٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
القرطبي
تفسير : لما قال أبو جهل: {ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} الآية، نزلت {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} كذا في صحيح مسلم. وقال ابن عباس: لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم منها والمؤمنون؛ ويلحقوا بحيث أُمِروا. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف: غفرانك. والاستغفار وإن وقع من الفجار يُدفع به ضرب من الشرور والإضرار. وقيل: إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم. أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين؛ فلما خرجوا عذبهم الله يوم بدر وغيره قاله الضحاك وغيره. وقيل: إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام. أي {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي يسلمون، قاله مجاهد وعكرمة. وقيل: «وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» أي في أصلابهم مَنْ يستغفر الله. رُوي عن مجاهد أيضاً. وقيل: معنى «يَسْتَغْفِرُونَ» لو استغفروا. أي لو استغفروا لم يعذبوا. استدعاهم إلى الاستغفار؛ قاله قتادة وابن زيد. وقال المدائني عن بعض العلماء قال: كان رجل من العرب في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم مُسْرِفاً على نفسه، لم يكن يتحرج؛ فلما أن تُوُفّيَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ورجع عما كان عليه، وأظهر الدّين والنّسك. فقيل له: لو فعلت هذا والنبيّ صلى الله عليه وسلم حيّ لفرحِ بك. قال: كان لي أمانان، فمضى واحد وبقي الآخر؛ قال اللَّهُ تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} فهذا أمان. والثاني {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : قال تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ } بما سألوه {وَأَنتَ فِيهِمْ } لأن العذاب إذا نزل عمَّ ولم تعذَّب أُمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } حيث يقولون في طوافهم: غفرانك غفرانك، وقيل: هم المؤمنون المستضعفون فيهم كما قال تعالى { أية : لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }تفسير : [25:48].
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة: نزلت هذه الآية كلها بمكة، وقالت فرقة: نزلت كلها بعد وقعة بدر حكاية عما مضى، وقال ابن أبزى: نزل قوله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} بمكة إثر قولهم {أية : أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : [الأنفال:32] ونزل قوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} عند خروج النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة في طريقه إلى المدينة، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون، ونزل قوله {وما لهم} إلى آخر الآية بعد بدر عند ظهور العذاب عليهم. قال القاضي أبو محمد: وأجمع المتأولون على أن معنى قوله {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}, أن الله عز وجل لم يعذب قط أمة ونبيها بين أظهرها، فما كان ليعذب هذه وأنت فيهم، بل كرامتك لديه أعظم، قال: أراه عن أبي زيد سمعت من العرب من يقول "ما كان ليعذبهم" بفتح اللام وهي لغة غير معروفة ولا مستعملة في القرآن، واختلفوا في معنى قوله {وما كان الله معذبهم وهم مستغفرون} فقال ابن عباس وابن أبزى وأبو مالك والضحاك ما مقتضاه: إن الضمير في قوله {معذبهم} يعود على كفار مكة والضمير في قوله {وهم} عائد على المؤمنين الذين بقوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أي وما كان الله ليعذب الكفار والمؤمنون بينهم يستغفرون. قال القاضي أبو محمد: ويدفع في صدر هذا القول أن المؤمنين الذين رد الضمير عليهم لم يجر لهم ذكر، وقال ابن عباس أيضاً ما مقتضاه: أن يقال الضميران عائدان على الكفار، وذلك أنهم كانوا يقولون في دعائهم غفرانك، ويقولون لبيك لا شريك لك، ونحو هذا مما هو دعاء واستغفار، فجعله الله أمنة من عذاب الدنيا، وعلى هذا تركب قول أبي موسى الأشعري وابن عباس إن الله جعل من عذاب الدنيا أمنتين، كون الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس والاستغفار، فارتفعت الواحدة وبقي الاستغفار إلى يوم القيامة، وقال قتادة: الضمير للكفار، وقوله {وهم يستغفرون} ، جملة في موضع الحال أن لو كانت، فالمعنى وما كان الله معذبهم وهو بحال توبة واستغفار من كفرهم لو وقع ذلك منهم، واختاره الطبري، ثم حسن الزجر والتوقيف بعد هذا بقوله {وما لهم ألا يعذبهم الله} وقال الزجّاج ما معناه، إن الضمير في قوله {وهم} عائد على الكفار. والمراد به سبق له في علم الله أن يسلم ويستغفر، فالمعنى: وما كان الله ليعذب الكفار وفيهم من يستغفر ويؤمن في ثاني حال، وحكاه الطبري عن ابن عباس. وقال مجاهد في كتاب الزهراوي: المراد بقوله {وهم يستغفرون} ذرية المشركين يومئذ الذين سبق لهم في علم الله أن يكونوا مؤمنين، فالمعنى: وما كان الله ليعذبهم وذريتهم يستغفرون ويؤمنون، فنسب الاستغفار إليهم، إذ ذريتهم منهم، وذكره مكي ولم ينسبه، وفي الطبري عن فرقة أن معنى {يستغفرون} يصلون، وعن أخرى يسلمون ونحو هذا من الأقوال التي تتقارب مع قول قتادة، وقوله عز وجل: {وما لهم ألا يعذبهم الله} توعد بعذاب الدنيا، فتقديره وما يعلمهم أو يدريهم ونحو هذا من الأفعال التي توجب أن تكون "أن" في موضع نصب، وقال الطبري: تقديره وما يمنعهم من أن يعذبوا، والظاهر في قوله {وما} أنها استفهام على جهة التقرير والتوبيخ والسيؤال، وهذا أفصح في القول وأقطع لهم في الحجة، ويصح أن تكون {ما} نافية ويكون القول إخباراً، أي وليس لهم ألا يعذبوا وهم يصدون، وقوله {وهم يصدون} على التأويلين جملة في موضع الحال، و {يصدون} في هذا الموضع معناه يمنعون غيرهم، فهو متعدٍّ كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : صددتِ الكأسَ عنا أمَّ عمرو تفسير : وقد تجيء صد عير متعدٍّ كما أنشد أبو علي: [البسيط] شعر : صدت خليدة عنّا ما تكلّمُنا تفسير : والضمير في قوله {أولياؤه} عائد على الله عز وجل من قوله {يعذبهم الله}، أو على المسجد الحرام، كل ذلك جيد، روي الأخير عن الحسن، والضمير الآخر تابع للأول وقوله {ولكن أكثرهم لا يعلمون} معناه لا يعلمون أنهم ليسوا بأوليائه بل يظنون أنهم أولياؤه، وقوله {أكثرهم} ونحن نجد كلهم بهذه الصفة، لفظ خارج إما على أن تقول إنه لفظ خصوص أريد به العموم وهذا كثير في كلام العرب، ومنه حكى سيبويه من قولهم: قل من يقول ذلك، وهم يريدون لا يقوله أحد. وإما أن يقول: إنه أراد بقوله {أكثرهم} أن يعلم ويشعر أن بينهم وفي خلالهم قوماً قد جنحوا إلى الإيمان ووقع لهم علم وإن كان ظاهرهم الكفر فاستثارهم من الجميع بقوله {أكثرهم} وكذلك كانت حال مكة وأهلها، فقد كان فيهم العباس وأم الفضل وغيرها، وحكى الطبري عن عكرمة قال الحسن بن أبي الحسن: إن قوله {وما لهم ألا يعذبهم الله} ، ناسخ لقوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، لأنه خبر لا يدخله نسخ.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ} وقد بقي فيهم من المسلمين من يستغفر، أو لا يعذبهم في الدنيا وهم يقولون غفرانك في طوافهم، أو الاستغفار: الإسلام، أو هو دعاء إلى الاستغفار معناه لو استغفروا لم يُعذَّبوا، أو ما كان الله مهلكهم وقد علم أن لهم ذرية يؤمنون ويستغفرون.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الآية: 33]. قال أبو بكر الوراق: ما كان الله ليظهر فيهم البدع وأنت فيهم، وما كان الله ليأخذهم بذنوبهم وهم يستغفرون. قال بعضهم: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فلينتظروا البلاء والفتن.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. ما كان الله معذبهم وأنت فيهم، وما كان الله ليعذِّبَ أسلافَهم وأنت في أصلابهم، وليس يعذبهم اليوم وأنت فيما بينهم إجلالاً لقَدْرِك، وإكراماً لمحلِّك، وإذا خرجتَ من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون، فالآية تدل على تشريف قَدْر الرسول - صلى الله عليه وسلم. ويقال للجوَارِ حُرْمةٌ، فَجَارُ الكرام في ظل إنعامهم؛ فالكفار إن لم يَنْعَموا بقرب الرسول - صلى الله عليه وسلم - منهم فقد اندفع العذاب - بمجاورته - عنهم: شعر : وأحبُها وأحبُّ منزلَها الذي نَزَلَتْ به وأُحِبُّ أهلَ المنزِل تفسير : ويقال إذا كان كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الكفار يمنع العذاب عنهم فكون المعرفة في القلوب أوْلى بدفع العذاب عنها. ويقال إن العذاب - وإنْ تأَخَّر عنهم مدة مقامهم في الدنيا ما دام هو عليه السلام فيهم - فلا محالة يصيبهم العذابُ في الآخرة، إذ الاعتبار بالعواقب لا بالأوقات والطوارق. قوله جلّ ذكره: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. علم أنه - عليه السلام - لا يتَأَبَّد مُكْثُه في أمته إذا قال له: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}تفسير : [الأنبياء: 34]، فقال إني لا أضيع أمَّتَه وإن قضى فيهم مُدَّتَه، فما دامت ألسنتُهم بالاستغفار مُتَطَلِّعةً فصنوف العذاب عنهم مرتفعة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون} كان عليه السلام رحمة تامة للجمهور حيوة ومماتا صرف الله عذابه المستأصل عمن كان على راس المخالفة وبنيه عليه السّلام بين اظهرهم لان كل عين نظرته واقتبست نوره لم يكن مستاصل من اصلها وان كانت محجوبة عن رؤية مراتبه وشرف منازله لان عكسه وظله عليه السلام كنف رحمة الله مهو يدرك فى نفسه قارعة لتنبه من غفلته يتخلص من عذاب الله وايضا ما كان الله ليعذب قومك بعذاب البعد وانت قريب منهم فان من رآك رآنى لا يحتجب منا ما دام ينظر اليك قال ابو بكر الوراق ما كان الله لظهر فيهم البدع وانت فيهم وما ك ان الله ليأخذهم بذنوبهم وهم يستغفرون قال بعضهم الرسول صلى الله عليه وسلم هو الامان الاعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق واذا اميتت سنته فلينتظروا البلاء والفتن وقال الاستاذ وما كان الله ليعذب اسلافهم وانت فى اصلابهم وليس يعذبهم اليوم وانت فيما بينهم اجلالا لقدرك واكراما لمحلك واذا خرجت من بينهم فلا يعذبهم وفيهم خدمك الذين يستغفرون ويقال للجوارحرمت فجار الكرام في ظل الغامهم والكفاران تمتعوا بقرب الرسول عليه السّلام فقد اندفع العذاب بمجاورته عليهم وانشد فى هذا المعنى منه واحبها واحب منزلها الذى جلت به واجب اهل المنزل ثم ان الله سبحانه ذكر انه يعذب من يعادى نبيه عليه السّلام فى الدنيا بالسيف ولا يعذبهم عذاب الاستيصال الا فى الاخرة بقوله {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} لحرمة نبيه عليه السّلام وان المؤمن الصادق فى اعانة لا يعذبه الله فى الاخرة لان نبيه يكون فيهم === وبشرنا سبحانه انه لا يعذب امته ما دام هو فيهم فيكون فى الاخرة هو فيما بين المؤمنين فيدخل المؤمن الذى تحله قسمة وبان يطفئ بنوره ناره وذلك قوله عليه السّلام جزيا مومن فقد اطفا نورك نارى يدخل === فى النار فبقى الكفار فى النار والمؤمنون يمرون على الصراط كالبرق الخاطب فان وصل النار به من === لا تصل اليهم لجهة الخلود بل لجهة الخلوص وفى هذا المعنى قيل اذا سلم === الذى كان بيننا فردّى === سليم وهكذا قال الاستاذ رحمة الله عليه ثم بيّن سبب ايصال العذاب الى الكافرين بقوله {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} كانوا يعملون شيئا ليس لهم فانهم ليسوا من اهل الحر ومع جهلهم بالله وهم لا يعلمون ان ليس لهم صد المؤمنين عنه فان احياء الكعبة هم الذين قدسوا اعينهم من النظر الى ما سوى الله غير الكعبة التى هي مرآة تجلى صفاته بقوله فيه ايات بينات.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان الله} مريدا {ليعذبهم وأَنت فيهم} لان العذاب اذا نزل عم ولم يعذب امة الا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها وفيه تعظيم للنبى عليه السلام وحفظ لحرمته وقد ارسله الله تعالى رحمة للعالمين والرحمة والعذاب ضدان والضدان لا يجتمعان قيل ان الرسول عليه السلام هو الامان الاعظم ما عاش ودامت سنته باقية والاية دليل على شرفه عليه السلام واحترامه عند الله حيث جعله سببا لامان العباد وعدم نزول العذاب وفى ذلك ايماء الى ان الله تعالى يرفع عذاب قوم لاقترانهم باهل الصلاح والتقى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتادة افندى قدس سره جميع الانتظام بوجود الشريف فانه مظهر الذات وطلسم العوالم حتى قيل فى وجه عدم ارتحال جسده الشريف من الدنيا مع ان عيسى عليه السلام قد عرج الى السماء بجسده انه انما بقى جسمه الطاهر هنا لاصلاح عالم الاجساد وانتظامه: قال الشيخ العطار قدس سره شعر : خويشتن را خواجه عرصات كفت انما انا رحمة مهداة كفت تفسير : رزقنا الله شفاعته {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} المراد استغفار من بقى فيهم من المؤمنين المستضعفين الذين لا يستطيعون المهاجرة عنهم. وقيل معناه وفى اصلابهم من يستغفر وقيل معناه وفيهم من يأول امره الى الاستغفار من الكفر. قال امير المؤمنين على المرتضى رضى الله عنه كان فى الارض امانان فرفع احدهما وبقى الآخر. فاما الذى رفع فهو رسول الله. اما الذى بقى فالاستغفار وقرأ بعده هذه الآية. وفى نفائس المجالس المؤمن الصادق فى ايمانه لا يعذبه الله فى الآخرة لان نبيه يكون فيهم يوم القيامة واقسم الله سبحانه ان لا يعذب امته ما دام هو بينهم والصدق فى التوبة يؤدى الى النجاة وهو الندم مع الاقلاع لا باللسان فقط واستغفار العوام من الذنوب واستغفار الخواص من رؤية الأعمال دون رؤية المنة والفضل والاستغفار الاكابر من رؤية شيء سوى الله شعر : كفت حق كآمرزش ازمن مى طلب كان طلب مرعفورا باشد سبب ازبى زهر كناه ار بشنوى هست استغفار ترياق قوى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كان الله ليُعذبهم وأنت} موجود {فيهم}، ونازل بين أظهرهم، وقد جعلتلك رحمة للعالمين، خصوصاً عشيرتك الأقربين، {وما كان الله مُعَذِّبَهُم وهم يستغفرون} قيل: كانوا يقولون: غفرانك اللهم، فلما تركوه عُذبوا يوم بدر، وقيل: وفيهم من يستغفر، وهو من بقي فيهم من المؤمنين، فلما هاجروا كلهم عُذبوا، وقيل: على الفرض والتقدير، أي: ما كان الله ليعذبهم لو آمنوا واستغفروا. قال بعض السلف: كان لنا أمانان من العذاب: النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الأمان الواحد وبقي الآخر، والمقصود من الآية: بيان ما كان الموجب لإمهاله لهم والتوقف على إجابة دعائهم، وهو وجوده صلى الله عليه وسلم أو من يستغفر فيهم. ثم قال تعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله} أي: وأيُّ شيء يمنع من عذابهم؟ وكيف لا يعذبون {وهم يصُدُّون} الناس {عن المسجد الحرام}؟ أي: يمنعُون المتقين من المسجد الحرام، ويصدون رسوله عن الوصول إليه. {وما كانوا أولياءَهُ} المستحقين لولايته مع شركهم وكفرهم، وهو ردٌّ لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام؛ فنصد من نشاء ونُدخل من نشاء. قال تعالى: {إنْ أولياؤُه إلا المتقون} أي: ما المستحقون لولايته إلا المتقون، الذين يتقون الشرك والمعاصي ولا يعبدون فيه إلا الله، ويعظمونه، حق تعظيمه. {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} أن لا ولاية لهم عليه، وإنما الولاية لأهل الإيمان، وكأنه نبه بالأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ويعاند أو أراد به الكل، كما يراد بالقلة العدم. قاله البيضاوي. الإشارة: قد جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم أماناً لأمته ما دام حياً، فلما مات صلى الله عليه وسلم بقيت سنته أماناً لأمته، فإذا أُميتت سنته أتاهم ما يوعدون من البلاء والفتن، وكذلك خواص خلفائه، وهم العارفون الكبار، فوجودهم أمان للناس. فقد قالوا: إن الإقليم الذي يكون فيه القطب لا يصيبه قحط ولا بلاء، ولا هرج ولا فتن؛ لأنه أمان لذلك الإقليم، خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تلاعبهم بالذين، فقال: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله على وجه الامتنان عليه واعلامه منزلته عنده انه لا يعذب احداً من هؤلاء الكفار بهذا العذاب الذي اقترحوه على وجه الفساد للحق {وانت} يا محمد {فيهم} موجود. والتعذيب تجديد الآلام حالا بعد حال، لأن اصله الاستمرار، فالعذب من استمرار الشيء لما فيه من الملاذ. والعذاب من استمراره لما فيه من الآلام واللام في قوله {ليعذبهم} لام الجحد. واصلها لام الاضافة. وإنما دخلت في النفي ولم تدخل في الايجاب لتعلق الخبر بحرف النفي، كما دخلت الباء في خبر (ما) ولم تدخل في الايجاب. وإنما لم يعاقب الله تعالى الخلق مع كون النبي صلى الله عليه وآله فيهم على سلامته مما ينزل بهم، لأنه تعالى أرسله رحمة للعالمين. وذلك يقتضي ألا يعذبهم وهو فيهم. وقوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} قيل في معناه أقوال: احدها - ان النبي صلى الله عليه وآله لما خرج من مكة بفي فيها بقية من المؤمنين يستغفرون، وهو قول ابن عباس، وعطية، وابي مالك، والضحاك، واختاره الجبائي. وقال آخرون: اراد بذلك لا يعذبهم بعذاب الاستئصال في الدنيا، وهم يقولون يارب غفرانك. ويعذبهم على شركهم في الآخرة، وذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وهو قول أبي موسى، ويزيد بن رومان، ومحمد بن مبشر. الثالث - أنهم لو استغفروا لم يعذبوا، وفي ذلك استدعاء إلى الاستغفار روي ذلك عن ابن عباس في رواية أخرى، وبه قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد. وقال الزجاج: معناه لا يعذب الله من يؤل إلى الاسلام. وقال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بالتي بعدها. قال الرماني: هذا غلط، لأن الخبر لا ينسخ.
اطفيش
تفسير : {وما كانَ اللهُ ليعذِّبهمْ} هذه اللام مؤكدة للنفى قبلها، ودالة على أن هذا العذاب استئصال، قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقول: ما كان الله ليعذبهم بفتح اللام وهى لغة غير معروفة ولا مستعملة فى القرآن {وأنْتَ فيهِم} إذ من عادة أمر الله وحكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم أو مؤمنوهم بين أظهرهم على ما مر، وفى ذلك تنبيه على أنهم أحقاء بعذاب الاستئصال لو لم يكن فيهم، وهذا وما بعده إلى آخر الآية نزل بمكة، وقيل: بالمدينة بعد وقعة بدر حكاية لما مضى، وقيل: نزل هذا بمكة إثر قولهم: {أية : أو ائتنا بعذاب أليم} تفسير : ونزل قوله: {وما كانَ اللهُ مُعذِّبهم وهُم يسْتغفِرُونَ} فى طريقه إلى المدينة عند الهجرة، فهى مدينة، فإن المدنى ما نزل بعد الهجرة فى أى مكان، والمكى ما نزل قبلها كذلك، وهذه إشارة إلى أن سبب إمهالهم، وعدم إجابة دعائهم على أنفسهم بإمطار الحجارة، أو بعذاب غيره هو استغفار لهم، ولولاه ما أثبت النبى صلى الله عليه وسلم فيهم، بل يخرجه فيعذبهم، وكانوا يقولون: غفرانك اللهم، وكانوا يقولون بعد الفراغ من الطواف: غفرانك غفرانك، ويقولون: لبيك لا شريك لك، وقيل لما أمسوا ندموا على قولهم: {أية : اللهم إن كان هذا هو الحقَ} تفسير : فقالوا: غفرانك اللهم. وقال الضحاك: المستغفرون هم بقية المؤمنين فيهم بعد خروجه، حكم عليهم بالاستغفار، لأن فيهم من يستغفروهم بقية المؤمنين المستضعفة، وأن ذلك نزل فى مكة، وقيل عن الضحاك، وابن عباس، وأبى مالك: إن الضمير فى قوله: {وهم يستغفرون} لهؤلاء المؤمنين الباقين بمكة، ويضعفه أنه لم يجر لهم ذكر ولا ديليل عليهم سوى الاستغفار، وهو دليل ضعيف بالسياق السابق واللاحق، وبوجود الاستغفار من الكفر، وذكر أيضا عن ابن عباس ما ذكرته أولا، وذكر عنه، وعن مجاهد ما كان الله ليستأصلهم بالعذاب، وفيهم من سيسلم فيستغفر. فهذا الاستغفار من لوازم الإسلام ومسبباته، حتى أن بعضا فسر هذا الاستغفار بالإسلام، وفسره بعضهم بالصلاة، فلوجود من سيسلم فيهم حكم عليهم بالاستغفار من باب الحكم على المجموع، وبه قال الزجاج، وفيهم أبو سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام، وعن مجاهد: المستغفرون ذرية بعضهم، ونسب الاستغفار إليهم، لأن ذريتهم منهم، وعنه وعن عكرمة مولى ابن عباس، وعن قتادة لا أعذبهم وهم مستغفرون، أما إذا كانوا غير مستغفرين فسأعذبهم لأنهم غير مؤمنين، فضلا عن أن يستغفروا وهو قريب من قول بعضهم: إن ذلك جلب لهم إلى الإيمان، أى أطيعوا حتى لا أعذبكم، كقولك لعبدك: لا أعذبك وأنت تطيعنى، تريد منه أن يطيعك فينجو من عذابك، ويحتمله قوله تعالى: {أية : وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون}. تفسير : وعلى كل حال فجملة {وهم يستغفرون} حال، وهى حال مقدرة على القول بأن المعنى سيسلم بعضهم، و القول بأن المعنى تستخرج منهم ذرية مسلمة، وفى الحديث عن ابن عباس، وأبى موسى الأشعرى: "حديث : أن الله أنزل علىَّ أمانين لأمتى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة" تفسير : قيل: ما من أمة فيها خمسة عشر رجلا من المسلمين يستغفرون إلا رحم الله تلك الأمة.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبهُمْ وَأَنْت فِيهِمْ} مضت حكمة الله عز وجل أَلا يعذب أَمة عذاب الاستئصال الذى فى ضمن الإِمطار بالحجارة أَيا كان إِلا بعد إِخراج نبيها والمؤمنين تعظيماً لهم {وَمَا كَانَ اللهُ مُعْذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} كانوا يقولون اللهم غفرانك.. ويقولون فى الطواف: غفرانك.. و قيل: ندموا على قولهم فأَمطر علينا إِلخ.. فقالوا: اللهم غفرانك.. فنزل قوله تعالى "وما كان الله معذبهم" إِلخ.. كذلك.. وقيل: المراد استغفار المؤمنين الضعفاء المعذورين فى إِقامتهم معهم من الرجال والنساء والولدان بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم وغيره، وللجوار حرمة إِذ جاوروا من آمن، وقيل: المراد استغفار من فى أَصلابهم إِذا ولدوا وكبروا، وعليه مجاهد، وقيل: استغفار من سيؤمن كأَبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأَبى سفيان بن حرب والحارث بن هشام وحكيم بن حزام وصفوان بن أمية وعكرمة بن أَبى جهل وسهيل بن عمرو، والأَقوال الثلاثة ضعيفة تخالف ظاهر الآية.. وكذا القول بأَن المراد لا يعذبهم لو استغفروا حقيقة وآمنوا، وإِذ لم يفعلو فسيعذبهم كما سيأتى.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} جواب لكلمتهم الشنعاء وبيان لما كان الموجب لإمهالهم وعدم إجابة دعائهم الذي قصدوا به ما قصدوا، واللام هي التي تسمى لام الجحود ولام النفي لاختصاصها بمنفي كان الماضية لفظاً أو معنى، وهي إما زائدة أو غير زائدة والخبر محذوف، أي ما كان الله مريداً لتعذيبهم؛ وأياً ما كان فالمراد تأكيد النفي أما على زيادتها فظاهر وأما على عدم زيادتها وجعل الخبر ما علمت فلأن نفي إرادة الفعل أبلغ من نفيه، وقيل: في وجه إفادة اللام تأكيد النفي هنا أنها هي التي في قولهم: أنت لهذه الخطة أي مناسب لها وهي تليق بك، ونفي اللياقة أبلغ من نفي أصل الفعل ولا يخلو عن حسن وإن قيل: إنه تكلف لا حاجة إليه بعد ما بينه النحاة في وجه ذلك، وحمل غير واحد العذاب على عذاب الاستئصال، واعترض بأنه لا دليل على هذا التقييد مع أنه لا يلائمه المقام؛ وأجيب بمنع عدم الملاءمة، بل من أمعن النظر في كلامهم رآه مشعراً بطلب ذلك، والدليل على التقييد أنه وقع عليهم العذاب والنبـي صلى الله عليه وسلم فيهم كالقحط فعلم أن المراد به عذاب الاستئصال والقرينة عليه تأكيد النفي الذي يصرفه إلى أعظمه، فالمراد من الآية الإخبار بأن تعذيبهم عذاب استئصال، والنبـي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم خارج عن عادته تعالى غير مستقيم في حكمه وقضائه، والمراد بالاستغفار في قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أما استغفار من بقي بينهم من المؤمنين المستضعفين حين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي هذا عن الضحاك واختاره الجبائي، وقال الطيبـي: إنه أبلغ لدلالته على استغفار الغير مما يدفع به العذاب عن أمثال هؤلاء الكفرة، وإسناد الاستغفار إلى ضمير الجميع لوقوعه فيما بينهم ولجعل ما صدر عن البعض كما قيل بمنزلة الصادر عن الكل فليس هناك تفكيك للضمائر كما يوهمه كلام ابن عطية. وأما دعاء الكفرة بالمغفرة وقولهم غفرانك فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعاً من عذابه جل شأنه ولو من الكفرة، وروي هذا عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا: إن قريشاً لما قالوا ما قالوا ندموا حين أمسوا فقالوا: غفرانك اللهم، وأما التوبة والرجوع عن جميع ما هم عليه من الكفر وغيره على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } تفسير : [هود: 117] وروي هذا عن السدي وقتادة / وابن زيد، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كل من الأقوال الثلاثة، وأياً ما كان فالجملة الإسمية في موضع الحال إلا أن القيد مثبت على الوجهين الأولين منفي على الوجه الأخير، ومبني الاختلاف في ذلك ما نقل عن السلف من الاختلاف في تفسيره، والقاعدة المقررة بين القوم في القيد الواقع بعد الفعل المنفي، وحاصلها على ما قيل: إن القيد في الكلام المنفي قد يكون لتقييد النفي وقد يكون لنفي التقييد بمعنى انتفاء كل من الفعل والقيد أو القيد فقط أو الفعل فقط، وقيل: إن الدال على انتفاء الاستغفار هنا على الوجه الأخير القرينة والمقام لا نفس الكلام وإلا لكان معنى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهم} نفي كونه فيهم لأن أمر الحالية مشترك بين الجملتين، وأطال الكلام في نفي تساوي الجملتين سؤالاً وجواباً، ثم تكلف للتفرقة بما تكلف، واعترض عليه بما اعترض، والظاهر عندي عدم الفرق في احتمال كل من حيث إنه كلام فيه قيد توجه النفي إلى القيد. ومن هنا قال بعضهم: إن المعنى الأولى لو كنت فيهم لم يعذبوا كما قيل في معنى الثانية: لو استغفروا لم يعذبوا، ويكون ذلك إشارة إلى أنهم عذبوا بما وقع لهم في بدر لأنهم أخرجوا النبـي صلى الله عليه وسلم من مكة ولم يبق فيهم فيها إلا أن هذا خلاف الظاهر ولا يظهر عليه كون الآية جواباً لكلمتهم الشنعاء، وعن ابن عباس أن المراد بهذا الاستغفار استغفار من يؤمن منهم بعد، أي وما كان الله معذبهم وفيهم من سبق له من الله تعالى العناية أنه يؤمن ويستغفر كصفوان بن أمية وعكرمة بن أبـي جهل وسهل بن عمرو وأضرابهم، وعن مجاهد أن المراد به استغفار من في أصلابهم ممن علم الله تعالى أنه يؤمن، أي ماكان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر وهو كما ترى، ويظهر لي من تأكيد النفي في الجملة الأولى وعدم تأكيده في الجملة الثانية أن كون النبـي صلى الله عليه وسلم فيهم أدعى حكمة لعدم التعذيب من الاستغفار، وحمل بعضهم التعذيب المنفي في الجملة الثانية بناء على الوجه الأخير على ما عدا تعذيب الاستئصال، وحمل الأول: على التعذيب الدنيوي والثاني: على الأخروي ليس بشيء.
الواحدي
تفسير : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} وما كان الله ليعذِّب المشركين وأنت مقيمٌ بين أظهرهم؛ لأنَّه لم يعذِّب الله قريةً حتى يخرج النبيُّ منها والذين آمنوا معه {وما كان الله} معذِّبَ هؤلاء الكفَّار وفيهم المؤمنون {يستغفرون} يعني: المسلمين، ثمَّ قال: {وما لهم ألا يعذِّبهم الله} أَيْ: ولمَ لا يعذِّبهم الله بالسَّيف بعد خروج مَنْ عنى بقوله: {وهم يستغفرون} من بينِهم {وهم يصدون} يمنعون النبيِّ والمؤمنين {عن المسجد الحرام} أن يطوفوا به {وما كانوا أولياءه} وذلك أنَّهم قالوا: نحن أولياء المسجد، فردَّ الله عليهم بقوله: {إن أولياؤه إلاَّ المتقون} يعني: المهاجرين والأنصار {ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} غيبَ علمي وما سبق في قضائي. {وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاءً وتصديةً} أَيْ: صفيراً وتصفيقاً، وكانت قريش يطوفون بالبيت عُراةً يُصفِّرون ويُصفِّقون، جعلوا ذلك صلاةً لهم، فكان تَقرُّبُهم إلى الله بالصَّفير والصَّفيق {فذوقوا العذاب} ببدرٍ {بما كنتم تكفرون} تجحدون توحيد الله تعالى. {إنَّ الذين كفروا} نزلت في المُنفقين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيَّام بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلاً. قال تعالى: {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} بذهاب الأموال، وفوات المراد. {ليميز الله الخبيث من الطيب} أَيْ: إنما تحشرون إلى جهنَّم ليميِّز بين أهل الشَّقاوة، وأهل السَّعادة {ويجعل الخبيث} أَي: الكافر، وهو اسم الجنس {بعضه على بعض} يلحق بعضهم ببعض {فيركمه جميعاً} أَيْ: يجمعه حتى يصير كالسَّحاب المركوم ثمَّ {فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون} لأنَّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة. {قل للذين كفروا} أبي سفيان وأصحابه: {إن ينتهوا} عن الشِّرك وقتال المؤمنين {يغفر لهم ما قد سلف} تقدَّم من الزِّنا والشِّرك؛ لأنَّ الحربيَّ إذا أسلم عاد كَمِثْلِهِ يوم ولدته أمه {وإن يعودوا} للقتال {فقد مضت سنَّة الأولين} بنصر اللَّهِ رسلَه ومَنْ آمن على مَنْ كفر. {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} كفرٌ {ويكون الدين كله لله} لا يكون مع دينكم كفرٌ في جزيرة العرب {فإن انتهوا} عن الشِّرك {فإنَّ الله بما يعملون بصير} يُجازيهم مُجازاة البصير بهم وبأعمالهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (33) - وَمَا كَانَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ، وَلاَ مِنْ مُقْتَضَى رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَأنْتَ أيًُّها الرَّسُولُ فِيهِمْ، لأنَّ اللهَ إنَّمَا أرْسَلَكَ رَحْمَةً وَنِعْمَةً، لاَ عَذاباً وَنقْمَةً، وَأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ ألاّ يُعَذِّبَ المُكَذِّبِينَ إلاَّ بَعْدَ أنْ يَخْرُجَ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَظْهِرِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ جَريرٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ إلَى المَدِينَةِ، فَأَنْزَلَ تَعَالَى قَوْلَهُ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فَكَانَ قَدْ بَقِيَ فِي مَكَّةَ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنينَ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَلَمَّا خَرَجُوا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} فَأَذِنَ اللهُ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِفَتْحِ مَكَّةَ. (وَقِيلَ فِي مَعْنى: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} إِنَّ المُشْرِكينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالبيْتِ الحَرَامِ وَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، وَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ اللَّهُمَّ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأن سنة الله مع خلقه المكذبين للرسل، أنه سبحانه وتعالى قبل أن ينزل العذاب يخرج الرسول والمؤمنين به، مثال ذلك أمْره نُوحاً عليه السلام بأن يصنع السفينة؛ لينجو من الطوفان. وكل رسول لم تستجب أمته أصابها شيء من هذا، وعلى ذلك يخرج الرسول أولا، ثم ينزل الحق عذابه، كما أنه يقول سبحانه وتعالى موضحا فضل اللجوء إلى الله بالاستغفار: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]. وهم إن استغفروا الله فمعنى ذلك أنهم آمنوا به، ولكن الحق جاء بهذا القول ليدلهم على المنقذ الذي يخلص الإنسان منهم من جريمة الكفر، وفي ذلك رحمة منه سبحانه وتعالى، وكأنه يحضّهم على أن يستغفروا حتى لا ينزل بهم العذاب. ويرسم لهم وسيلة النجاة. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33]. وتسمى اللام في "ليعذبهم" بـ "لام الجحود"، نجحد أن يعذبهم الله وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن فوجود الرسول فيما بينهم أمر له تقدير خاص، أما هم فالحق تبارك وتعالى يقول بشأنهم: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]. وهكذا نرى الحقائق الإيمانية، فالنفس المؤمنة الصافية حين يكون لها عدو، ثم تحل بالعدو مصيبة، لا تأتي أبداً كلمة الشماتة على بال المؤمن، هذا هو الخلق الإيماني الذي قد يؤلمه مظهر الضعف والمهانة للعدو، فيضنّ الله على أن يعذب قوماً وفيهم من يستغفر، وكأنه يُوضَّح لنا: هب مسيئنا لمحسننا، أي أن يداري المحسن على المسيء. ولذلك نجد حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية صُدَّ عن البيت الحرام، وهذا الصد تسبب في أنهم يعقدون معه معاهدة هي صلح الحديبية، وكان هناك من المؤمنين من يعارض هذه المعاهدة، ومنهم من قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟. والقائل لذلك هو عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -، وفي التفاوض، جاء علي بن أبي طالب ليكتب المعاهدة وفي بدئها "هذا ما صالح عليه رسول الله" فاعترض المفاوض عن معسكر الشرك قائلاً: لو كنا مؤمنين بأنك رسول الله لما حاربناك، بل اكتب: "هذا ما تعاهد عليه محمد بن عبد الله"، فامتنع عليّ عن الكتابة، وقال: لا أكتبها إلا رسول الله. فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتبها كما يقولون لينهي الموقف، وليعطي معجزة، فينظر لعلي وهو مغتبط به، فيقول له: "اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد" ويتحقق ذلك بعد حياة النبي، وخلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ثم تجيء الخلافة لعلي وحدث فيها ما حدث. ويتحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد" تفسير : أي سيقفون منك موقفاً مثل هذا وسوف تقبله، ولما جاء الخلاف بين معاوية وجنوده، وبين علي وجنوده، أرادوا أن يوقعوا معاهدة فيما بينهم ليمنعوا النزاع بين المسلمين، فقال علي - كرم الله وجهه -: هذا ما تعاهد وتعاقد عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال المفاوض عن معاوية: لو كنت أميرا للمؤمنين أكنّا نحاربك؟، فتذكَّر علي كرم الله وجهه ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية: "حديث : أُكتب فإن لك مثلها..... إلخ ". تفسير : ومعنى ذلك أن السياسة تقتضي ألا تتجمد كمن يكون في قالب حديدي، بل تفترض السياسة فيمن يعمل بها شيئاً من الليونة وبعد النظر لتنتهي المواقف الصعبة؛ لأن كل طرف لو أصرّ على موقفه لما وقعت المعاهدة، وكانت معاهدة صلح الحديبية مطلوبة ومناسبة ليتفرغ المسلمون - بعد الأمن من قريش - للدعوة إلى منهج الله في الأرض، وهذا ما حدث خلال السنوات العشر التي تلت هذه المعاهدة، وانتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية، ومن بعدها إلى آفاق الأرض كلها. إذن فوليّ الأمر عليه أن يملك البصيرة التي لا تجعله جامداً، لأنه لو تجمد لأنهى الخير الموجود فيه وفي قومه، وهكذا أراد رسول الله أن يعلمنا عدم الجمود بصلح الحديبية على الرغم من أن بعض المسلمين ومنهم عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - قالوا: لا، علام نعطي الدنية في ديننا؟ وبعضهم قالوا متسائلين، بل وعاتبين: ألم تعدنا يا رسول الله أننا سندخل البيت الحرام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقلت لكم هذا العام؟. ولم ينتبه المسلمون حين سمعوا ذلك إلى أهمية أن تنضج القرارات السياسية لتأخذ طريقها إلى التنفيذ. وكادت الفُرقة أن تحدث بين المسلمين، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجه أم سلمة مكروباً. وقال لها: يا أم سلمة هلك المسلمون. أمرتهم فلم يمتثلوا. ونرى موقف أم سلمة رضي الله عنها وهي الزوجة الأمينة المشيرة الناصحة، لقد قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، لقد جاءوا وفي نيتهم أن يذهبوا إلى البيت الحرام بعد طول فرقة واشتياق، ثم حُرموا من ذلك وهم بمرأى من البيت، ولكن قم يا رسول الله فاعمد إلى ما أمرك الله به، ولا تقل لهم شيئاً، بل اذبح هديك، وهم إذا رأوك فعلت فَعَلوا. وبالفعل خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وذبح الهدي، وفعل المسلمون مثله. ونجد سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - يقول عن الحديبية: هي الفتح في الإسلام. وما كان فتح الحديبية، ولكن الناس لم تتسع ظنونهم إلى السر من الله. والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة عباده حتى تبلغ الأمور ما يراد لها. وقد كان المخالفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيورين على دينهم، على قدر علمهم لا علم الله. وشاء الحق تبارك وتعالى أن يبين لهم السبب في أنه لم يجعل من الحديبية أرض قتال أو التحام؛ فقال: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}تفسير : [الفتح: 25]. نعم فقد كان هناك مؤمنون ومؤمنات يختفون بين الكفار، فلم يكن في مكة قبل الفتح - حيّ للمسلمين الذين يخفون إيمانهم، وحيّ للكفار، بل كان الناس يسكنون معاً، فإذا ما قامت الحرب بين أهل مكة وبين الجيش القادم إلى الحديبية، لقتل المسلم أخاه المسلم الذي لم يعلن إسلامه، ولو أمكن التفريق بين المسلمين الذين لم يعلنوا إسلامهم وبين الكفار، لعذب الله الكفار بأيدي المؤمنين عذاباً أليماً. وهنا في هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]. ويعني بذلك أن بعضهم هو الذي يستغفر فيمنع الله عز وجل العذاب عن الكل، مثلما منع تعذيب الكافرين بصلح الحديبية؛ لأن هناك مؤمنين مستخفين فيما بينهم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الآية: 33] قال: وهم يسلمون. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شيبان عن منصور عن مجاهد: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الآية: 33]. قال: وهم يصلون. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِلاَّ مُكَآءً} [الآية: 35]. قال: هو إِدخالهم أَصابعهم في أَفواههم. يعني: التصفير و "التَّصْدِيةُ": التصفيق، يخلطون بذلك على النبي، صلى الله عليه وسلم، صلاته. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الآية: 36]. قال: هو نفقة أَبي سفيان على الكفار يوم أُحد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} معناه يصلُّونَ.
همام الصنعاني
تفسير : 1013- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}: [الآية: 33]، قَالَ: لَوْ أَرَادَ اللهُ أن يعذبهم، أخرجك منْ بين أظهرهم. 1014- {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}: [الآية: 33]، يقول: مَا كان الله معذبهم وهم لاَ يزال رجل منهم يتوب ويدخل في الإسلام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):