٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
38
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين صلاتهم في عباداتهم البدنية، وعباداتهم المالية، أرشدهم إلى طريق الصواب وقال: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قل لأجلهم هذا القول، وهو: {إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ } ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا يغفر وقال ابن مسعود هكذا. المسألة الثانية: المعنى: أن هؤلاء الكفاء إن انتهوا عن الكفر وعداوة الرسول، ودخلوا الإسلام والتزموا شرائعه غفر الله لهم ما قد سلف من كفرهم وعداوتهم للرسول وإن عادوا إليه وإصروا عليه فقد مضت سنة الأولين. وفيه وجوه: الأول: المراد فقد مضت سنة الأولين منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر. الثاني: فقد مضت سنة الأولين الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الذين قد مروا فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا. الثالث: أن معناه أن الكفار إذا انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما قد سلف من الكفر والمعاصي وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وهي قوله: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى }تفسير : [المجادلة: 21] {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا } تفسير : [الصافات: 171] ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر {أية : أَنَّ ٱلاْرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّـٰلِحُونَ } تفسير : [الأنبياء: 105]. المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في أن توبة الزنديق هل تقبل أم لا؟ والصحيح أنها مقبولة لوجوه: الأول: هذه الآية، فإن قوله: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } يتناول جميع أنواع الكفر. فإن قيل: الزنديق لا يعلم من حاله أنه هل انتهى من زنذقته أم لا؟ قلنا: أحكام الشرع مبنية على الظواهر، كما قال عليه السلام: «حديث : نحن نحكم بالظاهر» تفسير : فلما رجع وجب قبول قوله فيه. الثاني: لا شك أنه مكلف بالرجوع ولا طريق له إليه إلا بهذه التوبة فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق. الثالث: قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [الشورى: 25]. المسألة الرابعة: احتج أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع، قالوا لأنهم لو كانوا مخاطبين بها، لكان إما أن يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر. والأول باطل بالإجماع، والثاني باطل؛ لأن هذه الآية تدل على أن الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء مما مر عليه في زمان الكفر وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهره هذه الآية. المسألة الخامسة: احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات التي تركها في حالة الردة وقبلها، ووجه الدلالة ظاهر. المسألة السادسة: قال عليه السلام: «حديث : الإسلام يجب ما قبله» تفسير : فإذا أسلم الكافر لم يلزمه قضاء شيء من العبادات البدنية والمالية وما كان له من جناية على نفس أو مال فهو معفو عنه وهو ساعة إسلامه كيوم ولدته أمه. وقال يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية أن توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة، وتوحيد سبعين سنة كيف لا يقوى على هدم ذنب ساعة؟ٰ
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى: قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى، وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما ذكر الكسائيّ أنه في مصحف عبد الله بن مسعود «قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم» لما تأدّت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها؛ هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ. الثانية: قوله تعالى: {إِن يَنتَهُواْ} يريد عن الكفر. قال ابن عطية: ولا بُدَّ؛ والحامل على ذلك جواب الشرط «يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ» ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لِمُنْتَهٍ عن الكفر. ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري:شعر : يستوجبُ العفوَ الفتى إذا اعترفْ ثم انتهى عما أتاه واقْتَرفْ لقوله سبحانه في المعترِفْ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سَلَفْ تفسير : روى مسلم عن أبي شُماسة المهرِيّ قال: حضرْنا عمرو بن العاص وهو في سِياقةِ الموت يبكي طويلاً. الحديث. وفيه: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : أما علمت أن الإسلام يَهدِم ما كان قبله وأن الهجرة تَهدِم ما كان قبلها وأن الحج يهدِم ما كان قبله»تفسير : الحديث. قال ابن العربيّ: هذه لطيفة من الله سبحانه منّ بها على الخلق؛ وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي والمآثم؛ فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبداً توبة، ولا نالتهم مغفرة. فيسّر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقربَ لدخولهم في الدين، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا. وفي صحيح مسلم: «حديث : أن رجلاً فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفساً ثم سأل هل له من توبة فجاء عابداً فسأله هل له من توبة فقال: لا توبة لك فقتله فكمل به مائة»تفسير : الحديث. فٱنظروا إلى قول العابد: لا توبة لك؛ فلما علم أنه قد أيئسه قَتله، فِعْلَ الآيس من الرحمة. فالتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأله: هل لقاتلٍ من توبة؟ فيقول: لا توبة؛ تخويفاً وتحذيراً. فإذا جاءه مَن قتل فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة؛ تيسيراً وتأليفاً. وقد تقدّم. الثالثة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلّق في الشرك ثم أسلم؛ فلا طلاق له. وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه. وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء؛ فذلك مغفور له. فأما من ٱفترى على مسلم ثم أسلم أو سَرق ثم أسلم أُقيم عليه الحدّ للفِرية والسرقة. ولو زنى وأسلم، أو ٱغتصب مسلمة ثم أسلم سقط عنه الحدّ. وروى أشهب عن مالك أنه قال: إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام، من مال أو دم أو شيء. قال ابن العربيّ: وهذا هو الصواب؛ لما قدّمناه من عموم قوله تعالى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}، وقوله: «حديث : الإسلام يهدِم ما قبله»تفسير : ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير. قلت: أما الكافر الحربِيّ فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب. وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلماً فإنه يحدّ، وإن سرق قطع. وكذلك الذِّميّ إذا قذف حدّ ثمانين، وإذا سرق قطِع، وإن قتل قتل. ولا يُسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه العهد حال كفره؛ على رواية ابن القاسم وغيره. قال ابن المنذر: واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين؛ فحكي عن الشافعيّ رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حدّ عليه ولا تغريب؛ لقول الله عز وجل: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ}. قال ابن المنذر: وهذا موافق لما روي عن مالك. وقال أبو ثور: إذا أقرّ وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أُقيم عليه الحدّ. وحكي عن الكوفي أنه قال: لا يحدّ. الرابعة: فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات، وأصاب جناياتٍ وأتلف أموالاً؛ فقيل: حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم؛ لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ٱرتداده. وقال الشافعيّ في أحد قوليه: يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي؛ بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى. وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي لا يسقط. قال ابن العربيّ: وهو قول علمائنا؛ لأن الله تعالى مستغنٍ عن حقه، والآدميّ مفتقر إليه. ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين. قالوا: وقوله تعالى؛ {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} عام في الحقوق لله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {وَإِنْ يَعُودُواْ} يريد إلى القتال؛ لأن لفظة «عاد» إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان الإنسان عليها ثم انتقل عنها. قال ابن عطية: ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال. ولا يجوز أن يتأوّل إلى الكفر؛ لأنهم لم ينفصلوا عنه، وإنما قلنا ذلك في «عاد» إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة في الابتداء والخبر، فيكون معناها معنى صار؛ كما تقول: عاد زيد ملِكاً؛ يريد صار. ومنه قول أُمية بن أبي الصلت:شعر : تلك المكارمُ لا قَعبانِ من لبن شِيبَا بماء فعادا بعدُ أبوالاَ تفسير : وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل. فهي مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونها؛ فحكمها حكم صار. قوله تعالى: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأُمم في سالف الدهر بعذاب الله.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ} أي: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم؛ كما جاء في الصحيح من حديث أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر» تفسير : وفي الصحيح أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها» تفسير : وقوله: {وَإِن يَعُودُواْ} أي: يستمروا على ما هم فيه {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} أي: فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. قال مجاهد في قوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} أي: في قريش يوم بدر، وغيرها من الأمم، وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: يوم بدر. وقوله تعالى: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ} قال البخاري: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن يحيى، حدثنا حيوة بن شريح عن بكر بن عمر عن بكير عن نافع عن ابن عمر: أن رجلاً جاء فقال: يا أبا عبد الرحمن ألا تصنع ما ذكر الله في كتابه {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9] الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟ فقال: يا بن أخي أعير بهذه الآية، ولا أقاتل، أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً} تفسير : [النساء: 93] إلى آخر الآية قال: فإن الله تعالى يقول: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلاً، وكان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإسلام، فلم تكن فتنة، فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولكم في علي وعثمان؟ قال ابن عمر: أما قولي في علي وعثمان، أما عثمان، فكان الله قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو الله عنه، وأما علي، فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده: وهذه ابنته أو بنته حيث ترون، وحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا بيان: أن ابن وبرة حدثه قال: حدثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر رضي الله عنهما، فقال: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه الله تعالى. وقال عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل الله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}؟ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. وكذا روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أيوب بن عبد الله اللخمي، قال كنت عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فأتاه رجل، فقال: إن الله يقول: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}، قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله. وكذا رواه حماد بن سلمة، فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله، رواهما ابن مردويه. وقال أبو عوانة: عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه، قال: قال ذو البطين، يعني: أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبداً. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله أبداً، فقال رجل: ألم يقل الله: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه، وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}، يعني: لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم، وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير، وغيره من علمائنا: حتى لا تكون فتنة: حتى لا يفتن مسلم عن دينه، وقوله: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ} قال الضحاك: عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يخلص التوحيد لله، وقال الحسن وقتادة وابن جريج: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ} أن يقال: لا إله إلا الله، وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصاً لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}: لا يكون مع دينكم كفر، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل» تفسير : وفيهما عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله عز وجل؟ فقال: «حديث : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله عز وجل»تفسير : وقوله: {فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ} أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنه، وإن لم تعلموا بواطنهم، {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، كقوله: {أية : فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]، الآية، وفي الآية الأخرى: {أية : فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ} تفسير : [التوبة: 11]، وقال: {أية : وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ فَإِنِ ٱنتَهَواْ فَلاَ عُدْوَٰنَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} تفسير : [البقرة: 193] وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسامة، لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا الله، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأسامة: «حديث : أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟ وكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ تفسير : فقال: يا رسول الله إنما قالها تعوذاً، قال: «حديث : هلا شققت عن قلبه؟» تفسير : وجعل يقول ويكرر عليه: «حديث : من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟» تفسير : قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، وقوله: {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ}، أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، فاعلموا أن الله مولاكم، وسيدكم وناصركم على أعدائكم، فنعم المولى ونعم النصير وقال محمد بن جرير: حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة عن عروة: أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلي تسألني عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة فجزاه الله خيراً، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله به من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له، حتى إذا ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله ما شاء منهم، فلما فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح، يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش يتجرون فيها، وكانت مساكن لتجارهم يجدون فيها رفاغاً من الرزق، وأمناً ومتجراً حسناً، فأمرهم بها النبي صلى الله عليه وسلم فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم، فلما رأوا ذلك، استرخوا استرخاءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى: هي التي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أرض الحبشة مخافتها، وفراراً مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخى عنهم، ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد استرخى عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما رأت قريش ذلك، تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم، فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الأخيرة، فكانت فتنتان: فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة: لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة، ثم إنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة سبعون نقيباً، رؤوس الذين أسلموا، فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم ومواثيقهم، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وخرج هو، وهي التي أنزل الله عز وجل فيها: {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ}، ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عروة بن الزبير: أنه كتب إلى الوليد، يعني: ابن عبد الملك بن مروان بهذا، فذكر مثله، وهذا صحيح إلى عروة رحمه الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } كأبي سفيان وأصحابه {إِن يَنتَهُواْ } عن الكفر وقتال النبي صلى الله عليه وسلم {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } من أعمالهم {وَإِن يَعُودُواْ } إلى قتاله {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلاْوَّلِينِ } أي سنتنا فيهم بالإِهلاك فكذا نفعل بهم.
الشوكاني
.تفسير : أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى. وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود "قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن تَنتَهُواْ" يعني: بالتاء المثناة من فوق، لما تأدّت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها. وقال في الكشاف: أي قل لأجلهم هذا القول، وهو {إِن يَنتَهُواْ } ولو كان بمعنى خاطبهم، لقيل إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود، ونحوه {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [الأحقاف: 11] خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } لهم من العداوة. انتهى. وقيل معناه: إن ينتهوا عن الكفر، قال ابن عطية: والحامل على ذلك جواب الشرط بـ{يغفر لهم ما قد سلف}، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر. وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يجبّ ما قبله. {وَإِن يَعُودُواْ } إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه، ويكون العود بمعنى الاستمرار {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأوَّلِينِ } هذه العبارة مشتملة على الوعيد، والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله، أي قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأوّلين من الأمم أن يصيبه بعذاب، فليتوقعوا مثل ذلك. {وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: كفر. وقد تقدّم تفسير هذا في البقرة مستوفى {فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عما ذكر {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه ما وقع منهم من الانتهاء {وَإِن تَوَلَّوْاْ } عما أمروا به من الانتهاء {فَٱعْلَمُواْ } أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلاَكُمْ } أي: ناصركم عليهم {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ } فمن والاه فاز ومن نصره غلب. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ } قال: في قريش وغيرها يوم بدر، والأمم قبل ذلك. وأخرج أحمد، ومسلم، عن عمرو بن العاص، قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: "حديث : مالك؟" تفسير : قلت: أردت أن أشترط، قال: "حديث : تشترط ماذا؟" تفسير : قلت: أن تستغفر لي، قال: "حديث : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يهدم ما كان قبله"تفسير : وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها"تفسير : وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ } بما مضى في الأمم المتقدّمة من عذاب من قاتل الأنبياء، وصمم على الكفر. وقال السديّ ومحمد بن إسحاق: المراد بالآية يوم بدر. وفسر جمهور السلف الفتنة المذكورة هنا بالكفر. وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة ابن الزبير، وغيره من علمائنا {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } حتى لا يفتن مسلم عن دينه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {قَل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يَغْفِرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} يحتمل وجيهن: أحدهما: إن ينتهوا عن المحاربة إلى الموادعة يغفر لهم ما قد سلف من المؤاخذة والمعاقبة. والثاني: إن ينتهوا عن الكفر بالإسلام يغفر لهم ما قد سلف من الآثام. {وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأُوَّلِينَ} تأويله على احتمال الوجهين الأولين: فعلى الوجه الأول: تأويله: وإن يعودواْ إلى المحاربة فقد مضت سنة الأولين فيمن قتل يوم بدر وأسر،قاله الحسن ومجاهد والسدي. وعلى الوجه الثاني: فقد مضت سنة الأولين من الأمم السالفة فيما أخذهم الله به في الدنيا من عذاب الاستئصال. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل مكة بعد أن دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وقال لهم: "حديث : ما ظَنُّكُم بِي وَمَا الَّذِي تَرَونَ أَنِّي صَانِعُ بِكُم؟" تفسير : قالوا: ابن عم كريم فإن تعف فذاك الظن بك وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لإخْوَتِهِ: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}" تفسير : [يوسف: 92] فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِن يَعُودُواْ} إلى الحرب {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّة} قتلى بدر وأسراهم، أو إن يعودوا إلى الكفر فقد مضت سنة الله ـ تعالى ـ بإهلاك الكفرة، ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ نزلت لما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح فقال: ما في ظنكم وما ترون أني صانع بكم، فقالوا: ابن عم كريم فإن تعفُ فذاك الظن بك، وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال: بل أقول كما قال يوسف لإخوته: { أية : لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ}تفسير : [يوسف: 92] فنزلت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم " حديث : اللهم كما أذقت أول قريش نكالاً فأذق أخرهم نوالاً ".
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} الآية. فصل لمَّا بينَّ ضلالهُم في عباداتهم البدنية، والمالية، أرشدهم إلى طريق الصَّواب، وقال: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}. وفي هذه اللاَّم الوجهان المشهوران: الأول: أنَّها للتبليغ، أمر أن يُبلِّغَهُم معنى هذه الجملةِ المحكيةِ بالقول، وسواء أوردها بهذا اللفظ أم بلفظٍ آخرَ مؤدٍّ لمعناها. والثاني: أنها للتعليل، وبه قال الزمخشريُّ. ومنع أن تكون للتبليغ، فقال: "أي قل لأجلهم هذا القول: "إن ينتَهُوا"، ولو كان بمعنى خاطبهم به، لقيل: إن تَنْتَهُوا يغفر لكم وهي قراءةُ ابن مسعود، ونحو {وقال الذين كفرُوا لِلَّذينَ آمنوا لو كانَ خَيْراً ما سَبقُونَا إليْهِ} خاطبوا به غيرهم لِيسمْعَوهُ" وقرىء "يَغْفره" مبنياً للفاعل، وهو ضمير يعود على الله تعالى. فصل المعنى: قُل للَّذين كفرُوا إن ينتهوا عن الكُفْر وعداوة الرَّسُولِ ويسلموا {يُغْفَرْ لهُم ما قد سلفَ} من كفرهم وعداوتهم للرَّسُولِ، وإن عَادُوا إليه، وأصَرُّوا عليه: {فقدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلينَ} في نُصرةِ الله أنبياءه، وأولياءه، وإهلاك أعداءه؛ فليتوقَّعُوا مثل ذلك. وقال يحيى بنُ معاذ الرازي: توحيد ساعة لم يعجز عن هدم ما قبله من كُفْرٍ، وأرجو ألاَّ يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. واستدلُّوا بهذه الآية على صحَّة توبة الزِّنديقِ، وأنها تقبل، واستدلوا بها أيضاً على أنَّ الكفَّار ليسوا مخاطبين بالفروع؛ لأنَّها لا تصح منهم في حال الكفر، وبعد الإسلام لا يلزم قضاؤها. واحتجُّوا بها أيضاً على أنَّ المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء العبادات الَّتي تركها في حال الردَّةِ. قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} الآية. لمَّا بينَّ أن الكفار إن انتهوا عن الكفر غفر لهم، وإن عادوا فهم متوعدون، أتبعه بأن أمر بقتالهم إذا أصروا، فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}. وقال عروة بن الزبير: "كان المؤمنون يفتنون عن دين اللَّهِ في مبدأ الدَّعْوَة، فافتتن بعض المسلمين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يخرجوا إلى الحبشةِ، وفتنة ثانية وهي أنه لمَّا بايعت الأنصارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة، أرادت قريش أن يفتنوا المؤمنين بمكَّة عن دينهم؛ فأصاب المؤمنين جهدٌ شديدٌ، فهذا هو المراد من الفتنةِ؛ فأمر اللَّهُ بقتالهم حتَّى تزول هذه الفتنة". قال المفسِّرُون: {حتَّى لا تكون فتنةٌ} أي: شِرْك. وقال الربيعُ: "حتَّى لا يفتن مؤمن عن دينه". قال القاضي "إنه تعالى أمر بقتالهم، ثم بيَّن له قتالهم، فقال: {حتَّى لا تكُون فتنةٌ} ويخلص الدِّين الذي هو دينُ الله من سائر الأديانِ، وإنَّما يحصل هذا المقصود إذا زال الكفر بالكليَّة"، "ويكون" العامَّةُ على نصبه، نسقاً على المنصُوبِ مرفوعاً على الاستئناف. قوله "فإن انتهَواْ" عن الكُفْرِ والمعاصي، بالتَّوبة والإيمان، فإنَّ اللَّه عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم. قرأ الحسنُ ويعقوبُ وسليمانُ بن سلام: "بما تَعْمَلُون" بتاء الخطابِ؛ "وإن تولَّوْا" أي: عن التوبة والإيمان، {فاعْلَمُوا أَنَّ اللَّه مولاكُمْ} أي: وليكم وهو يحفظكم، ويدفع البلاء "عَنْكُم". وفي "مَولاكُمُ" وجهان: أظهرهما: أنَّ "مَولاكُم" هو الخبر، و "نِعْمَ المَوْلَى" جملةٌ مستقلةٌ سيقت للمدح. والثاني: أن يكون بدلاً من "اللَّه" والجملةُ المدحيَّةُ خبر لـ "أنَّ" والمخصوصُ بالمدحِ محذوف، أي: نِعْمَ المولى اللَّهُ، أو ربُّكُم. وكلُّ ما كان من حماية هذا المولى، ومن كان في حفظه، كان آمناً من الآفات مصوناً عن المخوفات.
السيوطي
تفسير : وأخرج أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال " حديث : لما جعل الله الإِسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك. فبسط يمينه فقبضت يدي. قال: مالك...؟! قلت: أردت أن اشترط. قال: قال: تشترط قلت: ان يغفر لي. قال: أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم، وذلك أن الله تعالى يقول {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فقد مضت سنة الأوّلين} قال: في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك.
القشيري
تفسير : إنْ كبحوا لجام التمرد، وأقلعوا عن الركض في ميدان العناد والتَّجَبُّر أَزَلْنا عنهم صَغَارَ الهوان، وأَوْجَبْنا لهم رَوْحَ الأمان. ويقال إن حلُّوا نطاق العناد أطلقنا عنهم عقال البعاد. ويقال إن أبصروا قُبْحَ فِعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أحوالهم. ويقال إنْ جنحوا للاعتذار ألقينا عليهم حالة الاغتفار. ويقال إن عادوا إلى التَّنّصُّل أبحنا لهم حُسْنَ التَّفَضُّل: شعر : أناسٌ أعرضوا عنّا بلا جُرْمٍ ولا معنى أساءوا ظَنَّهـم فينــا فهلاَّ أحسنوا الظنَّا فإن كانوا لنا - كُنَّا، وإنْ عادوا لنا عُدْنا وإن كانوا قد اسْتَغْنَوْا فإنَّا عنهمُ أغنى
اسماعيل حقي
تفسير : {قل للذين كفروا} اللام للتعليل اى لاجلهم والمراد ابو سفيان واصحابه {إِن ينتهوا} عن معاداة الرسول بالدخول فى الاسلام {يغفر لهم ما قد سلف} من ذنوبهم قبل الاسلام {وإِن يعودوا} الى قتاله انتقمنا منهم واهلكناهم {قد مضت سنة الأولين} الذين تجزبوا على الانبياء بالتدمير كما جرى على اهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك وانشد بعضهم شعر : يستوجب العفو الفتى اذا اعترف ثم انتهى عما اتاه واقترف لقوله قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {قل للذين كفروا}؛ كقريش وغيرهم: {إن ينتهوا} عن الكفر ومعاداة الرسول بالدخول في الإسلام، {يغفر لهم ما قد سلف} من ذنوبهم، ولو عظمت، {وإن يعودوا} إلى الكفر وقتاله {فقد مضت سُنَّتُ الأولين} أي: مضت عادتي مع الذين تحزبُوا على الأنبياء بالتدمير والهلاك، كعاد وثمود وأضرابهم، وكما فعل بهم يوم بدر، فليتوقعوا مثل ذلك، وهو تهديد وتخويف. الإشارة: قل للمنهمكين في الذنوب والمعاصي: لا تقنطوا من رحمتي، فإني لا يتعاظمني ذنب أغفره، فإن تنتهوا أغفر لكم ما قد سلف، وأنشدوا: شعر : يستوجب العَفْوَ الفتى، إذا اعترف بما جَنى، وما أتى، وما اقْتَرفْ لقوله: (قُل للذين كفروا إنْ ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف) تفسير : وللشافعي رضي الله عنه: شعر : فَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي جَعَلْتُ الرَّجَا مِنَّي لعَفْوكَ سُلما تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي، فَلَمّا قَرَنْتهُ بعَفْوِكَ رَبِّي، كانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا فَمَا زِلْتَ ذَا جُودِ وَفَضْلٍ وَمِنَّةٍ تَجُودُ وتَعْفُو مِنَّهً وتَكَرُّمَا تفسير : فإن لم ينته المنهمك في الهوى فقد مضت سُنة الله فيه؛ بالطرد والإبعاد، ويخاف عليه سوء الختام، والعياذ بالله. ثم أمر بجهاد من لم ينته عن كفره، فقال: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}.
الطوسي
تفسير : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول للكفار إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف والمعنى إن انابوا عن الكفر والمعاصي وتابوا منها توبة خالصة، لأن الكف عن المعاصي مع الاصرار لا يوجب الغفران. وإنما اطلق الوعد في الآية بالانتهاء عن المعصية، لان الانتهاء عنها لا يكون مع الاصرار عليها، لان الاصرار معصية. وقوله {وان يعودوا فقد مضت سنة الأولين} معناه وان يعودوا، ويرجعوا إلى المعصية {فقد مضت سنة الأولين} في تعجيل العقاب لهم في الدنيا بعذاب الاستئصال وما جرى مجراه من الاسر والقتل، يوم بدر، وبالنصر من الله، من قول الحسن ومجاهد، والسدي. والسلوف: التقدم، تقول سلف يسلف سلوفاً واسلف إسلافاً وتسلف تسلفاً وسلفه تسلفاً وتسليفاً واستسلف استسلافاً، والسالفة اعلى العنق، والسلافة اخلص الخمر واجودها. والسلفان المتزوجان باختين والسنة الطريقة التي يجري عليها الامر، ومنه قولهم هذا مستمر على سنن واحد.
الجنابذي
تفسير : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} مخاطباً لهم قولى {إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} او مضمون ان ينتهوا يغفر لهم او قل فى حقّهم فالعبارة على ما هو حقّها، والمراد بالكفر الكفر بالله او بالنّبىّ (ص) او بالولىّ (ع) او بالولاية التّكوينيّة الّتى هى وجهة القلب وطريق الآخرة، ولذا ورد عن الباقر (ع) انّه قال له رجل: انّى كنت عاملاً لبنى امّية فاصبت مالاً كثيراً فظننت انّ ذلك لا يحلّ لى فسألت عن ذلك فقيل لى: انّ اهلك ومالك وكلّ شيءٍ لك فهو حرام فقال (ع): ليس كما قالوا لك، قال فلى توبة؟ - قال (ع): نعم، توبتك فى كتاب الله قل للّذين كفروا وان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، فعدّه (ع) من الكافرين حيث كفر بالولاية التّكليفيّة او التّكوينيّة {وَإِنْ يَعُودُواْ} الى ما كانوا فيه من الكفر باحد معانيه ولوازمه من معاداة الرّسول (ص) ومقاتلته مضت معاداتهم على نبيّنا (ص) ولم يبق عليه شينها وبقى عليهم عقوبتها {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ} الّذين كفروا وعادوا انبيائهم (ع) او المعنى ان يعودوا الى ما هم فيه فليتوقّعوا عذابنا وانتقامنا كما انتقمنا عمّن سلف ولا اختفاء فى انتقامنا عن السّالفين فقد مضت سنّة الاوّلين وصارت اسماراً بحيث لم يبق احد الا وقد سمعها.
اطفيش
تفسير : {قُلْ للَّذين كَفرُوا} أبى سفيان وأصحابه {إنْ ينْتَهوا} عن الكفر والمعاداة {يُغْفر لَهم ما قَدْ سَلفَ} من ذنوبهم، الإسلام جب لما قبله مطلقا، قال فى القناطر: قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الإسلام جبٌّ لما قبله" تفسير : فوسع الله تعالى للمشرك إذا أسلم جميع ما بيده من الأموال والأنكحة، ولو اكتسبها حرام ولم يطالبه بشئ من مظالم العباد من الرماء وغيرها، وهذا من سعة رحمته تعالى انتهى. وكذا الذمى داخل فى كون الإسلام جبا، لكن تبقى عليه حقوق الآدميين عند جار الله وهو صحيح، واختلفوا فى المرتد فقيل: إذا أسلم كان إسلامه جبا لما قبله مطلقا، وقيل: يؤخذ بحقوق الآدميين، وقيل: يلزمه قضاء ما ترك من الفرائض فى حال الردة، وقال أبو حنيفة: يلزمه قضاء ما ترك فى حالها وما قبلها فى حال الإسلام أو الشرك الأول، وقرئ يغفر بالبناء للفاعل ففيه ضمير يعود على الله. {وإنْ يَعودُوا} إلى المعادات والقتال، وأما الكفر فلم يفصلوا عنه فضلا عن أن يقال عادوا فيه {فَقدْ مضَتْ سُنَّة} عادة {الأولينَ} المتحزبين على أنبيائهم، وهى أن يهلكوا وبنصر الأنبياء والمؤمنون، فإن عدتم فتوقعوا وقعة كوقعة بدر، والأولون موتى بدر، وعليه السدى، وابن إسحاق، كما أن وقعة بدر أقرب إليهم، وقد عاينوها، واللام فى قوله: {للذين} للتبليغ كقولك، قل لزيد قم، فالمراد قل لهم: إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف، إن تعودوا فقد مضت سنة الأولين بالتاء والكاف خطابا كما قرأ به ابن مسعود، وأثبته فى مصحفه، كما ذكر عنه الكسائى أن ذلك فى مصحفه، وجار الله أن ذلك قراءته فعدل عن ذلك الذى هو مقتضى الظاهر إلى الغيبة غضبا وصوناً إلى الحضرة عن صفة خطابهم، ولا يلزم به من ذلك، كما توهم بعضهم أنه لا يكون مؤديا للرسالة إلا بتلك الألفاظ التى فى قراءة ابن مسعود، ولك أن تجعل اللام للتعليل، أو بمعنى فى أى فى شأن الذين كفروا، فالغيبة أحق بالمقام، وهى على ظاهرها، فالمراد قل ذلك فيتوصل إليهم، وفسر أبو حنيفة العود بالارتداد، واحتج به على مقالته السابقة.
اطفيش
تفسير : {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أَشركوا كأَبى سفيان وَأَصحابه، واللام للتبليغ فالغيبة فى قوله {إِن يَنْتَهُوا} إِلخ، على طريق الالتفات السكاكى من الخطاب إِليها، والأَصل إِن تنتهوا بالتاءِ، أَو بمعنى فى أَى فى شأن الذين كفروا أَو للتعليل، والأَول أَولى، ويدل له قراءَة ابن مسعود تنتهوا بالمثناة فلا التفات، والمعنى إِن ينتهوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم إِلى الإِيمان والإِعانة فى الدين وحب الرسول {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلفَ} ولو كانوا كتابيين وفى عهد، وذلك هو الصحيح، وقيل: يلزم الذمى حقوق الله وحقوق العباد قبل الإِسلام وهو ضعيف ليس بشئٍ لحديث الإِسلام يجب ما قبله، وكذا من ارتد ثم أَسلم لا يؤخذ بما فعل فى الردة، وقيل: يؤخذ، والمراد فى الآية ما سلف من كفرهم وقتل الأَنفس وأَخذ الأَموال ولو بقيت فى أَيديهم وغير ذلك من الذنوب التى بينهم وبين الله والعباد، ويفرق بينه وبين محرمته إِن تزوجها، وبينه وبين من جمع من المحرمتين فصاعدا فيقتصر على واحدة وبين الزائد على أَربع ويهريق ما عنده من خمر و يقتل خنزيره ويدفن ميته، فيخرجون من ذنوبهم كما ينسل الشعر من العجين، والإِسلام جَبٌّ لما قبله، وزعم بعض أَن ذلك فى الحرب ومن لم يكن فى العهد، وأَن أَهل الذمة يغفر لهم حقوق الله لا حقوق العباد، وقيل: يرد المشرك ما بقى فى يده من مال الناس، قال يحيى بن معاذ الرازى فى هذه الآية: توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سنة، وتوحيد سبعين سنة لا يقوى على هدم ذنب ساعة، وهذا قولنا: إِن الإِصرار على ذنب يبطل الأَعمال كلها {وَإِنْ يَعُودُوا} إِلى الكفر والقتال، أَى يبقوا عليه، شبه البقاء عليه بالرجوع إِليه بعد التوبة، ففى الآية استعارة تبعية وإِشارة إِلى أَن الردة أَشد قبحا من الكفر الأَول إِذ جعلها المشبه به، أَو سمى مطلق استعمال الكفر عودا إِليه تسمية للمطلق بالمقيد، أَو المراد يعودوا إِلى الكفر بعد التوحيد، أَو شبه توقعهم تمام قول الرسول لهم، أَو إِدراكهم أَن الحق معه ثم يعاندوه بتوقفهم عن الكفر فيعودوا إِليه {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} تعليل ناب عن الجواب، أَى وإِن يعودوا أَهلكوا أَو فليتوقعوا الإِهلاك لأَنه قد مضت سنة الأَولين بالإِهلاك إِذا تحزبوا على أَنبيائهم بالإِيذاءِ والتكذيب، والأَولون هم الأُمم السابقة أَضيفت إِليهم السنة لأَنها وقعت عليهم، أَو هم الرسل أضيفت إِليهم لأَنها على أَيديهم وبسببهم، كما قال سنة من قد أَرسلنا، والأَول أَولى لأَنه الكثير فى القرآن.
الالوسي
تفسير : {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي المعهودين وهم أبو سفيان وأصحابه، واللام عند جمع للتعليل أي قل لأجلهم {إن يَنْتَهُوا} عما هم فيه من معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} منهم من الذنوب التي من جملتها المعاداة والانفاق في الضلال، وقال أبو حيان: الظاهر أن اللام للتبليغ وأنه عليه الصلاة والسلام أمر أن يقول هذا المعنى الذي تضمنته ألفاظ هذه الجملة المحكية بالقول سواء قاله بهذه العبارة أم غيرها، وهذا الخلاف إنما هو على قراءة الجماعة وأما على قراءة ابن مسعود {إن تنتهوا يغفر لكم} بالخطاب فلا خلاف في أنها للتبليغ على معنى خاطبهم بذلك، وقرىء {نغفر لهم} على أن الضمير لله عز وجل {وَإِن يَعُودُواْ} إلى قتاله صلى الله عليه وسلم أو إلى المعاداة على معنى إن داوموا عليها {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلأَوَّلِينِ} أي عادة الله تعالى الجارية في الذين تحزبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من نصر المؤمنين عليهم وخذلانهم وتدميرهم. وأضيفت السنة إليهم لما بينهما من الملابسة الظاهرة، ونظير ذلك قوله سبحانه: {أية : سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا } تفسير : [الإسراء: 77] فأضاف السنة إلى المرسلين مع أنها سنته تعالى لقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } تفسير : [الإسراء: 77] باعتبار جريانها على أيديهم، ويدخل في الأولين الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر، وبعضهم فسره بذلك ولعل الأول أولى لعمومه ولأن السنة تقتضي التكرر في العرف وإن قالوا: العادة تثبت بمرة، والجملة على ما في «البحر» دليل الجواب، والتقدير إن يعودوا انتقمنا منه أو نصرنا المؤمنين عليهم فقد مضت سنة الأولين، وذهب غير واحد إلى أن المراد بالذين كفروا الكفار مطلقاً، والآية حث على الإيمان وترغيب فيه، والمعنى أن الكفار أن انتهوا عن الكفر وأسلموا غفر لهم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي وخرجوا منها كما تنسل الشعرة من العجين وإن عادوا إلى الكفر بالارتداد فقد رجع التسليط والقهر عليهم. واستدل بالآية على أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الكافر إذا أسلم لا يخاطب بقضاء ما فاته من صلاة أو زكاة أو صوم أو إتلاف مال أو نفس، وأجرى المالكية ذلك كله في المرتد إذا تاب لعموم الآية، واستدل بها على إسقاط ما على الذمي من جزية وجبت عليه قبل إسلامه، وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك قال: لا يؤاخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم وذلك لأن الله تعالى قال: {إِن يَنتَهُواْ} الخ. وقال بعض: إن الحربـي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة أصلاً وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى وتلزمه حقوق العباد، ونسب إلى الإمام أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن مذهبه في المرتد كمذهب المالكية في أنه إذا رجع إلى الإسلام لم تبق عليه تبعة وهو كالصريح في أن من عصى طول العمر ثم ارتد ثم أسلم لم يبق عليه ذنب. ونسب بعضهم قول ذلك إليه رضي الله تعالى عنه صريحاً وادعى أنه احتج عليه بالآية وأنه في غاية الضعف إذ المراد بالكفر المشار إليه في الآية هو الكفر الأصلي وبما سلف ما مضى في حال الكفر، وتعقب ذلك بأن أبا حنيفة ومالكاً أبقيا الآية على عمومها لحديث «حديث : الإسلام يهدم ما كان قبله» تفسير : وأنهما قالا: إن المرتد يلزمه حقوق الآدميين دون حقوق الله تعالى كما في كتاب «أحكام القرآن» لابن عبد الحق، وخالفهما الشافعي رضي الله تعالى عنه وقال: يلزمه جميع الحقوق، وأنا أقول ما ذكره ذلك البعض عن أبـي حنيفة في العاصي المذكور في غاية الغرابة، وفي «كتب الأصحاب» ما يخالفه، ففي «الخانية» إذا كان المرتد قضاء صلوات أو صيامات تركها / في الإسلام ثم أسلم قال شمس الأئمة الحلواني: عليه قضاء ما ترك في الإسلام لأن ترك الصلاة والصيام معصية تبقى بعد الردة. نعم ذكر قاضيخان فيها ما يدل على أن بعض الأشياء يسقط عن هذا المرتد إذا عاد إلى الإسلام وأطال الكلام في المرتد ولا بأس بنقل شيء مما له تعلق في هذا المبحث إذ لا يخلو عن فائدة، وذلك أنه قال: مسلم أصاب مالاً أو شيئاً يجب به القصاص أو حد قذف ثم ارتد أو أصاب ذلك، وهو مرتد في دار الإسلام ثم لحق بدار الحرب وحارب المسلمين زماناً ثم جاء مسلماً فهو مأخوذ بجميع ذلك ولو أصاب ذلك بعد ما لحق بدار الحرب مرتداً وأسلم فذلك كله موضوع عنه، وما أصاب المسلم من حدود الله تعالى كالزنا والسرقة وقطع الطريق ثم ارتد أو أصاب ذلك بعد الردة ثم لحق بدار الحرب ثم جاء مسلماً فكل ذلك يكون موضوعاً عنه إلا أنه يضمن المال في السرقة، وإذا أصاب دماً في الطريق كان عليه القصاص، وما أصاب في قطع الطريق من القتل خطأ ففيه الدية على عاقلته إن أصابه قبل الردة وفي ماله أصابه بعدها، وإن وجب على المسلم حد الشرب ثم ارتد ثم أسلم قبل اللحوق بدار الحرب فإنه لا يؤاخذ بذلك لأن الكفر يمنع وجوب الحد ابتداء فإذا اعترض منع البقاء وإن أصاب المرتد ذلك وهو محبوس لا يؤاخذ بحد الخمر والسكر ويؤاخذ بما سوى ذلك من حدود الله تعالى، ويتمكن الإمام من إقامة هذا الحد إذا كان في يده فإن لم يكن في يده حين أصاب ذلك ثم أسلم قبل اللحوق بدار الحرب فهو موضوع عنه أيضاً انتهى، ومنه يعلم أن قولهم المرتد يلزمه حقوق العباد دون حقوق الله تعالى ليس على إطلاقه وتمام الكلام في الفروع، وأنت تعلم أن الوجه في الآية هو المطابق لمقتضى المقام وأن المتبادر من الكفر الكفر الأصلي. و «حديث : الإسلام يهدم ما كان قبله» تفسير : بعض من حديث أخرجه مسلم «حديث : عن عمرو بن العاص قال: أتيت النبـي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك لأبايعك فبسط يمينه الشريفة قال: فقبضت يدي فقال عليه الصلاة والسلام ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله» تفسير : الحديث. والظاهر أن {مَا} لا يمكن حملها في الكل على العموم كما لا يخفى فلا تغفل. وذكر بعضهم أن الكافر إذا أسلم يلزمه التوبة والندم على ما سلف مع الإيمان حتى يغفر له وفيه تأمل فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : جرى هذا الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب، والوعيد بالوعد، والعكس، فأنذرهم بما أنذر، وتَوعّدَهم بما توعد ثم ذكّرهم بأنهم متمكنون من التدارك وإصلاح ما أفسدوا، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما يفتح لهم باب الإنابة. والجملة استيناف يصح جعله بيانياً لأن ما تقدم بين يديه من الوعيد وقلة الاكتراث بشأنهم، وذكر خيبة مساعيهم، مما يثير في أنفُس بعضَهم والسامعين أن يتساءلوا عما إذا بقي لهم مخلص ينجيهم من ورطتهم التي ارتبقوا فيها، فأمر الرسول بأن يقول لهم هذا المقال ليريهم أن باب التوبة مفتوح، والإقلاع في مكنتهم. وأسند الفعل في الجملة المحكية بالقول إلى ضمير الغائبين لأنه حكاية بالمعنى روعي فيها جانب المخاطب بالأمر تنبيهاً على أنه ليس حَظه مجرد تبليغ مقالة، فجُعل حَظه حظ لمخبر بالقضية الذي يُراد تقررها لديه قبل تبليغها، وهو إذا بلغ إليهم يبلغ إليهم ما أعلم به وبُلغ إليه، فيكون مخبراً بخبر وليس مجرد حامل لرسالة. والمراد بالانتهاء: الانتهاء عن شيء معلوم دَل عليه وصف الكفر هنا وما تقدمه من أمثاله وآثاره من الانفاق للصد عن سبيل الله، أي إن ينتهوا عن ذلك، وإنما يكون الانتهاء عن ذلك كله بالإيمان. و{ما قد سلف} هو ما أسلفوه من الكفر وآثاره، وهذا، وإن كان قضية خاصة بالمشركين المخاطبين، فهو شامل كل كافر لتساوي الحال. ولفظ الغفران حقيقة شرعية في العفو عن جزاء الذنوب في الآخرة، وذلك مهيع الآية فهو معلوم منها بالقصد الأول لا محالة، ويلحق به هنا عذاب الله في الدنيا لقوله: {فقد مضت سنة الأولين}. وَاستنبط أيمتنا من هذه الآية أحكاماً للأفعال والتبعات التي قد تصدر من الكافر في حال كفره فإذا هو أسلم قبل أن يؤاخذ بها هل يُسقط عنه إسلامُه التبعات بها. وذلك يرجع إلى ما استقريته وأصّلته في دلالة آي القرآن على ما يصح أن تدل عليه ألفاظها وتراكيبها في المقدمة التاسعة من هذا التفسير، فروى ابن العربي في «الأحكام» أن ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، رووا عن مالك في هذه الآية: أن من طلّق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق عليه، ومن حلف يميناً ثم أسلم فلا حنث عليه فيها، وروى عن مالك: إنما يعني عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام من مال أو دم أو شيء، قال ابن العربي وهو الصواب لعموم قوله: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}، وإن ابن القاسم، وابن وهب، رويا عن مالك أن الكافر إذا افترى على مسلم أو سرق ثم أسلم يقام عليه الحد، ولو زنى ثم أسلم أو اغتصب مسلمة ثم أسلم لسقط عنه الحد تفرقة بين ما كان حقاً لله محْضاً وما كان فيه حق للناس. وذكر القرطبي عن ابن المنذر: أنه حكى مثل ذلك عن الشافعي، وأنه احتج بهذه الآية، وفي «المدونة» تسقط عنه الحدود كلها. وذكر في «الكشاف» عن أبي حنيفة أن الحربي إذا أسلم لم تبق عليه تبعة، وأما الذميّ فلا يلزمه قضاء حقوق الله وتبقى عليه حقوق الآدميين، واحتج بهذه الآية، وفي كتب الفتوى لعلماء الحنفية بعض مخالفة لهذا، وحَكوا في المرتد إذا تاب وعاد إلى الإسلام أنه لا يلزمه قضاء ما فَاته من الصلاة ولا غرْم ما أصاب من جنايات ومتلفات. وعن الشافعي يلزم ذلك كله وهو ما نسبه ابن العربي إلى الشافعي بخلاف ما نسبه إليه ابن المنذر كما تقدم وعن أبي حنيفة يسقط عنه كل حق هو لله ولا يسقط عنه حق الناس وحجة الجميع هذه الآية تعميماً وتخصيصاً بمخصصات أخرى. وفي قوله تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} مُحسَن بديعي وهو الاتزان لأنه في ميزان الرجز. والمراد بالعَود الرجوع إلى ما هم فيه من مناوأة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والتجهز لحربهم، مثل صنعهم يوم بدر، وليس المراد عودهم إلى الكفر بعد الانتهاء لأن مقابلته بقوله: {إن ينتهوا} تقتضي أنه ترديد بين حالتين لبيان ما يترتب على كل واحدة منهما وهذا كقول العرب بعضهم لبعض: «أسلِمْ أنتَ أم حرب» ولأن الذين كفروا لما يفارقوا الكفَر بعدُ فلا يكون المراد بالعود عودَهم إلى الكفر بعد أن يسلموا. والسنة العادة المألوفة والسيرة. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : قد خلت من قبلكم سنن}تفسير : في [آل عمران: 137]. ومعنى {مضت} تقدمت وعَرَفَها الناس. وهذا الخبر تعريض بالوعيد بأنهم سيلقون ما لقيه الأولون، والقرينةُ على إرادة التعريض بالوعيد أن ظاهر الإخبار بمضي سنة الأولين، وهو من الإخبار بشيء معلوم للمخبَرين به، وبهذا الاعتبار حسن تأكيده بقدْ إذ المراد تأكيد المعنى التعريضي. وبهذا الاعتبار صح وقوع قوله: {فقد مضت سنة الأولين} جزاء للشرط. ولولا ذلك لما كان بين الشرط وجوابه ملازمة في شيء. والأولون: السابقون المتقدمون في حالة، والمراد هنا الأمم التي سبقت وعرفوا أخبارهم أنهم كذبوا رسل الله فلقوا عذاب الاستيصال مثل عاد وثمود قال تعالى: {أية : فهل يَنظرون إلاّ سُنّة الأولين}تفسير : [فاطر: 43]. ويجوز أن المراد بالأولين أيضاً السابقون للمخاطبين من قومهم من أهل مكة الذين استأصلهم السيف يوم بدر، وفي كل أولئك عبرة للحاضرين الباقين، وتهديد بأن يصيروا مصيرهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن ينتهوا: عن الكفر بالله ورسوله وحرب الرسول والمؤمنين. ما قد سلف: أي مضى من ذنوبهم من الشرك وحرب الرسول والمؤمنين. مضت سنة الأولين: في إهلاك الظالمين. لا تكون فتنة: أي شرك بالله واضطهاد وتعذيب في سبيل الله. ويكون الدين كله لله: أي حتى لا يعبد غير الله. مولاكم: متولي أمركم بالنصر والتأييد. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بيان الإِجراءات الواجب اتخاذها إزاء الكافرين فيقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} مبلغاً عنا {إِن يَنتَهُواْ} أي عن الشرك والكفر والعصيان وترك حرب الإِسلام وأهله {يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} يغفر الله لهم ما قد مضى من ذنوبهم العظام وهي الشرك والظلم، وهذا وعد صدق ممن لا يخلف الوعد سبحانه وتعالى. {وَإِنْ يَعُودُواْ} إلى الظلم والاضطهاد والحرب فسوف يحل بهم ما حل بالأمم السابقة قبلهم لما ظلموا فكذبوا الرسل وآذوا المؤمنين وهو معنى قوله تعالى {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} أي سنة الله والطريقة المتبعة فيهم وهي أخذهم بعد الإِنذار والإِعذار. ثم في الآية الثانية من هذا السياق يأمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بقتال المشركين قتالاً يتواصل بلا انقطاع إلى غاية هي: أن لا تبقى فتنة أي شرك ولا اضطهاد لمؤمن أو مؤمنة من أجل دينه، وحتى يكون الدين كله لله فلا يعبد مع الله أحد سواه {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} أي عن الشرك والظلم فكفوا عنهم وإن انتهوا في الظاهر ولم ينتهوا في الباطل فلا يضركم ذلك {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وسيظهرهم لكم ويسلطكم عليهم. وقوله في ختام السياق {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي نكثوا العهد وعادوا إلى حربكم بعد الكف عنهم فقاتلوهم ينصركم الله عليهم واعلموا أن الله مولاكم فلا يسلطهم عليكم، بل ينصركم عليهم إنه {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} لمن يتولى {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} لمن ينصر. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سعة فضل الله ورحمته. 2- الإِسلام يجبّ أي يقطع ما قبله، فيغفر لمن أسلم كل ذنب قارفه من الكفر وغيره. 3- بيان سنة الله في الظالمين وهي إهلاكهم وإن طالت مدة الإِملاء والإِنظار. 4- وجوب قتال المشركين على المسلمين ما بقي في الأرض مشرك. 5- نعم المولى الله جل جلاله لمن تولاه، ونعم النصير لمن نصره.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُنَّةُ} (38) - قُلْ، أيُّها الرَّسُولُ، لِهَؤُلاَءِ الكَافِرِينَ: إِنَّهُمْ إِنْ يَنْتَهُوا عَنْ أَعْمَالِهِمِ السَّيِّئَةِ، وَعَما هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالمُشَاقَّةِ وَالعِنَادِ، وَيَدْخُلُوا فِي الإِسْلاَمِ وَالطَّاعَةِ، يَغْفِرِ اللهُ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، أمَّا إذا اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ، وَعَادُوا إلى المُشَاقَّةِ وَالحَرْبِ وَالخِصَامِ، فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ فِي الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الأُمَمِ بِأنَّ مَصِيرَهُمْ سَيَكُونُ إلى الدَّمَارِ وَالخِذْلانِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ، وَإلى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ فِي الآخِرَةِ. سُنَّةُ الأَوَّلِينَ - عَادَةُ اللهِ فِي المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"قل" أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، وما دام قد وجد أمر، فلا بد من وجود المبلغ للأمر، أي أن هناك مخاطِباً ومخاطَباً، والمخاطِب هنا هو الله سبحانه، والمخاطَب هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ لأن الله تعالى قال له: "قل"، والبلاغ المطلوب منه إبلاغه للناس هو ما يتضمنه قول المولى سبحانه: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]. أي إن انتهوا عن الكفر غفرت لهم ذنوبهم التي ارتكبوها أيام كفرهم، ونلاحظ هنا اختلافاً في أسلوب الكلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخاطب الكافرين كان الذي يفرضه السياق أن يقول لهم: إن تنتهوا يغفر لكم؛ لأن الخطاب لا بد أن ينسجم مع المخاطب، وعادة عندما توجه الخطاب لشخص تكون هناك "لام التوجيه"، تقول: وجهت الخطاب لفلان، وتخاطبه بشكل مباشر، ولكن الله يقول هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ} [الأنفال: 38]. وكان سياق الكلام يقتضي القول: إن تنتهوا يغفر لكم، ولكن الله سبحانه وتعالى عدل عن إن تنتهوا إلى "إن ينتهوا"، والكلام مخاطب به الكفار، والكفار حاضرون فكيف يخاطبهم بصيغة الغائب؟ لقد أراد الله تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع المعاذير. ومثل ذلك مثل قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} تفسير : [الأحقاف: 11]. وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضي أن يقال: لو كان خيراً ما سبقتمونا إليه، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في أماكن متعددة للمؤمنين، وأراد الله سبحانه وتعالى: أن يلفتنا لذلك، فعمم الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط، بل ينطبق على كل حالة مماثلة؛ لذلك قال سبحانه: {إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن مقاومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنادهم معه فهو سبحانه وتعالى يغفر لهم، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر، فإن انتهوا عنهما، صاروا مؤمنين. والإسلام يَجُبُّ ما قبله. ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم دخل المعركة فاستشهد صار شهيدا؛ لأنه قد غُفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه التي حدثت منه أثناء الكفر، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق الله تعالى، أما ما يتعلق بحقوق الناس، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38]. وقوله هنا: {وَإِنْ يَعُودُواْ} أراد الله أن يعلمنا أن تجري هذه الكلمة على اللسان، فإن عادوا مرة أخرى إلى الكفر والعناد، يطردوا من رحمة الله ومغفرته، إذن فشرط الغفران لهم أن يستمروا في إيمانهم وألا يعودوا للكفر مرة أخرى، وقوله تعالى: {مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}. والسنة هي الطريقة أو الكيفية أو الحالة التي يكونون عليها ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 62]. أي الطريقة التي اختارها الله لمعالجة الأمور بالحق والعدل، ومعنى قوله تعالى: {مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}: أي الطريقة التي عرفتموها وعالج بها الله عز وجل أمر من عاند الرسل ووقف منهم موقف المنازعة والمعارضة. ومثل ذلك حدث للكفار في بدر، فكأن من يقف أمام دعوة الله ومنهجه لا بد أن يتعرض للهلاك كما حدث مع كل من قاوم الأنبياء، فأنتم تعرفون ما صنعه الله بقوم هود وقوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون. ومر كل ذلك عليكم، كسنة عامة تشمل كل من قاوم الأنبياء ووقف في طريق دعوتهم إلى الله. والخطاب هنا إما أن يكون خطاباً لهم على حالهم في وطنهم وما حدث للمخالفين في بدر وقد رأوا مصارعهم، وإما أن يكون الخطاب مبيناً لسنة الله تعالى وقد شاءت سنته سبحانه إبادة كل مخالف لسنته. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا ورقاءُ عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} [الآية: 38]. يعني: قريش يوم بدر، وفي غيرها من الأمم قبل ذلك. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} [الآية: 41]. هو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ} [الآية: 42] يعني به أَبا سفيان وأَصحابه، مقبلين من الشام تجاراً، لم يشعروا بأَصحاب بدر. ولم يشعر أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، بكفار قريش، ولا كفار قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأَصحابه، حتى التقى على ماءِ بدر من يستقي لهم كلهم. فاقتتلوا فغلبهم أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، وأَسروهم.
الجيلاني
تفسير : {قُل} يا أكمل الرسل {لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} تبشيراً لهم ووعداً: لا ييأس من روح الله وسعة جوده ورحمته عمَّا هم عليه من الكفر والضلال، بل {إِن يَنتَهُواْ} ويعرضوا عن الكفر والإلحاد نحو الباطل الزائغ، والميل إلى البدع والأهواء الفاسدة الكاسدة من تكذيب الكتب والرسل بالإيمان الخالص عن ظهر القلب، ورفع المنازعة والمخاصمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تابعه {يُغَفَرْ لَهُمْ} ويعفى عنهم {مَّا قَدْ سَلَفَ} من الجرائم مطلقاً {وَإِنْ يَعُودُواْ} على كفرهم ونزاعهم، ويرتدوا بعد إيمانهم وصلحهم {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] أي: الأمم الهالكة الذين كفروا بالله، وخرجوا على رسله فأصابهم ما أصابهم، وكذلك يصيبهم مثل ما أصابهم فليتوقعوا. {وَ} بعدما خرجوا من عهدهم ونقضوا ميثاقهم، واتردوا على أدبارهم {قَاتِلُوهُمْ} أيها المؤمنون؛ أي: المرتدين، واستأصلوهم {حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ} أي: توحد وتبقى {فِتْنَةٌ} بقية من شركهم مضلة لضعفاء الأنام {وَ} بعد استئصالهم وانقطاع شركهم وعرقهم {يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} الواحد الأحد الذي لا شريك له {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} بالقتال عن شركهم وكفرهم، وأقروا بالإيمان والإطاعة فخلواسبيلهم {فَإِنَّ اللَّهَ} المطلع بضمائرهم {بِمَا يَعْمَلُونَ} في بواطنهم من الوفاق والنفاق {بَصِيرٌ} [الأنفال: 39] يجازيهم على مقتضى بصارته وخبرتهز {وَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمُوۤاْ} أي: لم ينتهوا بالقتال عن كفرهم، بل أصروا عليه وأخذوا أولياء من إخوانهم وشياطينهم، واستعانوا منهم بمقاتلتكم أيها المؤمنون لا تبالوا بهم وبمعاونيهم ومظاهريهم {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المتقدر على وجوه الانتقام {مَوْلاَكُمْ} معينكم ومولي أموركم {نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ} مولاكم {وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ} [الأنفال: 40] نصيركم وظهيركم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا من لطفه تعالى بعباده لا يمنعه كفر العباد ولا استمرارهم في العناد، من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي والردى، فقال: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا } عن كفرهم وذلك بالإسلام للّه وحده لا شريك له. { يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } منهم من الجرائم { وَإِنْ يَعُودُوا } إلى كفرهم وعنادهم { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ } بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون،فهذا خطابه للمكذبين ، وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين، فقال: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: شرك وصد عن سبيل اللّه، ويذعنوا لأحكام الإسلام، { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين اللّه الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان. { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن ما هم عليه من الظلم { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه منهم خافية. { وَإِنْ تَوَلَّوْا } عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى } الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية. { وَنِعْمَ النَّصِيرُ } الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار. ومن كان اللّه مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان اللّه عليه فلا عِزَّ له ولا قائمة له.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):