Verse. 1196 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُنْفِقُوْنَ اَمْوَالَہُمْ لِيَصُدُّوْا عَنْ سَبِيْلِ اؘ۝۰ۭ فَسَيُنْفِقُوْنَہَا ثُمَّ تَكُوْنُ عَلَيْہِمْ حَسْــرَۃً ثُمَّ يُغْلَبُوْنَ۝۰ۥۭ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْۗا اِلٰى جَہَنَّمَ يُحْشَــرُوْنَ۝۳۶ۙ
Inna allatheena kafaroo yunfiqoona amwalahum liyasuddoo AAan sabeeli Allahi fasayunfiqoonaha thumma takoonu AAalayhim hasratan thumma yughlaboona waallatheena kafaroo ila jahannama yuhsharoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين كفروا ينفقون أموالهم» في حرب النبي صلى الله عليه وسلم «ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون» في عاقبة الأمر «عليهم حسرة» ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه «ثم يغلبون» في الدنيا «والذين كفروا» منهم «إلى جهنم» في الآخرة «يحشرون» يساقون.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية، أتبعها بشرح أحوالهم في الطاعات المالية. قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من كبار قريش. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالاً، هكذا قاله صاحب «الكشاف». ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله، أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك. ثم قال: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } يعني: أنه سيقع هذا الإنفاق ويكون عاقبته الحسرة، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } تفسير : [المجادلة: 21] وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ففيه بحثان: البحث الأول: أنه لم يقل: وإلى جهنم يحشرون، لأنه كان فيهم من أسلم، بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك. البحث الثاني: أن ظاهر قوله: {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر. واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق، ثم قال: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } وفيه قولان: القول الأول: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى: {أية : كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا} تفسير : [الجن: 19] يعني لفرط ازدحامهم فقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى الفريق الخبيث. والقول الثاني: المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى: {أية : فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } تفسير : [التوبة: 35] واللام في قوله: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ } على القول الأول متعلق بقوله: {يُحْشَرُونَ } والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلق بقوله: {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ثم قال: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } وهو إشارة إلى الذين كفروا.

ابن كثير

تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذ قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا، ففعلوا، قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عباس أنزل الله عز وجل: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ - إلى قوله - وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}، وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير والحكم بن عيينة وقتادة والسدي وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر. وعلى كل تقدير، فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة، أي: ندامة، حيث لم تجد شيئاً؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومُعْلٍ كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي، ولهذا قال: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} وقوله تعالى: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء، وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر، وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة؛ كقوله: {أية : ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} تفسير : [يونس: 28] الآية، وقوله: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } تفسير : [الروم: 14]، وقال في الآية الأخرى: {أية : يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} تفسير : [الروم: 43] وقال تعالى: {أية : وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} تفسير : [يس: 59] ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل الله للكافرين من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقدرناهم على ذلك {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك؛ كقوله: { وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} الآية، وقال تعالى: {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} تفسير : [آل عمران: 179] الآية، وقال تعالى: {أية : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 142] ونظيرتها في براءة أيضاً، فمعنى الآية على هذا: إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ} أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض؛ كما قال تعالى في السحاب: {أية : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} تفسير : [النور: 43] أي: متراكماً متراكباً، {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ } في حرب النبي صلى الله عليه وسلم {لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ } في عاقبة الأمر {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ندامة لفواتها وفوات ما قصدوه {ثُمَّ يُغْلَبُونَ } في الدنيا{و ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }.منهم {إلَى جَهَنَّمَ} في الآخرة {يُحْشَرُونَ} يساقون

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: أنها نفقة قريش في قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، قاله الضحاك. والثاني: أنه أبو سفيان استأجر معه يوم أُحد ألفين من الأحابيش ومنه كنانة ليقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوى من انحاز إليه من العرب، قاله سعيد ومجاهد والحكم بن عيينة، وفي ذلك يقول كعب بن مالك: شعر : وجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسرٌ ومقنع ثــلاثــة آلافٍ ونـحـن نــَصِـيَّة ثلاثُ مئينٍ إن كثرنا فأربع تفسير : {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيهِم حَسْرَةً} يحتمل وجهين: أحدهما: يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفاً عليها. والثاني: تكون خيبتهم فيما أملوه من الظفر عليهم حسرة تحذرهم بعدها. {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} وعد بالنصر فحقق وعده. قوله عز وجل {لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} فيه وجهان: أحدهما: الحلال من الحرام. الثاني: الخبيث ما لم تخرج منه حقوق الله تعالى، والطيب: ما أخرجت منه حقوق الله تعالى. يحتمل ثالثاً: أن الخبيث: ما أنفق في المعاصي، والطيب: ما أنفق في الطاعات. {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} أي يجمعه في الآخرة وإن تفرق في الدنيا {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي يجعل بعضه فوق بعض، ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} تفسير : [النور: 43]. وفي قوله تعالى {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} وإن كانت الأموال لا تعذّب وجهان: أحدهما: أن يجعلها عذاباً في النار يعذبون بها، كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} تفسير : [التوبة: 35] الآية. الثاني: أنه يجعل أموالهم معهم في جهنم لأنهم استطالوا بها وتقووا على معاصي الله فجعلها معهم في الذل والعذاب كما كانت لهم في الدنيا عزاً ونعيماً.

ابن عطية

تفسير : قال بعض الرواة منهم ابن أبزى وابن جبير والسدي ومجاهد: سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من الذهب أو نحو هذا، وأن الآية نزلت في ذلك، وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في العير: إن محمداً قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الواقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأراً، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: وعلى القولين فإنما أنفق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبراً لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبراً يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة ويذهب المال باطلاً، والحسرة التلهف على الفائت، ويحتمل أن تكون الحسرة في يوم القيامة، والأول أظهر وإن كانت حسرة القيامة راتبة عليهم، ثم أخبر أنه يغلبون بعد ذلك، بأن تكون الدائرة عليهم، وهذا من إخبار القرآن بالغيوب لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر، قال ابن سلام: بين الله عز وجل أنهم يغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، حكاه الزهراوي، ثم أخبر تعالى عن الكافرين أنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر جمع الناس والبهائم إلى غير ذلك مما يجمع ويحضر،ومنه قوله {أية : وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً} تفسير : [الأنعام:111] ومنه في التفسير: أن السلوى طائر كانت الجنوب تحشره على بني إسرائيل، والقوم الذين جلبهم أبو سفيان وأنفق المال عليهم هم الأحابيش من كنانة، ولهم يقول كعب بن مالك: [الطويل] شعر : وَجِئْنا إلى موجٍ من البحر وسطه أحابيشُ منهم حاسرٌ ومقنعُ ثلاثة آلاف ونحن قصية ثلاثُ مئين إن كثرن وأربعُ تفسير : وقال الضحاك وغيره: إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر الذين كانوا يذبحون يوماً عشراً ويوماً تسعاً من الإبل، وحكى نحو هذا النقاش.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} نفقة قريش في القتال ببدر، أو استأجر أبو سفيان يوم أُحُد ألفين من الأحابيش من كنانة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية. لمَّا شرح أحوال الكفَّار في طاعاتهم البدنية، أتبعها بشرح أحوالهم في الطَّاعات الماليَّةِ. قال مقاتل والكلبيُّ: نزلت في المُطعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من كبار قريش، كان يطعم كلُّ واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيدُ بن جبيرٍ: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العربِ، وأنفق عليهم أربعين أوقية، والأوقية: اثنان وأربعون مثقالا، هكذا قاله الزمخشريُّ. ثُم بيَّن تعالى أنهم إنَّما ينفقون المال: {ليصُدُّوا عن سبيلِ اللَّه} أي: غرضهم من الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله، وإن لم يكن عندهم كذلك. قال: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي: أنَّ هذا الإنفاق يكون عاقبته حسرة؛ لأنَّهُ يذهب المال ولا يحصل المقصودُ، بل يغلبون في آخر الأمر. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} وإنَّما خصَّ الكفار، لأن فيهم من أسلم. قوله {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ} قد تقدَّم الكلامُ فيه في آل عمران: [179]. والمعنى: ليميزَ اللَّهُ الفريق الخبيث من الكُفَّارِ من الفريق الطَّيب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً، أي: يجمعهم ويضمُّهم حتَّى يتراكموا. "أولَئِكَ" إشارةً إلى الفريق الخبيثِ، وقيل: المرادُ بالخبيثِ: نفقة الكَافِرِ على عداوة محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وبالطَّيِّب: نفقة المؤمن في جهاد الكفار، كإنفاقِ أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول - عليه الصلاة والسلام -، فيضم تعالى تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنَّم، ويعذبهم بها، كقوله تعالى: {أية : فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ}تفسير : [التوبة: 35] فاللاَّمُ في قوله {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ} على القول الأوَّلِ متعلقة بقوله تعالى: {يُحْشَرُونَ} أي: يحشرون ليميز اللَّهُ الفريق الخبيث من الفريق الطيب، وعلى القول الثاني متعلقة بقوله: {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} و "يَجْعَلَ" يحتمل أن تكون تصييريةً، فتنصبَ مفعولين، وأن تكون بمعنى الإلقاء، فتتعدَّى لواحد، وعلى كلا التقديرين فـ "بَعْضَهُ" بدل بعضٍ من كل، وعلى القول الأوَّلِ يكون "عَلَى بعضٍ" في موضع المفعول الثَّاني، وعلى الثَّاني يكون متعلقاً بنفس الجَعْل، نحو قولك: ألقَيْتَ متاعك بعضه على بعض. وقال أبُو البقاءِ، بعد أن حكم عليها بأنَّها تتعدَّى لواحدٍ: "وقيل: الجار والمجرور حالٌ تقديره: ويجعل الخبيث بعضه عالياً على بعض". ويقال: مَيَّزْتُه فتمَيَّزَ، ومزْتُه فانمازَ، وقرىء شاذاً: {وانْمَازُوا الْيَوْمَ} [يس: 59]؛ وأنشد أبو زيدٍ: [البسيط] شعر : 2706 - لمَّا نَبَا اللَّهُ عَنِّي شرَّ غُدْرَتِهِ وانْمَزْتُ لا مُنْسِئاً ذُعْراً ولا وَجِلا تفسير : وقد تقدَّم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران [179]. قوله "فَيَرْكُمَهُ" نسقٌ على المنصوبِ قبله، والرَّكْمُ جمعك الشَّيء فوق الشيء، حتى يصير رُكَاماً مركوماً كما يُركم الرمل والسحاب، ومنه: {أية : سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}تفسير : [الطور: 44] والمُرْتَكَم: جَادَّة الطريق للرَّكْم الذي فيه أي: ازدحام السَّبابلة وآثارهم، و "جَمِيعاً" حالٌ، ويجوزُ أن يكون توكيداً عند بعضهم ثم قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} إشارة إلى الذين كفرُوا.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر سبحانه عن أحوال الكفار في الأعمال البدنية، وكان غلبهم مع كثرتهم وقوتهم مستبعداً، أخبر بما يقربه مبيناً لأعمالهم المالية فقال: {إن الذين كفروا} أي مع كثرتهم لأنهم ستروا مرائي عقولهم التي هي الإنسان بالحقيقة فنقصوا بذلك نقصاً لا يدرك كنهه {ينفقون أموالهم} أي يعزمون على إنفاقها فيما يأتي {ليصدوا} أي بزعمهم أنفسهم وغيرهم {عن سبيل الله} أي عن سلوك طريق - الذي لا يدني عظمته عظمة مع اتساعه ووضوحه وسهولته {فسينفقونها} أي بحكم قاهر لهم لا يقدرون على الانفكاك عنه {ثم تكون} أي بعد إنفاقها بمدة، وعبر بعبارة ظاهرة في مضرتها فقال: {عليهم} وأبلغ في ذلك بأن أوقع عليها المصدر فقال: {حسرة} أي لضياعها وعدم تأثيرها {ثم يغلبون*} أي كما اتفق لهم في بدر سواء، فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوة ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئاً مما أراد الله بهم، بل كان وبالاً عليهم، فإنه كان سبباً لجرأتهم حتى أقدموا نظراً إلى الحاضر وقصوراً عن الغائب كالبهائم فهلكوا، وكان ذلك قوة للمؤمنين فما كان في الحقيقة إلا لهم، وهذا الكلام منطبق على ما كان سبب نزوله الآية وعلى كل ما شاكله، وذلك أنهم لما قهروا في بدر قال لهم أبو سفيان: إنه ينبغي أن تنفقوا مال تلك العير - يعني التي كانت معه - ونحث على حرب محمد، فأجابوا وأنفقوه على غزوة أحد فحصل لهم فيها بعض ظفر ثم تعقبه الحسرة والمغلوبية في بدر الموعد وكل ما بعدها؛ ثم أظهر وصفهم الذي استحقوا به ذلك تعليقاً للحكم به وتعميماً منذراً لهم بما هو أشد من ذلك فقال: {والذين كفروا} أي حكم بدوام كفرهم عامة سواء زادوا على الكفر فعل ما تقدم أم لا {إلى جهنم} أي لا إلى غيرها. ولما كان المنكى هو الحشر، لا كونه من معين، بني للمفعول قوله: {يحشرون*} أي بعد الموت فهم في خزي دائم دنيا وأخرى، ويجوز أن يتجوز بجهنم عن أسبابها فيكون المعنى أنهم يستدرجون بمباشرة أسبابها إليها ويحملون في الدنيا عليها، وهذه الآيات - مع كونها معلمة بما لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من أن آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه الزمان علماً من أعلام النبوة وفي الآخرة جهنم - هي مبينة لكذبهم في قولهم{أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا}تفسير : [الأنفال: 31] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم لقالوا مثله ثم قالوا: لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله، موضع قولهم{أية : إن كان هذا هو الحق} تفسير : [الأنفال: 32] إلى آخره، وأما آية المكاء والتصدية فكأنها تقول: هذا القرآن في أعلى درج البلاغة ولم تؤهلوا أنتم - مع ادعائكم السبق في البلاغة - لأن تعارضوا بشيء له أهلية لشيء من البلاغة، بل نزلتم إلى أصوات الحيوانات العجم حقيقة، فلا أجلى من هذا البيان على ما ادعيتم من الزور والبهتان، وأما آية الإنفاق فقائلة: لو قدرتم في معارضته على إنفاق الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة الأهوال وفساد الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد بالعذاب المؤبد. ولما ذكر حشر الكافرين ذكر علته فقال معلقاً بيحشرون: {ليميز الله} أي الذي له صفات الكمال بذلك الحشر {الخبيث من الطيب} أي إنما جعل للكفار داراً تخصهم ويخصونها لإظهار العدل والفضل بأن يميز الكافر من المؤمن فجعل لكل دار يتميز بها عدلاً في الكافرين وفضلاً على المؤمنين، فيجعل الطيب في مكان واسع حسن {ويجعل الخبيث} أي الفريق المتصف بهذا الوصف {بعضه على بعض} والركم: جمع الشيء بعضه فوق بعض، فكأن قوله: {فيركمه جميعاً} عطف تفسير يؤكد الذي قبله في إرادة الحقيقة مع إفهام شدة الاتصال حتى يصير الكل كالشيء الواحد كالسحاب المركوم، والنتيجة قوله: {فيجعله في جهنم} أي دار الضيق والغم والتهجم والهم. ولما كان هذا أمراً لا فلاح معه، استأنف قوله جامعاً تصريحاً بالعموم: {أولئك} أي البعداء البغضاء الذين أفهمهم اسم الجنس في الخبيث {هم الخاسرون*} أي خاصة لتناهي خسرانهم، لأنهم اشتروا بأموالهم إهلاك أنفسهم بذلك الحشر. ولما بين ضلالهم في عبادتهم البدنية والمالية، وكان في كثير من العبارات السالفة القطع للذين كفروا بلفظ الماضي بالشقاء، كان ذلك موهماً لأن يراد من أوقع الكفر في الزمن الماضي وإن تاب، فيكون مؤيساً من التوبة فيكون موجباً للثبات على الكفر، قال تعالى متلطفاً بعباده مرشداً لهم إلى طريق الصواب مبيناً المخلص مما هم فيه من الوبال في جواب من كأنه قال: أما لهم من جبلة يتخلصون بها من الخسارة {قل للذين} أي لأجل الذين {كفروا} أني أقبل توبة من تاب منهم بمجرد انتهائه عن حاله {إن ينتهوا} أي يتجدد لهم وقتاً ما الانتهاء عن مغالبتهم بالانتهاء عن كفرهم فيذلوا لله ويخضعوا لأوامره {يغفر لهم} بناه للمفعول لأن النافع نفس الغفران وهو محو الذنب {ما قد سلف} أي مما اجترحوه كائناً ما كان فيمحي عيناً وأثراً فلا عقاب عليه ولا عتاب {وإن} أي وإن يثبتوا على كفرهم و {يعودوا} أي إلى المغالبة {فقد مضت سنت} أي طريقة {الأولين*} أي وجدت وانقضت ونفذت فلا مرد لها بدليل ما سمع من أخبار الماضين وشوهد من حال أهل بدر مما أوجب القطع بأن الله مع المؤمنين وعلى الكافرين، ومن كان معه نصر، ومن كان عليه خذل وأخذ وقسر {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} تفسير : [المجادلة: 21] {أية : و لينصرن الله من ينصره} تفسير : [الحج: 40] {أية : والعاقبة للمتقين} تفسير : [القصص: 128] وإن كانت الحرب سجالاً. ولما أشار ختم الآية قتالهم إن أصروا، وكان التقدير: فأقدموا عليهم حيثما عادوكم إقدام الليوث الجريئة غير هائبين كثرتهم ولا قوتهم فإن الله خاذلهم، عطف عليه قوله مصرحاً بالمقصود: {وقاتلوهم} أي دائماً {حتى لا تكون فتنة} أي سبب يوجب ميلاً عن الدين أصلاً {ويكون الدين}. ولما كانت هذه الوقعة قد سرت كتائب هيبتها في القلوب فوجبت أيما وجبت، فضاقت وضعفت صدور الكافرين، وانشرحت وقويت قلوب المؤمنين؛ اقتضى هذا السياق التأكيد فقال: {كله لله} أي الملك الأعظم خالصاً غير مشوب بنوع خوف أو إغضاء على قذى، وأصل الفتن: الخلطة المحيلة، ويلزم ذلك أن يكون السبب عظيماً لأن الشيء لا يحول عن حاله إلا لأمرعظيم لأن مخالفة المألوف عسرة، ومنه النتف، وكذا نفت القدر، وهو أن يغلي المرق فيلزق بجوانبها، والتنوفة: القفر، لأنه موضع ذلك، ويلزمه الإخلاص، من فتنت الذهب - إذا أذبته فتميز جيده من رديئه، وتارة يكون الميل إلى جهة الرديء وهو الأغلب، وتارة إلى الجيد، ومنه {أية : وفتناك فتوناً}تفسير : [طه:40]. ولما كان لهم حال اللقاء حالان: إسلام وإقبال، وكفر وإعراض وإخلال، قال مبيناً لحكم القسمين: {فإن انتهوا} أي عن قتالكم بالمواجهة بالإسلام فاقبلوا منهم وانتهوا عن مسهم بسوء ولا تقولوا: أنتم متعوذون بذلك غير مخلصين، تمسكاً بالتأكيد بكله، فأنه ليس عليكم إلا ردهم عن المخالفة الظاهرة، وأما الباطن فإلى الله {فإن الله} أي المحيط علماً وقدرة، وقدم المجرور اهتماماً به إفهاماً لأن العلم به كالمختص به فقال: {بما يعملون} أي وإن دقَّ {بصير*} فيجاريهم عليه، وأما أنتم فلستم عالمين بالظاهر والباطن معاً فعليكم قبول الظاهر، والله بما تعملون أنتم أيضاً - من كف عنهم وقتل لله أو لحظّ نفس - بصير، فيجازيكم على حقائق الأمور وبواطنها وإن أظهرتم للناس ما يقيم عذركم، ويكمل لكل منكم أجر ما كان عزم على مباشرته من قتالهم لو لم ينتهوا، وإن لم ينتهوا بل أقدموا على قتالكم، هكذا كان الأصل، ولكنه سبحانه عبر بقوله: {وإن تولوا} أي عن الإجابة تبشيراً لهم بهزيمتهم وقلة ثباتهم لما ألقى في قلوبهم من الرعب، ويؤيد ذلك قوله: {فاعلموا أن الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء {مولاكم} أي متولي أموركم فهو يعمل معكم ما يعمل من يتولى امر من يحبه من الاجتهاد في تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره فهو لا محالة ناصركم؛ ثم استأنف مدحه بما هو أهله تعريفاً بقدره وترغيباً في تولية فقال: {نعم المولى} ولم يدخل فاء السبب هنا لأن المأمور به العلم، واعتقاد كونه مولى واجب لذاته لا لشيء آخر، بخلاف ما في آخر الحج، فإن المأمور هناك الاعتصام {ونعم النصير*} أي فلا تخافوهم أصلاً وإن زادت كثرتهم وقويت شوكتهم فلا تبارحوهم حتى لا يكون إلا كلمة الله.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال‏:‏ حدثني الزهري، ومحمد بن يحيى بن حيان، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر، قالوا‏:‏ لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة‏.‏ فقالوا‏:‏ يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأرا‏ً.‏ ففعلوا‏.‏ ففيهم كما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنزل الله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏والذين كفروا إلى جهنم يحشرون‏} ‏‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في أبي سفيان بن حرب‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى قوله ‏ {‏أولئك هم الخاسرون‏} ‏ قال‏:‏ في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد‏. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت في أبي سفيان بن حرب، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب، فأنزل الله هذه الآية، وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه‏:‏ شعر : وجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ثلاث مئين إن كثرن فأربع تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة في قوله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في أبي سفيان، أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهب‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله‏} ‏ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة‏} ‏ يقول‏:‏ ندامة يوم القيامة‏. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏والذين كفروا إلى جهنم يحشرون‏}‏ يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة، فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن شهر بن عطية رضي الله عنه ‏{‏ليميز الله الخبيث من الطيب‏} ‏ قال‏:‏ يميز يوم القيامة ما كان لله من عمل صالح في الدنيا، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فيركمه جميعا‏ً} ‏ قال‏:‏ يجمعه جميعاً‏.

القشيري

تفسير : يرومون بإنفاقهم صنوفَ أموالهم صلاحاً ونظاماً لأحوالهم، ثم لا يَحْظَوْن إلا بخسران، ولا يحصلون إلا على نقصان. خَسِروا وهم لا يشعرون، وخابوا وسوف يعلمون: شعر : سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أَفَرَسٌ تحتك أم حِمارُ؟ تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} إنَّهم وإن أَلْهَتْهُم أموالُهم فإلى الهوان والذِّلة مآلُهم، لم تُغْنِ عنهم أموالهُم، ولم تنفعهم أعمالُهم، بل خُتِمَتْ بالشقاوة أحوالُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين كفروا} نزلت فى المطعمين يوم بدر وكانوا اثنى عشر رجلا من اشراف قريش يطعم كل واحد منهم عسكر الكفار كل يوم عشر جزر وهو جمع جزوز وهو البعير ذكرا كان او انثى الا ان لفظه مؤنث تقول هذه الجزور وان اردت ذكرا {ينفقون أَموالهم} على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم {ليصدوا} اى يمنعوا الناس {عن سبيل الله} اى دين الله واتباع رسوله لانه طريق ثوابه والخلود فى جنته لمن سلكه على ما امر به واللام فى ليصدوا لام الصيرورة وهى لام العاقبة والمآل {فسينفقونها} بتمامها ولعل الاول اخبار عن انفاقهم وهو انفاق بدر والثانى اخبار عن انفاقهم فيما يستقبل هو انفاق احد ويحتمل ان يراد بهما واحد بان يكون ينفقون للاستمرار التجددى ويكون السين فى قوله فسينفقونها للتأكيد لا للتسويف فيتحد الانفاقان الا ان مساق الاول لبيان غرضهم من الانفاق ومساق الثانى لبيان عاقبته {ثم تكون} تلك الاموال {عليهم حسرة} ندما وغما لفواتها من غير حصول المقصود ولما كانت عاقبة انفاقها حسرة فى قلوبهم جعلت ذوات الاموال كأنها عين الحسرة للمبالغة. قال الحدادى والحسرة مأخوذة من الكشف يقال حسر رأسه اذا كشفه والحاسر كاشف الرأس فيكون المعنى ثم يكشف لهم عن ذلك ما يكون حسرة عليهم {ثم يُغلبون} آخر الامر وان كانت الحرب بينهم سجالا قبل ذلك {والذين كفروا} واصروا على الكفر {إلى جهنم يحشرون} اى يساقون لا الى غيرها

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إنَّ الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدوا} بذلك {عن سبيلِ الله}، ويُحاربون الله ورسوله. قيل: نزلت في أصحاب العير؛ فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم: أعينوا بهذا المال على حرب محمد، لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا، وقيل: في المطْعمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش، يطعم كل واحد منهم، كل يوم، عشر جزر، وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليوم أُحد ألفين من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. قال تعالى: {فسينفقونها} بتمامها، {ثم تكون عليهم حسرةً} يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة، فيصير إنفاقها ندماً وغمَّاَ، لفواتها من غير حصول المقصود، وجعل ذاتها تصير حسرة، وهي عاقبة إنفاقها؛ مبالغةً. قال البيضاوي: ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال، وهو إنفاق بدر، والثاني عن إنفاقها فيما يُستقبل، وهو إنفاق غزوة أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد، على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق، ومساق الثاني لبيان عاقبته، وهو لم يقع بعد. هـ. قلت: وهذا الأخير هو الأحسن. ثم ذكر وعيدهم فقال: {والذين كفروا} أي؛ الذين ثبتوا على الكفر منهم؛ إذ أسلم بعضهم، {إلى جهنم يُحشرون}؛ يُضمون ويُساقون، {ليميزَ الله الخبيثَ من الطّيبِ}؛ الكافرين من المؤمنين، أو الفساد من الصلاح، أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أنفقه المسلمون في نصرته، أي: حشرهم إليه ليفرق بين الخبيث والطيب، {يجعل الخبيثَ بعضَهُ على بعض فيَركُمَه} أي: يجمعه، أو يضم بعضه إلى بعض، حتى يتراكمون من فرط ازدحامهم، {فيجعَلهُ في جهنم} كله، {أولئك هم الخاسرون} الكاملون في الخسران، لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم، والإشارة تعود على الخبيث؛ لأنه بمعنى الفريق الخبيث، أو على المنفقين ليصدوا عن سبيل الله. والله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أنفق ماله في لهو الدنيا، وفرجتها، من غير قصدٍ حسن، بل لمجرد الحظ والهوى، تكون عليه حسرة وندامة، تنقضي لذاته وتبقى تبعاته، وهو من كفران نعمة المال، فهو معرض للزوال، وإن بقي فهو استدراج، وعلامة إنفاقه في الهوى: أنه أتاه فقير يسأله درهماً منعه، وينفق في النزهة والفرجة الثلاثين والأربعين، فهذا يكون إنفاقه حسرة عليه، والعياذ بالله. ثم ندب إلى التوبة، فقال: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار بأنهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وغرضهم المنع عن سبيل الله. وسبيل الله ها هنا، هو دين الله الذي أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسمي سبيل الله ها هنا، لان بسلوكه واتباعه يبلغ ما عند الله، وإن لم يعلموا أنها سبيل الله لانهم قصدوا إلى الصد عنها، وهي سبيل الله على الحقيقة. ويجوز أن يقال قصد الصد عن سبيل الله، وإن لم يعلم. ولا يجوز قصد أن يصد من غير أن يعلم، لأن (أن) تفسر الوجه الذي منه قصد، فلا يكون إلا مع العلم بالوجه كقولك قصد أن يكذب، وقصد الكذب من غير ان يعلم أنه كذب. وإنما قال {ينفقون} ثم قال {فسينفقونها}، لأن الاول معناه ان من شأنهم ان ينفقوا للصد، والثاني - معناه انه سيقع الانفاق الذي يكون حسرة بما يرونه من الغلبة. والحسرة الغم بما انكشف من فوت استدراك الخطيئة. والاصل الكشف من قولهم حسر عن ذراعه يحسر حسراً والحاسر خلاف الدارع. وحسر حسرة وهو حسير قال المراد: شعر : ما انا اليوم على شيء خلا يا بنة القين تولي يحسرا تفسير : وكان الانفاق المذكور في الاية القائم به أبو سفيان: صخر بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الاحابيش من كنانة في قول سعيد، وابن ابرى، ومجاهد والحكم ابن عيينة. وفي ذلك قال كعب بن مالك: شعر : وجئنا إلى موج من البحر وسطه احابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية ثلاث مئين ان كثرن فأربع تفسير : وقال الضحاك: إنما عنى بالآية الانفاق يوم بدر. وفي الآية دلالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانه اخبر بالشيء قبل كونه فكان على ما اخبر به.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذينَ كَفرُوا ينْفقونَ أمْوالَهم ليصُدُّوا} الناس {عَنْ سَبيلِ اللهِ} أى إن الذين كفروا يريدون إنفاق أموالهم لذلك {فسَيُنفِقونَها} فى ذلك، فالإنفاقان واحد، وكذا إن أريد بذكر الإنفاق أولا لبيان علة الإنفاق، ويذكره ثانيا بيان أنه سيقع ويرتب على وقوعه الحسرة والغلبة، وذلك أن عبد الله بن ربيعة، وعكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية وغيرهم من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، كلموا أبا سفيان ومن له مال فى تلك العير التى جاء بها من الشام، أن محمدا قد قتل خياركم فأعينونا بهذا المال، لعلنا ندرك منه ثأرنا، فأرادوا ذلك وأنعموا به وأنفقوها يوم أحد، فهو المال الذى أرادوا إنفاقه، أو أنعموا به وأنفقوه عن قريب، ولكن ما استعمل إلا يوم أحد كخيل وسلاح وزاد، أو أنفقوها عن قريب صرفت للرجال ليتمكنوا من الحرب، والقرب نسى فلا ينافى السين. وجزم عاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر، وابن سعد بن معاذ أنه أنفق فى غزوة أحد، وعن السدى، ومجاهد، وابن جبير: أن أبا سفيان أنفق فى غزوة أحد على العرب المتجمعين بمكة ونواحيها من غير قريش أربعين أوقية ذهبا، والأوقية أربعون درهما، قيل: واستأجر أيضا ألفين من العرب سوى ذلك، قيل: هم من كنانة، ونزلت فى ذلك، وقيل: الإنفاق الأول يوم بدر، والمضارع فيه لحكاية الحال الماضية كأنها حاضرة على أن الآية نزلت بعد الإنفاق، وللاستقبال على أنها نزلت قبله، وللحال الحقيقة على أنها نزلت وقت الإنفاق. والإنفاق الثانى يوم أحد أو قبله لغزوة أحد، فيقدر مضاف أى فسينفقون بقيتها، أو يجعل ذلك من باب الاستخدام بأن يرجع الضمير إلى الأموال المذكورة لا بقيد إنفاقها الأول، أو يضمن الإنفاق معنى الإنقاص، وذلك أن المطعمين أبا جهل وعتبة وشيبة ونبيها ومنبها، وأبا البخترى، والنظر، وحكيما، وأبيا، وزمعة، والحارث، والعباس، يطعم منهم كل يوم عشر جزر، وقال الضحاك: يوما عشرا، ويوما تسعا، وهو أنسب بما مر فى عدد المشركين. وتخريج الآية على المطعمين، ومنهم العباس يقضى أنه كافر حين كان بمكة، وحين خرج إلى بدر وأسلم بعد ما أسر، وقيل: كان بمكة مسلما، وإنما خرج معهم غير قاصد للشر فيما قال، وذلك هو الإنفاق الأول، وأنفقوا أيضا لغزوة أحد وهو الإنفاق الثانى، وذلك توجيه للأقوال والروايات، وتطبيق لها بالآية على ما تقبله الصناعة بحسب ما ظهر لى، والذى أقول به: إن المضارع الأول للاستمرار التجددى، والكلام يشمل كل من كانت عادته الإنفاق للصد عن سبيل الله وهو دينه، واتباع رسوله من المطعمين الاثنا عشر وغيرهم، ولو صح أن سبب نزول الآية من ذكر. {ثمَّ تكُون عليْهِم حَسرةً} ندما وتلهفا وغما فى الدنيا، هذا هو المراد، والله أعلم، ولو كانت أيضا كذلك فى الآخرة، وقيل: المراد هنا فى الآخرة وعليه يستثنى العباس، إلا إن كان حال الإنفاق مؤكدا فإنه يكون عليه ذلك فى الآخرة تضييقا فى قبره، أو فى المحشر، ثم ينجو، وإنما كانت حسرة فى الدنيا، لأنهم أنفقوها ولم ينفعهم إنفاقها، والحكم على الأموال بأنها حسرة مبالغة، فإن الحسرة إنما هى عاقبة إنفاقها، ولا يخرج عن هذا بتقدير مضاف هكذا، ثم يكون إنفاقها لأن الإنفاق أيضا ليس حسرة، بل ترتب عليه، وزعم السعد أن ذلك استعارة تمثيلية حيث شبه كون عاقبة إنفاقها حسرة بكون ذاتها حسرة، وأطلق المشبه به على المشبه. {ثم يُغْلبُونَ} وهذا يوم أحد، قال ابن سلام: بين الله أنهم سيغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، وقيل: المراد أن آخر أمرهم أن يغلبوا، ولو كانت الحرب قبل ذلك دولا {والَّذينَ كَفرُوا إلى جهَنَّم يُحْشَرونَ} يجمعون إن لم يتوبوا.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} المراد أَبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأَبو البخترى والنضر وحكيم بن حزام، وأَبو زمعة والحارث وأَبو سفيان، والمراد بالآية العموم. ولو نزلت الآية فى هؤلاء المخصوصين يطعم كل واحد كل يوم عشرة أَبعرة حين خرجوا إِلى بدر، وكانت وقعة بدر قبل تمام عددهم عند نوبة العباس رضى الله عنه فلم ينفق شيئاً، وهم ثلاثة عشر رجلا، وشهر اثنا عشر، وقيل: أَنفق العباس أَربعين أَوقية، والأُوقية يومئذ أَربعون مثقالا من الذهب، وصح إِطلاق الآية على نحو العباس لأَنه صدق عليه أَنه أَنفق وأَنه مغلوب وأَنه تحسر، وذلك كله فى الدنيا، وأَما خصوص المصرين ففى قوله "والذين كفروا إِلى جهنم يحشرون" {يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} تلك الإِبل وغيرها فى عداوة رسول الله وإِبطال دين الله كما قال {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} وقد قيل نزلت فى ذلك وفى إِنفاق أَبى سفيان حين استأجر ليوم أَحد بعد بدر أَلفين من سائر الناس الحاضرين حول مكة سوى من كان من جيش مكة ويسمون الأَحابيش لحضورهم حول مكة، وليسوا من جيشها وأَنفق عليهم أَربعين أوقية، وفى إِنفاق أَصحاب العير الآتين من التجر بالشام، قالوا: أَنفقوا هذا المال لعلنا نأخذ ثأْرنا من محمد وأَصحابه إِذ قتلونا فى بدر فجمعوها لقتال أحد {فَسَيُنْفِقونَهَا} تفصيل وبيان لثمرة إِنفاقهم وعاقبتها، والفاء لذلك لا للترتيب والاتصال وإِن قلنا: نزل هذا قبل بدر فظاهر، أَو بعدها فتنزيل للماضى منزلة المستقبل ليشاهد إِذا حضر أَو الإِنفاق الأَول فى بدر ذكر قبلها، وإِن ذكر بعدها فللتنزيل المذكور والثانى للإِنفاق ليوم أحد، ويجوز حمل الأَول على الإِرادة أَى إِن الذين كفروا يريدون إِنفاق أَموالهم فسينفقونها، أَو الأَول إِنفاق بعضها والثانى إِنفاقها بتمامها، ويبعد أَن يكون المعنى فسيعلمون عاقبة إِنفاقها من الخيبة مما قصدوا بإِنفاقها، وكرر الإِنفاق لزيادة تقبيح صنيعهم. وخبر إِن هو قوله: ينفقونها، كما رأَيت، أَو هو حال من واو كفروا، أَو خبر إِن سينفقونها قرن بالفاء للعموم فيدخل فيهم الثلاثة عشر بالأَولى {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} ندماً وغماً فى الدنيا كالآخرة لأَنهم أَنفقوها ليغلبوا المسلمين، وغلبهم المسلمون. ووجه كونها حسرة فى بدر فحسب الدنيا ظاهر، وأَما فى أحد فلعدم نجاتهم من فتح مكة عليهم، وضمير تكون لأَموال على حذف، أَى يكون إِنفاقها وليس الأَموال ولا إِنفاقها نفس الحسرة ولكن سببها فأَخبر عنها باسم مسببها مبالغة كأَنها نفس الحسرة {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} يغلبهم المسلمون فى الدنيا بالقتال أَما فى الآخرة ففى قوله {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} يغلبهم المسلمون فى الدنيا بالقتال أَما فى الآخرة ففى قوله {وَالَّذِينَ كفَرُوا} أَصروا على الكفر {إِلَى جَهنَّمَ يُحْشَرُونَ} يجمعون.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} نزلت على ما روي عن الكلبـي والضحاك ومقاتل في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً، أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وبنية ومنية ابنا الحجاج وأبو البحتري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبـي بن خلف وزمعة بن الأسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس بن عبد المطلب وكلهم من قريش، وكان كل يوم يطعم كل واحد عشر جزر وكانت النوبة يوم الهزيمة للعباس، وروى ابن إسحاق أنها نزلت في أصحاب العير. وذلك أنه لما أصيبت قريش يوم بدر ورجعوا إلى مكة مشى صفوان بن أمية وعكرمة بن أبـي جهل في رجال من قريش أصيب آباؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل رجالكم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرنا بمن أصيب منا ففعلوا، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنها نزلت في أبـي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش ليقاتل بهم النبـي صلى الله عليه وسلم سوى من استجاشهم من العرب وأنفق عليهم أربعين أوقية من الذهب وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من الذهب، وفيهم يقول كعب بن مالك من قصيدة طويلة أجاب بها هبيرة بن أبـي وهب:شعر : فجئنا إلى موج من البحر وسطهم أحابيش منهم حاسر ومقنع ثلاثة آلاف ونحن عصابة ثلاث مئين إن كثرنا فأربع تفسير : وسبيل الله طريقه، والمراد به دينه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، واللام في {لِيَصُدُّواْ} لام الصيرورة ويصح أن تكون للتعليل لأن غرضهم الصد عن السبيل بحسب الواقع وإن لم يكن كذلك في اعتقادهم، وكأن هذا بيان لعبادتهم المالية بعد عبادتهم البدنية، والموصول اسم {إِنَّ} وخبرها على ما قال العلامة الطيبـي في قوله تعالى: {فَسَيُنفِقُونَهَا} و{يُنفِقُونَ} إما حال أو بدل من {كَفَرُواْ} أو عطف بيان، واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } تفسير : [البروج: 10] فهو جزاء بحسب المعنى، وفي تكرير الإنفاق في الشرط والجزاء الدلالة على كمال سوء الإنفاق كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } تفسير : [آل عمران: 192] وقولهم: من أدرك الصمان فقد أدرك المرعى، والكلام مشعر بالتوبيخ على الإنفاق والإنكار عليه، قيل: وإلى هذا يرجع قول بعضهم إن مساق ما تقدم / لبيان غرض الإنفاق ومساق هذا لبيان عاقبته وأنه لم يقع بعد فليس ذلك من التكرار المحظور، وقيل: في دفعه أيضاً: المراد من الأول: الإنفاق في بدر. و{يُنفِقُونَ} لحكاية الحال الماضية، وهو خبر {إِنَّ}، ومن الثاني: الإنفاق في أحد، والاستقبال على حاله، والجملة عطف على الخبر لكن لما كان إنفاق الطائفة الأولى سبباً لإنفاق الثانية، أتى بالفاء لابتنائه عليه، وذهب القطب إلى هذا الإعراب أيضاً على تقدير دفع التكرار باختلاف الغرضين، وذكر أن الحاصل أنا لو حملنا {يُنفِقُونَ} على الحال فلا بد من تغاير الإنفاقين وإن حملناه على الاستقبال اتحدا، كأنه قيل: إن الذين كفروا يريدون أن ينفقون أموالهم فسينفقونها، وحمل المنفق في الأول على البعض وفي الثاني على الكل لا أراه كما ترى. وقوله سبحانه: {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} عطف على ما قبله، والتراخي زماني، والحسرة الندم والتأسف، وفعله حسر كفرح أي ثم تكون عليهم ندماً وتأسفاً لفواتها من غير حصول المطلوب، وهذا في بدر ظاهر، وأما في أحد فلأن المقصود لهم لم ينتج بعد ذلك فكان كالفائت، وضمير {تَكُونُ} للأموال على معنى تكون عاقبتها عليهم حسرة، فالكلام على تقدير مضافين أو ارتكاب تجوز في الإسناد. وقال العلامة الثاني: إنه من قبيل الاستعارة في المركب حيث شبه كون عاقبة إنفاقهم حسرة بكون ذات الأموال كذلك وأطلق المشبه به على المشبه وفيه خفاء، ومن الناس من قال: إن إطلاق الحسرة بطريق التجوز على الإنفاق مبالغة فافهم {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} أي في مواطن أخر بعد ذلك {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي الذي أصروا على الكفر من هؤلاء ولم يسلموا {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} أي يساقون لا إلى غيرها.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}. لما ذُكر صدهم المسلمين عن المسجد الحرام الموجب لتعذيبهم، عُقب بذكر محاولتهم استيصال المسلمين وصدهم عن الإسلام وهو المعني بــــ{سبيل الله} وجعلت الجملة مستأنفة، غير معطوفة، اهتماماً بها أي أنهم ينفقون أموالهم وهي أعز الأشياء عليهم للصد عن الإسلام، وأتى بصيغة المضارع في {ينفقون} للإشارة إلى أن ذلك دأبهم وأن الإنفاق مستمر لإعداد العُدد لغزو المسلمين، فإنفاقهم حصل في الماضي ويحصل في الحال والاستقبال، وأشعرت لام التعليل بأن الإنفاق مستمر لأنه منوط بعلة ملازمة لنفوسهم وهي بغض الإسلام وصدهم الناس عنه. وهذا الإنفاق: أنهم كانوا يطعمون جيشهم يوم بدر اللحم كل يوم، وكان المطعمون اثني عشر رجلاً وهم أبو جهل، وأمية بن خلف، والعباس بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وأبو البَخْترِي والعاصي بن هاشم، وحكيم بن حزام، والنضر بن الحارث، ونُبَيْه بنُ حجاج السهمي، وأخوه مُنَبه، وسهيل بن عَمرو العامري، كانوا يطعمون في كل يوم عشر جزائر. وهذا الإنفاق وقع يوم بدر، وقد مضى، فالتعبير عنه بصيغة المضارع لاستحضار حالة الإنفاق وأنها حالة عجيبة في وفرة النفقات. وهو جمع بالإضافة يجعله من صيغ العموم، فكأنه قيل ينفقون أموالهم كلها مبالغة، وإلاّ فإنهم ينفقون بعض أموالهم. والفاء في {فسينفقونها} تفريع على العلة لأنهم لما كان الإنفاق دأبهم لتلك العلة المذكورة، كان مما يتفرع على ذلك تكرر هذا الانفاق في المستقبل، أي ستكون لهم شدائد من بأس المسلمين تضطرهم إلى تكرير الإنفاق على الجيوش لدفاع قوة المسلمين. وضمير {ينفقونها} راجع إلى الأموال لا بقيد كونها المنفَقة بل الأموال الباقية أو بما يكتسبونه. و{ثم} للتراخي الحقيقي والرتبي، أي وبعد ذلك تكون تلك الأموال التي ينفقونها حسرة عليهم، والحسرة شدة الندامة والتلهفُ على ما فات، وأسندت الحسرة إلى الأموال لأنها سبب الحسرة بإنفاقها. ثم إن الإخبار عنها بنفس الحسرة مبالغة مثل الإخبار بالمصادر، لأن الأموال سبب التَحَسر لا سبب الحسرة نفسها. وهذا إنذار بأنهم لا يحصلون من إنفاقهم على طائِل فيما أنفقوا لأجله، لأن المنفق إنما يتحسر ويندم إذا لم يحصُل له المقصود من إنفاقه. ومعنى ذلك أنهم ينفقون ليغلبوا فلا يغلِبون، فقد أنفقوا بعد ذلك على الجيش يومَ أُحُد: استأجر أبو سفيان ألفين من الأحابيش لقتال المسلمين يوم أُحُد. والأحابيش: فِرَق من كنانة تجمعت من أفذاذ شتى وحالفوا قريشاً وسكنوا حول مكة سمّو أحابيش جمع أحبوش وهو الجماعة أي الجماعات فكان ما أحرزوه من النصر كِفاءً لنصر يوم بدر، بل كان نصر يوم بدر أعظمَ. ولذلك اقتنع أبو سفيان يوم أُحُد أن يقول «يوم بيوم بدر والحرب سجال» وكان يحسب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قُتل وأن أبا بكر وعمر قتلا فخاب في حسابه، ثم أنفقوا على الأحزاب حين هاجموا المدينة ثم انصرفوا بلا طائِل، فكان إنفاقهم حسرة عليهم. وقوله: {ثم يُغلبون} ارتقاء في الإنذار بخيبتهم وخذلانهم، فإنهم بعد أن لم يحصلوا من إنفاقهم على طائِل تُوعدوا بأنهم سيغلبهم المسلمون بعد أن غلبوهم أيضاً يومَ بدر، وهو إنذار لهم بغلب فتح مكة وانقطاعِ دابر أمرهم، وهذا كالإنذار في قوله: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 12] وإسناد الفعل إلى المجهول لكون فاعل الفعل معلوماً بالسياق فإن أهل مكة ما كانوا يقاتلون غير المسلمين وكانت مكة لَقاحاً. و{ثم} للتراخي الحقيقي والرتبي مثل التي قبلها. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. كان مقتضى الظاهر أن يقال وإلى حهنم يحشرون كما قال في الآية الأخرى: {أية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد}تفسير : [آل عمران: 12] فعدل عن الإضمار هنا إلى الإظهار تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر، للإفصاح عن التشنيع بهم في هذا الإنذار حتى يعاد استحضار وصفهم بالكفر بأصرح عبارة، وهذا كقول عويف القوافي: شعر : اللؤْم أكرم من وَبْرٍ ووالِده واللؤْم أكرمُ من وَبْر ومَا وَلدَا تفسير : لقصد زيادة تشنيع وَبْرٍ المهجو بتقرير اسمه واسم اللؤم الذي شبه به تشبيهاً بليغاً. وعرّفوا بالموصولية إيماء إلى أن علة استحقاقهم الأمرين في الدنيا والآخرة هو وصف الكفر، فيعلم أن هذا يحصل لمن لم يقلعوا عن هذا الوصف قبل حلول الأمرين بهم. و{ليَميز} متعلق بـ{يحشرون} لبيان أن من حكمة حشرهم إلى جهنم أن يتميز الفريق الخبيث من الناس من الفريق الطيب في يوم الحشر، لأن العلة غيرَ المؤثرة تكون متعددة، فتمييز الخبيث من الطيب من جملة الحِكَم لحشر الكافرين إلى جهنم. وقرأ الجمهور ـ {ليَميز} ـ بفتح التحتية الأولى وكسر الميم وسكون التحتية الثانية ـ مضارع ماز بمعنى فرز وقرأ حمزة والكسائي، ويعقوب، وخلف: بضم التحتية الأولى وفتح الميم التحتية وتشديد الثانية. مضارع ميّز إذا محص الفرز وإذ أسند هذا الفعل إلى الله تعالى استوت القراءتان. والخبيث الشيء الموصوف بالخُبث والخباثة وحقيقة ذلك أنه حالة حشية لشيء تجعله مكروهاً مثل القذر، والوسخ، ويطلق الخبث مجازاً على الحالة المعنوية من نحو ما ذكرنا تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، وهو مجاز مشهور، والمراد به هنا خسة النفوس الصادرة عنها مفاسد الأعمال، والطيّب الموصوف بالطيب ضد الخُبث بإطلاقيه فالكفر خبث لأن أساسه الاعتقاد، الفاسد، فنفس صاحبه تتصور الأشياء على خلاف حقايقها فلا جرم أن تأتي صاحبها بالأفعال على خلاف وجهها، ثم إن شرائع أهل الكفر تأمر بالمفاسد والضلالات وتصرف عن المصالح والهداية بسبب السلوك في طرائق الجهل وتقليبِ حقائق الأمور، وما من ضلالة إلاّ وهي تفضي بصاحبها إلى أخرى مثلها، والإيمان بخلاف ذلك. و(مِنْ) في قوله: {من الطيب} للفصل، وتقدم بيانها عند قوله تعالى: {أية : والله يعلم المفسد من المصلح}تفسير : في سورة [البقرة: 220] وجَعْل الخبيث بعضِه على بعض: علة أخرى لحشر الكافرين إلى جهنم ولذلك عطف بالواو فالمقصود جمع الخبيث وإن اختلفت أصنافه في مجمع واحد، لزيادة تمييزه عن الطيب، ولتشهير من كانوا يُسرون الكفر ويظهرون الإيمان، وفي جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا رُكاماً. والركْم: ضم شيء أعلى إلى أسفل منه، وقد وصف السحاب بقوله: {أية : ثم يجعله ركاماً}تفسير : [النور: 43] واسم الإشارة بـ{أولئك هم الخاسرون} للتنبيه على أن استحقاقهم الخبَر الواقع عن اسم الإشارة كان بسبب الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة، فإن من كانت تلك حاله كان حقيقاً بأنه قد خسر أعظم الخسران، لأنه خسر منافع الدنيا ومنافع الآخرة. فصيغة القصر في قوله: {هم الخاسرون} هي للقصر الادعائي، للمبالغة في اتصافهم بالخسران، حتى يعد خسران غيرهم كلا خسران وكأنهم انفردوا بالخسران من بين الناس.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 36- إن هؤلاء الذين جحدوا بالآيات وأشركوا بالله، ينفقون أموالهم ليمنعوا الناس عن الإيمان بالحق، وهم سينفقونها، ثم تكون الأموال بسبب ضياعها عليهم من غير جدوى موجبةً للندم والألم، وسيغلبون فى ميدان القتال فى الدنيا، ثم يجمعون إلى جهنم فى الآخرة إن استمروا على كفرهم. 37- وإن الهزيمة فى الدنيا، والعذاب بالنار فى الآخرة، ليفصل الله خبيث النفس والفعل والقول عن الطيب فى نفسه وقلبه وقوله وفعله، وليجعل الخبيث بعضه فوق بعض، فيجمعه ويضم أجزاءه ويجعله فى النار يوم القيامة، وأولئك المشركون المفسدون هم الخاسرون - وحدهم - فى الدنيا والآخرة. 38- وإن باب الرجاء مفتوح مع هذا الترهيب، فقل - يا نبى الرحمة - لهؤلاء الجاحدين: إنهم إن ينتهوا عن العناد والإشراك فإن الله يغفر لهم ما سبق من أعمالهم. وإن استمروا على ضلالهم وعادوا إلى قتالكم فقد تقررت الطريقة الحقة فى الأولين، وهى نصر الحق على الباطل إن التزم أهل الحق الطاعة وسبيل النصر. 39- واستمروا - أيها المؤمنون - فى قتال المشركين حتى يمتنعوا عن إفسادهم لعقائد المؤمنين بالاضطهاد والأذى، فإن انتهوا عن الكفر وإيذاء المؤمنين، وخلص الدين لله، فإن الله تعالى عليم بأعمالهم ومجازيهم عليها. 40- وإن استمروا على إعراضهم وإيذائهم للمؤمنين، فاعلموا - أيها المؤمنون - أنكم فى ولاية الله، وهى أحب ولاية وأقواها، وهو ناصركم، ونصرته أقوى نصرة وأعظمها.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن الذين كفروا: أي كذبوا بآيات الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قريش. ثم تكون عليهم حسرة: أي شدة ندامة. ثم يغلبون: أي يهزمون. ليميز: أي ليميز كل صنف من الصنف الآخر. الخبيث: هم أهل الشرك والمعاصي. من الطيب: هم أهل التوحيد والأعمال الصالحة. فيركمه: أي يجعل بعضه فوق بعض في جهنم. معنى الآية الكريمة: ما زال السياق في التنديد بالمشركين وأعمالهم الخاسرة يخبر تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم أهل مكة من زعماء قريش {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} في حرب رسول الله والمؤمنين للصد عن الإِسلام المعبر عنه بسبيل الله يقول تعالى {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} أي ندامة شديدة لسوء العاقبة التي كانت لهم في بدر وأحد والخندق إذ أنفقوا على هذه الحملات الثلاث من الأموال ما الله به عليم، ثم خابوا فيها وخسروا وبالتالي غلبوا وانتهى سلطانهم الكافر وفتح الله على رسوله والمؤمنين مكة وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أي من مات منهم على الكفر {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} أي يجمعون، وعلة هذا الجمع أن يميز الله تعالى الخبيث من الطيب فالطيبون وهم المؤمنون الصالحون يعبرون الصراط إلى الجنة دار النعيم، وأما الخبيث وهم فريق المشركين فيجعل بعضه إلى بعض فيركمه جميعاً كوماً واحداً فيجعله في جهنم. وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} إشارة إلى الذين أنفقوا أموالهم للصد عن سبيل الله وماتوا على الكفر فحشروا إلى جهنم وجعل بعضهم إلى بعض ثم صيروا كوماً واحداً ثم جعلوا في نار جهنم هم الخاسرون بحق حيث خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم وكل شيء وأمسوا في قعر جهنم مبلسين والعياذ بالله من الخسران المبين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- كل نفقة ينفقها العبد للصد عن سبيل الله بأي وجه من الوجوه تكون عليه حسرة عظيمة يوم القيامة. 2- كل كافر وكل مؤمن طيب. 3- صدق وعد الله تعالى لرسوله والمؤمنين بهزيمة المشركين وغلبتهم وحسرتهم على ما أنفقوا في حرب الإِسلام وضياع ذلك كله وخيبتهم فيه.

القطان

تفسير : يركمُه: يجعل بعضه فوق بضه. لما اصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بقافلته - مشى رجال أصيب آباؤهم وأبناؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك القافلة تجارة، قالوا: يا معشر قريش، إنَّ محمداً قد رزأكم، وقتل خِياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنّا ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا. ففعلوا، وجمعوا ما استطاعوا من المال، وموّلوا به غزوة أحد فنزلت فيهم. إن هؤلاء الكفار الذي جحدوا آيات الله وأشركوا به، ينفقون أموالهم ليمنعوا الناس عن الإيمان بالله واتّباع رسوله.. انهم سينفقون هذه الأموال لتكون حسرة عليهم، ولن تفيدهم شيئا، وسيُغلَبون في ساحة القتال في الدنيا ثم يساقون يوم القيامة الى جهنّم وستكون تلك هي الحسرة الكبرى لهم. وليس ما حدَثَ قبل بدرٍ وبعدها إلا أنموذجاً من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين وقد استمرّ العداء منذ فجر الدعوة ولا يزال، ومن الشرق والغرب، فلم يتركوا وسيلة الا اتخذوها ليهاجموا الإسلام والمسلمين، واللهُ سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين، وسيُبقيهِ عاليا الى أن يرِث الأرضَ ومن عليها. {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} لقد كتب تعالى النصر لعبادة المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم من الكفار، ليميز الكفرَ من الايمان، والحق والعدل من الجور والطغيان، وليجعل الخبيث بعضهَ فوق بعض، ثم يجعل اصحابه في جهنم، وهم الخاسرون في الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "لِيُمَيِّز" بالتشديد والباقون لِيَميزَ كما هو في المصحف. {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} ان باب الرجاء مفتوح في الاسلام دائما، والفرصة أمامهم سانحة لينتهوا عَمَّا هم فيه من الصدّ عن سبيل الله، وليتوبوا ويرجعوا الى الله، والله واسع المغفرة يغفر ما سبق من اعمالهم، والاسلام يجُبُّ ما قبله. أما اذا عادوا بعد هذا البيان الى كفرهم، فإن سنّة الله في الأولين قد مضت، وهي ان يعذب المكذّبين، ويهب اولياءه النصر والعزّ التزموا بأوامر الشرع. ويتجه الحديث الى المؤمنين: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. استمِروا أيها المؤمنون في قتال المشركين حتى تزول الفتنةُ في الدين، ويمتنعوا عن إفسادهم لعقائد المؤمنين بالاضطهاد والأذى، فإن رجعوا عن الكفر وخلَصَ الدين لله، فإن الله تعالى عليمٌ بأعمالهم ومُجازِيهم على ما فعلوا. {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}. وإن استمرّوا على إعراضهم وإيذائهم للمؤمنينَ بعدَ بيان الرسول فاثبتُوا لهم أيّها المسلمون، واعلموا أنكم في وَلاية الله، وهو ناصرُكم عليهم، وحافظُكم منهم، وهو خير الحافظين. وما غُلب المسلمون في هذه الأيام وذهَبَت أرضُهم إلا لأنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم، وتركوا الاستعداد المادّي والحربيّ الذي طلبه بقوله: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} تفسير : [الأنفال:60] وتفرَّقوا دولاً كثيرة فذهبتْ ريحُهم وقلّتْ هيبتُهم وغُلبوا على أمرهم. نسأل الله تعالى ان يوفقنا جميعا الى ما يحبّه ويرضاه، ويجمع شتاتنا على الخير والهدى فنعود صفّاً واحدا، ونعيد مقدّساتنا إلى حظيرة الإسلام، إنه نعم المولى ونعم النصير.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} (36) - لَمَّا أصِيبَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقُتِلَ قَادَةُ الشِّرْكِ وَزُعَمَاؤُهُ، رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِالعِيرِ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ العِيرُ التِي أنْقَذَتْهَا مَعْرَكَةُ بَدْرٍ، فَمَشَى أبْنَاءُ مَنْ قُتِلُوا فِي بَدْرٍ وَإِخْوَتُهُمْ وَأَقْرِبَاؤُهُمْ إلى أبي سُفْيَانَ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُمْ فِي العِيرِ تِجَارَةٌ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ وَتَرَكُمْ فَأَعِينُونَا بِهذا المَالِ عَلَى حَرْبِهِ لَعَلَّنَا نُدْرِكُ مِنْهُ ثَأراً، بِمَنْ أصِيبَ مِنّا. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَقُولُ تَعَالَى: إنَّ إنْفَاقَكُم المَالَ فِي سَبيلِ قِتَالِ المُسْلِمِينَ، وَالصّدِّ عَنْ سَبيلِ اللهِ، وَمَنْعِ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ لَنْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ إلاّ حَسْرَةً، وَلَنْ يُجْدِيَكُمْ نَفْعاً، فَإِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ مَرَّةً أُخْرَى، وَسَيَحْشُرُكُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ إلَى جَهنَّمَ، إذَا مَا أَصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَعَلَى مُعَانَدَةِ الرَّسُولِ وَالمُؤْمِنينَ. حَسْرَةً - نَدَماً وَتَأسُّفاً.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} ليصرفوا عن دين الله الناس. قال سعيد بن جبير: وابن ابزى نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أُحد ألفين من [الأحابيش] يقاتل بهم النبيّ صلى الله عليه وسلم [سوى] من أشخاص من العرب. وفيهم يقول كعب بن مالك: شعر : فجينا إلى موج البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنع وفينا رسول الله نتبع قوله إذ قال فينا القول لاينقطع ثلاثة الألف ونحن نظنه ثلاث مئين أن كثرن فاربع تفسير : وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان بن حرب حيث أنفق على المشركين يوم أُحُد أربعين أوقية وكانت أوقيته اثنين وأربعين مثقالاً. وقال ابن إسحاق عن رجاله: لما أُصيبت قريش من أصحاب القليب يوم بدر، فرجع فِيَلهم إلى مكّة ورجع أبو سفيان ببعيره إلى مكّة [مشى] عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميّة في رجال من قريش أُصيب أباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم [بدر] فكلّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه أملنا أن ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقال الضحاك: هم أهل بدر. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: عتبه وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وبنيه ومنبه ابنا الحجّاج البحتري بن هشام والنضر بن حارث وحكم بن حزام وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود والحرث بن عامر ونوفل والعباس بن عبد المطلب كلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم عشر جزر. قال الله {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} ولا يظفرون {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} منهم خصّ الكفّار لأجل مَنْ أسلم منهم { إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ ٱللَّهُ} بذلك الحشر {ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} الكافر من المؤمن فيدخل الله المؤمن الجنان والكافر النيران. وقال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب الصالح فيثيب على الأعمال الصالحة الجنّة ويثيب على الأعمال الخبيثة النار. قرأ أهل الكوفة والحسن وقتادة والأعمش وعيسى: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ} بالتشديد. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان فجعل نفقاتهم في قعر جهنم ثمّ يقال لهم: الحقوا بها. وقال مرّة الهمداني: يعني يميز المؤمن في علمه السابق الذي خلقه حين خلقه طيباً من الخبيث الكافر في علمه السابق الذي خلقه خبيثاً، وذلك أنّهم كانوا على ملة الكفر فبعث الله الرسول بالكتاب ليميّز [الله] الخبيث من الطيب فمن [أطاع] استبان أنّه طيب ومن خالفه استبان أنّه خبيث {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ} بعضه فوق بعض {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي يجمعه حتّى يصيّره مثل السحاب الركام وهو المجتمع الكثيف {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} فوحد الخبر عنهم لتوحيد قول الله تعالى {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ} ثمّ قال {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} فجمع، رده إلى أول الخبر، يعني قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} الذين غنيت صفقتهم وخسرت تجارتهم لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أبي سفيان وأصحابه {إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ} ان ينتهوا من الشرك وقال محمد: يغفر لهم { مَّا قَدْ سَلَفَ} من عملهم قبل الإسلام {وَإِنْ يَعُودُواْ} لقتال محمد صلى الله عليه وسلم {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفّار والأعداء مثل يوم بدر. قال الأستاذ الإمام أبو إسحاق: سمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عليّ بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: إنّي لأرجو أنّ توحيداً لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. وأنشدني أبو القاسم الحبيبي بذلك أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد الزيدي: شعر : يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف تفسير : لقوله سبحانه [في المعترف: ] {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}. {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي شرك، وقال أبو العالية: بلاء، وقال الربيع: حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه {وَيَكُونَ الدِّينُ} التوحيد خالصاً {كُلُّهُ لله} عزّ وجلّ ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال قتادة: حتّى يقال: لا إله إلاّ الله، عليها قاتل نبي الله وإليها دعا. وقيل: حتّى تكون الطاعة والعبادة لله خالصة دون غيره {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن الكفر والقتال {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإيمان وعادوا إلي فقال أهله {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ} ناصركم ومعينكم {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} الناصر.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويبين المولى في هذه الآية أن هؤلاء المشركين قد كفروا بالله وصرفوا المال ليصدوا عن سبيل الله فلم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يأت ذلك الأمر بأدنى نتيجة، وكأن الحق يغري الكافر بأن يتمادى في الإنفاق ضد الإيمان، فيخسر الكافر ماله ويتجرع آلام الحسرة؛ لأن الله يغلبه من بعد ذلك. وحين سمعوا قول الله سبحانه وتعالى: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36]. لم ينتبهوا إلى أن الحق سبحانه يتحدث عن المستقبل، وأنه مهما أنفق الكفار ضد دين الله فلن يصلوا إلى أية نتيجة، ومصداق الأحداث يؤكد أن كلَّ ما يجيء به القرآن الكريم حق. ولماذا لم ينتبهوا إلى ذلك؟ ولم يدخروا أموالهم؛ وقد نصر الله دينه؟. إذن هذا هو فعل من فقد البصيرة والذكاء. وحين يأتي القرآن الكريم بقول الله تعالى: "فسينفقونها" أي أن الإنفاق سيكون في المستقبل، والاستقبال له مرحلتان؛ استقبال قريب، واستقبال بعيد. فإن كان الاستقبال قريباً فهو يقول: "فسينفقونها"، وأما إن كان بعيداً فيقول: فسوف ينفقونها مثلما قال القرآن أيضاً: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} تفسير : [البقرة: 142]. وقد أعلمنا القرآن صلاة من رسول الله، وجهرا من الصحابة بالخبر، وأعلمهم القرآن الكريم أيضا، ولكنهم لم يلتفتوا إلى التحذير الذي صار من بعد ذلك خبراً يروي دليل افتقادهم لصفاء الفطرة.؛ لذلك تجيء لهم الحسرة بعد أن أنفقوا المال، وخسروه فلم يستفيدوا شيئاً ولم يحققوا مرادهم ولا آمالهم. ويتابع سبحانه وتعالى تذييل هذه الآية فيقول: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36]. وحينما يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الأمور التي تحدث للكفار من عذاب عظيم في جهنم، فسبحانه لا يريد بهذا الحديث أن يجعل مأواهم النار، لكنه يخوفهم ويرهبهم من الكفر ويدعوهم إلى الإيمان، ويحضهم على ألا يكونوا كافرين حتى لا يحشروا في جهنم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ...]

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ستروا الحق، وأصروا على الباطل عناداً واستبكاراً إلى حيث {يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} على وجه الصدقة لمتجيشين {لِيَصُدُّواْ} ويمنعوا أهل الحق {عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} إعلاءً للباطل على الحق، وترويجاً للضلالة على الهداية، وذلك يوم بدر {فَسَيُنفِقُونَهَا} كثيراً أيضاً على هذه النية؛ تتميماً لغرضهم الفاسد ورأيهم الكاسد، فلا يصلون إلى مبتغاهم أصلاً وإن بالغوا في الإنفاق. {ثُمَّ} بعدما تنبهوا بعدم إفادتها {تَكُونُ} وتصير تلك الصدقة والإنفاق {عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} متمكنة راسخة في قلوبهم، مورثة لحزن طويل؛ لتضييع المال بلا ترتيب فائدة تبغونها {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} وهذا أعظم {وَ} بالجلمة: {ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} بالله، وأعرضوا عن دينه ونبيه وكتابه {إِلَىٰ جَهَنَّمَ} البعد والخذلان، وسعير الطرد والحرمان {يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] يساقون سوق البهائم والمسخ. وإنَّما يفعل بهم سبحانه هذا {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ} الناقد البصير لأعمال عباده {ٱلْخَبِيثَ} المنغمس في الكفر والضلال {مِنَ ٱلطَّيِّبِ} الصافي عن شوب الكدر مطلقاً {وَ} بعد فصله وتمييزه {يَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ} جملة واحدة، بأن يضم {بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ} ويجمعه {جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ} ويطرحه بعد جمعه وتركيمه {فِي جَهَنَّمَ} الإمكان وجحيم الخذلان، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء المنعمسون في خباثة الكفر والطغيان {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37] المقصورون على الخسران الأبدي، والمجبولون على الحرمان السرمدي، ليس لهم نصيب من مستلذات الجنان، وحظ من لقاء الرحيم الرحمن الكريم المنَّان.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خسارة أهل الكفر وخسارتهم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 36] إلى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37] الإشارة فيها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ} أي: كما أن من دأب الكفار أن ينفقوا أموالهم التي لها صلاحية الإنفاق في سبيل الله، ولتقبل القلوب بها إلى الله؛ ليصدوا عن سبيل الله الخلق بها، كذلك دأب كفار النفوس، أن تنفقوا أموال الاستعداد الفطري التي لها صلاحية الصرف في طلب الله وتحصيل الكمال الإنساني؛ ليصدوا القلوب والأرواح المقبلة إلى الله تعالى عن سبيل الله وطلبه باتباع الهوى وطلب شهوات الدنيا، {فَسَيُنفِقُونَهَا} [الأنفال: 36] يعني: الاستعدادات في استيفاء اللذات الحيوانية الشيطانية، {ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} [الأنفال: 36] أي: عند تحقيق فسادها وتضيع فرصتها، كما قيل: شعر : أيها القائص ما أحسنت صيد الظبيات فاتك السرب وما ازددت غير الحسرات تفسير : {ثُمَّ يُغْلَبُونَ} [الأنفال: 36] أي: لا يظفرون بالمرامات الدنيوية التي هي مرام النفوس كلها في الأعمال القصيرة المتشابهة وتفوت لهم السعادات الكاملة الأخروية الأبدية، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} [الأنفال: 36] يعني: من الأرواح والقلوب باتباعهم الهوى، وطلب شهوات الدنيا في موافقة النفوس ومخالفة الشريعة والطريقة، {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] أي: يجمعون في جهنم البعد والقطيعة عن الله تعالى مع النفوس المتمردة. {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} [الأنفال: 37] أي: ليميز الأرواح والقلوب الخبيثة التي تخدع النفوس تميل إلى الدنيا وزخارفها، وتتبع الهوى وتتحرى لغة الشرائع والأنبياء - عليهم السلام - من الأرواح والقلوب الطيبة التي لا تتبع الهوى، ولا تركن إلى الدنيا، ولا تنخدع بخداع النفوس وحيلها؛ بل تقبل إلى الله وطلبه من متابعة الأنبياء ومخالفة الهوى، وأيضاً الطيب من الأحوال ما يبذل في طلب الله تعالى على الطالبين، والخبيث ما يلتفت إليه الغالب من غير حاجة ضرورية، فينقله الله تعالى وطلبه يكون قاطع طريقه. {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ} [الأنفال: 37] أي: بعض أرواح القلوب الخبيثة على بعض النفوس، {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} [الأنفال: 37] وذلك أن الله تعالى خلق الروح نورانياً علوياً وخلق النفس ظلمانية سفلية ثم أشرك بينهما وجعل رأس مالهما الاستعداد الفطري القابل للترقي والكمال في القرية والمعرفة والخسارة والنقصان فيها؛ لربح كل واحدة منها على تجارة قوله تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف: 10-11] ولتستعين كل واحدة منهما في الترقي من مقامه بما أودع فيهما، فمن الناس من ربح روحه ونفسه جميعاً على هذه التجارة بأن آمن وجاهد بنفسه وماله في سبيل الله وطلبه وبلغ مبلغ الرجال البالغين، ومنهم من ربح روحه بأن آمن بالله ورسوله وخسرت نفسه بأن عصت الله وخالفت الشريعة، ومنهم من خسر روحه ونفسه جميعاً بأن لم يؤمن بالله ورسوله وكفر بهما. قيل: دُخِلَ على الشبلي - رحمه الله - في وقت وفاته وهو يقول: "يجوز يجوز"، فقيل له: ما معنى قولك: "يجوز"؟ فقال: خلق الله الروح والنفس وأشرك بين الروح والنفس فعملا واتجرا سنين كثيرة فحوسبا؛ فإذا هما قد خسروا وليس معهما ربح فقد عزما على الافتراق، وأنا أقول: شركة لا ربح فيها يجوز أن يقع بين الشريكين افتراق. ثم أخبر عن مغفرته مع أهل رحمته بقوله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] إلى قوله: {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الأنفال: 40] الإشارة: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} من الأرواح والقلوب بأن ستروا النور الروحاني بظلمات الصفات النفسانية الحيوانية السبعية في اتباع الهوى واتباع الدين بالدنيا، {إِن يَنتَهُواْ} عن اتباع الهوى ومطاوعة النفس ومخالفة الشرع، {يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} أي: تستر تلك الظلمات بنور المغفرة وهو النور الرباني الذي يمحو بالظلمات الإنسانية، {وَإِنْ يَعُودُواْ} [الأنفال: 38] لمتابعة الهوى ومخالفة الشرع، {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] من الأنبياء والأولياء في أن اتبعوا الهوى يضلهم عن سبيل المولى، كما قال تعالى لداود عليه السلام: {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]. {وَقَاتِلُوهُمْ} [الأنفال: 39] يعني: قاتلوا كفار النفوس والهوى بسيف الصدق تحت راية الشريعة في جهاد الطريقة، {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ} [الأنفال: 39] النفس والهوى عند الاستيلاء وغلبات صفاتها، {فِتْنَةٌ} [الأنفال: 39] آفة مانعة لكم عن الوصول إلى عالم الحقيقة، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} [الأنفال: 39] ببذل الوجود وفقد الوجود لنيل الجود، {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} [الأنفال: 39] النفوس عن معاملاتها، وتبدلت عن أوصافها، وطاوعت القلوب والأرواح، وصارت مأمورة مطمئنة تحت الأحكام، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ} [الأنفال: 39] في عبوديته وصدق طلبه، {بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] لا يخفى عليه نقير ولا قطمير فيجازيهم على قدر مساعيهم. {وَإِن تَوَلَّوْاْ} [الأنفال: 40] أي: أعرضوا النفوس عن الحقوق، وأقبلوا إلى الشهوات والحظوظ، {فَٱعْلَمُوۤاْ} [الأنفال: 40] أيها القلوب والأرواح، {أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ} [الأنفال: 40] في الهداية وناصركم على قهر النفوس وقمع الهوى، {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} [الأنفال: 40] هو مولاكم لتهتدوا به، {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الأنفال: 40] في دفع ما يقطعكم عنه، وناصركم في الوصول إليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى مبينا لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم، ومبارزتهم للّه ولرسوله، وسعيهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل، ويبطل توحيد الرحمن، ويقوم دين عبادة الأوثان. { فَسَيُنْفِقُونَهَا } أي: فسيصدرون هذه النفقة، وتخف عليهم لتمسكهم بالباطل، وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون عليهم حسرة، أي: ندامة وخزيا وذلا ويغلبون فتذهب أموالهم وما أملوا، ويعذبون في الآخرة أشد العذاب. ولهذا قال: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } أي: يجمعون إليها، ليذوقوا عذابها، وذلك لأنها دار الخبث والخبثاء، واللّه تعالى يريد أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحدة على حدة، وفي دار تخصه،فيجعل الخبيث بعضه على بعض، من الأعمال والأموال والأشخاص. { فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.