٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
61
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه لما بين ما يرهب به العدو من القوة والاستظهار، بين بعده أنهم عند الإرهاب إذا جنحوا أي مالوا إلى الصلح، فالحكم قبول الصلح. قال النضر: جنح الرجل إلى فلان، وأجنح له إذا تابعه وخضع له، والمعنى: إن مالوا إلى الصلح فمل إليه وأنث الهاء في لها، لأنه قصد بها قصد الفعلة والجنحة كقوله: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أراد من بعد فعلتهم. قال صاحب «الكشاف»: السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب. قال الشاعر:شعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جرع تفسير : وقرأ أبو بكر عن عاصم للسلم بكسر السين، والباقون بالفتح وهما لغتان. قال قتادة هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : ٱقْتُلُوا ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5] وقوله: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 29] وقال بعضهم الآية غير منسوخة لكنها تضمنت الأمر بالصلح إذا كان الصلاح فيه، فإذا رأى مصالحتهم فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة، وإن كانت القوة للمشركين جاز مهادنتهم للمسلمين عشر سنين ولا يجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه هادن أهل مكة عشر سنين، ثم إنهم نقضوا العهد قبل كمال المدة. أما قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } فالمعنى فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عوناً لك على السلامة، ولكي ينصرك عليهم إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء، ولذلك قال: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } تنبيهاً بذلك على الزجر عن نقض الصلح، لأنه عالم بما يضمره العباد، وسامع لما يقولون. قال مجاهد الآية نزلت في قريظة والنضير. وورودها فيهم لا يمنع من إجرائها على ظاهر عمومها. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} إنما قال «لها» لأن السلم مؤنثة. ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة. والجنوح الميل. يقول: إن مالوا ـ يعني الذين نبذ إليهم عهدهم ـ إلى المسالمة؛ أي الصلح، فمِل إليها. وجنح الرجل إلى الآخر: مال إليه؛ ومنه قيل للأضلاع جوانح؛ لأنها مالت على الحِشُوة. وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير. وقال ذو الرُّمّة:شعر : إذا مات فوق الرَّحْل أحييتُ روحَه بذكراكِ والعِيسُ المراسيل جُنَّحُ تفسير : وقال النابغة:شعر : جوانحُ قد أيقنّ أن قَبِيله إذا ما التقى الجمعان أوّلُ غالبِ تفسير : يعني الطير. وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض. والسَّلم والسلام هو الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن مُحَيْصِن والمفضّل «لِلسِّلِم» بكسر السين. الباقون بالفتح. وقد تقدّم معنى ذلك في «البقرة» مستوفًى. وقد يكون السلام من التسليم. وقرأ الجمهور «فٱجنح» بفتح النون، وهي لغة تميم. وقرأ الأشهب العقيلي «فٱجنُح» بضم النون، وهي لغة قيس. قال ٱبن جنيّ: وهذه اللغة هي القياس. الثانية ـ وقد ٱختُلف في هذه الآية، هل هي منسوخة أم لا. فقال قتادة وعِكرمة: نسخها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5]. {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}تفسير : [التوبة: 36] وقالا: نسخت براءة كلَّ موادعة، حتى يقولوا لا إلۤه إلا الله. ٱبن عباس: الناسخ لها «فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلَى السَّلْمِ». وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجِزية من أهل الجزْية. وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومَن بعده من الأئمة كثيراً من بلاد العجم؛ على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً من أهل البلاد على مال يؤدونه؛ من ذلك خَيْبر، ردّ أهلَها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدّوا النّصف. قال ٱبن إسحاق: قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة؛ لأن الجزية تقبل منهم، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء. وقال السُّدِّيّ وابن زيد: معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم. ولا نسخ فيها. قال ابن العربيّ: وبهذا يختلف الجواب عنه؛ وقد قال الله عز وجل: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ} تفسير : [محمد: 35]. فإذا كان المسلمون على عِزّة وقُوّة ومنَعَة، وجماعة عديدة، وشدّة شديدة فلا صلح؛ كما قال:شعر : فلا صلَح حتى تُطعن الخيلُ بالقَنا وتُضرب بالبِيض الرقاق الجماجمُ تفسير : وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح، لنفعٍ يجتلبونه، أو ضرر يدفعونه، فلا بأس أن يبتدىء المسلمون به إذا احتاجوا إليه. وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم. وقد صالح الضَّمْرِيّ وأكَيْدِرَ دُومَة وأهلَ نجران، وقد هادن قريشاً لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده. وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكةً، وبالوجوه التي شرحناها عاملة. قال القُشَيريّ: إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألاّ تبلغ الهُدْنة سنة. وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين، ولا تجوز الزيادة. وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين. قال ٱبن المنذر؛ اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحُدَيْبِية؛ فقال عروة: كانت أربع سنين. وقال ٱبن جريج: كانت ثلاث سنين. وقال ٱبن إسحاق: كانت عشر سنين. وقال الشافعيّ رحمه الله: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية؛ فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ٱبن حبيب عن مالك رضي الله عنه: تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث، وإلى غير مدة. قال المهلّب: إنما قاضاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين؛ لسبب حبس الله ناقة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن مكة، حين توجه إليها فبركت. وقال: «حديث : حبسها حابس الفيل»تفسير : . على ما خرّجه البخاريّ من حديث المِسْوَر بن مِخْرمة. ودلّ على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مالٍ يؤخذ منهم، إذ رأى ذلك الإمام وجهاً. ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمالٍ يبذلونه للعدوّ: لموادعة النبيّ صلى الله عليه وسلم عُيينة بن حِصْن الفَزَارِيّ، والحارث بن عوف المُرِّيّ يوم الأحزاب، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشاً، ويرجعا بقومهما عنهم. وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقداً. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا ٱستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؛ فقالا: حديث : يا رسول الله، هذا أمر تحبه فنصنعه لك، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع؛ أو أمر تصنعه لنا؟ فقال: «بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة»تفسير : ؛ فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله؛ والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وما طمِعوا قطُّ أن ينالوا منا ثمرة، إلاَّ شراء أو قِرًى؛ فحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له وأعزّنا بك، نعطيهم أموالنا! والله لا نعطيهم إلاَّ السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فُسّر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : أنتم وذاك»تفسير : . وقال لعُيينة والحارث: «حديث : انصرفا فليس لكما عندنا إلاَّ السيف»تفسير : . وتناول سعد الصحيفة، وليس فيها شهادة أن لا إله إلاَّ الله فمحاها.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن جَنَحُواْ} مالوا ومنه الجناح. وقد يعدى باللام وإلى {لِلسَّلْمِ} للصلح أو الاستسلام. وقرأ أبو بكر بالكسر. {فَٱجْنَحْ لَهَا} وعاهد معهم وتأنيث الضمير لحمل السلم على نقيضها فيه. قال:شعر : السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنهَا مَا رَضِيْتَ بِه وَالحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أنْفَاسِهَا جَرَعُ تفسير : وقرىء "فاجْنُحْ" بالضم. {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} ولا تخف من إبطانهم خداعاً فيه، فإن الله يعصمك من مكرهم ويحيقه بهم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم. {ٱلْعَلِيمُ} بنياتهم. والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتصالها بقصتهم وقيل عامة نسختها آية السيف.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة، فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك، فقاتلهم {وَإِن جَنَحُواْ} أي: مالوا {لِلسَّلْمِ} أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، {فَٱجْنَحْ لَهَا} أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون، عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثني فضيل بن سليمان، يعني: النميري، حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنه سيكون بعدي اختلاف أو أمر، فإن استطعت أن يكون السلم، فافعل» تفسير : وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة، وهذا فيه نظر؛ لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله. وقال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} الآية، وفيه نظر أيضاً؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً، فإنه يجوز مهادنتهم؛ كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم. وقوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: صالحهم، وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة؛ ليتقووا ويستعدوا، {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي: كافيك وحده. ثم ذكر نعمته عليه؛ مما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: {هُوَ ٱلَّذِىۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك وموازرتك، {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء؛ فإن الأنصار كانت بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، بين الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} تفسير : [آل عمران: 103]. وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خطب الأنصار، في شأن غنائم حنين، قال لهم: «حديث : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً، فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟» تفسير : كلما قال شيئاً، قالوا: الله ورسوله أمنّ، ولهذا قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: عزيز الجناب، فلا يخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا علي بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحسين القنديلي الاستراباذي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} وذلك موجود في الشعر:شعر : إذا مَتَّ ذو القُربى إليكَ برَحْمِهِ فَغَشَّكَ واستَغْنى فليس بذي رَحْمِ ولكنَّ ذا القربى الذي إنْ دعوتَهُ أجابَ ومَنْ يرمي العَدُوَّ الذي تَرْمي تفسير : قال: ومن ذلك قول القائل:شعر : ولَقَدْ صَحِبْتُ الناسَ ثُمَّ سَبَرْتُهُمْ وبَلَوْتُ ما وَصلُوا منَ الأسبابِ فإذا القَرابَةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعاً وإذا المَوَدَّةُ أقربُ الأسبابِ تفسير : قال البيهقي: لا أدري هذا موصول بكلام ابن عباس، أو هو من قول من دونه من الرواة؟ وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، سمعته يقول: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} الآية، قال: هم المتحابون في الله. وفي رواية: نزلت في المتحابين في الله. رواه النسائي والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر، وإن الله إذا قارب بين القلوب، لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} رواه الحاكم أيضاً، وقال أبو عمرو الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد، ولقيته فأخذ بيدي فقال: إذا التقى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما يتحاتُّ ورق الشجر، قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك؛ فإن الله يقول: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزي عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد، قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال: قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟ قال مجاهد: أما سمعته يقول: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني، وكذا روى طلحة بن مصرف عن مجاهد، وقال ابن عون: عن عمير بن إسحاق، قال: كنا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس - أو قال: عن الناس - الألفة، وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني رحمه الله: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعداً أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده، تحاتت عنهما ذنوبهما، كما تَحاتُّ الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما، ولو كانت مثل زبد البحار».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن جَنَحُواْ } مالوا {لِلسَّلْمِ } بكسر السين وفتحها: الصلح {فَٱجْنَحْ لَهَا } وعاهدهم. قال ابن عباس: هذا منسوخ بآية السيف[5:9] وقال مجاهد: مخصوص بأهل الكتاب إذ نزلت في بني قريظة {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ثق به {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } للقول {ٱلْعَلِيمُ } بالفعل.
الشوكاني
. تفسير : الجنوح: الميل، يقال جنح الرجل إلى الرجل: مال إليه ومنه قيل للأضالع جوانح، لأنها مالت إلى الحنوّة، وجنحت الإبل: إذا مالت أعناقها في السير، ومنه قول ذي الرمة:شعر : إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح تفسير : ومثله قول عنترة:شعر : جوانح قد أيقنّ أن قبيله إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب تفسير : يعني الطير، والسلم: الصلح. وقرأ الأعمش وأبو بكر، وابن محيصن، والمفضل بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ العقيلي "فَٱجْنَحْ" بضم النون، وقرأ الباقون بفتحها. والأولى: لغة قيس، والثانية: لغة تميم. قال ابن جني: ولغة قيس هي القياس، والسلم تؤنث كما تؤنث الحرب، أو هي مؤوّلة بالخصلة، أو الفعلة. وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة؟ فقيل هي منسوخة بقوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [التوبة: 5] وقيل: ليست بمنسوخة، لأن المراد بها قبول الجزية، وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم، فتكون خاصة بأهل الكتاب. وقيل: إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه، وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ وَأَنتُمُ ٱلأَعْلَوْنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمْ } تفسير : [محمد: 35] وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزّة وقوّة، لا إذا لم يكونوا كذلك، فهو جائز كما وقع منه صلى الله عليه وسلم من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرّر في مواطنه {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في جنوحك للسلم، ولا تخف من مكرهم، فـ{إِنَّه} سبحانه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لما يقولون {ٱلْعَلِيمُ } بما يفعلون. {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } بالصلح، وهم مضمرون الغدر والخدع {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } أي: كافيك ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر، وجملة {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } تعليلية، أي لا تخف من خدعهم ومكرهم، فإن الله الذي قوّاك عليهم بالنصر فيما مضى، وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقوّيك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين: المهاجرون والأنصار، ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } وظاهره العموم وأن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان بينهم عصبية شديدة وحروب عظيمة، فألف الله بين قلوبهم بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضاً ولا يحترم ماله ولا دمه، حتى جاء الإسلام فصاروا يداً واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية، وجملة {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حدّ لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جميع ما في الأرض لم يتم له ما طلبه من التأليف، لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جدّاً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بعظيم قدرته وبديع صنعه {إِنَّهُ عَزِيزٌ } لا يغالبه مغالب، ولا يستعصي عليه أمر من الأمور {حَكِيمٌ } في تدبيره ونفوذ نهيه وأمره. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } قال: قريظة. وأخرج أبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال: نزلت في بني قريظة نسختها: {أية : فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى ٱلسَّلْمِ } تفسير : [محمد: 35] إلى آخر الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: السلم الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عنه في الآية قال: إن رضوا فارض. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ في الآية قال: إن أرادوا الصلح، فأرده. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال: نسختها هذه الآية {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله: {أية : وَهُمْ صَـٰغِرُونَ } تفسير : [التوبة: 29]. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: ثم نسخ ذلك: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَإن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ } قال: قريظة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: بالأنصار. وأخرج ابن مردويه، عن النعمان بن بشير نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، نحوه أيضاً. وأخرج ابن عساكر، عن أبي هريرة، قال: مكتوب على العرش: لا إله إلا الله، أنا الله وحدي لا شريك لي، ومحمد عبدي ورسولي أيدته بعلمي، وذلك قوله: {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ }. وأخرج ابن المبارك، وابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن مسعود، أن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } الآية. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان، واللفظ له عن ابن عباس قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب، يقول الله {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } الآية. وأخرج ابن المبارك، وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، والبهيقي عنه نحوه. وليس في هذا عن ابن عباس ما يدلّ على أنه سبب النزول، ولكن الشأن في قول ابن مسعود رضي الله عنه: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله مع أن الواقع قبلها {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } والواقع بعدها {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 64] ومع كون الضمير في قوله: {مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } يرجع إلى المؤمنين المذكورين قبله بلا شك ولا شبهة، وكذلك الضمير في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } فإن هذا يدلّ على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله صلى الله عليه وسلم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وإن مالوا إلى الموادعة فَمِلْ إليها. والثاني: وإن توقفوا عن الحرب مسالمة لك فتوقف عنهم مسالمة لهم. والثالث: وإن أظهروا الإسلام فاقبل منهم ظاهر إسلامهم وإن تخلف باطن اعتقادهم. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها عامة في موادعة كل من سألها من المشركين ثم نسخت بقوله تعالى {أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم} تفسير : [التوبة: 5] قاله الحسن وقتادة وابن زيد. والثاني: أنها في أهل الكتاب خاصة إذا بذلوا الجزية. والثالث: أنها في قوم معينين سألوا الموادعة فأمر بإجابتهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِلسَّلْمِ} الموادعة، أو إن تَوقفوا عن الحرب مسالمة فتوقف عنها مسالمة، أو إن أظهروا الإسلام فاقبله وإن لم تعلم بواطنهم، عامة في كل من سأل الموادعة ثم نسختها آية السيف أو خاصة بالكتابيين يبذلون الجزية، أو في مُعيَّنين سألوا الموادعة فَأُمر بإجابتهم.
الخازن
تفسير : قوله تبارك وتعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} لما أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بإعداد القوة وما يرهب العدو أمرهم بعد ذلك أن يقبلوا منهم الصلح إن مالوا إليه وسألوه فقال تعالى: {وإن جنحوا للسلم} يعني مالوا إلى السلم يعني المصالحة فاقبلوا منهم الصلح وهو قوله تعالى فاجنح لها أي مل إليها يعني إلى المصالحة. روي عن الحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. وقيل: إنها غير منسوخة لكنها تتضمن الأمر بالصلح إذا كان فيه مصلحة ظاهرة فإن رأى الإمام أن يصالح أعداءه من الكفار وفيه قوة فلا يجوز أن يهادنهم سنة كاملة وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة مدة عشر سنين ثم إنهم نقضوا العهد قبل انقضاء المدة. وقوله تعالى: {وتوكل على الله} يعني فوض أمرك إلى الله فيما عقدته معهم ليكون عوناً لك في جميع أحوالك {إنه هو السميع} يعني لأقوالهم {العليم} يعني بأحوالهم: قوله عز وجل: {وإن يريدوا أن يخدعوك} يعني يغدروا بك قال مجاهد: يعني بني قريظة والمعنى وإن أرادوا بإظهار الصلح خديعتك لتكف عنهم {فإن حسبك الله} يعني فإن الله كافيك بنصره ومعونته {هو الذي أيدك بنصره} يعني هو الذي قواك وأعانك بنصره يوم بدر وفي سائر أيامك {وبالمؤمنين} يعني وأيدك بالمؤمنين يعني الأنصار. فإن قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول وبالمؤمنين. قلت: التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير معلومة وبأسباب ظاهرة معلومة فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد بقوله {هو الذي أيدك بنصره} لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله {وبالمؤمنين} لأن أسبابه ظاهرة بوسائط وهم المؤمنون والله سبحانه وتعالى هو مسبب الأسباب وهو الذي أقامهم لنصره ثم بيَّن كيف أيده بالمؤمنين فقال تعالى: {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} وذلك أن العرب كانت فيهم الحمية الشديدة والأنفة العظيمة والأنفس القوية والعصبية والانطواء على الضغينة من أدنى شيء حتى لو أن رجلاً من قبيلة لطم لطمة واحدة قاتل عنه أهل قبيلته حتى يدركوا ثأرهم لا يكاد يأتلف منهم قلبان فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وآمنوا به واتبعوه انقلبت تلك الحالة فائتلفت قلوبهم واستجمعت كلمتهم وزالت حمية الجاهلية من قلوبهم وأبدلت تلك الضغائن والتحاسد بالمودة والمحبة لله وفي الله واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعواناً يقاتلون عنه ويحمونه وهم الأوس والخزرج وكانت بينهم في الجاهلية حروب عظيمة ومعاداة شديدة ثم زالت تلك الحروب وحصلت المحبة والألفة وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وصار ذلك معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرة باهرة دالة على صدقه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي"تفسير : وفي الآية دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف شاء وأرادوا ذلك لأن تلك الألفة والمحبة إنما حصلت بسبب الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إنه سبحانه وتعالى ختم هذه الآية بقوله {إنه عزيز حكيم} يعني أنه تعالى قادر قاهر يمكنه التصرف في القلوب فيقلبها من العداوة إلى المحبة ومن النفرة إلى الألفة وكل ذلك على وجه الحكمة والصواب. قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في إسلام عمر ابن الخطاب قال سعيد بن جبير "أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر فنزلت هذه الآية" فعلى هذا القول تكون الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال فعلى هذا القول أراد بقوله تعالى: {ومن اتبعك من المؤمنين} يعني إلى غزوة بدر وقيل أراد بقوله ومن اتبعك من المؤمنين الأنصار وتكون الآية نزلت بالمدينة وقيل أراد جميع المهاجرين والأنصار، ومعنى الآية يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين وقيل معناه حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين. قوله عز وجل: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} يعني حثهم على قتال عدوهم. والتحريض في اللغة: الحث على الشيء بكثرة التزين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو الهلاك {إن يكن منكم عشرون} يعني رجلاً {صابرون} يعني عند اللقاء محتسبين أنفسهم {يغلبوا مائتين} يعني من عدوهم وظاهر لفظ الآية خبر ومعناه الأمر فكأنه تعالى قال إن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في قتال عدوهم حتى يغلبوا مائتين ويدل على أن المراد بهذا الخبر الأمر قوله {أية : الآن خفف الله عنكم}تفسير : [الأَنفال: 66] لأن النسخ لا يدخل على الإخبار إنما يدخل على الأمر فدل ذلك على أن الله سبحانه وتعالى أوجب أولاً على المؤمنين هذا الحكم وإنما حسن هذا التكليف لأن الله وعدهم بالنصر ومن تكفل الله له بالنصر سهل عليه الثبات مع الأعداء {وإن يكن منكم مائة} يعني صابرة {يغلبوا ألفاً من الذين كفروا} فحاصله وجوب ثبات الواحد من المؤمنين في مقابلة العشرة من الكفار، ذلك {بأنهم قوم لا يفقهون} يعني: أن المشركين لا يقاتلون لطلب ثواب وخوف عقاب إنما يقاتلون حمية فإذا صدقتموهم في القتال فإنهم لا يثبتون معكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ؛ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً؛ إِذ «السَّلْم» بمعنى ٱلمسَالَمَة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ. وقوله سبحانه: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ...} الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: {وَإِن جَنَحُواْ }، أي: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ}، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ}، أي: كافيك ومعطيك نَصْرَه، و{أَيَّدَكَ}: معناه: قوَّاك {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ }، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين. وقوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ...} الآية: إشارةٌ إِلى العدواة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ. قال * ع *: ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في اللَّه. وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ: إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني. قال * ع *: وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: « حديث : المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ ». تفسير : قال * ع *: والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ. * ت *: وفي «صحيح البخاريِّ»: « حديث : الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ٱئْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا ٱخْتَلَفَ »تفسير : . انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي.» تفسير : قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»: ورُوينا عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنه قال: ( حديث : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ »تفسير : ، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد - واللَّه أعلم في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ؛ كما قال: { أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ } تفسير : [المرسلات:41]، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم. انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وإن جنحوا للسلم} قال: قريظة. وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قال: نزلت في بني قريظة، نسختها {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم...} تفسير : [محمد: 35] إلى آخر الآية. وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزي رضي الله عنه "أن النبي كان يقرأ {وإن جنحوا للسلم} ". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن جنحوا للسلم} قال: الطاعة. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قال: إن رضوا فارض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} يقول: إذا أرادوا الصلح فأرده. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه قرأ "وإن جنحوا للسلم" يعني بالخفض وهو الصلح. وأخرج ابن أبي حاتم عن مبشر بن عبيد رضي الله عنهما أنه قرأ "وإن جنحوا للسلم" يعني بفتح السين يعني الصلح. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها} قال: نسختها هذه الآية {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله {صاغرون}. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإن جنحوا للسلم} أي الصلح {فاجنح لها} قال: كانت قبل براءة، وكان النبي يوادع الناس إلى أجل، فإما أن يسلموا وإما أن يقاتلهم، ثم نسخ ذلك في براءة فقال {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} تفسير : [التوبة: 5] وقال: {أية : وقاتلوا المشركين كافة} تفسير : [التوبة: 36] نبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمره أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ويسلموا، وأن لا يقبلوا منهم إلا ذلك، وكل عهد كان في هذه السورة وغيرها وكل صلح يصالح به المسلمون المشركين يتواعدون به، فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأمر بقتالهم قبلها على كل حال حتى يقولوا لا إله إلا الله.
القشيري
تفسير : بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة والشفقة على الخلْق، وبمسالمة الكفار رَجَاء أن يُؤمِنوا في المُسْتَأنف فإِنْ أَبَوْا فليس يخرج أَحدٌ عن قبضة العِزَّة. ويقال العبوديةُ الوقوفُ حيثما وقفت؛ إنْ أُمِرْتَ بالقتال فلا تُقَصِّرْ، وإنْ أُمِرْتَ بالمواعَدةِ فمرحباً بالمُسَالَمةِ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في الحالين فإنه يختار لك ما فيه الخيرة، فيوفِّقُك لِمَا فيه الأَوْلى، ويختار لك ما فيه من قِسمي الأمر - في الحربِ وفي الصُّلحِ - ما هو الأعلى.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإن جنحوا} الجنوح الميل ومنه الجناح لان الطائر يميل به الى أى جهة شاء ويعدى باللام والى اى مال الكفار {للسلم} للصلح والاستسلام بوقوع الرهبة فى قلوبهم بمشاهدة ما لكم من الاستعداد واعتاد العتاد {فاجنح لها} اى للسلم والتأنيث لحمله على نقيضه الذى هو الحرب وهى مؤنثة او لكونه بمعنى المسالمة اى مصالحة {وتوكل على الله} اى لا تخف من ابطان مكرهم فى الصلح فان الله يعصمك {إنه هو السميع} فيسمع ما يقولون فى خلواتهم من مقالات الخداع {العليم} فيعلم نياتهم فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم فى نحرهم والآية عامة لاهل الكتاب وغيرهم. والامر فى قوله فاجنح للاباحة والامر فيه مفوض لرأي الامام وليس يجب عليه ان يقاتلهم ابدا ولا ان يسعفهم الى الصلح عند طلبهم ذلك ابدا بل يبنى الامر على ما فيه صلاح المسلمين فاذا كان للمسلمين قوة فلا ينبغى ان يصالحهم وينبغى ان يحاربهم حتى يسلموا او يعطوا الجزية وان رأى المصلحة فى المصالحة ومال اليها لا يجوز ان يصالحهم سنة كاملة الا اذا كانت القوة والغلبة للمشركين فحينئذ جاز له ان يصالحهم عشر سنين ولا تجوز الزيادة عليها اقتداء برسول صلى الله عليه وسلم فانه عليه السلام فعل كذلك ثم انهم نقضوا العهد قبل تمام المدة وكان ذلك سببا لفتح مكة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإنْ جَنَحُوا للسَّلمْ} أي: وإن مالوا للصلح {فاجْنَح لها} أي؛ فصالحهم، ومل إلى المعاهدة معهم، وتوكل على الله؛ فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعاً؛ فإن الله يعصمك من مكرهم؛ {أية : وَلاَ يَحِيقُ المَكرُ السَّيئُ إِلاَّ بِأَهلِهِ} تفسير : [فاطر:42]، {إنه هو السميع} لأقوالهم، {العليم} بأحوالهم. {وإنْ يُريدُوا أن يخدعُوك} بعد الصلح {فإن حَسْبَكَ الله} أي: فحسبك الله وكافيك شرهم، {هو الذي أيدك} أي: قواك ونصرك {بنصرِه}؛ تحقيقاً، {وبالمؤمنين}؛ تشريفاً، أو {بنصره} قدرة، {وبالمؤمنين} حكمةً، والقدرة والحكمة منه وإليه، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد، وقالوا: العطف يقتضي المغايرة. {وألَّفَ بين قلوبهم} مع ما كان فيها من زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، ثم صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {لو أنفقتَ ما في الأرض جميعاً}، في إصلاح ما بينهم، {ما ألفت بين قلوبهم}؛ لتناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة بينهم، {ولكنَّ الله ألفَ بينهم} بقدرته البالغة؛ فإنه المالك للقلوب يُقبلها كيف يشاء. {إنه عزيز} تام القدرة، لا يَعصي عليه ما يريده، {حكيم} يعلم كيف ينبغي أن يفعل ما يريده. قيل: إن الآية نزلت في الأوس والخزرج، كان بينهم إِحنٌ وضغائن لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك، وألَّف بينهم بالإسلام، حتى تصادقوا وصاروا أنصار الدين. وبالله التوفيق. الإشارة: وإن مالت النفس وجنودها إلى الصلح مع صاحبها؛ بأن ألقت السلاح، ومالت إلى فعل كل ما فيه خير وصلاح، وعقدت الرجوع عن هواها، والدؤوب على طاعة مولاها، فالواجب عقد الصلح معها، وتصديقها فيما تأمر به أو تَنْهَى عنه، مما يرد عليها، مع التوكل على مولاها، فإن خدعت بعد ذلك، أو رجعت إلى مألوفها، فالله يكفي أمرها، ويقوي صاحبها على درها، إما بسبب شيخ كامل، أو أخ صالح، فإن الصحبة فيها سر كبير، لا سيما مع أهل الصفاء، الذين صفت قلوبهم، وألف الله بينهم بالمحبة والوداد، وحسن الظن والاعتقاد، وإما بسابق عناية ربانية وقوة إلهية. وبالله التوفيق. ثم أمر نبيه بالاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر عن عاصم "السلم" بكسر السين. الباقون بفتحها وفي ذلك ثلاث لغات: الفتح والكسر مع سكون اللام، وفتح السين واللام معاً ومعناها المسالمة ولذلك أنث قال رجل من اليمن جاهلي: شعر : أنا بل انني سلم لاهلك فاقبلي سلمى تفسير : قال ابو الحسن: السلم فيها الكسر والفتح لغتان. وقال غيره: السلم بفتح السين واللام على ثلاثة أوجه. تقول: أخذت الأسير سلماً اي على الاستسلام. والسلم السلف على السلامة. والسلم شجر واحده سلمة، تقول له بالسلامة. وقوله: {وإن جنحوا للسلم} معناه ان مالوا إلى المسالمة، تقول: جنح يجنح جنوحاً وجنحت السفينة إذا مالت إلى الوقوف، ومنه جناح الطائر لانه يميل به في احد شقيه. ولا جناح عليه في كذا اي لا ميل إلى مأثم، قال ابو زيد: جنح يجنح جنوحاً إذا اعطى بيده او عدل إلى ما يحب القوم، وجنح العدو والخيل، وجنحت الابل إذا اخفضت في السير. وليس في الآية ما يدل على ان الكفار إذا ما لو إلى الهدنة وجب اجابتهم اليها على كل حال، لأن الأحوال تختلف في ذلك، فتارة تقتضي الاجابة، وتارة لا تقتضي، وذلك إذا وتروا المسلمين بأمر يقتضي الغلظة مع حصول العدة والقوة. فان قيل: اذا جازت الهدنة مع الكفار فهلا جاز المكافة في أمر الامامة حتى يجوز تسليمها إلى من لا يستحقها؟ قلنا: تسليم الامامة إلى من لا يستحقها فساد في الدين كفساد تسليم النبوة إلى مثله. وقوله {وتوكل على الله} اي فوض امرك اليه تعالى وثق بأنه لا يدبره الا على ما تقتضيه الحكمة. واختلفوا هل في الآية نسخ؟ فقال الحسن وقتادة وابن زيد: نسخها قوله: {أية : اقتلوا المشركين } تفسير : وقال قوم: ليست منسوخة، لانها في الموادعة لاهل الكتاب والاخرى في عباد الاوثان، والصحيح أنها ليست منسوخة، لأن قوله: {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : نزلت في سنة تسع وبعث بها رسول الله إلى مكة ثم صالح اهل نجران بعد ذلك على الفي حلة: ألف في صفر وألف في رجب. وقوله {إنه هو السميع العليم} معناه انه يسمع دعاء من يدعوه عليم بما تقتضي المصلحة من اجابته وحسن تدبيره
الجنابذي
تفسير : {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} اى الصّلح والدّخول فى الاسلام أو الدّخول فى الايمان كما عن الصّادق (ع) انّه الدّخول فى امرنا {فَٱجْنَحْ لَهَا} فانّ قتالك ليس الاّ مقدّمة الصّلح والسّلم بمعنى الصّلح يؤنّث سماعاً {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} ولا تخف من خديعتهم بالصّلح فانّ الله عاصمك {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لكلّ ما قالوا فيك فيدبّر ما فيه صلاحك {ٱلْعَلِيمُ} يعلم نيّاتهم وعاقبة امرك وامرهم فلا يفوته شيءٌ ولا يسبقه شيءٌ.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن جَنَحُوا} أي مالوا { لِلسِّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} والسلم هو الصلح. قوله: {فَاجْنَحْ لَهَا} أي للموادعة. قال مجاهد: هم قريظة. وقال بعضهم: نسخها في هذه الآية: (أية : فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5]. قوله: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} أي فلا أسمع منه ولا أعلم منه. قوله: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} قال مجاهد: هم قريظة. وقال الحسن: يعني المشركين، يقول: إن هم اظهروا لك الإِيمان وأسرّوا الكفر ليخدعوك بذلك [لتعطيهم حقوق المؤمنين وتكف عن دمائهم وأموالهم] فإن حسبك الله. {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} أي أعانك بنصره { وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} يعني قلوب المؤمنين { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} يعني أنهم كانوا أهل جاهلية يقتل بعضهم بعضاً ويسبى بعضهم بعضاً، متعادين، فألّف الله بين قلوبهم حتى تحابّوا وذهبت الضغائن التي كانت بينهم بالإِسلام {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {وإنْ جَنحُوا} مالوا، أو يتعدى بإلى، وإذا وصل بلام فهى بمعنى إلى كما فى الآية: وقيل: يتعدى بإلى وباللام، وسمى جناح الطائر جناحا لأنه يميل، أو لأنه جانب {للسَّلْم} الصلح، وقرأ أبو بكر بكسر السين {فاجْنَح} مل، وقرأ الأشهب العقيلى بضم النون، وهو لغة قيس، قال أبو الفتح: الضم القياس، لأن الثلاثى المفتوح العين اللازم ضم عين مضارعة أقيس كقعد يقعد، وهو أولى من جلس يجلس بالكسر، وأما الفتح فى قراءة الجمهور فلحرف الحلق {لَها} للسَّلم وهو يذكر ويؤنث، وقال أبو حاتم هو مذكر، فإنما يؤنث حملا على ضده وهو الحرب، أو لمعنى المسالمة والهدنة، وقيل: هو مؤنث كالحرب، والآية محكمة بمعنى أنهم إذا أرادوا السلم فعاهدهم بحسب المصلحة إن رأيتها، وإلا فلا، وقال بعضهم: ليس للإمام أن يهادنهم سنة كاملة إن كانت فيه قوة، وإن كانت القوة للمشركين جاز أن يهادنهم عشر سنين لا أكثر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة عشر سنين، ثم نقضوا العهد قبل انقضاء المدة. وقال ابن زيد، وعكرمة، وقتادة، والحسن: منسوخة بآية القتال فى براءة، على أن الضمير فى جنحوا للكفار مطلقا، وقيل: لأهل الكتاب قريظة لاتصال الآية بقصتهم وقال الطبرى: هذه الآية فى من تجوز مصالحته، والتى فى براءة فى عبدة الأوثان فلا نسخ فى ذلك، وعن ابن عباس: منسوخة لقوله: {أية : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} تفسير : وهذا بعيد عن ابن عباس فيما قيل، والمشهور عنه أنها منسوخة بآية براءة: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر}تفسير : وقال مجاهد: نسخت بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين} تفسير : والحق أن الآية محكمة فى أهل الكتاب أو فى العموم، وأن السَّلم موقوف على مصلحة يراها الإمام. {وتَوكَّل عَلى اللهِ} فى السَّلم لا تخف خداعهم، فإن الله يرد مكرهم عليهم {إنَّه هُو السَّميع} لأقوالهم {العَليمُ} بأفعالهم وما أضمروه.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ جنَحُوا} مالوا، أَى الكفار مطلقا، أَهل الكتاب كقريظ والنضير، وغير أَهل الكتاب من سائر المشركين لأَنه يجوز عقد الصلح والهدنة والأَمان مع أَهل الكتاب بلا جزية عليهم أو مع غيرهم لمصلحة فى ذلك، كاشتغال الإِمام بغيرهم، ويتفرغ لهم بعد ذلك إِن شاءَ الله عز وجل، وكتحصيل القوة إِن كان ضعف فى المؤمنين، وإِن أريد مطلق المتاركة فمنسوخ بآية السيف، فى غير أَهل الكتاب وفيهم بالجزية، وقيل: كان يأخذ الجزية من غيرهم ثم نسخت بالسيف وخصت بهم، وقيل: المراد بنو قريظة والنظير، وورود الآية فيهم لا يمنع من عموم الحكم بظاهرها، ووجه الحمل لأَهل الكتاب كلهم عليهما أَن الآية متصلة بهما، إِذ قال: الذين عاهدت منهم إِلخ.. وصحح أَن الأَمر فيمن تقبل منهم الجزية وهم أَهل الكتاب والمجوس، وادعى بعض أَنه لا يهادن الإِمام أَهل الشرك بلا جزية أَكثر من عشر سنين لأَنه صلى الله عليه وسلم صالح أَهل مكة عشرا، ثم إِنهم نقضوا {لِلسَّلْمِ} الصلح، أَى إِلى السلم {فَاجْنَحْ} مل {لَهَا} إِليها بمعاهدتهم عليها والسلم يذكر ويؤنث، وأَصله التذكير، أَما التأنيث فحمل على ضده المؤنث وهوا لحرب، قال السمرقندى: لا ينبغى مصالحة المشركين إِذا قوى الإِسلام، ولا توضع الجزية على العرب لأَنه صلى الله عليه وسلم منهم، وهى نقص، والشرك نقص، فيقاتلون حتى يسلموا كلهم، وقيل: الجزية على أَهل الكتاب وغيرهم إِلا العرب وإِنما أَمرنا بالصلح حين ضعف الإِسلام، والظاهر المصالحة ولو قوى الإِسلام لمصلحة نافعة فى الإِسلام {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} فى أمرك كله فلا تخف أَن يخدعوك، إِذا سالمتهم، فإِن الله ناصرك ومهلكهم {إِنَّهُ} لأَنه {هُوَ السَّمِيعُ} العليم بأَقوالهم {الْعَلِيمُ} بأَفعالهم ونياتهم وأَحوالهم.
الالوسي
تفسير : {وَإِن جَنَحُواْ} الجنوح الميل ومنه جناح الطائر لأنه يتحرك ويميل ويعدى باللام وبإلى أي وإن مالوا {لِلسَّلْمِ} أي الاستسلام والصلح. وقرأ ابن عباس وأبو بكر بكسر السين وهو لغة {فَٱجْنَحْ لَهَا} أي للسلم، والتأنيث لحمله على ضده وهو الحرب فإنه مؤنث سماعي. وقال أبو البقاء: إن السلم مؤنث ولم يذكر حديث الحمل وأنشدوا:شعر : السلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جرع تفسير : وقرأ الأشهب العقيلي {فَٱجْنَحْ} بضم النون على أنه من جنح يجنح كقعد يقعد وهي لغة قيس والفتح لغة تميم وهي الفصحى، والآية قيل مخصوصة بأهل الكتاب فإنها كما قال مجاهد والسدي نزلت في بني قريظة وهي متصلة بقصتهم بناءً على أنهم المعنيون بقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتَّ } تفسير : [الأنفال: 56] الخ، والضمير في {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 60] لهم، وقيل: هي عامة للكفار لكنها منسوخة بآية السيف لأن مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلام أو السيف بخلاف غيرهم فإنه تقبل منهم الجزية، وروي القول بالنسخ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وصحح أن الأمر فيمن تقبل منهم الجزية على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله من حرب أو سلم وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وادعى بعضهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثر من عشر سنين اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صالح أهل مكة هذه المدة ثم إنهم نقضوا قبل انقضائها كما مر فتذكر، {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوض أمرك إليه سبحانه ولا تخف أن يظهروا لك السلم وجوانحهم مطوية على المكر والكيد {أَنَّهُ} جل شأنه {هُوَ ٱلسَّمِيعُ} فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالات الخداع {ٱلْعَلِيمُ} فيعلم نياتهم / فيؤاخذهم بما يستحقونه ويرد كيدهم في نحرهم.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من بيان أحوال معاملة العدوّ في الحرب: من وفائهم بالعهد، وخيانتهم، وكيف يحلّ المسلمون العهد معهم إن خافوا خيانتهم، ومعاملتهم إذا ظفروا بالخائنين، والأمر بالاستعداد لهم؛ إلى بيان أحكام السلم إن طلبوا السلم والمهادنة، وكفّوا عن حالة الحرب. فأمر الله المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم وأن يوافقوا من سأله منهم. والجنوح: المَيْل، وهو مشتقّ من جناح الطائِر: لأنّ الطائِر إذا أراد النزول مال بأحد جناحيه، وهو جناح جانبه الذي ينزل منه، قال النابغة يصف الطير تتبع الجيش:شعر : جوانِحُ قد أيقنَّ أنّ قبيلَه إذا ما التقى الجمعان أوَّلُ غالب تفسير : فمعنى {وإن جنحوا للسلم} إن مالوا إلى السلم ميل القاصد إليه، كما يميل الطائِر الجانح. وإنّما لم يقل: وإن طلبوا السلم فأجبهم إليهم، للتنبيه على أنّه لا يسعفهم إلى السلم حتى يعلم أن حالهم حال الراغب، لأنّهم قد يظهرون الميل إلى السلم كيداً، فهذا مقابل قوله: {أية : وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء}تفسير : [الأنفال: 58] فإن نبذ العهد نبذ لحال السلم. واللام في قوله: {للسلم} واقعة موقع (إلى) لتقوية التنبيه على أنّ ميلهم إلى السلم ميل حق، أي: وإن مالوا لأجل السلم ورغبة فيه لا لغرض آخر غيره، لأنّ حقّ {جَنح} أن يعدّى بـ(إلى) لأنّه بمعنى مال الذي يعدّى بإلى فلا تكون تعديته باللام إلاّ لغرض، وفي «الكشّاف»: أنّه يقال جنح له وإليه. والسلم ـ بفتح السين وكسرها ـ ضدّ الحرب. وقرأه الجمهور ـ بالفتح ـ، وقرأه حمزة، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف ـ بكسر السين ـ وحقّ لفظه التذكير، ولكنّه يؤنّث حملاً على ضدّه الحرب وقد ورد مؤنّثاً في كلامهم كثيراً. والأمر بالتوكّل على الله، بعد الأمر بالجنوح إلى السلم، ليكون النبي صلى الله عليه وسلم معتمداً في جميع شأنه على الله تعالى، ومفوّضاً إليه تسيير أموره، لتكون مدّة السلم مدّة تقوّ واستعداد، وليكفيه الله شرّ عدوّه إذا نقضوا العهد، ولذلك عُقب الأمر بالتوكّل بتذكيره بأنّ الله السميع العليم، أي السميع لكلامهم في العهد، العليمُ بضمائرهم، فهو يعاملهم على ما يعلم منهم. وقوله: {فاجنح لها} جيء بفعل {اجنح} لمشاكلة قوله {جنحوا...}. وطريق القصر في قوله: {هو السميع العليم} أفاد قصر معنى الكمال في السمع والعلم، أي: فهو سميع منهم ما لا تسمع ويعلم ما لا تعلم. وقصر هذين الوصفين بهذا المعنى على الله تعالى عقب الأمر بالتوكل عليه يفضي إلى الأمر بقصر التوكّل عليه لا على غيره. وفي الجمع بين الأمر بقصر التوكل عليه وبين الأمر بإعداد ما استطاع من القوة للعدوّ: دليل بَيِّن على أنّ التوكّل أمر غير تعاطي أسباب الأشياء، فتعاطي الأسباب فيما هو من مقدور الناس، والتوكّل فيما يخرج عن ذلك. واعلم أنّ ضمير جمع الغائبين في قوله: {وإن جنحوا للسلم} وقع في هذه الآية عقب ذكر طوائف في الآيات قبلَها، منهم مشركون في قوله تعالى: {أية : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم}تفسير : [الأنفال: 48]، ومنهم من قيل: إنّهم من أهل الكتاب، ومنهم من تردّدت فيهم أقوال المفسّرين: قيل: هم من أهل الكتاب، وقيل: هم من المشركين، وذلك قوله: {أية : إن شر الدوآب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم}تفسير : [الأنفال: 55، 56] الآية. قيل: هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، وقيل: هم من المشركين، فاحتمل أن يكون ضمير {جنحوا} عائداً إلى المشركين. أو عائداً إلى أهل الكتاب، أو عائداً إلى الفريقين كليهما. فقيل: عاد ضمير الغيبة في قوله: {وإن جنحوا للسلم} إلى المشركين، قاله قتادة، وعكرمة، والحسن، وجابر بن زيد، ورواه عطاء عن ابن عبّاس، وقيل: عاد إلى أهل الكتاب، قاله مجاهد. فالذين قالوا: إنّ الضمير عائِد إلى المشركين، قالوا: كان هذا في أوّل الأمر حين قلّة المسلمين، ثم نسخ بآية سورة براءة (5) {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}تفسير : الآية. ومن قالوا الضمير عائد إلى أهل الكتاب قالوا هذا حكم باق، والجنوح إلى السلم إمّا بإعطاء الجزية أو بالموادعة. والوجه أن يعود الضمير إلى صنفي الكفار: من مشركين وأهل الكتاب، إذ وقع قبله ذكر الذين كفروا في قوله: {أية : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا}تفسير : [الأنفال: 55] فالمشركون من العرب لا يقبل منهم إلاّ الإسلام بعد نزول آية براءة، فهي مخصّصة العمومَ الذي في ضمير {جنحوا} أو مبيّنة إجمالَه، وليست من النسخ في شيء. قال أبو بكر بن العربي: «أما من قال إنها منسوخة بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين}تفسير : [التوبة: 5] فدعوى، فإنّ شروط النسخ معدومة فيها كما بيّنّاه في موضعه». وهؤلاء قد انقضى أمرهم. وأمّا المشركون من غيرهم، والمجوس، وأهل الكتاب، فيجري أمر المهادنة معهم على حسب حال قوّة المسلمين ومصالحهم وأنّ الجمع بين الآيتين أوْلى: فإن دَعَوا إلى السلم قبل منهم، إذا كان فيه مصلحة للمسلمين. قال ابن العربي: فإذا كان المسلمون في قوّة ومنعة وعدّة: شعر : فلاَ صلح حتى تُطعَن الخيل بالقنا وتضربَ بالبيض الرقاقِ الجماجمُ تفسير : وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به أو ضرّ يندفع بسببه فلا بأس أن يبتدىء المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دُعوا إليه. قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهلَ خيبر، ووادع الضمري، وصالح أكيد رَدُومة، وأهلَ نجران، وهادن قريشاً لعشرة أعوام حتى نَقضوا عهده». أمّا ما همّ به النبي صلى الله عليه وسلم من مصالحة عُيَينة بن حصن، ومن معه، على أن يعطيهم نصف ثِمار المدينة فذلك قدْ عدَل عنه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال سعد بن عبادة، وسعد بن مُعاذ، في جماعةِ الأنصار: لا نعطيهم إلاّ السيف. فهذا الأمر بقبول المهادنة من المشركين اقتضاه حال المسلمين وحاجتهم إلى استجمام أمورهم وتجديد قوتهم، ثم نسخ ذلك، بالأمر بقتالهم المشركين حتى يؤمنوا، في آيات السيف. قال قتادة وعِكرمة: نَسختْ براءة كلّ مواعدة وبقي حكم التخيير بالنسبة لمن عدا مشركي العرب على حسب مصلحة المسلمين.
د. أسعد حومد
تفسير : (61) - وَإِذَا جَنَحَ الأَعْدَاءُ إِلى السِّلْمِ، وَمَالُوا إِلَى المُهَادَنَةِ وَالمُصَالَحَةِ، فَمِلْ أَنْتَ إِليها، وَاقْبلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ، لأَنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ غَرَضاً مَقْصُوداً لِذَاتِهِ عِنْدَكَ، وَإِنَّمَا تَقْصِدُ بِهَا أَنْتَ دَفْعَ خَطَرِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، وَلأَِنَّكَ أَوْلَى بِالسِّلْمِ مِنْهُمْ، وَفَوِّضِ الأَمْرَ للهِ، وَلاَ تَخَفْ غَدْرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ، فَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُونَ، العَلِيمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ مِنَ الكَيْدِ وَالخِدَاعِ، وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْكَ. (وَلِذَلِكَ قَبِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصُّلْحَ فِي الحُدَيْبِيَةِ لَمَّا طَلَبَهُ المُشْرِكُونَ). [وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ وَقَدْ جَاءَ فِيهَا: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}. تفسير : جَنَحُوا لِلسَّلْمِ - مَالُوا لِلْمُسَالَمَةِ وَالمُصَالَحَةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} أي فمل إليها وصالحهم، قالوا: وكانت هذه قبل (براءة) ثم مسخت بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وقوله: قاتلوا الذين يؤمنون بالله، الآية {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} يغدروا ويمكروا بك، قال مجاهد: يعني قريظة {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} كافيك الله {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} قال السدّي: يعني الأنصار {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} جمع بين قلوبهم وهم الأوس والخزرج على دينه بعد حرب سنين، فصيرّهم جميعاً بعد أن كانوا أشتاتاً، وأخواناً بعد أن كانوا أعداءً {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} إلى قوله تعالى {حَكِيمٌ}. روى ابن عفّان عن عمير بن إسحاق، قال: كنّا نتحدث أن أول مايرفع من الناس الالفة {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ}. [........] أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وستّ نسوة، ثم أسلم عمر (رضي الله عنه) فنزلت هذه الآية: يا أيها النبيّ حسبك الله {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ} قال اكثر المفسرين: محل من نصب عطفاً على الكاف في قوله حسبك، ومعنى الآية: وحسب من أتبعك، وقال بعضهم رفع عطفاً على اسم الله تقديره: حسبك الله ومتّبعوك من المؤمنين. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حثّهم على القتال {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} رجلاً صابرون محتسبون {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} من عدوّهم ويقهروهم {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ} صابرة محتسبة تثبت عند اللقاء وقتال العدو {يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير احتساب، ولا طلب ثواب، فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خشية أن يُقتلوا، وصورة الآية خبر ومعناه أمر. وكان هذا يوم بدر قَرَنَ على الرجل من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين وضجّوا فخفّف الله الكريم عنهم وأنزل {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} أي في الواحد عن قتال عشرة والمائة عن قتال الألف، وقرأ أبو جعفر ضعفاً بفتح الضاد، وقرأ بعضهم: ضعفاء بالمد على جمع ضعيف مثل شركاء. {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [أي عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكُسر أول عشرين كما كسر اثنان]، وإذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغِ [لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم] القتال وجاز لهم أن [يتحوزوا] عنهم. {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : لما كان يوم بدر جيء بالأسرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم فاستعن بهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية [تكن] لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، ومكِّن علياً من عقيل يضرب عنقه، ومكّني من فلان نسيب لعمر أضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً، فقال العباس، قطعتك رحمك، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم. ثم دخل فقال أُناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله يلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وأن الله يشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: فمن تبعني فإنّه منّي، ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى. قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ومثلك ياعمر مثل نوح قال رب لاتذر على الأرض من الكافرين دياراً، ومثلك كمثل موسى قال {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] الآية. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم اليوم عالة فلا يفلتنّ أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق، قال عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن البيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع عليّ الحجارة من السماء مني ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا سهيل بن البيضاء". قال: فلمّا كان من الغد جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ما بكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي للذي عرض على اصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليّ عذابكم، ودنا من هذه الشجرة شجرة، قريبة من نبي الله فأنزل الله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} تفسير : بالتاء بصري الباقون بالياء، أسرى: جمع أسير مثل قتيل وقتلى {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أي يبالغ في قتل المشركين وأسرهم وقهرهم، أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ، وأثخنته معرفة بمعنى قلته معرفة. قال قتادة هذا يوم بدر، فاداهم رسول الله بأربعة آلاف بأربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، وكان أول قتال قاتل المشركين. قال ابن عباس كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلمّا كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأُسارى {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} تفسير : [محمد: 4] فجعل الله نبيه والمؤمنين في أمر الأُسارى بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وأن شاءوا فادوهم وإن شاؤوا رفقوا بهم. {تُرِيدُونَ} أيها المؤمنون {عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} بأخذكم الفداء {وَٱللَّهُ يُرِيدُ} ثواب {ٱلآخِرَةَ} بقهركم المشركين ونصركم دين الله {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا، فهو لا يريد منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان، وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود السلام ويعم الكون؛ لذلك ينهانا سبحانه وتعالى أن يكون استعدادنا للقتال وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم. ولهذا فإن طلب الخصم السلم والسلام صار لزاماً علينا أن نسالمهم. وإياك أن تقول: إن هذه خديعة وإنهم يريدون أن يخدعونا؛ لأنك لا تحقق شيئاً بقوتك، ولكن بالتوكل على الله عز وجل والتأكد أنه معك، والله عز وجل يريد الكون متسانداً لا متعانداً. وهو سبحانه وتعالى يطلب منك القوة لترهب الخصوم. لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون سبب. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61]. أي إن مالوا إلى السلم ودعوك إليه فاتجه أنت أيضاً إلى السلم، فلا داعي أن تتهمهم بالخداع أو تخشى أن ينقلبوا عليك فجأة؛ لأن الله تعالى معك بالرعاية والنصر، وأنت من بعد ذلك تأخذ استعدادك دائماً بما أعددته من قوتك. وقول الحق: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [الأنفال: 61]. أي إياك أن تتوكل أو تعتمد على شيء مما أعددت من قوة؛ لأن قصارى الأمر أن تنتهي فيه إلى التوكل على الله فهو يحميك. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى حيثية ذلك فيقول: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]. أي أنه لا شيء يغيب عن سمعه إن كان كلاماً يقال، أو عن علمه إن كان فعلاً يتم. وإياك أن تخلط بين التوكل والتواكل، فالتوكل محله القلب والجوارح تعمل؛ فلا تترك عمل الجوارح وتدعي أنك تتوكل على الله، وليعلم المسلم أن الانتباه واجب، وإن رأيت من يفقد يقظته لا بد أن تنبهه إلى ضرورة اليقظة والعمل، فالكلام له دور هنا، وكذلك الفعل له دور؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]. ولنلحظ أن قول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]. هذا القول إنما جاء بعد قوله تعالى: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}تفسير : [الأنفال: 60]. وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له. ويريد الحق تبارك وتعالى أن ينبهنا إلى قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي يجب ألا يكونا أداة للطغيان، ولا للقتال لمجرد القتال. ولذلك ينبهنا سبحانه وتعالى إلى أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب؛ لأن الدين يريد سلام المجتمع، والإسلام لا ينتشر بالقوة وإنما ينتشر بالإقناع والحكمة. فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام؛ لأنه هو دين الحق الذي يقنع الناس بقوة حجته ويجذب قلوبهم بسماحته، وكل ذلك لشحن مدى قوة الإيمان، لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين، ولكن دون أن تبطرنا القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد، فإن مالوا إلى السلم، علينا أن نميل إلى السلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد سلامة المجتمع الإنساني. وإن كنتم تخافون أن يكون جنوحهم إلى السلم خديعة منهم حتى نستنيم لهم، ثم يفاجئونا بغدر، فاعلم أن مكرهم سوف يبور؛ لأنهم يمكرون بفكر البشر، والمؤمنون يمكرون بفكر من الحق سبحانه وتعالى؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ...}
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما أمر الله تعالى بإِعداد العدة لإِرهاب الأعداء، أمر هنا بالسلم بشرط العزة والكرامة متى وجد السبيل إِليه، لأن الحرب ضرورة اقتضتها ظروف الحياة لرد العدوان، وحرية الأديان، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان، ثم تناولت الآيات الكريمة حكم الأسرى، وختمت السورة بوجوب مناصرة المؤمنين بعضهم لبعض، بسبب الولاية الكاملة وأخوة الإِيمان. اللغَة: {جْنَحْ} مال يقال: جنح الرجل إِلى فلان إِذا مال إِليه وخضع له، وجنحت الإِبل: إِذا مالت أعناقها في السير، ومنه قيل للأضلاع جوانح {ٱلسَّلْمِ} المسالمة والصلح قال الزمخشري: وهي تؤنث تأنيث ضدها وهي الحرب قال الشاعر: شعر : السِّلم تأخذ منها ما رضيت به والحرب تكفيك من أنفاسها جُرع تفسير : {حَرِّضِ} التحريض: الحث على الشيء وتحريك الهمة نحوه كالتحضيض {يُثْخِنَ} قال الواحدي: الإِثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إِذا اشتدت قوته عليه، وأثخنته الجراح، والثخانة: الغلظة، والمراد بالإِثخان هنا المبالغة في القتل والجراحات. سَبَبُ النّزول: أ - عن عمر رضي الله عنه قال: حديث : لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً فقال أبو بكر: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإِني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً، فقال رسول الله: ما ترى يا ابن الخطاب! قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة على المشركين، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِذا هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان، فقلت يا رسول الله: أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإِن وجدت بكاءً بكيت، وإِن لم أجد بكاءً تباكيت، فقال صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) لشجرة قريبة فأنزل الله {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ..} تفسير : الآية. ب - لما حديث : وقع العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم في الأسر كان معه عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ابني أخيه فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أضعفوا على العباس الفداء) فأخذوا منه ثمانين أوقية فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تركتني أتكفَّف قريشاً ما بقيت، فقال له صلى الله عليه وسلم: وأين الذهب الذي تركته عند أم الفضل؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: إِنك قلت لها: إِني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا! فإِن حدث بي حدث فهو لك ولولدك، فقال يا ابن أخي: من أخبرك بهذا؟ قال: الله أخبرني فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم، وأمر ابني أخيه فأسلما ففيهما نزلت {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ..}تفسير : الآية. التفسِير: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} أي إِن مالوا إِلى الصلح والمهادنة فمل إِليه وأجبهم إِلى ما طلبوا إِن كان فيه مصلحة {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي فوض الأمر إِلى الله ليكون عوناً لك على السلامة {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو سبحانه السميع لأقوالهم العليم بنياتهم {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} أي وإِن أرادوا بالصلح خداعك ليستعدوا لك {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي فإِن الله يكفيك وهو حسبك، ثم ذكره بنعمته عليه فقال {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي قواك وأعانك بنصره وشد أزرك بالمؤمنين قال ابن عباس: يعني الأنصار {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي جمع بين قلوبهم على ما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فأبدلهم بالعداوة حباً، وبالتباعد قرباً قال القرطبي: وكان تأليف القلوب مع العصبيّة الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأن أحدهم كان يُلطم اللطمة فيقاتل عليها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بينهم بالإِيمان، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي لو أنفقت في إِصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال ما قدرت على تأليف قلوبهم واجتماعها على محبة بعضها بعضاً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} أي ولكنه سبحانه بقدرته البالغة جمع بينهم ووفق، فإِنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب على أمره لا يفعل شيئاً إِلا عن حكمة {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي الله وحده كافيك، وكافي اتباعك، فلا تحتاجون معه إِلى أحد وقال الحسن البصري: المعنى حسبك أي كافيك الله والمؤمنون {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} أي حض المؤمنين ورغبهم بكل جهدك على قتال المشركين {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} قال أبو السعود: هذا وعد كريم منه تعالى بغلبة كل جماعة من المؤمنين على عشرة أمثالهم والمعنى: إِن يوجد منكم يا معشر المؤمنين عشرون صابرون على شدائد الحرب يغلبوا مائتين من عدوهم، بعون الله وتأييده {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وإِن يوجد منكم مائة - بشرط الصبر عند اللقاء - تغلب ألفاً من الكفار بمشيئة الله {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} الباء سببية أي سبب ذلك بأن الكفار قوم جهلة لا يفقهون حكمة الله، ولا يعرفون طريق النصر وسببه، فهم يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، فلذلك يُغلبون قال ابن عباس: كان ثبات الواحد للعشرة فرضاً، ثم لما شق ذلك عليهم نسخ وأصبح ثبات الواحد للاثنين فرضاً {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} أي رفع عنكم ما فيه مشقة عليكم {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} أي وعلم ضعفكم فرحمكم في أمر القتال {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} أي إِن يوجد منكم مائة صابرة على الشدائد يتغلبوا على مائتين من الكفرة {وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ} أي وإِن يوجد منكم ألف صابرون في ساحة اللقاء، يتغلبوا على ألفين من الأعداء {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بتيسيره وتسهيله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} هذا ترغيب في الثبات وتبشير بالنصر أي الله معهم بالحفظ والرعاية والنصرة، ومن كان الله معه فهو الغالب {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أخذ الفداء والمعنى: لا ينبغي لنبي من الأنبياء أن يأخذ الفداء من الأسرى إِلا بعد أن يكثر القتل ويبالغ فيه {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} أي تريدون أيها المؤمنون بأخذ الفداء حطام الدنيا ومتاعها الزائل؟ {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} أي يريد لكم الباقي الدائم، وهو ثواب الآخرة، بإِعزاز دينه وقتل أعدائه {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في ملكه لا يقهر ولا يُغلب، حكيم في تدبير مصالح العباد {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} أي لولا حكم في الأزل من الله سابق وهو ألا يعذب المخطئ في اجتهاده {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي لأصابكم في أخذ الفداء من الأسرى عذاب عظيم، وروي أنها لما نزلت قال عليه السلام "حديث : لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر" تفسير : {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} أي كلوا يا معشر المجاهدين مما أصبتموه من أعدائكم من الغنائم في الحرب حال كونه حلالاً أي محللاً لكم {طَيِّباً} أي من أطيب المكاسب لأنه ثمرة جهادكم، وفي الصحيح "حديث : وجعل رزقي تحت ظل رمحي" تفسير : {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي خافوا الله في مخالفة أمره ونهيه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرة لمن تاب، رحيم بعباده حيث أباح لهم الغنائم {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} أي قل لهؤلاء الذين وقعوا في الأسر من الأعداء، والمراد بهم أسرى بدر {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي إِن يعلم الله في قلوبكم إِيماناً وإِخلاصاً، وصدقاً في دعوى الإِيمان {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} أي يعطكم أفضل مما أخذ منكم من الفداء {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي يمحو عنكم ما سلف من الذنوب {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة، عظيم الرحمة لمن تاب وأناب قال البيضاوي: نزلت في العباس رضي الله عنه حين كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه "عقيل" و "نوفل" فقال يا محمد: تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت، فقال: أين الذهب الذي دفعته إِلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إِني لا أدري ما يصيبني في جهتي هذه، فإِن حدث بي حدث فهو لك ولعيالك!! فقال العباس: ما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق، وأن لا إِله إِلا الله وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحد، ولقد دفعته إِليها في سواد الليل!! قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي - يعني الموعود - بقوله تعالى {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ} وإِن كان هؤلاء الأسرى يريدون خيانتك يا محمد بما أظهروا من القول ودعوى الإِيمان {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ} أي فقد خانوا الله تعالى قبل هذه الغزوة غزوة بدر {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} أي فقواك ونصرك الله عليهم وجعلك تتمكن من رقابهم، فإِن عادوا إِلى الخيانة فسيمكنك منهم أيضاً {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عالم بجميع ما يجري، يفعل ما تقضي به حكمته البالغة {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي صدقوا الله ورسوله {وَهَاجَرُواْ} أي تركوا وهجروا الديار والأوطان حباً في الله ورسوله {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي جاهدوا الأعداء بالأموال والأنفس لإِعزاز دين الله، وهم المهاجرون {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} أي آووا المهاجرين في ديارهم ونصروا رسول الله وهم الأنصار {أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي أولئك الموصوفون بالصفات الفاضلة بعضهم أولياء بعض في النصرة والإِرث، ولهذا أخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ} أي آمنوا وأقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة {مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} أي لا إِرث بينكم وبينهم ولا ولاية حتى يهاجروا من بلد الكفر {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} أي وإِن طلبوا منكم النصرة لأجل إِعزاز الدين، فعليكم أن تنصروهم على أعدائهم لأنهم إِخوانكم {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي إِلا إِذا استنصروكم على من بينكم وبينهم عهد ومهادنة فلا تعينوهم عليهم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي رقيب على أعمالكم فلا تخالفوا أمره. ذكر تعالى المؤمنين وقسمهم إِلى ثلاثة أقسام: المهاجرين، الأنصار، الذين لم يهاجروا، فبدأ بالمهاجرين لأنهم أصل الإِسلام وقد هجروا الديار والأوطان ابتغاء رضوان الله، وثنى بالأنصار لأنهم نصروا الله ورسوله وجاهدوا بالنفس والمال، وجعل بين المهاجرين والأنصار الولاية والنصرة، ثم ذكر حكم المؤمنين الذين لم يهاجروا وبيّن أنهم حرموا الولاية حتى يهاجروا في سبيل الله، وبعد ذكر هذه الأقسام الثلاثة ذكر حكم الكفار فقال {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي هم في الكفر والضلال ملة واحدة فلا يتولاهم إِلا من كان منهم {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} أي وإِن لم تفعلوا ما أمرتم به من تولي المؤمنين وقطع الكفار {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} أي تحصل في الأرض فتنة عظيمة ومفسدة كبيرة، لأنه يترتب على ذلك قوة الكفار وضعف المسلمين، ثم عاد بالذكر والثناء على المهاجرين والأنصار فقال {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} وهم المهاجرون أصحاب السبق إِلى الإِسلام {وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ} وهم الأنصار أصحاب الإِيواء والإِيثار {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي هؤلاء هم الكاملون في الإِيمان، المتحققون في مراتب الإِحسان {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم في جنات النعيم قال المفسرون: ليس في هذه الآيات تكرار، فالآيات السابقة تضمنت الولاية والنصرة بين المؤمنين، وهذه تضمنت الثناء والتشريف، ومآل حال أولئك الأبرار من المغفرة والرزق الكريم في دار النعيم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ} هذا قسم رابع وهم المؤمنون الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى فحكمهم حكم المؤمنين السابقين في الثواب والأجر {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} أي أصحاب القرابات بعضهم أحق بإِرث بعض من الأجانب في حكم الله وشرعه قال العلماء: هذه ناسخة للإِرث بالحلف والإِخاء {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي أحاط بكل شيء علماً، فكل ما شرعه الله حكمة وصواب وصلاح، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهو ختم للسورة في غاية البراعة. البَلاَغَة: 1- {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} هذا الأسلوب يسمى بـ "الإِطناب" وفائدته التذكير بالمنة الكبرى والنعمة العظمى على الرسول والمؤمنين. 2- {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ..} الآيات قال في البحر: انظر إِلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة، وحذفه من الأولى، ولما كان الصبر شديد الطلب أثبت في جملتي التخفيف، ثم ختمت الآيات بقوله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} مبالغة في شدة المطلوبية، وهذا النوع من البديع يسمى "الاحتباك". فلله در التنزيل ما أحلى فصاحته وأنضر بلاغته!!
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ} معناه مالوا: والسِّلمُ: الصُّلحُ ويقال: سَلَمٌ وسِلْمٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن التوسل والتوكل بقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [الأنفال: 61] إلى قوله: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] الإشارة فيه: {وَإِن جَنَحُواْ} أي: النفس وصفاتها لتسلم بينها وبين القلب والروح {فَٱجْنَحْ لَهَا} وذلك أن النفس لما رأت صدق الطالب الصادق في الصدق وشاهدت جده في الاجتهاد، وتحقق عندها ثباتها على مخالفتها، ومواظبته في العبودية، وتألفت مع الطاعات والعبادات، فتنور بأنوارها وتنقاد لأحكام الشريعة، وتزكى بتزكية الطريقة، وتتنسم روائح الحقيقة، وتطمئن إلى ذكر الله تعالى، فحينئذ يجوز مصالحتها على القيام بأداء الأوامر والنواهي والفرائض والسنن وترك الدنيا وزينتها وشهواتها على تبديل الصفات النفسانية الحيوانية بالأخلاق الروحانية الربانية، وألاَّ يحمل عليها إصراً من دوام المجاهدة والرياضة البدنية ولكن مع هذا لا يعتمد على النفس وصلحها، بل يكون الطالب متيقظاً محتاجاً متوكلاً على الله تعالى في مراقبتها؛ لئلا تخدعه وتمكر به، ولهذا قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: ثق بلطفه وكرمه ولا تثق بالنفس وخديعتها ومكرها، {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} [الأنفال: 61] لما دعوته إليه في رعايتك من خداع النفس ومكرها، {ٱلْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] بمكائدها، ومنعها منها، {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} [الأنفال: 62] يعني: النفس والشيطان والدنيا. {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] أي: وأيدك بالروح والقلب وسر المؤمنين وألَّف بين الروح والقلب والسر والمؤمنين، {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] يعني: ألَّف بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها، {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [الأنفال: 63] يعني: في أرض وجودك من السعي والجد والاجتهاد، {مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63] أي: بينهم لما فيهم من التضاد الروحاني والنفساني الظلماني، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] بالقدرة الكاملة والحكمة البالغة، {إِنَّهُ عَزِيزٌ} [الأنفال: 63] لعزته ألَّفَ بين الروح والنفس والقلب والقالب؛ ليكون الشخص الإنساني طلسماً على كنز وجوده، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] فيما حكم ووتر بكسر الطلسم والوصول إلى كنز، {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} الأنفال: 64] مطلوباً ومقصوداً ومعبوداً ومحبوباً، {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] أي: لمتابعيك المخصوصين بالاتباع الحقيقي بأن يكون مطلوبهم ومحبوبهم الله سبحانه وتعالى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا } أي: الكفار المحاربون، أي: مالوا { لِلسَّلْمِ } أي: الصلح وترك القتال. { فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: أجبهم إلى ما طلبوا متوكلا على ربك، فإن في ذلك فوائد كثيرة. منها: أن طلب العافية مطلوب كل وقت، فإذا كانوا هم المبتدئين في ذلك، كان أولى لإجابتهم. ومنها: أن في ذلك إجماما لقواكم، واستعدادا منكم لقتالهم في وقت آخر، إن احتيج لذلك. ومنها: أنكم إذا أصلحتم وأمن بعضكم بعضا، وتمكن كل من معرفة ما عليه الآخر، فإن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فكل من له عقل وبصيرة إذا كان معه إنصاف فلا بد أن يؤثره على غيره من الأديان، لحسنه في أوامره ونواهيه، وحسنه في معاملته للخلق والعدل فيهم، وأنه لا جور فيه ولا ظلم بوجه، فحينئذ يكثر الراغبون فيه والمتبعون له،.فصار هذا السلم عونا للمسلمين على الكافرين،.ولا يخاف من السلم إلا خصلة واحدة، وهي أن يكون الكفار قصدهم بذلك خدع المسلمين، وانتهاز الفرصة فيهم،.فأخبرهم اللّه أنه حسبهم وكافيهم خداعهم، وأن ذلك يعود عليهم ضرره، فقال: { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } أي: كافيك ما يؤذيك، وهو القائم بمصالحك ومهماتك، فقد سبق [لك] من كفايته لك ونصره ما يطمئن به قلبك. فلـ { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } أي: أعانك بمعونة سماوية، وهو النصر منه الذي لا يقاومه شيء، ومعونة بالمؤمنين بأن قيضهم لنصرك. { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } فاجتمعوا وائتلفوا، وازدادت قوتهم بسبب اجتماعهم، ولم يكن هذا بسعي أحد، ولا بقوة غير قوة اللّه،فلو أنفقت ما في الأرض جميعا من ذهب وفضة وغيرهما لتأليفهم بعد تلك النفرة والفرقة الشديدة {أية : مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } تفسير : لأنه لا يقدر على تقليب القلوب إلا اللّه تعالى. { وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ومن عزته أن ألف بين قلوبهم، وجمعها بعد الفرقة كما قال تعالى: {أية : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا }. تفسير : ثم قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ } أي: كافيك { وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: وكافي أتباعك من المؤمنين،.وهذا وعد من اللّه لعباده المؤمنين المتبعين لرسوله، بالكفاية والنصرة على الأعداء. فإذا أتوا بالسبب الذي هو الإيمان والاتباع، فلا بد أن يكفيهم ما أهمهم من أمور الدين والدنيا، وإنما تتخلف الكفاية بتخلف شرطها.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 319 : 25 : 33 - سفين أنه كان يقرأ {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا}. [الآية 61].
همام الصنعاني
تفسير : 1026- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، شفي قوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ}: [الآية: 61]، قال: الصلح، ونَسَخَها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : [التوبة: 5].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):