال {اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك} {فامْطِرْ عَلينَا} ألْق علنيا كهيئة الأمطار {حِجارةً} عقوبة لنا على الإنكار كما فعلت بأصحاب الفيل وبقوم لوط {مِنَ السَّماءِ} فائدته مع أن الإمطار لا يكون إلا من السماء، الإشارة إلى أن الحجارة هى المسوَّمة للعذاب، المعدة فى السماء، أو أرادوا مطلق الحجارة، فقوله: {من السماء} تقوية. {أو ائْتنَا بعذَابٍ أليمٍ} غير أمطار الحجارة كالإحراق والإغراق، والخسف والصيحة، ونحو ذلك مما عذبت به الأمم، وهذه المقولة أبلغ فى التكذيب من الأولى، وهم فيها أشد وثوقا حتى إنهم جعلوا حقيقة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمحال، بحيث علقوا بها أحد العذابين، معتقدين أنها منتفية فضلا عن أن يعذبوا، وفى ذلك أيضا تهكم منهم بالنبى صلى الله عليه وسلم ومن قال بقوله، وفى مجرد قولهم: {إن كان هذا هو الحق} أيضا تهكم بمن يقول على سبيل الحصر، إنما يقول صلى الله عليه وسلم هو الحق. قال معاوية لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة، فقال: أجهل من قومى: قومك إذ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى الحق: {إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة} ولم يقولوا: إن كان هذا هو الحق فاهدنا له، وما بين نزول الآية فى قول النظر وموته إلا بضعة عشر يوما.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا} أَى القرآن {هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} جزموا بأَنه غير حق لذلك رتبوا عليه إِمطار الحجارة أَو العذاب الأَليم لزعمهم أَنهم لا يعاقبون على الكفر به وإِن جاءَت بصورة الشك فكفى الشك الصورى، وقيل: كفى فى ذلك عدم الجزم بوقوع الشرط، إِذ جزموا بنفيه، قلت: لا يكفى لجزمهم بالنفى، والأَولى ما مر، أَو أَن يقال: نزلوا للفرض، والتقدير منزلة الشك فى عدم الجزم وأَل فى الحق للعهد الذهنى المعلوم وهو الحق الذى يدعيه محمد أَنه من الله عز وجل. ويجوز إِطلاق العهد الخارجى عليه باعتبار أَنه الموجود فى كلامه على دعواه صلى الله عليه وسلم {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} شبه إِلقاءَ الحجارة من السماء بإِنزال المطر فذلك استعارة، أَو استعمل الأَمطار فى مطلق الإِلقاء فهو مجاز مرسل {حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ} من طين مطبوخ كتب على كل واحد اسم صاحبه، علم بها الكفار فطلبوا مثلها، والطبخ بنار جهنم، أَو أَرادوا مطلق الحجارة من السماء كحجارة أَصحاب الفيل نعت لحجارة، أَو متعلق بأَمر على التأكيد لأَن الإِنزال لا يكون إِلا من فوق {أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لكنه ليس بحق فلا يمطر علينا الحجارة على تكذيبنا، ولا نؤتى بالعذاب لما قال النضر هذا أَساطير الأَولين، أَو قاله أَبو جهل أَو قال قريش: أَكرم الله محمداً من بيننا، ما هذا من الله.. وعلى كل حال قال هذا مفرد أَو متعدد ورضى الباقون. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويلك إِنه كلام الله"تفسير : ، فقال: اللهم إِن كان هذا هو الحق من عندك فأَمطر علينا عقابا على تكذيبنا حجارة إِلخ.. والحصر تلويح إِلى القلب أَى الحق ما عندنا لا ما يقول محمد، أَو إِلى نفى الإِفراد فى بعض الصور، أَى ما نقول حق.. وما لا يخالفنا من محمد حق، وفى كلامهم تهكم، والمراد عذاب أَليم غير التعذيب بالحجارة كالصيحة والمسخ والخسف.
الالوسي
تفسير : قائل هذا النضر أضاً على ما روي عن مجاهد وسعيد بن جبير، وجاء في رواية أنه لما قال أولاً ما قال له النبـي صلى الله عليه وسلم: ويلك إنه كلام الله تعالى فقال ذلك. وأخرج البخاري والبيهقي في «الدلائل» عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما أنه أبو جهل بن هشام. وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس أن قريشاً قال بعضها لبعض أكرم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم من بيننا اللهم إن كان هذا هو الحق الخ وهو أبلغ في الجحود من القول الأول لأنهم عدوا حقيته محالاً فلذا علقوا عليها طلب العذاب الذي لا يطلبه عاقل ولو كانت ممكنة لفروا من تعليقه عليها، وما يقال: إن {إِن} للخلو عن الجزم فكيف استعملت في صورة الجزم؟ أجاب عنه القطب بأنها لعدم الجزم بوقوع الشرط ومتى جزم بعدم وقوعه عدم الجزم بوقوعه، وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } تفسير : [البقرة: 23] وفيه بحث ذكره العلامة الثاني. واللام في {ٱلْحَقَّ} قيل للعهد، ومعنى العهد فيه أنه الحق الذي ادعاه النبـي صلى الله عليه وسلم وهو أنه كلام الله تعالى المنزل عليه عليه الصلاة والسلام على النمط المخصوص {مِنْ عِندَكَ} إن سلم دلالته عليه فهو للتأكيد وحينئذٍ فالمعلق به كونه حقاً بالوجه الذي / يدعيه النبـي صلى الله عليه وسلم لا الحق مطلقاً لتجويزهم أن يكون مطابقاً للواقع غير منزل {أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} وفي «الكشاف» ((أن قولهم: {هُوَ ٱلْحَقَّ} تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين، هذا هو الحق))، وزعم بعضهم أن هذا قول بأن اللام للجنس وأشار إلى أن الأولى حملها على العهد الخارجي على معنى الحق المعهود المنزل من عند الله تعالى هذا لا أساطر الأولين فالتركيب مفيد لتخصيص المسند إليه بالمسند على آكد وجه، وحمل كلام البيضاوي على ذلك وطعن في مسلك «الكشاف» بعدم ثبوت قائل أولاً على وجه التخصيص يتهكم به، ولا يخفى ما فيه من المنع والتعسف و أمطر استعارة أو مجاز لأنزل، وقد تقدم الكلام في المطر والإمطار، وقوله سبحانه: {مّنَ ٱلسَّمَاء} صفة {حِجَارَةً} وذكره للإشارة إلى أن المراد بها السجيل والحجارة المسومة للعذاب، يروى أنها حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، وجوز أن يكون الجار متعلقاً بالفعل قبله، والمراد بالعذاب الأليم غير إمطار الحجارة بقرينة المقابلة، ويصح أن يكون من عطف العام على الخاص، وتعلق {مِنْ عِندِكَ} بمحذوف قيل: هو حال مما عنده أو صفة له، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والأعمش {ٱلْحَقُّ} بالرفع على أن {هُوَ} مبتدأ لا فصل، وقول الطبرسي: إنه لم يقرأ بذلك ليس بذاك، ولا أرى فرقاً بين القراءتين من جهة المراد بالتعريف خلافاً لمن زعمه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 30] أو على {أية : قالوا قد سمعنا}تفسير : [الأنفال: 31] وقائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث صاحب المقالة السابقة، وقالها أيضاً أبو جهل وإسناد القول إلى جميع المشركين للوجه الذي أسند له قولُ النضر {أية : قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا}تفسير : [الأنفال: 31] فارجع إليه، وكذلك طريق حكاية كلامهم إنما هو جار على نحو ما قررته هنالك من حكاية المعنى. وكلامهم هذا جار مجرى القَسَم، وذلك أنهم يقسمون بطريقة الدعاء على أنفسهم إذا كان ما حصل في الوجود على خلاف ما يحكونه أو يعتقدونه، وهم يحسبون أن دعوة المرء على نفسه مستجابة، وهذه طريقة شهيرة في كلامهم قال النابغة: شعر : ما إنْ أتيتُ بشيء أنتَ تكرهه إذَنْ فلا رَفَعَتْ سَوطي إِليَّ يدي تفسير : وقال معدان بنُ جَواس الكِندي، أو حُجَيّة بن المضرب السَّكوني: شعر : إن كان ما بُلِّغْت عني فلامني صديقي وشَلَّتْ من يديّ الأنامل وكَفّنْتُ وحدي مُنذراً برِدائِه وصادَفَ حَوْطاً من أعاديّ قاتل تفسير : وقال الأشتر النّخَعي: شعر : بُقَّيْتُ وفْري وانحرفتُ عن العلا ولقيتُ أضيافي بوجهِ عبوسِ إنْ لم أَشُنّ على ابن حرب غارة لم تخلُ يوماً من نهاب نفوس تفسير : وقد ضَمّن الحريري في «المقامة العاشرة» هذه الطريقة في حكاية يمين وجّهها أبو زيد السروجي على غُلامه المزعوم لدى والي رَحبة مالك بن طوْق حتى اضطرَّ الغلامَ إلى أن يقول: «الاصطلاء بالبلية، ولا الابتلاءُ بهذه الإِلِيّة». فمعنى كلامهم: إن هذا القرآن ليس حقاً من عندك فإن كان حقاً فأصبنا بالعذاب، وهذا يقتضي أنهم قد جزموا بأنه ليس بحق وليسَ الشرط على ظاهره حتى يفيد ترددهم في كونه حقاً ولكنه كناية عن اليمين وقد كانوا لجهلهم وضلالهم يحسبون أن الله يتصدى لمخاطرتهم، فإذا سألوه أن يمطر عليهم حجارة إن كان القرآن حقاً منه أمطر عليهم الحجارة وأرادوا أن يظهروا لقومهم صحة جزمهم بعدم حقية القرآن فأعلنوا الدعاء على أنفسهم بأن يصيبهم عذاب عاجل إن كان القرآن حقاً من الله ليستدلوا بعدم نزول العذاب على أن القرآن ليس من عند الله، وذلك في معنى القسم كما علمت. وتعليق الشرط بحرف {إن} لأن الأصل فيها عدم اليقين بوقوع الشرط، فهم غير جازمين بأن القرآن حق ومنزل من الله بل هم موقنون بأنه غير حق واليقين بأنه غير حق أخص من عدم اليقين بأنه حق. وضمير {هو} ضميرُ فصل فهو يقتضي تقوي الخبر أي: إن كان هذا حقاً ومن عندك بلا شك. وتعريف المسند بلام الجنس يقتضي الحصر فاجتمع في التركيب تقو وحصر وذلك تعبيرهم يحكون به أقوال القرآن المنوهة بصدقه كقوله تعالى: {أية : إن هذا لَهو القصص الحق}تفسير : [آل عمران: 62] وهم إنما أرادوا إن كان القرآن حقاً ولا داعي لهم إلى نفي قوة حقيته ولا نفي انحصار الحقية فيه، وإن كان ذلك لازماً لكونه حقاً، لأنه إذا كان حقاً كان ما هم عليه باطلاً فصح اعتبار انحصار الحقية فيه انحصاراً إضافياً، إلاّ أنه لا داعي إليه لولا أنهم أرادوا حكاية الكلام الذي يبطلونه. وهذا الدعاء كناية منهم عن كون القرآن ليس كما يوصف به، للتلازم بين الدعاء على أنفسهم وبين الجزم بانتفاء ما جعلوه سبب الدعاء بحسب عرف كلامهم واعتقادهم. و{من عندك} حال من الحق أي منزلاً من عندك فهم يطْعنون في كونه حقاً وفي كونه منزلاً من عند الله. وقوله: {من السماء} وصف لحجارة أي حجارةَ مخلوقة لعذاب مَن تصيبه لأن الشأن أن مطر السماء لا يكون بحجارة كقوله تعالى: {أية : فصَب عليهم ربك سوط عذاب}تفسير : [الفجر: 13] (والصب قريب من الأمطار). وذكروا عذاباً خاصاً وهو مطر الحجارة ثم عمموا فقالوا: {أو ائِتنا بعذاب أليم} ويريدون بذلك كله عذاب الدنيا لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. ووصفوا العذاب بالأليم زيادة في تحقيق يقينهم بأن المحلوف عليه بهذا الدعاء ليس منزلاً من عند الله فلذلك عرضوا أنفسهم لخَطر عظيم على تقدير أن يكون القرآن حقاً ومنزلاً من عند الله. وإذ كان هذا القول إنما يلزم قائله خاصة ومن شاركه فيه ونطقَ به مثل النضر وأبي جهل ومَن التزم ذلك وشارك فيه من أهل ناديهم، كانوا قد عرضوا أنفسهم به إلى تعذيب الله إياهم انتصاراً لنبيه وكتابه، وكانت الآية نزلت بعد أن حق العذاب على قائلي هذا القول وهو عذاب القتل المُهين بأيدي المسلمين يومَ بدر، قال تعالى: {أية : يُعذبْهُم الله بأيديكم ويُخْزِهم وينْصُرْكم عليهم}تفسير : [التوبة: 14] وكان العذاب قد تأخر عنهم زمناً اقتضته حكمة الله، بين الله لرسوله في هذه الآية سبب تأخر العذاب عنهم حين قالوا ما قالوا، وأيقظ النفوس إلى حلوله بهم وهم لا يشعرون. فقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنتَ فيهم} كناية عن استحقاقهم، وإعلام بكرامة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عنده، لأنه جَعل وجوده بين ظهراني المشركين مع استحقاقهم العقاب سبباً في تأخير العذاب عنهم، وهذه مكرمة أكرم الله بها نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - فجعل وجوده في مكان مانعاً من نزول العذاب على أهله، فهذه الآية إخبار عما قدره الله فيما مضى. وقال ابن عطية قالت فرقه نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقال ابن أَبزى نزل قوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} بمكة إثر قولهم: {أو ائِتنا بعذاب أليم}، ونزل قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} عند خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله: {أية : وما لهم أن لا يُعذبهم الله}تفسير : [الأنفال: 34] بعد بدر. وفي توجيه الخطاب بهذا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتلاب ضمير خطابه بقوله: {وأنتَ فيهم} لطيفة من التكرمة إذ لم يقل: وما كان الله ليعذبهم وفيهم رسوله، كما قال: {أية : وكيف تكفرون وأنتم تُتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله}تفسير : [آل عمران: 101]. وأما قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فقد أشكل على المفسرين نظمها، وحمل ذلك بعضهم على تفكيك الضمائر فجعل ضمائر الغيبة من {يعذبهم}، و{فيهم} و{معذبهم} للمشركين، وجعل ضمير وهم يستغفرون للمسلمين، فيكون عائِداً إلى مفهوم من الكلام يدل عليه {يستغفرون} فإنه لا يستغفر الله إلاّ المسلمون وعلى تأويل الإسناد فإنه إسناد الاستغفار لمن حل بينهم من المسلمين، بناء على أن المشركين لا يستغفرون الله من الشرك. فالذي يظهر أنها جملة معترضة انتُهزت بها فرصة التهديد بتعقيبه بترغيب على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد، فبعد أن هدد المشركين بالعذاب ذكرهم بالتوبة من الشرك بطلب المغفرة من ربهم بأن يؤمنوا بأنه واحد، ويصدقوا رسولَه، فهو وعد بأن التوبة من الشرك تدْفع عنهم العَذاب وتكون لهم أمناً وذلك هو المراد بالاستغفار، إذ من البين أن ليس المراد بـ{يستغفرون} أنهم يقولون: غفرانك اللهم ونحوه، إذ لا عبرة بالاستغفار بالقول والعملُ يخالفه فيكون قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تحريضاً وذلك في الاستغفار وتلقيناً للتوبة زيادة في الإعذار لهم على معنى قوله: {أية : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}تفسير : [النساء: 147] وقوله: {أية : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يَعودوا فقد مضت سُنَّةُ الأولين}تفسير : [الأنفال: 38]. وفي قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تعريض بأنه يوشك أن يعذبهم إن لم يستغفروا وهذا من الكناية العُرضية. وجملة {وهم يستغفرون} حال مقدرة أي إذا استغفروا الله من الشرك وحسُنَ موقعها هنا أنها جاءتْ قيدَاً لعامل منفي، فالمعنى: وما كان الله معذبهم لو استغفروا. وبذلك يظهر أن جملة: {أية : وما لهم أن لا يعذبهم الله}تفسير : [الأنفال: 34] صادفت مَحزها من الكلام أي لم يسلكوا يحول بينهم وبين عذاب الله، فليس لهم أن ينتفي عنهم عذاب الله. وقد دلت الآية على فضيلة الاستغفار وبركته بإثبات بأن المسلمين أمنوا من العذاب الذي عذب الله به الأمم؛ لأنهم استغفروا من الشرك بإتباعهم الإسلام. روى الترمذي عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حديث : أنزل الله عليّ أمانين لأمتي {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مَضَيْت تركتُ فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة».
الشنقيطي
تفسير : ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا} الآية، ولم يقولوا فاهدنا إليه، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضاً كقوله عنهم: {أية : وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَاب}تفسير : [ص: 16]، وقوله: {أية : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ} تفسير : [الحج: 47] الآية، وقوله: {أية : وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} تفسير : [هود: 8] وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك كقوله في قوم شعيب: {أية : فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 187]، وقوله عن قوم صالح: {أية : يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الأعراف: 77]، وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة "سأل سائل".
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: اللهم: أي يا الله حذفت ياء النداء من أوله وعوض عنها الميم من آخره. إن كان هذا: أي الذي جاء به محمد ويخبر به. فأمطر: أنزل علينا حجارة. يصدون عن المسجد الحرام: يمنعون الناس من الدخول إليه للاعتمار. مكاء وتصدية: المكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق. معنى الآيات: ما زال السياق في التنديد ببعض أقوال المشركين وأفعالهم فهذا النضر بن الحارث القائل في الآيات السابقة {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}تفسير : [الأنفال: 31] يخبر تعالى عنه أنه قال {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا} أي القرآن {هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فنهلك بها، ولا نرى محمداً ينتصر دينه بيننا. {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} حتى نتخلص من وجودنا. فقال تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} فوجودك بينهم أمان لهم {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إذ كانوا إذا طافوا يقول بعضهم غفرانك ربنا غفرانك، ثم قال تعالى {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي أيُّ شيء يصرف العذاب عنهم وهم يرتكبون أبشع جريمة وهي صدهم الناس عن دخول المسجد الحرام للطواف بالبيت الحرام، فقد كانوا يمنعون المؤمنين من الطواف بالبيت والصلاة في المسجد الحرام. وقوله تعالى {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} رد على مزاعمهم بأنهم ولاة الحرم والقائمون عليه فلذا لهم أن يمنعوا من شاءوا ويأذنوا لمن شاءوا فقال تعالى رداً عليهم {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} أي أولياء المسجد الحرام، كما لم يكونوا أيضاً أولياء الله إنّما أولياء الله والمسجد الحرام المتقون الذين يتقون الشرك والمعاصي {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} هذا لجهل بعضهم وعناد آخرين. وقوله {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} إذ كان بعضهم إذ طافوا يصفقون ويصفرون كما يفعل بعض دعاة التصوف حيث يرقصون وهم يصفقون ويصفرون ويعدون هذا حضرة أولياء الله، والعياذ بالله من الجهل والضلال وقوله تعالى {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أذاقهموه يوم بدر إذ أذلهم فيه وأخزاهم وقتل رؤساءهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان ما كان عليه المشركون في مكة من بغض للحق وكراهية له حتى سألوا العذاب العام ولا يرون راية الحق تظهر ودين الله ينتصر. 2- النبي صلى الله عليه وسلم أمان أمته من العذاب فلم تُصب هذه الأمة بعذاب الاستئصال والإِبادة الشاملة. 3- فضيلة الاستغفار وأنه ينجي من عذاب الدنيا والآخرة. 4- بيان عظم جرم من يصد عن المسجد الحرام للعبادة الشرعية فيه. 5- بيان أولياء الله تعالى والذين يحق لهم أن يلوا المسجد الحرام وهو المتقون. 6- كراهية الصفير والتصفيق، وبطلان الرقص في التعبد.
د. أسعد حومد
تفسير : (32) - يُرْوَى أنَّهُ لَمَّا قَالَ النَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ: إنْ هَذَا إلاَّ أسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ: وَيلَكَ إنَّهُ كَلاَمُ رَبِّ العَالَمِينَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ .. وَمَعْنَى الآيَةِ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا القُرْآنُ، وَمَا يَدْعُو إليهِ هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ لِتَهْدِيَ بِهِ عِبَادَكَ، كَمَا يَدَّعِي مُحَمَّدٌ، فَارْجُمْنَا بِحِجَارَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، أوْ أنْزِلْ بِنا عَذَابَكَ الأليمَ. وَهذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ عُتُوَّ قُرَيْشٍ كَانَ كَبِيراً، وَعِنَادَها كَانَ بَالِغاً، إِذْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ هذا القَوْلَ، وَهُوَ مِمَّا عِيبَ عَلَيهِمْ. وَلَوْ أنَّهُم قَالُوا: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَاهْدِنَا إليهِ، وَوَفِّقْنَا لاتِّبَاعِهِ، لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ} الآية نزلت أيضاً في النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة من بني عبد الدار. قال ابن عباس: لمّا قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إنْ هذا إلاّ أساطير الأوّلين في كتبهم. فقال عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمداً يقول الحق. قال: فأنا أقول الحق. قال: فإن محمداً يقول: لا إله إلاّ الله. قال: فأنا أقول لا إله إلاّ الله. ولكن هذه شأن الله يعني الاصنام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] قال النضر: ألا تَرون أن محمداً قد صدقني فيما أقول يعني قوله {أية : إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ}تفسير : [الزخرف: 81]. قال له المغيرة بن الوليد: والله ما صدّقك ولكنه يقول ما كان للرحمن ولد. ففطن لذلك النضر فقال: اللّهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك. {إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} {هُوَ} عماداً وتوكيد وصلة في الكلام، و {ٱلْحَقَّ} نصب بخبر كان {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} كما أمطرتها على قوم لوط. قال أبو عبيدة: ما كان من العذاب. يقال: فينا مطر ومن الرحمة مطر {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي بنفس ما عذبت به الأُمم وفيه نزل: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ} تفسير : [المعارج: 1]. قال عطاء: لقد نزل في النضر بضعة عشرة آية من كتاب الله فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر. قال سعيد بن جبير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "حديث : ثلاثة صبروا منكم من قريش المطعم بن عدي. وعقبة بن أبي معيط. والنضر بن الحرث ". حديث : وكان النضر أسير المقداد فلمّا أمر بقتله قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنّه كان يقول في كتاب الله ما يقول " قال المقداد: أسيري يا رسول الله، قالها ثلاث مرّات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة: "اللّهمّ اغن المقداد من فضلك". فقال المقداد: هذا الذي أردت . تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} اختلفوا في معنى هذه الآية فقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه حكاية عن المشركين، إنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأُولى، [وقيل]: إن المشركين كانوا يقولون: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أُمة ونبيّها معهم، وذلك من قولهم ورسول الله بين أظهرهم، فقال الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم يذكر له جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم إذ قالوا {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} وقالوا: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثمّ قال ردّا عليهم {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} وإن كنت بين أظهرهم أن كانوا يستغفرون {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}. وقال آخرون: هذا كلام مستأنف وهو قول الله تعالى حكاية عن نفسه ثمّ اختلفوا في وجهها وتأويلها: فقال ابن أبزي وأبو مالك والضحاك: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم. قالوا: فأنزلت هذه الآية على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكّة ثمّ خرج النبيّ من بين أظهرهم. وبقيت منها بقية من المسلمين يستغفرون. فأنزل الله بعد خروجه عليه حين استغفر أُولئك بها {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. ثمّ خرج أُولئك البقية من المسلمين من بينهم فعذبوا وأذن الله بفتح مكّة، فهو العذاب الذي وعدهم. ابن عباس: لم يعذب أُولئك حتّى يخرج النبيّ منها والمؤمنون. قال الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} يعذبهم يوم بدر. وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع الى المشركين: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين ما دمتَ فيهم وما داموا يستغفرون. وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويقولون لبيك لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك بملكه لو ما ملك، ويقولون غفرانك غفرانك. هذه رواية أبي زميل عن ابن عباس. وروى ابن معشر عن يزيد بن روحان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. الآية فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم. فأنزل الله عزّ وجلّ {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. وقال أبو موسى الأشعري: إنّه كان فيكم أماناً لقوله تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. وأمّا النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد مضى وأمّا الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة. وقال قتادة [وابن عباس] وابن يزيد معنى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: أن لو استغفروا، يقول إن القوم لو كانوا يستغفرون لما عذبوا ولكنهم لم يكونوا استغفروا ولو استغفروا فأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين. وقال مجاهد وعكرمة: (وهم يستغفرون) أي يسلمون، يقول: لو أسلموا لمّا عُذّبوا. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (وهم يستغفرون) أي وفيهم من سبق له من الله الدخول في الإيمان. وروى عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: وهم يستغفرون أي يصلّون. وقال الحسن: هذه الآية منسوخة بالآية التي تلتها: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} إلى قوله: {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} فقاتلوا بمكّة فأصابوا فيها الجوع والخير. وروى عبد الوهاب عن مجاهد (وهم يستغفرون) أي في [أصلابهم] من يستغفره. قال {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} أي: مايمنعهم من أن يُعذّبوا. قيل: [إنّ {إِنَّ} هنا زائدة]. {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} { وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} المؤمنون من حيث كانوا ومن كانوا، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} والمكاء الصفير. يقال مكاءً تمكّوا مكا ومكوا. وقال عنترة: شعر : وحليل غانية تركت مجدّلاً تمكوا فريصته كشدق الاعلم تفسير : ومنه قيل: مكت اسم الدابة مكأ إذا نفخت بالريح. (وتصدية) يعني التصفيق. قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله {إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} فجمع كفيه ثمّ نفخ فيها صفيراً. وقال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. و[قال] مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ صلى الله عليه وسلم في الطواف يستهزئون به فيدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، يخلطون عليه صلاته وطوافه. وقال مقاتل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلّى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمينه فيصفران ويصفقان ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا على النبيّ صلى الله عليه وسلم صلاته. وهم بنو عبد الدار فقتلهم الله ببدر. وقال السدي: المكاء الصفير على لحن طائر أبيض يكون بالحجاز يقال له: المكا. قال الشاعر: شعر : إذا غرّد المكاء في غير روضة قيل لأهل الشاء والحمرات تفسير : وقال سعيد بن جبير وابن إسحاق وابن زيد: التصدية صدهم عن بيت الله وعن دين الله، والتصدية على هذا التأويل التصديد فقلبت إحدى الدالين تاءً كما يقال تظنيت من الظن. قال الشاعر: شعر : تقضي البازي إذا البازي كسر تفسير : يريد: تظنيت وتفضض. وقرأ الفضل عن عاصم: وما كان صلاتهم بالنصف إلا مكاء وتصدية بالرفع محل الخبر في الصلاة كما قال القطامي: شعر : قفي قبل التفرق يا ضباعاً ولا يك موقف منك الوداعا تفسير : وسمعت مَنْ يقول: كان المكاء أذانهم والتصفيق إقامتهم {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} يوم بدر { بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"إذ" تأتي للظرف أيضاً، ولم يقل سبحانه وتعالى: واذكر أن قالوا، بل قال: "إذ قالوا". وقد بلغ بهم العجز إلى أن قالوا إن كان هذا القرآن هو الحق القادم من عندك فأمطر علينا حجارة، أو ائتنا بعذاب أليم. أليس هذا الكلام دليلاً على غباء قائليه؟ بالله لو كان عندهم عقل ومنطق وتفكير، أكانوا يقولون ذلك؟ ألم يكن من المناسب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، أو فاجعلنا نقبله؟. وما داموا قد قالوا: "اللهم" فالمنادى هو الله. {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} [الأنفال: 32]. إذن هم يعلمون أن لله عز وجل عنديةً، وفيها حق، وهكذا نرى أنهم اعترفوا بوجود الله، وأنَّ عند الإله حقًا. فكيف إن جاء إنسان وقال لكم: إنني رسول من عند الله، وهذا هو المنهج، وهو منهج ومعجزة في وقت واحد، ألم يكن من الواجب أن تستشرف آذانكم إلى من يبلغ عن الله هذا الحق وأن تستجيبوا له؟. لكن ما داموا قد استمطروا على أنفسهم اللعنة والعذاب، فهذا دليل كراهيتهم لمحمد، ومن أجل هذه الكراهية دعوا الله أن ينزل عليهم العذاب كما فعل بالأمم السايقة - وطلبهم هذا للعذاب يدل على أنهم علموا أن من يكذب الرسل ويرفض المنهج إنما يتلقى العذاب من الله. وهكذا يتبين لنا أن ما ينقصهم لإعلان الإيمان هو عدم قبولهم لرسول الله شخصياً، ويتمثل هذا في قول الحق تبارك وتعالى في آية أخرى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31]. إذن لو أن القرآن نزل على شخص آخر؛ لآمنوا به. وفي هذا اعتراف بأن القرآن معجزة، ومنهج. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ورد على لسان أبي جهل وهذا يدل على كثرة جهله وشدة تكذيبه وعناده وعتوه هو ومن معه من المشركين المكذبين. فعن أنس بن مالك: قال أبو جهل بن هشام: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} فنزلت: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وهؤلاء المعاندون قالوا أيضا: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً}تفسير : [الإسراء: 92]. وهذا دليل على التخبط في الكلام، وفقدان الوعي العقلي. {أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. والحق سبحانه وتعالى قادر على أن يصيب بالعذاب قوماً بعينهم وقادر على نجاة المؤمنين، وشاء الله سبحانه ألا ينزل العذاب؛ لأن رؤية المتألم حتى ولو كان عدوّاً، فيه إيلام - لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ...}
الأندلسي
تفسير : {وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ} الآية، قائل ذلك النضر بن الحارث، وقيل: أبو جهل، رواه البخاري ومسلم. والإِشارة في أن كان هذا إلى القرآن أو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد وغيره أو نبوته عليه السلام من بين سائر قريش. وتقدم الكلام على اللهم. وقرأ الجمهور هو الحق بالنصب جعلوا هو فصلاً. وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع الحق على أنه خبر هو والجملة خبر كان. قال الزجاج: ولا أعلم أحداً قرأ بهذا الجائز وقراءة الناس إنما هي بنصب الحق. "انتهى". وقد قرأ بها الأعمش وزيد بن علي وهي جائزة في العربية. فالجملة خبر كان وهي لغة تميم يرفعون بعد هو التي هي فصل في لغة غيرهم. قال الزمخشري: فإِن قلت: ما فائدة قوله من السماء والأمطار لا تكون إلا منها؟ قلت: كأنه أراد أن يقال: فأمطر علينا السجيل وهي الحجارة المسومة للعذاب فوضع حجارة من السماء موضع السجيل، كما يقال: صبّ عليه مسرودة من حديد يريد درعاً. "انتهى". ومعنى جوابه أن قوله: من السماء، جاء على سبيل التوكيد كما أن قوله: من حديد، معناه التوكيد لأن المسرودة لا تكون إلا من حديد كما أن الأمطار لا تكون إلا من السماء. وقال ابن عطية: وقولهم أي الكفار: من السماء مبالغة وإغراق. "انتهى". والذي يظهر لي أن حكمة قولهم من السماء هي في مقابلتهم مجيء الأمطار من الجهة التي ذكر عليه السلام أنه يأتيه الوحي من جهتها أي أنك تذكر أنه يأتيك الوحي من السماء فأتنا بعذاب من الجهة التي يأتيك منها الوحي إذ كان يحسن أن يعبّر عن إرسال الحجارة عليهم من غير جهة السماء بقولهم: فأمطر علينا حجارة، وقالوا ذلك على سبيل الاستبعاد والاعتقاد أن ما أتى به ليس بحق. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} اللام في ليعذبهم لام الجحود. والنصب في الفعل بإِضمار أن بعد اللام، وتقدم الكلام عليها في آل عمران في قوله: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الآية: 179]. وقال ابن بزي: نزلت الجملة الأولى بمكة أثر قوله: بعذاب أليم، والثانية عند خروجه من مكة في طريقه إلى المدينة وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، والثالثة بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم. قال ابن عباس: لم تعذب أمة قط ونبيها فيها. "انتهى". {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} الآية أنظر إلى حسن مساق هاتين الجملتين لما كانت كينونته فيهم سبباً لانتفاء تعذيبهم أكد خبر كان باللام على رأي الكوفيين أو جعل خبر كان الإِرادة المنتفية على رأي البصريين وانتفاء الإِرادة للعذاب أبلغ من انتفاء العذاب ولما كان استغفارهم دون تلك الكينونة الشريفة لم يؤكد باللام بل جاء خبر كان قولهم: معذبهم فشتان ما بين استغفارهم وكينونته صلى الله عليه وسلم فيهم. والظاهر أن هذه الضمائر كلها في الجمل عائدة على الكفار. وقال ابن عباس أيضاً ما مقتضاه: أن الضميرين عائدان على الكفار وكانوا يقولون في دعائهم: غفرانك، ويقولون: لبيك لا شريك لك، ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار فجعله الله تعالى أمنة من عذاب الدنيا. {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} الظاهر أن ما استفهامية أي أي شىء لهم في انتفاء العذاب وهو استفهام معناه التقرير أي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه الحال المقتضية للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة البيت ولا متأهلين لولايته ومن صدهم ما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية وإخراجه مع المؤمنين داخل في الصد، كانوا يقولون: نحن ولاة البيت نصد من نشاء وندخل من نشاء. {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ} الآية، لما نفى عنهم أن يكونوا ولاة البيت ذكر من فعلهم القبيح ما يؤكد ذلك وان من كانت صلاته ما ذكر لا يستأهل أن يكونوا أولياءه، فالمعنى والله أعلم أن الذي يقوم به مقام صلاتهم هو المكاء والقصدية وضعوا مكان الصلاة، والتقرب إلى الله تعالى الصفير والتصفيق، وكانوا يطوفون بالبيت عراة رجالهم ونساؤهم مشبكين بين أصابعهم يصفرون ويصفقون يفعلون ذلك، إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلطون عليه في صلاته وقراءته. ومكاء مصدر مكا يمكو وجاء على فعال ويكثر فعال في الأصوات كالصراخ. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر كانوا ينحرون يوماً عشراً من الإِبل ويوماً تسعاً وقيل غير ذلك. {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} هذا إخبار بما يؤول إليه حال الكفار في الآخرة من حشرهم إلى جهنم إذ أخبر بما آل إليه حالهم في الدنيا من حسرتهم وكونهم مغلوبين. ومعنى قوله: والذين كفروا من وافى على الكفر، وأعاد الظاهر لأن من أنفق ماله من الكفار أسلم منهم جماعة ولام ليميز متعلقة بقوله: يحشرون. والخبيث والطيب وصفان يصلحان للآدميين، والخبيث هم الكفار، والطيب هم المؤمنون، وبعضه بدل من الخبيث أي ويجعل بعض الخبيث على بعض فيركمه أي يضمه. وأولئك إشارة إلى الذين. والخبيث اسم جنس لوحظ أولاً إفراده في قوله: بعضه، وفي قوله: فيركمه، ولوحظ ثانياً جمعه في قوله: أولئك هم الخاسرون. {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية لما ذكر ما يحل بهم من حشرهم إلى النار وجعلهم فيها وخسرهم تلطف بهم وانهم إذا انتهوا عن الكفر وآمنوا غفرت لهم ذنوبهم السالفة وليس ثم ما يترتب على الانتهاء عنه غفران الذنوب سوى الكفر فلذلك كان المعنى وأن ينتهوا عن الكفر ويسلموا. وللام في للذين الظاهر أنها للتبليغ وانه أمر أن يقول لهم هذا المعنى الذي تضمنته ألفاظ الجملة المحكية بالقول وسواء أقاله بهذه العبارة أم غيرها. {وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} العود يقتضي الرجوع إلى شىء سابق ولا يكون الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه، فالمعنى عودهم إلى ما أمكن انفصالهم عنه وهم الإِرتداد بعد الإِسلام وجواب الشرط. قالوا: فقد مضت سنة الأولين، ولا يصح ذلك على ظاهره بل ذلك دليل على الجواب. والتقدير وان يعودوا انتقمنا منهم وأهلكناهم فقد مضت سنة الأولين في انا انتقمنا منهم وأهلكناهم بتكذيب أنبيائهم وكفرهم. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في البقرة وهنا زيادة، كله توكيداً للدين. {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} أي عن الكفر. ومعنى بصير بإِيمانهم فيجازيهم على ذلك ويثيبهم. {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإِسلام والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم النصير الله تعالى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):