٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار. قيل: إنه لما اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة، والمراد بالقوة ههنا: ما يكون سبباً لحصول القوة وذكروا فيه وجوهاً: الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة. الثاني: روي أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثاً. الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون. الرابع: قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة. وقوله عليه الصلاة والسلام: «القوة هي الرمي» لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كما أن قوله عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة» و «الندم توبة» لا ينفي اعتبار غيره، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة، إلا أنه من فروض الكفايات. وقوله: {ومن رباط الخيل) الرباط المرابطة أو جمع ربيط، كفصال وفصيل، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد. روي أن رجلاً قال لابن سيرين: إن فلاناً أوصى بثلث ماله للحصون. فقال ابن سيرين: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها، فقال الرجل إنما أوصى للحصون، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر:شعر : ولقد علمت على تجنبي الردى إن الحصون الخيل لا مدر القرى تفسير : قال عكرمة: ومن رباط الخيل الأناث وهو قول الفراء، ووجه هذا القول أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطاً واحدها ربيط، ويجمع ربط على رباط وهو جمع الجمع، / فمعنى الرباط ههنا، الخيل المربوط في سبيل الله، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول، هذا ما ذكره الواحدي. ولقائل أن يقول: بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى، لأن المقصود من رباط الخيل المحاربة عليها، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فكانت المحاربة عليها أسهل، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً، سواء كان من الفحول أو من الإناث، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: {ترهبون به عدو الله وعدوكم} وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم، وذلك الخوف يفيد أموراً كثيرة: أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام. وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية. وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعياً لهم إلى الإيمان. ورابعها: أنهم لا يعينون سائر الكفار. وخامسها: أن يصير ذلك سبباً لمزيد الزينة في دار الإسلام. ثم قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن } والمراد أن تكثير آلات الجهاد وأدواتها كما يرهب الأعداء الذين نعلم كونهم أعداء، كذلك يرهب الأعداء الذين لا نعلم أنهم أعداء، ثم فيه وجوه: الأول: وهو الأصح أنهم هم المنافقون، والمعنى: أن تكثير أسباب الغزو كما يوجب رهبة الكفار فكذلك يوجب رهبة المنافقين. فإن قيل: المنافقون لا يخافون القتال فكيف يوجب ما ذكرتموه الإرهاب؟ قلنا: هذا الإرهاب من وجهين: الأول: أنهم إذا شاهدوا قوة المسلمين وكثرة آلاتهم وأدواتهم انقطع عنهم طمعهم من أن يصيروا مغلوبين، وذلك يحملهم على أن يتركوا الكفر في قلوبهم وبواطنهم ويصيروا مخلصين في الإيمان، والثاني: أن المنافق من عادته أن يتربص ظهور الآفات ويحتال في إلقاء الإفساد والتفريق فيما بين المسلمين، فإذا شاهد كون المسلمين في غاية القوة خافهم وترك هذه الأفعال المذمومة. والقول الثاني: في هذا الباب ما رواه ابن جريج عن سليمان بن موسى قال: المراد كفار الجن. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ وَمِن } فقال إنهم الجن. ثم قال: «حديث : إن الشيطان لا يخبل أحداً في دار فيها فرس عتيق»تفسير : وقال الحسن: صهيل الفرس يرهب الجن، وهذا القول مشكل، لأن تكثير آلات الجهاد لا يعقل تأثيره في إرهاب الجن. والقول الثالث: أن المسلم كما يعاديه الكافر، فكذلك قد يعاديه المسلم أيضاً، فإذا كان قوي الحال كثير السلاح، فكما يخافه أعداؤه من الكفار، فكذلك يخافه كل من يعاديه مسلماً كان أو كافراً. ثم إنه تعالى قال: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وهو عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } قال ابن عباس: يوف لكم أجره، أي لا يضيع في الآخرة أجره، ويعجل الله عوضه في الدنيا {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون من الثواب، ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوله تعالى: {أية : اتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا }تفسير : [الكهف: 33].
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ} أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوّة للأعداء بعد أن أكّد تقدمة التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتَّفْل في وجوههم وبحَفْنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنه أراد أن يبتَلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ. وكلما تعدّه لصديقك من خير أو لعدوّك من شر فهو داخل في عدّتك. قال ٱبن عباس: القوّة هٰهنا السلاح والقِسِيّ. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «حديث : وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوة ألاَ إن القوة الرّميُ ألاَ إن القوة الرّميُ ألاَ إن القوة الرّمي»تفسير : . وهذا نصٌّ رواه عن عقبة أبو عليّ ثمامةُ بن شُفَيٍّ الهَمْدانيّ، وليس له في الصحيح غيره. وحديث آخر في الرّمي عن عقبة أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : سَتُفتح عليكم أرَضُون ويكفيكم الله فلا يَعْجِز أحدكم أن يَلْهُوَ بأسهمه»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلُّ شيء يَلْهُو به الرجل باطل إلا رَمْيَه بقوسه وتأديبَه فرسَه وملاعبته أهلَه فإنه من الحق»تفسير : . ومعنى هذا والله أعلم: أن كل ما يتلهّى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدةً فهو باطل، والإعراض عنه أوْلى. وهذه الأُمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهّى بها ويَنْشَط، فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعاً من مَعاوِن القتال. وملاعبة الأهل قد تؤدّي إلى ما يكون عنه ولد يوحّد الله ويعبده؛ فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق. وفي سنن أبي داود والترمذيّ والنَّسَائِيّ عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامِي ومُنْبَله»تفسير : . وفضل الرّمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين، ونكايته شديدة على الكافرين. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا بني إسماعيل ٱرْمُوا فإن أباكم كان رامياً»تفسير : . وتعلُّم الفروسِيّة واستعمالُ الأسلحة فرض كفاية. وقد يتعيّن. الثانية ـ قوله تعالى: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} وقرأ الحسن وعمرو بن دِينار وأبو حَيْوَةَ «ومِن رُبُط الخيل» بضم الراء والباء، جمع رباط؛ ككتاب وكُتُب قال أبو حاتم عن ٱبن زيد: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها، وجماعته رُبُط. وهي التي ترتبط؛ يقال منه: رَبط يرْبِط ربْطاً. وارتبط يرتبط ٱرتباطاً. ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدوّ. قال الشاعر:شعر : أمر الإلۤهُ برَبْطها لعدوّه في الحرب إنّ اللَّه خير موفِّقِ تفسير : وقال مكحول بن عبد الله:شعر : تلومُ على رَبْطِ الجياد وحَبْسِها وأوْصَى بها اللَّهُ النبيَّ محمداً تفسير : ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة. وكان لعُروة البارِقيّ سبعون فرساً مَعدّة للجهاد. والمستحب منها الإناث؛ قاله عكرمة وجماعة. وهو صحيح؛ فإن الأُنثى بطنها كنز وظهرُها عِزّ وفرس جبريل كان أُنثى. وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وِزر»تفسير : الحديث. ولم يخص ذكراً من أُنثى. وأجودها أعظمها أجراً وأكثرها نفعاً. وقد حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الرقاب أفضلُ؟ فقال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها»تفسير : . وروى النَّسائيّ عن أبي وهب الجُشَمِيّ ـ وكانت له صحبة ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تسمّوا بأسماء الأنبياء وأحبُّ الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وٱرتبطوا الخيل وٱمسحوا بنواصيها وأكفالها وقلّدوها ولا تقلّدوها الأوتار وعليكم بكل كُمَيت أغرَّ مُحَجَّل أو أشقر أغرّ محجّل أو أدهم أغر محجل»تفسير : . وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خير الخيل الأدهمُ الأقْرَحُ الأرْثَم ثم الأقرح المحجَّل طَلْق اليمين فإن لم يكن أدْهَمَ فكُميت على هذه الشِّيَة»تفسير : . ورواه الدارميّ عن أبي قتادة أيضاً، حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أُريد أن أشتري فرساً، فأيّها أشتري؟ قال: «ٱشتر أدهَم أرْثم محجّلاً طَلْق اليد اليمنى أو من الكُميت على هذه الشِّيَة تَغْنم وتسلم».حديث : وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشِّكال من الخيلتفسير : . والشكال: أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى. خرّجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. ويذكر أن الفرس الذي قُتل عليه الحسين بن عليّ رضي الله عنهما كان أشكل. الثالثة ـ فإن قيل: إن قوله {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} كان يكفي؛ فلِمَ خص الرّمي والخيل بالذكر؟ قيل له: إن الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها التي عُقِد الخير في نواصيها، وهي أقوى القوّة وأشد العُدّة وحصون الفرسان، وبها يجال في الميدان، خصّها بالذكر تشريفاً، وأقسم بغبارها تكريماً. فقال: {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} تفسير : [العاديات: 1] الآية. ولما كانت السّهام من أنجع ما يُتعاطى في الحروب والنِّكايةِ في العدوّ وأقربِها تناولاً للأرواح، خصّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها. ونظير هذا في التنزيل؛ «وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ» ومثلُه كثير. الرابعة ـ وقد ٱستدلّ بعض علمائنا بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان لها عُدّة للأعداء. وقد ٱختلف العلماء في جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على قولين: المنع، وبه قال أبو حنيفة. والصحة، وبه قال الشافعيّ رضي الله عنه. وهو أصح؛ لهذه الآية، ولحديث ٱبن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد: «حديث : وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله»تفسير : الحديث. وما رُوي حديث : أن ٱمرأة جعلت بعيراً في سبيل الله، فأراد زوجها الحج، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دفعيه إليه ليحُج عليه فإن الحج من سبيل الله»تفسير : . ولأنه مال يُنتفع به في وجه قُربة؛ فجاز أن يوقف كالرِّباع. وقد ذكر السُّهيليّ في هذه الآية تسمية خيلِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وآلة حربه. من أرادها وجدها في كتاب الأعلام. الخامسة ـ قوله تعالى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} يعني تُخيفون به عدوّ الله وعدوّكم من اليهود وقريش وكفار العرب. {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} يعني فارس والروم؛ قاله السُّدِّي. وقيل: الجنّ. وهو ٱختيار الطبري. وقيل: المراد بذلك كلُّ من لا تُعرف عداوته. قال السُّهيلِيّ: قيل هم قُريظة. وقيل: هم من الجنّ. وقيل غير ذلك. ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء؛ لأن الله سبحانه قال: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}؛ فكيف يدّعي أحد علما بهم، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله في هذه الآية: «هم الجنّ». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشيطان لا يخبلُ أحداً في دار فيها فرس عتيق»تفسير : وإنما سُمّيَ عتيقاً لأنه قد تخلّص من الهِجانة. وهذا الحديث أسنده الحارث بن أبي أُسامة عن ٱبن المُلَيْكي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي: أن الجنّ لا تقرب داراً فيها فرس، وأنها تنفِر من صَهيل الخيل. السادسة ـ قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ} أي تتصدّقوا. وقيل: تنفقوه على أنفسكم أو خيلكم. {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} في الآخرة، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {وَأَعِدُّواْ} أيها المؤمنون {لَهُمْ} لناقضي العهد أو الكفار. {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ} من كل ما يتقوى به في الحرب. وعن عقبة بن عامر سمعته عليه الصلاة والسلام يقول على المنبر «حديث : ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً» تفسير : ولعله عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر لأنه أقواه. {وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، فعال بمعنى مفعول أو مصدر سمي به يقال ربط ربطاً ورباطاً ورابط مرابطة ورباطاً، أو جمع ربيط كفصيل وفصال. وقرىء «ربط الخيل» بضم الباء وسكونها جمع رباط وعطفها على القوة كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة. {تُرْهِبُونَ بِهِ} تخوفون به، وعن يعقوب {تُرْهِبُونَ} بالتشديد والضمير لـ {مَّا ٱسْتَطَعْتُم } أو للإِعداد. {عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} يعني كفار مكة. {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} من غيرهم من الكفرة. قيل هم اليهود وقيل المنافقون وقيل الفرس. {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} لا تعرفونهم بأعيانهم. {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} يعرفهم. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه. {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بتضييع العمل أو نقص الثواب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ } لقتالهم {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } قال صلى الله عليه وسلم «حديث : هي الرمي»تفسير : رواه مسلم {وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ } مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله {تُرْهِبُونَ } تُخَوِّفون {بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } أي كفار مكة {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي غيرهم وهم المنافقون أو اليهود {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } جزاؤه {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } تنقصون منه شيئاً.
ابن عطية
تفسير : المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، والضمير في قوله {لهم} عائد على الذين ينبذ إليهم العهد، أو على الذين لا يعجزون على تأويل من تأول ذلك في الدنيا، ويحتمل أن يعيده على جميع الكفار المأمور بحربهم في ذلك الوقت ثم استمرت الآية في الأمة عامة، إذ الأمر قد توجه بحرب جميع الكفار وقال عكرمة مولى ابن عباس: "القوة" ذكور الخيل و "الرباط" إناثها، وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة: القوة الرمي واحتجت بحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" تفسير : ثلاثاً، وقال السدي: القوة السلاح، وذهب الطبري إلى عموم اللفظة، وذكر عن مجاهد أنه رئي يتجهز وعنده جوالق فقال: هذا من القوة. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، و {الخيل} والمركوب في الجملة والمحمول عليه من الحيوان والسلاح كله والملابس الباهتة والآلات والنفقات كلها داخلة في القوة، وأمر المسلمون بإعداد ما استطاعوا من ذلك، ولما كانت الخيل هي أصل الحروب وأوزارها والتي عقد الخير في نواصيها وهي أقوى القوة وحصون الفرسان خصها الله بالذكر تشريفاً على قوله {أية : من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل} تفسير : [البقرة:98] وعلى نحو قوله {أية : فاكهة ونخل ورمان} تفسير : [الرحمن:68] وهذا كثير، ونحوه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، تفسير : هذا في البخاري وغيره، وقال في صحيح مسلم "حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً"تفسير : ، فذكرت التراب على جهة التحفي به إذ هو أعظم أجزاء الأرض مع دخوله في عموم الحديث الآخر، ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحرب وأنكاه في العدو وأقربه تناولاً للأرواح خصها رسول الله صلى الله عيله وسلم بالذكر والتنبيه عليها، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد الثلاثة من المسلمين الجنة، صانعه والذي يحتسب في صنعته والذي يرمي به" تفسير : وقال عمرو بن عنبسة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من رمى بسهم في سبيل الله أصاب العدو أو أخطأ فهو كعتق رقبة " تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا " تفسير : . و {رباط الخيل} جمع ربط ككلب وكلاب، ولا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة، ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من ربط كصاح صياحاً ونحوه لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس، وإن جعلناه مصدراً من رابط فكأن ارتباط الخيل واتخاذها يفعله كل واحد لفعل آخر له فترابط المؤمنون بعضهم بعضاً، فإذا ربط كل واحد منهم فرساً لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط، وذلك الذي حض في الآية عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ارتبط فرساً في سبيل الله فهو كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها " تفسير : ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة "من رُبُط" بضم الراء والباء وهو جمع رباط ككتاب وكُتُب، كذا نصبه المفسرون وفي جمعه وهو مصدر غير مختلف نظر و {ترهبون} معناه تفزعون وتخوفون، والرهبة الخوف، قال طفيل الغنوي: [البسيط] شعر : ويلُ أم حيّ دفعتم في نحورهمُ بني كلاب غداة الرعب والرهب تفسير : ومنه راهب النصارى، يقال رهب إذا خاف، فـ {ترهبون} معدى بالهمزة، وقرأ الحسن ويعقوب "تُرَهّبون" بفتح الراء وشد الهاء معدى بالتضعيف، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء, قال أبو حاتم: وزعم عمرو أن الحسن قرأ "يرهبون" بالياء من تحت وخففها، فهو على هذا المعدى بالتضعيف، وقرأ ابن عباس وعكرمة "تخزون به عدو الله". قال القاضي أبو محمد: ذكرها الطبري تفسيراً لا قراءة، وأثبتها أبو عمرو الداني قراءة، وقوله {عدو الله وعدوكم} ذكر الصفتين وإن كانت متقاربة إذ هي متغايرة المنحى، وبذكرهما يتقوى الذم وتتضح وجوه بغضنا لهم, وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي "عدواً لله" بتنوين عدو وبلام في المكتوبة’ والمراد بهاتين الصفتين من قرب وصاقب من الكفار وكانت عداوته متحركة بعد، ويجوز أن يراد بها جميع الكفار ويبين هذا من اختلافهم في قوله {وآخرين من دونهم} الآية، قال مجاهد الإشارة بقوله {وآخرين} إلى قريظة، وقال السدي: إلى أهل فارس، وقال ابن زيد: الإشارة إلى المنافقين، وقالت فرقة: الإشارة إلى الجن، وقالت فرقة: هم كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا الخلاف إنما ينبغي أن يترتب على ما يتوجه من المعنى في قوله {لا تعلمونهم} فإذا حملنا قوله {لا تعلمونهم} على عمومه ونفينا علم المؤمنين بهذه الفرقة المشار إليها جملة واحدة كان العلم بمعنى المعرفة لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد لم يثبت من الخلاف في قوله {آخرين} إلا قول من قال الإشارة إلى المنافقين وقول من قال: الإشارة إلى الجن، وإذا جعلنا قوله {لا تعلمونهم} محاربين أو نحو هذا مما تفيد به نفي العلم عنهم حسنت الأقوال، وكان العلم متعدياً إلى مفعولين. قال القاضي أبو محمد: هذا الوجه أشبه عندي، ورجح الطبري أن الإشارة إلى الجن وأسند في ذلك ما روي من أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس الجهاد ونحو هذا، وفيه على احتماله نظر، وكان الأهم في هذه الآيات أن يبزر معناها في كل ما يقوي المسلمين على عدوهم من الإنس وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين على عدوهم من الإنس وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين هي النافعة للإسلام وأهله, ورهبة الجن وفزعهم لا غناء له في ظهور الإسلام، بل هو تابع لظهور الإسلام وهو أجنبي جداً والأولى أن يتأول المسلمين إذا ظهروا وعزوا هابهم من جاورهم من العدو المحارب لهم، فإذا اتصلت حالهم تلك بمن بعد من الكفار داخلته الهيبة وإن لم يقصد المسلمون إرهابهم فأولئك هم الآخرون، ويحسن أن يقدر قوله {لا تعلمونهم} بمعنى لا تعلمونهم فازعين راهبين ولا تظنون ذلك بهم، والله تعالى يعلمهم بتلك الحالة، ويحسن أيضاً أن تكون الإشارة إلى المنافقين على جهة الطعن عليهم والتنبيه على سوء حالهم وليستريب بنفسه كل من يعلم منها نفاقاً إذا سمع الآية، ولفزعهم ورهبتهم غناء كثير في ظهور الإسلام وعلوه، وقوله {من دونهم} بمنزلة قولك دون أن يكون هؤلاء فـ "دون" في كلام العرب و "من دون" يقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة التي هي فيها القول، ومنه المثل: شعر : وأمر دون عبيدة الوذم تفسير : تفضل تعالى بعدة المؤمنين على إنفاقهم في سبيل الله بأن النفقة لا بد أن توفى أي تجازى ويثاب عليها، ولزوم هذا هو في الآخرة، وقد يمكن أن يجازي الله تعالى بعض المؤمنين في الدنيا مجازاة مضافة إلى مجازاة الآخرة، وقوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} الآية، الضمير في {جنحوا} هو للذين نبذ إليهم على سواء، وجنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه وأعطى يده فيه، ومنه قيل للأضلاع جوانح لأنها مالت على الحشوة وللخباء جناح وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير وقال ذو الرمة: شعر : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح تفسير : وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض ومنه قول النابغة: [الطويل] شعر : جوانح قد أيقنَّ أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أول غالب تفسير : أي موائل، وقال لبيد: [الوافر] شعر : جنوح الهالكيِّ على يديه مكبّاً يجتلي نُقَبَ النصال تفسير : وقرأ جمهور الناس "للسَّلم" بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر "للسِّلم" بكسرها وشدها هما لغتان في المسالمة، ويقال أيضاً "السَّلَم" بفتح السين واللام ولا أحفظها قراءة، وقرأ جمهور الناس "فاجنَح" بفتح النون وهي لغة تميم، وقرأ الأشهب العقيلي "فاجنُح" وهي لغة قيس بضم النون، قال أبو الفتح وهذه القراءة هي القياس، لأن فعل إذا كان غير متعد فمستقبله يفعل بضم العين أقيس قعد يقعد أقيس من جلس يجلس، وعاد الضمير في {لها} مؤنثاً إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة، وقيل السلم مؤنثة كالحرب ذكره النحاس، وقال أبو حاتم يذكر السلم، وقال قتادة والحسن بن أبي الحسن وعكرمة وابن زيد: هذه الآية منسوخة بآيات القتال في براءة. قال القاضي أبو محمد: وقد يحتمل ألا يترتب نسخها بأن يعني بهذه من تجوز مصالحته وتبقى تلك في براءة في عبدة الأوثان وإلى هذا ذهب الطبري وما قالته الجماعة صحيح أيضاً إذا كان الجنوح إلى سلم العرب مستقراً في صدر الإسلام فنسخت ذلك آية براءة ونبذت إليهم عهودهم، وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} تفسير : [آل عمران:139] الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من أن يقوله ابن عباس رضي الله عنه، لأن الآيتين مبينتان، وقوله {وتوكل على الله} أمر في ضمنه وعد.
ابن عبد السلام
تفسير : {قُوَّةٍ} السلاح، أو التظافر واتفاق الكلمة، أو الثقة بالله ـ تعالى ـ والرغبة إليه، أو الرمي مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو ذكور الخيل. {رِّبَاطِ الْخَيْلِ} إناثها، أو رباطها: الذكور والإناث عند الجمهور {عَدُوَّ اللَّهِ} بالكفر {وَعَدُوَّكُمْ} بالمباينة، أو عدو الله: هو عدوكم، لأن عدو الله ـ تعالى ـ عدو لأوليائه. {لا تَعْلَمُونَهُمُ} بنو قريظة، أو المنافقون، أو أهل فارس، أو الشياطين، أو من لا تعرفون عداوته على العموم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ } المخاطبةُ في هذه الآية لجميع المؤمنين، وفي «صحيحِ مُسْلِمْ»: « أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلاَ إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْي » ولما كانت الخيلُ هي أصْل الحرب، وأَوزَارَهَا، والتي عُقِدَ الخيرُ في نواصيها، خَصَّها اللَّه تعالى بالذكْرِ، تشريفاً لها، ولما كانت السهامُ من أنجع ما يُتعاطَى في الحرب وأَنْكَاه في العدو وأَقْربه تناولاً للأرواح، خَصَّها صلى الله عليه وسلم بالذكْرِ والتنبيهِ عليها. * ت *: وفي «صحيح مسلم»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ، وَتَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَو قَدْ عَصَى »تفسير : ، وفي «سنن أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيِّ»، عن عُقْبة بن عامر، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « حديث : إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخلُ بالسَّهْم الوَاحِدِ ثَلاَثَةَ أَنُفُسٍ الجَنَّة؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ في صَنْعَتِهِ الخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنْبِلَهُ، فَٱرْمُوا وَٱرْكَبُوا، وأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَن تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ، بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهَ بَقْوسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلاَعَبَتَهُ ٱمْرَأَتَهُ » تفسير : . انتهى. ورباطُ الخيل: مصدَرٌ مِنْ رَبَط، ولا يكثُرُ رَبْطُها إِلاَّ وهيَ كثيرةٌ، ويجوز أنْ يكون مصدراً من رَابَطَ، وإِذا رَبَطَ كلُّ واحد من المؤمنين فرساً لأجل صاحبه، فقد حَصَلَ بينهم رباطٌ، وذلك الذي حضَّ عليه في الآية، وقد قال عليه السلام: « حديث : مَنْ ٱرْتَبَطَ فَرَساً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَالبَاسِطِ يَدَهُ بِالصَّدَقَةِ لاَ يَقْبِضُهَا »تفسير : والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ. * ت *: وقد ذكرنا بعْضَ ما وردَ في فَضْلِ الرباط في آخر «آل عمران»؛ قال صاحبُ «التذكرة»: وعن عثمانَ بْنِ عَفَّانَ، قالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « حديث : مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهِا »تفسير : ، وعن أبي بن كعب، قال: قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لَربَاطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَة المُسْلِمينَ مُحْتَسِباً مِنْ غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَان - أَعْظَمُ أَجْراً مِنْ عِبَادَةِ مِائَةِ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا، وَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ المُسْلِمينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان - أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وأَعْظَمُ أَجْراً - أَراهُ قَالَ: مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِيْ سَنَةٍ؛ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا - فَإِنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ سالِماً، لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ أَلْفَ سَنَةٍ، ويُكْتَبُ لَهُ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَجْرِي لَهُ أَجْرُ الرِّبَاطِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ »تفسير : ، قال القرطبيُّ في «تذكرته»: فدلَّ هذا الحديثُ على أن رباط يومٍ في رمضانَ يحصِّل له هذا الثوابَ الدائمَ، وإِنْ لم يَمُتْ مرابطاً. خرَّج هذا الحديث، والذي قبله ابنُ مَاجَه. انتهى من «التذكرة». و{تُرْهِبُونَ }: معناه: تخوِّفون وتفزِّعون، والرهبة: الخَوْف: وقوله: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ}، فيه أقوال: قيل: هم المنافِقُونَ، وقيل: فَارس، وقيل: غير هذا. قال * ع *: ويحسُنُ أن يقدَّر قوله: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ}، بمعنى: لا تَعْلَمُونهم فَازِعِينَ رَاهِبينَ. وقال * ص *: لا تعلمُونَهُمْ بمعنى: لا تَعْرِفُونهم، فيتعدَّى لواحدٍ، ومَنْ عدَّاه إِلى ٱثْنَيْن، قدَّره: محاربين، واستُبْعِدَ؛ لعدم تقدُّم ذكره، فهو ممنوعٌ عند بعضهم، وعزيزٌ جدًّا عند بعضهم انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}. لمَّا أوجب على رسوله أن يُشرِّد من صدر منه نقض العهدِ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النَّقض أمره في هذا الآية بالإعداد للكُفَّارِ. وقيل: إنَّ الصحابة لمَّا قصدوا الكفار يوم بدر بلا آلة ولا عدة أمرهم الله تعالى ألاَّ يعودوا لمثله، وأن يعدُّوا للكفار ما أمكنهم من آلة وعدة وقوة. والإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. والمراد بالقوة: الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاح. قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - على المنبر "حديث : ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّمي ألا إنَّ القُوَّة الرَّميُ ". تفسير : وقال بعضهم: القوة هي الحصون. وقال أهل المعاني: هذا عام في كل ما يتقوى به على الحرب. وقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : القُوَّةُ هي الرَّمْيُ"تفسير : لا ينفي كون غير الرمي معتبراً، كقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : الحَجُّ عرفة"تفسير : و "حديث : النَّدمُ توْبةٌ"تفسير : لا ينفي اعتبار غيره. فإن قيل: قوله: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم} كان يكفي، فلم خصَّ الرمي والخيل بالذكر؟. فالجوابُ: أنَّ الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها الَّتي عقد الخير في نواصيها، وهي أقوى الدّواب وأشد العدة وحصون الفرسان، وبها يُجالُ في الميدان، خصَّها بالذِّكر تشريفاً وأقسم بغبارها تكريماً، فقال: {أية : وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}تفسير : [العاديات: 1] الآياتُ، ولمَّا كانت السهامُ من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدوِّ، وأقربها تناولاً للأرواح، خصَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها؛ ونظير هذا قوله تعالى: {أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}تفسير : [البقرة: 89] بعد ذكر الملائكة، ومثله كثير. قوله "مِن قُوَّةٍ" في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنَّهُ الموصول، والثاني: أنه العائد عليه، إذ التقديرُ: ما استطعتموه حال كونه بعض القوة، ويجوزُ أن تكون "مِنْ" لبيان الجِنْسِ. قوله: "ومِن ربَاطِ"، جوَّزُوا فيه أن يكون جمع "رَبْط" مصدر: رَبَط يَربط، نحو: كَعْب وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، وأن يكُون مصدراً لـ "رَبَطَ"، نحو: صَاحَ صِيَاحاً. قالوا: لأنَّ مصادر الثلاثي لا تنقاس، وأن يكون مصدر: "رَابِط"، ومعنى المفاعلة: أنَّ ارتباط الخيل يفعله كلُّ واحد لفعل الآخر، فيرابط المؤمنون بعضهم بعضاً، قال معناه ابن عطيَّة. قال أبُو حيَّان: قوله "مصادرُ الثلاثي غير المزيد لا تَنْقَاسُ" ليس بصحيحٍ، بل لها مصادر منقاسةٌ ذكرها النحويون. قال شهابُ الدِّين: "في المسألة خلافٌ مشهور، وهو لم ينقل الإجماع على عدم القياسِ حتى يرُدَّ عليه بالخلاف؛ فإنَّهُ قد يكون اختيار أحد المذاهب، وقال به، فلا يُردُّ عليه بالقول الآخر". وقال الزمخشريُّ: "والرِّباط: الخَيْلُ التي تُرْبط في سبيل الله ويجوز أن يُسمَّى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوزُ أن يكون جمع: رَبيط يعني: بمعنى مَربُوط، كـ: فَصِيل وفِصَال. والمصدرُ هنا مضافٌ لمفعوله" وقرأ الحسنُ، وأبو حيوة، ومالك بن دينار: "ومِنْ رُبُط" بضمتين، وعن الحسن أيضاً "رُبْط" بضم وسكون، نحو: كتاب وكُتْب. قال ابنُ عطيَّة "وفي جَمْعه، وهو مصدرٌ غيرُ مختلفٍ نظرٌ". قال شهابُ الدِّين "لا نُسَلِّم والحالةُ هذه أنه مصدر، بل حكى أبو زيدٍ أنَّ "الرِّبَاط" الخمسةُ من الخيلِ فما فوقها، وأن جمعها "رُبُط" ولو سُلِّم أنَّهُ مصدرٌ فلا نُسَلِّم أنَّهُ لم تختلف أنواعه، وقد تقدَّم أنَّ "رباطاً" يجوزُ أن يكون جمعاً لـ "رَبْط" المصدر، فما كان جواباً هناك، فهو جوابٌ هنا". فصل قال القرطبي: "روى أبُو حاتمٍ عن أبي زيد: الرِّباطُ من الخيل: الخَمْسُ فما فوقها، وجماعته "رُبُط"، وهي التي ترتبط، يقال منه: رَبَطَ يَرْبط ربطاً، وارتبط يرتبط ارتباطاً ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو" قال: [الكامل] شعر : 2728 - أمَرَ الإلهُ بربْطِهَا لِعَدُوِّهِ في الحَرْبِ إنَّ اللَّهَ خَيْرُ مُوفِّقِ تفسير : روي أنَّ رجلاً قال لابن سيرين: إنَّ فلاناً أوْصَى بثلثِ ماله للحصون، فقال: هي للخيل؛ ألم تسمع قول الشاعر: [الكامل] شعر : 2729 - ولَقَدْ علِمْتُ عَلَى تَجَنُّبِيَ الرَّدَى أنَّ الحُصُونَ الخَيْلُ لا مَدَرُ القُرَى تفسير : قال عكرمة: "رباط الخَيْلِ: الإناث" وهو قول الفرَّاء؛ لأنها اولى ما يربط لتناسلها ونمائها، ذكرهُ الواحديُّ. ولقائل أن يقول: بل حمل اللَّفظ على الفُحُولِ أولى؛ لأنَّ المقصود برباط الخَيْلِ المحاربة عليها، والفحول أقوى على الكر والفر والعدو، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها. ولمَّا تعارض هذان الوجهان وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي، وهو كونه خيلاً مربوطاً سواء كانت فحولاً أو إناثاً. وروي عن خالد بن الوليد "أنه كان لا يركبُ في القتال إلا الإناث، لقلَّة صهيلها". روى ابن محيريز قال: "كان الصَّحابةُ يستحبُّون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند الشتات والغارات". قال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : الخَيْلُ مَعْقُودٌ بنواصيها الخَيْرُ إلى يومِ القيامةِ الأجْرُ والمَغْنَمُ"تفسير : وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَن احتبس فرساً في سبيل اللَّهِ إيماناً باللَّهِ، وتصْديقاً بوعْدِهِ، كان شبعه وريُّةُ وبولُهُ حسنات في ميزانِهِ يوْمَ القيامةِ ". تفسير : فصل وهذه الآية تدل على جواز وقف الخيل والسلاح، واتخاذ الخزائن والخزان [لها عدة] للأعداء، ويؤيدهُ حديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقوله عليه الصلاة والسلام في حقِّ خالد: "وأمَّا خَالدٌ فإِنَّكُم تَظْلمُونَ خالِداً فإنَّه قَد احْتبسَ أدْراعَهُ وأعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ". وما روي أنَّ امرأة جعلت بعيراً في سبيل اللَّهِ، فأرادَ زوجُها الحجَّ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحجَّ فريضةٌ من اللَّهِ"؛ ولأنَّهُ مال ينتفع به في وجه قربة، فجاز أن يوقف كالرباع. ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء. فقال: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}؛ لأنَّ الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد، مستعدين له بجميع الأسلحة والآلات هابوهم. قوله "تُرْهِبُونَ" يجوزُ أن يكون حالاً من فاعل: "أعِدُّوا"، أي: حَصِّلُوا لهم هذا حال كونكم مُرْهِبين، وأن يكُون حالاً من مفعوله، وهو الموصولُ، أي: أعِدُّوه مُرْهَباً بِهِ. وجاز نسبته لكلٍّ منهما؛ لأنَّ في الجملة ضميريها، هذا إذا أعدنا الضمير من "بِهِ" على "ما" الموصولة، أمَّا إذا أعَدْنَاه على الإعدادِ المدلُولِ عليه بـ "أعِدُّوا"، أو على "الرِّباط"، أو على: "القُوَّةِ" بتأويل الحول؛ فلا يتأتَّى مجيئُها من الموصول، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير "لَهُمْ"، كذا نقله أبو حيَّان عن غيره، فقال: "تُرْهبون" قالوا: حال من ضمير "أعِدُّوا"، أو من ضمير "لهم"، ولم يتعقَّبْهُ بنكير، وكيف يصحُّ جعله حالاً من الضمير في "لَهُمْ" ولا رابط بينهما؟ ولا يصحُّ تقدير ضمير في جملة "تُرهبون" لأخذه معموله. وقرأ الحسنُ ويعقوبُ، ورواها ابن عقيل عن أبي عمرو: "تُرَهِّبُون" مضعَّفاً عدَّاه بالتضعيف، كما عدَّاه العامَّةُ بالهمزةِ، والمفعول الثَّاني على كلتا القراءتين محذوف؛ لأنَّ الفعل قبل النَّفْلِ بالهمزة، أو بالتَّضعيف متعدٍّ لواحد، نحو: "رَهَّبْتُك" والتقدير: تُرهِّبون عدوَّ اللَّه قتالكم، أو لقاءكم. وزعم أبو حاتم أنَّ أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف "يُرْهبون"، وهي قراءة واضحة، فإنَّ الضمير حينئذٍ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير "لَهُمْ"، فإنَّهُم إذا خافوا خَوَّفُوا من وراءهم. قوله "عَدُوَّ اللَّهِ" العامَّة قرءوا بالإضافة، وقرأ السلميُّ منوناً، و "لِلَّه" بلام الجرِّ، وهو مفرد، والمراد به الجنس، فمعناه: أعداء لله. قال صاحبُ اللَّوامح "وإنما جعله نكرةً بمعنى العامَّة؛ لأنَّها نكرةٌ أيضاً لم تتعرَّف بالإضافة إلى المعرفة؛ لأنَّ اسم الفاعل بمعنى الحالِ، أو الاستقبال، ولا يتعرَّف ذلك وإن أضيف إلى المعارف، وأمَّا "وعَدُوَّكُمْ" فيجوزُ أن يكون كذلك نكرة، ويجوز أن يتعرَّف لأنه قد أُعيد ذكره، ومثله: رأيت صاحباً لكم، فقال لي صاحبكم" يعني: أن "عَدُوًّا" يجوز أن يُلمحَ فيه الوصفُ فلا يتعرَّف، وألاَّ يلمح فيتعرف. قوله "وآخَرِينَ" نسق على "عَدُوَّ اللَّهِ"، و "مِن دُونِهِمْ" صفة لـ "آخرينَ". قال ابن عطيَّة: "مِن دُونِهم" بمنزلة قولك: دون أن تكون هؤلاء، فـ "دون" في كلام العربِ، و "مِنْ دُونِ" تقتضي عدم المذكور بعدها من النَّازلة التي فيها القول؛ ومنه المثل: [الكامل] شعر : 2730-...................... وأمِرَّ دُونَ عُبَيْدةَ الوَذَمُ تفسير : يعني: أنَّ الظَّرفية هنا مجازية، لأنَّ "دون" لا بد أن تكون ظرفاً حقيقة، أو مجازاً. قوله {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} في هذه الآية قولان: أحدهما: أنَّ "علم" هنا متعدِّيةٌ لواحدٍ؛ لأنها بمعنى "عرف"، ولذلك تعدَّت لواحد. والثاني: أنَّها على بابها، فتتعدى لاثنين، والثاني محذوفٌ، أي: لا تعلمونهم فازعين، أو محاربين. ولا بُدَّ هنا من التَّنبيه على شيءٍ، وهو أنَّ هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله "اللَّهُ يَعْلمُهُم" بل يجب أن يقال: إنَّها المتعدية إلى اثنين، وأنَّ ثانيهما محذوف، لما تقدَّم من الفرق بين العِلْم والمعرفة. منها: أنَّ المعرفة تستدعي سَبْقَ جهل، ومنها: أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد نصَّ العلماءُ على أنهُ لا يجوزُ أن يطلق ذلك - أعني الوصف بالمعرفةِ - على اللَّهِ تعالى. فصل قوله تعالى: {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ}. قال الحسن وابن زيد: "هم المُنافقون". "لا تعلمُونَهم"؛ لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله وقال مجاهدٌ ومقاتل: "هم بنُو قريظة" وقال السديُّ: "هم أهل فارس". وروي ابنُ جريجٍ عن سلمان بن موسى قال: هم كُفَّارُ الجِن، لما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وآخرين من دُونهم لا تَعْلمُونَهُم} فقال: إنَّهم الجنُّ، ثم قال: "إنَّ الشَّيطانَ لا يُخَبِّل أحداً في دار فيها فرس حبيس"تفسير : وعن الحسنِ: أنه قال:"حديث : صهيلُ الفرس يرهب الجن ". تفسير : وقيل: المرادُ العدو من المسلمين، فكما أنَّ المسلم يعاديه الكافر، فقد يعاديه المسلم أيضاً. ثم قال تعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فهذا عام في الجهادِ وفي سائر وجوه الخيرات: "يُوفَّ إليْكُم". قال ابنُ عبَّاسٍ: "يُوفَّ لكُم أجره" أي: لا يضيع في الآخرة أجره؛ {وَأَنتُمْ لا تُظلَمُونَ} أي: لا تنقصون من الثَّواب. ولما ذكر ابن عباس هذا التفسير تلا قوه تعالى {أية : آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً}تفسير : [الكهف: 33]. قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} الآية. لمَّا بيَّن ما يرهب به العدو من القوة، بيَّن بعده أنَّهم عند هذا الإرهاب إذا مالوا إلى المصالحة، فالحكمُ قبولُ المصالحِة، والجنوحُ: المَيْلُ، وجَنَحَتِ الإبلُ: أمالت أعناقها؛ قال ذو الرُّمَّةِ: [الطويل] شعر : 2731 - إذَا مَاتَ فوقَ الرَّحْلِ أحْيَيْتِ رُوحَهُ بِذكْراكِ والعِيسُ المَراسِيلُ جُنَّحُ تفسير : يقال: جَنَحَ اللَّيْلُ: أقْبَلَ. قال النضرُ بن شميلٍ: "جنح الرَّجلُ إلى فلانٍ، ولفلان: إذا خضع له" والجُنُوح الاتِّباع أيضاً لِتضمُّنه الميل؛ قال النَّابغة - يصفُ طيراً يتبع الجيش: [الطويل] شعر : 2732 - جَوَانِحُ قَدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلهُ إذا ما التقَى الجَمْعَانِ أوَّلُ غَالِب تفسير : ومنه "الجَوانِحُ" للأضلاع، لميلها على حشوة الشخص، والجناحُ من ذلك، لميلانه على الطَّائر، وقد تقدَّم الكلامُ على بعض هذه المادة في البقرة. قوله "لِلسَّلْمِ" تقدَّم الكلام على "السلم" في البقرة، وقرأ أبو بكر عن عاصم هنا بكسر السين، وكذا في القتال: "وتَدْعُوا إلى السَّلْم"، ووافقه حمزة ما في القتال و "لِلسَّلْمِ" متعلق بـ "جَنَحُوا". فقيل: يتعدَّى بها، وبـ "إلى". وقيل: هنا بمعنى "إلى". وقرأ الأشهبُ العقيليُّ: "فاجْنُحْ" بضمِّ النُّون، وهي لغة قيس، والفتح لغة تميم. والضمير في "لها" يعود على "السلم"؛ لأنَّها تذكَّرُ وتُؤنث؛ ومن التَّأنيث قوله [المتقارب]. شعر : 2733 - وأقْنَيْتُ لِلْحربِ آلاتِهَا وأعْدَدْتُ للسِّلْمِ أوزارَهَا تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 2734 - السِّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا ما رضيتَ بِهِ والحَرْبُ يَكْفيكَ منْ أنْفاسِهَا جُرَعُ تفسير : وقيل: أثبت الهاء في "لها"؛ لأنَّهُ قصد بها الفعلة والجنحة، كقوله: {أية : إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الأعراف: 153] أراد: من بعد فعلتهم. وقال الزمخشريُّ: "السِّلْمُ تُؤنَّث تأنيث نقيضها، وهي الحربُ". وأنشد البيت المتقدم: السِّلم تأخذ منها. فصل قال الحسنُ وقتادةُ: هذه الآية نسخت بقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5]. وقوله {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 29]. وقال غيرهما: ليست منسوخة؛ لكنها تتضمَّنُ الأمر بالصُّلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى مصالحتهم، فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هادن أهل مكَّة عشر سنين، ثم إنهم نقضُوا العهد قبل كمال المُدَّة. وقوله {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: فوِّض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} نبَّه بذلك على الزَّجر عن نقض العهد؛ لأنَّهُ عالم بما يضمر العبد سميع لما يقوله. قال مجاهدٌ: "نزلت في قريظة والنضير" وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. قوله تعالى {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} الآية. أي: يريدوا أن يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهدٌ: يعني: بني قريظة {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: بالأنصارِ. فإن قيل: لما قال: {هو الذي أيَّدك} فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتَّى قال "وبالمؤمنين". فالجوابُ: أنَّ التَّأييدَ ليس إلا من الله، لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معتادة. والثاني: ما يحصلُ بواسطة أسباب معتادة. فالأول: هو المراد بقوله: "أيَّدكَ بنصْرِهِ". والثاني: هو المرادُ بقوله: "وبالمؤمنين". ثم بيَّن كيف أيد بالمؤمنين فقال {وألَّفَ بين قلوبهم} أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وخصومات، ومحاربة في الجاهليَّة، فصيَّرهم الله إخواناً بعد أن كانوا أعداءً، وتبدلت العداوة بالمحبة القوية، والمخالصة التَّامة، ممَّا لا يقدر عليه إلاَّ الله تعالى. {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب، ويقلبها من العداوة إلى الصداقة ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم يقول ما يقوله على وجه الإحكام والإتقان، أو مطابقاً للمصلحة والصَّواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر. فصل احتجوا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد، والإرادات كلها من خلق الله تعالى؛ لأن تلك الألفة، والمودة، إنَّما حصلت بسب الإيمان ومتابعة الرسول - عليه الصلاة والسلام - فلو كان الإيمانُ فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبَّة المترتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك خلاف صريح الآية. قال القاضي: "لَوْلاَ ألطافُ الله تعالى ساعةً فساعةً، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى بهذا التَّأويل، كما يضافُ علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنَّه لم يحصل ذلك إلاَّ بمعونة الأبِ وتربيته، فكذا ههنا". وأجيب: بأن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، وحمل الكلام على المجاز، وأيضاً فكل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكُفار، مثل حصولها في حقِّ المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف؛ لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهانُ العقلي مقوٍّ لهذا الظَّاهر؛ لأن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرَّغْبَةِ بدلاً عن النُّفرة والعكس. فرجحان أحدِ الطَّرفين على الآخر لا بدَّ له من مرجِّح، فإن كان المرجح هو العبدُ عاد التقسيم وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود. فعلم أنَّ صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي، فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو يعقوب اسحق بن إبراهيم القراب في كتاب فضل الرمي. والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر "حديث : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة، ألا أن القوة الرمي ألا أن القوّة الرمي قالها ثلاثاً ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً، إن الأرض ستفتح لكم وتكفون المؤنة، فلا يعجزنَّ أحدكم أن يلهو باسهمه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه. أنه تلا هذه الآية {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة} قال: ألا أن القوّة الرمي. وأخرج ابن المنذر عن مكحول رضي الله عنه قال: ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة، فتعلموا الرمي فإني سمعت الله تعالى يقول {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة} قال: فالرمي من القوّة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة} قال: الرمي والسيوف والسلاح. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة} قال: أمرهم بإعداد الخيل. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل} قال: القوّة ذكور الخيل، والرباط الإِناث. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة} قال: القوّة ذكور الخيل، ورباط الخيل الإِناث. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في الآية قال: القوّة الفرس إلى السهم فما دونه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم} قال: تخزون به عدو الله وعدوكم. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم وهم يرمون، فقال: رميا بني إسمعيل لقد كان أبوكم رامياً ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة. صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله. وقال: ارموا واركبوا وان ترموا خير من أن تركبوا، وقال: كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة، رمية عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله فإنهن من الحق، ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن حرام بن معاوية قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يجاورنكم خنزير، ولا يرفع فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وأدبوا الخيل، وامشوا بين الفرقتين. وأخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقوم من أسلم يرمون فقال "حديث : ارموا بني اسمعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع ابن الأدرع. فأمسك القوم فسألهم؟ فقالوا: يا رسول الله من كنت معه غلب. قال: ارموا وأنا معكم كلكم ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون في السوق فقال "حديث : ارموا يا بني اسمعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان - لاحد الفريقين - فأمسكوا بأيديهم فقال: ارموا...! قالوا: يا رسول الله كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال: ارموا وأنا معكم كلكم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن محمد بن إياس بن سلمة عن أبيه عن جده "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ناس ينتضلون فقال: حسن اللهم مرتين أو ثلاثاً، ارموا وأنا مع ابن الأدرع. فأمسك القوم قال: ارموا وأنا معكم جميعاً، فلقد رموا عامة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضاً ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم والقراب في فضل الرمي عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة. انتضالك بقوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك فإنها من الحق، وقال عليه السلام: انتضلوا واركبوا وان تنتضلوا أحب إليَّ، إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة. صانعه محتسباً، والمعين به، والرامي به في سبيل الله تعالى ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والقراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: حاصرنا قصر الطائف، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من رمى بسهم في سبيل الله فله عدل محرر تفسير : قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً. وأخرج ابن ماجه والحاكم والقراب عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رمى العدوّ بسهم فبلغ سهمه أو أخطأ أو أصاب فعدل رقبة ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم بدر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أكثبوكم فارموا بالنبل واستبقوا نبلكم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد: أنبلوا سعد، أرم يا سعد رمى الله لك، فداك أبي وأمي ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة بنت سعد رضي الله عنها عن أبيها أنه قال: شعر : ألا هل أتى رسول الله أني حميت صحابتي بصدور نبلي تفسير : وأخرج الثقفي في فوائده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلا ثلاثة. لهو الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الملائكة تشهد ثلاثاً. الرمي، والرهان، وملاعبة الرجل أهله ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن أبي الشعثاء جابر بن يزيد رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ارموا واركبوا الخيل، وان ترموا أحب إليَّ، كل لهو لهاية المؤمن باطل إلا ثلاث خلال. رميك عن قوسك، وتأديبك فرسك، وملاعبتك أهلك فإنهن من الحق ". تفسير : وأخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني والقراب وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير الأنصاري يرتميان، فمل أحدهما فجلس فقال الآخر: كسلت...؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو إلا أربع خصال. مشي الرجل بين الغرضين، وتأديب فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة ". تفسير : وأخرج القراب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة. الرامي، والممد به، والمحتسب له ". تفسير : وأخرج القراب عن حذيفة رضي الله عنه قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى الشام: أيها الناس ارموا واركبوا والرمي أحب إلي من الركوب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة من عمله في سبيله، ومن قوّي به في سبيل الله عز وجل ". تفسير : وأخرج القراب عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : نعم لهو المؤمن الرمي، ومن ترك الرمي بعدما علمه فهو نعمة تركها ". تفسير : وأخرج القراب عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: لا أترك الرمي أبداً ولو كانت يدي مقطوعة بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني ". تفسير : وأخرج القراب عن مكحول يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كل لهو باطل إلا ركوب الخيل، والرمي، ولهو الرجل مع امرأته، فعليكم بركوب الخيل والرمي، والرمي أحبهما إليَّ ". تفسير : وأخرج القراب من طريق مكحول عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اللهو في ثلاث: تأديبك فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك أهلك ". تفسير : وأخرج القراب من طريق مكحول. أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل الشام: أن علموا أولادكم السباحة والفروسية. وأخرج القراب عن سليمان التيمي قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يكون الرجل سابحاً رامياً". وأخرج القراب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من رمى بسهم في سبيل الله فأصاب أو أخطأ أو قصر فكأنما أعتق رقبة كانت فكاكاً له من النار ". تفسير : وأخرج القراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال: حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف، فسمعته يقول "حديث : من رمى بسهم في سبيل الله قصر أو بلغ كانت له درجة في الجنة ". تفسير : وأخرج القراب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قاتلوا أهل الصقع، فمن بلغ منهم فله درجة في الجنة. قالوا: يا رسول الله ما الدرجة؟ قال: ما بين الدرجتين خمسمائة عام ". تفسير : وأخرج الطبراني والقراب عن أبي عمرة الأنصاري رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كان السهم نوراً يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب اللهو إلى الله إجراء الخيل، والرمي بالنبل، ولعبكم مع أزواجكم ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن سعد رضي الله عنه قال: عليكم بالرمي فإنه خير، أو من خير لهوكم. وأخرج أبو عوانة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: تعلموا الرمي فإنه خير لعبكم. وأخرج البزار عن جابر رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم يرمون فقال: ارموا بني إسمعيل فإن أباكم كان رامياً ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تحضر الملائكة من لهوكم إلا الرهان والنضال ". تفسير : وأخرج البزار بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من رمى رمية في سبيل الله قصر أو بلغ كان له مثل أجر أربعة أناس من ولد اسمعيل اليوم ". تفسير : وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من رمى بسهم في سبيل الله كان له نور يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كل لهو يكره إلا ملاعبة الرجل امرأته، ومشيه بين الهدفين، وتعليمه فرسه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من مشى بين العرضين كان له بكل خطوة حسنة ". تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما على أحدكم إذا ألح به همه أن يتقلد قوسه فينفي بها همه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل ". تفسير : وأخرج ابن منده في المعرفة عن بكر بن عبدالله بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شاب شيبة في الإِسلام كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان له عدل رقبة ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن أبي أمامة رضي الله عنه. أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من شاب شيبة في الإِسلام كان له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب كان له عدل رقبة من ولد إسمعيل ". تفسير : وأخرج أحمد عن مرة بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة بين الدرجتين مائة عام، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة ". تفسير : وأخرج الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ليدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه محسباً صنعته، والرامي به، والمقوي به ". تفسير : وأخرج الواقدي عن مسلم بن جندب رضي الله عنه قال: أول من ركب الخيل إسمعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وإنما كانت وحشاً لا تطاق حتى سخرت له". وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً لا تطاق حتى سخرت له". وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً لا تركب، فأول من ركبها اسمعيل عليه السلام، فبذلك سميت العراب. وأخرج أحمد بن سليمان والنجاد في جزئه المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش، فلما أذن الله تعالى لإِبراهيم واسمعيل برفع القواعد من البيت قال الله عز وجل: إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما، ثم أوحى الله إلى اسمعيل عليه السلام: إن أخرج فادع بذلك الكنز، فخرج اسمعيل عليه السلام إلى أجناد وكان موطناً منه وما يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه الله الدعاء فلم يبق على وجه الأرض فرس إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وذللها له، فاركبوها واعدوها فإنها ميامين، وإنها ميراث أبيكم اسمعيل عليه السلام. وأخرج الثعلبي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب: إني خالق منك خلقاً فاجعله عزاً لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالاً لأهل طاعتي فقالت الريح: اخلق فقبض منها قبضة فخلق فرساً فقال له: خلقتك عربياً، وجعلت الخير معقوداً بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، عطفت عليك صاحبك وجعلتك تطير بلا جناح، فأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالاً يسبحوني ويحمدوني ويهللوني، تسبحن إذا سبحوا وتهللن إذا هللوا وتكبرن إذا كبروا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من تسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه الا تجيبه بمثلها، ثم قال: سمعت الملائكة صنعة الفرس وعاينوا خلقها، قالت: رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلاً بلقاً أعناقها كأعناق البخت، فلما أرسل الله الفرس إلى الأرض واستوت قدماه على الأرض، صهل فقيل: بوركت من دابة أذل بصهيلك المشركين، أذل به أعناقهم، وأملأ به آذانهم، وارعب به قلوبهم، فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال له: اختر من خلقي ما شئت؟ فاختار الفرس قال له: اخترت لعزكَ وعز، ولدك، خالداً ما خلدوا وباقياً ما بقوا، بركتي عليك وعليهم ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك ومنهم ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. مثله سواء. وأخرج مالك والبخاري ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل لثلاثة لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنياً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإِسلام فهي على ذلك وزر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل ثلاثة: خيل أجر، وخيل وزر، وخيل ستر. فأما خيل ستر فمن اتخذها تعففاً وتكرماً وتجملاً ولم ينس حق بطونها وظهورها في عسره ويسره، وأما خيل الأجر فمن ارتبطها في سبيل الله فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان له أجر حتى ذكر أرواثها وأبوالها، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان في ميزانه، وأما خيل الوزر فمن ارتبطها تبذخاً على الناس فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان وزر عليه حتى ذكر أرواثها وأبوالها، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان عليه وزر ". تفسير : وأخرج مالك وأحمد بن حنبل والطيالسي وابن شيبة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عروة البارقي رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. قيل: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: الأجر والغنيمة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال "حديث : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه باصبعه ويقول: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج النسائي وأبو مسلم الكشي في سننه عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، قيل: يا رسول الله وما ذاك؟ قال: الأجر والغنيمة ". تفسير : وأخرج الطبراني والآجري في كتاب النصيحة عن أبي كبشة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن سوادة بن الربيع الجرمي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بذود، وقال "حديث : عليك بالخيل فإن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل في نواصيها الخير والمغنم إلى يوم القيامة، ونواصيها أذناها وأذنابها مذابها ". تفسير : وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن منده في الصحابة عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كباسط كفيه في الصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير أبداً إلى يوم القيامة، فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتساباً في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريَّها وظمأها وأبوالها وأرواثها فلاح في موازينه يوم القيامة، ومن ربطها رياء وسمعة وفخراً ومرحاً فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها خسران في موازينه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج أبو بكر بن عاصم في الجهاد والقاضي عمر بن الحسن الاشناني في بعض تاريخه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فخذوا بنواصيها وادعوا بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن زياد بن مسلم الغفاري رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: الخيل ثلاثة، فمن ارتبطها في سبيل الله وجهاد عدوه كان شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبوالها أجراً في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبطها للجمال فليس له إلا ذاك ومن ارتبطها فخراً ورياء كان مثل ما نص في الأول وزراً في ميزانه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج الطبراني والآجري في الشريعة والنصيحة عن خباب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للإِنسان، وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن، فما أعد في سبيل الله وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإِنسان، فما استبطن ويحمل عليه، وأما فرس الشيطان، فما قومر عليه". تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن خباب موقوفاً. وأخرج أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للإِنسان، وفرس للشيطان. فأما فرس الرحمن، فالذي يرتبط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله، وأما فرس الشيطان، فالذي يقامر أي يراهن عليه، وأما فرس الإِنسان، فالفرس يرتبطها الإِنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد من طريق أبي عمرو الشيباني رضي الله عنه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل ثلاثة: فرس يربطه الرجل في سبيل الله فثمنه أجر ورعايته أجر وعلفه أجر، وفرس يعالق فيه الرجل ويراهن فثمنه وزر وعلفه وزر، وفرس للبطنة، فعسى أن يكون سدداً من الفقر إن شاء الله تعالى ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : البركة في نواصي الخيل ". تفسير : وأخرج النسائي عن أنس رضي الله عنه قال "لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل". وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال "ما كان شي أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل. ثم قال: اللهم غفرا إلا النساء". وأخرج الدمياطي في كتاب الخيل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من حبس فرساً في سبيل الله، كان سترة من النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم في الجهاد عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : في الخيل وأبوالها وأرواثها كف من مسك الجنة ". تفسير : وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك ". تفسير : وأخرج ابن ماجه وابن أبي عاصم عن تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من ارتبط فرساً في سبيل الله ثم عالج علفه بيده، كان له بكل حبة حسنة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن أبي عاصم عن تميم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من امرىء مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه الا كتب الله تعالى له بكل حبة حسنة ". تفسير : وأخرج ابن ماجه وابن أبي عاصم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يدخل الجنة سيء الملكة. قالوا: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين وأيامى؟ قال: بلى، فاكرموهم بكرامة أولادكم، واطعموهم مما تأكلون. قالوا: فما ينفعنا في الدنيا؟ قال: فرس تربطه تقاتل عليه في سبيل الله، ومملوك يكفيك فإذا كفاك فهو أخوك ". تفسير : وأخرج أبو عبدالله الحسين بن اسمعيل المحاملي عن سلمان رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ما من رجل مسلم إلا حق عليه أن يرتبط فرساً إذا أطاق ذلك ". تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم عن سوادة بن الربيع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ارتبطوا الخيل، فإن الخيل في نواصيها الخير ". تفسير : وأخرج ابن أبي عاصم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من ارتبط فرساً في سبيل الله، كانت النفقة عليه كالمادِّ يده بصدقة لا يقطعها ". تفسير : وأخرج أبو طاهر المخلص عن ابن الحنظلية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وصاحبها يعان عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود وابن أبي عاصم والحاكم عن ابن الحنظلية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن المنفق على الخيل في سبيل الله، كباسط يده بالصدقة لا يقبضها ". تفسير : وأخرج البخاري والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديق موعود الله كان شبعه وريه وبوله حسنات في ميزانه يوم القيامة ". تفسير : وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند كل سحر بدعوتين، يقول: اللهم كما خوّلتني من خوّلتني من بني آدم فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه ". تفسير : وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمي الأنثى من الخيل فرساً". وأخرج الطبراني عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من أطرق مسلماً فرساً فأعقب له الفرس، كتب الله له أجر سبعين فرساً يحمل عليها في سبيل الله، وإن لم تعقب له كان له كأجر سبعين فرساً يحمل عليه في سبيل الله ". تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما تعاطى الناس بينهم شيئاً قط أفضل من الطرق، يطرق الرجل فرسه فيجري له أجره، ويطرق الرجل فحله فيجري له أجره، ويطرق الرجل كبشه فيجري له أجره". وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن معاوية بن خديج رضي الله عنه. أنه لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها خيولهم، فمر معاوية بأبي ذر رضي الله عنه وهو يمرغ فرساً له، فسلم عليه ووقف ثم قال: يا أبا ذر، ما هذا الفرس؟ قال: فرس لي لا أراه إلا مستجاباً. قال: وهل تدعو الخيل وتجاب؟ قال: نعم، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده: اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده، فمنها المستجاب ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجاباً. وأخرج أبو عبيدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال "حديث : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فرساً من جدس حي من اليمن، فأعطاه رجلاً من الأنصار وقال: إذا نزلت فأنزل قريباً مني فإني أسار إلى صهيله، ففقده ليلة فسأل عنه فقال: يا رسول الله، إنا خصيناه. فقال: مثلت به يقولها ثلاثاً، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، أعرافها ادفاؤها وأذنابها مذابها، التمسوا نسلها وباهوا بصهيلها المشركين ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة عن مكحول رضي الله عنه قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جز أذناب الخيل وأعرافها ونواصيها وقال "أما أذنابها فمذابها، وأما أعرافها فادفاؤها، وأما نواصيها ففيها الخير" . تفسير : وأخرج أبو نعيم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تلهبوا أذناب الخيل، ولا تجزوا أعرافها ونواصيها، فإن البركة في نواصيها، ودفاؤها في أعرافها، وأذنابها مذابها ". تفسير : وأخرج أبو داود عن عتبة بن عبد الله السلمي رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها، فأما أذنابها مذابها، ومعارفها ادفاؤها، ونواصيها معقود فيها الخير ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي واقد أنه بلغه "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى فرسه فمسح وجهه بكم قميصه فقالوا: يا رسول الله أبقميصك؟ قال: إن جبريل عاتبني في الخيل ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة من طريق يحيى بن سعيد عن شيخ من الأنصار "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بطرف ردائه وجه فرسه وقال: إني عتبت الليلة في اذلة الخيل ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة عن عبدالله بن دينار رضي الله عنه قال "حديث : مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه فرسه بثوبه، وقال: إن جبريل بات الليلة يعاتبني في اذلة الخيل ". تفسير : وأخرج أبو داود في المراسيل عن الوضين بن عطاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقودوا الخيل بنواصيها فتذلوها ". تفسير : وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أكرموا الخيل وجللوها ". تفسير : وأخرج الحسن بن عرفة عن مجاهد رضي الله عنه قال: حديث : أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنساناً ضرب وجه فرسه ولعنه فقال "هذه مع تلك، إلا أن تقاتل عليه في سبيل الله، فجعل الرجل يقاتل عليه ويحمل إلى أن كبر وضعف وجعل يقول: اشهدوا اشهدوا" . تفسير : وأخرج أبو نصر يوسف بن عمر القاضي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في عين الفرس ربع ثمنه". وأخرج محمد بن يعقوب الخلي في كتاب الفروسية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما من ليلة إلا ينزل ملك من السماء يحبس عن دواب الغزاة الكلال، إلا دابة في عنقها جرس. وأخرج ابن سعد وأبو داود والنسائي عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكنافها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت أغر محجل، أو أشقر أغر محجل، أو أدهم أغر محجل ". تفسير : وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يمن الخيل في شقرها ". تفسير : وأخرج الواقدي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خير الخيل الشقر، وإلا فالأدهم أغر محجل ثلاث طليق اليمنى ". تفسير : وأخرج أبو عبيدة عن الشعبي رضي الله عنه في حديث رفعه أنه قال "حديث : التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى ". تفسير : وأخرج الحسن بن عرفة عن موسى بن علي بن رباح اللخمي عن أبيه قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أريد أن أبتاع فرساً. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك به كميتاً وأدهم أقراح ارثم محجل ثلاث طليق اليمنى" . تفسير : وأخرج أبو عبيدة وابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن خير الخيل الحو ". تفسير : وأخرج ابن عرفة عن نافع بن جبير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اليمن في الخيل في كل احوى احم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل". وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خير الخيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم طلق اليد اليمنى، فإن لم يكن ادهم فكميت على هذه النسبة ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا أردت أن تغتزي فاشتر فرساً أدهم أغر محجلاً مطلق اليمنى، فإنك تغنم وتسلم ". تفسير : وأخرج سعد والحرث بن أبي أسامة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن منده والروياني في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبدالله بن عريب عن أبيه عن جده حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قوله {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال: "هم الجن، ولا يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي الهدى عن أبيه عمن حدثه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم} قال: "هم الجن، فمن ارتبط حصاناً من الخيل لم يتخلل منزله شيطان" . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن سليمان بن موسى رضي الله عنه في قوله {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} ولن يخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وآخرين من دونهم} يعني الشيطان لا يستطيع ناصية فرس لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير فلا يستطيعه شيطان أبداً ". تفسير : وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وآخرين من دونهم} قال: قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم} قال: يعني المنافقين {الله يعلمهم} يقول: الله يعلم ما في قلوب المنافقين من النفاق الذي يسرون. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم} قال: هؤلاء المنافقون لا تعلمونهم، لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله ويغزون معكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وآخرين من دونهم} قال: أهل فارس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله {وآخرين من دونهم} قال: قال ابن اليمان رضي الله عنه: هم الشياطين التي في الدور.
ابو السعود
تفسير : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ} توجيهُ الخطاب إلى المؤمنين لما أن المأمورَ به من وظائف الكلِّ كما أن توجيهَه فيما سبق وما لحِق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكون ما في حيزه من وظائفه عليه الصلاة والسلام أي أعِدّوا لقتال الذين نُبذ إليهم العهدُ وهيِّئوا لحِرابهم أو لقتال الكفار على الإطلاق وهو الأنسبُ بسياق النظمِ الكريم {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ} من كل ما يُتقوَّى به في الحرب كائناً ما كان وعن عقبةَ بن عامرٍ رضي الله عنه سمعتُه عليه الصلاة والسلام يقول على المنبر: «حديث : ألا إن القوةَ الرميُ»تفسير : قالها ثلاثاً. ولعل تخصيصَه عليه الصلاة والسلام إياه بالذكر لإنافته على نظائره من القُوى {وَمِن رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} الرباطُ اسمٌ للخيل التي ترُبط في سبـيل الله تعالى فِعال بمعنى مفعول أو مصدرٌ سميت هي به يقال: رَبَط ربطاً ورِباطاً ورابط مُرابطة ورِباطاً، أو جمعُ رَبـيطٍ كفصيل وفصال، أو جمع رَبْطٍ ككعْبٍ وكَعاب وكلب وكلاب، وقرىء رُبُط الخيل بضم الباء وسكونها جمع رباط، وعطفُها على القوة مع كونها من جملتها للإيذان بفضلها على بقية أفرادِها كعطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة {تُرْهِبُونَ بِهِ} أي تخوّفون وقرىء تُرهّبون بالتشديد وقرىء تُخزون به والضميرُ لما استطعتم أو للإعداد وهو الأنسبُ ومحلُّ الجملةِ النصبُ على الحالية من فاعل أعدوا مرهِبـين به أو من الموصول أو من عائده المحذوفِ أي أعدوا ما استطعتموه مُرهَباً به {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وهم كفارُ مكة خُصّوا بذلك من بـين الكفار مع كون الكلِّ كذلك لغاية عتوِّهم ومجاوزتِهم الحدَّ في العداوة {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا} من غيرهم من الكفرة وقيل: هم اليهودُ وقيل: المنافقون وقيل: الفرسُ {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} أي لا تعرفونهم بأعيانهم أو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وهو الأنسبُ بقوله تعالى: {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} أي لا غيرُه تعالى أيضاً: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء} لإعداد العَتادِ قلَّ أو جل: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} الذي أوضحه الجهاد {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي جزاؤه كاملاً {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بترك الإثابة أو بنقض الثوابِ، والتعبـيرُ عن تركها بالظلم مع أن الأعمالَ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يكون تركُ ترتيبِه عليها ظلماً لبـيان كمالِ نزاهتِه سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى من القبائح، وإبرازُ الإثابةِ في معرِضِ الأمور الواجبةِ عليه تعالى كما مر في تفسير قولِه تعالى: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ}تفسير : [آل عمران: 95] {وَإِن جَنَحُواْ} الجُنوحُ الميلُ ومنه الجنَاح ويعدّى باللام وبإلى، أي إن مالوا {لِلسَّلْمِ} أي للصلح بوقوع الرهبةِ في قلوبهم بمشاهدة ما بكم من الاستعدادِ وإعتادِ العتاد {فَٱجْنَحْ لَهَا} أي للسلم، والتأنيثُ لحمله على نقيضه قال: شعر : السِّلمُ تأخذ منها ما رضيتَ به والحربُ يكفيكَ من أنفاسها جُرَعُ تفسير : وقرىء فاجنُحْ بضم النون {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} ولا تخَفْ أن يُظهروا لك السلمَ وجوانحُهم مطويةٌ على المكر والكيد {إنَّهُ} تعالى {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخِداع {ٱلْعَلِيمُ} فيعلم نياتِهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويردُّ كيدَهم في نحرهم والآيةُ خاصّةٌ باليهود وقيل: عامة نسختها آيةُ السيف.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الآية: 60]. قيل فى هذه الآية: إنه الرمى، بل هو الرامى ظاهرًا بسهام القسى والرامى بسهام الليالى فى الغيب بالخضوع والاستكانة، ورمى القلب إلى الحق معتمدًا عليه راجعًا عما سواه. قال أبو على الروذابارى فى قوله: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ}. قال: القوة: هى الثقة بالله. وقوله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: قواك به وقوى المؤمنين بك، بل أيدك وأيد المؤمنين بنصرك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ}. أعدوا لقتالِ الأعداءِ ما يبلغ وسعكم ذلك من قوة، وأَتَمُّهَا قوةٌ القلبِ باللهِ، والناسُ فيها مختلفون: فواحِدٌ يَقْوَى قلبُه بموعود نَصْرِه، وآخرُ يَقْوى قَلْبُه بأنَّ الحقَّ عالِمٌ بحاله، وآخر يقوى قلبه لتحققه بأن يشهد من ربه، قال تعالى: {أية : وَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }تفسير : [الطور: 48]، وآخر يقوى قلبُه بإيثار رضاء الله تعالى على مراد نفسه، وآخر يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه به. ويقال أقوى محبة للعبد في مجاهدة العبد وتبرِّيه عن حاله وقوَّتِه. قوله جلّ ذكره: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}. الإشارة فيه أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمةُ الله هي العليا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} اعلم الله المؤمنين والعارفين استعلام قتال اعداء الله وسمّى الة القتال قوة وتلك القوة قوة الالهية التي لا ينالها العارف من الله الا بخضوعه بين يديه بنعت الفناء فى جلاله فاذا كان كذلك يلبسه الله لباس من الله الا ==== يديه بنعت الفناء فى جلال فاذا كان كذلك يلبسه الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته ويغريه الى الدعاء عليهم ويجعله منبسطا حتى يقول فى همته وسره == خذهم فياخذهم بلحظة ويسقطهم صرعى بين يديه بعون وكر ويلى قلب وليه وتفريحه من شرور معارضيه ومنكريه وذلك سهم فى بقوس الهمة عن كنانة الغيرة كادمى بنى الله صلى الله عليه وسلم الى منكريه حين قال شاهت الوجوه وهذا الوحى من الله بقوله وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى سمعت ان ذا النون كان فى غزو وغلب المشركون على المؤمنين فقيل له لو دعوت الله فنزله عن دابته وسجد فهزم الكافر فى لحظة واخذوا جميعا وأسروا او قتلوا وايضا اقتبسوا من الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى تقوتكم فى محاربتها وجهادهاقال ابو على دردبارى القوى هى الثقة بالله قيل ظاهر الاية انه الرمى بسهام القسى وفى الحقيقة رمى سهام الليالى فى الغيب بالخضوع ولاستكانة ورمى القلب الى الحق معتمدا عليه راجعا عما سواه مث بيّن ان المعوّل على الله ونصرته لا على السلاح والالات بقوله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} أى قوّاك بقوة الازليّة ونصرك بنصرته الابدية ووفق المؤمنين باعانتك على عدوك قال الواسطى قواك به وقوى المومنين بب بل ايدك وايد المؤمنين بنصرك ثم بين سبحانه ان نصرة المؤمنين لم يكن الا بتاليفة بين قلوبهم وجمعها محبة الله ومحبة رسوله بعد تباينها بتفرقة الهموم فى اودية الامتحان بقوله {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} اى جمع ارواحها فى بدو الامر على موارد شريعة المشاهدة ومشارع الحقيقة فائتلفت بعضها بعضا فى الحضرة القديمة عند مشاهدة الجليل جلا جلاله فارتفعت من بينهم المناكرة وبقيت بينهم المصادقة والمحبة والموافقة ثم اوكد ذلك الائتلاف بانه لا يكون من صنيع الخلق ويكلف الاكتساب بل من القائه نور الاسلام فى قلوبهم وجمعه اياهم على م تابعة نبيه بنظره ولطفه بقوله {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} والف بين الاشكال بالتجانس والستيناس لانها من مصدر فطرة قوله خلقت بيدى والف بين الارواح بالتجانس والاستيناس من جهة الفطرة الخاصة من قوله ونفخت فيه من روحى والف بين القلوب بمعاينة الصفة لها باشارة قوله عليه السلام القلوب بين اصبعين من اصابع والف بين العقول بتجانسها واصل فطرتها التى قيل فيها العقل اول ما صدر من البارى وذلك قوله عليه السّلام اوّل ما خلق الله العقل انصرف من مصدر الازلية والف بين الاسرار بمطالعتنا الانوار واتصال === من الغيب بقول الذين يؤمنون بالغيب قيل اى يشاهدون انوار الغيب فموافقة الاشباح من حيث ==فى الطاعات ورؤية الاية والظفر بالكرامات وموافقة الارواح بابتلاءنا من مجانسة مقاماتها فى المشاهدات وسلوكها فى مسالك المراقبات والمخاضرات وموافقة القلوب من تجانس سيرها فى الصفات فمن شاهد القدرة ياتلف بمن شاهد بقائه فى القدرة وكذلك مقام رؤية جميع الصفات لان سيرها فى انوار الصفات وموافقة العقول من تجانس ادراك انوار الافعال وتحصيلها سنا الحكميات من اصول الايات وقد برها وتذكرها فيها بانوار الهداغيات وموافقة الاسرار من تجانس مشاربها من مشاهدة القدم ومطالعة الابد وكل سر يرد مشرب المعرفة او المحبة والشوق والتوحيد والفناء او السكر او الصحو يستانس بمن يكون شربه من مقامه من الاسرار فسبحان الذى الف بين كل جنس مع جنس رحمة منه وتلطفاً قال عليه السّلام فى بيان ما شرحنا من ايتلاف هذه المؤتلفات واستيناس هذه المتانسات فى مقام القربات قال الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ايتلف فايتلاف المريدين فى الارادة وايتلاف المحبين فى المحبة وايتلاف المشتاقين فى الشوق وايتلاف العاشقين فى العشق وايتلاف المستانسين فى الانس وايتلاف العارفين فى المعرفة وايتلاف الموحدين فى التوحيد وايتلاف المكاشفين فى الكشف وايتلاف المشاهدين فى المشاهدة وايتلاف المخاطبين فى سماع الخطاب وايتلاف الواجدين فى الوجد وايتلاف المتفرسين فى الفراسة وايتلاف المتعبدين فى العبودية وايتلاف الاولياء فى الولاية وايتلاف الانبياء فى النبوة وايتلاف المرسلين فى الرسالة فكل جنس يستأنس بجنسه ويلحق بمن يليه فى مقامه قال بعضهم الف بين قلوب المرسلين بالرسالة وقلوب الانبياء بالنبوة وقلوب الصديقين بالصدق وقلوب الشهداء بالمشاهدة وقلوب الصالحين بالخدمة وقلوب عامة المؤمنين بالهداية فجعل المرسلين رحمة على الانبياء وجعل الانبياء رحمة على الصديقين وجعل الصديقين رحمة على الشهداء وجعل الشهداء رحمة على الصالحين وجعل الصالحين رحمة على عامة عباده المؤمنين وجعل المؤمنين رحمة على الكافرين وقال ابو سعيد الخراز الف بين الاشكال وغير الرسوم لمقام اخر فكل مربوط بمنحته ومستأنس فى اهل نختله وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم الارواح جنود مجندة ثم ان الله سبحانه امتن على نبيه بانه حسبه فى كل مراد له منه حسب المومنين بما يريدون منه وافرد النبى صلى الله عليه وسلم واصحابه والمؤمنين لتبريهم من حولهم وقوتهم حيث ضمن دفع العدوى منهم بنصرته وازاليته بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} اى لما مننت عليك بايتلاف قلوب المؤمنين فى نصرتك فلا تلتفت اليهم فى محل التوحيد فانى حسبك وحدى بغير معاونة الخلق فينبغى ان تفرد القدم من الحدوث فى سيرك منى الىّ وانا حسب المؤمنين عن كل ما دولى وان كان ملكا مقربا او نبيّا مرسلا ولا يبتغ فى حقيقة التوحيد النظر الى غيرى وان كان منى وفى هذه الاشارة قد اشار بقوله سبحانه فى وصف كبرياء مجالسه من المقربين بقوله ما عليك من حسابهم من شئ قال الواسطى حسبك بالله وليا وحافظاً وناصرا ومن اتبعك من المؤمنين فالله حسبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وأعدوا} [وآماده سازيد اى مؤمنان] {لهم} اى لقتال الكفار وهيئوا لحرابهم {ما استطعتم} اى ما استطعتموه حال كونه {من قوة} من كل ما يتقوى به فى الحرب كائنا ما كان من خيل وسلاح وقسى وغيرها. والحصر المستفاد من تعريف الطرفين فى قوله عليه السلام "حديث : الا ان القوة الرمى " .تفسير : من قبيل حصر الكمال لان الرمى اكمل افراد ما يتقوى به فى الحرب حديث : -روى- ان سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه رمى يوم احد الف سهم ما منها سهم الا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فداك ابى وامى يا سعد" .تفسير : كره بعض العلماء تفدية المسلم بابويه المسلمين قالوا إنما فداه عليه السلام بابويه لانهما كانا كافرين. قال النووى الصحيح انه جائز مطلقا لانه ليس فيه حقيقة الفداء وانما هو تلطف فى الكلام واعلام بمحبته وفى الحديث فضيلة الرمى والدعاء لمن فعل خيرا وجاء فى الحديث "حديث : ان الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه الذى يحتسب فى صنعته الخير والمهدى له والرامى به" وفى الحديث "من شاب شبيبة فى الاسلام كانت له نورا يوم القيامة ومن رمى بسهم فى سبيل الله فبلغ العدو او لم يبلغ كان له كعتق رقبة مؤمنة كانت له فداء من النار عضوا بعضو " .تفسير : وفى الحديث "حديث : من مشى بين الغرضين كان له بكل خطوة حسنة " .تفسير : والغرض بفتح الغين المعجمة والراء بعدهما الضاد المعجمة هو ما يقصده الرماة بالاصابة وفى الحديث "حديث : كل شيء ليس من ذكر الله تعالى فهو لهو الا أربع خصال مشى الرجل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبة اهله وتعليم السباحة " .تفسير : [رمى برسه كونه است. رمى ظاهر به تيرو كمان. ورمى باطن به تيرآه در صبحكاه از كمان خضوع. ورمى سهام حظوظ ازدل وتوجه بحق وفراغت ازماسوى]: قال الحافظ شعر : نيست برلوح دلم جزالف قامت دوست جه كنم حرف دكر يانداد استادم تفسير : واعلم ان صاحب المجاهدة الباطنة يتقوى على قتال النفس وهواها بذكر الله تعالى فهو القوة فى حقه {ومن رباط الخيل} فعال بمعنى مفعول كلباس بمعنى ملبوس. فرباط الخيل بمعنى خيل مربوطة كما قيل جرد قطيفة جرد اضيف العام الى الخاص للبيان او للتخصيص كخاتم فضة وعطفها على القوة مع كونها من جملتها للايذان بفضلها على بقية افرادها كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة. ويقال ان الجن لا تدخل بيتا فيه فرس ولا سلاح وفى الحديث "حديث : من نفى شعيرا لفرسه ثم جاء به حتى يعلفه كتب الله له بكل شعيرة حسنة " .تفسير : والفرس يرى المنامات كبنى آدم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الفرس يقول اذا التقت الفئتان سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح ولذلك كان لهم فى الغنيمة سهمان وفى الحديث "حديث : عليكم باناث الخيل فان ظهورها حرز وبطونها كنز " .تفسير : وفى الحديث "حديث : من احتبس فرساً فى سبيل الله ايمانا به وتصديقا بوعده فان شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة " .تفسير : يعنى كفة حسناته. قال موسى للخضر أى الدواب احب اليك قال الفرس والحمار والبعير لان الفرس مركب اولى العزم من الرسل والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام والحمار مركب عيسى وعزير عليهما السلام وكيف لا احب شيئاً احياه الله تعالى بعد موته قبل الحشر. واعلم ان الخيل ثلاثة. فرس للرحمن وهو ما اتخذ فى سبيل الله وقتل عليه اعداء الله. وفرس للانسان وهو ما يلتمس بطنه وهو ستر من الفقر. وفرس للشيطان وهو ما يقامر عليه ويراهن {ترهبون به} حال من فاعل اعدوا اى حال كونكم مرهبين مخوفين بالاعداد {عدو الله وعدوكم} وهم كفار مكة خصوا بذلك من بين الكفار مع كون الكل كذلك لغاية عتوهم ومجاوزتهم الحد فى العداوة. وفيه اشارة الى ان المجاهد الباطنى يرهب بالذكر والمراقبة اعدى العدو وهو النفس والشيطان {وآخرين من دونهم} اى ترهبون به ايضا عدوا آخرين من غيرهم من الكفرة كاليهود والمنافقين والفرس ومنهم كفار الجن فان صهيل الفرس لا يخوفهم {لا تعلمونهم} العلم بمعنى المعرفة لتعديته الى مفعول واحد ومتعلق المعرفة هو الذات اى لا تعرفونهم باعيانهم ولو كان النسب كالعلم لكان المعنى لا تعرفونهم من حيث كونهم اعداء {الله يعلمهم} اى يعرفهم لا غيره تعالى. فان قلت المعرفة تستدعى سبق الجهل فلا يجوز اسنادها الى الله تعالى. قلت المراد بالمعرفة فى حقه تعالى مجرد علمه بالذوات دون النسب مع قطع النظر عن كونها مجهولة قبل تعلقه بها ودلت الآية على ان الانسان لا يعرف كل عدوله شعر : آدمى را دشمن بنهان بسيست آدمىّ باحذر عاقل كسيست تفسير : {وما} شرطية {تنفقوا من شيء} لاعداد العتاد قل اوجل {فى سبيل الله} الذى اوضحه الجهاد {يوف اليكم} اى جزاؤه كاملا {وانتم لا تظلمون} بترك الاثابة او بنقص الثواب والتعبير عن تركها بالظلم مع ان الاعمال غير موجبة للثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلما لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح وابراز الاثابة فى بعض الامور الواجبة عليه تعالى حديث : -روى- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بفرس يجعل كل خطوة منه اقصى بصره فساروا وسار معه جبريل عليه السلام فاتى على قوم يزرعون فى يوم ويحصدون فى يوم كلما حصدوا شيئا عاد كما كان فقال "يا جبريل من هؤلاء" قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما انفقوا من شيء فهو يخلفهتفسير : وفى الحديث "حديث : من اعان مجاهدا فى سبيل الله اوغارما فى عسرته او مكاتبا فى رقبته اظله الله فى ظله يوم لا ظل الا ظله " .تفسير : قال الحافظ شعر : احوال كنج قارون كايام داد برباد باغنجه بازكوييد نازا نهان ندارد تفسير : وقال ايضا شعر : جه دوزخى جه بهشتى جه آدمى جه ملك بمذهب همه كفر طريقنست امساك
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وأعدوا لهم}، أي: لناقضي العهد، أو لمطلق الكفار، {ما استطعتم من قوة}، أي: ما قدرتم عليه من كل ما يتقوى به في الحرب. وعن عقبة ابن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "حديث : ألاَ إنَّ القُوَّة الرَّمْيُ"تفسير : قالها ثلاثاً، ولعله عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر؛ لأنه أعظم القوى، {و} أعدوا لهم أيضاً {من رباط الخيل} اي: من الخيل المربوطة للجهاد، وهو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، بمعنى مفعول، أو مصدر، أو جمع ربيط؛ كفصيل وفصال. والمراد: الحث على استعداد الخيل العتاق التي تربط وتعلف بقصد الجهاد، وهو من جملة القوة، فهو من عطف الخاص على العام، للاعتناء بأمر الخيل لما فيها من الإرهاب. ولذلك قال: {تُرهِبون به} أي: تخوفون بذلك الأعداء، أو بما ذكر من الخيل المربوطة، {عدو الله وعدوَّكم} يعني كفار مكة، {وآخرين من دُونهم} أي: من غيرهم من الكفرة، كفارس والروم وسائر الكفرة، {لا تعلمونَهم}، أي؛ لا تعرفونهم اليوم، {الله يعلمهم}،وسيمكنكم منهم، فتقاتلونهم وتملكون ملكهم، {وما تُنفقوا من شيء في سبيل الله}، في شأن الاستعداد، وغيره مما يستعان به على الجهاد، {يُوف إليكم} جزاؤه، {وأنتم لا تُظلمون} بتضييع عمل أو نقص أجر، بل يضاعفه لكم أضعافاً كثيرة، بسبعمائة أو أكثر. والله تعالى أعلم. الإشارة: وأعدوا لجهاد القواطع والعلائق التي تعوقكم عن الحضرة، ما استطعتم من قوة، وهو العزم على السير من غير التفات، ومن رباط القلوب في حضرة الحق، تُرهبون به عدو الله، وهو الشيطان، وعدوكم، وهي النفس، وآخرين من دونهم: الحظوظ واللحوظ وخفايا خدع النفوس، لا تعلمونهم، الله يعلمهم؛ كالرياء والشرك الخفي، فإنه يدب دبيب النمل، وما تنفقوا من شيء يُوف إليكم أضعافاً مضاعفة، بالعز الدائم والغنى الأكبر، وأنتم لا تُظلمون. وقال الورتجبي: أَعلم الله المؤمنين والعارفين استعداد قتل أعداء الله، وسمى آلة القتال بقوة، وتلك القوة قوة الإلهية التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين يديه، بنعت الفناء في جلاله، فإذا كان كذلك يلبسه الله لباس عظمته ونور كبريائه وهيبته، ويغريه إلى الدعاء عليهم، ويجعله منبسطاً، حتى يقول في سره: إلهي خذهم، فيأخذهم بلحظة، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه، ويسلي قلب وليه بتفريجه من شرور مُعارضيه ومنكريه، وذلك سهم رمى نفوس الهمة عن كنانة الغيرة، كما رمى نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى منكريه حين قال: "حديث : شاهت الوجوه"،تفسير : وهذا الرمي من الله بقوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. سمعت أن ذا النون المصري رضي الله عنه كان في غزو، وغلب المشركون على المؤمنين، فقيل له: لو دعوت الله، فنزل عن دابته وسجد، فهُزم المشركون في لحظة،وأُخذوا جميعاً، وأُسروا، وقُتلوا. وأيضاً: وأعدوا: أي اقتبسوا من الله قوة من قوى صفاته لنفوسكم حتى يقويكم في محاربتها. قال أبو علي الروذباري، في قوله: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}، فقال: القوة هي الثقة بالله، قيل ظاهر الآية: إنه الرمي بسهام القِسي. وفي الحقيقة: رمي سهام الليالي في الغيب؛ بالخضوع والاستكانة، ورمي القلب إلى الحق؛ معتمداً عليه، راجعاً إليه عما سواه. هـ. ثم بيّن أن المعول على الله ونصرته، لا على السلاح والآلات بقوله: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين}، أي: قواك بقوته الأزلية، ونصرك بنصرته الأبدية، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك. ثم بيّن سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم، وجمعهم على محبة الله ومحبة رسوله، بعد تباينها بتفريقة الهموم في أودية الامتحان، بقوله: {وألَّف بين قلوبهم}. وقال القشيري: الإشارة بقوله: {تُرهبون}: إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمةٍ ينالها، أو إشفاء صدر عن قضية حقد، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا. هـ. ثم دلَّ على الصلح لمصلحة، فقال: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى المؤمنين ان يعدوا ما قدروا عليه من السلاح وآلة الحرب والخيل وغير ذلك. والاعداد اتخاذ الشيء لغيره مما يحتاج اليه في امره ولو اتخذه له في نفسه محبة له لم يكن اعداداً وهو مما يعد فيما يحتاج اليه من غيره والاستطاعة معنى تنطاع بها الجوارح للفعل مع انتفاء المنع، تقول: استطاع استطاعة، وطاوع مطاوعة واطاع طاعة، وتطوع تطوعاً، وانطاع انطياعاً. وقوله تعالى {من قوة} اي مما تقوون به على عدوه. وقيل: معناه من الرمي، ذكره الفراء. ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله عقبة بن عامر، على ما ذكره الطبري. وقال عكرمة: اراد به الحصون. وقوله تعالى: {ومن رباط الخيل} فالرباط شد ايسر من العقد. ربطه يربطه ربطاً ورباطاً وارتبطه ارتباطاً ورابطه مرابطة. وقوله {ترهبون به عدو الله وعدوكم} فالهاء في (به) راجعة إلى الرباط وذكره لأنه على لفظ الواحد وان كان في معنى الجمع، لانه كالجراب والقراب والذراع. والارهاب ازعاج النفس بالخوف تقول: ارهبه ارهاباً ورهبه ترهيباً ورهب رهبة وترهب ترهباً واسترهبه استرهاباً، وقال طفيل: شعر : ويل ام حي دفعتم في نحورهم بني كلاب غداة الرعب والرهب تفسير : والعدو المراصد بالمكاره لتعديتها إلى صاحبها والعدو ضد الولي. وقوله {وآخرين من دونهم} لا تعلمونهم تقديره وترهبون آخرين، فهو نصب بـ {ترهبون} يجوز ان يكون نصباً بقوله: {وأعدوا لهم} وللآخرين من دونهم. وقيل في المعنيين بذلك خمسة اقوال: احدها - قال مجاهد: هم بنو قريظة وقال السدي. هم اهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون. الرابع - الجن، وهو اختيار الطبري، قال: لأن الاعداد للاعداء دخل فيه جميع المتظاهرين بالعداوة فلم يبق إلا من لا يشاهد. الخامس - قال الجبائي: كل من لا تعرفون عداوته داخل فيه. ومعنى {لا تعلمونهم} لا تعرفونهم فلذلك لم يكن معه المفعول الثاني. وقوله: {الله يعلمهم} معناه يعرفهم كما قال الشاعر: شعر : فان الله يعلمني ووهباً وإنا سوف نلقاه كلانا تفسير : وقوله تعالى: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} يعني ما من شيء تنفقونه في الجهاد إلا والله يوفيكم ثوابه على ذلك بأتم الجزاء ولا تبخسون، فمعنى الآية الأمر باعداد السلاح والكراع لاخافة اعداء الله بما يملأ صدورهم من الاستعداد لقتالهم مع تضمن اخلاف ما انفق في سبيل الله بأحوج ما يكون صاحبه اليه بما تربح فيه تجارته.
الجنابذي
تفسير : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} ممّا به قوّتكم وشوكتهم من الخيلاء بين الصّفين فانّ التّكبّر ممدوح فى القتال ومن سلاحٍ وغيره، وورد فى الخبر انّ منها الخضاب بالسّواد {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} من عطف الخاصّ على العامّ اذ الرّباط مصدر بمعنى المربوط او جمع ربيط غلب على الخيل الّتى تربط للجهاد {تُرْهِبُونَ بِهِ} بما استطعتم من القوّة {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} اى الّذين تخافون خياتهم والاتيان بالمظهر للاشعار بالعلّة وذكر وصف آخر للتّفظيع {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} من دون من تخافون خيانتهم من الكفرة الّذين لا عهد بينهم وبينكم او تخافون منهم نقض عهدكم {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} خائنين كمنافقى الامّة الّذين اظهروا الاسلام واخفوا النّفاق او لا تعلمونهم بأعيانهم حيث غابوا عنكم كالعجم والرّوم والشّام {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} فلا تخافوا من الفقر وتهيّؤا بما استطعتم من القوّة فى سبيل الله {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بنقص شيءٍ ممّا انفقتم.
اطفيش
تفسير : {وأعِدُّوا} هيئوا أيها المؤمنون {لَهمْ} لناقضى العهد، أو للذين سبقوا، أو للكفار مطلقا {ما اسْتَطعتُم مِنْ قُوةٍ} من كل ما يتقووا به على حربهم، من سيف ورمح، ونبل ودروع، ودواب زاد، وجوالق وغير ذلك، فعطف ما بعده عليه عطف خاص على عام، لشرف الخاص، فإن الخيل من أشرف ما يتقوى به، وأما ما رواه عقبة بن عامر، من قوله صلى الله عليه وسلم على المنبر: "حديث : ألا إن القوة الرمى، ألا إن القوة الرمى، ألا إن القوة الرمى" تفسير : ثلاثا فليس بحصر، بل بيان لمعظم القوة كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحج عرفة" تفسير : فلا دليل فيه لمن فسر القوة بالرمى. وذكر عمر بن عنبسة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماعا منه: "حديث : من رمى سهما فى سبيل الله فأصاب العدو أو أخطأهم فهو كعتق رقبة" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ليدخل الجنة بالسهم الواحد ثلاثة: الصانع محتسبا، والرامى والممد"تفسير : وقال: "حديث : ارموا واركبوا وإن ترموا أحب إلىَّ من أن تركبوا، ومن ترك الرمى رغبة عنه بعد ما علمه فهى نعمة تركها أو كفرها" تفسير : وقال يوم بدر: "حديث : إذا غشوكم أو قال كثروكم فارموهم واستبقوا نبلكم" تفسير : وفى رواية: "حديث : فعليكم بالنبل"تفسير : وقال عقبة ابن عامر، سماعا منه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ستفتح عليكم الروم، ويكفيكم الله فلا يعجزن أحدكم أن يلهوا باسهمه"تفسير : وسمعه يقول: "حديث : من تعلم الرمى وتركمه فليس منا أو قد عصى ". تفسير : وفى الحديث: "حديث : من بلغ بسهم فهو له درجة فى الجنة" تفسير : وروى: "حديث : عدل رقبة محررة وكل لهو باطل وغير محمود إلا تأديب الرجل فرسه وملاعبة أهله ورميه بقوسه" تفسير : ومات عقبة عن سبعين قوسا فى سبيل الله، وما ترك الرمى والجهاد وهو شيخ كبير، وعن عكرمة القوة الحصون، وعنه ذكور الخيل، والرباط إناثها وضعف، وقال السدى: القوة السلاح. {ومِنْ رِباطِ الخَيْل} مصدر رابط بفتح الباء والطاء، ووجه المفاعلة أن الكفار قد ربطوا الخيل، أو أن المؤمن يربط فيراه المؤمن الآخر فيربط مثله، فيتسابقون فى ذلك، أو مصدر ربط الثلاثى على غير قياس، ومعنى ربط الخيل اتخاذه للقتال، ويطلق على شده فى مكان للحفظ، أو مصدر بمعنى مفعول سمى به الأفراس، أو اسم للأفراس التى تربط فى سبيل الله، والإضافة للبان على الوجهين، أو جمع ربيط كفصيل وفصال، وقرأ الحسن، وعمرو، وابن دينار، وأبو حيوة: ومن ربط الخيل بضم الراء والباء، وعن الحسن أيضا ضم الراء جمع رباط ككتاب وكتب. والمراد بالخيل الذكور والإناث، وعن عكرمة أن المراد هنا الإناث، ووجه بأن العرب تربط الإناث من الخيل بالأفنية للنسل، وعن ابن سيرين: أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله فى الحصون فقال: يشترى به الخيل فيرابط عليها فى سبيل الله، ويغزى عليها فقيل: إنما أوصى فى الحصون فقال: ألم تسمع قول الشاعر: شعر : * إن الحصون الخيل لا مدر القرى* تفسير : ذكره جار الله، وكان خالد بن الوليد لا يركب إلا إناث الخيل فى القتال لقلة صهيلها، والصحابة يركبون ذكور الخيل عند القتال، وإناثه عند الغارات والبيات، وربط الذكور أولى لأنها أقوى على الفر والكر، وفى الحديث: "حديث : الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة" تفسير : وفى رواية بعد هذا ما نصه: "حديث : الأجر والغنيمة" تفسير : وفى الحديث: "حديث : يوزن لرابطها للقتال ما أكلت وما شربت ولو لم يعلم، وأثرها فى الأرض وروثها وبولها، ومن ربطها تعففا لم ينس حق الله فى رقابها وهو الإحساس إليها" تفسير : وقيل الحمل عليها ولا فى ظهورها، أى بأن بحمل المنقطع إلى أهله فهى له ستر، ومن ربطها فخرا ورياء فوزر، ومن ربط فرسا فى سبيل الله فهو كباسط يده بالصدقة لا يقبضها. {تُرهبُون بهِ} بالربط والخيل أو بأعداء، أو بما استطعتم، والإرهاب التخويف {عَدوَّ اللهِ وعدوَّكُم} وهو كفار مكة، أو الكفار مطلقا، فإنهم أعداء الله ورسوله إذا رهبوا بذلك أسلموا أو تركوا الحرب، وأدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وفى تكرير لفظ عدو زيادة ذم، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى عدوا لله بتنوين عدو، وإدخال لام الجر على اسم الجلالة، وقرأ يعقوب والحسن، قيل: وأبو عمرو بن العلاء بفتح الراء وتشدد الهاء، وكل من همزة أرهب، وتشديد رهب للتعدية، قال الطبرى: فسر ابن عباس، وعكرمة: ترهبون بتخزون، وقال أبو عمرو الدانى: قرأ بذلك، وعن مجاهد، وابن عباس: أنهما قرآ تحزنون. {وآخَرينَ مِنْ دُونهِم لا تعْلَمونَهم} لا تعرفونهم، قال ابن زيد: هم المنافقون، لا يعلمونهم لأنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهم عدو كمين يستحق الإرهاب، ولو لم يقاتل، وقال مجاهد: هم قريظة، وزاد بأنهم معرفون أنهم أعداء، وأجيب بأنهم لم يعرفوا بأعيانهم، هذا فلان القرظى، وهذا فلان القرظى، وقال السدى: هم فارس، وفيه ما فى القول قبله، وقيل: كل عدو للمؤمنين غير الفرقة التى أمر أن يشردهم من خلفهم، وقال الحسن، والطبرى: كفار الجن. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دار فيها فرس عتيق" تفسير : وفى رواية: "حديث : فيها فرس للجهاد" تفسير : وعن الحسن: إن صهيل الخيل ينفر الجن، وروى عنه: يرهب الجن، ويصح أن يقدر فى القول بالمنافقين، و القول بالجن لا تعلمونهم أعداء بإبقاء العلم على أصله بدون تأويله بالعرفان، ويصح كذلك لا تعلمونهم راهبين، وهذا يصح ولو فى من علم أنه مشرك، ولم يظن به أن يكون راهبا. {وما تُنفقُوا مِنْ شئٍ} بيان لما زيادة لتعميمها، ويتعلق بمحذوف نعت لما بينا على التحقيق من جواز نعت ما الشرطية {فى سَبيلِ اللهِ} الجهاد والغزو، وقيل: عام فى كل خير {يُوَفَّ} أى يساق جزاؤه مثله أو أكثر فى الدنيا {إليْكُم وأنتُم لا تُظلمُونَ} بنقص ثوابه فى الآخرة، أو يوفَّ إليكم فى الدنيا والآخرة، وأنتم لا تظلمون بترك التوفية، أو نقص الثواب، والجملة حال أو مستأنفة.
اطفيش
تفسير : {وَأَعِدُّوا} أَيها المؤمنون {لَهُمْ} للمشركين مطلقا المعلومين من المقام الشاملين لمن نقضوا العهد ومن نجا من بدر، وإِن أريد خصوص هؤلاءِ استلحقوا غيرهم، والمعنى هيئوا لقتالهم {مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} أَى قوة كانت مما يتقوى به فى الحرب، ومن للابتداء متعلق بأَعدوا، أَو للبيان متعلق بمحذوف حال من ما أَو من رابطه المحذوف، قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول "حديث : وأَعدوا لهم ما استطعتم من قوة" تفسير : أَلا إِن القوة الرمى، ثلاثا، رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : انتضلوا أَو اركبوا، وأَن تنتضلوا أَحب إِلىَّ، والراكب لا يقاتل بالنشاب بل بالسيف والرمح"تفسير : ، وهذا تمثيل للقوة منه صلى الله عليه وسلم، لا حصر منه للقوة فى الرمى، فيلتحق منه التحصن بالبناءِ وبالدروع وبالترس والسيف والرمح. وبكل ما يتقوى به على العدو، إِلا أَنه فضل الرمى كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الحج عرفة" تفسير : مع أَنه أَيضا الإِحرام والطواف والسعى، وأَفعال منى، والآن يجب على عامة الموحدين، ولا سيما السلاطين وأَتباعهم أَن يستعدوا بالرصاص والبارود والمدافع، ويتعلموا ذلك تعلما كليا محققا ويعلموه الأَجناد لعلهم يزيلون بعض غلبة أَهل الشرك، والآية شاملة لهذا بالمعنى والإِلحاق والقياس وكأَنها نص فيه، وقيل: القوة الحصون، ويناسبه ذكر الخيل، والعرب تسمى الخيل حصونا، وهى حصون لا تحاصر، قال شاعرنا: شعر : ولقد علمت على مجنبى الردى أَن الحصون الخيل لا مدر القرى تفسير : وهو قول ضعيف فى التفسير بعيد عنه، والقوة التى فى الكهف قوة البدن لا كالتى هنا {وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} حبسها لسبيل الله عز وجل من إِضافة المصدر لمفعوله والفعل على غير بابه، أَو من الخيل الرباط أَى ذوات الرباط، أَوجمع ربيط أَى الخيل الربيطات، أَى المربوطات من إِضافة الصفة للموصوف، كفصيل وفصال، أَو جمع ربط ككعب وكعاب، ويجوز أَن تكون الإِضافة للتبعيض، أَى المربوط الذى هو بعض الخيل {تُرْهِبُونَ} تخيفون حال مقدرة من واو وأَعدوا أَو ما من أَو من عائد ما {بِهِ} أَى بما استطعتموه، وهو أَولى من رد الضمير للإِعداد المعلوم من أَعِدوا، وكانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف لكونها أَقوى على الكر والفر، ولكون صهيلها إِرهابا للعدو، وإِناثها عند البيات والغارات لقلة صهيلها، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من حبس فرسا فى سبيل الله إِيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإِن شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود فى نواصيها الخير إِلى يوم القيامة" تفسير : وقال "حديث : التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى"تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل وهو الذى ثلاث قوائمه محجلة وواحدة مطلقة، شبيه بالشكال الذى يشكل به الخيل لأَنه يكون فى ثلاث قوائم غالبا، وقيل: الذى واحدته محجلة وثلاث مطلقة، وقيل: الذى إِحدى يديه وإِحدى رجليه محجلتان من خلاف، وكرهه لأَنه كالمشكول، أَو جرب ذلك فلم توجد فيه نجابة {عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} أَى المتصفين بعداوة الله وعداوتكم، عادوا الله وعادوكم وهم كفار مكة وحواليها لأَن الكلام فيهم، وكفرهم أَشد قبحا لأَن القرآن بلغتهم، وعلى رجل منهم ومن نسبهم قائما فيهم لم يجربوا عليه ريبة أَو كذبا، وقد اتضح لهم الحق كالشمس فى نصف النهار من يوم الصحو، وقيل لهم وسائر كفار العرب، ويلتحق بهم سائر الكفار إِلى آخر الدهر من العرب والعجم {وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ} هم المنافقون. من المراد الإِرهاب ولو بلا قتال، فهو يرهبهم بالقوة والخيل فتنكسر شوكتهم وتنقص إِعانتهم الأَعداء سرا، وهؤلاءِ يقاتلهم لئلا يقال: يقتل أَصحابه. وقد يقال: تشمل الآية اليهود لأَنهم يجاملون فيظنهم المؤمنون أَنهم سلم ولا يعلمونهم يحاربون وهم ينافقون أَيضا كمنافقى المدينة فلا يعلمون بواطنهم، ويعلم بمعنى يعرف فلا مفعول ثانيا له، ولا حاجة إِلى قول مشاكلة لما قبله، أَى لا يعرفونهم فى أَنفسهم والله يعرفهم، ثم رأَيت مجاهدا قال: هم قريظة، والسدى قال: هم أَهل فارس، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : هم الجن" تفسير : ولا يخبل الشيطان إِنسانا فى داره فرس عتيق فذلك إِرهاب للجن، روى عن ابن عباس، واختاره الطبرى، ويحتمل أَن صهيلها فى الجهاد إِرهاب لجن المشركين، ويجوز وصف الله بالمعرفة كما قال عمرو بن جميع رحمه الله والسعد، أَو يقدر مفعول ثان، أَى لا تعلمونهم ناصبين لكم الحيلة للإِهلاك والله يعلمهم ناصبين وقدر البعض لا تعلمونهم على ما هم عليه من العداوة، وهو راجع فى الحقيقة إِلى تقدير الثانى ناصبين كما مر، أَو محاربين أَو معادين والحق أَن الخلاف فى وصف الله تعالى بالمعرفة إِذا كان بمادة عرف. أَما بلفظ علم بمعنى علم ذاته فلا قائل بأَنه تعالى يعلم نفس ذوات الأَشياءِ، وشهر أَن الله عز وجل لا يوصف بالمعرفة، وأَنها تختص بتقدم الجهل. {وَمَا تُنْفِقُوا} أيها المؤمنون {مِنْ شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللهِ} فى التقرب إِلى الله جهادا وغيره {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} يحضر لكم ثوابه بالخلف فى الدنيا والآخرة، وهذا استخدام لأَن يوف لما أَنفقوا مراد به الجزاء ويقدر مضاف أَى يوف جزاءَه {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} لا يجور عليكم الله بترك الثواب أَو بعضه، وفى هذا مبالغة فى وعد الله بالثواب والوفاءِ به حتى كأَنه لو تركه كان ظالما، وكأَنه واجب عليه مع أَنه لا واجب عليه، فلو شاءَ لم يثب المطيع، كما لا يعذبه، أَو لا تظلمون، لا ينقص من ثوابكم شئ، أَو من أَعمالكم بالإِحباط.
الالوسي
تفسير : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ} خطاب لكافة المؤمنين لما أن المأمور به من وظائف الكل أي أعدوا لقتال الذين نبذ إليهم العهد وهيئوا لحرابهم كما يقتضيه السباق أو لقتال الكفار على الإطلاق وهو الأولى كما يقتضيه ما بعده {مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ} أي من كل ما يتقوى به في الحرب كائناً ما كان، وأطلق عليه القوة مبالغة، وإنما ذكر هذا لأنه لم يكن له في بدر استعداد تام فنبهوا على أن النصر من غير استعداد لا يتأتى في كل زمان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير القوة بأنواع الأسلحة، وقال عكرمة: هي الحصون والمعاقل. وفي رواية أخرى عنه أنها ذكور الخيل. وأخرج أحمد ومسلم وخلق كثير عن عقبة بن عامر الجهني قال: «سمعت النبـي صلى الله عليه وسلم يقول / وهو على المنبر: «حديث : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً» تفسير : والظاهر العموم إلا أنه عليه الصلاة والسلام خص الرمي بالذكر لأنه أقوى ما يتقوى بها فهو من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : الحج عرفة»تفسير : . وقد مدح عليه الصلاة والسلام الرمي وأمر بتعلمه في غير ما حديث، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام «حديث : كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة انتضالك بقوسك وتأديبك فرسك وملاعبتك أهلك فانها من الحق» تفسير : وجاء في رواية أخرجها النسائي وغيره «حديث : كل شيء ليس من ذكر الله تعالى فهو لغو وسهو إلا أربع خصال مشي الرجل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أهله وتعليم السباحة» تفسير : وجاء أيضاً «حديث : انتضلوا واركبوا وأن تنتضلوا أحب إليّ إن الله تعالى ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة صانعه محتسبا والمعين به والرامي به في سبيل الله تعالى»تفسير : . وأنت تعلم أن الرمي بالنبال اليوم لا يصيب هدف القصد من العدو لأنهم استعملوا الرمي بالبندي والمدافع ولا يكاد ينفع معهما نبل وإذا لم يقابلوا بالمثل عم الداء العضال واشتد الوبال والنكال وملك البسيطة أهل الكفر والضلال فالذي أراه والعلم عند الله تعالى تعين تلك المقابلة على أئمة المسلمين وحماة الدين، ولعل فضل ذلك الرمي يثبت لهذا الرمي لقيامه مقامه في الذب عن بيضة الإسلام ولا أرى ما فيه من النار للضرورة الداعية إليه إلا سبباً للفوز بالجنة إن شاء الله تعالى، ولا يبعد دخول مثل هذا الرمي في عموم قوله سبحانه: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ}. {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} الرباط قيل: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله تعالى على أن فعال بمعنى مفعول أو مصدر سميت به يقال: ربط ربطاً ورباطا ورابط مرابطة ورباطا. واعترض بأنه يلزم على ذلك اضافة الشيء لنفسه. ورد بأن المراد أن الرباط بمعنى المربوط مطلقاً إلا أنه استعمل في الخيل وخص بها فالإضافة باعتبار المفهوم الأصلي. وأجاب القطب بأن الرباط لفظ مشترك بين معاني الخيل وانتظار الصلاة بعد الصلاة والإقامة على جهاد العدو بالحرب، ومصدر رابطت أن لازمت فأضيف إلى أحد معانيه للبيان كما يقال: عين الشمس وعين الميزان، قيل: ومنه يعلم أنه يجوز أضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركاً، وإذا كانت الإضافة من إضافة المطلق إلى المقيد فهي على معنى من التبعيضية، وجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال أو جمع ربط ككعب وكعاب وكلب وكلاب. وعن عكرمة تفسيره بإناث الخيل وهو كتفسيره القوة بما سبق قريباً بعيد، وذكر ابن المنير ((أنَّ المطابق للرمي أن يكون الرباط على بابه مصدراً))، وعلى تفسير القوة بالحصون يتم التناسب بينه وبين رباط الخيل لأن العرب سمت الخيل حصوناً وهي الحصون التي لا تحاصر كما في قوله:شعر : ولقد علمت على تجنبـي الردا أن الحصون الخيل لا مدر القرى تفسير : وقال:شعر : وحصني من الأحداث ظهر حصاني تفسير : وقد جاء مدحها فيما لا يحصى من الأخبار وصح «حديث : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».تفسير : وأخرج أحمد عن معقل بن يسار والنسائي عن أنس لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل. وميز صلى الله عليه وسلم بعض أصنافها على بعض. فقد أخرج أبو عبيدة عن الشعبي في حديث رفعه «حديث : التمسوا الحوائج على الفرس الكميت الأرثم المحجل الثلاث المطلق اليد اليمنى»تفسير : . وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يمن الخيل في شقرها"تفسير : وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «كان رسول الله / صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل» واختلف في تفسيره ففي «النهاية» ((الشكال في الخيل أن تكون ثلاث قوائم [منه] محجلة وواحدة مطلقة تشبيهاً بالشكال الذي يشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم غالباً وقيل: هو أن تكون الواحدة محجلة والثلاث مطلقة، وقيل: هو أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين، وإنما كرهه عليه الصلاة والسلام تفاؤلا لأنه كالمشكول صورة، ويمكن أن يكون جَرَّبَ ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغرب زالت الكراهة لزوال شبه الشكال)) انتهى. ولا يخفى عليك أن حديث الشعبي يشكل على القول الأول إلا أن يقال: إنه يخصص عمومه وإن حديث التفاؤل غير ظاهر، والظاهر التشاؤم وقد جاء «إنما الشؤم في ثلاث في الفرس والمرأة والدار» وحمله الطيبي على الكراهة التي سببها ما في هذه الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع كما قيل شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وشؤم المرأة عقمها وسلاطة لسانها وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، لكن قال الجلال السيوطي في «فتح المطلب المبرور»: ((إن حديث التشاؤم بالمرأة والدار والفرس قد اختلف العلماء فيه هل هو على ظاهره أو مؤول؟ والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك)) انتهى. ولا يعارضه ما صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ذكر الشؤم عند النبـي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس» تفسير : فإنه ليس نصاً في استثناء نقيض المقدم وإن حمله عياض على ذلك لاحتمال أن يكون على حد قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قد كان فيمن قبلكم من الأمم محدثون فإن يكن في أمتى منهم أحد فإنه عمر بن الخطاب» تفسير : وقد ذكروا هناك أن التعليق للدلالة على التأكيد والاختصاص ونظيره في ذلك إن كان لي صديق فهو زيد فإن قائله لا يريد به الشك في صداقة زيد بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره ولا محظور في اعتقاد ذلك بعد اعتقاد أن المذكورات أمارات وأن الفاعل هو الله تبارك وتعالى. وقرأ الحسن {وَمِنْ رّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} بضم الباء وسكونها جمع رباط، وعطف ما ذكر على القوة بناء على المعنى الأول لها للايذان بفضلها على سائر أفرادها كعطف جبريل وميكال على الملائكة عليهم السلام. {تُرْهِبُونَ بِهِ} أي تخوفون به، وعن الراغب ((أن الرهبة والرُّهْب مخافة مع تحرز واضطراب)) وعن يعقوب أنه قرأ {تُرْهِبُونَ} بالتشديد. وقرأ ابن عباس ومجاهد {تُخْزُونِ} والضمير المجرور لما استطعتم أو للاعداد وهو الأنسب، والجملة في محل النصب على الحالية من فاعل {أَعِدُّواْ} أي أعدوا مرهبين به، أو من الموصول كما قال أبو البقاء، أو من عائدة المحذوف أي أعدوا ما استطعتموه مرهباً به، وفي الآية إشارة إلى عدم تعين القتال لأنه قد يكون لضرب الجزية ونحوه مما يترتب على إرهاب المسلمين بذلك {عَدْوَّ ٱللَّهِ} المخالفين لأمره سبحانه {وَعَدُوَّكُمْ} المتربصين بكم الدوائر، والمراد بهم على ما ذكره جمع أهل مكة وهم في الغاية القصوى من العداوة، وقيل: المراد هم وسائر كفار العرب {وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي من غيرهم من الكفرة، وقال مجاهد: هم بنو قريظة، وقال مقاتل وابن زيد: هم المنافقون، وقال السدي: هم أهل فارس. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر وجماعة عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : هم الجن ولا يخبل الشيطان إنساناً في داره / فرس عتيق» تفسير : وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً، واختاره الطبري وإذا صح الحديث لا ينبغي العدول عنه. وقوله سبحانه: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} أي لا تعرفونهم بأعيانهم {ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} لا غير في غاية الظهور وله وجه على غير ذلك وإطلاق العلم على المعرفة شائع وهو المراد هنا كما عرفت ولذا تعدى إلى مفعول واحد، وإطلاق العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضر. نعم منع الأكثر إطلاق المعرفة عليه سبحانه وجوزه البعض بناءً على إطلاق العارف عليه تعالى في «نهج البلاغة» وفيه بحث، وبالجملة لا حاجة إلى القول بأن الإطلاق هنا للمشاكلة لما قبله، وجوز أن يكون العلم على أصله ومفعوله الثاني محذوف أي لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم بل الله تعالى يعلمهم كذلك وهو تكلف، واختار بعضهم أن المعنى لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة وقال: إنه الأنسب بما تفيده الجملة الثانية من الحصر نظراً إلى تعليق المعرفة بالأعيان لأن أعيانهم معلومة لغيره تعالى أيضاً وهو مسلم نظراً إلى تفسيره، وأما الاحتياج إليه في تفسير النبـي صلى الله عليه وسلم ففيه تردد. {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ} جل أو قل {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهي وجوه الخير والطاعة ويدخل في ذلك النفقة في الإعداد السابق والجهاد دخولاً أولياً، وبعضهم خصص اعتباراً للمقام {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أي يؤدى بتمامه والمراد يؤدى إليكم جزاؤه فالكلام على تقدير المضاف أو التجوز في الإسناد {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} بترك الإثابة أو بنقص الثواب، وفي التعبير عن ذلك بالظلم مع أن له سبحانه أن يفعل ما يشاء للمبالغة كما مر.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة: {وأعدوا} على جملة: {أية : فإما تثقفنهم في الحرب}تفسير : [الأنفال: 57] أو على جملة: {أية : ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا}تفسير : [الأنفال: 59]، فتفيد مفاد الاحتراس عن مُفادها، لأنّ قوله: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا} يُفيد توهيناً لشأن المشركين، فتعقيبه بالأمر بالاستعداد لهم: لئلا يحسب المسلمون أنّ المشركين قد صاروا في مكنتهم، ويلزم من ذلك الاحتِراسِ أنّ الاستعداد لهم هو سبب جعْل اللَّهِ إيّاهم لا يُعجزون اللَّهَ ورسوله، لأنّ الله هيّأ أسباب استئصالهم ظاهرها وباطنها. والإعداد التهيئة والإحضار، ودخل في {ما استطعتم} كلّ ما يدخل تحت قدرة الناس اتّخاذه من العُدّة. والخطاب لجماعة المسلمين ووُلاَة الأمر منهم، لأنّ ما يراد من الجماعة إنّما يقوم بتنفيذه وُلاَة الأمور الذين هم وكلاء الأمّة على مصالحها. والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها وقد تقدّمت آنفاً عند قوله: {أية : إن الله قوي شديد العقاب}تفسير : [الأنفال: 52] وعند قوله تعالى: {فخذها بقوة} وتطلق القوة مجازاً على شدّة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق أيضاً على سبب شدّة التأثير، فقوة الجيش شدة وقعه على العدوّ، وقوته أيضاً سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا، فهو مجاز مرسل بواسطتين، فاتّخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتّخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوّة في جيوش عصرنا. وبهذا الاعتبار يُفسر ما روى مسلم والترمذي عن عقبة بن عامر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال «حديث : ألاَ إنّ القوة الرمي»تفسير : قالها ثلاثاً، أي أكمل أفراد القوة آلةُ الرمي، أي في ذلك العصر. وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي. وعطف {رباط الخيل} على {القوة} من عطف الخاصّ على العام، للاهتمام بذلك الخاصّ. و{الرباط} صيغة مفاعلة أُتِيَ بها هنا للمبالغة لتدلّ على قصد الكثرة من ربط الخيل للغزو، أي احتباسها وربطها انتظاراً للغزو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من ارتبط فرساً في سبيل الله كان روثُها وبولها حسنات له»تفسير : الحديث. يقال: ربط الفرس إذا شدّه في مكان حفظه، وقد سَمَّوا المكان الذي ترتبط فيه الخيل رباطاً، لأنّهم كانوا يحرسون الثغور المخوفة راكبين على أفراسهم، كما وصف ذلك لبيد في قوله: شعر : ولقد حمَيت الحَي تحملُ شِكَّتي فُرُطٌ وِشَاحِي إنْ ركبتُ زمامُها تفسير : إلى أن قال: شعر : حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافر وأجَنَّ عوراتِ الثغور ظَلامها أسْهلتُ وانتصبت كجِذْع مُنيفة جرداءَ يَحْصَر دونها جُرَّامها تفسير : ثم أُطلق الرباط على مَحرس الثغر البحري، وبه سَمَّوا رِباط (دمياط) بمصر، ورباط (المُنستير) بتونس، ورباط (سَلا) بالمغرب الأقصى. وقد تقدّم شيء من هذا عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا اصبِروا وصابروا ورابطوا}تفسير : في سورة [آل عمران: 200]. وجملة: {تُرهبون به عدو الله وعدوكم} إمّا مستأنفة استئنافاً بيانياً، ناشئاً عن تخصيص الرباط بالذكر بعد ذكر ما يعمّه، وهو القوة، وإمّا في موضع الحال من ضمير {وأعدّوا}. وعدو الله وعدوهم: هم المشركون فكان تعريفهم بالإضافة، لأنّها أخصر طريق لِتعريفهم، ولما تتضمنه من وجه قتالهم وإرهابهم، ومن ذمّهم، أن كانوا أعداء ربّهم، ومن تحريض المسلمين على قتالهم إذ عُدُّوا أعداءً لهم، فهم أعداء الله؛ لأنّهم أعداء توحيده وهم أعداء رسوله صلى الله عليه وسلم لأنّهم صارحوه بالعداوة، وهم أعداء المسلمين، لأن المسلمين أولياء دين الله والقائمون به وأنصاره، فعطف {وعَدوَّكم} على {عدوَّ الله} من عطف صفة موصوف واحد مثل قول الشاعر، وهو من شواهد أهل العربية: شعر : إلى الملك القرم وابن الهما م ولَيْثِ الكتيبة في المزدحم تفسير : والإرهاب جعل الغير راهباً، أي خائفاً، فإنّ العدوّ إذَا علم استعداد عدوّه لقتاله خافه، ولم يجرأ عليه، فكان ذلك هناء للمسلمين وأمناً من أن يغزوهم أعداؤهم، فيكون الغزو بأيديهم: يَغزون الأعداء متى أرادوا، وكانَ الحال أوفق لهم، وأيضاً ذا رهبوهم تجنّبوا إعانة الأعداء عليهم. والمراد بـ{الآخرين من دونهم} أعداء لا يعرفهم المسلمون بالتعيين ولا بالإجمال، وهم من كان يضمر للمسلمين عداوة وكيداً، ويتربّص بهم الدوائر، مثل بعض القبائل. فقوله: {لا تعلمونهم} أي لم تكونوا تعلمونهم قبل هذا الإعلام، وقد علمتموهم الآن إجمالاً، أو أريد: لا تعلمونهم بالتفصيل، ولكنّكم تعلمُون وجودهم إجمالاً مثل المنافقين، فالعلم بمعنى المعرفة، ولهذا نصب مفعولاً واحداً. وقوله: {من دونهم} مؤذن بأنّهم قبائل من العرب كانوا ينتظرون ما تنكشف عنه عاقبة المشركين من أهل مكة من حربهم مع المسلمين، فقد كان ذلك دأب كثير من القبائل كما ورد في السيرة، ولذلك ذكر {من دونهم} بمعنى: من جهات أخرى، لأنّ أصل (دون) أنّها للمكان المخالف، وهذا أولى من حمله على مطلق المغايرة التي هي من إطلاقات كلمة (دون) لأنّ ذلك المعنى قد أغنى عنه وصفهم بـ{آخرين}. وجملة {اللَّه يعلمهم} تعريض بالتهديد لهؤلاء الآخرَين، فالخبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو تعقُّبهم والإغراءُ بهم، وتعريض بالامتنان على المسلمين بأنّهم بمحل عناية الله فهو يُحصي أعداءهم وينبّههم إليهم. وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي: للتقوّي، أي تحقيق الخبر وتأكيده، والمقصود تأكيد لازم معناه، أمّا أصل المعنى فلا يحتاج إلى التأكيد إذ لا ينكره أحد، وأمّا حمل التقديم هنا على إرادة الاختصاص فلا يحسن للاستغناء عن طريق القصر بجملة النفي في قوله: {لا تعلمونهم} فلو قيل: ويعلّمهم الله لحصل معنى القصر من مجموع الجملتين. وإذ قد كان إعداد القوَّةِ يستدعي إنفاقاً، وكانت النفوس شحيحة بالمال، تكفّل الله للمنفقين في سبيله بإخلاف ما أنفقوه والإثابة عليه، فقال: {وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم} فسبيل الله هو الجهاد لإعلاء كلمته. والتوفية: أداء الحقّ كاملاً، جعل الله ذلك الإنفاق كالقرض لله، وجعل على الإنفاق جزاء، فسمّى جزاءَه توفية على طريقة الاستعارة المكنية، وتدلّ التوفية على أنّه يشمل الأجرَ في الدنيا مع أجر الآخرة، ونقل ذلك عن ابن عباس. وتعدية التوفية إلى الإنفاق بطريق بناء للفعل للنائب، وإنّما الذي يوفّى هو الجزاء على الإنفاق في سبيل الله، للإشارة إلى أنّ الموفَّى هو الثواب. والتوفية تكون على قدر الإنفاق وأنّها مثله، كما يقال: وفَّاه دينه، وإنّما وفّاه مماثلاً لديْنه. وقريب منه قولهم: قَضى صلاة الظهر، وإنّما قضى صلاة بمقدارها فالإسناد: إمّا مجاز عقلي، أو هو مجاز بالحذف. والظلم: هنا مستعمل في النقص من الحقّ، لأنّ نقص الحقّ ظلم، وتسمية النقص من الحقّ ظلماً حقيقة. وليس هو كالذي في قوله تعالى: {أية : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً}تفسير : [الكهف: 33].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أعدوا: هيئوا وأحضروا. ما استطعتم: ما قدرتم عليه. من قوة: أي حربية من سلاح على اختلاف أنواعه. يوفَّ إليكم: أي أجره وثوابه. وإن جنحوا للسلم: أي مالوا إلى عدم الحرب ورغبوا في ذلك. فإن حسبك الله: أي يكفيك شرهم، وينصرك عليهم. ألف بين قلوبهم: أي جمع بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة مختلفة. إنه عزيز حكيم: أي غالب على أمره، حكيم في فعله وتدبير أمور خلقه. معنى الآيات: بمناسبة انتهاء معركة بدر وهزيمة المشركين فيها، وعودتهم إلى مكة وكلهم تغيظ على المؤمنين وفعلاً أخذ أبو سفيان يعد العدة للانتقام. وما كانت غزوة أحد إلا نتيجة لذلك هنا أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين بإعداد القوة وبذل ما في الوسع والطاقة لذلك فقال تعالى {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي بقوله "حديث : ألا إن القوة الرمي"تفسير : قالها ثلاثاً وقوله تعالى {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} يخبر تعالى عباده المؤمنين بعد أن أمرهم بإعداد القوة على اختلافها بأن رباطهم للخيل وحبسها أمام دورهم معدة للغزو والجهاد عليها يرهب أعداء الله من الكافرين والمنافقين أي يخوفهم حتى لا يفكروا في غزو المسلمين وقتالهم، وهذا ما يعرف بالسلم المسلح، وهو أن الأمة إذا كانت مسلحة قادرة على القتال يرهبها أعداؤها فلا يحاربونها، وإن رأوها لا عدة لها ولا عتاد ولا قدرة على رد أعدائها أغراهم ذلك بقتالها فقاتلوها. وقوله تعالى {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} أي من دون كفار قريش، وقوله {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} من الجائز أن يكونوا اليهود أو المجوس أو المنافقين، وأن يكونوا الجن أيضاً، وما دام الله عز وجل لم يُسمهم فلا يجوز أن يقال هم كذا.. بصيغة الجزم، غير أنا نعلم أن أعداء المسلمين كل أهل الأرض من أهل الشرك والكفر من الإِنس والجن، وقوله تعالى {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} إخبار منه تعالى أن ما ينفقه المسلمون من نفقة قلت أو كثرت في سبيل الله التي هي الجهاد يوفّيهم الله تعالى إياها كاملة ولا ينقصهم منها شيئاً فجملة {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} جملة خالية ومعناها لا يظلمكم الله تعالى بنقص ثواب نفقاتكم في سبيله هذا ما دلت عليه الآية الأولى [60] أما الآية الثانية وهي قوله تعالى {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} فإن الله تعالى يأمر رسوله وهو قائد الجهاد يومئذ بقبول السلم متى طلبها أعداؤه ومالوا إليها ورغبوا بصدق فيها، لأنه صلى الله عليه وسلم رسول رحمة لا رسول عذاب وأمره أن يتوكل على الله في ذلك أي يطيعه في قبول السلم ويفوض أمره إليه ويعتمد عليه فإنه تعالى يكفيه شرّ أعدائه لأنه سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم وأحوالهم لا يخفى عليه من أمرهم شيء فلذا سوف يكفي رسوله شر خداعهم إن أرادوا خداعه بطلب السلم والمسالمة، وهذا معنى قوله تعالى في الآيتين [62] و [63] {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} أي بالميل إلى السلم والجنوح إليها {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي كافيك إنه {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} أي في بدر {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي جمع بين تلك القلوب المتنافرة المنطوية على الإِحن والعداوات ولأقل الأسباب وأتفهها، لقد كان الأنصار يعيشون على عداوة عظيمة فيما بينهم حتى إن حرباً وقعت بينهم مائة وعشرين سنة فلما دخلوا في الإِسلام اصطلحوا وزالت كل آثار العداوة والبغضاء وأصبحوا جسماً واحداً مَنْ فعل هذا سوى الله تعالى؟ اللهم لا أحد، ولذا قال تعالى لرسوله {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي من مال صامت وناطق {مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب إعداد القوة وهي في كل زمان بحسبه إن كانت في الماضي الرمح والسيف ورباط الخيل فهي اليوم النفاثة المقاتلة والصاروخ، والهدروجين والدبابة والغواصة، والبارجة. 2- تقرير مبدأ: السلم المسلح، إرجع إلى شرح الآيات. 3- لا يخلوا المسلمون من أعداء ما داموا بحق مسلمين، لأن قوى الشر من إنس وجن كلها عدو لهم. 4- نفقة الجهاد خير نفقة وهي مضمونة التضعيف. 5- جواز قبول السلم في ظروف معينة، وعدم قبوله في أخرى وذلك بحسب حال المسلمين قوة وضعفاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَآخَرِينَ} (60) - يَأْمُرُ اللهُ المُسْلِمينَ باِلاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ، وَبِإِعْدَادِ آلاتِهَا لِمُقَاتَلَةِ الكُفَّارِ، وَدَفْعِ العُدْوَانِ، وَحِفْظِ الأَنْفُسِ، وَالحَقِّ وَالفَضِيلَةِ، حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالاسْتِطَاعَةِ: مِنْ خَيْلٍ وَسِلاحٍ وَعُدَدٍ وَمُؤَنٍ وَتَدْرِيبٍ وَعِلْمٍ وَكُلِّ مَا يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ القُوَّةِ التِي تُمَكِّنُ الأُمَّةَ مِنْ مُقَاوَمَةِ خُصُومِها، بِحَسَبِ مَفْهُومِ العَصْرِ، وَذَلِكَ لإِرْهَابِ الكُفَّارِ - مِنْ قُرَيْشٍ وَمِنْ غَيْرِهِمْ - أَعَدَاءِ اللهِ، وَأَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ، وَلإِرْهَابِ الأَعْدَاءِ الآخَرِينَ مِنْ مُنَافِقِينَ وَيَهُودٍ يُجَاوِرُونَ المُسْلِمِينَ فِي المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلِهَا وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ لاَ يَعْلَمُهُمْ رَسُولُ اللهِ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُهُمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ أَنَّ كُلَّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُونَها فِي الجِهَادِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ، سَتُوَفَّى إِلَيْهِمْ بِالتَّمَامِ وَالكَمَالِ، وَلاَ يَبْخَسُ اللهُ أَحَداً مِنْهُمْ شَيْئاً. قُوَّةٍ - كُلُّ مَا يُتَقَوَّى بِهِ فِي الحَرْبِ. رِبَاطِ الخَيْلِ - حَبْسِها لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ} يعني أن يكون الإعداد لكل من تحدث عنهم، وهم الذين قاتلوا وقتلو وأصاب أهلهم ضرورة الثأر لمقتلهم، والذين أسروا، والذين نقضوا العهد نقضاً أكيداً أو نقضاً محتملاً، كل هؤلاء لا بد أن تعد لهم ما جاء به قول الحق تبارك وتعالى: {مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} وهذا تكليف من الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يجاهدون لإعلاء كلمته بضرورة أن يعدوا دائماً قدر إمكانهم ما استطاعوا من قوة. ولماذا قدر استطاعتهم؟ لأن الإنسان محدود بطاقة، ووراء قدرة المؤمنين قدرة الله سبحانه. ولذلك أنت تعد قدر ما تستطيع ثم تطلب من الله أن يعينك. وإذا ما صنعت قدر استطاعتك، إياك أن تقول: إن هذه الاستطاعة لن توصلني إلى مواجهة ما يملكه خصمي من معدات يمكن أن يهاجمني بها، فخصمك ليس له مدد من السماء إنما أنت لك المدد السماوي، وما دام لك هذا المدد فقوتك بمدد الله تجعلك الأقوى مهما كان عدوك، ولذلك عندما يحدث الله تعالى المؤمنين يوضح لهم: إياكم أن تخافوا من كثرة عدد عدوكم، والمطلوب منكم أن تعدوا له ما استطعتم من قوة وحتى أطمئنكم أني معكم، تذكروا آية واحدة أنزلتها، وهي: {أية : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [آل عمران: 151]. وساعة يلقي الله عز وجل في قلوب الذين كفروا الرعب سيلقون سلاحهم ويفرون من ميدان القتال ولو كانوا يحاربون بأقوى الأسلحة، وسيتمكن المؤمنون منهم وينتصرون عليهم بأية قوة أعدوها. وقوله تعالى: {مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} هذه القوة قد تكون ذاتية في النفس بحيث لا تخاف شيئاً، فجسم كل مقاتل قوي ممتليء بالصحة وله عقل يعمل باقتدار وإقبال على القتال في شجاعة، بالإضافة إلى قوة السلاح بأن يكون سلاحاً حديثاً متطوراً بعيد المدى، وأن يحرص المؤمنون على امتلاك كل شيء موصول بالقوة. وكان الهدف قديماً وحديثاً أن يمتلك المقاتل قوة تمكنه من عدوه ولا تمكن عدوه منه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مدى رمي السهام هو رمز القوة. فأول ما تبدأ الحرب يضربون العدو بالنبال، فإذا زحف العدو وتقدم يستخدمون له الرماح، فإذا تم الالتحام كان ذلك بالسيوف. وكانت أحسن قوة في الحرب هي السهام التي ترمي بها خصمك فتناله وهو بعيد عنك، ولا يستطيع أن ينالك أو يقترب منك. ولذلك عندما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة قال فيما يرويه عنه عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} ثم قال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" . تفسير : لأنك بالرمي تتمكن من عدوك ولا يتمكن هو منك، فإذا تفوقت في الرمي كنت أنت المنتصر عليه. ولكن كيف ينطبق ذلك على الحرب في العصر الحديث بعد أن تطورت الأسلحة الفتاكة؟ لقد صارت المدفعية لفترة من الزمن هي السلاح؛ لأنها المحقق للنصر لبعد مداها، ثم جاءت الطائرات لتصبح هي السلاح الأقوى؛ لأنها تستطيع أن تقطع مسافة طويلة وتلقي بقنابلها وتعود. وصارت قوة الطيران هي التي تحدد المنتصر في الحرب؛ لأنها تلحق بالعدو خسائر جسيمة دون أن يستطيع هو أن يرد عليها ما دام غير متفوق في الطيران، ثم بعد ذلك جاءت الصواريخ والصواريخ عابرة للقارات، إلى آخر الأسلحة المتطورة التي تتسابق على اختراعها الدول الآن، وكلها أسلحة بعيدة المدى، والهدف أن تنال كل دولة أرض عدوها ولا يستطيع هو أن ينال أرضها. ويضيف الحق تبارك وتعالى: {وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال: 60]. ورباط الخيل هو القوة التي تحتل الأرض، فمهما بلغت قدرتك في الرمي فأنت لا تستطيع أن تستولي على أرض عدوك، ولكنَّ راكبي الخيل كانوا يدخلون المعركة في الماضي بعد الرمي ليحتلوا الأرض. وهذه عملية تقوم بها المدرعات الآن. فالمعركة تبدأ اولاً رمياً بالصواريخ والطائرات حتى إذا حطمت قوة عدوك انطلقت المدرعات لتحتل الأرض، فالطائرات والصواريخ تهلك العدو وتحطمه ولكنها لا تأخذ الأرض. ولكن الذي يمكننا من الأرض والاستيلاء عليها هو: رباط الخيل، أو المدرعات، ورباط الخيل هو عقده للحرب، أي أن الخيل تُعد وتُعلف وتدرب وتكون مستعدة للحرب في أية لحظة، تماماً كما تأتي للمدرعات وتعدها إعداداً جيداً بالذخيرة، وتصلح ماكيناتها وتتدرب عليها لتكون مستعداً للقتال في أي لحظة. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعةً أو فَزْعةً طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانَّه، ورجل في غنيمة في شَعَفَة من هذه الشعفاء وبطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير . تفسير : أي أنه لا ينتظر بل ينطلق لأي صيحة. ومن الإعجاز في الأداء القرآني أنه أعطانا ترتيباً للحرب، فالحرب أولاً تبدأ بهجوم يحطم قوى العدو بالرمي، سواء كان بالصواريخ أم بالطائرات أم بغيرهما، ثم بعد ذلك يحدث الهجوم البري، ولا يحدث العكس أبداً. ورتب الحق سبحانه وتعالى وسائل استخدام القوة أثناء القتال، فهي أولاً الرمي، وبه نهلك مَكيناً ثم نستولي على المكان، وكان ذلك يتم برباط الخيل الذي تقوم مقامه المدرعات الآن. ونجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في القرآن الكريم بالأداء الذي يعلم ما تأتي به الأيام من اختراعات الخلق، ونجد في زماننا هذا كل قوة للسيارة أو المدرعة أو الدبابة إنما تقاس منسوبة إلى الخيل، فيقال قوة خمسة أحصنة أو خمسمائة حصان. ويقول المولى سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]. فالقصد - إذن - من إعداد هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم؛ لأن مجرد الإعداد للقوة، هو أمر يسبب رهباً للعدو. ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة، وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجتريء عليك، ويتحقق بهذا ما نسميه بلغة العصر "التوازن السلمي". والذي يحفظ العالم الآن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول، بالإضافة إلى العامل الاقتصادي المكلف للحرب، فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح فقط، ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما. وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب. وكل دولة تخشى مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى. وهكذا صار الإعداد للحرب ينفي قيام الحرب. {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]. ولا تظنوا أن من يواجهونكم هم أعداء الله فقط وقد سلطكم سبحانه عليهم، لا بل عليكم أن تعرفوا أت أعداء الله هم أعداؤكم أيضاً؛ لأنهم يفسدون الحياة على المؤمنين. وعدو الله دائماً يحاول أن ينال من المؤمين. وأن ينكل بهم، وأن يجبرهم إن استطاع على الكفر وأن يغريهم على ذلك. فالحق سبحانه وتعالى لا يغضب؛ لأنهم لم يؤمنوا به، بل لأنهم لا يطبقون المنهج الذي يسعد الإنسان على الأرض، فسبحانه وتعالى لا يكرههم ولكن يعاقبهم بسبب الإفساد في الأرض وبغيهم وطغيانهم. {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]. وهذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم فقط الذين ظهروا أثناء الرسالة من كفار قريش واليهود والمنافقين وغيرهم، ولكنَّ هناك خلقاً كثيراً سيأتون بعد ذلك لا تعلمونهم أنتم الآن ولكنَّ الله سبحانه وتعالى يعلمهم، كما يلفتنا سبحانه إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم الذين يظهرون في ميدان القتال فقط ليحاربوا المسلمين، ولكنَّ هناك كثيراً ممن لا يظهرون في ميدان القتال يحاربون دين الله ويحاربون المسلمين. وقد ظهر معنى هذه الآية الكريمة، ولا يزال يظهر للمسلمين، فظهرت عداوة الفرس والروم وحربهم ضد المسلمين، وظهرت عداوة الصليبيين وغيرهم. ومع الزمن سوف يظهر من يعلمهم الله ولا نعلمهم نحن. وقد جاءت أحداث الحياة لتؤكد دقة تعبير القرآن الكريم. ثم يتناول الحق سبحانه وتعالى هواجس النفس البشرية، وهي تنصت لهذه الآيات من الإعداد العسكري، فالذي يخطر على البال أولاً أن مثل هذا الإعداد يتطلب مالاً، ويتطلب جهداً، ويتطلب زمناً فوق الزمن لقضاء المصالح والحوائج. فإياكم أن تنكصوا عن الاستعداد؛ لأن كل ما تنفقونه في سبيل الله محسوب عند الله. وإياكم أن تقولوا: إنّ الإعداد لقوة المجتمع يحتاج مالاً ويقتر على الأبناء؛ لأن الله يرزقكم. ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]. أي أن ما تنفقونه مما يقال له: شيء سواء أكان قليلاً أم كثيراً يرد إليكم، ولقد جاء التعبير بـ{مِّن شَيْءٍ} في قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} أي مما يقال له شيء. ولو جاءت الآية: غنمتم شيئاً، لما شملت الأشياء البسيطة، ولكن قوله تعالى: {مِّن شَيْءٍ} أي من بداية ما يقال له شيء، حتى قالوا: إن الخيط الذي يوجد عند العدو لا بد أن يذهب للغنائم، وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 60]. يعني أي شيء تنفقونه في سبيل الله تعالى مدخر لكم ما دمتم أنفقتموه وليس في بالكم إلا الله عز وجل. أما الإنفاق الذي ظاهره لله وحقيقته للشهرة أو الحصول على الثناء أو للتفاخر أو لقضاء المصالح. فكل ذلك اللون من الإنفاق خارج عن الإنفاق في سبيل الله، لكن الإنفاق في سبيل الله سيرده الله لكم مصداقاً لقوله تعالى: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونََ } أي أن ما تنفقونه في سبيل الله لا ينقص مما معكم شيئاً. على أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء؛ لذلك يطلب منا عز وجل ألا يطغينا هذا الاستعداد للحرب على خلق الله، فما دام لدينا استطاعة وأعددنا قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترىء على خلق الله؛ ولهذا فإن الله عز وجل ينبهنا إلى ذلك بقوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} معناه تَخْزُونَ ويقالُ: تُخِيفُونَ.
الأندلسي
تفسير : {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} الآية، لما اتفق في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا تكميل عدة ولا آلة وأمره تعالى بالتشديد وبنبذ العهد للناقضين كان ذلك سبباً للأخذ في قتاله والتمالي عليه فأمره تعالى والمؤمنين بإِعداد ما قدروا عليه من القوة للجهاد والإِعداد الإِرصاد، وعلق ذلك بالاستطاعة لطفاً منه تعالى. والمخاطبون هم المؤمنون، والضمير في لهم عائد على الكفار المتقدمي الذكر وهم المأمور بحربهم في ذلك الوقت. والظاهر العموم في كل ما يتقوى به في حرب العدو والآلات كالرمي وذكور الخيل وقوة القلوب واتفاق الكلمة والحصون المشيدة وعدة الحرب وعددها والازواد والملابس الباهية، ورباط: جمع ربط. قال ابن عطية: رابط جمع ربط ككلب وكلاب، فلا يكثر ربطها إلا وهي كثيرة ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من رباط كصاح صياحاً، لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس. "انتهى". قوله: لأن مصادر الثلاثي غير المزيد لا تنقاس ليس بصحيح بل له مصادر منقاسة ذكرها النحويون. وقوله: {مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} تفسير لما أبهم في قوله: ما استطعتم. وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، قال: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا وانّ القوة الرمي تفسير : . فمعناه والله أعلم أن معظم القوة وأنكاها للعدوّ الرمي. {تُرْهِبُونَ} تخوفون. وقرىء: ترهّبون بالتشديد. {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} الظاهر أنهم المنافقون لأنه قال: لا تعلمونهم، أي لا تعلمون أعيانهم وأشخاصهم إذ هم يتسترون عنكم أن تعلموهم بالإِسلام، فالعلم هنا كالمعرفة تعدى إلى واحد وهو متعلق بالذوات وليس متعلقاً بالنسبة. {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} الآية، الضمير في جنحوا عائد على الذين نبذ إليهم على سواء وهم بنو قريظة والنظير، جنح الرجل إلى الآخر مال إليه، وجنحت الإِبل أمالت أعناقها في السير قال ذو الرمة: شعر : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنّح تفسير : أي مائلات وجنح يتعدى بإِلى وباللام. والسلم يذكر ويؤنث فقيل: التأنيث لغة. وقيل: على معنى المسالمة. وقيل: حملاً على النقيض وهو الحرب. {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} أي وان يريدوا أي الجانحون للسلم بأن يظهروا السلم ويبطنوا الخيانة، والغدر مخادعة. {فَٱجْنَحْ لَهَا} فما عليك من نياتهم الفاسدة فإِن محسبك وكافيك هو الله تعالى ومن كان الله حسبه لا يبالي من نوى سوأ، ثم ذكّره بما فعل معه أولاً من تأييده بالنصر وبائتلاف المؤمنين على إعانته ونصره على أعدائه فكما لطف بك أو لا يلطف بك آخراً. والمؤمنون هنا الأوس والخزرج. وكان بين الطائفتين من العداوة للحروب التي جرت بينهم ما كان لولا الإِسلام لا ينقضي أبداً ولكنه تعالى منّ عليهم بالإِسلام فأبدلهم بالعداوة محبة وبالتباعد قرباً. ومعنى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي على تأليف قلوبهم واجتماعها على محجة بعضها وكونها في الأوس والخزرج تظاهرت به أقوال المفسرين.
الجيلاني
تفسير : {وَأَعِدُّواْ} أيها المؤمنون {لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} أي: هيئوا لقتالهم من الآلات والأسباب ما يحتاجون في حرابهم، سيما آلات الرمي {وَمِن} جملة العدة: {رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} أي: شد الفرس وارتياضه ليوم الحرب ما يفعله ويشده الأبطال المتشوقون إلى القتال {تُرْهِبُونَ بِهِ} أي: بالأعداد والشد {عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} وهم الذي في حواليكم يقاتلونكم، ويخاصمون معكم جهرةً وعلانيةً؛ يعني: كفار مكة. {وَ} ترهبون به أيضاً {آخَرِينَ مِن دُونِهِمْ} يعني: الذين ينفاقون معكم ويظهرون إطاعتكم وإخاءكم ظاهراً، ويريدون إهلاككم ومقتكم في بواطنهم {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ} أي: عداوتهم؛ لإخفائهم وإظهارهم صدقاتكم {ٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم {يَعْلَمُهُمْ} ويعلم عداوتهم ونفاقهم، ويجازيهم عليها {وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ} للأعداء والتجهيز {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} ونصر دينه، وإعلاء كلمة توحيده {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} جزاؤه بأضعاف ما تصرفون وآلافه {وَأَنْتُمْ} في إنفاقكم وإعدادكم {لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] أي: لا تنقصون من جزائه ولا تخسرون، بل تربحون وتفوزون بما ترضى به نفوسكم، وبما لا تدركه عقولكم من الكرامة تفضلاً وامتناناً. {وَ} بعدما أعددتم عددكم، وهيأتم أسباب الحرب {إِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} أي: مال أعداؤكم للمصالحة والمعاهدة {فَٱجْنَحْ لَهَا} أي: مل وأرض أيها الداعي للخلق إلى الحق تلييناً لهم وتلطيفاً معهم على مقتضى مرتبة النبوة والتكميل {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في جميع أمورك وثق به سبحانه، ولا تخف من مكرهم وخداعهم، فإن الله حسبك وظهيرك يحفظك من مكرهم وغدرهم {إِنَّهُ} بذاته {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] بنياتهم وأعمالهم. {وَإِن يُرِيدُوۤاْ} بعدما صالحوا وعاهدوا {أَن يَخْدَعُوكَ} ويمكروا بك وبأصحابك فلا تبالوا بهم وبغدرهم وخداعهم {فَإِنَّ حَسْبَكَ} أي: كافيك وظهيرك، ومولى جميع أمورك {ٱللَّهُ} الرقيب عليك في جميع حالاتك، كيف لا يرقبك من مكرهم {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ} وقواك، وأظفرك عليهم {بِنَصْرِهِ} بلا أعداء ورباط خيل {وَ} بعد تأييدك بنصره أيدك أيضاً {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] بإيمانهم وإطاعتهمن لك، وبذل مالهم ومهجهم لتقويتك وإعلاء دينك. {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} بحيث ارتفع غشاوة الحمية وحجب العصب عن ضمائرهم مطلقاً، وصاروا في محبتك ومودتك مستوية الأقدام، متحابين لله، منخلعين عن لوازم البشرية مطلقاً، مع كونهم في جاهليتهم على التغالب والتهالك بمقتضى الحمية الجاهلية والغيرة البشرية بحيث {لَوْ أَنفَقْتَ} وصرفت {مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} لائتلافهم واجتماعهم {مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لشدة بغضهم ونفاقهم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المحول لأحال عباده {أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بمقتضى لطفه وجماله؛ لينصروك ويقبلوا دينك، ويصلوا إلى مرتبة اليقين والعرفان، ويتحققوا في مقر التوحيد {إِنَّهُ عَزِيزٌ} غالب على جميع مراداته ومقدوراته {حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] متقن في جميع أفعاله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي { وَأَعِدُّوا } لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. { مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن القوة الرَّمْيُ " تفسير : ومن ذلك: الاستعداد بالمراكب المحتاج إليها عند القتال،ولهذا قال تعالى: { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته. فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها،حتى إنها إذا لم توجد إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب {وقوله: } تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ { ممن تعلمون أنهم أعداؤكم. } وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ { ممن سيقاتلونكم بعد هذا الوقت الذي يخاطبهم الله به } اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ { فلذلك أمرهم بالاستعداد لهم،ومن أعظم ما يعين على قتالهم بذلك النفقات المالية في جهاد الكفار. ولهذا قال تعالى مرغبا في ذلك: } وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ { قليلا كان أو كثيرا } يُوَفَّ إِلَيْكُمْ { أجره يوم القيامة مضاعفا أضعافا كثيرة، حتى إن النفقة في سبيل اللّه، تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.} وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي: لا تنقصون من أجرها وثوابها شيئا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 315 : 21 : 14 - سفين عن أسامة بن زيد عن صلح بن كيسان عن عقبة بن عامر عن النبي، صلى الله عليه وسلم {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ} قال، الرمي. [الآية 60]. 316 : 22 : 16 - سفين عن سعيد بن دينار عن عكرمة قال، القوة؛ الخيل الذكور. 317 : 23 : 17 - سفين عن سعيد بن دينار عن عكرمة، و{وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} قال، الإِناث. [الآية 60]. 318 : 24 : 32 - سفين عن ليث عن مجاهد عن بن عباس في قول الله {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} قال، تخزونهم به. [الآية 60].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):