Verse. 1223 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

وَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوْبِہِمْ۝۰ۭ لَوْ اَنْفَقْتَ مَا فِي الْاَرْضِ جَمِيْعًا مَّاۗ اَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوْبِہِمْ وَلٰكِنَّ اللہَ اَلَّفَ بَيْنَہُمْ۝۰ۭ اِنَّہٗ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ۝۶۳
Waallafa bayna quloobihim law anfaqta ma fee alardi jameeAAan ma allafta bayna quloobihim walakinna Allaha allafa baynahum innahu AAazeezun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وألَّف» جمع «بين قلوبهم» بعد الإحن «لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألَّفت بين قلوبهم ولكنَّ الله ألف بينهم» بقدرته «إنه عزيز» غالب على أمره «حكيم» لا يخرج شيء عن حكمته.

63

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} مع ما فيهم من العصبية والضغينة في أدنى شيء، والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا كنفس واحدة، وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وبيانه: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} أي تناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإِصلاح. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بقدرته البالغة، فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء. {إِنَّهُ عَزِيزٌ} تام القدرة والغلبة لا يعصى عليه ما يريده. {حَكِيمٌ} يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده، وقيل الآية في الأوس والخزرج كان بينهم محن لا أمد لها ووقائع هلكت فيها ساداتهم، فأنساهم الله ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وصاروا أنصاراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَلَّفَ } جمع {بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } بعد الإِحَنِ {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بقدرته {إِنَّهُ عَزِيزٌ } غالب على أمره {حَكِيمٌ } لا يخرج شيء عن حكمته.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الآية: 63]. قال أبو سعيد الخراز: ألف بين الأشكال وعين الرسوم لمقام آخر، وكل مربوط بمنحته ومستأنس فى أهل نحلته، وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : الأرواح جنود مجندة ". تفسير : قال بعضهم: ألف بين قلوب المرسلين بالرسالة، وقلوب الأنبياء بالنبوة، وقلوب الصادقين بالصدق، وقلوب الشهداء بالمشاهدة، وقلوب الصالحين بالخدمة وقلوب عامة المؤمنين بالهداية، فجعل المرسلين رحمة على الأنبياء، وجعل الأنبياء رحمة على الصادقين، وجعل الصادقين رحمة على الشهداء، وجعل الشهداء رحمة على الصالحين، وجعل الصالحين رحمة على عامة المؤمنين، وجعل المؤمنين رحمة على الكافرين.

اطفيش

تفسير : {وألَّفَ بَيْن قُلُوبهِم} قلوب المؤمنين على الإطلاق، وأزال حمئة العرب والعصبية التى تستعملها العرب فى أدنى شئ، وكانوا يكاد لا يتألف فيهم قلبان، وأزال ذلك منهم حتى صاروا كنفس واحدة، وذلك إعانة للنبى صلى الله عليه وسلم ومعجزة له ومن جملة ذلك ما كان بين الأوس والخزرج، فزال ذلك بالإسلام، وقد قال الأكثرون: إن المراد بالمؤمنين الأوس والخزرج، وإن الآية فيهم، ألف بينهم وصاروا أنصار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكانت بينهم أحقاد لا أمد لها، ووقائع هلكت فيها سادتهم، وتحاور يهيج الضغائن، وأشعار تديم التحاسد والتنافس، وعادة كل من الطائفتين أن تكره ما أحبته الأخرى وتنفر عنه، فأنساهم الله ذلك، وقال ابن مسعود: نزلت الآية فى المتحابين فى الله، وقال مجاهد: إذا ترآى المتحابان فى الله فتصافحا وتضاحكا تحاتت خطاياهما، فقال له عبدة بن أبى لبانة: إن هذا ليسير، فقال: لا تقل ذلك، فإن الله سبحانه يقول: {لَوْ أنفقْتَ ما فى الأرْض جَميعاً ما ألَّفْت بين قلُوبهِم ولكنَّ اللهَ ألَّفَ بيْنَهم} قال عبدة: فعرفت أنه أفقه منى، وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن ما ألفه لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف" تفسير : قالوا: من كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه، وكانت الحرب بين لأوس والخزرج قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، يجتمعون فيقتلون فى كل عام، كانوا يقتتلون فى حرب رجل يقال له شمير، وكانوا عند مبعث النبى صلى الله عليه وسلم فى حرب حاطب بن عبد الله مولى لهم، وأنزل الله بينهم الترحم، ووافقوا النبى صلى الله عليه وسلم، وسموا أنصارا، وجعل بلدتهم دار هجرة ومتبوَّأ للإيمان، وسماها المدينة بغير حضار عليها، وأكرمهم بنبيه، أقام فيهم عشر سنين، وجعل مدفنه فيها. وكان يوصى بالأنصار خيرا ويقول: "حديث : استوصوا بالأنصار خيرا اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، فقد قضوا ما عليهم، وبقى الذى لهم اللَّهم اغفر للأنصار، وذرارى الأنصار" وقال للأنصار: "موعدكم الكوثر" قالوا: ما الكوثر يا رسول الله؟ قال: "نهر لى فى الجنة شرابه أبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، عليه غلمان مخلدون، كعدد نجوم السماء، معهم الأباريق لا يسقون إلا من أمرت، فآويكم يومئذ كما آويتمونى فى الدنيا" قالوا: قد رضينا يا رسول الله، فقال لهم: "يا معشر الأنصار لولا الهجرة لكنت امرئ منكم، ولو سلك الناس واديا أو شِعْبا لسلكت واديكم وشعبكم " تفسير : ولم يقسم يوم حنين لهم شيئا ووجدوا من ذلك، فقالوا: أعطى قريشا وآثر علينا إذا كانت الحرب صلينا بحرها وشدتها، وإذا كانت الغنائم كانت لغيرنا أعطى قوما سيوفنا تقطر من دمائهم، ادخلوا فساطيطكم فلا يؤثر رسول الله عليه وسلم إلا الحسن الجميل، حديث : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فى ناس من قريش: "يا معشر قريش مالى لا أرى فيكم من الأنصار أحدا؟" فوثب فتوسط فساطيطهم فقال ثلاث مرات: "اللهم اغفر لأصحاب هذه الفساطيط" فقالوا: هذه والله خير مما أعْطِيت قريش من الدنيا وما فيها، وقال: "ألا تخرجون إلىَّ يا معشر الأنصار؟ ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بى؟ ألم تكونوا عميا فبصركم الله بى؟ ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بى؟ ومتفرقين فألفكم بى؟ وعالة فأغناكم بى؟" قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليك وسلم فقال: "أما إنكم إن شئتم قلتم فصدقتم: ألم تأتنا طريدا فآويناك، وفقيرا فواسيناك، ومخذولا فنصرناك" فقالوا: لله ولرسوله المنة علينا، فقال: "يا معشر الأنصار أما ترضون أن تذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله إلى منازلكم؟" فقالوا: بلى يا رسول الله رضينا . تفسير : {إنَّه عَزيزٌ} لا يغلب على أمر أراده هو {حَكيمٌ} لا يفعل إلا الصواب، ولا يضع الأشياء إلا فى مواضعها، ومن عزته وحكمته صرف القلوب من العداوة إلى التحاب.

اطفيش

تفسير : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قَلُوبِهِمْ} هم الأَوس والخزرج، كانوا فى حروب بينهما مائة وعشرين سنة، وفى حمية عظيمة، والحمية فى العرب عظيمة وهى فى الأَوس والخزرج أَعظم، لو لطم أَوسى خزرجيا أَو خزرجى أَوسيا لسعى قوم الملطوم فى الأَخذ بالثأر حتى يكون القتال، وإِن أَخذ به سعى قوم المأخوذ منه وهكذا، ولما دخلهم الإِسلام أَبدلوا بتلك الحمية المحابة، وكانوا كلهم يدا على الكفار حتى أَن الرجل منهم يقتل أَباه وأَخاه فى الله إِلا إِن منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى أَن شدة تحابهم بعد شدة ذلك الحقد والحمية حتى لا يكاد يتأَلف قلبان معجزة له صلى الله عليه وسلم، إِذ صاروا كنفس واحدة {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا} من الأَموال فى التأليف بينهم {مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لبلوغهم غاية الحقد حتى أَنهم لا يرضون بمال ما بدل أَخذ الثأر والنصرة ولا غرض لهم فى سوى ذلك {وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بقدرته وكون القلوب بيده يصرفها حيث شاءَ وأَثر فيها الإِيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا معشر الأَنصار، أَلم أَجدكم ضلالا فهداكم الله بى، وكنتم متفرقين فجمعكم الله بى، وكنتم فقراءَ فأَغناكم الله بى، فقال: أَلا تقولون جئتنا طريدا فآويناك وأَصحابك، ومحتاجا فواسيناك، وكذبك قومك فصدقناك"تفسير : ، فقالوا: لا نقول ذلك، المنة لله ولرسوله علينا {إِنَّهُ عَزِيزٌ} لا يكون مغلوبا على ما أَراد أَو لم يرد، ولا يعجز لأَنه تام القدرة، {حَكِيمٌ} لا يخرج شئ عن حكمته ولا عبث له ولا سفه، ويفعل ما أَراد بإِتقان، ومن ذلك أَنه زين فى قلوبهم الإِيمان وكره إِليهم الكفر حتى كان من وافقهم على ذلك حبيبهم، قريبا كبعضهم لبعض أَو أَجنب كالمهاجرين، واستبدلوا أَغراض الدنيا بأَغراض الآخرة لدوامها.

الالوسي

تفسير : {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} مع ما جبلوا عليه كسائر العرب من الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا بتوفيقه تعالى كنفس واحدة. وقيل: إن الأنصار وهم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب ما أهلك ساداتهم ودق جماجمهم ولم يكن لبغضائهم أمد وبينهم التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس فأنساهم الله تعالى ما كان بينهم فاتفقوا على الطاعة وتصافوا وصاروا أنصاراً وعادوا أعواناً وما ذاك إلا بلطيف صنعه تعالى وبليغ قدرته جل وعلا. واعترض هذا القول بأنه ليس في السياق قرينة عليه. وأجيب بأن كون المؤمنين مؤيداً بهم يشعر بكونهم أنصاراً ولا يخفى ضعفه ولا تجد له أنصاراً، وبالجملة ما وقع من التأليف من أبهر معجزاته عليه الصلاة والسلام. {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي لتأليف ما بينهم {مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لتناهي عداوتهم وقوة أسبابها، والجملة استئناف مقرر لما قبله ومبين لعزة المطلب وصعوبة المأخذ، والخطاب لكل واقف عليه لأنه لا مبالغة في انتفاء ذلك من منفق معين، وذكر القلوب للإشعار بأن التأليف بينها لا يتسنى وإن أمكن التأليف ظاهراً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} جلت قدرته {أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} قلباً وقالباً بقدرته البالغة {إِنَّهُ عَزِيزٌ} كامل القدرة والغلبة لا يستعصى عليه سبحانه شيء مما يريد {حَكِيمٌ} يعلم ما يليق تعلق الإرادة به فيوجده بمقتضى حكمته عز وجل، ومن آثار عزته سبحانه تصرفه بالقلوب الأبية المملوءة من الحمية الجاهلية، ومن آثار حكمته تدبير أمورهم على وجه أحدث فيهم التواد والتحاب فاجتمعت كلمتهم، وصاروا جميعاً كنانة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذابين عنه بقوس واحدة، والجملة على ما قال الطيبـي كالتعليل للتأليف. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيْءٍ} إلى قوله سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } تفسير : [الأنفال: 41-48] طبقه بعض العارفين على ما في الأنفس فقال: {وَٱعْلَمُواْ} أي أيها القوى الروحانية {أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيْءٍ} من العلوم النافعة {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} وهي كلمة التوحيد التي هي الأساس الأعظم للدين {وَلِلرَّسُولِ} الخاص وهو القلب {وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ} الذي هو السر {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ} من القوة النظرية والعملية {وَٱلْمَسَـٰكِينَ} من القوى/ النفسانية {وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ} الذي هو النفس السالكة الداخلة في الغربة السائحة في منازل السلوك النائية عن مقرها الأصلي باعتبار التوحيد التفصيلي والأخماس الأربعة الباقية بعد هذا الخمس من الغنمية تقسم على الجوارح والأركان والقوى الطبيعية {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ} تعالى الإيمان الحقيقي جمعاً {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} وقت التفرقة بعد الجمع تفصيلاً {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} من فريقي القوى الروحانية والنفسانية عند الرجوع إلى مشاهدة التفصيل في الجمع {أية : وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تفسير : [الأنفال: 41] فيتصرف فيه حسب مشيئته وحكمته {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا} أي القريبة من مدينة العلم ومحل العقل الفرقاني {وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ} أي البعيدة من الحق {والرَّكْب} أي ركب القوى الطبيعية الممتارة {أَسْفَلَ مِنكُمْ} معشر الفريقين {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ} اللقاء للمحاربة من طريق العقل دون طريق الرياضة {لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ} لكون ذلك أصعب من خرط القتاد {وَلَـٰكِن لّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} مقدراً محققاً فعل ذلك {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} وهي النفس الملازمة للبدن الواجب الفناء {أية : وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} تفسير : [الأنفال: 42] وهي الروح المجردة المتصلة بعالم القدس الذي هو معدن الحياة الحقيقية الدائم البقاء، وبينة الأول تلك الملازمة وبينة الثاني ذلك التجرد والاتصال {إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أيها القلب {فِي مَنَامِكَ} وهو وقت تعطل الحواس الظاهرة وهدوء القوى البدنية {قَلِيلاً} أي قليل القدر ضعاف الحال {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً} في حال غلبة صفات النفس {لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أمر كسرها وقهرها لانجذاب كل منكم إلى جهة {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ} من الفشل والتنازع بتأييده وعصمته {أية : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الأنفال: 43] أي بحقيقتها فيثبت علمه بما فيها من باب الأولى {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم} وهم القوى النفسانية خرجوا من مقارهم وحدودهم {بَطَراً} فخراً وأشراً {وَرِئَاء ٱلنَّاسِ} وإظهاراً للجلادة. وقال بعضهم: حذر الله تعالى بهذه الآية أولياءه عن مشابهة أعدائه في رؤية غيره سبحانه {أية : وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنفال: 47] وهو التوحيد والمعرفة {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي شيطان الوهم {أَعْمَـٰلَهُمْ} في التغلب على مملكة القلب وقواه {وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ} أوهمهم تحقيق أمنيتهم بأن لا غالب لكم من ناس الحواس وكذا سائر القوى {وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ} أمدكم وأقويكم وأمنعكم من ناس القوى الروحانية {فَلَمَّا تَرَاءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} لشعوره بحال القوى الروحانية وغلبتها لمناسبته إياها من حيثية إدراك المعاني {وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ} لأني لست من جنسكم {ۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ} من المعاني ووصول المدد إليهم من سماء الروح وملكوت عالم القدس {ۤ أَخَافُ ٱللَّهَ} سبحانه لشعور ببعض أنواره وقهره، وذكر الواسطي بناءً على أن المراد من الشيطان الظاهر، أن اللعين ترك ذنب الوسوسة إذ ذاك لكن ترك الذنب إنما يكون حسناً إذا كان إجلالاً وحياءً من الله تعالى لا خوفاً من البطش فقط وهو لم يخف إلا كذلك {أية : وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } تفسير : [الأنفال: 48] إذ صفاته الذاتية والفعلية في غاية الكمال اهـ بأدنى تغيير وزيادة. وذكر أن الفائدة في مثل هذا التأويل تصوير طريق السلوك للتنشيط في الترقي والعروج {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم الذين غلبت عليهم صفات النفس {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} أي ملائكة القهر والعذاب {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} لإعراضهم عن عالم الأنوار ومزيد الكبر والعجب {وَأَدْبَـٰرَهُمْ} لميلهم إلى عالم الطبيعة ومضاعف الشهوة والحرص {و} يقولون لهم {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ } تفسير : [الأنفال: 50] وهو عذاب الحرمان وفوات المقصود {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } تفسير : [الأنفال: 53] أي حتى يفسدوا استعدادهم فلا تبقى لهم مناسبة للخير وحينئذٍ يغير سبحانه النعمة / إلى النقمة لطلبهم إياها بلسان الاستعداد وإلا فالله تعالى أكرم من أن يسلب نعمة شخص مع بقاء استحقاقها فيه. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لجهلهم بربهم وعصيانهم له دون سائر الدواب {أية : فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنفال: 50] لغلبة شقاوتهم ومزيد عتوهم وغيهم {ٱلَّذِينَ عَـٰهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} من مرات المعاهدة لأن ذلك شنشنة فيهم مع مولاهم، ألا ترى كيف نقضوا عهد التوحيد الذي أخذ منهم في منزل {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 172] {أية : وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } تفسير : [الأنفال: 56] العار ولا النار {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ } تفسير : [الأنفال: 60] قال أبو علي الروزباري: القوة هي الثقة بالله تعالى، وقال بعضهم: هي الرمي بسهام التوجه إلى الله تعالى عن قسي الخضوع والاستكانة {هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ} الذي لم يعهد مثله {أية : وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 62] {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} بجذبها إليه تعالى وتخليصها مما يوجب العداوة والبغضاء، أو لكشفه سبحانه لها عن حجب الغيب حتى تعارفوا فيه والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} لصعوبة الأمر وكثافة الحجاب {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 63] والتأليف من آثار ذلك والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

د. أسعد حومد

تفسير : (63) - وَهُوَ الذِي أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنينَ وَجَمَعَهَا عَلَى الإِيمَانِ بِكَ، وَعَلَى طَاعَتِكَ وَمُنَاصَرَتِكَ، وَلَمْ تَكُنْ أَنْتَ لِتَسْتَطِيعَ التَّأْلِيفَ بِيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ، لَمَا كَانَ بَيْنَهُمْ قَبْلاً مِنْ عَدَاوَاتٍ وَضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ، كَمَا كَانَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ.. وَلكِنَّ اللهَ جَمَعَ قُلُوبَهُمْ عَلَى الهُدَى وَالتَّقْوَى، وَاللهُ عَزِيزُ الجَانِبِ لاَ يُضَامُ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ، لاَ يَخِيبُ رَجَاءُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والتأييد هنا عناصره ثلاثة: الله يؤيد بنصره، والله يؤيد بالمؤمنين، والله يؤلف بين قلوب المؤمنين. والتأليف بين القلوب جاء لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل لقوم لهم عصبية وحمية، وهم قبائل متفرقة تقوم الحروب بينهم لأتفه الأسباب؛ لأن عناصر التنافر موجودة بينهم أكثر من عناصر الائتلاف. إن القبيلة مجتمعة تهب للدفاع عن أي فرد فيها مهما كانت الأسباب والظروف، حتى إنه ليكفي أن يسب واحد من الأوس مثلاً واحداً من الخزرج لتقوم الحرب بين القبيلتين، ولو أن القلوب ظلت على تنافرها لما استطاعت هذه القبائل أن تواجه أعداء الإسلام، ولشغلتها حروبها الداخلية عن نصرة الدين والدفاع عنه ومواجهة الكفار. ولكن الله ألف بينهم، وبعد أن كانوا أعداءً أصبحوا أحباباً. وبعد أن كانوا متنافرين أصبحوا متوادين. وهكذا ألف الله بين قلوب المسلمين بحيث أصبح الإسلام في قلوبهم وأعمالهم وأسلوب حياتهم هو أقوى رابطة تربط بينهم. فأصبحت أخوة الدين أقوى من أخوة النسب. وحين تتآلف القلوب؛ فهذا أقوى رباط؛ لأن كل عمل يقوم به الإنسان إنما ينشأ عن عقيدة في القلب. إن القلب هو مصدر النية التي يتبعها السلوك، فالذي يحرك إنساناً مَوْتوراً منك ويثير جوارحه ضدك، إنما هو القلب، فإن وجدت إنساناً يعبس في وجهك فافهم أن في قلبه شيئاً، وإن لقيته وحاول أن يضربك فافهم أن في قلبه شيئاً أكبر، وإن حاول أن يقتلك، يكون في قلبه شعورٌ أعمق بالبغض والكراهية. إذن فالينبوع لكل المشاعر هو القلب. ولذلك نرى الإنسان يُضَحِّي بكل شيء وربما ضحَّى بحريته وبماله في سبيل ما آمن به واستقر في قلبه، ونحن نرى العلماء في معاملهم يعيشون سنوات طويلة ويحرمون أنفسهم من متع الحياة الدنيا لأن العلم قد تحول إلى عقيدة في قلوبهم سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك، فكانما نية القلب وما يستقر فيها هي أقوى ما في الحياة. ثم يبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا فضل عظيم منه أن ألف بين قلوب المؤمنين؛ فيقول: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]. والتأليف بين القلوب هو جماع التواد والمساندة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي يرويه عنه النعمان بن بشير رضي الله عنهما: "حديث : ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله ". تفسير : والحديث بتمامه: "حديث : انّ الحلال بِّين وإن الحرام بَيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". تفسير : ولم تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج إلى مال؛ لأن المال لا يمكن أن يعطي الحب الحقيقي، ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح وارتباط قلوب، وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح، لكن ارتباط القلوب يتحدى كل الأزمات، وأنت لا تستطيع أن تجعل إنساناً يحبك حقيقة مهما أعطيته من مال؛ لأن الحب الحقيقي لا يشترى ولا يباع، إنما يشترى النفاق والتظاهر وغير ذلك من المشاعر السطحية. والعرب الذين ألف الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما تهمهم الحمية والعصبية، فغالبيتهم يملكون الثروات، ولكن الفُرْقة فيما بينهم نابعة من الحمية والعصبية التي تجعل في القلوب غلاً وحسداً وحقداً؛ لذلك تنفعل جوارحهم. يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63]. وما دام الله سبحانه وتعالى له عزة فهو لا يغلب، وما دام حكيماً فهو يضع الأمور في مكانها السليم، والله سبحانه وحده هو القادر على أن يجعل القلوب تتآلف؛ لأن القلوب في يد الرحمن يقلبها كما يشاء، لذلك ندعو بدعاء رسول الله: حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينكتفسير : ، فعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة رضي الله عنها يا أم المؤمنين ما أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه "حديث : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". تفسير : وسبحانه وتعالى يقول: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}تفسير : [الأنفال: 24]. ثم يعطينا الله سبحانه وتعالى قضية إيمانية فيقول: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ...}

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [63] 230- أخبرني محمد بن آدم بن سليمان، عن حفص - وهو ابن غِياث، عن فُضيل بن غزوان قال: ضمَّني إليه أبو إسحاق، فقال: إني لأُحبك في الله، حدثني أبو الأحوص، عن عبد الله قال: لمَّا نزلت هذه الآية {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} قال: هم المتحابُّون في الله.