٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
59
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بين ما يفعل الرسول في حق من يجده في الحرب ويتمكن منه وذكر أيضاً ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد، بين أيضاً حال من وفاته في يوم بدر وغيره، لئلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذية الرسول عليه الصلاة والسلام مبلغاً عظيماً فقال: {لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ * سَبَقُواْ } والمعنى: أنهم لما سبقوا فقد فاتوك ولم تقدر على إنزال ما يستحقونه بهم، ثم ههنا قولان: الأول: أن المراد ولا تحسبن أنهم انفلتوا منك، فإن الله يظفرك بعيرهم. والثاني: لا تحسبن أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل أنهم قد تخلصوا من عقاب الله ومن عذاب الآخرة {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } أي أنهم بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته ولم يتمكن من التشفي والانتقام منه. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم «لا يحسبن» بالياء المنقطة من تحت، وفي تصحيحه ثلاثة أوجه: الأول: قال الزجاج: ولا يحسبن الذين كفروا أن يسبقونا، لأنها في حرف ابن مسعود أنهم سبقونا فإذا كان الأمر كذلك فهي بمنزلة قولك حسبت أن أقوم، وحسبت أقوم وحذف أن كثير في القرآن قال تعالى: {قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ } والمعنى: أن أعبد. الثاني: أن نضمر فاعلاً للحسبان ونجعل الذين كفروا المفعول الأول، والتقدير: ولا يحسبن أحد الذين كفروا. والثالث: قال أبو علي: ويجوز أيضاً أن يضمر المفعول الأول، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا أو إياهم سبقوا، وأما أكثر القراء فقرؤا {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } بالتاء المنقطة من فوق على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والذين كفروا المفعول الأول وسبقوا المفعول الثاني وموضعه نصب والمعنى: ولا تحسبن الذين كفروا سابقين. المسألة الثالثة: أكثر القراء على كسر {ءانٍ } في قوله: {إِنَّهُمْ لا } وهو الوجه لأنه ابتداء كلام غير متصل بالأول كقوله: {ٱلْكَـٰذِبِينَ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا } وتم الكلام ثم قال: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فكما أن قوله: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } منقطع من الجملة التي قبلها، كذلك قوله: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } وقرأ ابن عامر {أَنَّهُمْ } بفتح الألف، وجعله متعلقاً بالجملة الأولى، وفيه وجهان: الأول: التقدير لا تحسبنهم سبقوا، لأنهم لا يفوتون فهم يجزون على كفرهم. الثاني: قال أبو عبيد: يجعل {لا } صلة، والتقدير: لا تحسبن أنهم يعجزون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ} أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة. ثم استأنف فقال: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم. وقيل: يعني في الآخرة. وهو قول الحسن. وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة «يحسبن» بالياء والباقون بالتاء، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل. و «الَّذِينَ كَفَرُوا» مفعول أوّل. و «سَبَقُوا» مفعول ثان. وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحل القراءة به، ولاتسع لمن عَرَف الإعراب أو عُرِّفه. قال أبو حاتم: لأنه لم يأت لـ «يحسبن» بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين. قال النحاس: وهذا تحامل شديد، والقراءة تجوز ويكون المعنى: ولا يحسبن مَن خلفهم الذين كفروا سبقوا؛ فيكون الضمير يعود على ما تقدّم، إلا أن القراءة بالتاء أبين. الْمَهْدوِيّ: ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في الفعل ضمير النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويكون «الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا» المفعولين. ويجوز أن يكون «الَّذِينَ كَفَرُوا» فاعلاً، والمفعول الأوّل محذوف؛ المعنى: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا. مَكِّيّ: ويجوز أن يضمر مع سبقوا أنْ، فيسدّ مسدّ المفعولين والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا؛ فهو مثل {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ}تفسير : [العنكبوت: 2] في سد أنْ مسدّ المفعولين. وقرأ ابن عامر «أَنَّهم لا يُعجزون» بفتح الهمزة. واستبعد هذه القراءةَ أبو حاتم وأبو عُبيد. قال أبو عبيد: وإنما يجوز على أن يكون المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون. قال النحاس: الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين، لا يجوز حسبت زيداً أنه خارج، إلا بكسر الألف، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ؛ كما تقول: حسبت زيداً أبوه خارج، ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيداً خروجَه. وهذا محال، وفيه أيضاً من البعد أنه لا وجه لما قاله يصحّ به معنًى؛ إلا أن يجعل «لا» زائدة، ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز وجل إلى التطوّل بغير حجة يجب التسليم لها. والقراءة جيدة على أن يكون المعنى: لأنهم لا يعجزون. مَكِّيٌّ: فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا لأنهم لا يعجزون، أي لا يفوتون. فـ «أنّ» في موضع نصب بحذف اللام، أو في موضع خفض على إعمال اللام لكثرة حذفها مع «أنّ»، وهو يُروَى عن الخليل والكسائِيّ. وقرأ الباقون بكسر «إن» على الاستئناف والقطع مما قبله، وهو الاختيار؛ لما فيه من معنى التأكيد، ولأن الجماعة عليه. ورُوي عن ابن مُحيْصِن أنه قرأ «لا يعجّزونِ» بالتشديد وكسر النون. النحاس: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما ـ أن معنى عجّزه ضعَّفه وضعَّف أمره. والآخر ـ أنه كان يجب أن يكون بنونين. ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَحْسَبَنَّ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ} مفعولاه وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص بالياء على أن الفاعل ضمير أحد أو {مّنْ خَلْفِهِمْ}، أو {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} والمفعول الأول أنفسهم فحذف للتكرار، أو على تقدير أن {سَبَقُواْ} وهو ضعيف لأن أن المصدرية كالموصول فلا تحذف أو على إيقاع الفعل على. {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} بالفتح على قراءة ابن عامر وأن {لا} صلة و {سَبَقُواْ} حال بمعنى سابقين أي مفلتين، والأظهر أنه تعليل للنهي أي: لا تحسبنهم سبقوا فأفلتوا لأنهم لا يفوتون الله، أو لا يجدون طالبهم عاجزاً. عن إدراكهم وكذا إن كسرت إن إلا أنه تعليل على سبيل الاستئناف، ولعل الآية إزاحة لما يحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو، وقيل نزلت فيمن أفلت من فل المشركين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لاَ تَحْسَبَنَّ} يا محمد {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ} أي: فاتونا، فلا نقدر عليهم، بل هم تحت قهر قدرتنا، وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 4] أي: يظنون، وقوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [النور: 57] وقوله تعالى: {أية : لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ مَتَـٰعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } تفسير : [آل عمران: 196-197] ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم} أي: مهما أمكنكم {مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} قال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي ثمامة بن شفي، أخي عقبة بن عامر: أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: «حديث : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي» تفسير : رواه مسلم عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب به. ولهذا الحديث طرق أخر عن عقبة بن عامر، منها ما رواه الترمذي من حديث صالح بن كيسان، عن رجل عنه. وروى الإمام أحمد وأهل السنن عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ارموا واركبوا وأن ترموا خير من أن تركبوا»تفسير : وقال الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة، كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها، فاستنت شرفاً أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه، ولم يرد أن يسقي به، كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء، فهي على ذلك وزر» تفسير : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر، فقال: «حديث : ما أنزل الله عليّ فيها شيئاً إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} » تفسير : رواه البخاري، وهذا لفظه، ومسلم، كلاهما من حديث مالك. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن، فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله - وذكر ما شاء الله - وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أو يراهن عليها، وأما فرس الإنسان، فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي له ستر من الفقر» تفسير : وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى؛ للحديث، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج وهشام قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة: أن معاوية بن خديج مر على أبي ذر وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعاني من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته، قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر، فيقول: اللهم أنت خولتني عبداً من عبادك، وجعلت رزقي بيده، فاجعلني أحب إليه من أهله وماله وولده. قال: وحدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن أبي جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس، عن معاوية بن خديج عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين: يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو - أحب أهله وماله إليه»تفسير : ، رواه النسائي، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان به. وقال أبوالقاسم الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبي الحسن: أنه قال لابن الحنظلية، يعني: سهلاً: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرساً في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالماد يده بالصدقة لا يقبضها»تفسير : ، والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة. وفي صحيح البخاري: عن عروة بن أبي الجعد البارقي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والمغنم» تفسير : وقوله: {تُرْهِبُونَ} أي: تخوفون {بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} أي: من الكفار {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} قال مجاهد: يعني: بني قريظة، وقال السدي: فارس، وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان: هم الشياطين التي في الدور، وقد ورد حديث بمثل ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيوة، يعني: شريح بن يزيد المقري، حدثنا سعيد بن سنان، عن ابن عريب، يعني: يزيد بن عبد الله بن عريب، عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في قول الله تعالى: {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} قال: هم الجن، ورواه الطبراني عن إبراهيم بن دحيم، عن أبيه عن محمد بن شعيب عن سنان بن سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عريب به، وزاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل»تفسير : ، وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه، وقال مقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون، وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله تعالى: {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنَّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} تفسير : [التوبة: 101] وقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أي: مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا أبي عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين، وهذا أيضاً غريب.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل فيمن أفلت يوم بدر {وَلاَ يَحْسَبَنَّ } يا محمد {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ } الله أي فاتوه {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } لا يفوتونه. وفي قراءة بالتحتانية، فالمفعول الأول محذوف أي (أنفسهم). وفي الأخرى بفتح «أن» على تقدير اللام.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن القوة ذكور الخيل، ورباط الخيل إناثها، وهذا قول عكرمة. والثاني: القوة السلاح، قاله الكلبي. والثالث: القوة التصافي واتفاق الكلمة. والرابع: القوة الثقة بالله تعالى والرغبة إليه. والخامس: القوة الرمي. روى يزيد بن أبي حبيب عن أبي عليّ الهمزاني عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "حديث : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة} أَلاَ إِنَّ القُوةَ الرميُ" تفسير : قالها ثلاثاً. {وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} على قول عكرمة إناثها خاصة، وعلى قول الجمهور على العموم الذكور والإناث. وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ارتبطوا الخيل فَإِنَّ ظُهُورَهَا لَكُم عِزٌّ، وَأَجْوَافَهَا لَكُم كَنزٌ". تفسير : {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: عدو الله بالكفر وعدوكم بالمباينة. والثاني: عدو الله هو عدوكم لأن عدو الله عدو لأوليائه. والإرهاب: التخويف. {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: هم بنو قريظة، قاله مجاهد. والثاني: أهل فارس والروم قاله السدي. والثالث: المنافقون؛ قاله الحسن وابن زيد. والرابع: الشياطين، قاله معاذ بن جبل. والخامس: كل من لا تعرفون عداوته، قاله بعض المتأخرين.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {ولا يحسبن} قرئ بالتاء على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمعنى ولا تحسبن يا محمد {الذين كفروا سبقوا} يعني فاتوا وانهزموا يوم بدر وقرئ بالياء على الغيبة ومعناه ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا يعني خلصوا من القتل والأسر يوم بدر {إنهم لا يعجزون} يعني أنهم بهذا السبق لا يعجزون الله من الانتقام منهم إما في الدنيا بالقتل وإما في الآخرة بعذاب النار وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيمن فاته من المشركين ولم ينتقم منهم فأعلمهم الله أنهم لا يعجزونه. قوله عز وجل: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه وفي المراد بالقوة أقوال أحدها: أنها جميع أنواع الأسلحة والآلات التي تكون لكم قوة في الحرب على قتال عدوكم، الثاني: أنها الحصون والمعاقل الثالث: الرمي وقد جاءت مفسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه حديث : عقبة بن عامر قال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ثلاثاً"تفسير : أخرجه مسلم (خ) حديث : عن أبي أسيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا لقريش: "إذا أكثبوكم" يعني غشوكم وفي رواية: "أكثروكم" فارموهم واستبقوا نبلكم. وفي رواية "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل"تفسير : (م) عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه"تفسير : (م) عن فقيم اللخمي قال قلت لعقبة بن عامر تختلف بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير يشق عليك فقال عقبة لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أغانه قال قلت وما ذاك؟ قال سمعته يقول:"حديث : من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا أو قد عصى"تفسير : عن أبي نجيح السلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من بلغ بسهم فهو له درجة في الجنة"تفسير : فبلغت يومئذ عشرة أسهم قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر"تفسير : أخرجه النسائي والترمذي بمعناه وعنده قال عدل رقبة محررة وأخرجه أبو داود أيضاً عن عقبة بن عامر بمعناه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله عز وجل ليدخلن بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في عمله الخير والرامي به والممد به"تفسير : وفي رواية "حديث : ومنبله فارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا كل لهو باطل ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بقوسه أي نبله إنهن من الحق ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو كفرها" تفسير : أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي مختصر إلى نبله (خ). عن سلمة بن الأكوع قال"مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون بالقوس فقال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً ارموا وأنا مع بني فلان" فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما لكم لا ترمون؟" فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: "ارموا وأنا معكم كلكم"تفسير : . القول الرابع: أن المراد بالقوة جميع ما يتقوى به في الحرب على العدو فكل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور باستعدادها وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا أن القوة الرمي"تفسير : لا ينفي كون غير الرمي من القوة فهو كقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : الحج عرفة"تفسير : وقوله:"حديث : الندم توبة"تفسير : فهذا لا ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود وأجله فكذا هاهنا يحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد العدو بجميع ما يمكن من الآلات كالرمي بالنبل والنشاب والسيف والدرع وتعليم الفروسية كل ذلك مأمور به إلا أنه من فروض الكفايات وقوله تعالى: {ومن رباط الخيل} يعني اقتناءها وربطها للغزو في سبيل الله والربط شد الفرس وغيره بالمكان للحفظ وسمي المكان الذي يخص بإقامة حفظة فيه رباطاً والمرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها وربط الخيل الجهاد من أعظم من يستعان به. روي أن رجلاً قال لابن سيرين: إن فلاناً أوصى بثلث ماله للحصون فقال ابن سيرين: يشتري به الخيل ويربطها في سبيل الله. وقال عكرمة: القوة الحصون ومن رباط الخيل يعني الإناث ووجه هذا أن العرب تربط الأناث من الخيل بالأفنية للنسل. وروي أن خالد بن الوليد كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن ابن محيريز قال: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشنات والغارات. وقيل: ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو فكانت المحاربة عليها أولى من الإناث وقيل إن لفظ الخيل عام فيتناول الفحول والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل الله (ق) عن عروة بن الجعد البارقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة"تفسير : (ق). عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"تفسير : (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة"تفسير : يعني حسنات (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله زاد في رواية لأهل الإسلام فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان لها حسنات ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت له آثارها وأرواثها حسنات ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات فهي لذلك الرجل أجر ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك الرجل ستر ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر"تفسير : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: ما أنزل عليّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره الطيل الحبل الذي يشد به الفرس وقت الرعي واستنان الجري والشرف الشوط الذي تجري فيه الفرس وقوله تغنياً يعني استغناء بها عن الطلب لما في أيدي الناس أما حق ظهورها فهو أن يحمل عليها منقطعاً إلى أهله وأما حق رقابها فقيل: أراد به الإحسان إليها. وقيل: أراد به الحمل عليها فعبر بالرقبة عن الذات وقوله: نواء لأهل الإسلام النواء المعاداة يقال ناوأت الرجل مناوأة إذا عاديته. وقوله تعالى: {ترهبون به عدو الله وعدوكم} يعني: تخوفون بتلك القوة وبذلك الرباط عدو الله وعدوكم يعني الكفار من أهل مكة وغيره. وقال ابن عباس: تحزنون به عدو الله وعدوكم وذلك لأن الكفار إذا علموا أن المسلمين متأهبون للجهاد مستعدون له مستكملون لجميع الأسلحة وآلات والحرب وإعداد الخيل مربوط للجهاد خافوهم فلا يقصدون دخول دار الإسلام بل يصير ذلك سبباً لدخول الكفار في الإسلام أو بذل الجزية للمسلمين. وقوله تعالى: {وآخرين من دونهم} يعني وترهبون آخرين من دونهم اختلف العلماء فيهم فقال مجاهد: هم بو قريظة، وقال السدي: هم فارس وقال ابن زيد هم المنافقون لقوله تعالى: {لا تعلمونهم} لأنهم معكم يقولون بألسنتهم لا إله إلا الله {الله يعلمهم} يعني أنهم منافقون وأورد على هذا القول أن المنافقين لا يقاتلون لإظهارهم كلمة الإسلام فكيف يخوفون بإعداد القوة ورباط الخيل. وأجيب عن هذا الإيراد أن المنافقين إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأسلحتهم كان ذلك مما يخوفهم ويحزنهم فكان في ذلك إرهابهم وقال الحسن: هم كفار الجن وصحح هذا القول الطبري قال: لأن الله تعالى قال لا تعلمونهم ولا شك بأن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لعلمهم بأنهم مشركون ولأنهم حرب للمؤمنين أما الجن فلا يعلمونهم الله يعلمهم يعني يعلم أحوالهم وأماكنهم دونكم ويعضد هذا القول ما روي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم الجن وأن الشيطان لا يخيل أحداً في داره فرس عتيق"تفسير : ذكر هذا الحديث ابن الجوزي وغيره من المفسرين بغير إسناد وقال الحسن: صهيل الخيل يرهب الجن. وقوله سبحانه وتعالى: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله} قيل أراد به نفقة الجهاد والغزو وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخير والطاعة فيدخل فيه نفقة الجهاد وغيره {يوف إليكم} يعني أجره في الآخرة ويعجل لكم عوضه في الدنيا {وأنتم لا تظلمون} يعني وأنتم لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنهم لا يعجزون} يقول: لا يفوتونا.
القشيري
تفسير : كيف يعارِضُ الحقَّ أو ينازعه مَنْ في قَبْضَتِه تَقَلُّبُه، وبقدرته تَصرُّفه، وبتصريفه إياه عَدَمه وثبوتُه.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحمزة وحفص وأبو جعفر {ولا يحسبن} بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن عامر "انهم" بفتح الهمزة. الباقون بكسرها. قال أبو علي الفارسي: من قرأ بالتاء جعل {الذين كفروا} المفعول الأول و {سبقوا} المفعول الثاني، وموضعه النصب، وهو واضح. ومن قرأ بالياء احتمل ثلاثه اشياء: احدها - {لا يحسبن الذين كفروا} وهو قول أبي الحسن. الثاني - أن يكون أضمر المفعول الأول وتقديره: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقونا واياهم سبقوا. الثالث - ان يقدر على حذف (أن) كانه قال: ولا يحسبن الذين كفروا ان سبقوا. قال الزجاج يقوي ذلك، ان في قراءة ابن مسعود {إنهم لا يعجزون} فعلى هذا يكون ان سبقوا سد مسد المفعولين، كما ان قوله {أية : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا} تفسير : كذلك. ومن فتح الهمزة جعل الجملة متعلقة بالجملة الاولى والتقدير ولا تحسبنهم سبقوا، لانهم لا يفوتون فهم يجازون على كفرهم. ومن كسر استأنف الكلام، قال ابو عبيدة: سبقوا معناه فاتوا، فانهم لا يعجزون اي لا يفوتون، ومثله {أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا} تفسير : ثم استأنف، فقال: {أية : ساء ما يحكمون} تفسير : فكذلك ها هنا استأنف الكلام. وانما امتنع الاقتصار على احد المفعولين في (حسب) لأن المفعول الثاني خبر عن الأول، والفعل متعلق بما دلت عليه الجملة فهو بخلاف (اعطيت) في هذا. والحسبان هو الظن. وقال الرماني: هو شك يقوى فيه احدى النقيضين لقوة المعنى في حيز القولين. وأصله الحساب، لأن المعنى فيه داخل فيما يحسب به ويعمل عليه. والاحتساب قبول الحساب والاعتداد به وفي المضارع لغتان، فتميم تفتح السين وأهل الحجاز يكسرونها. والسبق تقدم الشيء على طالب اللحوق به: سبق يسبق سبقاً وتسابقاً تسابقاً، وسابقة مسابقة واستبقوا استباقاً وسبقه تسبيقاً إذا أعطاه السبق. والسابق والمصلي في صفة الفرس. والاعجاز ايجاد ما يعجز عنه: أعجزه إعجازاً وعجزه تعجيزاً وعاجزه معاجزة واستعجز استعجازاً. وقال ابو عبيدة: معنى {لا يعجزون} لا يفوتون. وقال الحسن: معنى لا يعجزون الله لا يفوتونه حتى لا يثقفنهم يوم القيامة. وقال الجبائي: معناه لا يعجزونك حتى يظفرك الله بهم. وقال الزجاج: المعنى لا يحسبن من أفلت من هذه الحرب قد سبق إلى الحياة. وقال الزجاج: يجوز أن تكون (لا) صلة على ضعف فيه. والمعنى لا يحسبن الذين كفروا انهم يعجزون. اي يفوتون.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وضع المظهر موضع المضمر تصريحاً بكفرهم وتفظيعاً لهم {سَبَقُوۤاْ} فاتوا عنّا او غلبوا ولعلّه كان انسب لانّه لرفع الخوف عنهم لمناقضة عهدهم {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} لا يفوتون او لا يغلبون من اعجزه اذا فاته او جعله عاجزاً، وقرء لا يحسبنّ بالغيبة وانّ بالفتح ووجوه الاعراب لا يخفى على البصير بالعربيّة.
اطفيش
تفسير : {ولا تَحْسَبَنَّ} [فى قراءة بالفوقية] يا محمد {الَّذينَ} مفعول أول {كفَرُوا} وهم من نجا من المشركين يوم بدر، وقيل: يوم بدر وغيره، وبالأول قال الزهرى، وقيل: الآية مزيحة لما يحذر به من بذ العهد وإيقاظ العدو {سَبقُوا} مفعول ثان، أى لا تحسبنهم ناجين فإنهم سيدركون كما قال {إنَّهم لا يُعْجِزونَ} تعليل جملى مستأنف، وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة على التعليل الإفرادى، أى لأنهم لا يعجزون، والمعنى لا يفوتون الله، أو لا يجعلوه عاجزا بأن يسبقوه أولا يجدونه عاجزا، ويضعف جعل سبقوا حالا، وأنهم لا يعجزون بالكسر مفعولا على زيادة لا، فإن الأجل عدم الزيادة. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص يحسبن بالمثناة التحتية، قال بعضهم: مع فتح السين، والمشهور عنهم الكسر، ففى يحسب ضمير يعود إلى أحد أى لا يحسبن أحد، أو إلى الحاسب، أو المؤمن، أو الرسول، أو إلى من فى قوله: {من خلفهم} وفى مفعولية الوجهان المذكوران، ويجوز كون الذين فاعل يحسب، فيكون المفعول الأول محذوفا أى لا يحسبنهم الذين كفروا، والهاء عائدة للذين، لأنه فى نية التقديم، والمعنى لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، ويجوز تقديره ظاهرا هكذا: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم، وإنما حذف سواء كان ضميرا أو ظاهرا لأنه نفس الذين فى المعنى، فاكتفى عنه بالذين، والمفعول الثانى جملة سبقوا، وجملة إنهم لا يعجزون بالكسر على زيادة لا وفيه ضعف، فيكون سبقوا حالا، ويجوز أن يكون سبقوا سادا مسد مفعولين على تقدير إن المصدرية، أى إن سبقوا وهو ضعيف، لأن إن المصدرية كالموصول الاسمى فلا يحذف، نعم أجاز بعض حذف الموصول الاسمى للدليل، وبعض إن ذكر مثله. وأما قول شيخ الإسلام أن إن المقدرة مخففة لا المصدرية فباطل، لأن المخففة المفتوحة أيضا مصدرية، وكذا المفتوحة المشددة وأيضا تقديرها مخففة بلا فصل بقد ضعيف، وبالفصل بها زيادة فى التقدير، ويجوز على ضعف أن يكون أنهم لا يعجزون بالفتح سادا مسد المفعولين على زيادة لا، وفيه ضعف، فيكون سبقوا حالا، والأظهر أن قوله: {إنهم لا يعجزون} تعليل كما مر للنهى، كأنه قيل: لا يعجزون الله أو طالبهم، وذلك أنهم يدركون فى الحرب بعد ذلك بالقتل، أو بالأسر، أو بهما، ولهم النار بعد ذلك فلا يغيظنك فواتهم، وقيل: المراد أنهم يدركون فى الآخرة. وفى رواية عن عاصم: لا تحسبن بالفوقية المفتوحة وفتح السين، وكذا قرأ الأعرج، وقرأ مجاهد بكسر الفوقية والسين، وهو رواية عن ابن كثير، والمشهور عنه فتح الفوقية، وقرأ الأعمش وابن مسعود فى رواية عنه، ولا يحسب بفتح التحتية والسين والباء الموحدة على حذف النون المؤكدة الخفيفة، لأنها تحذف قبل الساكن، وعلى كل حال فمحل تحسب الجزم بلا، وهو مبنى، وزعم بعض أن المضارع الموكل بالنون الداخل عليه جازم معرب مقدر الجزم، وقرأ ابن مسعود: أنهم سبقوا بفتح الهمزة وهى قراءة تقوى جعل سبقوا فى قراءة غيره بالتحتية سادًا مسد مفعولين، وقرأ بعضهم يعجزون بفتح العين وشد الجيم، وقرأ ابن محيصن بإسكان العين وكسر النون على أنها للوقاية، والياء محذوفة، أو نون الرفع كسرت للياء المحذوفة هى نون الوقاية.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} - وفى قراءةِ ولا تحسبن - يا محمد، أَو يا من يصلح للخطاب مطلقا {الَّذِينَ كَفَرُوا} من كفار بدر الذين لم يقتلوا أَو لم يؤسروا، أَو المشركين مطلقا، وهو أَولى لشموله الأَول بالذات {سَبَقُوا} مفعول ثان، لا تحسبنهم سابقين الله وفائتيه، بل منهم من يؤمن بعد، ومنهم من يقتل أَو يموت فيعاقب بالنار، وعلل ذلك بقوله {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونِ} الله، لا يفوتونه، أَو هو مضارع أَعجز الذى بمعنى وجد عاجزا، فإِن من معانى أَفعل الوجود، أَى لا يجدون طالبهم عاجزاً، فلا تأيس من قتلهم إِيمانهم، ولا تحذر النبذ إِليهم ظانا أَنه إِذا أَعلمتهم بالنبذ أَخذوا حذرهم وتقووا عليك، وقيل: لا يعجزونك، ثم إِن عدم الإِعجاز يفيد أَنهم يعاقبون فى الدنيا بالقتل، وهكذا يتبادر ولا سيما إِذا قدرنا لا يفوتونك، وعن الحسن: لا يفوتون بعدم البعث، وأَقول: الآية ليست على هذا المعنى، وأَولى من هذا - إِن أَريد - أَن يقال بالعموم، أَى لا يفوتون من عذاب الدنيا ولا البعث، تسلية له صلى الله عليه وسلم، أَو أَن يقال: لا يفوتون: إِما أَن يقتلوا ولهم النار، وإِما أَن يعذبوا فى الآخرة، وهذا تسلية أَيضا، ولا سيما إِن قيل أَنها نزلت فيمن فاته ولم ينقم منه.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ} بياء الغيبة وهي قراءة حفص وابن عامر وأبـي جعفر وحمزة، وزَعْمُ تفرد الأخير بها وهم كزعم أنها غير نيرة، فقد نص في «التيسير» على أنه قرأ بها الأولان أيضاً، وفي "المجمع" على أنه قرأ بها الأربعة، وقال المحققون: إنها أنور من الشمس في رابعة النهار لأن فاعل {يَحْسَبَنَّ} الموصول بعده ومفعوله الأول محذوف أي أنفسهم وحذف للتكرار والثاني جملة {سَبَقُواْ}، أي لا يحسبن أولئك الكافرون أنفسهم سابقين أي مفلتين من أن يظفر بهم. والمراد من هذا إقناطهم من الخلاص وقطع أطماعهم الفارغة من الانتفاع بالنبذ، والاقتصار على دفع هذا التوهم وعدم دفع توهم سائر ما تتعلق به أمانيهم الباطلة من مقاومة المؤمنين أو الغلبة عليهم للتنبيه على أن ذلك مما لا يحوم عليه عقاب وهمهم وحسبانهم وإنما الذي يمكن أن يدور في خلدهم حسبان المناص فقط، ويحتمل أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً، والحذف لا يخطر بالبال كما توهم، أي لا يحسبن هو أي / أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو الحاسب أو من خلفهم أو أحد، وهو معلوم من الكلام فلا يرد عليه أنه لم يسبق له ذكر، ومفعولا الفعل {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} و {سَبَقُوۤاْ}، وحكي عن الفراء أن الفاعل الذين كفروا وان سبقوا بتقدير أن سبقوا فتكون أن وما بعدها سادة مسد المفعولين، وأيد بقراءة ابن مسعود {أَنَّهُمْ سَبَقُواْ }. واعترضه أبو البقاء وغيره بأن أن المصدرية موصول وحذف الموصول ضعيف في القياس شاذ في الاستعمال لم يرد منه إلا شيء يسير ـ كتسمع بالمعيدي خير من أن تراه ـ ونحوه فلا ينبغي أن يخرج كلام الله تعالى عليه. وقرأ من عدا من ذكر {تحسبن} بالتاء الفوقية على أن الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من له حظ في الخطاب و {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ} مفعولاه ولا كلام في ذلك. وقرأ الأعمش {ولا تحسب الذين} بكسر الباء وفتحها على حذف النون الخفيفة. وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} أي لا يفوتون الله تعالى أو لا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم تعليل للنهي على طريق الاستئناف. وقرأ ابن عامر {أنهم} بفتح الهمزة وهو تعليل أيضاً بتقدير اللام المطرد حذفها في مثله. وقيل: الفعل واقع عليه، و {لا} صلة ويؤيده أنه قرىء بحذفها و {سَبَقُواْ} حال بمعنى سابقين أي مفلتين هاربين. وضعف بأن {لا} لا تكون صلة في موضع يجوز أن لا تكون كذلك وبأن المعهود كما قال أبو البقاء في المفعول الثاني لحسب في مثل ذلك أن تكون أن فيه مكسورة، وهذا على قراءة الخطاب لإزاحة ما عسى أن يحذر من عاقبة النبذ لما أنه ايقاظ للعدو وتمكين لهم من الهرب والخلاص من أيدي المؤمنين، وفيه نفي لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغ وجه وآكده كما يشير إليه. وذكر الجبائي أن {لاَ يُعْجِزُونَ} على معنى لا يعجزونك على أنه خطاب أيضاً للنبـي عليه الصلاة والسلام ولا يخلو عن حسن، والظاهر أن عدم الاعجاز كيفما قدر المفعول اشارة إلى أنه سبحانه سيمكن منهم في الدنيا، فما روي عن الحسن أن المعنى لا يفوتون الله تعالى حتى لا يبعثهم في الآخرة غريب منه إن صح. وادعى الخازن أن المعنى على العموم على معنى لا يعجزون الله تعالى مطلقاً اما في الدنيا بالقتل وإما في الآخرة بعذاب النار، وذكر أن فيه تسلية للنبـي صلى الله عليه وسلم فيمن فاته من المشركين ولم ينتقم منه. وهو ظاهر على القول بأن الآية نزلت فيمن أفلت من فل المشركين، وروي ذلك عن الزهري. وقرىء {يعجزون} بالتشديد. وقرأ ابن محيصن {يعجزون} بكسر النون بتقدير يعجزونني فحذفت إحدى النونين للتخفيف والياء اكتفاء بالكسرة، ومثله كثير في الكتاب.
ابن عاشور
تفسير : تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما بدأه به أعداؤه من الخيانة مثل ما فعلت قريظة، وما فعل عبد الله بن أبي سلول وغيرهم من فلول المشركين الذين نجوا يوم بدر، وطمأنة له وللمسلمين بأنّهم سيدالون منهم، ويأتون على بقيتهم، وتهديد للعدوّ بأنّ الله سيمكّن منهم المسلمين. والسبق مستعار للنجاة ممّن يَطلب، والتفلّت من سلطته. شبه المتخلّص من طالبه بالسابق كقوله تعالى: {أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا}تفسير : [العنكبوت: 4] وقال بعض بني فقعس: شعر : كأنكَ لم تُسبَق من الدهر مرة إذا أنت أدركتَ الذي كنت تطلب تفسير : أي كأنّك لم يفتك ما فاتك إذا أدركته بعد ذلك، ولذلك قوبل السبق هنا بقوله تعالى: {إنهم لا يعجزون}، أي هم وإن ظهرت نجاتهم الآن، فما هي إلاّ نجاة في وقت قليل، فهم لا يعجزون الله، أو لا يعجزون المسلمين، أي لا يُصِيِّرون من أفلِتوا منه عاجزاً عن نوالهم، كقول إياس بن قبيصة الطائي: شعر : ألم تر أنّ الأرض رحب فسيحة فهل تعج زَنِّي بُقعة من بقاعها تفسير : وحذف مفعول {يعجزون} لظهور المقصود. وقرأ الجمهور {ولا تحسبن} ـ بالتاء الفوقية ـ. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وحفص، وأبو جعفر {ولا تحسبن} ـ بالياء التحتية ـ وهي قراءة مشكلة لعدم وجود المفعول الأول لحسب، فزعم أبو حاتم هذه القراءة لحناً، وهذا اجتراء منه على أولئك الايمة وصحة روايتهم، واحتجّ لها أبو علي الفارسي بإضمار مفعول أول يدلّ عليه قوله: {إنهم لا يعجزون} أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، واحتج لها الزجاج بتقدير (أنَّ) قبل {سبقوا} فيكون المصدر سادّاً مسدّ المفعولين، وقيل: حذف الفاعل لدلالة الفعل عليه. والتقدير: ولا يحسبنّ حاسب. وقوله: {إنهم لا يعجزون} قرأه الجمهور ـ بكسر همزة {إنهم} استئناف بياني جواباً عن سؤال تثيره جملة: {ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} وقرأ ابن عامر {أنهم} بفتح همزة (أنّ) على حذف لام التعليل فالجملة في تأويل مصدر هو علة للنهي، أي لأنّهم لا يعجزون، قال في الكشّاف: كلّ واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل إلاّ أنّ المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح.
الواحدي
تفسير : {ولا تحسبنَّ الذين كفروا سبقوا} وذلك أنَّ مَنْ أفلت من حرب بدرٍ من الكفَّار خافوا أن ينزل بهم هلكة في الوقت، فلمَّا لم ينزل طغوا وبغوا، فقال الله: لا تحسبنَّهم سبقونا بسلامتهم الآن فـ {إنهم لا يعجزونـ} ـنا ولا يفوتوننا فيما يستقبلون من الأوقات. {وأعدوا لهم} أَيْ: خذوا العُدَّة لعدوِّكم {ما استطعتم من قوة} ممَّا تتقوون به على حربهم، من السِّلاح والقسي وغيرهما {ومن رباط الخيل} ممَّا يرتبط من الفرس في سبيل الله {ترهبون به} تخوِّفون به بما استطعتم {عدو الله وعدوكم} مشركي مكَّة وكفَّار العرب {وآخرين من دونهم} وهم المنافقون {لا تعلمونهم الله يعلمهم} لأنَّهم معكم يقولون: لا إله إلاَّ الله، ويغزون معكم، والمنافق يريبه عدد المسلمين {وما تنفقوا من شيء} من آلةٍ، وسلاحٍ، وصفراء، وبيضاء {في سبيل الله} طاعة الله {يوف إليكم} يخلف لكم في العاجل، ويوفَّر لكم أجره في الآخرة {وأنتم لا تظلمون} لا تنقصون من الثَّواب. {وإن جنحوا للسلم} مالوا إلى الصُّلح {فاجنح لها} فملْ إليها. يعني: المشركين واليهود، ثمَّ نسخ هذا بقوله: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله}. تفسير : {وتوكَّل على الله} ثق به {إنَّه هو السميع} لقولكم {العليم} بما في قلوبكم. {وإن يريدوا أن يخدعوك} بالصُّلح لتكفَّ عنهم {فإنَّ حسبك الله} أَيْ: فالذي يتولَّى كفايتك الله {هو الذي أيدك} قوَّاك {بنصره} يوم بدرٍ {وبالمؤمنين} يعني: الأنصار. {وألف بين قلوبهم} بين قلوب الأوس والخزرج، وهم الأنصار {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم} للعداوة التي كانت بينهم، {ولكنَّ الله ألف بينهم} لأنَّ قلوبهم بيده يُؤلِّفها كيف يشاء {إنَّه عزيز} لا يمتنع عليه شيء {حكيم} عليمٌ بما يفعله. {يا أيها النبيُّ حسبك الله...} الآية. أسلم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً، وستُّ نسوةٍ، ثمَّ أسلم عمر رضي الله عنه، فنزلت هذه الآية، والمعنى: يكفيك الله، ويكفي من اتَّبعك من المؤمنين.
د. أسعد حومد
تفسير : (59) - وَلاَ يَحْسَبِ الذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ فَاتُونَا وَسَبَقُونَا، وَنَجَوا مِنْ عَاقِبَةِ خِيَانَتِهِمْ وَغَدْرِهِمْ، فَلاَ نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِنَا وَقُدْرَتِنَا، وَفَي قَبْضَةِ مَشِيئَتِنا، فَلا يُعْجِزُونَنَا عَنْ إِدْرَاكِهِمْ، وَسَنَجْزِيهِم الجَزَاءَ الأَوْفَى. سَبَقُوا - خَلَصُوا وَأَفْلَتُوا مِنَ العَذَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار في حرب، قُتل فريق من الكفار، وأُسر فريق آخر منهم، وفر فريق ثالث، وأما الذين قتلوا والذين أسروا فقد أخذوا جزاءهم، والذين فروا نجوا من القتل ومن الأسر، فكأنهم سبقوا فلم يلحق بهم المسلمون الذين أرادوا أن يقتلوهم أو يأسروهم. والسبق أن يوجد شيء يريد أن يلحق بشيء أمامه فيسبقه؛ ولا يستطيع اللحاق به. فكأن الكفار عندما فروا سبقوا المسلمين الذين لو لحقوا بهم لقتلوهم أو أسروهم. الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أن هذا هو ظاهر ما حدث، ولكن الحقيقة التي يريدنا الله عز وجل أن نفهمها هي أن هؤلاء الكفار الذين فروا وسبقوا، ولم تلحقهم أيدي المسلمين، هؤلاء لا يعجزون الله تعالى ولا يخرجون عن قدرته سبحانه وتعالى وسوف يأتيهم العذاب في وقت لاحق، إما بانقضاء الأجل وإما في معركة ثانية. وعادة نجد أن كلاً من السابق والمسبوق يستخدم أقصى قوته، الأول ليفر والثاني ليلحق به. ولذلك عندما تراهما فقد تتعجب من القوة التي يجري كل منهما بها، وهذه هي الطبيعة الإنسانية، فساعة الأحداث العادية يكون للإنسان قوة وقدرة. وساعة الأحداث المفاجئة تكون له أي للإنسان ملكات أخرى. فإذا غرقت سفينة في البحر مثلاً وتعلق واحد من ركابها بقطعة خشب من حطام السفينة، تجده يسبح لفترة طويلة دون أن يشعر بالتعب. فإذا وصل إلى الشاطيء خارت قواه. ولقد عرفنا سر ذلك عندما اكتشف علم وظائف الأعضاء أن الإنسان عنده غدة فوق الكلي هي الغدة الكظرية، إذا وقع في مأزق مفاجيء تفرز مادة "الادرينالين" وهذه مادة يمكن أن تعطيه عشرة أضعاف قوته، ولكن إذا زال الخطر تتوقف الغدة عن إفراز هذه المادة إلا بالنسبة التي يحتاجها الجسم، ولذلك تجد الإنسان الذي يضارع الموج في البحر تمده هذه الغدة بالوقود، فإذا وصل إلى الشاطيء توقفت الغدة عن الإفراز الزائد المناسب للخطر فتخور قواه وربما يظل ثلاثة أيام نائماً من التعب. وهناك قصة خيالية رمزية تروى عن صائد أرسل كلبه يجري وراء غزال ليأتيه به، والكلب يجري يريد اللحاق بالغزال، والغزال يجري طلباً للنجاة، وفجأة التفت الغزال إلى الكلب وقال له: لن تلحقني؛ لأني أجري لحساب نفسي وأنت تجري لحساب صاحبك. فمن يفعل شيئاً لينجو بنفسه يكون قوياً. وقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} [الأنفال: 59]. أي إنهم في قبضة المشيئة لا يخرجون عن قدرة الله الذي سيحضرهم ويحاسبهم. وبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عمن حارب، ومن عاهد وغدر، ومن فر وسبق، ومن يريد أن يلحق به، أراد أن ينبهنا إلى حقيقة هامة وهي ألا نقصر في إعدادنا للقوة التي تعيننا على ملاقاة الأعداء وقت الحرب أو حتى تأتينا الحرب؛ لأننا قد نفاجأ بها فلا نستطيع أن نستعد، ولذلك لا يجب أن يقتصر استعدادنا للقتال إلى أن تأتي ساعة القتال ذاتها، لا، بل يجب أن نستعد سلماً وحرباً. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا يحسب الكافرون بربهم المكذبون بآياته، أنهم سبقوا اللّه وفاتوه، فإنهم لا يعجزونه، واللّه لهم بالمرصاد. وله تعالى الحكمة البالغة في إمهالهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، التي من جملتها ابتلاء عباده المؤمنين وامتحانهم، وتزودهم من طاعته ومراضيه، ما يصلون به المنازل العالية، واتصافهم بأخلاق وصفات لم يكونوا بغيره بالغيها، فلهذا قال لعباده المؤمنين: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):