٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} أي غِشَّا ونقضاً للعهد. {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} وهذه الآية نزلت في بني قُريظة وبني النَّضير. وحكاه الطبري عن مجاهد. قال ٱبن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله «فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ» ثم ٱبتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة؛ فتترتب فيهم هذه الآية. وبنو قريظة لم يكونوا في حدّ من تخاف خيانته، وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة. الثانية ـ قال ٱبن العربيّ: فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظنّ لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة. فالجواب من وجهين: أحدهما ـ أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم؛ قال الله تعالى: {مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً}. الثاني ـ إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة. وأما إذا عُلم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح؛ لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبِذ إليهم عهدهم. والنبذ: الرمي والرفض. وقال الأزهريّ: معناه إذا عاهدت قوماً فعلمت منهم النقض بالعهد فلا تُوقع بهم سابقاً إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد والموادعة؛ فيكونوا في علم النقض مستويين، ثم أوقع بهم. قال النحاس: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه. والمعنى: وإما تخافنّ من قوم بينك وبينهم عهدٌ خيانةً فٱنبذ إليهم العهد، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم، وأنا مقاتلكم؛ ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك؛ فيكون ذلك خيانة وغدراً. ثم بيّن هذا بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ}. قلت: ما ذكره الأزهريّ والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يردّه فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في فتح مكة؛ فإنهم لما نقضوا لم يوجِّه إليهم بل قال: «حديث : اللَّهُمَّ اقطع خبر عنهم» تفسير : وغزاهم. وهو أيضاً معنى الآية؛ لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم. فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم فلا يحل ولا يجوز. روى الترمذِيّ وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرُب حتى إذا ٱنقضى العهد غزاهم؛ فجاءه رجل على فرس أو بِرذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، (وفاء لا غدر)؛ فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة ولا يحلُّها حتى ينقضي أمدُها أو ينبِذ إليهم على سواء»تفسير : فرجع معاوية بالناس. قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح. والسواء: المساواة والاعتدال. وقال الراجز:شعر : فٱضربْ وجوه الغُدّر الأعداء حتى يجيبوك إلى السّوَاء تفسير : وقال الكسائي: السواء الْعَدل. وقد يكون بمعنى الوسط؛ ومنه قوله تعالى: «في سَوَاءِ الْجَحِيمِ». ومنه قول حسان:شعر : يا وَيْحَ أصحابِ النبيّ ورهطِه بعد المغيّبِ في سواء المُلْحَد تفسير : الفرّاء: ويقال «فَٱنْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» جهراً لا سِرّاً. الثالثة ـ روى مسلم عن أبي سعيد الخُدرِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكل غادر لواءٌ يوم القيامة يُرفع له بقدر غدْره ألاَ ولا غادِر أعظم غدراً من أمير عامّة»تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة؛ فإنهم إذا غَدروا وعُلم ذلك منهم ولم ينبِذوا بالعهد لم يأمنهم العدوّ على عهد ولا صلح، فتشتد شوكته ويعظم ضرره، ويكون ذلك منفِّراً عن الدخول في الدِّين، وموجباً لذمّ أئمة المسلمين. فأما إذا لم يكن للعدوّ عهد فينبغي أن يتحيّل عليه بكل حيلة، وتدار عليه كل خديعة. وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الحرب خَدْعة»تفسير : . وقد ٱختلف العلماء هل يجاهَد مع الإمام الغادر؛ على قولين. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه، بخلاف الخائن والفاسق. وذهب بعضهم إلى الجهاد معه. والقولان في مذهبنا.
البيضاوي
تفسير : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} معاهدين. {خِيَانَةً} نقض عهد بأمارات تلوح لك. {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ } فاطرح إلَيْهِمْ عهدهم. {عَلَىٰ سَوَاء} على عدل وطريق قصد في العداوة ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول أي ثابتاً على طريق سوي أو منه أو من المنبوذ إليهم أو منهما على غيره، وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ} تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ} قد عاهدتهم {خِيَانَةً} أي: نقضاً لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ} أي: عهدهم {عَلَىٰ سَوَآءٍ}، أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك، قال الراجز:شعر : فَاضرِبْ وجوهَ الغدر للأعداءِ حتى يُجيبوكَ إلى السَّواءِ تفسير : وعن الوليد بن مسلم أنه قال في قوله تعالى: {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} أي: على مهل، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ} أي: حتى ولو في حق الكفار لا يحبها أيضاً. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة، عن أبي الفيض عن سليم بن عامر، قال: كان معاوية يسير في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدراً، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ومن كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء» تفسير : قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عنبسة رضي الله عنه، وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري عن سلمان، يعني: الفارسي رضي الله عنه: أنه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم، فقال: إنما كنت رجلاً منكم، فهداني الله عز وجل للإسلام، فإن أسلمتم، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم، فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ} يفعل ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع، غدا الناس إليها، ففتحوها بعون الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ } عاهدوك {خِيَانَةً } في عهد بأمارة تلوح لك {فَٱنبِذْ } اطرح عهدهم {إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوآء } حال: أي مستوياً أنت وهم في العلم بنقض العهد بأن تعلمهم به لئلا يتهموك بالغدر {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} يعني في نقض العهد. {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ} أي فألق إليهم عهدهم حتى لا ينسبوك إلى الغّدر. بهم. والنبذ هو الإلقاء. قال الشاعر: شعر : فهن ينبذن من قول يصبن به مواقع الماء من ذي الغلة الصادي تفسير : وفي قوله تعالى {عَلَى سَوَآءٍ} خمسة أوجه: أحدها: على مهل، قال الوليد بن مسلم. والثاني: على محاجزة مما يفعل بهم، قاله ابن بحر. والثالث: على سواء في العلم حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك. والرابع: على عدل من غير حيف، واستشهد بقول الراجز: شعر : فاضرب وجوه الغد والأعداء حتى يجيبوك إلى السواء تفسير : أي إلى العدل. والخامس: على الوسط واستشهد قائله بقول حسان: شعر : يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد تفسير : وذكر مجاهد أنها نزلت في بني قريظة.
ابن عبد السلام
تفسير : {خِيَانَةً} في نقض العهد. {فَانبِذْ إِلَيْهِمْ} ألقِ إليهم عهدهم كي لا ينسبوك إلى الغدر بهم، والنبذ: الإلقاء. {عَلَى سَوَآءٍ} مهل، أو مجاهرة بما تفعل بهم، أو على استواء في العلم به حتى لا يسبقوك إلى فعل ما يريدونه بك، أو عدل من غير تحيف، أو وسط. قيل: نزلت في بني قريظة.
البقاعي
تفسير : ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه، أرشده إلى ما يفعل بمن خاف غدره فقال: {وإما تخافن} وأكده إشارة ظهور القرائن ووضوح الأمارت {من قوم} أي ذوي قوة، بينك وبينهم عهد {خيانة} أي في ذلك العهد {فانبذ} أي اطرح طرح مستهين محتقر {إليهم} أي ذلك العهد نبذاً كائناً {على سواء} أي أمر مستوٍ في العلم بزواله بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم وهم على توهم من بقاء العهد، وهذا إشارة إلى أن يكونوا على غاية الحذر والفحص عن أخبار العدو بحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعلمون ميله إلى النقض فينبذون إليه عهده لأن ذلك أردع له، فهو أدعى إلى السلم؛ ثم علل جواز النبذ ووجوب النصفة بقوله: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {لا يحب الخائنين*} أي لا يفعل بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم. ولما كان نبذ العهد مظنة الخوف من تكثير العدو وإيقاظه، وكان الإيقاع أولى بالخوف، أتبع سبحانه ذلك ما يجري عليه ويسلي عن فوت من هرب من الكفار في غزوة بدر فلم يقتل ولم يؤسر فقال: {ولا يحسبن} بالياء غيباً على قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، أي أحد من أتباعك في وقت من الأوقات، ووجه قراءة الباقين بالخطاب أن أمر الرئيس ونهيه أوقع في نفوس الأتباع وأدعى لهم إلى السماع {الذين كفروا} أي عامة من نبذ ومن لم ينبذ {سبقوا} أي وقع لهم السبق، وهو الظفر في وقت ما، فإنهم لم يفوتوا شيئاً من أوامرنا؛ ثم علل ذلك بقوله: {إنهم لا يعجزون*} أي لا يفوتون شيئاً مما يزيد تسليطه عليهم، أي لا يغرنك علوهم وكثرتهم وجرى كثير من الأمور على مرادهم فكل ذلك بتدبيرنا، ولا يخرج شيء عن مرادنا، ولا بد أن نهلكهم فإنهم في قبضتنا، لم يخرجوا منها ولا يخرجون فضلاً عن أن يفوتوها فاصبر. ولما كان هذا ربما أدى إلى ترك المناصبة والمحاربة والمغالبة اعتماداً على الوعد الصادق المؤيد بما وقع لهم في بدر من عظيم النصر مع نقص دعوى العِدة والعُدة، أتبعه ما يبين أن اللازم ربط الأسباب بمسبباتها، وليتبين الصادق في دعوى الإيمان من غيره فقال: {وأعدوا لهم} أي للأعداء {ما استطعتم} أي دخل في طاعتكم وكان بقوة جهدكم تحت مقدروكم وطاقتكم {من قوة} أيّ قوة كانت، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي إشارة إلى أنه أعظم عدده على نحو " الحج عرفة" وفي أمرهم بقوله {ومن رباط الخيل} إيماء إلى باب من الامتنان بالنصر في بدر لأنهم لم يكن معهم فيه غير فرسين، والرباط هو الخيل التي تربط في سبيل الله الخمس منها فما فوقها، وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة إلى عظيم غنائها، والرباط أيضاً ملازمة تغر العدو وربط الخيل به إعداداً للعدو؛ ثم أجاب من كأنه قال: لم نفعل ذلك وما النصر إلا بيدك؟ بقوله: {ترهبون} أي تخافون تخويفاً عظيماً باهراً يؤدي إلى الهرب على ما أجريت من العوائد {به} أي بذلك الذي أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط {عدو الله} أي الذي له العظمة كلها لأنه الملك الأعلى {وعدوكم} أي المجاهدين، والأليق بقوله -: {وآخرين} أي وترهبون بذلك آخرين {من دونهم} - أي يحمل على المنافقين لوصفهم بقوله: {لا تعلمونهم} كما قال تعالى{ أية : وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم} تفسير : [التوبة: 101] ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في العدواة مثلهم، وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة، وأما المنافقون فإنهم مدعون بإظهار الإسلام أنهم أولياء لا أعداء {الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {يعلمهم} أي فهو يكفيكم ما يظن من أمرهم، وليس عليكم إلا الجهد بحسب ما تعلمون، والآية بالنسبة إلى ما تقدمها من باب "اعقلها وتوكل " والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم منكم فإنهم في قبضتنا أينما توجهوا وحيثما حلوا فسوف نهلكهم ولا يعجزوننا، ومع ذلك فلا يحملنكم الاتكال على قوتنا على ترك أسباب مغالبتهم بما أعطيناكم من القوى بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما يتعلق بالرمي من القوة وبالخيل من الطعن والضرب والفروسية لنلقي بذلك رعبكم في قلوب عدوكم القريب والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه. ولما كان أغلب معاني هذه الأية الإنفاق، لأن مبنى إعداد القوة عليه، رغب فيه بقوله: {وما تنفقوا من شيء} أي من الأشاء وإن قلَّ {في سبيل الله} أي طريق من له صفات الكمال من الجهاد وغيره {يوف إليكم} أي أجره كاملاً في الدنيا والآخرة أوفى ما يكون مضاعفاً أحوج ما تكونون إليه {وأنتم لا}. ولما كان المخوف مطلق النقص، بنى للمفعول قوله: {تظلمون*} أي لا تنقصون شيئاً منه، وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية. ولما كان ضمان النصر والحلف في النفقة موجباً لدوام المصادمة والبعد من المسالمة، أتبعه قوله أمراً بالاقتصاد: {وإن جنحوا} اي مالوا وأقبلوا في نشاط وطلب حازم {للسلم} أي المصالحة، والتعبير باللام دون "إلى" لا يخلو عن إيماء إلى التهالك على ذلك ليتحقق صدق الميل {فاجنح} ولما كان السلم مذكراً يجوز تأنيثه، قال: {لها} أي المصالحة، أو يكون تأنيثه بتأنيث ضده الحرب، وكأنه اختير التأنيث إشارة إلى أنه يقتصر فيه على أقل ما يمكن من المدة بحسب الحاجة، هذا إذا كان الصلاح للمسلمين في ذلك بأن يكون بهم ضعف، وأقصى مدة الجواز عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجوز الزيادة. ولما كان ذلك مظنة أن يقال: إنه قد عهد منهم من الخداع ما أعلم انهم مطبوعون منه على ما لا يؤمنون معه فمسالمتهم خطر بغير نفع، لوح إلى ما ينافي ذلك بقوله: {وتوكل على الله} أي الذي له مجامع العظمة فيما تعهده من خداعهم فإنه يكفيك أمره ويجعله سبباً لدمارهم كما وقع في صلح الحديبية فإن غدرهم فيه كان سبب الفتح، وحرف الاستعلاء في هذا وأمثاله معلم بأنه يفعل مع المتوكل فعل الحامل لما وكل إليه المطيق لحمله؛ ثم علل الأمر بالتوكل الذي معناه عدم الخوف من عاقبة أمرهم في ذلك بقوله: {إنه هو} أي وحده {السميع} أي البالغ السمع، فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك وغيره سراً كما يسمعه علانية {العليم*} أي البالغ العلم وحده فهو يعلم كل ما أخفوه كما أنه يعلم ما أعلنوه؛ ثم صرح بالاستهانة بكيدهم فقال: {وإن يريدوا} أي الكفار {أن يخدعوك} أي بما يوقعون من الصلح أو بغيره {فإن حسبك} أي كافيك {الله} أي الذي له صفات العز كلها، ثم علل كفايته أو استأنف بيانها بقوله: {هو} أي وحده {الذي أيدك بنصره} أي إذ كنت وحدك {وبالمؤمنين*} أي بعد ذلك في هذه الغزوة التي كانت العادة قاضية فيها بأن من معك لا يقومون للكفار فواق ناقة، ولعل هذا تذكير بما كان من الحال في أول الإسلام، أي إن الذي أرسلك مع وحدتك في مكة بين جميع الكفار وغربتك فيهم - وإن كانوا بني عمك - بسبب دعوتك إلى هذا الدين وعلوك عن أحوالهم البهيمية إلى الأخلاق الملكية، هو الذي قواك وحده بالنصر عليهم حتى لم يقدروا على أذى يردك عن الدعاء إلى الله مع نصب جميعهم لك ولمتبعيك شباك الغدر ومدهم إليكم أيدي الكيد ثم سلّكم من بين أظهرهم كما تسل الشعرة من العجين مع اجتهادهم في منعكم من ذلك، وأيدكم بالأنصار وجمع بين كلمتهم بعد شديد العدواة {وألف بين قلوبهم} بعد غاية التباغض، فصار البعيد منهم قريباً والبغيض حبيباً والعدو صديقاً، وكانوا على قلب واحد؛ ثم استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لولا هو فقال: {لو أنفقت} أي وأنت أتقن الخلق لما تصنعه {ما في الأرض جميعاً} أي في إرادة ذلك {ما ألفت بين قلوبهم} ثم أكد ذلك بقوله: {ولكن الله} أي وهو الذي له جميع صفات الكمال {ألف بينهم} ثم علل نفوذ فعله وأمره فيه بقوله: {إنه عزيز حكيم*} أي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئاً منه لما تألفوا بعد أن كان قبل كل أحد من فريقيهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما بينهم من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل الأحباب من الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع المجاورة المقتضية لدوام التحاسد وإثارة الضغائن، وكذا فعل سبحانه بجميع العرب بعدما كان بينهم من القتل المنتشر مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على الانتقام. والذي أمدك بهذه الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة والقوة، فهو الكفيل بحراستك ممن يريد خداعك، فإذا أمركم بأمر فامتثلوه غير مفكرين في عاقبته، فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون.
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} بـيانٌ لأحكام المشرِفين إلى نقض العهدِ إثرَ بـيانِ أحكامِ الناقضين له بالفعل، والخوفُ مستعارٌ للعلم أي وإما تعلَمنَّ من قوم من المعاهِدين نقضَ عهدٍ فيما سيأتي بما لاح لك منهم من دلائلِ الغدرِ ومخايلِ الشر {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ} أي فاطرَح إليهم عهدَهم {عَلَىٰ سَوَاء} على طريق مستوٍ قَصْدٍ بأن تُظهر لهم النقصَ وتُخبِرَهم إخباراً مكشوفاً بأنك قد قطعتَ ما بـينك وبـينهم من الوصلة ولا تناجِزْهم الحربَ وهم على توهم بقاءِ العهدِ كيلا يكونَ من قِبَلك شائبةُ خيانةٍ أصلا فالجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو حالٌ من النابذ أي فانِبذْ إليهم ثابتاً على سواءٍ وقيل: على استواءٍ في العلم بنقض العهدِ بحيث يستوى فيه أقصاهم وأدناهم، أو تستوى فيه أنت وهم فهو على الأول حالٌ من المنبوذ إليهم وعلى الثاني من الجانبـين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ} تعليلٌ للأمر بالنبذ إما باعتبار استلزامِه للنهي عن المناجزة التي هي خيانةٌ فيكونُ تحذيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها وإما باعتبار استتباعِه للقتال بالآخرة فيكونُ حثاً له عليه الصلاة والسلام على النبذ أولاً وعلى قتالهم ثانياً، كأنه قيل: وإما تعلَمنَّ من قوم خيانةً فانبذْ إليهم ثم قاتِلْهم إن الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم لما علمت من حالهم. {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي أنفسَهم فحُذف للتكرار وقوله تعالى {سَبَقُواْ} أي فاتوا وأفلتوا من أن يُظفَرَ بهم مفعولٌ ثانٍ ليحسبن والمرادُ إقناطُهم من الخلاص وقطعُ أطماعِهم الفارغةِ من الانتفاعِ بالنبذ والاقتصارِ على دفع هذا التوهمِ مع أن مقاومةَ المؤمنين بل الغلبةَ عليهم أيضاً مما تتعلق به أمانيهم الباطلةُ للتنبـيه على أن ذلك مما لا يحوم حوله وهمُهم وحُسبانُهم وإنما الذي يمكن أن يدورَ في خلدهم حسبانُ المناصِ فقط، وقيل: الفعلُ مسندٌ إلى أحد أو إلى مَنْ خلفهم والمفعولُ الأولُ الموصولُ المتناولُ لهم أيضاً وقيل: هو الفاعلُ وأنْ محذوفةٌ مِنْ سبقوا، وهي مع ما في حيزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، والتقديرُ ولا يحسبن الذين كفروا أنْ سبقوا ويعضُده قراءة من قرأ أنهم سبقوا ونظيرُه في الحذف قوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً }تفسير : [الروم: 24] وقولُه تعالى: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ }تفسير : [الروم: 64] الآية، قاله الزجاج وقرىء بالتاء على خطاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهي قراءة واضحة وقرىء ولا تحسبن الذين بكسر الباء وبفتحها على حذف النون الخفيفة وقوله تعالى {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي لا يفوتون ولا يجدون طالبَهم عاجزاً عن إدراكهم، تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئنافِ، وقرىء بفتح الهمزة على حذف لام التعليلِ، وقيل: الفعلُ واقعٌ عليه ولا زائدةٌ، وسبَقوا حالٌ بمعنى سابقين أي مُفْلتين هاربـين وهذا على قراءة الخطاب لإزاحة ما عسى يُحذر من عاقبة النبذِ لِما أنه إيقاظٌ للعدو وتمكينٌ لهم الهرب والخلاصِ من أيدي المؤمنين وفيه نفيٌ لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغ وجهٍ وآكَدِه كما أشير إليه، وقيل: نزلت فيمن أفلت من فَلِّ المشركين وقرىء لا يعجزونِ بكسر النون ولا يعجزونِّ بالتشديد.
القشيري
تفسير : يريد إذا تحقَّقْتَ بخيانة قوم منهم فَصَرِّح بأنه لا عهدَ بينك وبينهم، فإذا حصلت الخيانةُ زال سَمَتُ الأمانة، وخيانةُ كلِّ أحدٍ على ما يليق بحاله، ومَنْ ضَنَّ بميسورٍ له فقد خانَ في عهده، وزاغ عن جده، وعقوبته مُعَجَّلة، فهو لا يحبُّه الله، وتكون عقوبته بإذلاله وإهانته.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإما تخافن} تعلمن فالخوف مستعار للعلم {من قوم} من المعاهدين {خيانة} نقض عهد فيما سيأتى بما لاح لك منهم من علامات الغدر {فانبذ اليهم} اى فاطرح اليهم عهدهم حال كونك {على سواء} اى ثابتا على طريق سوىّ فى العداوة بان تظهر لهم النقض وتخبرهم اخبارا مكشوفا بانك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة فلا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد كيلا يكون من قبلك شائبة خيانة اصلا فالجار متعلق بمحذوف وهو حال من النابذ او على استواء فى العلم بنقض العهد بحيث يستوى فيه اقصاهم وادناهم فهو حال من المنبوذ اليهم او تستوى فيه انت وهم فهو حال من الجانبين {ان الله لا يحب الخائنين} تعليل للامر بالنبذ على طريقة الاستئناف كأنه قيل لم امرتنا بذلك ونهيتنا عن المحاربة قبل نبذ العهد فاجيب بذلك ويحتمل ان يكون طعنا على الخائنين الذين عاهدهم الرسول عليه السلام كأنه قيل واما تعلمن من قوم خيانة فانبذ اليهم ثم قاتلهم ان الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم لما علمت حالهم. واعلم ان النبذ انما يجب على الامام اذا ظهرت خيانة المعاهدين بامارات ظنية واما اذا ظهر انهم نقضوا العهد ظهورا مقطعوعا به فلا حاجة الى نبذ العهد كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم باهل مكة لما نقضوا العهد والتصريح به قبل المحاربة خطر بالبال ان يقال كيف نوقظ العدو ونعلمهم بطرع العهد اليهم قبل المحاربة مع انهم ان علموا ذلك اما ان يتأهبوا للقتال ويستجمعوا اقصى ما يمكن لهم من اسباب التقوى والغلبة او يفروا ويتخلصوا وعلى التقديرين يفوت المقصود وهو الانتقام منهم اما يكفى لصحة المحاربة معهم بغير نبذ العهد اليهم واعلامهم به ظهور امارات الخيانة منهم فازاح الله تعالى هذا المحذور بقوله {ولا يحسبن} اى لا يظن {الذين كفروا} وهو فاعل والمفعول الاول محذوف اى انفسهم حذف هربا من تكرار ذكرهم {سبقوا} مفعول ثان اى فاتوا وافلتوا من ان يظفر بهم ويدخل فيه من لم يظفر به يوم بدر وغيره من معارك القتال من الذين آذوه عليه السلام وبالغوا فى عصيانه {إنهم لا يعجزون} تعليل للنهى على سبيل الاستئناف المبنى على تقدير السؤال اى لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن ادراكهم على ان همزة اعجز لوجود المفعول على فاعلية اصل الفعل وهو العجز كما تقول ابخلته اذا وجده بخيلا يقال اعجزه الشيء اذا فاته واعجزت الرجل اذا وجدته عاجزا. وفى الآية تهديد للنفوس التى اجترأت على المعاصى وهى فى الحقيقة مجترئة على الله تعالى. وعن السرى السقطى رضى الله عنه قال كنت يوما اتكلم بجامع المدينة فوقف علىّ شاب حسن الشباب فاخر الثياب ومعه اصحابه فسمعنى اقول وفى وعظى عجبا لضعيف يعصى قويا فتغير لونه وانصرف فلما كان الغد جلست فى مجلسى واذا به قد اقبل فسلم وصلى ركعتين وقال ياسرى سمعتك بالامس تقول عجبا لضعيف كيف يعصى قويا فما معناه قلت لا اقوى من الله ولا اضعف من العبد وهو يعصيه شعر : كرجه شاطر بود حروس بجنك جه زند بيش زند باز روبين جنك تفسير : فنهض وخرج ثم اقبل من الغد وعليه ثوبان ابيضان وليس معه احد فقال ياسر كيف الطريق الى الله فقلت ان اردت العبادة فعليك بصيام النهار وقيام الليل وان اردت الله فاترك كل شيء سواء تصل اليه وليس الا المساجد والخراب والمقابر فقام وهو يقول والله لاسكت الا اصعب الطرق وولى خارجا فلما كان بعد ايام اقبل الى غلمان كثير فقالوا ما فعل احمد ابن يزيد الكاتب فقلت لا اعرف الا رجلا جاءنى من صفته كذا وكذا وجرى لى معه كذا وكذا ولا اعلم حاله فقالوا بالله عليك متى عرفت حاله فعرفنا ودلنا على داره فبقيت سنة لا اعرف حاله ولا اعرف له خبرا فبينا انا ذات ليلة بعد العشاء الاخيرة جالس فى بيتى اذا بطارق يطرق الباب فاذنت له فى الدخول فاذا بالفتى عليه قطعة من كساء فى وسطه واخرى على عاتقه ومعه زنبيل فيه نوى فقبل بين عينيى وقال يا سرى اعتقك الله من النار كما اعتقتنى من رق الدنيا فاومأت الى صاحبى ان امض الى اهله فاخبرهم فمضى فاذا زوجته قد جاءت ومعها ولده وغلمانه قد خلت والقت الولد فى حجره وعليه حلى وحلل وقال يا سيدى ارملتنى وانت حى وايتمت ولدك وانت حىّ قال السرى فنظر الىّ فقال يا سرى ما هذا وفاء ثم اقبل عليها وقال والله انك لثمرة فؤادى وحبيبة قلبى وان هذا ولدى لاعز الخلق على غير ان هذا السرى اخبرنى ان من اراد الله قطع كل ما سواه ثم نزع ما على الصبى وقال ضعى هذا فى الاكباد الجائعة والاجساد والعادية وقطع قطعة من كسائه فلف فيها الصبى فقالت المرأة لا ارى ولدى فى هذه الحالة وانتزعته منه فحين رآها قد اشتغلت به نهض وقال ضيعتم على ليلتى بينى وبينكم الله وولى خارجا وضجت الدار بالبكاء فقالت ان عاد يا سرى وسمعت له خبرا فاعلمنى فقلت ان شاء الله فلما كان بعد ايام اتتنى عجوز فقالت يا سرى بالشونيزية غلام يسألك الحضور فمضيت فاذا به مطروح تحت رأسه لبنة فسلمت عليه ففتح عينيه وقال يا سرى ترى تغفر تلك الجنايات فقلت نعم قال أيغفر لمثلى قلت نعم قال انا غريق قلت هو منجى الغرقى قال علىّ مظالم فقلت فى الخبر انه يؤتى بالتائب يوم القيامة ومعه خصومه فيقال لهم خلوا عنه فان الله تعالى يعوضكم فقال يا سرى معى دراهم من لقط النوى اذا أنامت فاشتر ما احتاج اليه وكفنى ولا تعلم اهلي لئلا يغيروا كفنى بحرام فجلست عنده قليلا ففتح عينيه وقال لمثل هذا فليعمل العاملون ثم مات فاخذت الدراهم فاشتريت ما يحتاج اليه ثم سرت نحوه فاذا الناس يهرعون فقلت ما الخبر فقيل مات ولى من اولياء الله تريد ان نصلى عليه فجئت فغسلته ودفناه فلما كان بعد مدة وفد اهله يستعملون خبره فاخبرتهم بموته فاقبلت امرأته باكية فاخبرتها بحاله فسألتنى ان اريها قبره قلت اخاف ان تغيروا اكفانه قالت لا والله فاريتها القبر فبكت وامرت باحضار شاهدين فاحضرا فاعتقت جواريها ووقفت عقارها وتصدقت بمالها لزمت قبره حتى ماتت رحمة الله عليهما شعر : فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ كه كار عشق زما اين قدر مى آيد
الطوسي
تفسير : بني المضارع مع نون التأكيد، لأن النون لما أبطلت السكون اللازم للجزم الذي هو أمكن في الفعل، كانت على إبطال غيره من الاعراب أقوى. وإنما بني على الفتح لسلامتها من البابين الكسرة والضمة في المؤنث والجمع، في قولهم لا تحسبن يا امرأة، ولا تحسبن يا قوم. وتثبت الألف مع الجازم في {إما تخافن} ولم تثبت مع الجازم في قولك (لا تخف القوم) لان الحركة في هذا عارضة، لأن التقاء الساكنين من كلمتين. أمر الله تعالى نبيه انه متى خاف - ممن بينه وبينه عهد - خيانة أن ينبذ اليه عهده على سواء. والخيانة نقض العهد فيما ائتمن عليه، تقول: خانه يخونه خيانة، واختان المال اختياناً. وتخونه تخوناً وخونه تخويناً و (النبذ) القاء الخبر إلى من لا يعلمه بما يوجب أنه حرب بنقض عهد أو إقامة على بغي تقول: نبذ ينبذ نبذاً وانتبذ انتباذاً وتنابذ القوم تنابذاً، ونابذه منابذة. وقوله {على سواء} قيل في معناه قولان: احدهما - على استواء في العلم به أنت وهم في انكم حرب لئلا يتوهموا أنك العهد بنصب الحرب. والثاني - ان معناه على عدل من قول الراجز: شعر : فاضرب وجوه الغدر الاعداء حتى يحيوك على السواء تفسير : أي على العدل. ومنه قيل للوسط سواء، لاعتداله إلى الجهات، كما قال حسان بن ثابت: شعر : يا ويح انصار النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد تفسير : اي في وسطه. وقال الوليد بن مسلم: معناه على مهل وهذا بعيد، لأنه لا يعرف في اللغة. فان قيل كيف جاز نبذ العهد ونقضه بالخوف من الخيانة؟ قيل: انما فعل ذلك لظهور امارات الخيانة التي دلت على نقض العهد ولم تشتهر ولو اشتهرت لم يجب النبذ، كما حارب رسول الله صلى الله عليه وآله أهل مكة، لما نقضوا العهد بقتل خزاعة، وهم في ذمة النبي صلى الله عليه وآله فلما فعلوا ذلك فعلاً ظاهراً مشهوراً أغنى ذلك عن نبذ العهد اليهم، ولو نقضوه على خفى لم يكن بد من نبذ العهد اليهم، لئلا ينسب إلى نقض العهد والغدر. وقوله {إن الله لا يحب الخائنين} معناه انه يبغضهم وانما عبر بحرف النفي، لأن صفة النفي تدل على الاثبات إذا كان هناك ما يدل عليه، وهو أبلغ في هذا الموضع لأن معناه: انهم حرموا محبة الله بخيانتهم واوجب ذلك بغضه اياهم. ومحبة الله للخلق ارادة منافعهم وبغضه اياهم ارادة عقابهم. والآيتان معاً نزلتا في بني قريظة، قال الواقدي: نزلت هذه الآية في بني قينقاع، وبهذه الآية سار النبي صلى الله عليه وآله اليهم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} زيادة ما على اداة الشّرط هنا وفى سابقه ولحوق نون التأكيد للمبالغة فى لزوم الجزاء {مِن قَوْمٍ} معاهدين بقرينة عهدعم قوله ثم ينقضون عهدهم فى كّل مرّةٍ {خِيَانَةً} فى العهد بنقضه بان يلوح لك اثر المخالفة ونقض العهد، نقل انّها نزلت فى معاوية لمّا خان امير المؤمنين (ع) وهو ممّا قلنا انّه ممّا جرى على يد علىّ (ع) {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ} عهدهم ولا تراعه مشتملاً {عَلَىٰ سَوَآءٍ} اى استواء معهم او حالة مساوية لحالهم فى نقض العهد فانّه منك غير مذموم بعد ابتدائهم بنقض العهد {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} تعليل للامر بنبذ العهد يعنى انّ الخائنين لا جهة محبّة لهم حتّى تراعيها ولا تنقض عهدك معهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} أي تعلمن من قوم خيانة، أي: نقضاً للعهد، يعني إذا هم نقضوا. كقوله: (أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) تفسير : [النساء:35] أي: وإن علمتم شقاق بينهما، وذلك إذا كانا قد وقع الشقاق بينهما. {فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي على أمر بَيِّن. أي أعلمهم أنك حَرْبٌ لهم. وقوله: {عَلَى سَوَاءٍ} أي: يكون الكفار كلهم عندك سواء. { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} لدينهم إذا نقضوا العهد. وقال مجاهد: هم أهل قريظة. قوله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا} [أي: فاتوا. ثم ابتدأ فقال] {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي لا يعجزون الله فيسبقونه حتى لا يقدر عليهم. قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} قال بعضهم: النَّبل. وقال الحسن: ما استطعتم من قوة تقوون بها عليهم. ذكر عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من رمى سهماً في سبيل الله فأصاب العدو أو أخطأه فهو كعتق رقبة تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله ليدخل الجنة بالسهم الواحد الثلاثة من الناس: صانعه يحتسب به في صنعته الخير، والمُمِدَّ به، والذي يرمي به تفسير : . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ارموا واركبوا، وأن ترموا أحبّ إليّ من أن تركبوا، ومن ترك الرمي بعد ما علمه فهي نعمة كفرها تفسير : قوله: {وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} أي تخوفون به عدو الله وعدوكم. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من ارتبط فرساً في سبيل الله فهو كباسط يده بالصدقة لا يقبضها تفسير : ذكروا عن علي بن أبي طالب قال: من ارتبط فرساً في سبيل الله روثه وأثَرُهُ في أجره. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الخيل: حديث : من اتخذها يعدها في سبيل الله فله بكل ما غيّبت في بطونها أجر. وإن مرت بمرج فرعت فيه كان له بكل ما غيبت في بطونها أجر. وإن استنّت شرفاً كان له بكل خطوة أجر، حتى ذكر أرواثها وأبوالها تفسير : قوله: { وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي: من دون المشركين { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} قال مجاهد: هم قريظة. وقال الحسن: هم المنافقون. وقال بعضهم: الجن. قوله: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وإمَّا} مثل ما مر {تخافَنَّ مِنْ قومٍ} معاهدين {خِيانةً} فى العهد بامرأة تلوح كما فعلت قريظة والنضير {فانْبِذْ} اطرح {إليهمْ} عهدهم {على سَواءٍ} حال من ضمير انبذ على عدل، وطريق قصد غير منكرة، وذلك أن تخبرهم إخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولا يعاجلهم بالحرب، وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة. {إنَّ الله لا يُحبُّ الخَائنينَ} تعليل جملى مستأنف، أو كلام مستأنف فى ذم ناقض للعهد غير تعليل كما قال مجاهد، أراد قريظة، ولو قطعت العهد بدون أن تخبرهم كان جوراً أو فعلا تنكرة العقول وخيانة، وقيل: معنى على سواء: على استواء فى العلم، بأن يعلموا بقطع العهد كما قطعته وعلمت به، وقيل: على سواء فى الخوف، بأن تلقى من القطع مثل ما لاحت لك أمارته من القطع، وهو قول الفراء، وقيل: على استواء فى العداوة. وعلى هذه الأقوال الثلاثة يتعلق لمحذوف حال من ضمير نبذ، أو من هاء إليهم، أو منهما، وقال الوليد بن مسلم: المعنى على مهل، واللغة تأباه وعليه فهو حال من ضمير انبذ، ولقل كثير من المفسرين: الآية فى بنى قريظة، وحكاه الطبرى عن مجاهد: وفيه أن أمر بنى قريظة تم فى الآية قبلها، وأنهم بعد ذلك لم يكونوا فى حد من تخاف خيانته، ولا عهد لهم ينبذ، ويفهم اشتراط الخوف أنه لو ظهر النقض ظهورا مقطوعا به كما قاتل أهل مكة خزاعة، وخزاعة فى ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن له حاجة إلى نبذ العهد إليهم، كما لم يعلم أهل مكة بخروج النبى صلى الله عليه وسلم وجنوده حينئذ، إلا وبينه وبينهم أربعة فراسخ. وقال يحيى بن سلام، والشيخ هود: يخاف هنا بمعنى تعلم، قال عياض: وليس كذلك وعن بعضهم إذ لم يتيقن بالنقض، ونبذ إليهم فانكروا النقض أتم لهم ولا بد، وكان بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم وهو عبد الله بن سعد إذا أسر أسيرا لم يتصرف فيه حتى يقول للمسلمين معه: هل له عهد عند أحدكم؟ فإن قال بعض: نعم أطلقه.
اطفيش
تفسير : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} إِلخ. تفريع أَيضا لأَنه عطف على ما عطف بالفاءِ التفريعية، وإِما هذه كإِما الأولى، وتخاف تظن، وقيل تعلم على الاستعارة والعلاقة أَخذ الحزم فى كل {مِنْ قَوْمٍ} بينك وبينهم عهد أَلاَّ يقاتلوا ولا يعاونوا عدوك {خِيَانَةً} بأَمارة تظن على نقض عهد كما بانت لك أَمارة النقض من قريظة والنضير.. والآية فيهم وفى غيرهم.. {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ} عهدهم. اطرحه، شبه العهد وهو معنى بجسم حقير يطرح، فرمز لذلك بالنبذ، فهذا استعارة بالكناية، وإِثبات النبذ تخييلية، والنبذ على حقيقته عند الجمهور، أَو أَمر موهوم يناسب العهد فالنبذ تخييلية عند السكاكى. وعندى يجوز أَنه تصريحية للإِبطال {عَلَى سَوَاءٍ} حال من الضمير فى انبذ أَو من الهاءِ فى إِليهم أَو منهما مقدرة أَى ناوين أَنت وهم الاستواء فى العلم، قيل: أَو الخوف بإِبطال العهد السابق فتقول إِنى قد أَبطلت العهد، ولا يلزم أَن يقول: لأَنه بانت لى منكم أَمارة الخيانة، وإِن علم بالنقض منهم لم يلزمه أَن يصرح لهم بإِبطاله كما مضى صلى الله عليه وسلم إِلى مكة بلا إِعلام لأَهلها، حين نقضوا العهد وقتلوا خزاعة الذين فى ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ من الظهران على أَربعة فراسخ من مكة، ولا يلزم أَن يعلمهم بالحرب إِن خاف خيانة كما قيل. بل بالإِبطال، فله قتالهم بلا إِعلام بالقتال بعد إِعلام الإِبطال {إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبَّ الخَائِنِينَ} تعليل جملى لقوله: انبذ إِليهم من حيث إِنه نهى عن الإِبطال بلا إِعلام والقتال بدونه، فإِن قاتلتهم بلا إِعلام بالإِبطال كان ذلك خيانة عند الله وعندهم. لا لئلا يتهموه فقط كما يتوهم، إِذ يجب الوفاء بالعهد لمشرك كما يجب لموحد، وفى هذا إِغراء على قتالهم بعد النبذ على سواء لأَن الخيانة تكون بالقتال بلا نبذ فأَلزمه أَن يكون بالنبذ، ويدل لهذا ما بعده فإِن حسبهم أَنهم سبقوا هو حسبهم أَنك لا تقتلهم. وكذا يدل له إِنهم لا يعجزون، وأَعدوا لهم، إِلخ..
الالوسي
تفسير : {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} بيان لأحكام المشرفين إلى نقض العهد إثر بيان أحكام الناقضين له بالفعل، والخوف مستعار للعلم، أي وإما تعلمن من قوم معاهدين لك نقض عهد فيما سيأتي بما يلوح لك منهم من الدلائل {فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ} أي فاطرح إليهم عهدهم، وفيه استعارة مكنية تخييلية {عَلَىٰ سَوَاءِ} أي على طريق مستو وحال قصد بأن تظهر لهم النقض وتخبرهم إخباراً مكشوفا بأنك قد قطعت ما بينك وبينهم من الوصلة ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد كيلا يكون من قبلك شائبة خيانة أصلاً، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المستكن في {ٱنبِذْ} أي فانبذ إليهم ثابتاً على سواء، وجوز أن يكون حالاً من ضمير إليهم أو من الضميرين معاً، أي حال كونهم كائنين على استواء في العلم بنقض العهد بحيث يستوي فيه أقصاهم وأدناهم، أو حال كونك أنت وهم على استواء في ذلك، ولزوم الإعلام عند أكثر العلماء الأعلام إذا لم تنقض مدة العهد أو لم يستفض نقضهم له ويظهر ظهوراً مقطوعاً به أما إذا انقضت المدة أو استفاض النقض وعلمه الناس فلا حاجة إلى ما ذكر، ولهذا غزا النبـي صلى الله عليه وسلم أهل مكة من غير نبذ ولم يعلمهم بأنهم كانوا نقضوا العهد علانية بمعاونتهم بني كنانة على قتل خزاعة حلفاء النبـي صلى الله عليه وسلم. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَـٰئِنِينَ} تعليل للأمر بالنبذ باعتبار استلزامه للنهي عن المناجزة التي هي خيانة فيكون تحذيراً للنبـي صلى الله عليه وسلم منها. وجوز أن يكون تعليلاً لذلك باعتبار استتباعه للقتال بالآخرة فتكون حثا له صلى الله عليه وسلم على النبذ أولاً وعلى قتالهم ثانياً، كأنه قيل: وإما تعلمن من قوم خيانة فانبذ إليهم ثم قاتلهم إن الله لا يحب الخائنين وهم من جملتهم لما علمت حالهم، والأول هو المتبادر، وعلى كلا التقديرين المراد من نفي الحب إثبات البغض إذ لا واسطة بين الحب والبغض بالنسبة إليه تعالى.
ابن عاشور
تفسير : عطف حكم عام لمعاملة جميع الأقوام الخائنين بعد الحكم الخاصّ بقوم معينين الذين تلوح منهم بوارق الغدر والخيانة، بحيث يبدو من أعمالهم ما فيه مخيلة بعدم وفائهم، فأمَره الله أن يردّ إليهم عهدهم، إذ لا فائدة فيه وإذ هم ينتفعون من مسالمة المؤمنين لهم، ولا ينتفع المؤمنون من مسالمتهم عند الحاجة. والخوف توقع ضر من شيء، وهو الخوف الحقّ المحمود. وأمّا تخيل الضرّ بدون أمارة فليس من الخوف وإنّما هو الهَوس والتوهّم. وخوف الخيانة ظهور بوارقها. وبلوغُ إضمارهم إيّاها، بما يتّصل بالمسلمين من أخبار أولئك وما يأتي به تجسّس أحوالهم كقوله تعالى: {أية : فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}تفسير : [البقرة: 229] وقوله: {أية : فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة}تفسير : [النساء: 3]. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله}تفسير : في سورة [البقرة: 229]. وقوم} نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، أي كلّ قوم تخاف منهم خيانة. والخيانة: ضد الأمانة، وهي هنا: نقض العهد، لأنّ الوفاء من الأمانة. وقد تقدّم معنى الخيانة عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول}تفسير : في هذه السورة [27]. والنبذ: الطرح وإلقاء الشيء. وقد مضى عند قوله تعالى:{ أية : أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم}تفسير : في سورة [البقرة: 100]. وإنّما رتّب نبذ العهد على خوف الخيانة، دون وقوعها، لأن شؤون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ولا ينتظر تحقّق وقوع الأمر المظنون لأنّه إذا تريَّث وُلاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة للخطر، أو للتورّط في غفلة وضياع مصلحة، ولا تُدار سياسة الأمّة بما يدار به القضاء في الحقوق، لأنّ الحقوق إذا فاتت كانت بليّتها على واحد، وأمكن تدارك فائتها. ومصالح الأمّة إذا فاتت تمكّن منها عدوّها، فلذلك علّق نبذ العهد بتوقّع خيانة المعاهدين من الأعداء، ومن أمثال العرب: خُذ اللص قبل يَأخُذَك، أي وقد علمت أنّه لص. و{على سواء} صفة لمصدر محذوف، أي نبذاً على سواء، أو حال من الضمير في (انبذ) أي حالة كونك على سواء. و{على} فيه للاستعلاء المجازي فهي تؤذن بأنّ مدخولها ممّا شأنه أن يعتلى عليه. و{سواء} وصف بمعنى مستو، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : سواء عليهم أأنذرتهم}تفسير : في سورة [البقرة: 6]. وإنما يصلح للاستواء مع معنى (على) الطريق، فعلم أن {سواء} وصف لموصوف محذوف يدلّ عليه وصفه، كما في قوله تعالى: {أية : على ذات ألواح}تفسير : [القمر: 13]، أي سفينة ذات ألواح. وقوله النابغة: شعر : كما لقيت ذاتُ الصَّفا من حليفها تفسير : أي الحية ذات الصفا. ووصف النبذ أو النابذ بأنّه على سواء، تمثيل بحال الماشي على طريق جادّة لا التواء فيها، فلا مخاتلة لصاحبها كقوله تعالى: {أية : فقل آذنتكم على سواء}تفسير : [الأنبياء: 109] وهذا كما يقال، في ضدّه: هو يتبعُ بنيات الطريق، أي يراوغ ويخاتل. والمعنى: فانبذ إليهم نبذاً واضحاً علناً مكشوفاً. ومفَعول (انبذ) محذوف بقرينة ما تقدّم من قوله: {أية : ثم ينقضون عهدهم}تفسير : [الأنفال: 56] وقوله: {وإما تخافنّ من قوم خيانة} أي انبذ عهدهم. وعُدّي «انبِذْ» بـ(إلى) لتضمينه معنى اردد إليهم عهدهم، وقد فهم من ذلك لا يستمرّ على عهدهم لئلا يقع في كيدهم وأنّه لا يخونهم لأنّ أمره ينبذ عهده معهم ليستلزم أنّه لا يخونهم. وجملة: {إن الله لا يحب الخائنين} تذييل لما اقتضته جملة: {وإما تخافن من قوم خيانة} إلخ تصريحاً واستلزاماً. والمعنى: لأنّ الله لا يحبّهم، لأنّهم متّصفون بالخيانة فلا تستمرَّ على عهدهم فتكون معاهداً لمن لا يحبّهم الله؛ ولأنّ الله لا يحبّ أن تكون أنت من الخائنين كما قال تعالى: {أية : ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما}تفسير : في سورة [النساء: 107]. وذكر القرطبي عن النحّاس أنّه قال: هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه. قلت: وموقع (إنّ) فيه موقع التعليل للأمر برد عهدهم ونبذه إليهم فهي مغنية غناء فاء التفريع كما قال عبد القاهر، وتقدّم في غير موضع وهذا من نكت الإعجاز.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 58- وإن تتوقع من قوم خيانة بأمارات تنبئ بنقضهم لما بينك وبينهم من العهد، فاقطع عليهم طريق الخيانة لك، بأن تعلن فسخك لعهدهم، حتى يكونوا على علم بأمرك، وحتى لا يستطيعوا خيانتك، إن اللَّه لايحب الخائنين ولا يرضى أن توصفوا بوصفهم. 59- ولا يظن الذين كفروا أنهم سبقوا ونجوا من عاقبة خيانتهم وغدرهم. إنهم لا يعجزون اللَّه عن الإحاطة بهم، بل هو القادر - وحده - وسيجزيهم بقوته وعدله. 60- وأعدوا - يا معشر المسلمين - لمواجهة أعدائكم ما استطعتم من قوة حربية شاملة لجميع عتاد القتال، من المرابطين فى الثغور وأطراف البلاد بخيلهم، لتخيفوا بهذا الإعداد والرباط عدو اللَّه وعدوكم من الكفار المتربصين بكم الدوائر، وتخيفوا آخرين لا تعلمونهم الآن واللَّه يعلمهم. لأنه لا يخفى عليه شئ. وكل ما أنفقتم من شئ فى سبيل إعداد القوة قاصدين به وجه اللَّه، فإن اللَّه يجزيكم عليه جزاء وافيا، دون أن ينقصهم مثقال ذرة مما تستحقون من فضل ربكم. 61- وإن مآل الأعداء عن جانب الحرب إلى جانب السلم، فاجنح لها - أيها الرسول - فليست الحرب غرضاً مقصودا لذاته عندك إنما أنت قاصد بها الدفاع لعدوانهم، وتحديهم لدعوتك. فاقبل السلم منهم، وتوكل على اللَّه، ولا تخف كيدهم ومكرهم إنه سبحانه هو السميع لما يتشاورون به، العليم بما يدبرون ويأتمرون، فلا يخفى عليه شئ.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلخَائِنِينَ} (58) - وَإِذَا خِفْتَ مِنْ قَوْمٍ عَاهَدْتَهُمْ، خِيَانَةً وَنَقْضاً لِلْعَهْدِ الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَعْلِمْهُمْ بِأَنَّكَ نَقَضْتَ عَهْدَهُمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنْ لاَ عَهْدَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ عَلَى السَّواءِ، فَتَسْتَوِي أَنْتَ وَإِيَّاهُمْ فِي ذلِكَ بِدُونِ خِدَاعٍ وَلاَ اسْتِخْفَاءٍ. وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الخَائِنينَ، حتى وَلَو كَانَتِ الخِيَانَةُ مُوَجَّهَةً لِلْكُفَارِ. رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "حديث : ثَلاثٌ، المُسْلِمُ وَالكَافِرُ فِيهِنَّ سَواءٌ: مَنْ عَاهَدْتَهُ فَوَفِّ بِعَهْدِهِ مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً، فَإِنَّمَا العَهْدُ للهِ، وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَحمٌ فَصِلْهَا، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً. وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، مُسْلِماً كَانَ أَوْ كَافِراً"تفسير : . (رَوَاهُ البَيْهَقِي). مِنْ قَوْمٍ - مِنْ قَوْمٍ عَاهَدُوكَ. فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ - فَاطْرَحْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَحَارِبْهُمْ. عَلَى سَوَاءٍ - عَلى اسْتِوَاءٍ فِي العِلْمِ بِنَبْذِ العَهْدِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه وتعالى يبدأ هذه الآية بقوله: "وإما" ومثلها مثل "فإما" في الآية السابقة وقد تم التوضيح فيها، وهنا يتحدث عن الآخرين الذين لا يواجهون بالحرب، بل يدبرون لخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقول: هل هذه الخيانة مقطوع بها؟ أو أنت أخذت بالشبهات؟. الله سبحانه وتعالى هنا يفرق بعدالته في خلقه بين الخيانة المقطوع بها والخيانة غير المقطوع بها، فالخيانة المقطوع بها لها حكم، والخيانة المظنون بها لها حكم آخر. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} [الأنفال: 58]. أي بلغك أنهم سيخونونك، ماذا تفعل فيهم؟. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [الأنفال: 58]. أي أنه ما دام هناك عهد والعهد ملك لطرفين، هذا عاهد وذاك عاهد، فإياك أن تأخذهم على غرة، بل انبذ إليهم، والنبذ هو الطرح والإبعاد، أي عليك أن تلغي العهد الذي بينك وبينهم، وتنهيه، وتبعده بكراهية. فساعة تخاف الخيانة أبعدهم، ولكن لا تحاربهم قبل أن تعلِمَهُم أنك قد ألغيت العهد بسبب واضح معلوم. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبيلة خزاعة - كانت من حلفائه بعد صلح الحديبية - وكان الصلح يقضي ألا تهاجم قريش حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يهاجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفاء قريش، وذهب بعض من أفراد قريش إلى قبيلة خزاعة وضربوهم، أي أن قريشاً خانت العهد، ونقضت الميثاق الذي كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بمعاونتها بني بكر في الاعتداء على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فماذا فعل الناجون من خزاعة؟. أرسلوا عنهم عمرو بن سالم الخزاعي يصرخ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وقال: إن قريشاً أخلفتك الوعد ونقضت ميثاقك، ولما حدث هذا لم يبق رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة سرّاً، بل أبلغ قريشاً بما حدث. وأنه طرح العهد الذي تم في صلح الحديبية بينه وبين قريش. وعندما جاء أبو سفيان إلى المدينة ليحاول أن يبرر ما حدث. رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقابله. إذن فإن وجدت من القوم الذين عاهدتهم بوادر خيانة فانبذ العهد، أما إن تأكدت أنهم خانوك فعلاً وحدثت الخيانة ففاجئهم بالحرب، تماماً كما فَعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود بعد أن خانوه في غزوة الخندق ونقضوا العهد والميثاق. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} [الأنفال: 58]. فكأن الله تعالى بريء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بريء، والمسلمون أبرياء أن يخونوا حتى مع الذين كفروا؛ وهذه تؤكد لنا أن الإسلام جاء ليعدل الموازين في الأرض؛ ليس بالنسبة للمؤمنين به فقط بل بالنسبة للناس جميعاً. ولذلك إن قرأت قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 105]. تلاحظ أن الآية لم تقل: بين المؤمنين.، ولكن قالت: {بَيْنَ ٱلنَّاسِ}؛ حتى لا تكون هناك تفرقة في العدل بين مؤمن وغير مؤمن، فغير المؤمن مخلوق لله، استدعاه الله إلى هذا الوجود، وسبحانه قد أعد له مكانه في هذا العالم؛ لذلك لا بد أن تراعي العدل معه في كل الأمور ولا تظلمه بل تعطيه حقه؛ لأنك بذلك تكون أنت مددا من إمدادات الله. وقد كان هذا السلوك العادل الذي أمر به الله سبباً في دخول عدد كبير في الإسلام. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]. أي لا تناصر - يا محمد - الخائنين حتى وإن كانوا من أتباعك. وقد نزلت هذه الآية عندما سُرق درع من قتادة بن النعمان وهو من الأنصار، وحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من بيت يقال لهم: بنو أبيرق. فجاء صاحب الدرع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما علم السارق بما حدث، وضع الدرع في جوال دقيق وأسرع وألقاه في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين. وقال لعشيرته: إني وضعت الدرع في منزل اليهودي زيد بن السمين، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إن صاحبنا بريء. والذي سرق الدرع هو فلان اليهودي. وذهب الصحابة فوجدوا الدرع في جوال دقيق في بيت اليهودي. ولكن اليهودي أنكر أنه سرق الدرع وقال: لقد أتى به طعمة بن أبيرق ولم يلحظ طعمة أثناء نقل جوال الدقيق أن بالجوال ثقباً صغيراً، تسرب منه الدقيق ليصنع علامة على الأرض، وذلك من غفلته؛ لأن الله لا بد أن يترك دليلاً للحق يهتدي به القاضي حتى لا يضيع الحق؛ فتتبع المسلمون علامة الدقيق حتى أوصلتهم إلى بيت طعمة بن أبيرق وأصبحت القضية أن السارق مسلم. ولكنه اتهم اليهودي كذباً بالسرقة. وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حكمت لليهودي على المسلم يكون المسلمون في خسة ودناءة وحرج، وإذا بالوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعصمه من تعدي خواطره في هذه المسألة: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً}تفسير : [النساء: 105]. أي لا تكن لأجل ولصالح الخائنين مدافعا عن أي واحد منهم ولو كان هذا الخائن مسلماً. وهكذا كان عدل الإسلام في أن حكم الله تعالى لا ينصر مسلماً على باطل ولا يظلم يهوديا، ألا يرون هذا الدين وما فيه من قوة الحق؟ ألا يدفعهم ذلك إلى أن يتجهوا إلى هذا الدين الإسلامي دين العدالة والإنصاف ليكونوا في أحضانه؟! وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} [الأنفال: 58]. أي قل لهم إني ألغيت هذا العهد الذي بيني وبينكم وأصبحت في حل منه. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ} يبين أنه سبحانه وتعالى لا يحب الخائنين حتى ولو كانوا من المنسوبين للإسلام. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ} معناه اعلِمْهُمْ واظْهِرْ لَهُمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهد وميثاق على ترك القتال فخفت منهم خيانة،بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة. { فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ } عهدهم، أي: ارمه عليهم، وأخبرهم أنه لا عهد بينك وبينهم. { عَلَى سَوَاءٍ } أي: حتى يستوي علمك وعلمهم بذلك، ولا يحل لك أن تغدرهم، أو تسعى في شيء مما منعه موجب العهد، حتى تخبرهم بذلك. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ } بل يبغضهم أشد البغض،فلا بد من أمر بيِّنٍ يبرئكم من الخيانة. ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: { عَلَى سَوَاءٍ } وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم. ودل مفهومها أيضا أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):