Verse. 1222 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاِنْ يُّرِيْدُوْۗا اَنْ يَّخْدَعُوْكَ فَاِنَّ حَسْـبَكَ اؙ۝۰ۭ ہُوَالَّذِيْۗ اَيَّدَكَ بِنَصْرِہٖ وَبِالْمُؤْمِنِيْنَ۝۶۲ۙ
Wain yureedoo an yakhdaAAooka fainna hasbaka Allahu huwa allathee ayyadaka binasrihi wabialmumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يريدوا أن يخدعوك» بالصلح ليستعدوا لك «فإن حسبك» كافيك «اللهُ هو الذي أيَّدك بنصره وبالمؤمنين».

62

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر في الآية المتقدمة بالصلح، ذكر في هذه الآية حكماً من أحكام الصلح وهو أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة، وجب قبول ذلك الصلح، لأن الحكم يبنى على الظاهر لأن الصلح لا يكون أقوى حالاً من الإيمان، فلما بنينا أمر الإيمان عن الظاهر لا على الباطن، فههنا أولى ولذلك قال: {وَإِن يُرِيدُواْ } المراد من تقدم ذكره في قوله: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ }. فإن قيل: أليس قال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ } أي أظهر نقض ذلك العهد، وهذا يناقض ما ذكره في هذه الآية؟ قلنا: قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً } محمول على ما إذا تأكد ذلك الخوف بأمارات قوية دالة عليها، وتحمل هذه المخادعة على ما إذا حصل في قلوبهم نوع نفاق وتزوير، إلا أنه لم تظهر أمارات تدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة، بل كان الظاهر من أحوالهم الثبات على المسألة وترك المنازعة، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك. قال: {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ } أي فالله يكفيك، وهو حسبك وسواء قولك هذا يكفيني، وهذا حسبي. هو الذي أيدك بنصره. قال المفسرون: يرد قواك وأعانك بنصره يوم بدر، وأقول هذا التقييد خطأ لأن أمر النبي عليه السلام من أول حياته إلى آخر وقت وفاته، ساعة فساعة. كان أمراً إلهياً وتدبيراً علوياً، وما كان لكسب الخلق فيه مدخل، ثم قال: {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس: يعني الأنصار. فإن قيل: لما قال: {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } فأي حاجة مع نصره إلى المؤمنين، حتى قال: {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ }. قلنا: التأييد ليس إلا من الله لكنه على قسمين: أحدهما: ما يحصل من غير واسطة أسباب معلومة معتادة. والثاني: ما يحصل بواسطة أسباب معلومة معتادة. فالأول: هو المراد من قوله أيدك بنصره، والثاني: هو المراد من قوله: {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } ثم إنه تعالى بين أنه كيف أيده بالمؤمنين. فقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم أنفتهم شديدة وحميتهم عظيمة حتى لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلته حتى يدركوا ثأره، ثم إنهم انقلبوا عن تلك الحالة حتى قاتل الرجل أخاه وأباه وابنه، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً. وقيل هم الأوس والخزرج، فإن الخصومة كانت بينهم شديدة والمحاربة دائمة، ثم زالت الضغائن، وحصلت الألفة والمحبة، فإزالة تلك العداوة الشديدة وتبديلها بالمحبة القوية والمخالصة التامة مما لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وصارت تلك معجزة ظاهرة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أحوال القلوب من العقائد والإرادات والكرامات كلها من خلق الله تعالى، وذلك لأن تلك الألفة والمودة والمحبة الشديدة إنما حصلت بسبب الإيمان ومتابعة الرسول عليه الصلاة والسلام. فلو كان الإيمان فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، لكانت المحبة المرتبة عليه فعلاً للعبد لا فعلاً لله تعالى، وذلك على خلاف صريح الآية. قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة، لما حصلت هذه الأحوال، فأضيفت تلك المخالصة إلى الله تعالى على هذا التأويل، ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه، لأجل أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، فكذا ههنا. والجواب: كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر وحمل للكلام على المجاز، وأيضاً كل هذه الألطاف كانت حاصلة في حق الكفار، مثل حصولها في حق المؤمنين، فلو لم يحصل هناك شيء سوى الألطاف لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذه المعاني فائدة، وأيضاً فالبرهان العقلي مقو لظاهر هذه الآية، وذلك لأن القلب يصح أن يصير موصوفاً بالرغبة بدلاً عن النفرة وبالعكس، فرجحان أحد الطرفين على الآخر لا بد له من مرجح، فإن كان ذلك المرجح هو العبد عاد التقسيم، وإن كان هو الله تعالى، فهو المقصود، فعلم أن صريح هذه الآية متأكد بصريح البرهان العقلي فلا حاجة إلى ما ذكره القاضي في هذا الباب. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن القوم كانوا قبل شروعهم في الإسلام ومتابعة الرسول في الخصومة الدائمة والمحاربة الشديدة يقتل بعضهم بعضاً ويغير بعضهم على البعض، فلما آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر. زالت الخصومات، وارتفعت الخشونات، وحصلت المودة التامة والمحبة الشديدة. واعلم أن التحقيق في هذا الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير وكمال، فالمحبة حالة معللة بهذا التصور المخصوص، فمتى كان هذا التصور حاصلاً كانت المحبة حاصلة، ومتى حصل تصوير الشر والبغضاء: كانت النفرة حاصلة، ثم إن الخيرات والكمالات على قسمين: أحدهما: الخيرات والكمالات الباقية الدائمة، المبرأة عن جهات التغيير والتبديل، وذلك هو الكمالات الروحانية والسعادات الإلهية. والثاني: وهو الكمالات المتبدلة المتغيرة، وهي الكمالات الجسمانية والسعادات البدنية، فإنها سريعة التغيير والتبدل، كالزئبق ينتقل من حال إلى حال، فالإنسان يتصور أن له في صحبة زيد مالاً عظيماً فيحبه، ثم يخطر بباله أن ذلك المال لا يحصل فيبغضه، ولذلك قيل إن العاشق والمعشوق ربما حصلت الرغبة والنفرة بينهما في اليوم الواحد مراراً لأن المعشوق إنما يريد العاشق لماله، والعاشق إنما يريد المعشوق لأجل اللذة الجسمانية، وهذان الأمران مستعدان للتغير والانتقال، فلا جرم كانت المحبة الحاصلة بينهما والعداوة الحاصلة بينهما غير باقيتين بل كانتا سريعتي لزوال والانتقال. إذا عرفت هذا فنقول: الموجب للمحبة والمودة، إن كان طلب الخيرات الدنيوية والسعادات الجسمانية كانت تلك المحبة سريعة الزوال والانتقال، لأجل أن المحبة تابعة لتصور الكمال، وتصور الكمال تابع لحصول ذلك الكمال، فإذا كان ذلك الكمال سريع الزوال والانتقال، كانت معلولاته سريعة التبدل والزوال، وأما إن كان الموجب للمحبة تصور الكمالات الباقية المقدسة عن التغير والزوال، كانت تلك المحبة أيضاً باقية آمنة من التغير، لأن حال المعلول في البقاء والتبدل تبع لحالة العلة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {أية : ٱلاْخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزخرف: 67]. إذا عرفت هذا فنقول: العرب كانوا قبل مقدم الرسول طالبين للمال والجاه والمفاخرة، وكانت محبتهم معللة بهذه العلة، فلا جرم كانت تلك المحبة سريعة الزوال، وكانوا بأدنى سبب يقعون في الحروب والفتن، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة، زالت الخصومة والخشونة عنهم. وعادوا إخواناً متوافقين، ثم بعد وفاته عليه السلام لما انفتحت عليهم أبواب الدنيا وتوجهوا إلى طلبها عادوا إلى محاربة بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم مع بعض، فهذا هو السبب الحقيقي في هذا الباب ثم إنه تعالى ختم هذه الآية بقوله: {إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي قادر قاهر، يمكنه التصرف في القلوب. ويقلبها من العداوة إلى الصداقة، ومن النفرة إلى الرغبة، حكيم بفعل ما يفعله على وجه الإحكام والإتقان. أو مطابقاً للمصلحة والصواب على اختلاف القولين في الجبر والقدر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} أي بأن يُظهروا لك السلم، ويُبطنوا الغدر والخيانة، فاجنح فما عليك من نياتهم الفاسدة. {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} كافيك الله؛ أي يتولّى كفايتك وحياطتك. قال الشاعر:شعر : إذا كانت الهيجاءُ وانشقّتِ العصا فحسبُكَ والضّحاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ تفسير : أي كافيك وكافي الضحاك سيفٌ. قوله تعالىٰ: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} أي قوّاك بنصره. يريد يوم بدر. {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار. {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي جمع بين قلوب الأَوْس والخَزْرج. وكان تألّف القلوب مع العَصبية الشديدة في العرب من آيات النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يُلطَم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها. وكانوا أشدّ خلق الله حَمِيّة، فألّف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدِّين. وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار. والمعنى متقارب.

البيضاوي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} فإن محسبك الله وكافيك قال جرير:شعر : إِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم أَنْ تَلْبِسُوا حرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ } جميعاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ } بالصلح ليستعدوا لك {فَإِنَّ حَسْبَكَ } كافيك {ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ }.

ابن عطية

تفسير : الضمير في قوله {وإن يريدوا} عائد على الكفار الذين قيل فيهم، {أية : وإن جنحوا} تفسير : [الأنفال:61] وقوله: {وإن يريدوا أن يخدعوك} يريد بأن يظهروا له السلم ويبطنوا الغدر والخيانة، أي فاجنح وما عليك من نياتهم الفاسدة، {فإن حسبك الله} أي كافيك ومعطيك نصرة وإظهاراً، وهذا وعد محض، و {أيدك} معناه قواك، {وبالمؤمنين} يريد بالأنصار بقرينة قوله {وألف بين قلوبهم} الآية، وهذه إشارة إلى العداوة التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام وردهم متحابين في الله، وعددت هذه النعمة تأنيساً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما لطف بك ربك أولاً فكذلك يفعل آخراً، وقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما، فقال له عبدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير، فقال له لا تقل ذلك فإن الله يقول {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم} قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله تمثل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك بل تظاهرت أقوال المفسرين أنها في الأوس والخزرج كما ذكرنا، ولو ذهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءاً من ذلك لساغ ذلك، وكل تألف في الله فتابع لذلك التألف الكائن في صدر الإسلام، وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "حديث : المؤمن مألفة لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: والتشابه هو سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه، وقوله تعالى: {يا أيها النبي أحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال النقاش: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، وحكي عن ابن عباس أنها نزلت في الأوس والخزرج خاصة، قال ويقال إنها نزلت حين أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين، قاله ابن عمر وأنس، فهي على هذا مكية، و {حسبك} في كلام العرب وشرعك بمعنى كافيك ويكفيك، والمحسب الكافي، وقالت فرقة: معنى هذه الآية يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين، فـ {من} في هذا التأويل رفع عطفاً على اسم الله عز وجل، وقال عامر الشعبي وابن زيد: معنى الآية حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، فـ {من} في هذا التأويل في موضع نصب عطفاً على موضع الكاف، لأن موضعها نصب على المعنى ليكفيك التي سدَّت {حسبك} مسدَّها، ويصح أن تكون {من} في موضع خفض بتقدير محذوف كأنه قال وحسب وهذا كقول الشاعر: [المتقارب] شعر : أكلُّ امرىءٍ تحسبين امرأً ونار توقَّدُ بالليلِ نارا تفسير : التقدير وكل نار، وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بابه ضرورة الشعر، ويروى البيت وناراً، ومن نحو هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّت العصا فحسبُك والضحَّاكُ سيف مهند تفسير : يروى "الضحاك" مرفوعاً والضحاك منصوباً والضحاك مخفوضاً فالرفع عطف على قوله سيف بنية التأخير كما قال الشاعر: شعر : عليك ورحمة الله السلام تفسير : ويكون "الضحاك" على هذا محسباً للمخاطب، والنصب عطفاً على موضع الكاف من قوله "حسبك" والمهند على هذا محسب للمخاطب، والضحاك على تقدير محذوف كأنه قال فحسبك الضحاك.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏{‏وإن يريدوا أن يخدعوك‏} ‏ قال‏:‏ قريظة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ الأنصار‏. وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين‏}‏ الآية قال‏:‏ نزلت في الأنصار‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين‏} ‏ قال‏:‏ هم الأنصار‏. ‏وأخرج ابن عساكرعن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ مكتوب على العرش‏:‏ لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي، وذلك قوله ‏ {‏هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين‏}‏‏ . وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الاخوان والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه‏.‏ أن هذه الآية نزلت في المتحابين ‏{‏لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم‏}‏‏ . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب واللفظ له، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏ قرابة الرحم تقطع، ومنة المنعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب‏.‏ يقول الله ‏ {‏لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم‏} ‏ وذلك موجود في الشعر قال الشاعر‏:‏ شعر : إذا مت ذو القربى إليك برحمه فغشك واستغنى فليس بذي رحم ولكن ذا القربى الذي ان دعوته أجاب‏:‏ ومن يرمي العدوّ الذي ترمي تفسير : ومن ذلك قول القائل‏: شعر : ولقد صحبت الناس ثم خبرتهم وبلوت ما وصلوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعاً وإذ المودّة أقرب الأسباب تفسير : قال البيهقي‏:‏ هكذا وجدته موصولاً بقول ابن عباس رضي الله عنهما، ولا أدري قوله وذلك موجود في الشعر من قوله أو من قبل من قبله من الرواة‏. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ النعمة تكفر، والرحم يقطع، وإن الله تعالى إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم تلا ‏ {‏لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ إذا لقي الرجل أخاه فصافحه، تحاتت الذنوب بينهما كما ينثر الريح الورق‏.‏ فقال رجل‏:‏ إن هذا من العمل اليسير‏.‏ فقال‏:‏ ألم تسمع الله قال ‏{‏لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم‏}‏‏ .‏ وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال‏:‏ كتب إلي قتادة‏:‏ إن يكن الدهر فرق بيننا فإن ألفة الله الذي ألف بين المسلمين قريب‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ} بإظهار السلم وإبطالِ الحراب {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي فاعلم بأن محسبك الله من شرورهم وناصرُك عليهم {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} تعليلٌ لكفايته تعالى إياه عليه الصلاة والسلام بطريق الاستئنافِ، فإن تأيـيدَه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام فيما سلف على ما ذكر من الوجه البعيدِ من الوقوع من دلائل تأيـيدِه تعالى فيما سيأتي أي هو الذي أيدك بإمداد مِنْ عنده بلا واسطة كقوله تعالى: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران: 126] أو بالملائكة مع خَرقه للعادات {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} من المهاجرين والأنصار {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} مع ما كان بـينهم قبل ذلك من العصبـية والضغينة والتهالُك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة، وهذا من أبهر معجزاتِه عليه الصلاة والسلام {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي لتأليف ما بـينهم {مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} استئنافٌ مقررٌ لما قبله ومبـين لعزة المطلبِ وصعوبةِ المأخذ أي تناهي التعادي فيما بـينهم إلى حد لو أنفقٌ منفقٌ في إصلاح ذاتِ البـين جميعَ ما في الأرض من الأموال والذخائر لم يقدِرْ على التأليف والإصلاحِ، وذكرُ القلوب للإشعار بأن التأليفَ بـينها لا يتسنى وإن أمكن التأليفُ ظاهراً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} قلباً وقالَباً بقدرته الباهرة {إِنَّهُ عَزِيزٌ} كاملُ القدرةِ والغلبة لا يستعصي عليه شيءٌ مما يريده {حَكِيمٌ} يعلم كيفيةَ تسخيرِ ما يريده وقيل: الآيةُ في الأوس والخزرج كان بـينهم إِحَنٌ لا أمدَ لها ووقائعُ أفنت ساداتِهم وأعاظِمَهم ودقت أعناقَهم وجماجمَهم فأنسى الله عز وجل جميع ذلك وألف بـينهم بالإسلام حتى تصافَوا وأصبحوا يرمون عن قوس واحدة وصاروا أنصاراً. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ} شروعٌ في بـيان كفايتِه تعالى إياه عليه الصلاة والسلام في مادة خاصةٍ وتصديرُ الجملة بحرفي النداءِ والتنبـيهِ للتنبـيه على مزيد الاعتناءِ بمضمونها، وإيرادهُ عليه الصلاة والسلام بعنوان النبوة للإشعار بعليتها للحكم {حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي كافيك في جميع أمورِك أو فيما بـينك وبـين الكفرة من الحِراب {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في محل النصبِ على أنه مفعولٌ معه أي كفاك وكفي أتباعَك الله ناصراً كما في قول من قال: شعر : [إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّت العصا] فحسبُك والضحّاكَ عضْبٌ مهندُ تفسير : وقيل: في موضع الجر عطفاً على الضمير كما هو رأيُ الكوفيـين أي كافيك وكافيهم أو في محل الرفعِ عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنين والآيةُ نزلت في البـيداء في غزوة بدرٍ قبل القتالِ. وقيل: أسلم مع النبـي صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وثلاثون رجلاً وستُّ نسوةٍ ثم أسلم عمرُ رضى الله عنه فنزلت ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في إسلام عمر رضي الله عنه.

القشيري

تفسير : أي إنْ لَبَّسُوا عليك، وراموا خِداعَك بطلب الصُّلح منك - وهم يستبطنون لك بخلاف ما يظهرونه - فإنَّ اللهَ كافِيكَ، فلا تَشْغلْ قلبَك بغفلتك عن شرِّ ما يكيدونك؛ فإني أعْلَمُ ما لا تعلم، وأقْدِر على ما لا تقدر. هو الذي بنصره أفْردَكَ، وبلطفِه أيَّدَكَ، وعن كل سوءٍ ونصيبٍ طَهَّرَك، وعن رقِّ الأشياء جَرَّدَكَ، وفي جميع الأحوال كان لك. هو الذي أيَّدك بمن آمن بك من المؤمنين، وهو الذي ألَّف بين قلوبهم المختلفة فجَمَعَها على الدَّينِ، وإيثارِ رضاء الحق. ولو كان ذلك بِحَيلِ الخلْق ما انتَظمَتْ هذه الجملة، ولو أبلغتَ بكلِّ ميسورٍ من الأفعال، وبذلتَ كُلَّ مُستطاعٍ من المال - لَمَا وَصَلَتْ إليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإِن يريدوا} اى الذين يطلبون منك الصلح {أَن يخدعوك} باظهار الصلح لتكف عنهم {فإِن حسبك الله} فان محسبك الله وكافيك من شرورهم وناصرك عليهم يقال احسبنى فلان اى اعطانى حتى اقول حسبى {هو الذى ايدك بنصره} اى قواك بامداد من عنده بلا واسطة سبب معلوم مشاهد {وبالمؤمنين} من المهاجرين والانصار ثم انه تعالى بين كيف ايده بالمؤمنين فقال {وأَلّفَ بين قلوبهم} [وبيوند افكند بدوستى ميان دلهاى ايشان] مع ما كان بينهم قبل ذلك من العصبية والضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان وكان اذا لطم رجل من قبيلة لطمه قاتل عنها قبيلته حتى يدركوا ثاره فكان دأبهم الخصومة الدائمة والمحاربة ولا تتوقع بينهم الالفة والاتفاق ابدا فصاروا بتوفيه تعالى كنفس واحدة هذا من ابهر معجزاته عليه السلام. قال الكاشفى [اوس وخزرج صد وبيست سال درميان ايشان تعصب وستيزه بود همواره بقتل وغارت هم اشتغال مى نمودند حق تعالى ببركت تودلهاى ايشانرا الفت داد] شعر : يك حرف صوفيانه بكويم اجازتست اى نور ديده صلح به ازجنك آورى تفسير : {لو أنفقت ما فى الأَرض جميعاً} اى لتأليف ما بينهم {ما ألفت بين قلوبهم} اى تناهت عداوتهم الى حد لو انفق منفق فى اصلاح ذات بينهم جميع ما فى الارض من الاموال والذخائر لم يقدر على التأليف والاصلاح {ولكن الله الف بينهم} قلبا وقالبا بقدرته الباهرة فانه المالك للقلوب فيقبلها كيف يشاء {إِنه عزيز} كامل القدرة والغلبة لا يستعصى عليه شيء مما يريده {حكيم} يعلم كيفية تسخير ما يريده. واعلم ان التودد والتألف والموافقة مع الاخوان مع ائتلاف الارواح وفى الحديث "حديث : المؤمن الف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" تفسير : وفى الحديث "حديث : مثل المؤمنين اذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهما الاخرى وما التقى المؤمنان الا استفاد احدهما من صاحبه خيرا " .تفسير : وقال ابو ادريس الخولانى لمعاذ انى احبك فى الله فقال ابشر ثم ابشر فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : تنصب لطائفة من الناس كراسى حول العرش يوم القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر يفزع الناس وهم لا يفزعون ويخاف الناس وهم لا يخافون وهم اولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" تفسير : فقيل من هؤلاء يا رسول الله فقال "حديث : المتحابون فى الله " .تفسير : قيل لو تحاب الناس وتعاطوا المحبة لاستغنوا بها عن العدالة فالعدالة خليفة المحبة تستعمل حيث لا توجد المحبة. وقيل طاعة المحبة افضل من طاعة الرهبة فان طاعة المحبة من داخل وطاعة الرهبة من خارج ولهذا المعنى كانت صحبة الصوفية مؤثرة من البعض فى البعض لانهم لما تحابوا فى الله تواصوا بمحاسن الاخلاق ووقع القبول لوجود المحبة فانتفع لذلك المريد بالشيخ والاخ بالاخ ولهذا المعنى امر الله تعالى باجتماع الناس فى كل يوم خمس مرات فى المساجد من اهل كل درب وكل محلة وفى الجامع فى الاسبوع مرة من اهل كل بلد وانضمام اهل السواد الى البلدان فى الاعياد فى جميع السنة مرتين واهل الاقطار من البلدان فى العمر مرة للحج كل ذلك لحكم بالغة منها تأكيد الالفة والمودة بين المؤمنين وفى الحديث "حديث : ألا ان مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى ".تفسير : : قال السعدى قدس سره شعر : بنى آدم اعضاى يكديكرند كه در آفرينش زيك جوهرند جو عضوى بدرد آورد روزكار دكر عضوهارا نماند قرار تفسير : والتألف والتودد يؤكد الصحبة مع الاخيار مؤثرة جدا بل مجرد النظر الى اهل الصلاح يؤثر صلاحا والنظر فى الصور يؤثر اخلاقا مناسبة لخلق المنظور اليه كدوام النظر الى المحزون يحزن ودوام النظر الى المسرور يسر. وقد قيل من لا ينفعك لحظه لا ينفعك لفظه والجمل الشرود ويصير ذلولا بمقارنة الجمل الذلول فالمقارنة لها تأثير فى الحيوان والنبات والجماد والماء والهواء يفسدان بمقارنة الجيف والزروع تنقى من انواع العروق فى الارض والنبات لموضع الافساد بالمقارنة واذا كانت المقارنة مؤثرة فى هذه الاشياء ففى الصور الشريفة البشرية اكثر تأثيرا. وقيل سمى الانسان انسانا لانه يأنس بما يراه من خير او شر والتألف والتودد مستجلبان للمزيد وانما العزلة الوحدة تحمد بالنسبة الى اراذل الناس واهل الشر فاما اهل العلم والصفاء والوفاء والاخلاق الحميدة فتغتنم مقارنتهم والاستئناس بهم استئناس بالله تعالى كما ان محبتهم من محبة الله تعالى والجامع معهم رابطة الحق ومع غيرهم رابطة الطبع فالصوفى مع غير الجنس كائن بائن ومع الجنس كائن معاين والمؤمن مرآة المؤمن اذا التقى مع اخيه يستشف من وراء اقواله واعماله واحواله تجليات آلهية وتعريفات وتلويحات من الله الكريم خفية غابت عن الاغيار وادركها اهل الانوار كذا فى عوارف المعارف. يقول الفقير اصلحه الله القدير سمعت من بعض العلماء المتورعين والمشايخ المتزهدين ممن له زوجتان متباغضتان انه قال قرأت هذه الآية وهو قوله تعالى {هو الذى أيدك} الى آخرها على ماء فى كوز ونفخت فيه ثم اشربته اياهما فوقع التودد والالفة بينهما باذن الله تعالى وزال التباغض والتنافر الى الآن

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله يقول له: {إن يريدوا} يعني الكفار. وقيل هم بنو قريظة، ومعناه ان قصدوا بالصلح خديعتك. والخديعة اظهار المحبوب في الامر للاستجابة له مع ابطان خلافه: خدع خدعاً وخديعة واختدعه اختداعا وتخادع له تخادعا. وانخدع انخداعاً. وقوله {فإن حسبك الله} معناه، فان الله كافيك يقال: اعطاني ما احسبني اي كفاني. واصله الحساب، وانما اعطاه بحساب ما يكفيه. وقوله {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} فالتأييد التكمين من الفعل على اتم ما يصح فيه، تقول: ايده تأييداً وتأيد تأيداً. والأيد القوة. والمعنى ان الله قواه بالنصر من عنده، بالمؤمنين الذين ينصرونه على اعدائه. وقوله {وألف بين قلوبهم} والتأليف الجمع على تشاكل، فلما جمعت قلوبهم على تشاكل فيما تحبه وتنازع اليه كانت قد الفت، ولذلك قيل: هذه الكلمة تأتلف مع هذه، ولا تأتلف. والمراد بالمؤمنين الانصار وبتأليف قلوبهم ما كان بين الأوس والخزرج من العداوة والقتال، هذا قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وبشر بن ثابت الانصاري وابن اسحاق. وقال مجاهد: هو في كل متحابين في الله. وانما كان الجمع على المحبة تأليفاً بين القلوب، لأنه مأخوذ من الالفة وهي الاجتماع على الموافقة في المحبة، ولا يجوز في الجمع على البغضاء ان يمسى بذلك. وقوله {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً} فالانفاق اخراج الشيء عن الملك. والمعنى {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً} لتجمعهم على الالفة ما تم لك ذاك، ولكن الله الف بينهم بلطف من الطافه وحسن تدبيره، وبالاسلام الذي هداهم الله اليه. ونصب "جميعاً" على الحال. وقوله {إنه عزيز حكيم} معناه قادر لا يمتنع عليه شيء يريد فعله {حكيم عليم} لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة فعلى ذلك جمع قلوبهم على الالفة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} بالصّلح بان ارادوا اطفاء نائرة القتال بالصّلح حتّى يتهيّؤا القتال ويضع اصحابك اسلحة القتال فيباغتوكم فلا تخف {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} فى موضع التّعليل على الاستياف البيانىّ والمراد نصره بالملائكة {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} قلوب المؤمنين فيقدر ان يؤلّف بينكم وبين الخائنين ان ارادوا بالصّلح الخيانة {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} فانّ تصريف القلوب بيده لا بيدك البشريّة ولا بيدك النّبويّة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} قيل: نزلت فى الانصار فانّ الاوس والخزرج كان بينهم مقاتلة ودماء وتؤالفوا وتحابّوا بالاسلام {إِنَّهُ عَزِيزٌ} لا يمنعه من مراده شيءٌ {حَكِيمٌ} يفعل بحكمته ما فيه صلاح عباده.

الحبري

تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ الحَسكانيُّ: حَدَّثَنَا الحاكمُ: [قال] عليُّ بنُ عبدِ الرَّحْمانِ بنِ عُبَيْدٍ السَّبيعيَّ بالكوفة: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكم، قالَ: حَدَّثَنَا إبْراهيمُ بنُ إسْحاقٍ الصينيّ أَبو إسْحاقٍ، عن عَمْرو بنِ ثابِتٍ بنِ أَبِي المِقْدامِ، عن أَبي حَمْزة الثماليّ، عن سَعيد بن جُبَيْرٍ، عن أَبي الحَمْراء قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وآلِهِ وسَلَّمَ: "حديث : لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلى السَّماء نَظَرْتُ اِلى سَاقِ العَرْشِ الأَيْمَن، فَإذَا عَلَيْهِ: "لا إلهَ إلاَّ الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، أَيَّدْتُهُ بِعَلِيٍّ وَنَصَرْتُهُ بِهِ ".

الأعقم

تفسير : {وان يريدوا أن يخدعوك}، قيل: بنو قريظة، وقيل: سائر الكفار {فإن حسبك الله} أي كافيك كما أيدك بالملائكة والمؤمنين {وألَّف بين قلوبهم}، قيل: نزلت في الأوس والخزرج كان القتال بينهم مائة وعشرين سنة حتى جاء الإِسلام فصاروا إخواناً بعدما كانوا أعداء {يأيها النبي حسبك الله} الآية والمعنى كافيك الله {ومن اتبعك من المؤمنين}، وقيل: الآية نزلت في ثلاثة وثلاثين رجلاً وست نسوة {يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال} أي حثهم على محاربة المشركين {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} من عدوهم {وإن يكن منكم مائة} صابرة {يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون}، قيل: أن ذلك كان واجباً عليهم وكان عليهم ألا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث حمزة في ثلاثين راكباً فتلقى أبا جهل في ثلاثمائة راكب، فنسخ ذلك وخفف الله عنهم بعد مدة طويلة بمقاومة الواحد للاثنين، وأنزل الله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً}، أي في الواحد عن قتال العشرة والمائة عن قتال الألف {فإن يكن منكم مائة صابرة} ثابتة في القتال محتسبة تثبت عند لقاء العدوّ {يغلبوا مائتين} من الكفار {وإن يكن منكم} أيها المسلمون {ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} بأمره ونصره وهذا خبر، والمراد الأمر من الله تعالى {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} الآية نزلت في أسارى بدر وكانوا سبعين رجلاً فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استشار الصحابة فأشار علي (عليه السلام) وعمر بالقتل وأشار أبو بكر وعثمان بالفداء، وروي أن سعد بن معاذ (رضي الله عنه) أشار بالقتل وفدى العباس نفسه بأربعين أوقية، والاثخان القتل، وقيل: الاثخان الغلبة للبلدان وأهلها يعني يتمكن في الأرض {تريدون عرض الدنيا} حطامها بأخذكم الفداء {والله يريد} ثواب {الآخرة} بقهركم المشركين ونصركم دين الله تعالى {والله عزيز حكيم} {لولا كتاب من الله سبق} يعني لولا حكم من الله سبق لاثباته في اللوح المحفوظ وهو أنه لا يعاقب أحداً بخطأ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد لأنهم نظروا أن في استفدائهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإِسلام، وقيل: كناية أن سيحل لهم الفدية الذي أخذوها، وقيل: هو أن أهل بدر مغفور لهم، وقيل: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "حديث : لو نزل بنا عذاب ما نجى منَّا إلا الذين أشاروا بالقتل ".

اطفيش

تفسير : {وإنْ يُريدُوا} قال مجاهد هم قريظة {أن يخْدعُوكَ} فى أثناء السَّلم، وقال الحسن: هم المشركون إن أظهروا لك الإيمان وأسروا الكفر ليخدعوك به {فإنَّ حَسْبَك اللهُ} كافيك الله، يكفى عنك ضرهم وينصرك عليهم، والآية كما قال ابن هشام: دليل على جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة، فإن إضافة حسب لا تفيد التعريف على المشهور، ولكن رجح بعضهم أنها تفيده فلا دليل فى الآية. ومن كتب: {وإن يريدوا} إلى {حكيم} فى أول يوم جمعة من رمضان، بين الظهر والعصر على طهارة فى خرقة صوف، أو فى قلنسوة من حرير أخضر وأصفر وأحمر، وحملها وقت الحاجة لدفع شر الشياطين، والسحرة، والظالمين، وأهل العداوة، زال ذلك عنه، وزالت عنه التهمة، وحضرته مهابة وقبول ومحبة وائتلاف ونال الخير. {هُوَ الَّذِى أيَّدك بنَصْره} قواك فى بدر وسائر أيامك {وبالمؤمنينَ} الأنصار والمهاجرين وغيرهم، أيده الله بأسباب باطنة، وهى النصر، وظاهرة وهى المؤمنين.

اطفيش

تفسير : {وَإِنْ يُرِيدُوا} أَى قريظة {أَنْ يَخْدَعُوكَ} بعد الصلح، والجواب قوله {فَإِنَّ حَسْبَكَ} كافيك خدعهم {اللهُ} فصالحهم ولا تخف أَن يتقووا فى مدة الصلح ويستعدوا لقتالك فيفاجئوك بالقتال أَو يظهروه لك، وقد تقووا، أَو الجواب محذوف، أَى فصالحهم ولا تخش منهم لأَن حسبك الله {هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ} قواك فيما مضى فثق به لما بعده وفى الحال {بِنَصْرِهِ} عليهم بأَسباب باطنة غير معلومة للخلق، وهى بلا وسائط، أَو بوسائط لا تعلم كإِلقاءِ الرهبة فى قلوبهم فإِنها لا تعلم إِلا بالإِخبار {وَبِالْمُؤْمِنِينَ} المهاجرين والأَنصار، وقيل: الأَوس والخزرج وهم الأَسباب الظاهرة، أَو النصر جعل المؤمنين أَسبابا وتأثيرا تسببهم فإِن الله تعالى خالق الأَسباب ومؤثرها ولو شاءَ لتسببوا ولم ينفع تسببهم.

الالوسي

تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ} بإظهار السلم {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} أي محسبك الله وكافيك وناصرك عليهم فلا تبال بهم، فحسب صفة مشبهة بمعنى اسم الفاعل والكاف في محل جر كما نص عليه غير واحد وأنشدوا لجرير:شعر : إني وجدت من المكارم حسبكم أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا تفسير : وقال الزجاج: إنه اسم فعل بمعنى كفاك والكاف في محل نصب، وخطأه فيه أبو حيان لدخول العوامل عليه وإعرابه في نحو بحسبك درهم ولا يكون اسم فعل هكذا {هُوَ} عز وجل {ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} استئناف مسوق لتعليل كفايته تعالى إياه صلى الله عليه وسلم فإن تأييده عليه الصلاة والسلام فيما سلف على الوجه الذي سلف من دلائل تأييده صلى الله عليه وسلم فيما سيأتي، أي هو الذي أيدك بإمداده من عنده بلا واسطة، أو بالملائكة مع خرقه للعادات {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} من المهاجرين والأنصار على ما هو المتبادر. وعن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه والنعمان بن بشير وابن عباس والسدي أنهم الأنصار رضي الله تعالى عنهم.

ابن عاشور

تفسير : لمّا كان طلب السلم والهدنة من العدوّ قد يكون خديعة حربية، ليَغرُّوا المسلمين بالمصالحة ثمّ يأخذوهم على غرّة، أيقظ الله رسوله لهذا الاحتمال فأمره بأن يأخذ الأعداء على ظاهر حالهم، ويحملهم على الصدق، لأنّه الخُلق الإسلامي، وشأن أهل المُروءة، ولا تكون الخديعة بمثل نكث العهد، فإذا بعث العدوَّ كفرُهم على ارتكاب مثل هذا التسفّل، فإنّ الله تكفّل، للوفي بعهده، أن يقيه شرّ خيانة الخائنِين. وهذا الأصل، وهو أخذ الناس بظواهرهم، شعبة من شعب دين الإسلام قال تعالى: {أية : فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إن الله يحب المتقين}تفسير : [التوبة: 4] وفي الحديث: آية المنافق ثلاث، منها: وإذا وعد أخلف. ومن أحكام الجهاد عن المسلمين أن لا يخفر للعدوّ بعهد. والمعنى: إنْ كانوا يريدون من إظهار ميلهم إلى المسالمة خديعةً فإنّ الله كافيك شرّهم. وليس هذا هو مقام نبذ العهد الذي في قوله: {أية : وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء}تفسير : [الأنفال: 58] فإنّ ذلك مقام ظهور أمارات الخيانة من العدوّ، وهذا مقام إضمارهم الغدر دون أمارة على ما أضمروه. فجملة: {فإن حسبك الله} دلّت على تكفّل كفايته، وقد أريد منه أيضاً الكناية عن عدم معاملتهم بهذا الاحتمال، وأن لا يتوجّس منه خيفة، وأنّ ذلك لا يضرّه. والخديعة تقدّمت في قوله تعالى: {أية : يخادعون الله}تفسير : من سورة [البقرة: 9]. وحسب معناه كاف وهو صفة مشبّهة بمعنى اسم الفاعل، أي حاسبك، أي كافيك وقد تقدّم قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : في سورة [آل عمران: 173]. وتأكيد الخبر ب(إنْ) مراعى فيه تأكيد معناه الكنائي، لأنّ معناه الصريح ممّا لا يشكّ فيه أحد. وجَعْل {حسبك} مسنداً إليه، مع أنّه وصف، وشأن الإسناد أن يكون للذات، باعتبار أنّ الذي يخطر بالبال باديء ذي بدء هو طلب من يكفيه. وجملة {هو الذي أيدك بنصره} مستأنفة مسوقة مساق الاستدلال: على أنّه حَسبه، وعلى المعنى التعريضي وهو عدم التحَرّج من احتمال قصدهم الخيانة والتوجّس من ذلك الاحتمال خيفة، والمعنى: فإنّ الله قد نصرك من قبل وقد كنت يومئذ أضعف منك اليوم، فنصَرك على العدوّ وهو مجاهر بعدْوَانِه، فنصرُه إيَّاك عليهم مع مخاتلتهم، ومع كونك في قوّة من المؤمنين الذين معك، أولى وأقرب. وتعدية فعل {يخدعوك} إلى ضمير النبي عليه الصلاة والسلام باعتبار كونه وليّ أمر المسلمين، والمقصود: وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله، وقد بُدّل الأسلوب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ليتوصّل بذلك إلى ذكر نصره من أول يوم حين دعا إلى الله وهو وحده مخالفاً أمّة كاملة. والتأييد التقوية بالإعانة على عمل. وتقدّم في قوله: {أية : وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيّدناه بروح القدس}تفسير : في سورة [البقرة: 87]. وجعلت التقوية بالنصر: لأنّ النصر يقوي العزيمة، ويثبت رأي المنصور، وضدّه يشوش العقل، ويوهن العزم، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض خطبه وأفسدتم عليَّ رأيي بالعصيان حتّى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا معرفة له بالحرب. وإضافة النصر إلى الله: تنبيه على أنّه نصر خارق للعادة، وهو النصر بالملائكة والخوارق، من أوّل أيّام الدعوة. وقوله: {وبالمؤمنين} عطف على {بنصره} وأعيد حرف الجرّ بعد واو العطف لدفع توهّم أن يكون معطوفاً على اسم الجلالة فيوهم أنّ المعنى ونصر المؤمنين مع أنّ المقصود أنّ وجود المؤمنين تأييد من الله لرسوله إذ وفّقهم لاتّباعه فشرح صدره بمشاهدة نجاح دعوته وتزايد أمته ولكون المؤمنين جيشاً ثابتي الجنان، فجعل المؤمنون بذاتهم تأييداً. والتأليف بين قلوب المؤمنين مِنّة أخرى على الرسول، إذ جعَل أتباعه متحابّين وذلك أعون له على سياستهم، وأرجى لاجتناء النفع بهم، إذ يكونون على قلب رجل واحد، وقد كان العرب يفضلون الجيش المؤلف من قبيلة واحدة، لأنّ ذلك أبعد عن حصول التنازع بينهم. وهو أيضاً منة على المؤمنين إذ نزع من قلوبهم الأحقاد والإحن، التي كانت دأب الناس في الجاهلية، فكانت سبب التقاتل بين القبائل، بعضها مع بعض، وبين بطون القبيلة الواحدة. وأقوالهم في ذلك كثيرة. ومنها قول الفضل بن العبّاس اللهَبي:شعر : مَهْلاً بني عمّنا مهلاً موالينا لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا اللَّه يعلم أنّا لا نحبكمو ولا نلومكمو أنْ لا تحبونا تفسير : فلمّا آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم انقلبت البغضاء بينهم مودّة، كما قال تعالى: {أية : واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}تفسير : [آل عمران: 103]، وما كان ذلك التآلف والتحابّ إلاّ بتقدير الله تعالى فإنّه لم يحصل من قبل بوشائِج الأنساب، ولا بدعوات ذوي الألباب. ولذلك استأنف بعدَ قوله: {وألف بين قلوبهم} قوله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} استئنافا ناشئاً عن مساق الامتنان بهذا الائتلاف، فهو بياني، أي: لو حاولت تأليفهم ببذل المال العظيم ما حصل التآلف بينهم. فقوله: {ما في الأرض جميعاً} مبالغة حسنة لوقوعها مع حرف (لو) الدالّ على عدم الوقوع. وأمّا ترتّب الجزاء على الشرط فلا مبالغة فيه، فكان التأليف بينهم من آيات هذا الدين، لما نظّم الله من ألفتهم، وأماط عنهم من التباغض. ومن أعظم مشاهد ذلك ما حدث بين الأوس والخزرج من الإحن قبل الإسلام ممّا نشأت عنه حرب بُعاث بينهم، ثم أصبحوا بعد حين إخواناً أنصاراً لله تعالى، وأزال الله من قلوبهم البغضاءِ بينهم. و{جميعاً} منصوباً على الحال من {ما في الأرض} وهو اسم على وزن فعيل بمعنى مجتمع، وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: {أية : فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون}تفسير : في سورة [هود: 55]. وموقع الاستدراك في قوله: {ولكن الله ألّف بينهم} لأجل ما يتوهّم من تعذّر التأليف بينهم في قوله: {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم} أي ولكن تكوين الله يلين به الصلب ويحصل به المتعذر. والخطاب في {أنفقت} و{ألَّفت} للرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أنّه أول من دعا إلى الله. وإذْ كان هذا التكوين صنعاً عجيباً ذَيّل الله الخبر عنه بقوله: {إنه عزيز حكيم} أي قوي القدرة فلا يعجزه شيء، محكم التكوين فهو يكوّن المتعذر، ويجعله كالأمر المسنون المألوف. والتأكيد بـ«إنَّ» لمجرّد الاهتمام بالخبر باعتبار جعله دليلاً على بديع صنع الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 62- وإن أرادوا من تظاهرهم بالجنوح إلى السلم خدعة ومكرا بك، فإن اللَّه يكفيك أمرهم من كل وجه، وقد سبق له أن أيدك بنصره، حين هيأ لك من الأسباب الظاهرة والخفية ما ثبت به قلوب المؤمنين من المهاجرين والأنصار. 63- وجمع بينهم على المحبة بعد التفرق والتعادى، فأصبحوا ملتقين حولك، باذلين أرواحهم وأموالهم فى سبيل دعوتك، وإنك لو أنفقت جميع ما فى الأرض من الأموال والمنافع - فى سبيل هذا التأليف - لما أمكنك أن تصل إليه، لأن القلوب بيد اللَّه، ولكن اللَّه ألفَّ بينهم، بهدايتهم إلى الإيمان والمحبة والإخاء، وإنه تعالى قوى غالب، يدبر أمر العباد على مقتضى ما ينفعهم. 64- يأيها النبى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين أن اللَّه لكم ناصراً ومؤيدا. 65- يأيها النبى حث المؤمنين على القتال لإعلاء كلمة اللَّه ورغبهم فيما وراءه من خير الدنيا والآخرة، لتقوى بذلك نفوسهم، وإنه إن يوجد منكم عشرون معتصمون بالإيمان والصبر والطاعة، يغلبوا مائتين من الذين كفروا، ذلك بأنهم قوم لا يدركون حقائق الأمور، فليس لهم إيمان ولا صبر ولا مطمع فى ثواب. 66- وإذا كان واجبكم - أيها المؤمنون - أن تصبروا على ملاقاة أعدائكم فى حال قوتكم، ولو كانوا أمثالكم، فقد رخَص اللَّه لكم فى غير حال القوة أن تصبروا أمام مثليكم فقط من الأعداء لعلمه أن فيكم ضعفا يقتضى التيسير عليكم والترخيص لكم، بعد أن تثبت هيبة الإسلام فى نفوس الكفار، فإن يكن منكم مائة مجاهد صابر يغلبوا مائتين من الكفار، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإرادة اللَّه ومعونته، واللَّه مع الصابرين بنصره وتأييده.

د. أسعد حومد

تفسير : (62) - وَإِنْ يُرِدِ الكَافِرُونَ - بِجُنُوحِهِمْ لِلسِّلْمِ - خِيَانَتَكَ وَخِدَاعَكَ، وَالمَكْرَ بِكَ، وَانْتِظَارَ الفُرْصَةِ وَالغِرَّةِ لِلْغَدْرِ بِكَ، أَو اغْتِنَامَ حَالَةِ السِّلْمِ لِلاسْتِعْدَادِ لِلْحَرْبِ حِينَمَا تَسْنَحُ لَهُمُ الفُرْصَةُ المُوَاتِيَةُ ... فَإِنَّ اللهَ كَافِيكَ أَمْرَهُمْ، وَنَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ؛ وَمِنْ دَلاَئِلِ عِنَايَتِهِ بِكَ أَنَّهُ أَيَّدَكَ بِالمُؤْمِنينَ وَنَصَرَكَ. حَسْبَكَ اللهُ - كَافِيكَ فِي دَفْعِ خَدِيعَتِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فإذا أحسست أن مبادرة السلم التي يعرضونها عليك هي مجرد خديعة حتى يستعدوا لك ويفاجئوك بغدر ومكر، فاعلم أن الله تعالى عليم بمكرهم، وأنه سيكشفه لك، وما دام الله معك فلن يستطيعوا خداعك، وإذا أردت أن يطمئن قلبك فاذكر معركة بدر التي جاءك النصر فيها من الله تعالى وتمثلت أسبابه المرئية في استعداد المؤمنين للقتال ودخولهم المعركة. وتمثلت أسبابه غير المرئية في جنود لم يرها أحد، وفي إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وكان النصر حليفك بمشيئة الله تعالى: والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ} والخداع هو إظهار الشيء المحبوب وإبطان الشيء المكروه، وتقول: "فلان يخادعني" أي يأتي بشيء أحبه، ويبطن لي ما أكرهه، ولأن الخداع في إخفاء ما هو مكروه، وإعلان ما هو محبوب، فهل أنت يا محمد متروك لهم، أم أن لك ربا هو سندك، وهو الركن الركين الذي تأوي إليه؟. وتأتي الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62]. إذن فالله سبحانه وتعالى حسبك وسندك وهو يكفيك؛ لأنه نصرك وآزرك. وأنت ترى أن هذه قضية دليلها معها، فقد نصرك ببدر رغم قلة العدد والعُدد. والتأييد تمكين بقوة من الفعل ليؤدى على أكمل وجه وأحسن حال، وما دام الله عز وجل هو الذي يؤيد فلا بد أن يأتي الفعل على أقوى توكيد ليؤدي المراد والغاية منه. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ...}