Verse. 1217 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

فَاِمَّا تَثْقَفَنَّہُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِہِمْ مَّنْ خَلْفَہُمْ لَعَلَّہُمْ يَذَّكَّرُوْنَ۝۵۷
Faimma tathqafannahum fee alharbi fasharrid bihim man khalfahum laAAallahum yaththakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة «تثقفنَّهم» تجدنهم «في الحرب فشرِّد» فرق «بهم من خلفهم» من المحاربين بالتنكيل بهم والعقوبة «لعلَّهم» أي الذين خلفهم «يذَّكرون» يتعظون بهم.

57

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى تارة يرشد رسوله إلى الرفق واللطف في آيات كثيرة. منها قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] ومنها قوله: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ }تفسير : [آل عمران: 159] وتارة يرشد إلى التغليظ والتشديد كما في هذه الآية، وذلك لأنه تعالى لما ذكر الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، بين ما يجب أن يعاملوا به فقال: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ } قال الليث: ثقفنا فلاناً في موضع كذا، أي أخذناه وظفرنا به، والتشريد عبارة عن التفريق مع الاضطراب. يقال: شرد يشرد شروداً، وشرده تشريداً، فمعنى الآية أنك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفار الذين ينقضون العهد فافعل بهم فعلاً يفرق بهم من خلفهم. قال عطاء: تثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم، وقيل: نكل بهم تنكيلاً يشرد غيرهم من ناقضي العهد {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي لعل من خلفهم يذكرون ذلك النكال فيمنعهم ذلك عن نقض العهد، وقرأ ابن مسعود فشرذ بالذال المنقطة من فوق بمعنى ففرق وكأنه مقلوب شذر، وقرأ أبو حيوة من خلفهم، والمعنى: فشرد تشريداً متلبساً بهم من خلفهم لأن أحد العسكرين إذا كسروا الثاني، فالكاسرون يعدون خلف المكسرين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشردهم في ذلك الوقت. وأما قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } يعني من قوم معاهدين خيانة ونكثاً بأمارات ظاهرة {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم العهد على طريق مستو ظاهر، وذلك أن تظهر لهم نبذ العهد وتخبرهم أخباراً مكشوفاً بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولاتبادرهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد، فيكون ذلك خيانة منك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ } في العهود وحاصل الكلام في هذه الآية أنه تعالى أمره بنبذ من ينقض العهد على أقبح الوجوه وأمره أن يتباعد على أقصى الوجوه من كل ما يوهم نكث العهد ونقضه. قال أهل العلم: آثار نقض العهد إذا ظهرت، فإما أن تظهر ظهوراً محتملاً أو ظهوراً مقطوعاً به، فإن كان الأول وجب الإعلام على ما هو مذكور في هذه الآية، وذلك لأن قريظة عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله فحصل لرسول الله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم عهودهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهوراً مقطوعاً به فههنا لا حاجة إلى نبذ العهد كما فعل رسول الله بأهل مكة فإنهم لما نقضوا العهد بقتل خزاعة وهم من ذمة النبي صلى الله عليه وسلم وصل إليهم جيش رسول الله بمر الظهران، وذلك على أربعة فراسخ من مكة. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

القرطبي

تفسير : شرطٌ وجوابه. ودخلت النون توكيداً لما دخلت ما؛ هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع «إمّا» في المجازاة للفرق بين المجازاة والتخيير. ومعنىٰ «تَثْقَفَنَّهُمْ» تأسرهم وتجعلهم في ثقاف، أو تلقاهم بحال ضعف، تقدر عليهم فيها وتغلبهم. وهذا لازم من اللفظ؛ لقوله «فِي الْحَرْبِ». وقال بعض الناس: تصادفنهم وتلقاهم يقال: ثَقِفته أثقفه ثَقْفاً، أي وجدته. وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود لما يحاوله ويطلبه. وثَقْف لَقْف. وامرأة ثَقَاف. والقول الأوّل أَوْلىٰ؛ لارتباطه بالآية كما بيّنا. والمصادف قد يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب. والثقاف في اللغة: ما يُشدّ به القناة ونحوها. ومنه قول النابغة:شعر : تدعو قُعَينا وقد عَضّ الحديد بها عَضّ الثِّقاف على صُمّ الأنابيبِ تفسير : {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} قال سعيد بن جُبير: المعنىٰ أنذر بهم من خلفهم. قال أبو عبيد: هي لغة قريش: شردّ بهم سمِّع بهم. وقال الضحّاك: نَكِّل بهم. الزجاج: افعل بهم فعلاً من القتل تفرّق به من خلفهم. والتشريد في اللغة: التبديد والتفريق؛ يقال: شردّت بني فلان قلّعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها. وكذلك الواحد، تقول: تركته شريداً عن وطنه وأهله. قال الشاعر من هُذيل:شعر : أُطَوِّف في الأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بي حكيم تفسير : ومنه شَرَد البعير والدابة إذا فارق صاحبه. و «مَن» بمعنى الذي، قاله الكسائيّ. وروي عن ٱبن مسعود «فشرذ» بالذال المعجمة، وهما لغتان. وقال قُطْرُب: التشريذ (بالذال المعجمة) التنكيل. وبالدال المهملة التفريق؛ حكاه الثعلبيّ. وقال المَهْدَوِيّ: الذال لا وجه لها، إلا أن تكون بدلاً من الدال المهملة لتقاربهما، ولا يعرف في اللغة «فشرذ». وقُرىء «مِن خلفهم» بكسر الميم والفاء. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون} أي يتذكرون بوعدك إياهم. وقيل: هذا يرجع إلى من خلفهم، لأن من قتل لا يتذكر أي شرد بهم مِنَ خلفهم مَن عمل بمثل عملهم.

البيضاوي

تفسير : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، {فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرّدْ بِهِم} ففرق عن مناصبتك ونكل عنها بقتلهم والنكاية فيهم {مّنْ خَلْفِهِمْ} من وراءهم من الكفرة والتشريد تفريق على اضطراب. وقرىء «فشرذ» بالذال المعجمة وكأنه مقلوب شذر و {مّنْ خَلْفِهِمْ}، والمعنى واحد فإنه إذا شرد من وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء. {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} لعل المشردين يتعظون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِمَّا } فيه إدغام نون «إن» الشرطية في «ما» المزيدة {تَثْقَفَنَّهُمْ } تجدنهم {فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ } فرِّق {بِهِم مَّنْ خَلْفِهِمْ } من المحاربين بالتنكيل بهم والعقوبة {لَعَلَّهُمْ } أي الذين خلفهم {يَذَّكَّرُونَ } يتعظون بهم.

ابن عطية

تفسير : دخلت النون مع "إما" تأكيداً ولتفرق بينها وبين إما التي هي حرف انفصال في قولك جاءني إما زيد وإما عمرو {وتثقفهم} معناه وتحصلهم في ثقافك أو تلقاهم بحال ضعف تقدر عليهم فيها وتغلبهم، وهذا لازم من اللفظ لقوله {في الحرب}، وقيل ثقف أخذ بسرعة ومن ذلك قولهم: رجل ثقف لقف، وقال بعض الناس معناه تصادفنهم إلى نحو هذا من الأقوال التي لا ترتبط في المعنى، وذلك أن المصادف يغلب فيمكن التشريد به، وقد لا يغلب، والثقاف في اللغة ما تشد به القناة ونحوها، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : إن قناتي لنبع ما يؤيسها عض الثقاف ولا دهن ولا نار تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : تدعو قعيناً وقد عضّ الحديد بها عض الثقاف على صم الأنابيب تفسير : وقوله {فشرد} معناه طرد وخوف وأبعده عن مثل فعلهم، والشريد المبعد عن وطن أو نحوه، والمعنى بفعل تفعله بهم من قتل أو نحوه يكون تخويفاً لمن خلفهم أي لمن يأتي بعدهم بمثل ما أتوا به، وسواء كان معاصراً لهم أم لا، وما تقدم الشيء فهو بين يديه وما تأخر عنه فهو خلفه، فمعنى الآية فإن أسرت هؤلاء الناقضين في حربك لهم فافعل بهم من النقمة ما يكون تشريداً لمن يأتي خلفهم في مثل طريقتهم، والضمير في {لعلهم} عائد على الفرقة المشردة، وقال ابن عباس: المعنى نكل بهم من خلفهم، وقالت فرقة "شرد بهم" معناه سمع بهم، حكاه الزهراوي عن أبي عبيدة، والمعنى متقارب لأن التسميع بهم في ضمن ما فسرناه أولاً، وفي مصحف عبد الله "فشرذ" بالذال منقوطة، وهي قراءة الأعمش ولم يحفظ شرذ في لغة العرب ولا وجه لها إلا أن تكون الذال المنقوطة تبدل من الدال كما قالوا لحم خراديل وخراذيل، وقرأ أبو حيوة وحكاها المهدوي عن الأعمش بخلاف عنه: "مِن خلفهم" بكسر الميم من قوله {من} وخفض الفاء من قوله {خلفهم} والترجي في قوله {لعلهم} بحسب البشر، و {يذكرون} معناه يتعظون. وقوله تعالى: {وإما تخافن} الآية قال أكثر المؤلفين في التفسير: إن هذه الآية هي من بني قريظة، وحكاه الطبري عن مجاهد، والذي يظهر من ألفاظ القرآن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله {فشرد بهم من خلفهم} ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة إلى سالف الدهر، وبنو قريظة لم يكونا في حد من تخاف خيانته فترتب فيهم هذه الآية وإنما كانت خيانتهم ظاهره مشتهرة، فهذه الآية هي عندي فيمن يستقبل حاله من سائر الناس غير بني قريظة، وخوف الخيانة بأن تبدو جنادع الشر من قبل المعاهدين وتتصل عنه أقوال وتتحسس من تلقائهم مبادىء الغدر, فتلك المبادىء معلومة والخيانة التي هي غايتهم مخوفة لا متيقنة، وحيئنذ ينبذ إليهم على سواء، فإن التزموا السلم على ما يجب وإلا حوربوا، وبنو قريظة نبذوا العهد مرتين، وقال يحيى بن سلام: تخاف في هذه الآية بمعنى تعلم. قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك، وقوله {خيانة} يقتضي حصول عهد لأن من ليس بينك وبينه عهد فليست محاربته لك خيانة، فأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إذا أحس من أهل عهد ما ذكرنا، وخاف خيانتهم أن يلقي إليهم عهدهم، وهو النبذ ومفعول قوله {فانبذ} محذوف تقديره إليهم عهدهم. قال القاضي أبو محمد: وتقتضي قوة هذا اللفظ الحض على حربهم ومناجزتهم إن لم يستقيموا، وقوله {على سواء} قيل معناه يكون الأمر في بيانه والعلم به على سواء منك ومنهم، فتكونون فيه أي في استشعار الحرب سواء، وقيل معنى قوله {على سواء} أي على معدلة أي فذلك هو العدل والاستواء في الحق، قال المهدوي: معناه جهراً لا سراً. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأول، وقال الوليد بن مسلم: {على سواء} معناه على مهل كما قال تعالى: {أية : براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} تفسير : [التوبة:2]. قال القاضي أبو محمد: واللغة تأبى هذا القول، وذكر الفراء أن المعنى انبذ إليهم على اعتدال وسواء من الأمر أي بيّن لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تفجأ بحرب، بل أفعل بهم مثلما فعلوا بك. قال القاضي أبو محمد: يعني موازنة ومقايسة، وقوله تعالى: {إن الله لا يحب الخائنين} يحتمل أن يكون طعناً على الخائنين من الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يريد فانبذ إليهم على سواء حتى تبعد عن الخيانة، فإن الله لا يحب الخائنين فيكون النبذ على هذا التأويل لأجل أن الله لا يحب الخائنين، والسواء في كلام العرب قد يكون بمعنى العدل والمعدلة، ومنه قوله تعالى: {أية : إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} تفسير : [آل عمران:64] ومنه قول الراجز: [الرجز] شعر : فاضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى السواء تفسير : وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله تعالى: {أية : في سواء الجحيم} تفسير : [الصافات:55] ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل] شعر : يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيَّب في سواء الملحدِ تفسير : وقوله تعالى: {ولا يحسبنَّ الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي "ولا تحسِبن" بالتاء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبكسر السين غير عاصم فإنه فتحها، و {الذين كفروا} مفعول أول، و {سبقوا} مفعول ثان، والمعنى فأتوا بأنفسهم وأنجوها "إنهم لا يعجزون" بكسر ألف "إن" على القطع والابتداء، و {يعجزون} معناه مفلتون ويعجزون طالبهم، فهو معدى عجز بالهمزة تقول عجز زيد وأعجزه غيره وعجزه أيضاً، قال سويد: [الوافر] شعر : وأعجزنا أبو ليلى طفيل صحيح الجلد من أثر السلاحِ تفسير : وروي أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في حرب النبي صلى الله عليه وسلم، كقريش في بدر وغيرهم، فالمعنى لا تظنهم ناجين بل هم مدركون، وقيل معناه لا يعجزون في الدنيا، وقيل المراد في الآخرة، قال أبو حاتم وقرأ مجاهد وابن كثير وشبل "ولا تِحسبن" بكسر التاء، وقرأ الأعرج وعاصم وخالد بن الياس "تَحسَبن" بفتح التاء من فوق وبفتح السين، وقرأ الأعمش "ولا يَحسَب" بفتح السين والياء من تحت وحذف النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو عبد الرحمن وابن محيصن وعيسى "ولا يحسِبنّ" بياء من تحت وسين مكسورة ونون مشددة، وقرأ حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة "ولا يحسبْنَ" بالياء على الكناية عن غائب وبفتح السين، فإما أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون التقدير ولا يحسبن أحد، ويكون {قوله الذين كفروا} مفعولاً أولاً و {سبقوا} مفعولاً ثانياً، وإما أن يكون {الذين كفروا} هم الفاعلون، ويكون المفعول الأول مضمراً و {سبقوا} مفعول ثان، وتقدير هذا الوجه ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، وإما أن يكون {الذين كفروا} هو الفاعل وتضمر "أن" فيكون التقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، وتسد أن سبقوا مسد المفعولين، قال الفارسي: ويكون هذا كما تأوله سيبويه في قوله عز وجل قال {أية : أفغير الله تأمروني أعبد} تفسير : [الزمر:64] التقدير أن أعبد. قال القاضي أبو محمد: ونحوه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى تفسير : قال أبو علي: وقد حذفت "أن" وهي مع صلتها في موضع الفاعل، وأنشد أحمد بن يحيى في ذلك: [الطويل] شعر : وما راعنا إلا يسير بشرطة وعهدي به قيناً يفش بكير تفسير : وقرأ ابن عامر وحده من السبعة "أنهم لا يعجزون" بفتح الألف من "أنهم"، ووجهه أن يقدر بمعنى لأنهم لا يعجزون أي لا تحسبن عليهم النجاة لأنهم لا ينجون، وقرأ الجمهور "يعْجزون" بسكون العين، وقرأ بعض الناس فيما ذكر أبو حاتم "يعَجّزون" بفتح العين وشد الجيم، وقرأ ابن محيصن "يعجزونِ" بكسر النون ومنحاها يعجِزوني بإلحاق الضمير، قال الزجّاج: الاختيار فتح النون ويجوز كسرها على المعنى أنهم لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى لاجتماع النونين، كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : تراه كالثغام يعل مسكاً يسوء الفاليات إذا فليني تفسير : قال القاضي أبو محمد: البيت لعمرو بن معد يكرب وقال أبو الحسن الأخفش في قول متمم بن نويرة: [الكامل] شعر : ولقد علمت ولا محالة أنَّني للحادثات فهل تريني أجزع تفسير : هذا يجوز على الاضطرار، فقال قوم حذف النون الأولى وحذفها لا يجوز لأنها موضع الإعراب، وقال أبو العباس المبرد: أرى فيما كان مثل هذا حذف الثانية، وهكذا كان يقول في بيت عمرو بن معد يكرب، وفي مصحف عبد الله "ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون" قال أبو عمرو الداني بالياء من تحت وبغير نون في يحسب. قال القاضي أبو محمد: وذكرها الطبري بنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَثْقَفَنَّهُمْ} تصادفهم، أو تظفر بهم. {فَشَرِّدْ} أنذر، أو نَكِّل، أو بَدِّد.

النسفي

تفسير : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ } فإما تصادفنهم وتظفرن بهم {فَشَرّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ } ففرق من محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة والنكاية فيهم من وراءهم من الكفرة حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد اعتباراً بهم واتعاظاً بحالهم. وقال الزجاج: افعل بهم ما تفرق به جمعهم وتطرد به من عداهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لعل المشردين من ورائهم يتعظون {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ } معاهدين {خِيَانَةً } نكثاً بأمارات تلوح لك {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم العهد {عَلَىٰ سَوَاءٍ } على استواء منك ومنهم في العلم بنقض العهد وهو حال من النابذ والمنبوذ إليهم أي حاصلين على استواء في العلم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ } الناقضين للعهود {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } بالياء وفتح السين: شامي وحمزة ويزيد وحفص، وبالتاء وفتح السين: أبو كبر، وبالتاء وكسر السين: غيرهم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ } فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } إنهم لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم {أَنَّهُمْ } شامي أي لأنهم، وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل غير أن المكسورة على طريقة الاستئناف، والمفتوحة تعليل صريح؛ فمن قرأ بالتاء فـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مفعول أول والثاني {سَبَقُواْ } ومن قرأ بالياء فـ {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فاعل و {سَبَقُواْ } مفعول تقديره أن سبقوا فحذف «أن»، و «أن» مخففة من الثقيلة أي أنهم سبقوا فسد مسد المفعولين، أو يكون الفاعل مضمراً أي ولا يحسبن محمد الكافرين سابقين ومن ادعى. تفرد حمزة بالقراءة، ففيه نظر لما بيناه من عدم تفرده بها. وعن الزهري أنها نزلت فيمن أفلت من فل المشركين. {وَأَعِدُّواْ } أيها المؤمنون {لَهُمْ } لناقضي العهد أو لجميع الكفار {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ } من كل ما يتقوى به في الحرب من عددها وفي الحديث «حديث : ألا إن القوة الرمي»تفسير : قالها ثلاثاً على المنبر. وقيل: هي الحصون {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ } هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، أو هو جمع ربيط كفصيل وفصال، وخص الخيل من بين ما يتقوى به كقوله {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } تفسير : [البقرة: 98] {تُرْهِبُونَ بِهِ } بما استطعتم {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } أي أهل مكة {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } غيرهم وهم اليهود، أو المنافقون، أو أهل فارس، أو كفرة الجن. في الحديث «حديث : إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق»تفسير : وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } لا تعرفونهم بأعيانهم {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } يوفر عليكم جزاؤه {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } في الجزاء بل تعطون على التمام {وَإِن جَنَحُواْ } ما لوا جنح له وإليه مال {لِلسَّلْمِ } للصلح وبكسر السين: أبو بكر وهو مؤنث تأنيث ضدها وهو الحرب {فَٱجْنَحْ لَهَا } فمل إليها {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم فإن الله كافيك وعاصمك من مكرهم {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالك {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالك {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } يمكروا ويغدروا {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } كافيك الله {هُوَ ٱلَّذِي أَيَّدَكَ } قواك {بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } جميعاً أو بالأنصار. {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } قلوب الأوس والخزرج بعد تعاديهم مائة وعشرين سنة {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي بلغت عداوتهم مبلغاً لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر عليه {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بفضله ورحمته وجمع بين كلمتهم بقدرته، فأحدث بينهم التوادّ والتحابّ وأماط عنهم التباغض والتماقت {إِنَّهُ عَزَيْرٌ } يقهر من يخدعونك {حَكِيمٌ } ينصر من يتبعونك. { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الواو بمعنى «مع» وما بعده منصوب، والمعنى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين الله ناصراً. ويجوز أن يكون في محل الرفع أي كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين. قيل: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } التحريض المبالغة في الحث على الأمر من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي على الموت {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هذه عدة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله وتأييده {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على غير احتساب وطلب ثواب كالبهائم فيقل ثباتهم ويعدمون لجهلهم بالله نصرته، بخلاف من يقاتل على بصيرة وهو يرجو النصر من الله. قيل: كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين بقوله {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } {ضعـفاً } عاصم وحمزة {فَإِن يَكُن مِّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } بالياء فيهما: كوفي، وافقه البصري في الأولى والمراد الضعف في البدن {يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } وتكرير مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين قبل التخفيف وبعده، للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة لا تتفاوت، إذ الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف، وكذلك بين مقاومة المائة المائتين والألف الألفين.

القشيري

تفسير : يريد إنْ صَادَفْتَ واحداً من هؤلاء الذين دأبُهم نقضُ العهد فاجعلهم عِبْرَةً لمن يأتي بعدهم لئلا يسلكوا طريقَهم فيستوجبوا عُقُوبَتَهُم. كذلك مَنْ فَسَخَ عقده مع الله بقلبه برجوعه إلى رُخَصِ التأويلات، وتزوله إلى السكون مع العادات يجعله الله نكالاً لمن بعده، بحرمانه ما كان خوَّلَه، وتنغيصه عليه ما من حظوظه أَمَّلَه، فيفوته حق الله، ولا يكون له امتناع عما آثره على حق الله: شعر : تبدَّلت وتبدَّلنا واحسرتا لمن ابتغى عِوضاً لليلى فلم يجد

اسماعيل حقي

تفسير : {فإِما تثقفنَّهم} ثقفته كسمعه صادفه او اخذه او ظفر به او ادركه ما فى القاموس واما مركبة من ان للشرط وا للتأكيد اى فاذا كان حالهم كما ذكر فاما تصادفنهم وتظفرنّ بهم {فى الحرب} اى فى تضاعيفها {فشّرد} فرق. قال الكاشفى [بس رميده كردان ومتفرق ساز] {بهم} اى بسبب قتلهم {من خلفهم} مفعول شرد اى من وراءهم من الكفرة من اعدائك والتشريد والطرد وتفريق الشمل وتبديد الجمع يعنى ان صادفت هؤلاء الناقضين فى الحرب افعل بهم واوقع فيهم من النكاية والقهر وما يضطرب به حالهم ويخاف منك امثالهم بحيث يذهب عنهم بالكلية ما يخطر ببالهم من مناصبتك اى معاداتك ومحاربتك {لعلهم يذكرون} اى لعل المشردين وهم من خلفهم يتعظون بما شاهدوا مما نزل بالمنافقين فيرتدعون عن النقض او عن الكفر شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جوند كر مرغ بيند اندر بند بند كيراز مصائب دكران تانكيرند ديكران زتو بند

الطوسي

تفسير : معنى {تثقفن} تصادفن وتلقين. واصله الادراك بسرعة تقول ثقف الكلمة فهو ثقف، وثقفه اذا قومه وثاقفة مثاقفة اذا تدارك كل واحد منهما امر صاحبه بسرعة ودخلت نون التأكيد لما دخلت "ما" ولو لم تدخله لما حسن دخول النون، لان دخول "ما" كدخول القسم في أنه علامة تؤذن أنه من مواضع التأكيد المطلوب من التصديق، لأن النون تدخل لتأكيد المطلوب فيما يدل على المطلب، وهي في ستة مواضع: الأمر، والنهي، والإستفهام، والعرض، والقسم، والجزاء مع "ما". وقوله {فشرد بهم من خلفهم} يحتمل معنيين: احدهما - اذا اسرتهم فنكل بهم تنكيلا يشرد غيرهم من ناقضي العهد خوفاً منك، وهو قول الحسن وقتادة وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد. الثاني - افعل بهم من القتل ما يفرق من خلفهم، في قول الزجاج. والتشريد التفريق على اضطراب، شرد يشرد شروداً وشرده تشريداً وتشرد تشرداً. ودابة شرود. والتشريد والتطريد والتبديد والتفريق نظائر. وقوله {لعلهم يذكرون} معناه لكي يفكروا فيتعظوا وينزجروا عن الكفر والمعاصي. وروي في الشواذ {من خلفهم} والمعنى نكل بهم انت يا محمد من ورائهم والاول اجود. وعليه القراء.

الجنابذي

تفسير : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ} ان كان المراد منافقى الامّة فجريان الامر على يد علىّ (ع) {فَشَرِّدْ بِهِم} بقلتهم والنّكاية فيهم {مَّنْ خَلْفَهُمْ} من سائر الكفّار بان يتسامعوا بشّدة بأسك بقتل المقاتلين فلا يطمعوا فى مقاتلتك وهو امر بشدّة نكايتهم على ابلغ وجهٍ {لَعَلَّهُمْ} اى من خلف المقاتلين {يَذَّكَّرُونَ} صدق نبوتّك وشدّة بأسك.

اطفيش

تفسير : {فإمَّا} إن الشرطية وما الزائدة بإدغام النون فى الميم، ولذلك ساغ التأكيد فى قوله: {تثْقِفنَّهم} تأسرهم وتحصلهم فى ثقافك، وهو ما يشد به الأسير أو غيره، وقيل: تخطفنهم، وقيل: تجدنهم وتظفرن بهم {فى الحرْبِ فَشرِّدْ} فرق عن محاربتك ونكل عنها وتفرد {بِهِم} بقتلهم والنكاية فيهم {مَنْ} بفتح الميم مفعول شرد {خَلْفهم} بفتح الفاء، أى الذين وراءهم من الكفرة، فإنه إذا فعل لهؤلاء الناقضين ما يسوء من القتل وغيره، ففرق عنه جمع كل ناقضة للعهد، وكل عدو من ورائهم من أهل مكة واليمن وخافوا، أو المراد لمن خلفهم من يأتى خلفهم فى مثل طريقتهم من مكة أو اليمن أو غيرهما فى زمانهم، أو بعده، وهذا أولى. قيل: التشريد التفريق على إزعاج، وفسر ابن جبير التشريد بالإنذار، وعن أبى عبيدة سمع بهم، وذلك أنه إذا قتلهم وانتقم منهم كان ذلك إنذارا أو ابلاغا لمثلهم أن يفعلوا مثل فعلهم، وإلا فليس فى اللغة شرد بمعنى أنذر أو سمع، والذى فيها شرد به بمعنى سمع الناس بعيوبه، وفى مصحف ابن مسعود شرذ بذال معجمة، وبها قرأ الأعمش، قال أبو الفتح: لم يمر بنا فى اللغة شرذ باعجام الذال، وكأنها بدل من المهملة، قال المرادى: وذلك شاذ، وجزم به عن أبى الفتح، والمعنى الجامع لها أنهما مجهوران متقاربان، وقال جار الله ذلك على القلب المكانى الأصل شذر، يقال شذر القوم تفرقوا، وقرأ أبو حيوة من خلفهم بكسر ميم من والفاء، وحكاها المهدوى عن الأعمش، والمعنى واحد، فإنه إذا شرد الذين وراءهم فقد فعل التشريد فى الوراء. {لعلَّهُم يذَّكَّرونَ} يتعظون، والضمير للناقضين المأمور بتشريدهم، على أن التشريد بالأسر والسلب والإخراج من الأموال والديار ونحو ذلك، وإن كان بالقتل فالمراد يتعظ باقيهم ومن معهم، أو الضمير لمن خلفهم.

اطفيش

تفسير : {فإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} ما صلة لتأكيد الارتباط بين الشرط والجواب أدغمت فيها نون إِن، وتثقف تجد أَو تدرك أَو تحبس أَو تأخذ {فِى الْحَربِ فشَرِّدْ بِهِمْ} فرق بقتلهم {مَنْ خَلْفَهُمْ} من المشركين عن قتالك فإِنك إِذا قتلتهم أَبعدت وأَنفرت غيرهم عن قتالك والتشريد التفريق باضطراب للخوف منك {لَعَلَّهُمْ} لعل الذين خلفهم {يَذَّكَّرُونَ} بقتلك المشرد لهم فيسلمون خوف أَن يصيبهم القتل، وهذا خضوع، ومجرد إِذعان للخوف، أَو يفهمون أَنك نصرت لأَنك على الحق فيؤمنون، أَو يتركون النقض.

الالوسي

تفسير : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} شروع في بيان أحكامهم بعد تفصيل أحوالهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والثقف يطلق على المصادفة وعلى الظفر، والمراد به هنا المترتب على المصادفة والملاقاة، أي إذا كان حالهم كما ذكر فأما تصادفنهم وتظفرن بهم {في الْحَرْب} أي في تضاعيفها {فَشَرِّدْ بِهِم} أَي فرق بِهِم {مّنْ خَلْفِهِمْ} أي من وراءهم من الكفرة، يعني افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك فعلا من القتل والتنكيل العظيم يفرق عنك ويخافك بسببه من خلفهم ويعتبر به من سمعه من أهل مكة وغيرهم، وإلى هذا يرجع ما قيل: من أن المعنى نكل به ليتعظ من سواهم، وقيل: إن معنى شرد بهم سمع بهم في لغة قريش قال الشاعر:شعر : أطوف بالأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بـي حكيم تفسير : وقرأ ابن مسعود والأعمش {فشرذ} بالذال المعجمة وهو بمعنى شرد بالمهملة، وعن ابن جني أنه لم يمر بنا في اللغة تركيب شرذ والأوجه أن تكون الذال بدلاً من الدال، والجامع بينهما أنهما مجهوران ومتقاربان، وقيل: إنه قلب من شذر، ومنه شذر مذر للمتفرق، وذهب بعض أهل اللغة إلى أنها موجودة ومعناها التنكيل / ومعنى المهمل التفريق كما قاله قطرب لكنها نادرة، وقرأ أبو حيوة {مِّنْ خَلْفِهِمْ} بمن الجارة، والفعل عليها منزل منزلة اللازم كما في قوله:شعر : يجرح في عراقيبها نصلي تفسير : فالمعنى افعل التشريد من ورائهم، وهو في معنى جعل الوراء ظرفاً للتشريد لتقارب معنى من و في تقول: اضرب زيداً من وراء عمرو وورائه أي في وراءه، وذلك يدل على تشريد من في تلك الجهة على سبيل الكناية فإن إيقاع التشريد في الوراء لا يتحقق إلا بتشريد من وراءهم فلا فرق بين القراءتين الفتح والكسر إلا في المبالغة {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعل المشردين يتعظون بما يعلمونه مما نزل بالناقضين فيرتدعون عن النقض قيل: أو عن الكفر.

د. أسعد حومد

تفسير : (57) - فَإِذَا مَا لَقِيتَهُم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ فِي الحَرْبِ، وَظَفِرْتَ بِهِمْ، فَنَكِّلْ بِهِمْ، وَأَثْخِنْ فِيهِمْ قَتْلاً، لِيَخَافَ سِوَاهُمْ مِنَ الأَعْدَاءِ {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ}، وَليَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يُحَاذِرُونَ أَنْ يَنْكُثُوا أَيْمَانَهُمْ، وَيَخُونُوا عُهُودَهُمْ، فَيَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. تَثْقَفَنَّهُمْ - تُصَادِفُهُمْ وَتَظْفَرُ بِهِمْ. فَشَرِّدْ بِهِمْ - فَفَرِّقْ وَبَدِّدْ وَخَوِّفْ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي إن وجدتهم في أي حرب فشرد بهم من خلفهم. ولنا أن نلحظ أن كلمة "إما" هي إن الشرطية المدغمة في "ما" إذا ما حذفنا منها ما، نجد أنها تصبح إن، كأنه يقول: "إنْ مَا"، وأدغمت نون "إن" في "ما"، مثلها مثل أن نقول: إن جاءك زيد فأكرمه؛ هذه جملة شرطية فيها شرط وجواب وأداة شرط، ولكنه إذا تم مرة واحدة يكون قد انتهى. ولكن "ما" مع إن الشرطية تدلنا على أنه كلما حدث ذلك فإننا نفعل بهم ما أمر الله تعالى به، كما نقول: كلما جاءك زيد فأكرمه؛ لأن إما هذه تتضمن ما يفيد الاستمرارية، مثل "كلما" فكلما جاءك تكرمه ولو جاء مائة مرة، ولو لم تجيء "ما" لكان يكفي أن تصنعها مرة واحدة. وقوله تعالى: {تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ}، ثقف بمعنى وجد، أي كلما وجدتهم في الحرب: فشرد بهم من خلفهم، أي اجعلهم أداة لتشريد من خلفهم. وعليك أن تؤدبهم أدباً يجعل الذين وراءهم يخافون منكم، ويبتعدون عنكم، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع، وكما يقول المثل العامي: "اضرب الربوط يخاف السايب". أي أن المطلوب أن نجاهدهم بقوة وبدون شفقة، حتى لا يفكر في مساندتهم من جاءوا خلفهم لينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة، فشرد بهم، والتشريد هو التشتيت والتفريق والإبعاد ولكن بقسوة. فحيثما يريدوا أن يذهبوا؛ امنعهم وشتتهم على غير مرادهم. وقول الحق سبحانه وتعالى: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لكي تكون هذه التجربة درساً لهم؛ كيلا يفكروا مرةً أخرى في حربٍ معك؛ لأنهم سوف يتذكرون ما حدث لهم فيبتعدون عن مواجهتك. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ...}

الجيلاني

تفسير : {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} وتظفرون عليهم {فِي ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم} وفرق جمعهم، وشتت شملهم بحيث ينقطع منهم {مَّنْ} يأتي {خَلْفَهُمْ} من مظاهرهم ومعاوينهم {لَعَلَّهُمْ} بتشتيتك وتفريقك إياهم {يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57] يتعظون وينتبهون من أمرك وتأييدك فيؤمنوا بك وبما جئت به. {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} عاهدت معهم، وأخذت الميثاق عنهم {خِيَانَةً} ونقضاً من إمارات لاحت منهم وظهر عليهم {فَٱنْبِذْ} واطرح {إِلَيْهِمْ} أولاً عهدهم {عَلَىٰ سَوَآءٍ} بلا عذر وخداع، وأظهر العداوة، وارفع المعاهدة على رءوس الملأ، ثمَّ اخرج عليهم بالقتال؛ لئلا يؤدي إلى الخيانة والغدر {إِنَّ ٱللَّهَ} المتصف بالعدل القويم {لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} [الأنفال: 58] المخادعين الغادرين، سيما من المؤمنين الموحدين. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} يا أكمل الرسل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وبك {سَبَقُوۤاْ} مضوا وانقرضوا على {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59] المؤمنين، ولا يضطرونهم إلى القتال فعليكم جمع العدة والتهيئة.

همام الصنعاني

تفسير : 1025- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}: [الآية: 57]، قال: أنذر بهم، من خَلْفهم.