٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} المعنى: وما يمنعهم من أن يعذّبوا. أي إنهم مستحقون العذاب لما ٱرتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب؛ فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك نزلت: {أية : سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}تفسير : [المعارج: 1] وقال الأخفش: إنّ «أنْ» زائدة. قال النحاس: لو كان كما قال لرفع «يعذبهم». {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي إن المتقين أولياؤه.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ} وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون. {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وحالهم ذلك ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية. {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ} مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء. {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل الضميران {لِلَّهِ}. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن لا ولاية لهم عليه كأنه نبه بالأكثر أن منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم، أوقع الله بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد. وقال قتادة والسدي وغيرهما: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون لما عذبوا. واختاره ابن جرير، فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين لوقع بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْىَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح: 25]. قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلمبمكة، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال: وكان أولئك البقية من المسلمين الذين بقوا فيها مستضعفين، يعني: بمكة {يَسْتَغْفِرُونَ} فلما خرجوا، أنزل الله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ}، قال: فأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم. وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد نحو هذا، وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم، قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح عن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال في الأنفال: { وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، فنسختها الآية التي تليها: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ - إلى قوله - فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}، فقوتلوا بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي نميلة يحيى بن واضح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم استثنى أهل الشرك، فقال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} - وقوله - { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: وكيف لا يعذبهم الله، وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به؟ ولهذا قال: {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} أي: هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ كما قال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ } تفسير : [التوبة: 17-18]، وقال تعالى: {أية : وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 217]، الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا سليمان بن أحمد هو الطبراني، حدثنا جعفر بن إلياس بن صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبي مريم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولياؤك؟ قال: «حديث : كل تقي» تفسير : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ}. وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن عبد الله بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً، فقال: «حديث : هل فيكم من غيركم؟» تفسير : فقالوا: فينا ابن أختنا، وفينا حليفنا، وفينا مولانا، فقال: «حديث : حليفنا منا، وابن أختنا منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون» تفسير : ثم قال: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، وقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} قال: هم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا وحيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به، فقال: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}، قال عبد الله بن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحجر بن عنبس ونبيط بن شريط وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير، وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم، وقال السدي: المكاء: الصفير على نحو طير أبيض يقال له: المكاء، ويكون بأرض الحجاز {وَتَصْدِيَةً}، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب، يعني: ابن عبد الله الأشعري، حدثنا جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}، قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، والمكاء الصفير وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق، وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وكذا روي عن ابن عمر ومجاهد ومحمد بن كعب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وحُجْر بن عنبس وابن أبزَى نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا أبو عمر حدثنا قرة عن عطية عن ابن عمر في قوله: { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} قال: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه، وعن ابن عمر أيضاً أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه. وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال، قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين، وعن سعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد: {وَتَصْدِيَةً} قال: صدهم الناس عن سبيل الله عز وجل. قوله: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}، قال الضحاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، واختاره ابن جرير، ولم يحك غيره، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَ}ن {لا يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ } بالسيف بعد خروجك والمستضعفين، وعلى القول الأوّل هي ناسخة لما قبلها، وقد عذَّبهم الله ببدر وغيرها {وَهُمْ يَصُدُّونَ } يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أن يطوفوا به {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ } كما زعموا {أن} ما {أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن لا ولاية لهم عليه.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ } لما بيّـن سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار. ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الكفار، أعني: كفار مكة، مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح. والمعنى: أيّ شيء لهم يمنع من تعذيبهم؟ قال الأخفش: إن «أن» زائدة. قال النحاس: لو كان كما قال لرفع {يعذبهم}، وجملة: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } في محل نصب على الحال، أي وما يمنع من تعذيبهم؟ والحال أنهم يصدّون الناس عن المسجد الحرام، كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من البيت، وجملة {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ} في محل نصب على أنها حال من فاعل {يَصِدُّونَ }، وهذا كالردّ لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت، وأن أمره مفوّض إليهم، ثم قال مبيناً لمن له ذلك: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } أي: ما أولياؤه إلا من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون. قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } المكاء: الصفير من مكا يمكو مكاء، ومنه قول عنترة:شعر : وخليل غانية تركت مجندلا تمكو فريصته كشدق الأعلم تفسير : أي: تصوّت. ومنه مكت است الدابة: إذا نفخت بالريح، قيل المكاء: هو الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر:شعر : إذا غرّد المكاء في غير دوحة فويل لأهل الشاء والحمرات تفسير : والتصدية: التصفيق، يقال صدّى يصدّى تصدية: إذا صفق، ومنه قول عمر بن الإطنابة:شعر : وظلوا جميعاً لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصدية تفسير : أي بالتصفيق. وقيل المكاء: الضرب بالأيدي، والتصدية: الصياح. وقيل المكاء: إدخالهم أصابعهم في أفواههم، والتصدية: الصفير. وقيل التصدية: صدّهم عن البيت. قيل: والأصل على هذا تصددة، فأبدل من إحدى الدالين ياء. ومعنى الآية: أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة، فوضعوا ذلك موضع الصلاة، قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة. وقرىء بنصب "صلاتهم" على أنها خبر كان، وما بعده اسمها. قوله: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديداً لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم، والمراد به: عذاب الدنيا كيوم بدر وعذاب الآخرة. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } لما فرغ سبحانه من شرح أحوال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية، أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية. والمعنى: أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصدّ عن سبيل الحق، بمحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع الجيوش لذلك، وإنفاق أموالهم عليها، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب. فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش، ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز فقال: {فَسَيُنفِقُونَهَا } أي: سيقع منهم هذا الإنفاق {ثُمَّ تَكُونُ } عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم حسرة عليهم، وكأن ذات الأموال تنقلب حسرة تصير ندماً. {ثُمَّ } آخر الأمر {يُغْلَبُونَ } كما وعد الله به في مثل قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21]. ومعنى {ثُمَّ } في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور، وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة، ثم قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } أي: استمرّوا على الكفر، لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقاً من أسلم وحسن إسلامه، أي يساقون إليها لا إلى غيرها. ثم بيّن العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعله فقال: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ } أي: الفريق الخبيث من الكفار {مِنْ } الفريق {ٱلطَّيّبِ } وهم المؤمنون {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ } أي: يجعل فريق الكفار الخبيث بعضه على بعض {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } عبارة عن الجمع والضم، أي يجمع بعضهم إلى بعض، ويضمّ بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم. يقال ركم الشيء يركمه: إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الفريق الخبيث {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي: الكاملون في الخسران. وقيل: الخبيث والطيب: صفة للمال، والتقدير يميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون من المال الطيب الذي أنفقه المسلمون، فيضمّ تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض، فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها، كما في قوله تعالى: {أية : فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ }تفسير : [التوبة: 35]. قال في الكشاف: واللام على هذا متعلقة بقوله: {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً }، وعلى الأوّل بـ {يحشرون}، و {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الذين كفروا. انتهى. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } ثم استثنى أهل الشرك فقال {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ }. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ } قال: عذابهم فتح مكة. وأخرج ابن إسحاق، وأبو حاتم، عن عباد بن عبد الله بن الزبير {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ } وهم يجحدون بآيات الله ويكذبون رسله. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } أي: من آمن بالله وعبده، أنت ومن اتبعك {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده، أي أنت ومن آمن بك. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } قال: من كانوا حيث كانوا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير، قال: كانت قريش يعارضون النبيّ صلى الله عليه وسلم في الطواف، ويستهزئون ويصفرون ويصفقون، فنزلت: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء عن ابن عباس، قال: كانت قريش يطوفون بالكعبة عراة تصفر وتصفق، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } قال: والمكاء الصفير، إنما شبهوا بصفير الطير، وتصدية: التصفيق وأنزل الله فيهم: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأعراف: 32]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، نحوه. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عنه نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عمر قال: المكاء الصفير، والتصدية: التصفيق. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: المكاء إدخال أصابعهم في أفواههم، والتصدية الصفير، يخلطون بذلك كله على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ: قال: المكاء الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز، والتصدية: التصفيق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {إِلاَّ مُكَاء } قال: كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهنّ {وَتَصْدِيَةً } قال: صدّهم الناس. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال. وهو قوله: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً } فالمكاء مثل نفخ البوق، والتصدية: طوافهم على الشمال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك في قوله: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } قال: يعني أهل بدر عذبهم الله بالقتل والأسر. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، كلهم من طريقه، قال: حدّثني الزهري، ومحمد بن يحيـى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحسين بن عبد الرحمن بن عمرو قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم، فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينوا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثاراً. ففعلوا، ففيهم كما ذكر ابن عباس، أنزل الله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } إلى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي سفيان بن حرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد نحوه. وأخرج هؤلاء وغيرهم عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحكم بن عتيبة، في الآية قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهب. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن شمر بن عطية، في قوله: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } قال: يميز يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } قال: يجمعه جميعاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ البَيتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} في المكاء قولان: أحدهما: أنه إدخال أصابعهم في أفواههم، قاله مجاهد. والثاني: هو أن يشبك بين أصابعه ويصفر في كفه بفيه فيكون المكاء هو الصفير، ومنه قول عنترة: شعر : وحليل غنيةٍ تركت مُجدّلا تمكو فريصته بشدق الأعلم تفسير : أي تصفر بالريح لما طعنته. وأما التصدية ففيها خمسة أقاويل: أحدهما: أنه التصفيق، قاله ابن عباس وابن عمر والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ومنه قول عمرو بن الإطنابة: شعر : وظلواْ جميعاً لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصدية تفسير : والثاني: أنه الصد عن البيت الحرام، قاله سعيد بن جبير وابن زيد. والثالث: أن يتصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله، ويصفر له إن غفل عنه، قاله بعض المتأخرين. الرابع: أنها تفعلة من صد يصد، وهو الضجيج، قاله أبو عبيدة. ومنه قوله تعالى: {أية : إِذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ} تفسير : [الزخرف: 57] أي يضجون. الخامس: أنه الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله، قاله ابن بحر. فإن قيل: فلم سمَّى الله تعالى ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتصدية صلاة وليس منها؟ قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أنهم كانوا يقيمون التصفيق والصفير مقام الدعاء والتسبيح فجعلوا ذلك صلاة وإن لم يكن في حكم الشرع صلاة. والثاني: أنهم كانوا يعملون كعمل الصلاة. {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ} فيه قولان: أحدهما: عذاب السيف يوم بدر، قاله الحسن الضحاك وابن جريج وابن إسحاق. والثاني: أنه يقال لهم في الآخرة {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ} وفيه وجهان: أحدهما: فالقوا. الثاني: فجربوا. وحكى مقاتل في نزول هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام قام من كفار بني عبد الدار بن قصي رجلان عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم يصفران كما يصفر المكاء والمكاء طائر، ورجلان منهم عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا عليه صلاته وقراءته، فنزلت هذه الآية فيهم.
الخازن
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وما لهم ألا يعذبهم الله} يعني أي شيء يمنعهم من أن يعذبهم يعني بعد خروجك من بين أظهرهم، لأنه سبحانه وتعالى بيَّن في الآية الأولى أنه لا يعذبهم وهو مقيم فيهم بين أظهرهم وبيَّن في هذه الآية أنه معذبهم. ثم اختلفوا في هذا العذاب فقيل: هو القتل والأسر يوم بدر. وقيل: أراد به عذاب الآخرة. وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال وأراد بالعذاب الثاني: العذاب بالسيف. وقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الدنيا وبهذا العذاب عذاب الآخرة. وقال الحسن: الآية الأولى وهو قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم منسوخة بقوله وما لهم ألا يعذبهم الله وفيه بعد لأن الاخبار لا يدخلها النسخ ثم بين ما لأجله يعذبهم فقال تعالى: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} يعني وهم يمنعون المؤمنين عن الطواف بالبيت وذلك حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية {وما كانوا أولياءه} قال الحسن: كان المشركون يقولون نحن أولياء المسجد الحرام فرد الله عليهم بقوله وما كانوا أولياءه يعني ليسوا أولياء المسجد الحرام {إن أولياؤه إلا المتقون} يعني المؤمنين الذين يتقون الشرك {ولكن أكثرهم} يعني المشركين {لا يعلمون}.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَن لا يُعَذّبْهُمُ ٱللَّهُ} بـيانٌ لاستحقاقهم العذابَ بعد بـيانِ أن المانعَ ليس من قِبَلهم، أي وما لهم مما يمنع تعذيبَهم متى زال ذلك وكيف لا يعذّبون {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي وحالُهم ذلك، ومِنْ صدّهم عنه إلجاءُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة وإحصارُهم عام الحديبـية {وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ} حالٌ من ضمير يصدون مفيدةٌ لكمال قُبحِ ما صنعوا من الصد فإن مباشرتَهم للصد عنه مع عدم استحقاقِهم لولاية أمرِه في غاية القُبح وهو ردٌّ لما كانوا يقولون: نحنُ ولاةُ البـيتِ والحرم فنصد من نشاء ونُدخِل من نشاء {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} من الشرك الذين لا يعبُدون فيه غيرَه تعالى {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه لا ولايةَ لهم عليه، وفيه إشعارٌ بأن منهم من يعلم ذلك ولكنه يعاند، وقيل: أريد بأكثرهم كلُّهم كما يراد بالقلة العدم {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ} أي دعاؤهم أو مايسمونه صلاةً أو ما يضعون موضعها {إِلاَّ مُكَاءً} أي صفيراً فُعال من مكا يمكو إذا صفر وقرىء بالقصر كالبُكى {وَتَصْدِيَةً} أي تصفيقاً، تفعِلةً من الصَّدَى أو من الصدّ على إبدال أحدِ حرفي التضعيف بالياء، وقرىء صلاتَهم بالنصب على أنه الخبرُ لكان، ومساقُ الكلام لتقرير استحقاقِهم العذابَ أو عدمِ ولايتِهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاتُه. رُوي أنهم كانوا يطوفون عراةً الرجالُ والنساء مشبكين بـين أصابعِهم يصفرون فيها ويصفقون وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبـي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلِطون عليه ويُرَون أنهم يصلون أيضاً {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي القتلَ والأسرَ يوم بدرٍ وقيل: عذابَ الآخرة، واللامُ يحتمل أن تكون للعهد والمعهودُ ائتنا بعذاب أليم {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} اعتقاداً وعملاً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} نزلت في المطعِمين يوم بدر( وكانوا اثنيْ عشَرَ رجلاً من قريش يُطعم واحد منهم كلَّ يوم عشْرَ جُزُرٍ، أو في أبـي سفيان استأجر ليوم أحُد ألفين سوى من استجاش من العرب وأنفق فيهم أربعين أوقيةً أو في أصحاب العِير فإنه لما أصيب قريش يوم بدر قيل لهم: أعينوا بهذا المالِ على حرب محمد لعلنا ندرك ثأرَنا منه ففعلوا والمرادُ بسبـيل الله دينُه واتباعُ رسوله {فَسَيُنفِقُونَهَا} بتمامها، ولعل الأول إخبارٌ عن إنفاقهم في تلك الحالِ وهو إنفاقُ يوم بدرٍ، والثاني إخبارٌ عن إنفاقهم فيما يُستقبل وهو إنفاقُ يوم أحدٍ، ويحتمل أن يُرادَ بهما واحدٌ على مساق الأول لبـيان الغرضِ من الانفاق، ومساق الثاني لبـيان عاقبتِه وأنه لم يقع بعد {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} ندماً وغماً لفواتها من غير حصول المقصودِ، جُعل ذاتُها حسرة وهي عاقبةُ إنفاقها مبالغةً {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} آخرَ الأمر وإن كان الحربُ بـينهم سجالاً قبل ذلك {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي تموا على الكفر وأصروا عليه {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} أي يساقون لا إلى غيرها.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ}. نَفَى العذابَ عنهم في آية، وأَثْبَتَه في آية، فالمنفيُّ في الدنيا والمثْبَتُ في الآخرة. ثم بيَّنَ إيصالَ العذاب إليهم في الآخرة بقوله تعالى: {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} دليل الخطاب أن إعانة المسلمين على ما فيه قيام بحق الدين يوجب استحقاق القربة والثواب. وفي الآية دليلٌ على أنه لا يعذِّب أولياءه بقوله: {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} فإذا عذَّبَ مَنْ يكونوا أولياءَه دلَّ على أنه يعذِّب من كان من جملة أوليائه. والمؤمنون كلُّهم أولياءُ الله لأنه قال: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [البقرة: 257]. والمؤمِنَ - وإنْ عذِّب بمقدار جُرْمِه زماناً فإنه لا يُخَلَّد في دار العقوبة، فما يُقاسون بالإضافة إلى تأبيد الخَلاصِ جَلَلٌ، وقيل: شعر : إذا سَلِمَ العهدُ الذي كان بيننا فوُدِّي وإنْ شطَّ المزار سليمُ تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. وليس أولياؤه إلا المتقون، وهم الذين اتقوا الشِّرك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما لهم أَلا يعذبهم الله} اى أى شيء حصل لهم فى انتفاء العذاب عنهم يعنى لاحظ لهم فى ذلك وهم معذبون لا محالة بعد زوال المانع والموجب لامهالهم وهما الامران المذكوران وكيف لا يعذبون {وهم} اى والحال انهم {يصدون} يمنعون الرسول والمؤمنين {عن المسجد الحرام} اى عن طواف الكعبة شرفها الله كما وقع عام الحديبية ومن صدهم عنه الجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الهجرة وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فرد الله عليهم بقوله {وما كانوا اولياءه} اى مستحقين ولاية امر المسجد الحرام مع شركهم {إن أولياؤه إلا المتقون} من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره {ولكن اكثرهم لا يعلمون} ان لا ولاية لهم عليه. وفيه اشعار بان منهم من يعلم ذلك ولكنه يعاند وقيل اريد باكثرهم كلهم كما يراد بالقلة العدم. وفى التأويلات {إِن أولياؤه إلا المتقون} فيه اشارة الى ان الولى هو المتقى بالله عما سواه {ولكن أَكثرهم لا يعلمون} اى ولكن الاكثرين من الاولياء لا يعلمون انهم اولياء الله
الطوسي
تفسير : {ما} في قوله {وما لهم أن لا يعذبهم الله} خرجت مخرج الاستفهام ومعناه إيجاب العذاب، وجاز ذلك، لأنه ابلغ في معنى الايجاب، من حيث انه لا جواب - لمن سأل عن مثل هذا - يصح في نفي العذاب، والمعنى لم لا يعذبهم وهذا فعلهم. وموضع {أن} نصب بمعنى أي شيء لهم في أن لا يعذبهم، لكن لما حذف الجار عمل معنى الفعل من الاستقرار، وجاز الحذف مع {أن} ولم يجز مع المصدر لطول {أن} بالصلة اللازمة من الفعل والفاعل، وليس كذلك المصدر. وحكي عن الاخفش ان {أن} زائدة مع عملها. وقوله {وهم يصدون عن المسجد} والصد المنع، والصد الاعراض عن الشيء من غير حيلولة بينه وبين غيره والمراد ها هنا المنع. وقوله: {وما كانوا أولياءه} جمع ولي وهو الذي يستحق القيام بأمر الشيء ويكون احق به من غيره، فعلى هذا الله تعالى ولي المتقين دون المشركين. وقال ابو جعفر عليه السلام والحسن قال المشركون: نحن اولياء المسجد، فرد الله ذلك عليهم، فقال {وما كانوا أولياءه}. ثم اخبر الله تعالى {إن أولياؤه} بمعنى ليس أولياء المسجد إلا المتقون الذين يتركون معاصي الله ويجتنبونها. وقال قوم: المعنى إن اولياء الله إلا المتقون والاول احسن: لانه مما يقتضيه الانكار. وقيل في معنى {لا} قولان: احدهما - ان معناها الجحد اي ما لهم في الامتناع من العذاب. وقيل هي صلة، لان المعنى ايجاب العذاب، كما قال الشاعر: شعر : لو لم تكن غطفان لادنوت لها إذن للام ذووا احسابها عمرا تفسير : والاول احسن، لأن المعنى لم لا يعذبهم الله. فان قيل: كيف تجمعون بين الآيتين على قول من لا ينسخ الاولى، فان في الاولى نفى ان يعذبهم الله وهم يستغفرون وفي الثانية اثبت ذلك؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: احدها - ان يكون أراد وما لهم ان لا يعذبهم الله في الآخرة. والثاني - ان يكون يعني بالاولى عذاب الاستئصال كما فعل بالامم الماضية وبالثانية اراد عذاب السيف والاسر وغير ذلك ويكون قوله {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} اي انه لا يعذبهم بعذاب الدنيا، والآخرة إذا تابوا واستغفروا. الثالث - أنه لا يعذبهم ما دام النبي فيهم وما داموا يستغفرون وإن كانوا يستحقون العذاب بكفرهم وعنادهم. وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} دليل على بطلان قول من قال المعارف ضرورة.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} يعنى انّ امهال الله ايّاهم ليس بسببٍ من انفسهم بل ليس من قبل انفسهم الاّ استحقاق العذاب {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} يعنى يمنعون النّاس عن البقعة المخصوصة او عن نبوّة النّبىّ (ص) ويمنعون النّاس فى العالم الصّغير عن الدّخول فى المسجد الحرام الّذى هو الصّدر المتّصل بالقلب او يعرضون، وعلى هذا ان كان النّزول خاصّاً فالمقصود عامّ يشمل الامّة المنافقة المنحرفة الى انقراض العالم {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} كما يفتخرون بأنّهم اولياء البيت وكما افتخروا بأنّهم اولياء محمّد (ص) وغصبوا حقّ علىّ (ع) {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} بالتّقوى العامّة او الخاصّة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} معنى ولاية البيت وانّ ولاية البيت مخصوصة بمن اتّقى عن الشّرك واتّباع النّفس وهواها.
الأعقم
تفسير : {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} المؤمنون يعني البيت حيث كانوا وأين كانوا {وما كان صلاتهم عند البيت إلاَّ مكاء وتصدية}، قيل: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق. {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} الآية نزلت في المطعمين ببدر وكانوا اثني عشر رجلاً من رؤساء قريش منهم: أبو جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، والنضر بن الحرث، وأبي بن خلف، وربيعة بن الأسود، والحرث بن عمرو بن نوفل {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} فلا ينصرون {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} يجمعون إلى النار {ليميز الله الخبيث من الطيب} أي الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين، وقيل: يميز في الدنيا بالغلبة والنصر وفي الآخرة بالثواب والجنة {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} يعني الكفار يجمعهم في جهنم، وقيل: يجمعون وما انفقوا فيدخلون جهنم {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} الآية نزلت في أبي سفيان وأصحابه، وقيل: هو عام {وإن يعودوا} إلى الكفر وقتال المسلمين {فقد مضت سنة الأولين} في نصرة الدين وإهلاك الكفر {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} يعني الا أن لا يوجد فيهم شرك قط {وان تولوا فاعلموا أن الله مولاكم} أي ناصركم ومعينكم {نعم المولى ونعم النصير} الناصر.
الهواري
تفسير : يقول الله: { وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم الذين لا يؤمنون. قال الحسن:{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} أي: حتى يخرجك من بين أظهرهم. وقد قضى الله أنه إذا أهلك قوماً نجّى المؤمنين. {وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: لا يزال منهم مستغفر يستغفر من الشرك ويدخل في الإيمان. ولا يعذب الله قوماً حتى يبلغوا الحدَّ الذي لا يؤمن منهم أحد. وقال بعضهم: {وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} أي: يعملون عمل الغفران. قال: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدَّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [زعم المشركون أنهم أولياء المسجد الحرام فقال الله: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المُتَّقُونَ}. أي: من كانوا وأين كانوا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: إن القوم لم يكونوا يستغفرون، أي يعملون عمل الغفران؛ ولو عملوا عمل الغفران ما عذبوا. وكان بعض أهل العلم يقول: هما أمانان أنزلهما الله. أما أحدهما فمضى، وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم. وأما الآخر فأبقاه الله رحمة: هذا الاستغفار. وذكر بعض أهل العلم قال: ما من أمة يكون فيها خمسة عشر رجلاً من المسلمين يستغفرون الله إلا رحم الله تلك الأمة بهم. ذكروا عن رجل من المهاجرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : استغفروا الله وتوبوا إليه، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة
اطفيش
تفسير : {وما} نافية أو استفهامية إنكارية {لَهم} خبر ومبتدؤه المصدر من قوله {ألاَّ يُعذِّبُهم اللهُ} أو لهم نابت عن فعل أو وصف رافع المكتفى به عن الخبر، والمصدر فاعل، وذلك على النفى، وأما على الاستفهام فما مبتدأ ولهم خبر، وألا يعذبهم الله حال على تأويل غير تعذيبهم الله، وتأويل هذا بغير معذبهم الله، أو بغير ذى تعذيبهم الله، وقيل: إن زائدة عملت، والجملة حال وهو قول الأخفش، ورد بأن الأصل الزيادة، وأن الزيادة لا يعمل إلا إن اختص كالياء الزائدة، عملت الجر فى الاسم لاختصاصها بها، وأن لا تختص بالفعل فقد دخلت على الحرف فى قوله: شعر : فأمهله حتى إذا إن كأنه معاطى يد فى لجة الماء غامر تفسير : وقوله: شعر : فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لكم يوم من الشر مظلم تفسير : وعلى الاسم فى قوله: شعر : * كأن ظبية تعطو إلى وارف السلم * تفسير : فى رواية جر ظبية، ويجوز تقدير الجار أى ومالهم فى أن لا يعذبه وهو مختار ابن هشام، وقال الطبرى: المعنى ما يمنعهم من أن يعذبوا فقدر من وعلقها بمالهم لتضمنه ما يمنعهم، وجعل لا زائدة، وقيل: ما منعهم من أن يعذبوا، وجعل المصدر مفعولا لما لهم، ولا يرد عليهما أن الجار والمجرور لا يعمل فى المفعول كما قال ابن هشام، لأن العامل الجملة، وعلى كل حال فالمعنى ما لهم أن لا يعذبهم الله إذا خرجت من بين أظهرهم أنت وجميع المؤمنين، أو إذا تركوا الاستغفار، أو إذا أسلم من يسلم منهم، أو إذا أخرجت الذرية المسلمة منهم، أى هم أهل لذلك سواء فعل بهم ذلك أم لا، فتراهم قتلوا يوم بدر، ولم يستأصلوا لحضور عكرمة بن أبى جهل وغيره ممن سيؤمن. وعن بعضهم: لما خرج المؤمنون والنبى من بين أظهرهم، عذبوا بفتح مكة، وقيل: هذا العذاب القتل والأسر يوم بدر، على أنه ليس المراد: وما لهم أن لا يعذبهم عذاب استئصال، ولو كان هو المراد بالعذاب الأول فى أحد الأوجه، وقيل: هذا العذاب عذاب الآخرة والأول عذاب الدنيا. وقال ابن إسحاق: قوله: {وما كان الله ليعذبهم} إلى {يستغفرون} من مقول المشركين على طريق الالتفات فى ضمير الغيبة والتصرف فى الكلام فى قوله: {وأنت} والأصل ما كان الله ليعذبنا وأنت فينا، وما كان الله معذبنا ونحن نستغفر، اعتقدوا أن لا تعذب أمة ونبيها فيها، ولا تعذب وهى تستغفر، أى إن صدقت فى ادعائك النبوة، فهذان مانعان من عذابنا، فحكى الله قولهم ذلك تقبيحا عليهم، ورد عليهم بقوله: {وما لهم أن لا يعذبهم} الخ، أى هم أحقاء بأن بعذبوا، ولو كنت فيهم وكانوا مستغفرين، لأنهم غير مخلصين فى استغفارهم بأن يصيبهم العذاب دونك، ولكن قضينا أن لا نعذبهم. بل نمهلهم على عادتنا فى الإمهال، وقال الحسن: {وما كان الله ليعذبهم} إلى {يستغفرون} منسوخ بقوله: {وما لهم أن لا يعذبهم} الخ، ويرده ان الإخبار لا يدخله النسخ لاستلزام نسخة الكذب. {وهُم يَصدُّونَ} الناس {عَنِ المسْجِد الحَرَامِ} وذلك أنهم ألجئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين إلى الهجرة، فبعدوا عن المسجد الحرام، ولم يجدوا الوصول إليه بهم وأحصروهم عام الحديبية، وكانوا يقولون: نحن ولات البيت الحرام، نصد من نشاء، وندخل من نشاء، فأنزل الله رداً عليهم قوله: {وما كانُوا أوْلياءَهُ} أى أولياء المسجد الحرام، فإذا لم يكونوا أولياءه فليسوا أيضا بأولى بالحرم على الإطلاق، لأن المسجد داخل الحرم، فليس لهم أن يمنعوا مريد دخول الحرم لدخول المسجد، وقيل: الضمير لله، والمصدق واحد، فإن من لم يكن وليا لله لا يكون وليا لبيته ومسجده. {إنْ أوْلياؤه} أى أولياء المسجد أو الله {إلا المتَّقُون} للشرك وكبائر النفاق، فليس يكون الموحد وليا له ولا لمسجده، إلا إن كان برا تقيا، فكيف بالمشرك المعادى للدين أن يكون والى أمره، وعن الكلبى، وابن عباس أيضا: نزل ذلك فى شأن الحارث بن عامر بن نوفل، إذ أمره صلى الله عليه وسلم بالإيمان فقال: إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، وإن تركنا هنا لأن على دين هؤلاء ولو خرجنا عنه لأخرجونا، فأنزل الله كيف أعذبهم إن آمنوا وأنت فيهم وهم مستغفرون، وإنما أعذبهم إن لم يفعلوا. {ولكنَّ أكْثرهُم لا يعْلَمونَ} أنهم ليسوا أولياءه، وإنما قال: {أكثرهم} لأن فيهم قليلا يعلمون أنهم ليسوا أولياءه، وعاندوا طلبا للرياسة، أو لأن فيهم من جنح إلى الإيمان وعلم ذلك، ولكن لم يخلص إيمانه، أو لأن فيهم من أسلم وأخفى السلامة، فكان بصورة مشرك فجاء لفظ الأكثر باعتبار صورته، وقد قيل بهذين الوجهين فى العباس وأم الفضل وغيرهما، وقيل: المراد الكل بالأكثر، كما يراد بالقلة العدم، قال سيبويه: تقول العرب: قَلَّ من يثول كذا، وهى تريد أن لا أحد يقوله.
اطفيش
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبهُمُ اللهُ} فى أَلا يعذبهم، والعذاب لازم عدم الهداية ومسببه أَو لاحظ لهم فى انتفاء التعذيب، وهذا حسب الظاهر مناقض لقوله "أية : وما كان الله معذبهم" تفسير : [الأَنفال: 33] فيجاب بأَن المراد وما لهم أَلا يعذبهم إِذ أَزال الاستغفار، لا كما قيل إِن هذا ناسخ إِذ لا نسخ فى الإِخبار، وإِنما يكون فى الأَحكام مع ما فى تضمن المنسوخ هنا من الخفاء، وإِنما المعنى أَن لا يعذبهم لولا استغفارهم، أَو هذا رد لقولهم: لا يعذبنا الله، لأَنا أَهل بيته وحرمه، وقيل: هذا فى عذاب الآخرة، وما مر فى عذاب الدنيا، وهو غير متبادر، وما استفهامية أَو نافية، أَى ليس لهم انتفاء التعذيب {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ} من أَراد الصلاة فيه والطواف وقراءَة القرآن والذكر والتوحيد ورفض الأَصنام حتى كان المؤمنون فى دار الأَرقم، وحتى هاجروا إِلى الحبشة والمدينة، ومنعوهم عام الحديبية من العمرة هم أَهل لأَن يعذبهم الله، ولكن لم يعذبهم لكونك فيهم، وللاستغفار، أَو ما لهم أَلا يعذبهم الله بالسيف: إِذا خرجت أَنت والمستضعفون عذبهم فى بدر لو تزيلوا لعذبنا.. الخ.. قاتلوهم يعذبهم الله بأَيديكم، وهذا بالسيف، وقوله "أية : وما كان الله ليعذبهم" تفسير : [الأَنفال: 33] عذاب استئصال بغير السيف، فلا منافاة. وزعم بعض أَن هذا ناسخ للأَول على أَن الأَول يعم السيف وغيره، ويجوز على بعد أَن يكون معنى قوله "أية : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون" تفسير : [الأَنفال: 33] ما كان معذبهم لو استغفروا كقوله تعالى "أية : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأَهلها مصلحون" تفسير : [هود: 117] ووجه البعد منافاته للظاهر، ولقوله "أية : وما كان ليعذبهم وأَنت فيهم"تفسير : [الأَنفال: 33] لأَنه يوهم أَنهم إِذا لم يستغفروا يعذبون، ولو كان النبى صلى الله عليه وسلم فيهم، ومع ذلك البعد رجحة غير واحد وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت الحرام وولاة أَمر الله فيه فنصد من نشاء وندخل من نشاء.. فنزل قوله تعالى {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} أَولياءَ الله، أَو أَولياءَ المسجد الحرام، ويرجح الأَول قوله تعالى {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ} المتقون للشرك أَو لعذاب الله فإِن ولى الله هو الموحد له، وعلى أَن الهاءَ للمسجد يكون المعنى وما كانوا أَولياء المسجد الحرام بالاستحقاق لشركهم وللصد عنه ومعاداة أَولياءَ الله سبحانه بل تولوه لحكمة الله وقضائه وما أَولياؤه بالاستحقاق إِلا المتقون.. {وَلَكِنَّ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أَنه لا ولاية لهم، وقليل علموا أَو جحدوا، أَو الأَكثر بمعنى الكل.
الالوسي
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ} أي أي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم أي لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة إذا زال المانع وكيف لا يعذبون {وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} أي وحالهم الصد عن ذلك حقيقة كما فعلوا عام الحديبية وحكماً كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى ألجأوهم للهجرة، ولما كانت الآيتان يتراءى منهما التناقض زادوا في التفسير إذا زال ليزول كما ذكرنا، وأنت تعلم أنه إذا حمل التعذيب في كل على تعذيب الاستئصال احتيج إلى القول بوقوعه بعد زوال المانع وهو خلاف الواقع، وقال بعضهم في دفع ذلك: إن التعذيب فيما مر تعذيب الاستئصال وهنا التعذيب بقتل بعضهم، ونقل الشهاب عن الحسن والعهدة عليه أن هذه نسخت ما قبلها، والظاهر أنه أراد النفيين السابقين، والذي في «الدر المنثور» أنه وكذا عكرمة والسدي قالوا: إن قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } تفسير : [الأنفال: 33] منسوخ بهذه الآية، وأياً ما كان يرد عليه أنه لا نسخ في الأخبار إلا إذا تضمنت حكماً شرعياً، وفي تضمن المنسوخ هنا ذلك خفاء، وقال محمد بن إسحق: إن الآية الأولى متصلة بما قبلها على أنها حكاية عن المشركين فإنهم كانوا يقولون: إن الله تعالى لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب سبحانه أمة ونبيها معها فقص الله تعالى ذلك على نبيه صلى الله عليه وسلم مع قولهم / الآخر فكأنه قيل: وإذ قالوا اللهم الخ وقالوا أيضاً: كيت وكيت ثم رد عليهم بقوله سبحانه: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ ٱللَّهُ} على معنى أنهم يعذبون وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون، وفيه أن وقوع ذلك القول منهم في غاية البعد مع أن الظاهر حينئذ أن يقال: ليعذبنا ومعذبنا ونحن نستغفر ليكون على طرز قولهم السابق، وأيضاً الأخبار الكثيرة تأبى ذلك، فقد أخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان فيكم إمامان مضى أحدهما وبقي الآخر وتلا {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 33] الخ. وجاء مثل ذلك عن ابن عباس وأبـي موسى الأشعري، وأخرج أبو داود والترمذي في «الشمائل» والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عليه الصلاة والسلام فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم سجد فلم يكد يرفع ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك ثم نفخ في آخر سجوده ثم قال: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفرك ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد انمحصت الشمس» وذهب الجبائي إلى أن المنفي فيما مر عذاب الدنيا وهذا العذاب عذاب الآخرة أي أنه يعذبهم في الآخرة لا محالة وهو خلاف سياق الآية، {وَمَا} على ما عليه الجمهور وهو الظاهر استفهامية، وقيل: إنها نافية أي ليس ينفي عنهم العذاب مع تلبسهم بالصد عن المسجد الحرام. {وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} أي وما كانوا مستحقين ولاية المسجد الحرام مع شركهم، والجملة في موضع الحال من ضمير {يَصُدُّونَ} مبينة لكمال قبح ما صنعوا من الصد فإن مباشرتهم للصد عنه مع عدم استحقاقهم لولاية أمره في غاية القبح، وهذا رد لما كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ} أي ما أولياء المسجد الحرام {إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} من الشرك الذي لا يعبدون فيه غيره تعالى، والمراد بهم المسلمون وهذه المرتبة الأولى من التقوى، وما أشرنا إليه من رجوع الضميرين إلى المسجد هو المتبادر المروي عن أبـي جعفر والحسن، وقيل: هما راجعان إليه تعالى، وعليه فلا حاجة إلى اعتبار الاستحقاق فيما تقدم آنفاً إذ لم تثبت لهم ولاية الله تعالى أصلاً بخلاف ولاية المسجد فإنهم كانوا متولين له وقت النزول فاحتيج إلى التأويل بنفي الاستحقاق، ويفسر المتقون حينئذ بما هو أخص من المسلمين لأن ولاية الله تعالى لا يكفي فيها الإسلام بل لا بد فيها أيضاً من المرتبة الثانية من التقوى وإن وجدت المرتبة الثالثة منها فالولاية ولاية كبرى، وهذا ما نعرفه من نصوص الشريعة المطهرة والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، وغالب الجهلة اليوم على أن الولي هو المجنون ويعبرون عنه بالمجذوب، صدقوا ولكن عن الهدى، وكلما أطبق جنونه وكثر هذيانه واستقذرت النفوس السليمة أحواله كانت ولايته أكمل وتصرف في ملك الله تعالى أتم، وبعضهم يطلق الولي عليه وعلى من ترك الأحكام الشرعية ومرق من الدين المحمدي وتكلم بكلمات القوم وتزيا بزيهم، وليس منهم في عير ولا نفير، وزعم أن من أجهد نفسه في العبادة محجوباً ومن تمسك بالشريعة مغبوناً، وإن هناك باطن يخالف الظاهر إذا هو عرف انحل القيد ورفع التكليف وكملت النفس:شعر : وألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر تفسير : ويسمون هذا المرشد، صدقوا ولكن إلى النار، والشيخ صدقوا ولكن النجدي، والعارف صدقوا ولكن / بسباسب الضلال، والموحد صدقوا ولكن للكفر والإيمان، وقد ذكر مونا حجة الإسلام الغزالي هذا النوع من الكفرة الفجرة وقال: إن قتل واحد منهم أفضل عند الله تعالى من قتل مائة كافر، وكذا تكلم فيهم الشيخ الأكبر قدس سره في «الفتوحات» بنحو ذلك:شعر : إلى الماء يسعى من يغص بلقمة إلى أين يسعى من يغص بماء تفسير : والزمخشري جعل {ٱلْمُتَّقُونَ} أخص من المسلمين على الوجه الأول أيضاً وهو أبلغ في نفي الولاية عن المذكورين أي لا يصلح لأن يلي أمر المسجد من ليس بمسلم وإنما يستأهل ولايته من كان براً تقياً فكيف بالكفرة عبدة الأوثان. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن لا ولاية لهم عليه، وكأنه نبه سبحانه بذكر الأكثر على أن منهم من يعلم ذلك ولكن يجحده عناداً، وقد يراد بالأكثر الكل لأن له حكمه في كثير من الأحكام كما أن الأقل قد لا يعتبر فينزل منزلة العدم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنتَ فيهم}تفسير : [الأنفال: 33] وهو ارتقاء في بيان أنهم أحقاء بتعذيب الله إياهم، بياناً بالصراحة. و{ما} استفهامية، والاستفهام إنكاري، وهي في محل المبتدأ و{لهم} خبره، واللام للاستحقاق والتقدير ما الذي ثبت لهم لأن ينتفي عنهم عذاب الله فكلمة (ما) اسم استفهام إنكاري، والمعنى: لم يثبت لهم شيء. و{أنْ لا يعذبهم} مجرور بلام جر محذوفة بعد (إن) على الشائِع من حذف الجر مع (أنْ) والتقدير: أي شيء كان لهم في عدم تعذيبهم أي لم يكن شيء في عدم تعذيبهم أو مِن عدم تعذيبهم أي أنهم لا شيء يمنعهم من العذاب، والمقصود الكناية عن استحقاقهم العذاب وحلوله بهم، أوْ توقع حلوله بهم، تقول العرب: مَالك أنْ لا تُكْرِمَ، أي: أنت حقيق بأن تكَرم ولا يمنعك من الإكرام شيء، فاللفظ نفي لمانع الفعل، والمقصود أن الفعل توفرت أسبابه ثم انتفت موانعه، فلم يبق ما يحول بينك وبينه. وقد يتركون (أن) ويقولون: مالك لا تفعل فتكون الجملة المنفية بعد الاستفهام في موضع الحال وتكون تلك الحال هي مُثير الاستفهام الإنكاري، وهذا هو المعنى الجاري على الاستعمال. وجوزوا أن تكون {ما} في الآية نافية فيكون {أن لا يعذبهم} اسمها و{لهم} خبرها والتقدير وما عدم التعذيب كائناً لهم. وجملة: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} في موضع الحال على التقديرين. والصد الصرف، ومفعول {يصدون} محذوف دل عليه السياق، أي يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام بقرينة قوله: {إنْ أولياؤه إلاّ المتقون} فكان الصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بنَاه مُؤسسه ليكون علَماً على توحيد الله ومأوى للموحدين، فصدهم المسلمين عنه، لأنهم آمنوا بإلٰه واحد، صرف له عن كونه علَماً على التوحيد، إذ صار الموحدون مَعدودين غيرَ أهل لزيادته، فقد جعلوا مضادين له، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضاداً للتوحيد وأهلِه، ولذلك عقب بقوله: {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلاّ المتقون} وهذا كقوله: {أية : ومن يُرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقه من عذابٍ أليمٍ}تفسير : [الحج: 25]، والظلم الشرك لقوله: {أية : إن الشرك لظلمٌ عظيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. وهذا الصد الذي ذكرتْه الآية: هو عزمهم على صدّ المسلمين المهاجرين عن أن يحجوا ويعْتمروا، ولعلهم أعلنوا بذلك بحيث كان المسلمون لا يدخلون مكة. وفي «الكشاف»: «كانوا يقولون نحن وُلاَة البيت والحرم فنصد من نشاء ونُدخل من نشاء». قلت: ويشهد لذلك قضية سعد بن معاذ مع أبي جهل ففي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن مسعود، أنه حدث عن سعد بن معاذ: «أنه كان صديقاً لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مرَّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مرَّ بمكة نزل على أمية، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة انطلق سعد معتمراً فنزل على أمية بمكة فقال لأمية انظُرْ لي ساعة خلوة لعليَ أطوف بالبيت فخرج قريباً من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان مَن (كنية أمية بن خلف) هذا معك ـ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف باليبت آمناً وقد آوَيْتُم الصباة أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعتَ إلى أهلك سالماً» الحديث. وقد أفادت الآية: أنهم استحقوا العذاب فنبهت على أن ما أصابهم يوم بدر، من القتل والأسر، هو من العذاب، ولكن الله قد رحم هذه الأمة تكرمة لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - فلم يؤاخذ عامتهم بظلم الخاصة بل سلط على كل أحد من العذاب ما يُجازي كفره وظُلمه وإذايته النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، ولذلك عذب بالقتل والأسر والإهانة نفراً عُرفوا بالغلو في كفرهم وأذاهم، مثل النضر بن الحارث، وطعيمة بن عدي، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وأبي جهل، وعذب بالخوف والجوع من كانوا دون هؤلاء كفراً واستبقاهم وأمهلهم فكان عاقبة أمرهم أن أسلموا بقرب أو بُعد وهؤلاء مثل أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وخالد بن الوليد، فكان جزاؤه إياهم على حسب علمه، وحقق بذلك رجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: «حديث : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده»تفسير : وجملة: {وما كانوا أولياءه} في موضع الحال من ضمير {يصُدون} والمقصود من هذه الحال إظهار اعتدائهم في صدهم عن المسجد الحرام، فإن مَن صدّ عما هو له من الخير كان ظالماً، ومَن صدّ عما ليس من حقه كان أشدّ ظلماً، ولذلك قال تعالى: {أية : ومَن أظْلَم ممن منعَ مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه}تفسير : [البقرة: 114] أي لا أظلمَ منه أحد لأنه منع شيئاً عن مستحقه. وجملة: {إن أولياؤه إلاّ المتقون} تعيين لأوليائه الحق، وتقرير لمضمون {وما كانوا أولياءه} مع زيادة ما أفاده القصر من تعيين أوليائِه، فهي بمنزلة الدليل على نفي ولاية المشركين، ولذلك فصلت. وإنما لم يُكتف بجملة القصر مع اقتضائه أن غير المتقين ليسوا أولياء المسجد الحرام، لقصد التصريح بظلم المشركين في صدهم المسلمين عن المسجد الحرام بأنهم لا ولاية لهم عليه، فكانت جملة: {وما كانوا أولياءه} أشد تعلقاً بجملة: {وهم يصدون عن المسجد الحرام} من جملة: {إِن أولياؤه إلاّ المتقون} وكانت جملة: {إن أولياءه إلا المتقون} كالدليل، فانتظم الاستدلال أبدع انتظام، ولما في إناطة ولاية المسجد الحرام بالمتقين من الإشارة إلى أن المشركين الذين سلبت عنهم ولايته ليسوا من المتقين، فهو مذمة لهم وتحقيق للنفي بحجة. والاستدراك الذي أفاده {لكن} ناشىء عن المقدمتين اللتين تضمنتهما جملتا {وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلاّ المتقون} لأن ذلك يثير فرض سائل يسأل عن الموجب الذي أقحمهم في الصد عنِ المسجد الحرام، ويحسبون أنهم حقيقون بولايته لما تقدم عن «الكشاف»، فحذف مفعول {يعلمون} لدلالة الاستدراك عليه لتعلق الاستدراك بقوله: {وما كانوا أولياءه}. وإنما نفَى العلم عن أكثرهم دون أن يقال ولكنهم لا يعلمون فاقتضى أن منهم من يعلم أنهم ليسوا أولياء المسجد الحرام، وهم من أيقنوا بصدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستفاقوا من غفلتهم القديمة، ولكن حملهم على المشايعة للصادين عن المسجد الحرام، العنادُ وطلبُ الرئاسة، وموافقة الدهماء على ضلالهم، وهؤلاء هم عقلاء أهل مكة ومن تهيأ للإيمان منهم مثل العباسسِ وعَقيل بن أبي طالب وأبي سفيان بن حرب وحَكيم بن حزام وخالد بن الوليد، ومن استبقاهم الله للإسلام فكانوا من نصرائه من بعد نزول هذه الآية.
الشنقيطي
تفسير : صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِين} تفسير : [التوبة: 17-18].
د. أسعد حومد
تفسير : (34) - إنَّهُمْ أهْلٌ لأنْ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ لأنَّهُمْ يَصُدُّونَ المُؤْمِنينَ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ عَنْ الصَّلاةِ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالطَّوَافِ بِالكَعْبَةِ، وَلكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ بِهِم العَذَابَ لِبَرَكَةِ مَقَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، أَوْقَعَ اللهُ بَأسَهُ فِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَهَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ الذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ، لَيْسُوا هُمْ أَهْلَهُ وَأوْلِيَاءَهُ، فَهُمْ دَنَّسُوهُ بِالشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأصْنَامِ، وَإِنَّمَا أَهْلُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، الذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الوَلاَيَةِ عَلَيهِ، هُمُ النَّبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ المُشْرِكِينَ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا نتساءل: أي شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله؟. إن تعذيبهم هو عدالة؛ لأنهم فعلوا ما يستحقون عليه التعذيب. لقد صدوا الرسول والمسلمين عن زيارة المسجد الحرام؛ لأنهم ظنوا أن لهم الولاية عليه، رغم أن منهم من سمع خبر أبرهة الأشرم حين جاء بالأفيال ليهدم الكعبة. واستولى أبرهة الأشرم على مائة من الإبل كانت لسيد قريش عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه عبد المطلب وقال له: إنك قد أصبت لي مائة بعير فأرجو أن تردها إليّ. فقال أبرهة الأشرم: جئت لأهدم بيتكم، وبيت آبائكم، ثم لا تكلمني فيه وتكلمني في مائة من الإبل أصبتها منك؟ فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، أما البيت فله رب يحميه. وهذه كلمة لا يقولها إلا واثق من أن للبيت الحرام ربّاً يحميه. وجاءت طير أبابيل ترمي بحجارة من جهنم فجعلته هو وجيشه كعصف مأكول. إذن فكيف تصد قريش محمداً والمؤمنين معه عن البيت الحرام، وهم بإقرار سيدهم قديماً يعلمون أنَّ للبيت ربّاً يحميه، فكيف تكون لكم على البيت ولاية؟ وكان عليهم أن يعلموا أن ولاية أمر بيت الله باختيار الله ولا تكون إلاَّ للمتقين، ولم تكن قريش من المتقين. وحيثيَّات التعذيب إذن هي صدهم عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه. لماذا؟ {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]. وإذا كان أكثرهم لا يعلم، فأقلهم يعلم علم اليقين حقيقة البيت الحرام، فقداسة هذا البيت التي تعلمها الأقلية ونسيتها الأكثرية من كفار قريش هو قول الحق تبارك وتعالى على لسان سيدنا إبراهيم: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ}تفسير : [إبراهيم: 37]. لقد جعلهم الله عز وجل في هذا المكان ليقيموا الصلاة؛ لأنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد في الأرض ولو بواحد في هذا المكان، ولتظل عبادته دائمة. ومهما علت فئة من البشر مثل قريش فهي بصدها عن البيت الحرام قد اتبعت أهواءها، وسبحانه يحقق ما يريد، فهزم قريشا ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادت للكعبة حرمتها وصارت مكانا للعبادة لله بصفة مستمرة. وإننا نجد تشريعات الحق سبحانه في أوقات الصلاة، فالصبح عند قوم هو ظهر عند قوم آخرين، والظهر عند قوم هو صبح عند قوم آخرين، والعصر عند قوم هو صبح أو ظهر أو مغرب أو عشاء عند أقوام آخرين، وهكذا نجد كل أجزاء النهار مشغولة بأوقات الاتجاه إلى الله، وهناك في كل لحظة من يتجه إلى بيت الله الحرام بصلاة ما في ميقاتها، ولا تخلو بقعة في الأرض من قول: "الله أكبر"، وقد تم بناء البيت الحرام من أجل هذه الصلاة. لكن قريشاً حولت الصلاة من خضوع وخشوع وعبادة لله تعالى واستحضار لعظمته وجلاله إلى ما يقول عنه الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً...}
الجيلاني
تفسير : {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ} أي: أيّ شيء يمنع تعذيب الله إياهم مع أنهم مستحقون للعذاب؟ وكيف لا يعذبون هؤلاء المستكبرون المعاندون {وَهُمْ} من شدة عتوهم وعنادهم {يَصُدُّونَ} ويصرفون المؤمنين {عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} والطواف نحو البيت مدعين ولايته؟! {وَ} الحال أنهم {مَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ} أي: ليس لهم صلاحية الولاية في بيت الله؛ لخباثة كفرهم وفسقهم، وعدم لياقتهم {إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ} الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، ويتطهرون عن المعاصي والآثام مطلقاً {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34] عدم ولايتهم ولياقتهم لها، ومع ذلك يدعونها مكابرةً واستكباراً وإن كان بعضهم يعلم ولكن يعاند. {وَ} بعدما لم يصلحوا لولاية البيت {مَا كَانَ صَلاَتُهُمْ} ودعاؤهم {عِندَ ٱلْبَيْتِ} المعدّ للتوجه والتقرب نحو الحق على وجه الخضوع والانكسار، والتذلل والافتقار {إِلاَّ مُكَآءً} صفيراً وصداء {وَتَصْدِيَةً} تصفيقاً وتبختراً، مع أنهم يدعون ولايته ورعاية حرمته، وما ذكل إلا من أمارات الاستهانة والاستخفاف المسلتزم للكفر {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أيها المنهمكون في الضلال {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} [الأنفال: 35] في النشاة الأولى والأخرى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):