٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
35
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال في حق الكفار أنهم ما كانوا أولياء البيت الحرام. وقال: {أية : إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ } تفسير : [الأنفال: 34] بين بعده ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أن صلاتهم عند البيت وتقربهم وعبادتهم إنما كان بالمكاء والتصدية. قال صاحب «الكشاف»: المكاء فعال بوزن النغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر، والمكاء الصفير. ومنه المكاء وهو طائر يألف الريف، وجمعه المكاكي سمى بذلك لكثرة مكانه. وأما التصدية فهي التصفيق. يقال: صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه، وفي أصلها قولان: الأول: أنها من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من جبل. الثاني: قال أبو عبيدة: أصلها تصددة، فأبدلت الياء من الدال. ومنه قوله تعالى: {أية : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } تفسير : [الزخرف: 57] أي يعجزون، وأنكر بعضهم هذا الكلام، والأزهري صحح قول أبي عبيدة. وقال: صدى أصله صدى، فكثرت الدالات الدالة فقلبت إحداهن ياء. إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفرون ويصفقون وقال مجاهد: كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ويستهزؤون به ويصفرون ويخلطون عليه طوافه وصلاته، وقال مقاتل: كان إذا صلى الرسول في المسجد يقومون عن يمينه ويساره بالتصفير والتصفيق ليخلطوا عليه صلاته. فعلى قول ابن عباس: كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل، كان إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم. والأول أقرب لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً }. فإن قيل: المكاء والتصدية ما كانا من جنس الصلاة فكيف يجوز استثناؤهما عن الصلاة؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنهم كانوا يعتقدون أن المكاء والتصدية من جنس الصلاة، فخرج هذا الاستثناء على حسب معتقدهم. الثاني: أن هذا كقولك وددت الأمير فجعل جفائي صلتي. أي أقام الجفاء مقام الصلة فكذا ههنا. الثالث: الغرض منه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له، كما تقول العرب، ما لفلان عيب إلا السخاء. يريد من كان السخاء عيبه فلا عيب له. ثم قال تعالى: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } أي عذاب السيف يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }.
القرطبي
تفسير : قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت عُراة، يصفّقون ويصفّرون؛ فكان ذلك عبادة في ظنهم. والمُكَاء: الصّفير. والتصدية: التصفيق؛ قاله مجاهد والسدّيّ وابن عمر رضي الله عنهم. ومنه قول عنترة:شعر : وحَليلِ غانيةٍ تركت مُجَدَّلاً تَمْكُو فرِيصتُه كشِدْق الأعْلم تفسير : أي تصوّت. ومنه مكَتِ ٱستُ الدابة إذا نَفخت بالريح. قال السُّدِّي: المُكَاء الصفير، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء. قال الشاعر:شعر : إذا غَرّد المُكَّاء في غير رَوْضة فوَيْلٌ لأهل الشّاءِ والحُمُراتِ تفسير : قتادة: المُكَاء ضرب بالأيدي، والتّصدية صياح. وعلى التفسيرين ففيه ردّ على الجهال من الصوفية الذين يَرقُصون ويُصَفّقون ويصعقون. وذلك كله منكر يتنزّه عن مثله العقلاء، ويتشبّه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت. وروى ابن جُريج وابن أبي نَجيح عن مجاهد أنه قال: المُكَاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم. والتّصدية: الصّفِير، يريدون أن يُشغلوا بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم عن الصلاة. قال النحاس: المعروف في اللغة ما رُوي عن ابن عمر. حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال: مَكَا يَمْكُو مَكْواً ومُكاء إذا صَفّر. وصَدّى يُصدّى تصدية إذا صفق؛ ومنه قول عمرو بن الإطنابة:شعر : وظلّوا جميعاً لهم ضجّةٌ مُكاء لدى البيت بالتَّصدِيهْ تفسير : أي بالتصفيق. سعيد بنُ جبير وابن زيد: معنى التّصدية صدّهم عن البيت؛ فالأصل على هذا تصددة، فأبدل من أحد الدالين ياء. ومعنى {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} أي المؤمن من الكافر. وقيل: هو عام في كل شيء، من الأعمال والنفقات وغير ذلك.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ} أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون موضعها. {إِلاَّ مُكَاء} صفيراً فعال من مكا يمكو إذا صفر. وقرىء بالقصر كالبكا. {وَتَصْدِيَةً} تصفيقاً تفعله من الصدا، أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء. وقرىء {صَلاَتِهِمْ } بالنصب على أنه الخبر المقدم، ومساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته. روي: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون عليه ويرون أنهم يصلون أيضاً. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } يعني القتل والأسر يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة واللام يحتمل أن تكون للعهد والمعهود: {ٱئْتِنَا بِعَذَابِ }. {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } اعتقاداً وعملاً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. أو في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا ففعلوا، والمراد بـ {سَبِيلِ ٱللَّهِ } دينه واتباع رسوله. {فَسَيُنفِقُونَهَا } بتمامها ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر، والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد على أن مساق الأول لبيان غرض الإِنفاق ومساق الثاني لبيان عاقبته وإنه لم يقع بعد. {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ندماً وغماً لفواتها من غير مقصود جعل ذاتها تصير حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة. {ثُمَّ يُغْلَبُونَ } آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالاً قبل ذلك. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذا أسلم بعضهم. {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } يساقون. {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصلاح. واللام متعلقة بـ {يُحْشَرُونَ } أو {يُغْلَبُونَ } أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أنفقه المسلمون في نصرته، واللام متعلقة بقوله {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب {لِيَمِيزَ } من التمييز وهو أبلغ من الميز. {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كمال الكانزين. {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ } كله. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين. {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم. {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني أبا سفيان وأصحابه والمعنى قل لأجلهم. {إِن يَنتَهُواْ } عن معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام. {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } من ذنوبهم، وقرىء بالتاء والكاف على أنه خاطبهم و {يَغْفِرُ } على البناء للفاعل وهو الله تعالى. {وَإِن يَعُودُواْ} إلى قتاله. {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك. {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} لا يوجد فيهم شرك. {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ} وتضمحل عنهم الأديان الباطلة. {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن الكفر. {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم. وعن يعقوب «تعملون» بالتاء على معنى فإن الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإِسلام والإِخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإِيمان بصير، فيجازيكم ويكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبب. {وَإِن تَوَلَّوْاْ} ولم ينتهوا. {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ} ناصركم فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم. {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} لا يضيع من تولاه. {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} لا يغلب من نصره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً } صفيراً {وَتَصْدِيَةً } تصفيقاً أي جعلوا ذلك موضع صلاتهم التي أُمروا بها {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } ببدر {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قرأ الجمهور "وما كان صلاتُهم" بالرفع "عند البيت لا مكاءً" بالنصب "وتصديةً" كذلك، وروي عن عاصم أنه قرأ: "صلاتَهم" بالنصب "إلا مكاءٌ وتصديةٌ" بالرفع، ورويت عن سليمان الأعمش بخلاف عنه فيما حكى أبو حاتم، وذكر أبو علي عن الأعمش أنه قال في قراءة عاصم: أفإن لحن عاصم تلحن أنت؟ قال أبو الفتح: وقد روي الحرف كذلك عن أبان بن تغلب، قال قوم: وهذه القراءة خطأ لأنه جعل الاسم نكرة والخبر معرفة، قال أبو حاتم: فإن قيل إن المكاء والتصدية اسم جنس واسم الجنس معرفاً ومنكراً واحد في التعريف، قيل إن استعماله هكذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، كما قال حسان: [الوافر]. شعر : كأنَّ سبيئةً من بيت رأس يكون مزاجها عسلٌ وماءُ تفسير : ولا يقاس على ذلك، فأما أبو الفتح فوجه هذه القراءة بما ذكرناه من تعريف اسم الجنس وبعد ذلك يرجح قراءة الناس قال أبو علي الفارسي: وإنما ذهب من ذهب إلى هذه القراءة لما رأى الفعل أن الصلاة مؤنثة ورأى المسند إليها ليس فيه علامة تأنيث فأراد تعليقه بمذكر وهو المكاء، وأخطأ في ذلك، فإن العرب تعلق الفعل لا علامة فيه بالمؤنث، ومنه قوله تعالى: {أية : وأخذ الذين ظلموا الصيحة} تفسير : [هود:67] وقوله {أية : فانظر كيف كان عاقبة مكرهم } تفسير : [النمل:51] {أية : وكيف كان عاقبة المفسدين} تفسير : [الأعراف:86 - 103، النمل:14] ونحو هذا مما أسند فيه الفعل دون علامة إلى المؤنث، والمكاء على وزن الفعال الصفير قاله ابن عباس والجمهور، فقد يكون بالفم وقد يكون بالأصابع والكف في الفم، قال مجاهد وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقد يشارك الأنف يقال مكا يمكو إذا صفر، ومنه قول عنترة: [الكامل] شعر : وخليل غانية تركت مجدلاً تمكو فريصته كشدق الأعلم تفسير : ومنه قول الشاعر: شعر : فكأنما يمكو بأعصم عاقل تفسير : يصف رجلاً فر به حيوان ومنه قول الطرماح: [الكامل] شعر : فنحا لأولاها بطعنة محفظ تمكو جوانبها من الإنهار تفسير : ومكت است الدابة إذا صفرت يقال ولا تمكو إلا است مكشوفة ومن هذا قيل للاست مكوة قال أبو علي: فالهمزة في {مكاء} منقلبة عن واو. قال القاضي أبو محمد: ومن هذا قيل للطائر المكّاء لأنه يمكو أي يصفر في تغريده، ووزنه فعّال بشد العين كخطاف، والأصوات في الأكثر تجيء على فعال بتخفيف العين كالبكاء والصراخ والدعاء والجؤار والنباح ونحوه، وروي عن قتادة أن المكاء صوت الأيدي وذلك ضعيف، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ "إلا مكا" بالقصر، و "التصدية" عبر عنها أكثر الناس بأنها التصفيق، وقتادة بأنه الضجيج والصياح، وسعيد بن جبير بأنها الصد والمنع، ومن قال التصفيق قال: إنما كان للمنع عن ذكر الله ومعارضة لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن، و "التصدية" يمكن أن تكون من صدى يصدى إذا صوت والصدى الصوت، ومنه قول الرماح يصف الأروية: [الطويل] شعر : لها كلما ريعت صداة وركدة بمصران أعلى ابني شمام البوائن تفسير : فيلتئم على هذا الاشتقاق قول من قال: هو التصفيق، وقول من قال الضجيج، ولا يلتئم عليه قول من قال هو الصد والمنع إلا أن يجعل التصويت إنما يقصد به المنع، ففسر اللفظ بالمقصود لا بما يخصه من معناه، ويمكن أن تكون "التصدية" من صد يصد استعمل الفعل مضعفاً للمبالغة والتكثير لا ليعدى فقيل صدد، وذلك أن الفعل الذي يتعدى إذا ضعف فإنما يضعف للتكثير، إذ التعدي حاصل قبل التضعيف، وذلك نحو قوله {أية : وغلقت الأبواب} تفسير : [يوسف:23] والذي يضعف ليعدى هو كقولهم علم وغرم فإذا قلنا في صد صدد ففعل في الصحيح يجيء مصدره في الأكثر على تفعيل وفي الأقل على تفعلة مثل كمل تكميلاً وتكملة وغير ذلك، بخلاف المعتل فإنه يجيء في الأكثر على تفعلة مثل عزى وتعزية وفي الشاذ على تفعيل، مثل قول الشاعر: [الرجز] شعر : بات ينزي دَلْوَه تنزّيا تفسير : وإذا كان فعل في الصحيح يتسق فيه المثلان رفض فيه تفعلة مثل قولنا تصدية وصير إلى تفعيل لتحول الياء بين المثلين كتخفيف وتشديد، فلما سلكوا مصدر صدد المسلك المرفوض أصلح ذلك بأن إبدال أحد المثلين ياء كبدلهم في تظننت ونحوه، فجاء "تصدية", فعلى هذا الاشتقاق يلتئم قول من قال التصدية الصد عن البيت والمنع، ويمكن أن تكون التصدية من صد يصِد بكسر الصاد في المستقبل إذا ضج، ويبدل أيضاً على هذا أحد المثلين، ومنه قوله تعالى: {أية : إذا قومك منه يصِدون} تفسير : [الزخرف:57] بكسر الصاد، ذكره النحاس، وذهب أكثر المفسرين إلى أن "المكاء والتصدية" إنما أحدثها الكفار عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقطع عليه يمينه وشماله من يمكو ويصدي حتى تختلط عليه قراءته، فلما نفى الله تعالى ولايتهم للبيت أمكن أن يعترض معترض بأن يقول، وكيف لا نكون أولياءه ونحن نسكنه ونصلي عنده؟ فقطع الله هذا الاعتراض بأن قال وما كان صلاتهم إلا المكاء والتصدية، وهذا كما يقول رجل أنا أفعل الخير فيقال له ما فعلك الخير إلا أن تشرب الخمر وتقتل، أي هذه عادتك وغايتك. قال القاضي أبو محمد: والذي مر بي من أمر العرب في غير ما ديوان أن المكاء والتصدية كان من فعل العرب قديما قبل الإسلام على جهة التقرب به والتشرع، ورأيت عن بعض أقوياء العرب أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء، وبينهما أربعة أميال، وعلى هذا يستقيم تعييرهم وتنقصهم بأن شرعهم وصلاتهم وعبادتهم لم تكن رهبة ولا رغبة، إنما كانت مُكاء وتصدية من نوع اللعب، ولكنهم كانوا يتزيدون فيها وقت النبي صلى الله عليه وسلم ليشغلوه وأمته عن القراءة والصلاة، وقوله {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} إشارة إلى عذابهم ببدر بالسيف قاله ابن جريج والحسن والضحاك، فيلزم من هذا أن هذه الآية الأخيرة نزلت بعد بدر ولا بد. قال القاضي أبو محمد: والأشبه أن الكل نزل بعد بدر حكاية عما مضى والله ولي التوفيق برحمته.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُكَآءً} إدخال أصابعهم في أفواههم، أو أن يشبك بين أصابعه ويُصفِّر في كفه بفمه، والمكاء الصفير، قاله: شعر : .......................... تمكو فريصته كشدق الأعلم تفسير : {وَتَصْدِيَةً} التصفيق، أو الصد عن البيت الحرام، أو تصدى بعضهم لبعض ليفعل مثل فعله ويُصفِّر له إن غفل عنه، أو من صد يصد إذا ضج، أو الصدى الذي يجيب الصائح فيرد عليه مثل قوله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا صلّى في المسجد الحرام قام رجلان من بني عبدالدار عن يمينه يصفران صفير المكاء ـ وهو طائر ـ ورَجُلان عن يساره يصفقان بأيديهما ليخلطوا على الرسول صلى الله عليه وسلم القراءة والصلاة، فنزلت، وسماها صلاة لأنهم أقاموها مقام الدعاء والتسبيح، أو كانوا يعملون كعمل الصلاة. {فَذُوقُواْ} فالقوا، أو فجربوا عذاب السيف ببدر، أو يقال لهم ذلك في عذاب الآخرة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} لما ذكر الله عز وجل أن الكفار ليسوا بأولياء البيت الحرام ذكر عقبة السبب في ذلك وهو أن صلاتهم عنده كانت مكاء وتصدية. والمكاء في اللغة: الصفير. يقال: مكا الطير يمكو إذا صفر والمكاء: اسم طير أبيض يكون بالحجاز له صفير. وقيل: هو طائر يألف الريف سمي بذلك لكثرة مكائه يعني صفيره. والتصدية: التصفيق وفي أصله واشتقاقه قولان أحدهما: أنه من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل كالمجيب للمتكلم ولا يرجع إلى شيء. الثاني: قال أبو عبيدة أصله تصددة فأبدلت الياء من الدال. قال الأزهري: والمكاء والتصدية، ليسا بصلاة، ولكن الله سبحانه وتعالى أخبر أنهم جعلوا مكان الصلاة التي أمروا بها المكاء والتصدية قال حسان بن ثابت: شعر : صلاتهم التصدي والمكاء تفسير : قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. وقال مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عيله وسلم في الطواف ويستهزؤون به ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: جعل الأصابع في الشدق، والتصدية: الصفير. وقال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله: إلا مكاء وتصدية، فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيراً. وقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قام رجلان عن يمينه يصفران ورجلان عن يساره يصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وهم من بني عبد الدار. فعلى قول ابن عباس كان المكاء والتصدية نوع عبادة لهم، وعلى قول غيره كان نوع أذى للنبي صلى الله عليه وسلم، وقول ابن عباس أصح، لأن الله سبحانه وتعالى سمى ذلك صلاة. فإن قلت كيف سماها صلاة وليس ذلك من جنس الصلاة؟ قلت: إنهم كانوا يعتقدون ذلك المكاء والتصدية صلاة فخرج ذلك على حسب معتقدهم وفيه وجه آخر وهو أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له فهو كقول العرب من كان السخاء عيبه فلا عيب له وقال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وعن الدين والصلاة فعلى هذا التصدية من الصد وهو المنع وقوله سبحانه وتعالى: {فذوقوا العذاب} يعني عذاب القتل والأسر في الدنيا. وقيل: يقال لهم في الآخرة فذوقوا العذاب {بما كنتم تكفرون} يعني بسبب كفرهم في الدنيا. قوله سبحانه وتعالى: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} لما ذكر الله سبحانه وتعالى عبادة الكفار البدنية وهي المكاء والتصدية، ذكر عقبها عبادتهم المالية التي لا جدوى لها في الآخرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وحكيم ابن حزام وأبي بن خلق وزمعة بن الأسود والحارث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، فكان يطعم كل واحد منهم الجيش في كل يوم عشر جزر وأسلم من هؤلاء: العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكيم بن حزام. وقال الحكم بن عتبة: نزلت في أبي سفيان بن حرب حين أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية كل أوقية اثنان وأربعون مثقالاً. وقال ابن أبزي: استأجر أبو سفيان يوم أحد ألفين ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب. وقيل: استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من كنانة فقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: لما أصيب من أصيب من قريش يوم بدر ورجع أبو سفيان بعيره إلى مكة مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش قد أصيب أباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأراً. بمن أصيب منافقيهم نزلت إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله أي ليصرفوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله وقيل ينفقون أموالهم على أمثالهم من المشركين ليتقووا بهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {فسينفقونها} يعني أموالهم في ذلك الوجه {ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون} يعني ما أنفقوا من أموالهم يكون عليهم حسرة وندمة يوم القيامة لأن أموالهم تذهب ويغلبون ولا يظفرون بما يؤملون {والذين كفروا} يعني منهم لأن فيهم من أسلم ولهذا قال والذين كفروا يعني من المنفقين أموالهم {إلى جهنم يحشرون} يعني يساقون إلى النار.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } المُكَاء: الصَّفير؛ قاله ابن عباس والجمهورُ، والتصدية: عبَّر عنها أكْثَرُ النَّاس؛ بأنها التصفيقُ، وذهب أكثر المفسِّرين إِلى أَن المُكَاء والتَّصْدية إِنَّما أحدثهما الكُفَّار عند مبعث النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لِتَقْطَعَ عليه وعلى المؤمنين قراءَتَهم وصلاتَهم، وتخلطَ عليهم، فلما نفى اللَّه تعالى وِلاَيتهم للبَيْت، أمْكَنَ أن يعترض منهم معترضٌ بأنْ يقول: وكيف لا نَكُونُ أولياءه، ونحن نَسْكُنُهُ، ونصلِّي عنده؛ فقطع سبحانه هذا ٱلاعتراضَ بأنْ قال: وما كان صلاتهم عند البيت إِلا المكاءً والتَّصْدية. قال * ع *: والذي مَرَّ بي من أمر العرب في غير ما دِيوَان؛ أنَّ المكاء والتصدية كانا مِنْ فعل العرب قديماً قبل الإِسلام علَى جهة التقرُّب به والتشرُّع؛ وعلَى هذا يستقيم تغييرُهُم وتنقُّصهم بأَن شرعهم وصلاتهم لم تَكُنْ رهبةً ولا رغبةً، وإِنما كانَتْ مكاءً وتصديةً من نوع اللعب، ولكنَّهم كانوا يتزيَّدون فيهما وقْتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليشغلوه هو وأمته عن القراءة والصَّلاة. وقوله سبحانه: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ...} الآية: إِشارةٌ إِلى عذابهم ببَدْرٍ بالسيف؛ قاله الحسن وغيره؛ فيلزم أن هذه الآية الآخِرَةَ نزلَتْ بعد بَدْرٍ، ولا بدَّ. قال * ع *: والأشبه أنَّ الكلَّ نزل بعد بَدْرٍ؛ حكايةً عما مضَى. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...} الآية: لما قُتِلَ من قُتِلَ ببدر، ٱجتمع أبناؤهم وقراباتهم، فقالوا لِمَنْ خَلُصَ ماله في العِيرِ: إِن محمَّداً قد نال منَّا ما تَرَوْنَ، ولكنْ أعينونا بهذا المال الذي كانت سَبَبَ الوَقعَةِ، فلعلَّنا أنْ ننال منه ثأراً، يريدون نفقته في غَزْوَةَ أَحُدٍ. وقوله سبحانه: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}، الحَسْرة: التلهُّف على فائتٍ، وهذا من أخبار القرآن بالغيوب قبل أن تكون، فكان كما أخبر، ثم أخبر سبحانه عن الكافرين، وأنهم يُجْمَعُونَ إِلى جهنَّم، والحَشْر: الجمع.
ابن عادل
تفسير : لمَّا ذكر أنَّهم ليسُوا أولياء البيتِ الحرام بيَّن ههنا ما به خرجوا من أن يكونوا أولياء البيت، وهو أنَّ صلاتهم عند البيت إنَّما كان بالمكاء والتَّصديةِ. أي: ما كان شيءٌ ممَّا يعُدَّونه صلاةً وعبادةً إلا هذين الفعلينِ، وهما المكاء والتصدية أي: إن كان لهم صلاةٌ فلا تكن إلاَّ هذين، كقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2700 - ومَا كُنْتُ أخْشَى أن يكُونَ عَطَاؤُهُ أدَاهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرَا تفسير : فأقام القيود، والسِّياط مقام العطاء، والمُكَاء: مصدر مَكَا يَمْكُو، أي: صفر بين أصابعه أو بين كفَّيه. قال الأصمعي: قلت لمنتجع بن نبهان: ما تَمْكُو فريصتُه؟. فشبَّك بين أصابعه، وجعلها على فِيهِ، ونفخ فيها. يريد قول عنترة: [الكامل] شعر : 2701 - وحَلِيْلِ غَانِيَةٍ تَركْتُ مُجَدَّلاً تَمْكُو فَريصَتُهُ كَشِدْقِ الأعْلمِ تفسير : يقال: مكت الفريصة، أي: صَوَّتت بالدَّمِ، ومكت استُ الدَّابة، أي: نفخت بالرِّيحِ. وقال مجاهدٌ: المُكاءُ: صفيرٌ على لحنِ طائرٍ أبيض يكون بالحجازِ؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2702 - إذَا غرَّدَ المُكَّاءُ في غَيْرِ روْضَةٍ فَوَيلٌ لأهْلِ الشَّاءِ والحُمُراتِ تفسير : المُكَّاء: فُعَّال، بناء مبالغةٍ؛ قال أبو عبيدة: "يقال: مَكَا يَمْكُو مُكُوًّا ومُكَّاءً: صَفَرَ، والمُكاء: بالضَّمِّ، كالبُكاءِ والصُّراخ". قال الزمخشريُّ: "المُكاءُ: فُعال، بوزن: الثُّغَاء والرُّغَاء، من مَكَا يَمْكُو: إذا صَفَر والمُكاء: الصَّفيرُ" ومنه: المُكَّاء: وهو طائر يألف الرِّيف، وجمعهُ المَكَاكِيُّ. قيل: ولم يشذَّ من أسماء الأصوات بالكسر إلاَّ الغِنَاء، والنِّداء. والتَّصدية فيها قولان: أحدهما: أنها من الصَّدى، وهو ما يُسْمع من رجع الصَّوْتِ في الأمكنة الخالية الصُّلبةِ يقال منه: صَدَى يصدي تصديةً، والمراد بها هنا: ما يسمع من صوت التَّصفيق بإحدى اليدينِ على الأخرى. وقيل: هي مأخوذةٌ من التَّصددة، وهي الضَّجيجُ، والصِّياحُ، والتصفيق، فأبدلت إحدى الدَّالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قوله تعالى: {أية : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ}تفسير : [الزخرف: 57] في قراءة من كسر الصَّاد، أي: يضجُّونَ ويلغطون، وهذا قول أبي عبيدة، وردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي، وقال: إنَّما هو مِن الصَّدْي، فكيف يُجعل من المضعَّف؟ وقد ردَّ أبو عليّ على أبي جعفر ردَّهُ وقال "قد ثبت أنَّ يصُدُّونَ من نحو الصَّوْتِ، فأخذهُ منه، وتصدية: تَفْعِلَة" ثم ذكر كلاماً كثيراً. والثاني: أنَّها من الصَّدِّ، وهو المنعُ؛ والأصل: تَصْدِدَة، بدالين أيضاً، فأبدلت ثانيتهما ياء ويُؤيِّدُ هذا قراءةُ من قرأ "يَصُدُّونَ" بالضَّمِّ، أي: يمنعون. وقرأ العَامَّةُ: "صلاتُهُم" رفعاً، "مُكَاءً" نَصْباً. وأبان بن تغلب والأعمش وعاصم بخلاف عنهما: {وما كان صلاتهم} نصباً، "مُكَاءٌ" رفعاً وخطَّأ الفارسيُّ هذه القراءة، وقال: لا يجوزُ أن يُخْبَر عن النَّكرةِ بالمعرفةِ إلاَّ في ضرورة؛ كقول حسَّانٍ: [الوافر] شعر : 2703 - كأنَّ سَبيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأسٍ يَكُونُ مزاجَهَا عسلٌ ومَاءُ تفسير : وخرَّجها أبو الفتحِ على أنَّ "المُكَاء" و "التصدية" اسما جنس، يعني: أنَّهُمَا مصدران. قال: واسم الجنْسٍ تعريفُه وتنكيرُهُ متقاربانِ، فلمَ يقالُ بأيِّهمَا جعل اسماً، والآخر خبراً؟ وهذا يقرُب من المعرَّف بـ "أل" الجنسيَّة، حيث وُصِفَ بالجملة، كما يُوصَف به النكرة، كقوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس: 37]؛ وقول الآخر: [الكامل] شعر : 2704 - ولقد أمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لا يَعْنِينِي تفسير : وقال بعضهم: وقد قرأ أبو عمرو: "إلاَّ مُكاً" بالقصرِ والتنوين، وهذا كما قالوه: بُكاءً، وبُكًى. بالمدِّ والقصر. وقد جمع الشَّاعر بين اللغتين، فقال: [الوافر] شعر : 2705 - بَكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لها بُكَاهَا ومَا يُغْنِي البُكَاءُ ولا العَوِيلُ تفسير : فصل قال ابن عبَّاسٍ "كانت قريش يطوفون بالبيت عُراة، يُصفرون ويصفِّقُون". وقال مجاهدٌ: "كانوا يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطّواف ويتسهزئون به ويصفِّرون، ويصفِّقُونَ، ويخلطون عليه طوافه وصلاته". وقال مقاتلٌ: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذَا صلَّى في المسجد الحرام، قام رجلان عن يمينه، ورجلان عن يساره يصفقون ليخلطوا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم صلاته، وهم من بني عبد الدَّارِ". وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: "التصديةُ: صدهم المؤمنين عن المسجد الحرامِ، وعلى هذا فـ "التَّصددةُ" بدالين، كما يقال: تظننت من الظن". فعلى قول ابن عباسٍ كان المكاءُ والتصديةُ نوع عبادة لهم، وعلى قول مجاهد ومقاتل: كان إيذاءًا للنبي صلى الله عليه وسلم. والأول أقرب، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}. فإن قيل: "المُكَاءُ" و "التَّصديةُ" ليسا من جنس الصَّلاة، فكيف يجوزُ استثناؤهما من الصَّلاة؟ فالجوابُ: من وجوه، أحدها: أنهم كانوا يعتقدون أنَّ المكاء والتصدية من جنس الصَّلاة، فحسن الاستثناء على حسب معتقدهم. قال ابنُ الأنباري: "إنَّما سمَّاه صلاة؛ لأنَّهُمْ أمروا بالصَّلاةِ في المسجدِ؛ فجعلوا ذلك صلاتهم". وثانيها: أنَّ هذا كقولك: زرتُ الأمير؛ فجعل جفائي صلتي، أي: أقام الجفاء مقام الصلة، كذا ههنا. وثالثها: الغرضُ منه أن من كان المكاء والتَّصدية صلاته فلا صلاة له، كقول العربِ: ما لفلان عيب إلاَّ السخاء، أي: مَنْ كان السخاء عيبه فلا عَيْبَ فيه. ثم قال تعالى {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} أي: عذاب السيف يوم بدر، وقيل: يقال لهم في الآخرة {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف، يستهزءون ويصفرون ويصفقون، فنزلت {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} . وأخرج أبو الشيخ عن نبيط - وكان من الصحابة رضي الله عنه - في قوله {وما كان صلاتهم عند البيت...} الآية. قال: كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفرون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة تصفر وتصفق، فأنزل الله {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال: والمكاء الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق، وأنزل فيهم {أية : قل من حرم زينة الله} تفسير : [الأعراف: 32] الآية. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {إلا مكاء وتصدية} قال: المكاء، صوت القنبرة. والتصدية، صوت العصافير وهو التصفيق. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة، كان يصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ ققال: نعم، أما سمعت حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول: شعر : نقوم إلى الصلاة إذا دعينا وهمتك التصدي والمكاء تفسير : وقال آخر من الشعراء في التصدية: شعر : حتى تنبهنا سحيراً قبل تصدية العصافير تفسير : وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عن ابن عباس رضي الله عنه قال: المكاء، الصفير. كان أحدهما يضع يده على الأخرى ثم يصفر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إلا مكاء وتصدية} قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: المكاء، إدخال أصابعهم في أفواههم. والتصدية، الصفير يخلطون بذلك كله على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: المكاء، الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز، والتصدية التصفيق. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {إلا مكاء} قال: كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهن {وتصدية} قال: صدهم الناس. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال: كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال وهو قوله {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} فالمكاء، مثل نفخ البوق. والتصدية، طوافهم على الشمال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} قال: يعني أهل بدر، عذبهم الله بالقتل والاسر.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}. تجردت أعمالهم بظواهرهم عن خلوص عقائدهم، فلم يوجِدْ - سبحانه وتعالى - لها احتساباً؛ فزكاءُ القالة لا يكون إلا مع صفاء الحالة، وعناء الظاهر لا يُقْبَلُ إلا مع ضياء السرائر. قوله جلّ ذكره: {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}. كان العذابُ مُعَجَّلا وهو حسبانهم أنهم على شيء، قال الله تعالى. {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]، ومؤجَّلاً وهو كما قال الله تعالى: {أية : وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَقُّ }تفسير : [الرعد: 34].
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان صلاتهم} اى دعاء المشركين {عند البيت} اى بيت الله وهو الكعبة {إِلا مكاء} صفيرا من مكا يمكو ومكاء اذا صفر. وقال الحدادى المكاء طائرا بيض يكون فى الحجاز يصفر فسمى تصويته باسمه {وتصدية} تصفيقا وهو تصويت اليدين يضرب احداهما على الاخرى واصلها احداث الصدى وهو ما يسمع من رجع الصوت فى الامكنة الخالية الصلبة يقال صدى يصدى تصدية وكان تقرب المشركين الى الله بالصفير والتصفيق يفعلونهما عند البيت مكان الدعاء والتسبيح ويعدونهما نوعا من العبادة والدعاء لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال كانت قريش يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين اصابعهم يصفرون فيها ويصفقون فمساق الآية لتقرير استحقاقهم العذاب وعدم ولايتهم المسجد فانها لا تليق بمن هذه صلاته. وقال مقاتل كان النبى عليه السلام اذا صلى فى المسجد قام رجلان من بنى عبد الدار عن يمينه ورجلان عن يساره فيصفرون كما يصفر المكاء ويصفقون بايديهم ليخلطوا على النبى عليه السلام صلاته وقراءته وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من آمن به ويريدون انهم يصلون ايضا فالمراد بالصلاة على هذا التقدير هى المأمور بها {فذوقوا العذاب} اى عذاب القتل والاسر يوم بدر ويقال اراد بهذا انه يقال لهم يوم القيامة فذوقوا العذاب {بما كنتم تكفرون} اعتقادا وعملا فالكفر والمعصية سبب للوقوع فى العذاب والتوبة والاستغفار وسيلة الى فيض الرحمة من الوهاب وهى صابون الاوزار فحيث لا توبة ولا طهارة كان كل مسلم لا يصلح لان يلى امر مسجد القلب وانما يليق بولايته من كان فارغا من الشواغل معرضا على العلائق طاهرا من العيوب والله تعالى لا يعذب اولياءه بعد ادخالهم جنات التجليات العالية والاذواق والحالات المتوالية فانهم تخلصوا من الوجود المضاف الى النار المشابه للحطب وما بقى فيهم غير النور الالهى المضيئ فى بيت القلب الحقانى وانما يعذب بعدله من لم يستعد للرحمة او من خلط عملا صالحا بآخر سيئا ليخلصه من ذلك اللوث فالاقتداء بالنبى عليه السلام قبول ما جاء به من الاحكام والشرائع مؤد الى الخلاص وسبب للتصفية فعليك بالاختيار والاجتناب فانهما فرضان وحقيقة التقوى عبارة عن كليهما وبالاحتماء يصح المريض ومعالجة القلوب المرضى اولى من كل امر واهمّ من كل شيء للعبد العاقل وذلك بالتقوى واحياء سنة خير الورى وفى الحديث "حديث : من احيى سنتى فقد احيانى ومن احيانى فقد احبنى ومن احبنى كان معى فى الجنة يوم القيمة " .تفسير : وفى الحديث ايضا "حديث : من حفظ سنتى اكرمه الله باربع خصال المحبة فى قلوب البررة والهيبة فى قلوب الفجرة والسعة فى الرزق والثقة بالدين " .تفسير : فان فاتت صحبة الرسول فقد تيسرت صحبة سنته وصحبة من احب سنته وذلك ماض الى يوم القيامة ولصحبة الكبار واقتران المتقين تأثير عظيم ولاستماع كلام الحق والرسول نفع تام ولكن العمدة توفيق الله وهدايته نسأل الله تعالى ان يصحح اغراضنا ويكثر صالحات اعمالنا واعواضنا ويؤيدنا بنور الكتاب والسنة ويشرفنا بالمقامات العالية فى الجنة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كان صلاتهم} التي يصلونها في بيت الله الحرام، ويسمونها صلاة، أو ما يضعون موضعها، {إلا مكاءً} أي: تصفيراً بالفم، كما يفعله الرعاة، {وتصديةً} أي: تصفيقاً باليد، الذي هو من شأن النساء، مأخوذ من الصدى، وهو صوت الجبال والجدران. قال ابن جزي: كانوا يفعلون ذلك إذا صلى المسلمون، ليخلطوا عليهم صلاتهم. وقال البيضاوي: رُوي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، مشبكين بين أصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلي، يخلطون عليه، ويرون أنهم يصلون أيضاً، ومساق الآية: تقرير استحقاقهم العذاب المتقدم في قوله: {وما لهم ألا يعذبهم الله}، أو عدم ولايتهم للمسجد، فإنها لا تليق بمن هذه صلاته.هـ. قال تعالى: {فذوقوا العذاب} الذي طلبتم، وهو القتل والأسر يوم بدر، فاللام للعهد، والمعهود: (أو ائتنا بعذاب أليم)، أو عذاب الآخرة، {بما كنتم تكفرون} أي: بسبب كفركم اعتقاداً وعملاً. الإشارة: وما كان صلاة أهل الغفلة عند بيت قلوبهم إلا ملعبة للخواطر والهواجس، وتصفيقاً للوسواس والشيطان، وذلك لخراب بواطنهم من النور، حتى سكنتها الشياطين واستحوذت عليها، والعياذ بالله، فيقال لهم: ذوقوا عذاب الحجاب والقطيعة، بما كنتم تكفرون بطريق الخصوص وتبعدون عنهم. والله تعالى أعلم. ولما سلمت عير قريش من النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت غزوة بدر، وكان مات فيها صناديدهم، حبس أبو سفيان ذلك المال، وأنفقه في حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله في ذلك، وفي غيره، ممن أنفق في إعانة الكفار على حرب المسلمين قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
الطوسي
تفسير : روى الحسين العجفي عن ابي بكر {صلاتهم} نصباً {إلا مكاء وتصدية} رفع فيهما. والصواب ما عليه القراء، لان {صلاتهم} معرفة و {مكاء وتصدية} نكرة ولا يجوز ان يجعل اسم كان نكرة وخبره معرفة. ومن قرأ كذلك فلان الصلاة لما كانت مؤنثة ولم يكن في كان علامة التأنيث اضاف الفعل إلى المذكر وهو {مكاء}. وهذا ليس بصحيح، لأن {صلاتهم} لما كان مضافاً إلى المذكر جاز ان يذكر كما ان المذكر إذا اضيف إلى المؤنث جاز ان يؤنث، نحو قولهم: ذهبت بعض اصابعه. ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه لم تكن صلاة هؤلاء الكفار الصادين عن المسجد الحرام {إلا مكاء} لئلا يظن ظان ان مع كونهم مصلين ومستغفرين لا يعذبهم الله، كما قال في الآية الاولى، فبين ان صلاتهم كانت مكاء وتصدية. والمكاء صفير كصفير المكاء. وهو طائر يكون بالحجاز وله صفير قال الشاعر: شعر : ومكا بها فكأنما يمكو بأعصم عاقل تفسير : وأصل المكاء جمع الريح للصفير. ويقال مكا يمكوا مكاء إذا صفر بفيه ومنه يمكوا است الدابة إذا انتفخت بالريح. والاست: الكوة، والمكو ان يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح. ومنه قول عنترة: شعر : وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريضته كشدق الاعلم تفسير : اي يصفر بالريح لما طعنه والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق بيديه. ومنه الصدى صوت الجبل، ونحوه. ومنه تصدى للملك إذا تعرض له ليكلمه. وقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وعطية، ومجاهد، وقتادة والسدي: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، قال الراجز: شعر : ضنت بخد وجلت عن خد فأنا من غرو الهوى أصدي تفسير : أي اصفق بيدي تعجباً. والغرو: العجب. وقال ابو علي الجبائي: كان بعضهم يتصدى لبعض ليراه بذلك الفعل، وكان يصفر له. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: التصدية صدهم عن البيت الحرام. وقيل: إنهم كانوا يخلطون ويشوشون بذلك على النبي صلى الله عليه وآله. وإنما سمي مكاؤهم بأنه صلاة لأمرين: احدهما - انهم كانوا يقيمونه فعلهم الصفير والتصفيق مقام الصلاة والدعاء والتسبيح. والاخر - انهم كانوا يعملون كعمل الصلاة مما فيه هذا. وقوله {فذوقوا العذاب} قال الحسن، والضحاك، وابن جريج، وابن اسحاق: إن معناه عذاب السيف. وقال ابو علي الجبائي: يقال لهم في الاخرة {ذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} في دار الدنيا وهو قول البلخي. والمعنى باشروه وليس المراد به من ذوق الفم.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} المكاء الصّفير، والتّصدية التّصفيق كانوا يطوفون بالبيت عراةً يشبّكون بين اصابعهم ويصفرون ويصفّقون وكانوا يفعلون اذا قرأ رسول الله (ص) فى صلوته يخلّطون عليه {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} بالقتل والاسر يوم بدرٍ او بالنّار فى الآخرة {بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} يستمرّون على الانفاق. اعلم، انّه لا اختصاص للمال بالاعراض الدّنيويّة بل يعمّها والقوى البدنيّة والقوى النّفسانيّة بل هى اولى بكونها مالاً من الاعراض لانّ نسبة المملوكيّة هنا حقيقيّة وهناك اعتباريّة صرفة لا حقيقة لها، والانسان ما لم يخرج من هذا البنيان شغله اكتساب المال الصّورىّ والمعنوىّ وانفاقه، فان كان متوجّهاً الى الله يصدق عليه انّه ينفق فى سبيل الله اى حال كونه فى سبيله او فى حفظ سبيله وتقويته وان كان متوجّهاً الى الملكوت السّفلى يصدق عليه انّه ينفق فى سبيل الطّاغوت بمعنييه ويصدّق عليه انّه ينفق لصدّ النّاس عن المسجد الحرام وعن سبيل الله صورةً ومعنىً، ولصدّ القوى والمدارك عن التّوجّه الى القلب فالكافرون شغلهم الانفاق مستمرّاً {لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} اى سبيل الحجّ او النّبىّ (ص) او الولىّ (ع) او الصّدر المنشرح بالاسلام او القلب {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} لعدم عوض للمنفق بل لنقصان ذواتهم بالانفاق {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} ظاهراً وباطناً ان كان نزول الآية فى قريش حين خروجهم لغزو بدرٍ وانفاقهم فى ذلك كما ورد فى الخبر فلا ينافى عمومها {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} تكرار الموصول للتّفضيح والاشارة الى علّة الحكم {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} يعنى كما انّ شغلهم الانفاق للصّدّ كذلك سلوكهم ليس الاّ الى جهنّم، لانّ شغلهم الانفاق فى سبيل الطّاغوت فسلوكهم على سبيل الطّاغوت وهو سبيل جهنّم، وفعلنا ان نحشرهم آناً فآناً حشراً بعد حشرٍِ الى جهنّم وغاية هذا الفعل كراهة اختلاط المؤمن والكافر وتميز الكافر من المؤمن، هذا فى الكبير، وامّا فى الصّغير فالقوى الحيوانيّة البهيميّة والسّبعيّة والقوى الشّيطانيّة الّلاتى شأنها الكفر بالعقل تنفق قوّتها لصدّ سائر القوى عن سبيل العقل وهو سبيل الله وهى متوجّهة الى السّفل الّذى هو دار الشّياطين والجنّة، وفيه جهنّم فتحشر الى جهنّم آناً فآناً وفى الخبر اشارة الى التّعميم وذلك الحشر.
الهواري
تفسير : قوله: { وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} قال ابن عمر: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، يقول: يفعلون ذلك مكان الصلاة. وقال مجاهد: يخلطون على النبي عليه السلام بذلك صلاته. وقال بعضهم: كنا نحدث أن المكاء التصفير في الأيدي، يعارضون به القرآن؛ مثل قوله: (أية : وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) تفسير : [فصلت:36]. قال: { فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} يعني القتل بالسيف قبل عذاب الآخرة. قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}. لما هزم رسول الله أهل بدر رجعوا إلى مكة، فأخذوا ما جاءت به العير من الشام فتجهزوا به لقتال النبي، واستنصروا بقبائل من قبائل العرب؛ فأوحى الله إلى النبي عليه السلام، وهو بالمدينة: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ...} إلى قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} فبيّن الله لنبيه أنهم سيغلبون من قبل أن يقاتلوا. قوله: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي: النفقة يعذِّبون عليها كما يعذَّبون على كفرهم. وقال بعضهم: لما قدم أبو سفيان بالعير إلى مكة ندب الناس ودعاهم إلى القتال حتى غزا نبي الله يوم أُحد في شوَّال، يوم السبت لإِحدى عشرة ليلة خلت من شوّال في العام المقبل الذي يلي بدراً. وقال مجاهد في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ليَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا} قال: هذا في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أُحد.
اطفيش
تفسير : {ومَا كانَ صَلاتُهم عِنْد البيْتِ} الكعبة {إلا مُكاءً} صفيرا من مكا يمكو كدعا دعاء، ورغا رغاء، وبكى بكاء، وصرخ صراخا ونحو ذلك من الأفعال الدالة على الصوت الثلاثية المفتوحة السين الآتى مصدرها بوزن فعال بضه الفاء وتخفيف العين، وقال قتادة: المكاء ضرب الأيدى وهو ضعيف، وليس بخارج عن القياس فى المصدرية لخروج الصوت من الضرب، وقيل: المكاء الصفير فى الأيدى، وقرأ إلا مكا بالقصر، ونسب لأبى عمرو، والمشهور عنه المد. {وتَصْدِيةً} تصفيقا تفعلة من الصدى كزكى تزكية بتخفيف الياء، يقال صدى بالتشديد الجبل ونحو تصديه ردد مثل الصوت الذى يلفظ به الإنسان أو غيره، وذلك أنهم يضربون أيديهم هذا هو المشهور، وقال قتادة: يضجون ويصيحون بما لا يعنى، وبما لا معنى له، وذلك التصدية، وعلى كل حال فقد شبه صوت تصفيقهم أو صياحهم بالصوت الذى يرده الجبل ونحوه فى عدم النفع، أو فى كونه لا معنى له، وربما صاحوا بماله معنى، لكنه كعدم المعنى لأنه غير معتبر، ويصح على تفسير قتادة أن يكون من صد يصد بكسر الصاد إذا ضج وصاح، وهو لازم ضعف للمبالغة فعيل صدد يصدد بتشديد الدال الأولى فيهما، أبدلت الثالثة فيهما حرف علة فقيل: صدى يصدى بدال واحدة مشددة، مثل زكى يزكى، فالمصدر تصدية كتزكية. وقال سعيد بن جبير: التصدية المنع، فأما أن يكون تفسيرا بالواقع من تصفيقهم أو صياحهم فإنه منع عن الصلاة والقراءة، أو تفسير بالصد الذى هو المنع وهو الصد المتعدى، شدد للمبالغة، فهو من صده يصده بالضم فعيل صدده يصدده بتشديد الدال الأولى فيهما، أبدلت الثالثة حرف علة فكان المصدر تصدية كتزكية مثل ما مر. وروى أنهم كانوا يدخلون أصابعهم فى أشداقهم، وذلك المكاء، ويصفرون، وذلك التصدية، وفى رواية عن ابن جبير: التصدية منعهم المؤمنين عن المسجد وأمر الدين، لا بأصوات اللغو، وعلى كل حال فالمراد بالآية ذكرهم بما يستحقون به العذاب، ويمتنع به أن يكونوا أولياء الله أو مسجده، فإن من كانت صلاته الصفير والتصفيق لا يليق وليا له، وكانوا يعتقدون أن المكاية والتصدية عند البيت صلاة أو دعاء، وكانوا كما قال ابن عباس: يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، يعنى قريشا، وكانوا يتقربون بذلك، وكان بعض أقوياء العرب يمكو على الصفا فيسمع من جبل حراء وبينهما أربعة أميال. وإن قلنا: ليسوا متقربين بذلك، فمعنى كونه صلاة أنهم أبدلوا الصلاة به وجعلوه مكانها، وقيل: أحدثوا المكاء والتصدية حين جاء النبى والمؤمنون ليشغلوهم به عن الصلاة والقراءة والعبادة، ونسبه بعضهم لأكثر المفسرين، وكانوا إذا جاء النبى أو مؤمن يصلى اجتنفه رجلان يمينا وشمالا بالمكاء والتصدية، وكان نفر من بنى عبد الدار يعارضون النبى صلى الله عليه وسلم فى الطواف، يستهزئون به ويدخلون أصابعهم فى أفواههم ويصفقون كما قال مجاهد، وكان إذا دخل المسجد قام رجلان عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان من بنى عبد الدار كما قال مقاتل. صحح بعضهم ما مر من أن المكاء والتصدية عبادة قديمة فيهم، وبه قال ابن عباس، ويمكن أن يزيدوا فيهما ليشغلوه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وقرأ الأعمش، وعاصم، وإبان بن ثعلب فى رواية عنهم بنصب صلاة على أنه خبر كان، ورفع مكاء وتصدية على الاسمية بكان، وفيها الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وهو وارد فى السعة والضرورة، لكن الراجح عكسه، وزعم قوم أن هذه القراءة لحن. وروى عن الأعمش أنه قال: قال بعض: إن هذه قراءة عاصم وقرأ بها فقال له: أفإن لحن عاصم تلحن أنت، وزعم الفارسى أن داعى هذا القارئ إلى ذلك توهمه أنه لو كان صلاة اسم كان لقيل: كانت، وممن قال لا يخبر بالمعرفة عن النكرة الا فى الضرورة: ابن هشام، وأجازه بعض فى السعة إن وصفت النكرة أو أضيفت أو تعلق بها شئ. {فذُوقُوا العَذابَ} يعنى القتل والأسر يوم بدر قاله الحسن، والضحاك، وابن جريج، ولا يلزم منه أن يكون ذلك نزل بعد بدر حكاية لما قيل لهم خلافا لبعض، بل يحتمل أن يكون قبله، وقد قالوا: ائتنا بعذاب فجاءهم هذا العذاب، وقد قيل: إن أل للعهد، والقائل لهم فذوقوا العذاب: الملائكة، أو شبه حالهم بحال من قيل له ذلك، ويحتمل أن يكون بعده قال بعضهم: الراجح أن يكون الكل نزل بعده حكاية، وقيل: العذاب عذاب الآخرة، كأنه قيل: يقال لهم فذوقوا العذاب، والقائل الملائكة {بما كُنْتم} بسبب كونكم {تكْفُرونَ} كفر اعتقاد، وكفر عمل.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ} دعاؤهم عند البيت هو المسجد الحرام. ذكره باسم البيت لزيادة تقبيح معصيتهم عند بيته تعالى أَو طوافهم وكانوا يطوفون عراة رجالا ونساء، ومصفرون فى أَصابعهم مشبكة، أَو صلاة شرعية فى زعمهم وليست صلاة لشركهم واختلال شروطها وأَركانها، أَو شئ يضعونه موضع الصلاة وليس صلاة شرعية ولا لغوية أَى لا شئَ مما يعدونه صلاة وعبادة. وأَولى من هذا أَن يكون المعنى لا عبادة لهم أَلبتة عند البيت إِلا ما ذكره بقوله {إِلاَّ مُكاءً وتَصْدِيَةً} المكاء التصفير أَو البكاء أَو الصراخ، قال الأَصمعى: قلت لواحد من أَهل اللغة: ما المكاء؟ فشبك بين أَصابعه ثم وضعها على فيه ونفخ، فيظهر من ذلك صوت، والتصدية صوت التصفيق بإِحدى اليدين على الأُخرى مصدر صدى بالشد بمعنى صفق، أَو المراد نفس التصفيق باليد على الأَخرى وأَصله من الصدى وهو الصوت الذى يرجع من الهواء الصلب أَو مصدر صدد بالشد قلبت الدال الثالثة أَلفاً كتقضى فى تقضض البازى فهى هذه الياء، وأَما الدال الثانية فعوض عن الياء التى تقلب إِليها آخر الكلمة وهو الصياح والصراخ أَو التصديد كذلك وهو منع الناس عن الدين والمسجد الحرام، وكان المشركون يصفقون ويصفرون ويصيحون ويصرخون ليخلطوا عليه صلى الله عليه وسلم قراءَته ويشغلوا المستمع، وذلك طبق قولهم "أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه" تفسير : [فصلت: 26] وكان إِذا صلى فى المسجد الحرام قام من بنى عبد الدار رجلان عن يمينه يصفران وآخران عن يساره يصفقان فقتلوا ببدر، والاستثناء منقطع، ويجوز أَن يكون متصلا باعتبار أَن ذلك صلاة أَيضاً، {فَذُوقُوا الْعَذابَ} بالقتل والأَسر فى بدر على أَن هذا نزل قبل بدر وإِن نزل بعد بدر فعلى طريق حكاية ما قيل لهم بالمعنى حال قتال بدر والمعطوف عليه محذوف مع قول بعد الفاء، أَى فعلوا لذلك فقيل لهم ذوقوا العذاب، وأَل للعهد فى قوله ائتنا بعذاب أَليم أَنجز لهم فى بدر، وإِذا قيل عذاب الآخرة فالتقدير فيقال لهم بذلك فى الآخرة: ذوقوا العذاب، وهو عهد خارجى وإِن أَريد به القتل والأَسر ببدر هكذا كان العهد ذهنيا، وقيل خارجياً، وإِن أَريد عذاب الآخرة فالعهد جنسى والفاء للسببية أَى ذوقوا بسبب مكائكم وتصديتكم {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} اعتقادا وقولا وفعلا، الباءَ سببية، ولا يتدافع السببيان لأَن الثانية منسحبة على مجموع ما قبله، أَى إِنما كان مكاؤهم وتصديتهم سبباً للعذاب لأَنهما كفر.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ} أي المسجد الحرام الذي صدوا المسلمين عنه، والتعبير عنه بالبيت للاختصار مع الإشارة إلى أنه بيت الله تعالى فينبغي أن يعظم بالعبادة وهم لم يفعلوا {إِلاَّ مُكَآءً} أي صفيراً، وهو فعال بضم أوله كسائر أسماء الأصوات فإنها تجيء على فعال إلا ما شذ كالنداء من مكا يمكو إذا صفر، وقرىء بالقصر كبكا {وَتَصْدِيَةً} أي تصفيقاً، وهو ضرب اليد باليد بحيث يسمع له صوت، ووزنه تفعلة من الصد كما قال أبو عبيدة فحول إحدى الدالين ياء كما في تقضي البازي لتقضضه، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } تفسير : [الزخرف: 57] أي يضجون لمزيد تعجبهم، وأنكر عليه، وقيل: هو من الصدأ وهو ما يسمع من رجع الصوت عند جبل ونحوه، والمراد بالصلاة إما الدعاء أو أفعال أخر كانوا يفعلونها ويسمونها صلاة، وحمل المكاء والتصدية عليها على ما يشير إليه كلام الراغب بتأويل ذلك بأنها لا فائدة فيها ولا معنى لها كصفير الطيور وتصفيق اللعب. وقد يقال: المراد أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة التي تليق أن تقع عند البيت على حد:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : يروى أنهم كانوا إذا أراد النبـي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون عليه بالصفير والتصفيق ويرون أنهم يصلون أيضاً. وروي أنهم كانوا يطوفون عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. وقال بعض القائلين: إن التصدية بمعنى الصد، والمراد صدهم عن القراءة أو عن الدين أو الصد بمعنى الضجة كما نقل عن ابن يعيش في قوله تعالى: {أية : إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } تفسير : [الزخرف: 57] والمأثور عن ابن عباس وجمع من السلف ما ذكرناه. نعم روي عن ابن جبير: تفسير التصدية بصد الناس عن المسجد الحرام وفيه بعد، وأبعد من ذلك تفسير عكرمة لها بالطواف على الشمال بل لا يكاد يسلم، والجملة معطوفة إما على {أية : وَهُمْ يَصُدُّونَ } تفسير : [الأنفال: 34] فتكون لتقرير استحقاقهم للعذاب ببيان أنهم صدوا ولم يقوموا مقام من صدوه في تعظيم البيت، أو على {أية : وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ } تفسير : [الأنفال: 34] فتكون تقريراً لعدم استحقاقهم لولايته. وقرأ الأعمش {صلاتهم} بالنصب وهي رواية عن عاصم وأبان، وهو حينئذ خبر {كَانَ} و {مكآء} بالرفع اسمها، وفي ذلك الإخبار عن النكرة بالمعرفة وهو من القلب عند السكاكي، وقال ابن جني: لا قلب ثم قال: لسنا ندفع أن جعل اسم كان نكرة وخبرها معرفة قبيح وإنما جاءت منه أبيات شاذة لكن من وراء ذلك ما أذكره، وهو أن نكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا تراك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، فتجد معناه فإذا الأسد ولا فرق بينهما، وذلك أنك في الموضعين لا تريد أسداً واحداً معيناً / وإنما تريد واحداً من هذا الجنس، وإذا كان كذلك جاز هنا النصب والرفع جوازاً قريباً كأنه قيل: وما كان صلاتهم إلا هذا الجنس من الفعل ولا يكون مثل قولك: كان قائم أخاك، لأنه ليس في قائم معنى الجنسية. وأيضاً فإنه يجوز مع النفي ما لا يجوز مع الإيجاب. ألا تراك تقول: ما كان إنسان خيراً منك ولا تجيز كان إنسان خيراً منك، وتمام الكلام عليه في موضعه. {فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} يعني القتل والأسر يوم بدر كما روي عن الحسن والضحاك، وقيل: عذاب الآخرة، وقيل: العذاب المعهود في قوله سبحانه: {أية : أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ } تفسير : [الأنفال: 32] ولا تعيين، والباء في قوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} للسببية، والفاء على تقدير أن لا يراد من العذاب عذاب الآخرة للتعقيب، وعلى تقدير أن يراد ذلك للسببية كالباء وأمر اجتماعهما ظاهر، والمتبادر من الكفر ما يرجع إلى الاعتقاد، وقد يراد به ما يشمل الاعتقاد والعمل كما يراد من الإيمان في العرف ذلك أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : معطوفة على جملة {أية : وهم يصدون عن المسجد الحرام}تفسير : [الأنفال: 34] فمضمونها سبب ثان لاستحقاقهم العذاب، وموقعها، عقب جملة: {أية : وما كانوا أولياءه}تفسير : [الأنفال: 34] يجعلها كالدليل المقرر لانتفاء ولايتهم للمسجد الحرام، لأن من كان يفعل مثل هذا عند مَسجد الله لم يكن من المتقين، فكان حقيقاً بسلب ولاية المسجد عنه، فعطفت الجملة باعتبارها سبباً للعذاب، ولو فصلت باعتبارها مقررة لسلب أهلية الولاية عنهم لصحَ ذلك، ولكن كان الاعتبار الأول أرجح؛ لأن العطف أدل عليه مع كون موقعها يفيد الاعتبار الثاني. والمُكآء على صيغة مصادر الأصوات كالرغاء والثغاء والبُكاء والنواح، يقال: مكَا يمْكُو إذا صَفّر بفيه، ومنه سمي نوع من الطْير المَكّاء بفتح الميم وتشديد الكاف، وجمعه مَكَاكِيء بهمزة في آخره بعد الياء، وهو طائر أبيضُ يكون بالحجاز. وعن الأصمعي قلت لمنتجع بن نبهان «ما تَمكُو» فشبك بين أصابعه ثم وضعها على فمه ونفخ. والتصدية التصفيق مشتقاً من الصدى وهو الصوت الذي يرده الهواء محاكياً لصوت صالح في البراح من جهة مقابلة. ولا تعرف للمشركين صلاة، فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاة مشاكلة تقديرية؛ لأنهم لما صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند البيت. كان من جملة طرائق صدهم إياهم تشغيبهم عليهم وسخريتهم بهم يحاكون قراءة المسلمين وصلاتهم بالمُكاء والتصدية، قال مجاهد: «فَعَل ذلك نفر من بني عبد الدار يخلطون على محمد صلاته» وبنو عبد الدار هم سدنة الكعبة وأهل عمارة المسجد الحرام فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة سمي فعلهم ذلك صلاة على طريقة المشاكلة التقديرية، والمشاكلة ترجع إلى استعارة علاقتها المشاكلة اللفظية أو التقديرية فلم تكن للمشركين صلاة بالمكاء والتصدية، وهذا الذي نحاه حذاق المفسرين: مجاهد، وابن جبير، وقتادة، ويؤيد هذا قوله: {أية : فذُوقوا العذاب بما كنتم تكفُرون}تفسير : [الأحقاف: 34] لأن شأن التفريع أن يكون جزاء على العمل المحكي قبله، والمكاء والتصدية لا يعدان كفراً إلاّ إذا كانا صادرين للسخرية بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبالدين، وأما لو أريد مجرد لهو عملوه في المسجد الحرام فليس بمقتض كونَه كفراً إلاّ على تأويله بأثر من آثار الكفر كقوله تعالى: {أية : إنما النسيء زيادة في الكفر}تفسير : [التوبة: 37]. ومن المفسرين من ذكر أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة ويمكّون ويصفقون روي عن ابن عباس كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفقون ويصغرون، وعليه فإطلاق الصلاة على المكاء والتصدية مجاز مرسل، قال طلحة بن عمرو: أراني سعيد بن جبير المكان الذي كانوا يمكّون فيه نحو أبي قبيس، فإذا صح الذي قاله طلحة بن عمرو فالعندية في قوله: {عند البيت} بمعنى مطلق المقاربة وليست على حقيقة ما يفيده (عند) من شدة القرب. ودل قوله: {فذوقوا العذاب} على عذاب وَاقع بهم، إذ الأمر هنا للتوبيخ والتغليظ وذلك هو العذاب الذي حل بهم يوم بدر، من قتل وأسر وحَرَب (بفتح الراء). {بما كنتم تكفرون} أي بكفركم فـ(ما) مصدرية، و{كان} إذا جعل خبرها جملة مضارعية أفادت الاستمرار والعادة، كقول عايشة، «فكانوا لا يقطعون السارق في الشيء التافه» وقول سعيد بن المسيب في «الموطأ»: «كانوا يعطون النفَل من الخُمس». وعبر هنا بـ{تكفرون} وفي سورة [الأعراف: 39] بـ{أية : تكسبون}تفسير : لأن العذاب المتحدث عنه هنال لأجل الكُفر. والمتحدث عنه في الأعراف لأجل الكفر والإضلال ومَا يجره الإضلال من الكبرياء الروئاسة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} الآية. المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، قال بعض العلماء: والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون} تفسير : [فصلت: 26].
د. أسعد حومد
تفسير : (35) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ تَطُوفُ بِالبَيْتِ عُراةً تُصَفِّرُ وَتُصَفِّقُ، وَقِيلَ إنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَخْلِطُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلاَتَهُ. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ سَيُذِيقُهُمُ العَذَابَ الألِيمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَجَعْلِهِمِ الصَّلاَةَ وَالطَّوَافَ لِلْعَبَثِ وَاللَّهْوِ وَالسُّخْرِيَةِ. مُكَاءً - صَفِيراً، مِنَ المُكَاءِ وَهُوَ التَّصْفِيرُ. تَصْدِيَةً - تَصْفِيقاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : حيث كانت صلاتهم مظهرا من مظاهر اللهو واللعب يؤدونها بالمكاء والتصدية، والمكاء هو التصفير الذي يصفرونه، والتصدية هي التصفيق، وكانت صلواتهم هي صفير يسبب صدى للآذان، بالإضافة إلى التصفيق بإيقاع معين، فكيف تكون الصلاة هكذا؟. وكيف يصدون عن البيت الحرام ولا ولاية لهم عليه؛ لأن الذي يلي أمر البيت الحرام لا بد أن يكون متقياً لله، لكن هؤلاء لم يكونوا أهلاً للتقوى؛ لأنهم لم يقوموا بالصلاة المطلوبة للبيت الحرام والتي يجب أن يذكر فيها الله ويُعبد؛ لذلك كان التعذيب لمن أصر على ذلك بعد أن نزل منهج الله الخاتم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ....
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} فالمُكاءُ: الصَّوتُ والصّفيرُ. والصَّوتُ يَصْفِرُ كَمَا يَصْفِرُ المُكاءُ، وهو طَائِرٌ، والتَصْدِيَةُ التـَصْفِيقُ بالأَكُفِ. تفسير : وقوله تعالى: {فَذُوقُواْ} معناهُ فَجَرِّبُوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني أن اللّه تعالى إنما جعل بيته الحرام ليقام فيه دينه، وتخلص له فيه العبادة،فالمؤمنون هم الذين قاموا بهذا الأمر،وأما هؤلاء المشركون الذين يصدون عنه، فما كان صلاتهم فيه التي هي أكبر أنواع العبادات { إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } أي: صفيرا وتصفيقا، فعل الجهلة الأغبياء، الذين ليس في قلوبهم تعظيم لربهم، ولا معرفة بحقوقه، ولا احترام لأفضل البقاع وأشرفها،فإذا كانت هذه صلاتهم فيه، فكيف ببقية العبادات؟!! فبأي: شيء كانوا أولى بهذا البيت من المؤمنين الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، إلى آخر ما وصفهم اللّه به من الصفات الحميدة، والأفعال السديدة. لا جرم أورثهم اللّه بيته الحرام، ومكنهم منه،وقال لهم بعد ما مكن لهم فيه { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } وقال هنا { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }.
همام الصنعاني
تفسير : 1015- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً}: [الآية: 35]. قال: المُكَاءُ: التَّصْفيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):