Verse. 1197 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

لِيَمِيْزَ اللہُ الْخَبِيْثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيْثَ بَعْضَہٗ عَلٰي بَعْضٍ فَيَرْكُمَہٗ جَمِيْعًا فَيَجْعَلَہٗ فِيْ جَہَنَّمَ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْخٰسِــرُوْنَ۝۳۷ۧ
Liyameeza Allahu alkhabeetha mina alttayyibi wayajAAala alkhabeetha baAAdahu AAala baAAdin fayarkumahu jameeAAan fayajAAalahu fee jahannama olaika humu alkhasiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليميزَ» متعلق بتكون بالتخفيف والشديد أي يفصل «الله الخبيث» الكافر «من الطيب» المؤمن «ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيَرْكُمَهُ جميعا» يجمعه متراكما بعضه على بعض «فيجعله في جهنَّم أولئك هم الخاسرون».

37

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِيَمِيزَ } متعلق بـ(تكون) بالتخفيف والتشديد أي يفصل {ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ } الكافر {مِنَ ٱلطَّيِّبِ } المؤمن {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } يجمعه متراكماً بعضه على بعض {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَٱئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }.

ابن عطية

تفسير : وقرأ ابن كثير ونافع عاصم وأبو عمرو وابن عامر "ليَمِيز" بفتح الياء وكسر الميم، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة بن نصاح وشبل وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة ومالك بن دينار، تقول مزت الشيء، والعرب تقول مزته فلم يتميز لي، حكاه يعقوب وفي شاذ القراءة وانمازوا اليوم، وأنشد أبو زيد: [البسيط] شعر : لما ثنى الله عني شرَّ عدوتِهِ وانمزت لا منشئاً ذعراً ولا وجلا تفسير : وهو مطاوع ماز، وقرأ حمزة والكسائي "ليُمَيّز" بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة الأعرج وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضاً عيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعداً، وفي القرآن {أية : تميز من الغيظ} تفسير : [الملك:8] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفصل، وقال ابن عباس رضي الله عنه والسدي، المعنيّ بـ {الخبيث} الكفار وبـ {الطيب} المؤمنون. قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله {ليميز} متعلقة بـ {أية : يحشرون} تفسير : [الأنفال:36], والمعنى أن الله يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعاً فيلقيهم في جهنم، ثم أخبر عنهم أنهم هم الخاسرون أي الذين خابت سعايتهم وتبت أيديهم وصاروا إلى النار، وقال ابن سلام والزجّاج: المعنيّ بـ {الخبيث} المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، و {الطيب} هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله. قال القاضي أبو محمد: واللام على هذا التأويل من قوله {ليميز} متعلقة بـ {أية : يغلبون} تفسير : [الأنفال:36]، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى على هذا التأويل {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} إلى قوله {في جهنم} مترتب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار، وحكى الزهراوي عن الحسن أن الكفار يعذبون بذلك المال، فهي كقوله {أية : فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} تفسير : [التوبة:35] وقاله الزجّاج: وعلى التأويلين فقوله {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً} إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالاجتماع، و {يركمه} في كلام العرب يكثفه، ومنه سحاب مركوم وركام، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط] شعر : زع بالزمام وجوز الليلِ مركومُ تفسير : وقوله {ويجعل الخبيث} بمعنى يلقي، قاله أبو علي، {أولئك هم الخاسرون} على هذه التأويل يراد المنافقون من الكفار، ولفظة الخسارة تليق بهم من جهة المال وبغير ذلك من الجهات، وقوله {قل للذين كفروا} الآية، أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنه ألفاظ قوله {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} وسواء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبارة أو غيرها، ولو كان الكلام كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ابن مسعود "قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لكم" لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ، وقوله {إن ينتهوا} يريد به عن الكفر ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط بـ {يغفر بهم ما قد سلف} ، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنتهٍ عن الكفر، وقوله {إن يعودوا} يريد به إلى القتال لأن لفظة عاد يعود إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان الإنسان عليها ثم تنقَّل عنها. ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال، ولا يصح أن يتأول {وإن يعودوا} إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا في عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر بمنزلة صار، وذلك كما تقول عاد زيد ملكاً تريد صار، ومنه قول أبي الصلت: شعر : تلك المكارم لا قعبان من لبن شبيبا بماء فعادا بعد أبوالا تفسير : وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل، لكنها مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونه، فحكمها حكم صار، وقوله {فقد مضت سنة الأولين} عبارة بجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله حين صد في وجه نبيه وبمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام والشرع، والمعنى قد رأيتم وسمعتم عن الأمم ما حل. قال القاضي أبو محمد: والتخويف عليهم بقصة بدر أشد إذ هي القريبة منهم والمعاينة عندهم وعليها نص ابن إسحاق والسدي، وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} الآية، أمر من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار، و "الفتنة" قال ابن عباس وغيره معناها الشرك، وقال ابن إسحاق: معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال وغيره، وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك بن مروان حين سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً، وقوله {ويكون الدين كله لله} أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره، وقال قتادة حتى تستوسق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن: حتى لا يكون بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتزيدون أن نقاتل حتى تكون فتنة. قال القاضي أبو محمد: فمذهب عمر أن "الفتنة" الشرك في هذه الآية وهو الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"تفسير : ، ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية، قال ابن سلام: وهي في مشركي العرب، ثم قال الله تعالى: {فإن انتهوا} أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه، عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سليمان "بما تعملون" بالتاء أي في قتالكم وجدكم وجلادكم عن دينه. وقوله تعالى: {وإن تولوا} الآية، معادل لقوله {فإن انتهوا} ، والمعنى انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم على قراءة "تعملون"، وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، أي فجدوا، و "المولى" ها هنا الموالي والمعين، والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْخَبِيثَ} الحرام، والطيب: الحلال، أو الخبيث: ما لم تُخرج منه حقول الله ـ تعالى ـ والطيب: ما أُخرجت منه حقوقه. {بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} يجمعه في الآخرة وإن تفرقا في الدنيا. {فَيَرْكُمَهُ} يجعل بعضه فوق بعض. {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} يعذبون به {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ}تفسير : [التوبة: 35] أو يجعلها معهم في النار ذلاًّ وهواناً كما كانت في الدنيا نعيماً وعزّاً.

الخازن

تفسير : {ليميز الله الخبيث من الطيب} يعني ليفرق الله بين فريق الكفار وهم الفريق الخبيث وبين فريق المؤمنين وهم الفريق الطيب وهذا معنى قول ابن عباس فإنه قال: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة وقال: ليميز العمل الخبيث من العمل الطيب فيجازي على العمل الخبيث النار وعلى العمل الطيب الجنة وقيل: المراد به إنفاق الكفار في سبيل الشيطان وإنفاق المؤمنين في سبيل الله {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} يعني بعضه فوق بعض {فيركمه جميعاً} يعني فيجمعه جميعاً ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكم {فيجعله في جهنم} يعني الخبيث {أولئك} إشارة إلى المنفقين في سبيل الشيطان أو إلى الخبيث {هم الخاسرون} يعني أنهم خسروا الدنيا والآخرة لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الآخرة. قوله سبحانه وتعالى: {قل} يعني قل يا محمد {للذين كفروا إن ينتهوا} يعني عن الشرك {يغفر لهم ما قد سلف} يعني ما قد مضى من كفرهم وذنوبهم قبل الإسلام {وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} يعني في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه. ومعنى الآية: إن هؤلاء الكفار إن انتهوا عن الكفر ودخلوا في دين الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وشركهم وإن عادوا إلى الكفر وأصروا عليه فقد مضت سنة الأولين بإهلاك أعدائه ونصر أنبيائه وأوليائه وأجمع العلماء على أن الإسلام يجب ما قبله وإذا أسلم الكافر لم يلزمه شيء من قضاء العبادات البدنية والمالية. وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه يعني بذلك أنه ليس عليه ذنب. قال يحيى بن معاذ الرازي: التوحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر فأرجوا الله أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} قال ابن عباس: حتى لا يكون بلاء {ويكون الدين كله لله} يعني تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره، وقال قتادة: حتى يقال لا إله إلا الله عليها قاتل نبي الله صلى الله عليه وسلم وإليها عاد وقال محمد بن إسحاق في قوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يعني لا يفتن مؤمن عن دينه ويكون التوحيد لله خالصاً ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد والشركاء {فإن انتهوا} يعني عن الشرك وإفتان المؤمنين وإيذائهم {فإن الله بما يعملون بصير} يعني فإن الله لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم حتى يوصل إليهم ثوابهم {وإن تولوا} يعني وإن أعرضوا عن الإيمان وأصروا على الكفر وعادوا إلى قتال المؤمنين وإيذائهم {فاعلموا} يعني أيها المؤمنون {أن الله مولاكم} يعني أن الله وليكم وناصركم عليها وحافظكم {نعم المولى ونعم النصير} يعني أن الله سبحانه وتعالى هو نعم المولى فمن كان في حفظه ونصره وكفايته وكلاءته فهو له نعم المولى ونعم النصير.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ }، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «لِيُمَيِّزَ اللَّهُ» - بضم الياءِ، وفتحِ الميم، وشدِّ الياء -، قال ابن عباس وغيره: المعنيُّ بـــ {ٱلْخَبِيثَ }: الكفَّارُ، وبـ {ٱلطَّيِّبِ} المؤمنون، وقال ابْنُ سَلاَّم والزَّجَّاج: {ٱلْخَبِيثَ }: ما أنفقه المشركون في الصَّدِّ عن سبيل اللَّه، و{ٱلطَّيِّبِ }: هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل اللَّهِ. قال * ع *: رُوِيَ عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ اللَّه سبحانه يُخْرِجُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَالِ مَا كَانَ صَدَقَةً أَوْ قُرْبَةً، ثُمَّ يأْمُرُ بِسَائِرِ ذَلِكَ، فَيُلْقَىٰ فِي النَّارِ: وعلى التأويلين: فقوله سبحانه: {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } إِنما هي عبارةٌ عن جَمْع ذلك، وضَمه، وتأليف أشتاته، وتكاثُفِه بٱلاجِتماعِ، ويَرْكُمُهُ؛ في كلام العرب: يُكَثِّفه؛ ومنه { أية : سَحَـابٌ مَّرْكُومٌ } تفسير : [الطور:44] وعبارة البخاريِّ: فيركمه: فَيَجْمَعه. انتهى. وقوله سبحانه: {إِن يَنتَهُواْ }، يعني: عن الكفر، {يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}؛ لأن الإِسلام يجُبُّ ما قبله، و{إِن يَعُودُواْ}، يريدُ بِهِ: إِلى القِتَالِ، ولا يصحُّ أن يُتَأَوَّل: وإن يعودوا إِلى الكُفْرِ؛ لأنهم لم ينفصلوا عنه. وقوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينَ}: عبارةٌ تجمَعُ الوعيدَ والتهديدَ والتمثيلَ بمَنْ هَلَكَ من الأمم في سالف الدَّهْرِ بعذاب اللَّه؛ حين صدَّ في وَجْهِ نبيِّه بمَنْ هلك في يَوْمِ بَدْرٍ بسيف الإسلام. وقوله سبحانه: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال ابنُ عباس، وابن عمر، وغيرهما: الفِتْنَةُ: الشِّرْكُ. قال * ع *: وهذا هو الظاهر، ويفسِّر هذه الآيةَ قولُه صلى الله عليه وسلم: « حديث : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّه » تفسير : الحديث. وقال ابن إِسحاق: معناها: حتَّى لا يفتن أحَدٌ عن دينهِ؛ كما كانت قريشٌ تَفْعَلُ بمكَّة بمن أَسْلَمَ. وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}، أيْ: لا يُشْرَكَ معه صَنَمٌ، ولا وَثَنٌ، ولا يُعْبَدَ غيرُهُ سبحانه، ثم قال تعالَى: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ }، عن الكفر، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} بِعَمَلِهم، مُجَازٍ عليه، عنده ثوابه، وجميلُ المقارضة عليه. وقوله سبحانه: {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}: معادلٌ لقوله: {فَإِنِ انْتَهَوْاْ }، المعنى: وإِن تولَّوا، ولم ينتهوا، فٱعلموا أن اللَّه تعالَى ينصُرُكُمْ عليهم، وهذا وعدٌ مَحْضٌ بالنصْرِ والظَّفرِ، و{ٱلْمَوْلَىٰ }؛ هاهنا ٱلمُوَالى والمُعِينُ، والمَوْلَى في اللغة على معانٍ، هذا هو الذي يليقُ بهذا الموضعِ منها، والمَوْلَىَ: الذي هو السيِّد المقترنُ بالعَبْدِ يعمُّ المؤمنين والمشركين.

ابو السعود

تفسير : {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} أي الكافر من المؤمن، أو الفسادَ من الصلاح واللامُ متعلقةٌ بـيحشرون أو بـيغلبون أو ما أنفقه المشركون في عداوته صلى الله عليه وسلم مما أنفقه المسلمون في نُصرته واللامُ متعلقةٌ بقوله: ثم تكون عليهم حسرةً وقرىء ليُميِّز بالتشديد {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي يضم بعضَه إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامِهم فيجمعه أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابَه كما للكافرين {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ} كلَّه. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الخبـيث إذ هو عبارةٌ عن الفريق أو إلى المنفقين، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِهم في الخبث {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الكاملون في الخسران لأنهم خسِروا أنفسَهم وأموالَهم. {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم أبو سفيانَ وأصحابُه أي قل لأجلهم {إِن يَنتَهُواْ} عما هم فيه من معاداة النبـيِّ صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} من الذنوب وقرىء إن تنتهوا يُغفرْ لكم ويَغفِرْ لكم على البناء للفاعل وهو الله تعالى {وَإِن يَعُودُواْ} إلى قتالهم {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} الذين تحزّبوا على الأنبـياء عليهم السلام بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثلَ ذلك {وَقَـٰتِلُوهُمْ} عطف على قل، وقد عُمّم الخطابُ لزيادة ترغيبِ المؤمنين في القتال لتحقيق ما يتضمنه قولُه تعالى: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} من الوعيد {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فَتَنَّـٰهُ} أي لا يوجَدَ منهم شركٌ {وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ} وتضمحِلَّ الأديانُ الباطلةُ إما بإهلاك أهلِها جميعاً أو برجوعهم عنها خشية القتل {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عن الكفر بقتالكم {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامِهم، وقرىء بتاء الخطاب أي بما تعملون من الجهاد المُخرِجِ لهم إلى الإسلام، وتعليقُه بانتهائهم للدلالة على أنهم يثابون بالسببـية كما يثاب المباشِرون بالمباشرة {وَإِن تَوَلَّوْاْ} ولم ينتهوا عن ذلك {فَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ} ناصرُكم فثِقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} لا يَضيعُ مَنْ تولاه {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} لا يُغلب مَنْ نصره.

التستري

تفسير : وقوله: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}[37] قال: الخبيث على ضروب: الكفر والنفاق والكبائر، والطيب على ضروب: وهو الإيمان، فيه درجة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فأخبر الله تعالى أنه يميز بينهما، ثم يجعل الخبيث بعضه على بعض على مقدار ذنوبهم طبقة طبقة، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ}تفسير : [النساء:145].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} [الآية: 37]. قيل: المخلص من المرائى، والمؤمن من الكافر، والمطيع من العاصى. قال محمد بن الفضل: الخبيث من الأموال هى التى لم يخرج منها حقوق الله، والطيب من الأموال ما أخرجت منها حقوق الله. قال بعضهم: الطيب من الأموال ما أنفقت فى إرفاق الفقراء فى أوقات الضرورات والخبيث من الأموال ما أدخل عليهم فى أوقات استغنائهم عنها، فشغلت خواطرهم وقال بعضهم: الطيب من الأموال ما أنفقت فى وجوه الطاعات، والخبيث ما أنفق فى وجوه الفساد.

القشيري

تفسير : الخبيث ما لا يصلح لله، والطيب ما يصلح لله. الخبيث ما حكم الشرعُ بقبحه وفساده، والطيب ما شهد العلم بحسنه وصلاحه. ويقال الخبيث الكافرُ، والطيِّبُ المؤمِنُ. الخبيثُ ما شَغَل صاحبَه عن الله، والطيِّبُ ما أوصل صاحبه إلى الله. الخبيثُ ما يأخذه المرءُ وينفقه لحظِّ نفسه، والطيب ما ينفقه بأمر ربه. الخبيث عملُ الكافرِ يُصَوَّر له ويُعَذَّب بإِلقائه عليه، والطيِّبُ عملُ المؤمن يُصَورُ له في صورةٍ جميلة فيحمل المؤمن عليه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ} ان الله سبحانه اراد لجشر الخلق يوم القيامة ان يزين اسواق المحبين والعارفين والمشتاقين بكشف جماله وحسن جلاله وتيزهم من المدعين الكاذبين الذين يدعون فى الدنيا معرفته ومحبةته وولايته وليريح اصفيائه من صحبة هؤلاء الكفرة الضالة الذين صرفوا وجوههم من الحق الى الخلق بالرياء والسمعة وطلب الجاه والمنزلة وايضا التخلص === من مناغصة هواجس النفس الامارة وخطرات الشيطانية وتقدس قلوبهم وارواحهم وعقولهم من هجوم طوارق القهريات التى ياتى عليها بالابتلاء والامتحان قيل المخلص من المرائى والمؤمن من الكافر والمطيع من العاصى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليميز الله} اللام متعلقة بيحشرون او يغلبون والميز بالفارسية [جدا كردن] {الخبيث} فريق الكفار {من الطيب} فريق المؤمنين {ويجعل} الفريق {الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً} اى يجمعهم ويضم بعضهم الى بعض حتى يتراكموا ويتزاحموا فالركم ليس عبارة عن الجمع مطلقا ليس عبارة عن الجمع مطلقا بل هو الجمع بين اشياء بحيث يتراكب بعضها فوق بعض ومنه السحاب المركوم {فيجعله فى جهنم} كله {اولئك} الفريق الخبيث {هم الخاسرون} الكاملون فى الخسران لانهم خسروا لانهم خسروا اموالهم وانفسهم. والاشارة ان الله تعالى خلق الروح نورانيا علويا وخلق النفس ظلمانية سفلية ثم اشرك بينهما وجعل رأس مالهما الاستعداد الفطرى القابل للترقى والكمال فى القربة والمعرفة والخسارة والنقصان فمن اتجر فآمن وجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله وطلبه وبلغ مبلغ الرجال البالغين فقد ربح روحه ونفسه جميعا ومن آمن بالله ورسوله لكن وجد منه العصيان ومخالفة الشريعة فقد ربح روحه وخسر نفسه ومن لم يؤمن بالله ورسوله وكفر بهما فقد خسر روحه ونفسه جميعا. قيل دخل على الشلبى قدس سره فى وقت وفاته وهو يقول يجوز فقيل له ما معنى قولك يجوز فقال خلق الله الروح والنفس واشرك بين الروح والنفس فعملا واتجرا سنين كثيرة فحوسبا فاذا هما قد خسرا وليس معهما ربح فقد عزما على الافتراق وانا اقول شركة لا ربح فيها يجوز ان يقع بين الشريكين افتراق: قال السعدى شعر : كوس رحلت بكوفت دت اجل اى دوجشمم وداع سر بكنيد اى كف ودست وساعد وبازو همه توديع يكد كر بكنيد بر من افتاده مرك دشمن كام آخراى دوستان حذر بكنيد روز كارم بشد بنادانى من نكردم شما حذر بكنيد تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد قبل مجيئ الفوت ويربح فى تجارته ببذل النفس والمال والطيب من الاموال ما يبذل فى طلب الله على الطالبين والخبيث ما يلتفت اليه الطالب من غير حاجة ضرورية فيشغله عن الله وطلبه فيكون قاطع طريقه - ويروى - ان الله تعالى يضم الاموال الخبيثة بعضها الى بعض فيلقيها فى جهنم ويعذب اربابها كقوله تعالى {أية : يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} تفسير : [التوبة: 35]. -وروى- ان ابا سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب على محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب اى صار جيشا وانفق عليهم اربعين اوقية والاوقية اثنان واربعون مثقالا. وفى القاموس سبعة مثاقيل فانظر الى الكفار وجسارتهم على الانفاق لغرض فاسد وهو الصد عن سبيل الله واقل من القليل من المسلمين من يبذل ماله ولو قليلا لجذب القلوب والوصول الى رضى المحبوب فلا بد للمرء من قطع النفس عن مألوفها وهو حب المال. ومن كلمات الجنيد قدس سره ما اخذنا التصوف عن القال والقيل لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات. وعن ابى سعيد الخدرى قال قال رجل يا رسول الله اى الناس افضل قال مؤمن يجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله قال ثم من قال رجل معتزل فى شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره وفيه دليل على فضل العزلة وهى مستحبة عند فساد الزمان وتغير الاخوان وتقلب الاحوال ووقوع الفتن وتراكم المحن كما فعله جماعة من الصحابة رضى الله عنهم وقد كان النبى عليه السلام عند تقلب الاحوال واختلاف الرجال وكثرة القيل والقال يأمر بالاعتزال وملازمة البيوت وكسر السيوف واتخاذها من العراجين والخشب. قال الامام الغزالى ان السلف الصالح اجمعوا على التحذير من زمانهم واهله وآثروا العزلة وامروا بذلك وتواصوا بها ولا شك انهم كانوا بصدد النصح وان الزمان لم يصر بعدهم خيرا مما كان بل ادهى وامر: قال الحافظ شعر : تو عمر خواه وصبورى كه جرخ شعبد باز هزار بازى ازين طرفه تربرانكيرد ان دام هذا ولم يحدث له غير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود تفسير : اللهم اجعلنا من الصابرين

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {ليميز} مضمومة الياء مشددة، والباقون بفتح الياء خفيفاً. اخبر الله تعالى انه يحشر الكفار إلى جهنم {ليميز الخبيث} الذي هو الكافر {من الطيب} الذي هو المؤمن. (والتمييز) هو إخراج الشيء عما خالفه مما ليس منه، وإلحاقه بما هو منه. تقول مازه يميزه، وميزه تمييزاً. وامتاز امتيازاً وانماز انميازاً والخبيث الرديء من كل شيء. وضده الطيب. ومنه خبث الحديد وخبث الفضة، وخبث الانسان خبثاً، وتخبث تخبثاً، وتخابث تخابثاً وخبثه تخبيثاً و {الطيب} المستلذ من الطعام والطيب الحلال من الرزق، والطيب من الولد الذي يفرح به والطيب نقيض الخبيث، وهو الجيد من كل شيء. وقيل المعنى ليميز الله ما انفقه المؤمنون في طاعة الله مما انفقه المشركون في معاصيه. وقوله {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} معناه إن الكافر يكون على اسوء حال كالمتاع والركام، هواناً، وتحقيراً، وإذلالا. وقوله {فيركمه جميعاً} معناه تراكب بعضه فوق بعضه. كالرمل الركام وهو المتراكب. ركمه يركمه ركماً وتراكم تراكماً وارتكم ارتكاماً. ومنه قوله تعالى في صفة السحاب {أية : ثم يجعله ركاماً } تفسير : وقال الحسن يركمهم الله مع ما انفقوا في جهنم، كما قال {أية : يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} تفسير : ثم اخبر انه اذا ركمه جميعاً يجعله في جهنم واخبر عنهم بأنهم الخاسرون نفوسهم باهلاكهم اياها بارتكاب المعاصي والكفر المؤدي إلى عذاب الابد.

الجنابذي

تفسير : {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ} لضيق السّفل وعدم سعته {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} فيجعله متراكماً متداقّاً {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} بعد انتهاء حشره وتراكمه {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} فى موضع التّعليل والاتيان بالمسند اليه باسم الاشارة موضع الضّمير لاحضار حالهم الفظيعة اشعاراً بعلّة الحكم، وتعريف المسند وضمير الفصل للتّأكيد والحصر.

الهواري

تفسير : قوله: {لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي ليميز نفقة المؤمنين من نفقة الكفار. {وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} أي نفقاتهم التي أنفقوها في حرب النبيّ من كسبهم الخبيث. {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي بعضه على بعض {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} أي معهم { أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} قال الحسن: هي كقوله: (أية : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ) تفسير : [التوبة:35]. قوله: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا} لقتال محمد { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} أي بالقتال، والاستئصال. وقال مجاهد: في قريش يوم بدر، وفي غيرهم من الأمم [قبل ذلك]. قوله: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: حتى لا يكون شرك. وهذه في مشركي قريش خاصة؛ وأما من سواهم من المشركين فإذا أرادوا الجزية قبلت منهم ولم يقتلوا إذا أقروا بالجزية، إلا من كان دخل من العرب في دين أهل الكتاب، فإن عمر لم يقتلهم، وقبِل منهم الضِّعف مما يؤخذ من المسلمين من مواشيهم؛ وهو قول العامة. وكان علي يرى قتلهم. قوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} يعني الإسلام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . تفسير : قوله: { فَإِنِ انتَهَوْا} أي عن كفرهم { فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال الكلبي فإن انتهوا عن القتال، وهو واحد. {وَإِن تَوَلَّوْا} أي: وإن أبو إلا القتال {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَٰكُمْ} أي وليّكم { نِعْمَ المَوْلَى} أي نعم الولي {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} أي لأوليائه.

اطفيش

تفسير : {ليميزَ اللهُ} وقرأ حمزة، والكسائى، ويعقوب، وقتادة، وطلحة بن مصرف، والأعمش، والحسن بضم الياء، الألى وفتح الميم وكسر الياء الثانية مشددة، وهو أبلغ {الخَبيثَ} الكافر {مِنَ الطَّيِّب} المؤمن، قاله ابن عباس، والسدى، وقيل: الخببيث العمل الفاسد، والطيب العمل الصالح، واللام على القولين متعلقة بيحشرون أو يغلبون، فإن التمييز يكون بإلقاء الكافرين فى النار، وجزاؤهم على كفرهم، وبغلبتهم، وقال ابن سلام والزجاج: الخبيث ما أنفقه المشركون فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطيب ما أنفقه المسلمون فى سبيل الله، فتعلق اللازم بتكون وإن علقت بيتقون كانت للصيرورة. {ويجْعَل} الفريق {الخَبيثَ بعضُه عَلى بعضٍ فيرْكُمهُ} يجمعه ويضمه {جَميعاً فيجْعَلهُ فى جَهنَّم} أو يجعل المال الخبيث المنفق فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه على بعض، ويجمعه ويضمه، ويجعله فى جهنم يعذب به منفقوه، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج يوم القيامة من الأموال ما كان صدقة أو قربة، ثم يؤمر بغير ذلك فيلقى فى النار" تفسير : قال الحسن: إن الكفار يعذبون بذلك المال، أو يجعل الخبيث من الناس والمال بعضه على بعض، بأن يضم على كل كافر ما أنفق فى العداوة ليزيد به عذابه، ومن قال: الخبيث العمل الفاسد، والطيب العمل الصالح قال: معنى جعل الخبيث بعضه على بعض وركمه جزاء الكفار بأعماله وقربه بوبالها. {أولئكَ هُم الخَاسِرونَ} يعنى الذين كفروا، أو الذين أنفقوا، أو الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث، والمصدق واحد، والعبارة عبارة حصر، كأنه لكمال خسرانهم لا خسران إلا خسرانهم أنفقوا أموالهم ولم ينفعهم إنفاقها، إذ كانوا مغلوبين، وعوقبوا بالعذاب الدائم.

اطفيش

تفسير : {لِيَمِيزَ} متعلق بيحشرون أَويغلبون، فإِن فى حشرهم إِلى النار ميز الخبيث من الطيب، وكذا فى كونهم مغلوبين أَى، ليفصل {اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} الخبيث الكافر والطيب المؤمن والمراد جنسهما، أَو الخبيث الاعتقاد والقول والفعل الخبيثات، والطيب الصوالح منهن، وإِن جعلنا الخبيث النفقة فى إِعلاءِ الدين فاللام متعلق بتكون لا بتحشرون، لأَنه لا معنى لتعليل كون ما لهم حسرة بتمييز الكفار من المؤمنين أَو الفساد من الصلاح، أَو يراد ذلك كله فى الجانبين. {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ} يضع الكافر على الكافر ويضع ما أَنفقه فى العداوة وقوله وفعله واعتقاده عليه مكانا ضيقا مقرنين فيزداد تحسرا بأَخيه الكافر وما أَنفقه وما عمله من اعتقاد وقول وفعل مستحضرا له {فيرْكُمَهُ} يجمعه متلاصقا {جَمِيعًا} حال من الهاءِ، أَو توكيده أَو جمعه {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ} على مواطن، تارة يجتمع أَهل النار وتارة يفترقون {أُولَئِكَ} إِشارة بلفظ الجماعة إِلى الخبيث لأَن المراد به الجنس الكفار وما أَنفقوا وما عملوا، أَو المنافقون، وإِشارة البعد لبعد مرتبتهم فى السوءِ {هُمُ الْخَاسِرُونَ} الخسران الكامل أَو كأَنه لا خاسر إِلا هم، أَو خسروا أَنفسهم وأَموالهم، وإِسناد الخسران إِلى ما أَنفقوا أَو إِلى عملهم مجاز، وإِلا لم يتصوروا الجواب، إِذ المعنى أَولئك المتصفون بتلك الصفات.

الالوسي

تفسير : {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ} أي الكافر من المؤمن أو الفساد من الصلاح، واللام على الوجهين متعلقة بـ {أية : يُحْشَرُونَ} تفسير : [الأنفال: 36] وقد يراد من الخبيث ما أنفقه المشركون لعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم و {مِنَ ٱلطَّيِّبِ} ما أنفقه المسلمون لنصرته عليه الصلاة والسلام، فاللام متعلقة بـ {أية : تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً} تفسير : [الأنفال: 36] دون {يُحْشَرُونَ}، إذ لا معنى لتعليل حشرهم بتمييز المال الخبيث من الطيب، ولم تتعلق بتكون على الوجهين الأولين إذ لا معنى لتعليل كون أموالهم عليهم حسرة بتمييز الكفار من المؤمنين أو الفساد من الصلاح. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب (ليميز) من التمييز وهو أبلغ من الميز لزيادة حروفه. وجاء من هذا ميزته فتميز ومن الأول مزته فانماز. وقرىء شاذاً {فانمازوا اليوم أيها المجرمون} [يس: 59]. {وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} أي يضم بعضه إلى بعض ويجمعه من قولهم: سحاب مركوم ويوصف به الرمل والجيش أيضاً، والمراد بالخبيث إما الكافر فيكون المراد بذلك فرط ازدحامهم في الحشر، وإما الفساد فالمراد أنه سبحانه يضم كل صنف بعضه إلى بعض {فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ} كله، وجعل الفساد فيها بجعل أصحابه فيها، وأما المال المنفق في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وجعله في جهنم لتكوى به جباههم وجنوبهم. وقد يراد به هنا ما يعم الكافر وذلك المال على معنى أنه يضم إلى الكافر الخبيث ما له الخبيث ليزيد به عذابه ويضم إلى حسرة الدنيا حسرة الآخرة {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الخبيث، والجمع لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين الذين بقوا على الكفر فوجه الجمع ظاهر، وما فيه من معنى البعد على الوجهين للإيذان ببعد درجتهم في الخبث. / {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (37) - إنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ لِعِبَادِهِ النَّصْرَ، وَكَتَبَ الحَسْرَةَ وَالخِذْلاَنَ لأعْدَائِهِمْ وَلِمَنْ يُقَاتِلُهُمْ مِنَ الكُفَّارِ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَذَلِكَ لِيَمِيزَ اللهُ الكَافِرَ الخَبِيثَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ، عَنِ المُؤْمِنِ الطَّيِّبِ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَلِيَجْمَعَ الكُفْرَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَيَقْذِفَهُ فِي جَهَنَّمَ، وَهَؤُلاَءِ الذِينَ يَقْذِفُهُمْ فِي جَهَنَّمَ هُمُ الخَاسِرُونَ. فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً - فَيَجْعَلَهُ مُلْقىً بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهذه الآية الكريمة تكشف لنا أن المعارك التي تنشأ بين الإسلام وأتباعه من جهة، وبين خصوم الإسلام وأتباعهم من جهة أخرى: هذه المعارك إنما هي أمر مراد من الله تعالى: لأن الزلزلة التي تحدث، حتى لمن آمن، إنما هي تصفية لعنصر الإيمان، ومثال ذلك ما حدث في الإسراء، حيث وجدنا من كان إيمانه ضعيفاً يتساءل: أمعقول أن يذهب محمد إلى بيت المقدس في ليلة؟! بينما نجد ثابت الإيمان مثل الصديق أبي بكر يقول: إن كان قد قال فقد صدق. إن الثابت والقوي إيمانه يصدق، أما من لم يثبت إيمانه فهو يكذب. وهكذا كانت أحداث الإسلام، فقد جاءت كلها لتميز الخبيث من الطيب، وتجمع الخبيث بعضه إلى بعض ليصير ركاماً ثم يضعهم الله في النار. لقد جاءت أحداث الإسلام للتمحيص، مثلما تضع الحديد في النار لتستخرج منه الخبث ويصير صافياً، وهكذا جاء الإسلام لتصفو به قلوب المؤمنين، ويقوي إيمانهم؛ لأنهم يحملون رسالة الله تعالى إلى الأرض كلها، بعد أن مروا بالتصفيات الكثيرة. ومثل هذه التصفيات تحدث في المجال الرياضي، فحملة الأثقال - على سبيل المثال - يدخلون في مباريات أولية، ومن يستطيع حمل الوزن الأثقل هو الذي يكون مؤهلا لأن يدخل المباريات الدولية، ليبقى الأقوى. {لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37]. والحق سبحانه وتعالى أعطانا أمثالاً لأحداث تميز الخبيث من الطيب، فالناس في الأحوال العادية الرتيبة لا تظهر معادن نفوسهم؛ لأن الناس إذا كانوا آمنين لا يواجهون؛ خطراً، ادعوا الشجاعة والكرم والشهامة، وادَّعوا الإيمان القوي المستعد لأي تضحية في سبيل الله، فإذا جاءت الأحداث فهي الاختبار الحقيقي لما في القلوب. فقد يقول إنسان لصديقه: أنا ومالي لك. وإذا ما أصابت هذا الصديق كارثة، يتهرب منه. فما الذي يحدد - إذن - صدق الحديث عن النفس؟ إنها الأحداث. وهكذا أراد الله تعالى أن يميز الخبيث من الطيب فعركت المؤمنين الحوادث، وزال الطلاء عن ذوي العقيدة الهشة؛ ليكون الناس شهداء على أنفسهم، ويبقى المؤمنون أصحاب صفاء القلب والعقيدة. وحين يميز الله الخبيث من الطيب، فهو سبحانه وتعالى: يريد تمييز الطيب حتى لا يختلط بالخبيث. والخبيث إنما يكون على ألوان مختلفة وأنواع متعددة، فهذا حبيث في ناحية، وذلك خبيث في ناحية أخرى، وثالث خبيث في ناحية ثالثة، وغيرهم في ناحية رابعة، وخامسة إلى ما شاء الله، ويجمع الله كل الخبيث فيركمه في النار جميعاً. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً} معنا فَيجمعُهُ جَمِيعاً بَعضُهُ فَوقَ بَعضٍ.