٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
64
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما وعده بالنصر عند مخادعة الأعداء. وعده بالنصر والظفر في هذه الآية مطلقاً على جميع التقديرات وعلى هذا الوجه لا يلزم حصول التكرار، لأن المعنى في الآية الأولى، إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم. والمعنى في هذه الآية عام في كل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والمراد بقوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الأنصار وعن ابن عباس رضي الله عنهما، نزلت في إسلام عمر، قال سعيد بن جبير أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية. قال المفسرون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الآية قولان: الأول: التقدير، الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين. قال الفراء: الكاف في حسبك خفض و {مِنْ } في موضع نصب والمعنى: يكفيك الله ويكفي من اتبعك، قال الشاعر:شعر : إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند تفسير : قال وليس بكثير من كلامهم أن يقولوا حسبك وأخاك، بل المعتاد أن يقال حسبك وحسب أخيك. والثاني: أن يكون المعنى كفاك الله وكفاك أتباعك من المؤمنين. قال الفراء وهذا أحسن الوجهين، أي ويمكن أن ينصر القول الأول بأن من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أن الواحد من ذلك المجموع لا يكفي في حصول ذلك المهم. وتعالى الله عنه ويمكن أن يجاب عنه بأن الكل من الله، إلا أن من أنواع النصرة ما لا يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة، ومنها ما يحصل بناء على الأسباب المألوفة المعتادة. فلهذا الفرق اعتبر نصرة المؤمنين، ثم بين أنه تعالى وإن كان يكفيك بنصره وبنصر المؤمنين، فليس من الواجب أن تتكل على ذلك إلا بشرط أن تحرض المؤمنين على القتال فإنه تعالى إنما يكفيك بالكفاية بشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة. فقال: {ٱلْمُؤْمِنِينَ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجهاً آخر بعيداً، فقال: التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثاً يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضاً، والحارض الذي قارب الهلاك، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا حارضين، أي هالكين. فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض. ثم قال: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ } فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى {يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه: الأول: لو كان المراد منه الخبر، لزم أن يقال: إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ومعلوم أنه باطل. الثاني: أنه قال {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } تفسير : [الأنفال: 66] والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر. الثالث: قوله من بعد: {أية : وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [الأنفال: 66] وذلك ترغيباً في الثبات على الجهاد، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان وارداً بلفظ الخبر، وهو كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } تفسير : [البقرة: 233] {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } تفسير : [البقرة: 228] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ } يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابراً قاهراً على ذلك، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء؛ منها: أن يكون شديد الأعضاء قوياً جلداً، ومنها: أن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، ومنها: أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزاً إلى فئة، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة. واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى: {حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. المسألة الثانية: قوله: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟ وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة، وكان رسول الله يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين. المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر {ءانٍ تَكُنْ } بالتاء، وكذلك الذي بعده {وَأَنْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ } وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما. المسألة الرابعة: أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة، وهو قوله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } وتقرير هذا الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية. ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح، ومتى كان الأمر كذلك، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول. الوجه الثاني: أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى. الوجه الثالث: وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيباً عند الخلق، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه، بل نقول: إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيباً، وأيضاً الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت. إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله. فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادراً وللفرد بعد الفرد. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : ليس هذا تكريراً؛ فإنه قال فيما سبق: {وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} وهذه كفاية خاصة. وفي قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} أراد التعميم؛ أي حسبك الله في كل حال. وقال ٱبن عباس: نزلت في إسلام عمر؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلاً وستُّ نسوة؛ فأسلم عمر وصاروا أربعين. والآية مكية، كُتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورةٍ مدنيّة؛ ذكره القُشيريّ. قلت: ما ذكره من إسلام عمر رضي الله عنه عن ٱبن عباس؛ فقد وقع في السيرة خلافه. عن عبد الله بن مسعود قال: ما كنا نقدر على أن نُصلّيَ عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً حتى صلّىٰ عند الكعبة وصلّينا معه. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة. قال ٱبن إسحاق؛ وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغاراً أو ولدوا بها، ثلاثةً وثمانين رجلاً، إن كان عمّار ابن ياسر منهم. وهو يُشكّ فيه. وقال الكَلْبيّ: نزلت الآية بالبَيْداء في غزوة بدر قبل القتال. قوله تعالىٰ: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: المعنى حسبك الله، وحسبك المهاجرون والأنصار. وقيل: المعنى كافيك الله، وكافي من تبعك؛ قاله الشَّعْبِيّ وابن زيد. والأوّل عن الحسن. وٱختاره النحاس وغيره. فـ «مَن» على القول الأوّل في موضع رفع، عطفاً على ٱسم الله تعالىٰ. على معنى: فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين. وعلى الثاني على إضمار. ومثلُه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَكْفِينِيه اللَّهُ وأبناء قَيْلة»تفسير : . وقيل: يجوز أن يكون المعنى {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} حسبهم الله؛ فيضمر الخبر. ويجوز أن يكون «مَن» في موضع نصب، على معنى: يكفيك الله ويكفي من ٱتبعك.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} كافيك. {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أما في محل النصب على المفعول معه كقوله:شعر : إِذَا كَانت الهَيْجَاء وَاشْتَجَرَ القَنَا فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّد تفسير : أو الجر عطفاً على المكني عند الكوفيين، أو الرفع عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنون. والآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر، وقيل أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر رضي الله عنه فنزلت. ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في إسلامه.
ابن كثير
تفسير : يحرض تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم، أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان عن شوذب عن الشعبي في قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك، قال: وروي عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد مثله، ولهذا قال: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} أي: حثهم، أو: ذمرهم عليه، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرض على القتال، عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر حين أقبل المشركون في عَدَدَهم وعُدَدِهم: «حديث : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض» تفسير : فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : نعم»تفسير : ، فقال: بخ بخ، فقال: «حديث : ما يحملك على قولك بخ بخ؟» تفسير : قال: رجاء أن أكون من أهلها، قال: «حديث : فإنك من أهلها» تفسير : فتقدم الرجل، فكسر جفن سيفه، وأخرج تمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده وقال: لئن أنا حييت حتى آكلهن إنها لحياة طويلة، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه. وقد روي عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير: أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب وكمل به الأربعون، وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة، وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم. ثم قال تعالى مبشراً للمؤمنين وآمراً: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مُّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كل واحد بعشرة، ثم نسخ هذا الأمر، وبقيت البشارة. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الحريث، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} شق ذلك على المسلمين، حتى فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} إلى قوله: {يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر، بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه. وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين، وروى البخاري عن علي بن عبد الله عن سفيان به نحوه، وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم، فنسخها بالآية الأخرى، فقال: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم، لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم. وروى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو ذلك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء وعكرمة والحسن، وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني والضحاك، وغيرهم، نحو ذلك. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، في قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} قال: نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} رفع، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ } حسبك {مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }.
الشوكاني
.تفسير : قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ليس هذا تكريراً لما قبله فإن الأوّل مقيد بإرادة الخدع {أية : وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ }تفسير : [الأنفال: 62] فهذه كفاية خاصة، وفي قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ } كفاية عامة غير مقيّدة، أي حسبك الله في كل حال، والواو في قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ } يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الشريف. والمعنى: حسبك الله وحسبك المؤمنين، أي كافيك الله وكافيك المؤمنين، ويحتمل أن تكون بمعنى مع كما تقول: حسبك وزيداً درهم، والمعنى: كافيك وكافي المؤمنين الله، لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع كما تقرّر في علم النحو، وأجازه الكوفيون. قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك، بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو كان قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ } مجروراً لقيل: حسبك الله وحسب من اتبعك، واختار النصب على المفعول معه النحاس، وقيل يجوز أن يكون المعنى: ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر. وقوله: {حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } أي: حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة: المبالغة في الحثّ وهو كالتحضيض، مأخوذ من الحرض، وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به، ثم بشرهم تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار، فقال: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } ثم زاد هذا إيضاحاً مفيداً لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد، بل هي جارية في كل عدد فقال: {وَإِن تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا } وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلاً كانوا أو كثيراً لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال، وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك. فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين، بل مثل نصفهم بل مثلهم. وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا بالخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر. وقيل: إن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ } تفسير : [البقرة: 233] {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } تفسير : [البقرة: 228] فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن تثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم، ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال: {فَإن تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } إلى آخر الآية، فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. وقرأ حمزة وحفص عن عاصم {ضعفاً} بفتح الضاد. وقوله: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } متعلق بقوله: {يَغْلِبُواْ } أي: إن هذا الغلب بسبب جهلهم وعدم فقههم، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب العشرين للمائتين، والمائة للألف أن سراياه التي كان يبعثها صلى الله عليه وسلم كان لا ينقص عددها عن العشرين ولا يجاوز المائة. وقيل في التنصيص فيما بعد ذلك على غلب المائة للمائتين، والألف للألفين، على أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو بإذن الله وتسهيله، وتيسيره لا بقوّتهم وجلادتهم، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به، وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر، لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه. وقد اختلف أهل العلم، هل هذا التخفيف نسخ أم لا؟ ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. وقد أخرج البزار عن ابن عباس قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر أسلم صاروا أربعين فنزل: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، قال: لما أسلم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ }. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري في الآية قال: نزلت في الأنصار، وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الشعبي في قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: حسبك الله وحسب من اتبعك. وأخرج البخاري، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: لما نزلت {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من العشرة، وأن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثم نزلت {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } الآية، فكتب أن لا يفرّ مائة من مائتين قال سفيان: وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة، فجاء التخفيف {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } الآية قال: فلما خفّف الله عنهم من العدّة نقص من الصبر بقدر ما خفّف عنهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، قاله الكلبي ومقاتل. والثاني: حسبك الله أن تتوكل عليه والمؤمنون أن تقاتل بهم. قال الكلبي: نزلت هذه الآية بالبيداء من غزوة بدر قبل القتال. قوله عز وجل {يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرَّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلفاً} يعين يقاتلوا ألفاً قال مجاهد: وهذا يوم بدر جعل على كل رجل من المسلمين قتال عشرة من المشركين فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله تعالى: {الأَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم}. وقال ابن بحر: معناه أن الله تعالى ينصر كل رجل من المسلمين على عشرة من المشركين، وقد مضى تفسير هاتين الآيتين من قبل.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَسْبُكَ اللَّهُ} أن تتوكل عليه، والمؤمنون: أن تقاتل بهم، أو حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين الله، قيل: نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }، قال النَّقَّاش: نزلَتْ هذه الآية بالبَيْداء في غزوة بَدْر، وحُكِيَ عن ابنِ عبَّاس: أنها نزلَتْ في الأوس والخزرج. وقيل: إِنها نزلَتْ حين أسلم عمر وكمَلَ المسلمون أَربَعِينَ. قاله ابن عمر، وأنس؛ فهي على هذا مكِّيَّة: و«حَسبك»؛ في كلام العرب، و«شَرْعُكَ»: بمعنى كافِيكَ ويَكْفِيك، والمحسب: الكافي، قالت فرقة: معنى الآية: يَكْفِيكَ اللَّهِ، ويكفيكَ مَنِ ٱتبعكَ، فـــ «مَنْ» في موضع رفع. وقال الشَّعْبِيُّ وابن زَيْد: معنى الآية: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتبعك من المؤمنين، فـــ«مَنْ» في موضع نَصْب عطفاً على موضع الكاف؛ لأن موضعها نَصْبٌ على المعنى بـــ «يكفيك» التي سدَّتْ «حَسْبُكَ» مسدَّها. قال * ص *: ورد بأنَّ الكاف لَيْسَ موضعها نصْب لأن إضافة حسب إليها إضافة صحيحة انتهى. وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ...} الآية: {حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }، أي: حُثَّهم وحُضَّهم، وقوله سبحانه: {إِن يَكُن مِّنكُمْ...} إلى آخر الآية، لفظُ خبرٍ، مضمَّنه وعدٌ بشرط؛ لأن قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ}، بمنزلة أنْ يقال: إِنْ يَصْبِرْ منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصَّبر، قال الفخر: وحَسُنَ هذا التكليفُ لما كان مسبوقاً بقوله: {حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، فلمَّا وعد اللَّه المؤمنين بالكِفَايَة والنصرِ، كان هذا التكليفُ سَهْلاً؛ لأن مَنْ تكلَّف اللَّه بنصره، فإِن أَهْلَ العَالَمِ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إيذَاءَتِهِ انتهى، وتظاهرت الرواياتُ عن ابن عبَّاس وغيره من الصحابة؛ بأنَّ ثبوت الواحدِ للعَشَرةِ، كان فرضاً على المؤمنين، ثم لمَّا شَقَّ ذلك عليهم، حَطَّ اللَّه الفَرْضَ إِلى ثبوتِ الواحِدِ للاثنَيْنِ، وهذا هو نَسْخُ الأَثْقَلِ بالأَخَفِّ، وقوله: {لاَّ يَفْقَهُونَ }: معناه: لا يفهمون مراشِدَهم، ولا مَقْصِدَ قتالهم، لا يريدون به إِلا الغلبةَ الدنيويَّة، فهم يخافُونَ المَوْت؛ إِذا صُبَر لهم، ومَنْ يقاتلْ؛ ليَغْلِبَ، أَو يُسْتشهد، فيصير إِلى الجنة، أثبَتُ قدماً لا محالة. وقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }: لفظُ خبرٍ في ضمنه وعْدٌ وحضٌّ على الصبر، ويُلْحَظُ منه وعيدٌ لمن لم يَصْبِرْ؛ بأنه يُغْلَبُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} الآية. لمَّا وعده بالنَّصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنَّصر والظفر في هذه الآية مطلقاً، وعلى هذا التقرير لا يلزم منه التكرار، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال، والمرادُ بقوله {ومنِ اتَّبعكَ من المؤمنينَ} الأنصار. وعن ابنِ عبَّاسٍ: "نزلت في إسلامِ عُمر". قال سعيدُ بن جبير: "أسلم مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر، فنزلت هذه الآية". قال المفسِّرُون: فعلى هذا القول هذه الآية مكية، [كتبت في] سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله "ومن اتَّبعكَ" فيه أوجهٌ. أحدها: أن يكون "مَنْ" مرفوع المحلِّ، عطفاً على الجلالة، أي: يكفيك الله والمؤمنون. وبهذا فسّره الحسن البصري وجماعة وهو الظاهر ولا محذور في ذلك حيث المعنى. فإن قالوا: من كان الله ناصره امتنع أن يزداد حاله، أو ينقص بسبب نصرة غير الله، وأيضاً إسناد الحكم إلى المجموع يوهم أنَّ الواحدَ من ذلك المجموع لا يكفي في حصولِ ذلك المهم وتعالى الله عنه. ويجابُ: بأنَّ الكُلَّ من اللَّهِ، إلاَّ أنَّ من أنواع النُّصرة ما يحصل بناء على الأسباب المألوفةِ المعتادةِ، ومنها ما يحصلُ لا بناءً على الأسباب المألوفة المعتادة؛ فلهذا الفرق اعتبر نصر المؤمنين، وإن كان بعضُ الناس استصعب كون المؤمنين يكونون كافين النبي صلى الله عليه وسلم وتأوَّل الآية على ما سنذكره. الثاني: أنَّ "مَنْ" مجرورُ المحلِّ، عطفاً على الكافِ في: "حَسْبُكَ"، وهذا رأي الكوفيين وبهذا فسَّر الشعبي وابن زيد، قالا: "معناه: وحسبُ من اتَّبعك". الثالث: أنَّ محلَّه نصبٌ على المعيَّة. قال الزمخشري: "ومنِ اتَّبعكَ" الواو بمعنى "مع" وما بعدهُ منصوبٌ، تقول: حَسْبُكَ وزَيْداً درهمٌ، ولا تَجُرُّ؛ لأنَّ عطف الظّاهر المجرور على المكنيّ ممتنعٌ؛ وقال: [الطويل] شعر : 2735 - ......................... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ تفسير : والمعنى: كَفَاك وكَفَى تُبَّاعكَ المؤمنين اللَّه ناصراً. قال أبو حيَّان: "وهذا مخالفٌ لكلام سيبويه؛ فإنَّه قال "حَسْبُك وزَيْداً درهم" لمَّا كان فيه معنى: كفاك، وقبُحَ أن يحملوه على الضمير دون الفعل، كأنَّهُ قال: حسبك وبحسبِ أخاك" ثم قال: "وفي ذلك الفعل المضمر ضميرٌ يعودُ على الدرهم والنيةُ بالدرهم التقديمُ، فيكون من عطف الجمل، ولا يجوزُ أن يكون من باب الإعمال، لأنَّ طلبَ المبتدأ للخبر وعمله فيه ليس من قبيل طلب الفعل، أو ما جرى مجراه، ولا عمله فلا يُتوهَّم ذلك فيه". وقد سبق الزمخشريَّ إلى كونه مفعولاً معه الزجاج، إلاَّ أنه جعل "حسب" اسم فعلٍ، فإنه قال: "حَسْبُ" اسمُ فعل، والكافُ نصبٌ، والواو بمعنى "مع". وعلى هذا يكون "اللَّهُ" فاعلاً، وعلى هذا التقدير يجوز في "ومَنْ" أن يكون معطوفاً على الكاف، لأنَّها مفعول باسم الفعل، لا مجرورٌ، لأنَّ اسم الفعل لا يُضاف. ثم قال أبو حيان: "إلاَّ أنَّ مذهب الزجاج خطأٌ، لدخول العوامل على "حَسْب" نحو: بِحَسْبك درهم، وقال تعالى: {أية : فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنفال:62]، ولم يثبت في موضع كونه اسم فعل، فيحمل هذا عليه". وقال ابنُ عطية - بعدما حكى عن الشعبي، وابن زيد ما تقدَّم عنهما من المعنى -: فـ "مَنْ" في هذا التأويل في محلِّ نصب، عطفاً على موضع الكاف؛ لأنَّ موضعها نصبٌ على المعنى بـ: "يَكْفِيكَ" الذي سَدَّتْ "حسبك" مَسَدَّه. قال أبو حيان "هذا ليس بجيد؛ لأنَّ "حَسْبك" ليس ممَّا تكونُ الكافُ فيه في موضع نصب، بل هذه إضافة صحيحة ليست من نصب، و "حَسْبك" مبتدأ مضافٌ إلى الضمير وليس مصدراً، ولا اسم فاعل، إلاَّ إن قيل: إنَّه عطف على التوهم كأنه توهَّم أنه قيل: يكفيك الله، أو كفاك الله، لكن العطف على التوهُّم لا ينقاسُ". والذي ينبغي أن يحمل عليه كلامُ الشعبي وابن زيد أن تكون "مَنْ" مجرورة بـ "حَسْب" محذوفة، لدلالة "حَسْبك" عليها؛ كقوله: [المتقارب] شعر : 2736 - أكُلَّ امرىءٍ تَححسَبينَ امْرَأً ونارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا تفسير : أي: وكلَّ نار، فلا يكُونُ من العطفِ على الضمير المجرور. قال ابن عطيَّة: "وهذا الوجهُ من حذفِ المضاف مكروه بأنه ضرورةٌ". قال أبو حيان: "وليس بمكروهٍ، ولا ضرورة بل أجازه سيبويه، وخرَّج عليه البيت وغيره من الكلام". قال شهابُ الدين: "قوله: "بل هذه إضافةٌ صحيحة، ليست من نصب" فيه نظر؛ لنَّ النَّحويين على أنَّ إضافة "حَسْب" وأخواتها إضافةٌ غيرُ محضة، وعلَّلُوا ذلك بأنها في قوة اسم فاعل ناصبٍ لمفعولٍ به، فإنَّ "حَسْبكَ" بمعنى: كافيك، و "غيرك" بمعنى مُغايرك، و "قيد الأوابد" بمعنى: مُقيدها. قالوا: ويدلُّ على ذلك أنَّها تُوصفُ بها النَّكرات، فيقال: مررت برجلٍ حسبك من رجلٍ". وجوَّز أبو البقاء: الرفع من ثلاثة أوجهٍ: أنَّهُ نسقٌ على الجلالةِ كما تقدَّم، إلاَّ أنَّهُ قال: فيكون خبراً آخر، كقولك: القائمان زيد وعمرو، ولم يُثَنِّ "حَسْبك"؛ لأنه مصدرٌ. وقال قومٌ: هذا ضعيفٌ؛ لأن الواو للجمع، ولا يَحْسُن ههنا، كما لا يَحْسُن في قولهم: "مَا شَاء اللَّهُ وشِئْتَ"، و "ثم" هاهنا أولى. يعني أنَّهُ من طريق الأدب لا يُؤتَى بالواو التي تقتضي الجمع، بل يأتي بـ "ثم" التي تقتضي التراخي والحديثُ دالٌّ على ذلك. الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: وحسب من اتبعك. الثالث: هو مبتدأ والخبر محذوف تقديره: ومن اتبعك كذلك، أي: حسبهم الله. وقرأ الشعبيُّ "ومَنْ" بسكون النون "أْتْبَعك" بزنة "أكْرَمَكَ". قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} الآية. لمَّا بيَّن أنه تعالى كافيه بنصره، وبالمؤمنين، بيَّن ههنا أنه ليس من الواجب أن يتكل على ذلك إلا بشرط أن يحرض المؤمنين على القتال؛ فإنه تعالى كفيل بالكفاية بشرط أن يحصل منهم التعاون على القتال، والتحريض كالتحضيض والحث. يقال: حَرَّضَ وَحَرَّشَ وحرَّكَ وحثَّ بمعنىً واحد. وقال الهرويُّ "يقال: حَارَضَ على الأمر، وأكَبَّ، وواكبَ، وواظبَ، وواصبَ بمعنًى". قيل: وأصله من الحَرَض، وهو الهلاك، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ}تفسير : [يوسف: 85]. وقال: [البسيط] شعر : 2737 - إنِّي امْرؤٌ نَابَنِي همٌّ فأحْرَضَنِي حتَّى بَليتُ وحتَّى شَفَّنِي سَقَمُ تفسير : قال الزجاج: "تأويل التحريض في اللُّغةِ أن يُحَثَّ الإنسان على شيءٍ حتى يُعلمَ منه أنَّه حارضٌ والحارض: المقاربُ للهلاك" واستبعد النَّاسُ هذا منه، وقد نَحَا الزمخشريُّ نحوه، فقال: "التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحرَض، وهو أن ينهكه المرض، ويتبالغ فيه حتى يُشْفِيَ على الموت أو تُسَمِّيه حَرضاً، وتقولُ له: ما أراك إلاَّ حَرضاً". وقرأ الأعمش "حَرِّصْ" بالصاد المهملة، وهو من "الحِرْصِ"، ومعناه مقارب لقراءة العامة. قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} الآيات. أثبت في الشرط الأول قيداً، وهو الصبرُ، وحذف من الثاني: وأثبت في الثاني قيداً، وهو كونهم من الكفرة، وحذف من الأوَّلِ، والتقديرُ: مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة فحذف من كلٍّ منهما ما أثبت في الآخر، وهو في غاية الفصاحة. وقرأ الكوفيون: {وإن يكُنْ منْكُم مائةٌ يَغلِبُوا}، {فإنْ يكنْ منكُم مائةٌ صابرةٌ} بتذكير "يكن" فيهما، ونافع وابن كثير وابن عامر بتأنيثه فيهما، وأبو عمرو في الأولى كالكوفيين وفي الثانية كالباقين. فَمَنْ ذكَّر فللفصل بين الفعل وفاعله بقوله: "مِنكُمْ"؛ لأنَّ التأنيث مجازي، إذ المراد بـ "المائة" الذُّكور، ومنْ أنَّثَ فلأجل اللفظِ، ولم يلتفت للمعنى، ولا للفصل. وأمَّا أبو عمرو فإنَّما فرَّق بين الموضعين فذكَّر في الأول، لما ذكر؛ ولأنَّهُ لحظ قوله: "يغلبوا" وأنَّثَ في الثاني، لقوة التأنيث بوصفه بالمؤنث في قوله: "صَابِرَةٌ"، وأمَّا: {إِن يكُن منكُم عشرُون} و {إن يكُن منكُم ألفٌ} فبالتذكير عند جميع القرَّاء، إلاَّ الأعرج، فإنه أنَّثَ المسند إلى "عشرون". فصل هذا خبرٌ والمرادُ به الأمر، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233]. والمعنى: {إن يكن منكم عشرون صابرون} فليصبروا وليجتهدوا في القتالِ حتَّى "يَغلبُوا مائتيْنِ" ويدلُّ على أن المراد الأمر وجوه: أولها: لو كان المرادُ الخبر، لزم أن يقال لم يغلب قط مائتان من الكُفَّارِ عشرين من المؤمنين، وذلك باطل. وثانيها: قوله تعالى: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} نسخ والنسخُ لا يليق إلاَّ بالأمر. وثالثها: قوله تعالى {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} وذلك ترغيب في الثبات على الجهادِ. فصل قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} يدُلُّ على أنَّهُ تعالى ما أوجبَ هذا الحكم إلاَّ بشرط كونه صابراً قادراً على ذلك، وإنَّما حصل هذا الشَّرط عند حصول أشياء. منها: أن يكون شديد الأعضاء، قوياً جلداً، وأن يكون قوي القلب شجاعاً غير جبان، وأن يكون غير متحرّفٍ إلاَّ لقتال أو متحيزاً إلى فئة؛ فعند حصول هذه الشرائط كان يجبُ على الواحد أن يثبتَ للعشرةِ. وإنَّما حسن هذا التكليف؛ لأنه مسبوق بقوله: {حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] فلمَّا وعد المؤمنين بالكفاية والنُّصرةِ كان هذا التكليف سهلاً؛ لأنَّ من تكفَّل بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه. فإن قيل: هذه الآية تدلُّ على وجوب ثبات الواحد للعشرة، فما الفائدة في العدولِ عن هذه اللَّفظةِ الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة؟. والجوابُ: أن هذا الكلام إنَّما ورد على وفْق الواقعة؛ لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث السَّرايا، والغالبُ أن تلك السَّرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين، وما كانت تزيدُ على المائة فلهذا ذكر الله هذين العددين. قوله: {بأنَّهُم قومٌ لا يفقهُونَ} وهذا كالعلَّة لتلك الغلبة؛ لأنَّ من لا يؤمنُ باللَّهِ ولا يؤمنُ بالمعاد، فالسعادةُ ليست عنده إلاَّ هذه الحياة الدنيويَّة، ومن كان هذ معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال. وأمَّا من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة وأنَّ السعادة لا تحصل إلاَّ في الدَّار الآخرة، فإنَّه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا، ولا يقيم لها وزناً، فيقدم على الجهاد بقلب قوي عزم صحيح، وإذا كان الأمر كذلك، كان الواحد في الثبات يقاوم العدد الكثير. وأيضاً: فإن الكُفَّار إنَّما يعولُون على قوتهم وشوكتهم، والمسلمون يستغيثون بربهم بالدعاء، والتضرع، ومنْ كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى. فصل كان هذا يوم بدر فرض الله على الرَّجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقلت على المؤمنين، فخفَّف اللَّهُ عنهم فقال: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف. وقرأ المفضل عن عاصم "وعُلِمَ" مبنياً للمفعول، و {أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} في محلِّ رفع لقيامه مقام الفاعل، وهو في محلِّ نصبٍ على المفعول به في قراءة العامة؛ لأن فاعل الفعل ضميرٌ يعودُ على اللَّهِ تعالى. قوله: "ضَعْفاً" قرأ عاصم وحمزة هنا، وفي الرُّوم في كلماتها الثلاث {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً}تفسير : [الروم: 54] بفتح الضاد والباقون بضمها. وعن حفص وحده خلافٌ في الروم. وقرأ عيسى بن عمر: "ضُعُفاً" بضم الضاد والعين وكلها مصادر. وقيل: الضَّعْفُ - بالفتح - في الرأي والعقل، وبالضم في البدن. وهذا قول الخليل بن أحمد، هكذا نقله الراغب عنه. ولمَّا نقل ابنُ عطية هذا عن الثعلبي، قال: "وهذا القول تردُّه القراءة". وقيل: هما بمعنى واحد، لغتان: لغةُ الحجاز الضَّمُّ، ولغةُ تميم الفتح، نقله أبو عمرو، فيكونان كـ: الفَقْر والفُقْر، والمَكْث والمُكْث، والبَخَل والبُخْل. وقرأ ابن عباس فيما حكى عنه النقاش وأبو جعفر "ضُعَفَاء" جمعاً على "فُعَلاءَ" كـ: ظَرِيف وظُرفَاء. قوله "يَكُن مِنكُم" "يكن" في هذه الأماكن يجوز أن تكون التامَّة، فـ "مِنكُمْ" إمَّا حالٌ من "عِشْرُون" لأنها في الأصل صفةٌ لها، وإمَّا متعلق بنفس الفعل، لكونه تاماً، وأن تكون الناقصة فيكون "مِنكُمْ" الخبرَ، والمرفوعُ الاسمَ، وهو "عِشْرُونَ"، و "مائة"، و "ألف". فصل روى عطاءٌ عن ابن عبَّاسٍ: "لما نزل التكليف الأوَّلُ ضَجَّ المهاجرون، وقالوا: يا ربَّنا نحن جياع، وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهلهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا، وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصارُ: شُغلْنَا بعَدُوِّنَا، وواسينا إخواننا، فنزل التَّخفيف". وقال عكرمةُ: "إنَّما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرةُ لمائةٍ حال ما كان المسلمون قليلين، فلمَّا كثروا خفف الله عنهم، ولهذا قال ابن عباس: "أيُّمَا رجلٌ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فَرَّ". والجمهورُ ادَّعُوا أن قوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} ناسخ للآية المتقدمة". وأنكر أبو مسلم الأصفهانيُّ هذا النسخ، وقال: "إن قوله في الآية الأولى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} فهذا الخبر محمول على الأمر، لكن بشرط كون العشرين قادرين على الصَّبر لمُقاتلةِ المائتين، وقوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} يدلُّ على أنَّ ذلك الشرط غير حاصل في حقِّ هؤلاء، فالآية الأولى دلَّت على ثبوت حكم بشرط مخصوص، وهذه الآية دلَّت على أنَّ ذلك الشَّرط مفقود في حقِّ هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ ألبتة". فإن قيل: قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} معناه: ليكن العشرون صابرون لمقابلة المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. فالجوابُ: لم لا يجوزُ أن يكون المرادُ من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم؟. والحاصلُ أنَّ لفظ الآية ورد بلفظ الخبر؛ خالفنا هذا الظَّاهر وحملناه على الأمر، أما على رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره: إن يحصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين، فليشتغلوا بمقاومتهم، وعلى هذا فلا نَسْخَ. فإن قيل: قوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} مشعر بأن هذا التَّكليف كان متوجهاً عليهم فالجوابُ: لا نسلم أنَّ لفظ التخفيف يدلُّ على حصول التثقيل قبله؛ لأنَّ عادة العربِ الرخصة بهذا الكلام، كقوله تعالى عند الرُّخْصَةِ للحر في نكاح الأمة، لمن لا يستطيع نكاح الحرة: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً}تفسير : [النساء: 25] فكذا ههنا. وتحقيقه أنَّ هؤلاء العشرين كانوا في محلِّ أن يقال إنَّ ذلك الشرط حاصِلٌ فيهم، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّ ذلك الشرط غير حاصل فيهم، وأنَّه تعالى علم أن فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصحَّ أن يقال: خفَّف اللَّهُ عنهم، وممَّا يدل على عدم النَّسْخِ أنَّهُ تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى، وجعل النَّاسِخ مقارناً للمنسوخ لا يجوزَ. فإن قيل: المعتبر في النَّاسخِ والمنسوخ بالنُّزُولِ دون التلاوة، فقد يتقدم الناسخِ وقد يتأخر، ألا ترى في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ. فالجوابُ: أنَّ الناسخ لمَّا كان مقارنته للمنسوخ لا يجوز في الوجود، وجب ألا يكون جائزاً في الذكر، اللهم إلاَّ لدليل قاهر، وأنتم ما ذكرتم ذلك. وأمَّا قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ، فأبو مسلم ينكر كلّ أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم. قال ابن الخطيب: "إن ثبت إجماع الأمَّة على الإطلاق قبل أبي مسلمٍ على النَّسْخِ فلا كلام، فإن لم يحصل الإجماعُ القاطع؛ فنقولُ: قول أبي مسلمٍ حسن صحيح". فصل احتجَّ هشام على قوله: إنَّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلاَّ عند وقوعها بقوله {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} فإنَّ معنى الآية: الآن علم اللَّهُ أن فيكم ضَعْفاً، وهذا يقتضي أنَّ علمه تعالى بضعفهم ما حصل إلاَّ في هذا الوقتِ وأجاب المتكلمون بأنَّ معنى الآية: أنَّهُ تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حادثاً واقعاً. فقوله {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} معناه: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث. فصل الذي استقر عليه حكم التكليف بمقتضى هذه الآية أنَّ كلَّ مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء كافرين، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل، فإن لم يبق معه سلاح، فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمةُ والصبر أحسن. روى الواحديُّ في البسيط: "أنه وقف جيش مؤتة، وهم ثلاثة ألاف وأمراؤهم على التَّعاقب زيد بن حارثة ثمَّ جعفر بن أبي طالب ثمَّ عبد الله بن رواحة لمائتي ألف من المشركين، مائة ألف من الرُّومِ، ومائة ألف من المستعربة، وهم لخم وجذام". قوله: "بإذنِ اللَّهِ" أي: أنه لا تقع الغلبةُ إلاَّ بإذن اللَّهِ، والإذن ههنا هو الإرادة وذلك يدل على مسألة خلق الأفعال، وإرادة الكائنات. ثم ختم الآية بقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} والمرادُ ما ذكره في الآية الأولى في قوله {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} فبيَّن ههنا أنَّ الله مع الصَّابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا، فإنَّ نصري معهم وتوفيق مقارن لهم وهذا يدلُّ صحَّة مذهب أبي مسلم، وهو أن ذلك الحكم لم ينسخ، بل هو ثابت كما كان فإنَّ العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين، بقي ذلك الحكم، وإنْ لم يقدروا على مصابرتهم فالحكمُ المذكور هنا زائل.
البقاعي
تفسير : ولما صرح بأن الله كافيه، وكانت كفاية الله للعبد أعظم المقاصد، التفتت الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقاً أو هو فعل مع المؤمنين أيضاً مثل ذلك، فأتبعها بقوله معبراً بوصف النبوة الذي معناه الرفعة والاطلاع من جهة الله على ما لا يعلمه العباد، لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات والتصرف في الملكوت: {يا أيها النبي} أي العالي القدر الذي نعلمه بعواقب أموره {حسبك} أي كافيك {الله} أي الذي بيده كل شيء {ومن} أي مع من {اتبعك من المؤمنين*} يجوز أن يكون المعية من ضميره صلى الله عليه وسلم فيكون المؤمنون مكفيين، وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين، حتى يكون المعنى: فهو كافيهم أيضاً وهم كافوك لأنه معهم، وساق سبحانه هذا هكذا تطييباً لقلوبهم وجبراً لخواطرهم وبالمعنى الثاني - لتضمنه الأول وزيادته عليه - قال ابن زيد والشعبي: حسبك الله وحسبك من اتبعك، وساقها سبحانه على وجه مكرر لكفاية نبيه صلى الله عليه وسلم محتمل لأن فيمن كان على اتباعه في ذلك الوقت لئلا يستقلوا بالنسبة إلى كثرة أعدائهم. ولما بين أنهم كافون مكفيون، وكان ذلك مشروطاً بفعل الكيس والحزم وهو الاجتهاد بحسب الطاقة، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال، فقال معبراً بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه: {يا أيها النبي} أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح من إخبارنا بكل ما يقر عينه وعين أتباعه {حرض المؤمنين} أي الغريقين في الإيمان {على القتال} أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه، ومادة حرض - بأيّ ترتيب كان - حرض، حضر، رحض، رضح، ضرح؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك، أي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حياً، ورخص الثوب، أي غسله، من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين، والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول، والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضراً لرضح النوى، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازماً له دائماً إلى الوقت المعلوم، ويلزمه الرمي والطول، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه، والرجل الكريم لعلو همته، وأحضرت الدابة: عدت فجعلت الغائب حاضراً، والتحريض الحث على حضور الشيء، فحرض على القتال: حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر، متى قيل: يا صباحاه! طار إلى المنادي، وكان أول حاضر إلى النادي، لأنه لا مانع له من شيء من الأشياء بل استعداده استعداد الحاضر في الصف؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني في تفسيره: والتحريض: الدعاء الوكيد لتحريك النفس على أمر من الأمور، والحث والتحريض والتحضيض نظائر، ونقيضه التفسير، والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - انتهى. فهذه حقيقته، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي. ولما ندبهم إلى القتال، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر، فقال اسئنافاً جواباً لمن قال: ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك؟: {إن يكن} ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد، عدل عن الغيبة فقال: {منكم عشرون} أي رجلاً: {صابرون} أي الصبر المتقدم {يغلبوا مائتين} أي من الكفار، والآية من الوعد الصادق الذي حققه وقائع الصحابة رضي الله عنهم {وإن يكن منكم مائة} أي صابرة {يغلبوا ألفاً} أي كائنين {من الذين كفروا} فالآية من الاحتباك: أثبت في الأول وصف الصبر دليلاً على حذفه ثانياً، وفي الثاني الكفر دليلاً على حذفه أولاً؛ ولعل ما أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض، أي حرضهم لأني أعنت كلاً منهم على عشرة، فلا عذر لهم في التواني؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن على هذا الوجه بقوله: {بأنهم} أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده بسبب أنهم، أي الكفار {قوم لايفقهون*} أي ليس لهم فقه يعلمون به علم الحرب الذي دربه أهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم أبدان بغير معان، كما أن الدنيا كذلك صورة بلا روح، لأنهم لم يبنوا مصادمتهم على تلك الدعائم الخمس التي قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر، فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب، لأن الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح، وذلك الرئيس إن لم يكن أمره مستنداً إلى ملك الملوك كان قلبه ضعيفاً، وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطرباً، فإنهم يكونون صوراً لا معاني لها، والصور منفعله لا فعالة، والمعاني هي الفعالة، والمعتمد على الله صورته مقترنة بالمعنى، فأقل ما يكون في مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر في الجهاد، ولعل هذا هو السر في انتصار الخوارج - من أتباع شبيب وأنظاره على قلتهم - على الجيوش التي كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم، فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم لله مستندين في هذا الاعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله، والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام الواجب طاعته، لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته لمنهاج الاستقامه، وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولايته مفسدة، وأن تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله إنما هو درء لأعظم المفسدتين، فصار استناد الخوارج إلى الملك الملوك اعظم من استناد أولئك، ولهذا نشأ عن استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم أسباب النصر، ونشأ عن استناد أولئك الملوك الإخلاد إلى الدنيا الذي هو أعظم الموجبات للخذلان، مصداق ذلك أنهم لما خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهم في ساعة، قال له بعض من كان يعتني بالنجوم: إنها ساعة نحس، أن سار فيها حذل، فقال: سيروا فيها فإنه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم منجمون، فلما لقي الخوارج لم يواقفوه حلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان؛ وفهم الإيجاب في قوله تعالى {إن يكن منكم عشرون} - الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من قوله: {الآن خفف الله} أي الملك الذي له الغنى المطلق صفات الكمال {عنكم} أي رحمة لكم ورفقاً بكم {وعلم} أي قبل التخفيف وعده {أن فيكم ضعفاً} أي في العَدد والعُدد، ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء، فبعد التخفيف علم ضعفهم واقعاً وقبله علم أنه سيقع، وتصديره هذه الجملة بـ {الآن} يشير إلى أن النسخ كان قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو، وفائدة الأمر المعقب بالنسخ حيازة الأجر بقبوله والعزم على امتثاله، وقيل: ما كان النسخ إلا بعد مدة بعد أن سألوا في التخفيف؛ وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف فقال: {الآن خفف الله عنكم} - الآية؛ فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. والمعنى أنه كان كتب مقدراً من الصبر لكل مؤمن، فلما خفف أزال ذلك بالنسبة إلى المجموع، وهذا لا يمنع استمرار البعض على ما كان كما فعل سبحانه بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع منها غزوة مؤته، فقد كانوا فيها ثلاثة آلاف، وكان من لقوا من جموع هرقل مائتي ألف: مائة من الروم ومائة من العرب المستنصرة، فصبروا لهم ونصروا عليهم كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخبراً عنهم في هذه الغزوة"حديث : ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه" تفسير : . ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عامة الناس حتى لم يثبت على الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله عليهم لهم ونصروا عليهم، بل الذي صبر في الحقيقة أبو بكر رضي الله عنه وحده، ثم أفاض الله من صبره ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا، ثم جهز الجيش وأميرهم الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله، فأخمد الله به نار الشرك وقطع بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك. فلما جمع الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من الفرس والروم والقبط، فقاتلوا أهل فارس في عدة وقائع منها القادسية، وكان الصحابة رضي الله عنهم فيها دون أربعين ألفاً، وكان المجوس أكثر من أربعمائة ألف، وقاتلوا الروم كذلك فكانوا في اليرموك دون أربعين ألفاً وكان الروم نحو أربعمائة ألف - إلى غير ذلك من الوقائع وقد صبروا في أكثرها ونصروا، ثم كانت لهم العاقبة فطردوا الشرك وأهله، وأظهر الله لهم دينه كما وعد به سبحانه، وما اجتمع أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك إلا كانت قتلى الكفار أضعاف قتلى المسلمين غير أن الله تعالى جده وتبارك اسمه وتمت كلمته ألطف بالعرب علماً منه بأنهم خلاصة الناس بما طبعهم سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة فأسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وزمان الردة، ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة الآف إنسان، ثم لما جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة الواحدة مائة ألف ومائتي ألف - كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم، وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش، ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل كل ما استحق القتال من البغاة وغيرهم، فقال تعالى مسبباً عن التخفيف المذكور راداً الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف، فإن زاد العدد على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن: {فإن يكن منكم مائة صابرة} أي الصبر الذي تقدم التنبيه عليه {يغلبوا مائتين} أي من غيركم بإذن الله {وإن يكن منكم ألف} أي على النعت المذكور وهو الصبر {يغلبوا ألفين} ثم أرشد إلى أن المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية{أية : إذا لقيتم فئة فاثبتوا}تفسير : [الأنفال: 45] فقال: {بإذن الله} أي بإرادة الذي له جميع الأمر، ذلك وإباحته لكم وتمكينه، فإن لم يقع الإذن لم يقع الظفر، فالآية من الاحتباك: ذكر في الأول صابرة دلالة على حذفه ثانياً، وذكر ثانياً الإذن دليلاً على حذفه أولاً؛ ثم نبه على عموم الحكم بقوله: {والله} أي المحيط بصفات الكمال {مع الصابرين*} أي بنصره ومعونته، ومن ثم قال ابن شبرمة: وأنا أرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك. ومادة "إذن" - مهموزة وغير مهموزة وواوية ويائية بتقاليبها الأربعة: إذن ذان ذون ذين - ترجع إلى العلم الناشىء عن حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن، وتارة يثمر الإباحة وتارة المنع، فأذن بالشيء - كسمع: علم به "فأذنوا بحرب" أي كونوا على علم من أن حربكم أبيح. وأذن له بالشيء - كسمع أيضاً: أباحه له، وآذنه الأمر وبه: أعلمه - وزناً ومعنى، فجعله مباحاً له أو ممنوعاً منه، وأذّن فلاناً تأذيناً: عرك أذنه، وأذّنه: رده عن الشرب فلم يسقه، كأن التفعيل فيه للإزالة، وآذن النعل وغيرها: جعل لها أذناً، وفعله بإذني: بعلمي وتمكيني، وأذن إليه وله - كفرح: استمع بأذنه، أي أباح ذلك سمعه وقلبه، وأذن لراتحة الطعام: اشتهاه كأنه أباحه لنفسه، وآذنه إيذاناً: أعجبه، مثل ذلك سواء، وآذنه أيضاً: منعه، كأنه الهمزة للإزالة، والأذن: الجارحة المعروفة - بضمة وبضمتين - والمقبض والعروة من كل شيء وجبل، لأن كلاً من ذلك سبب للتمكن من حمل ما هو فيه، والأذن: الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما قبله أباحه قلبه ومكنه منه، والأذان: النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها والمكنة منها، وتأذن: أقسم وأعلم، وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنة من الشيء وتارة منع وحرمة، فيكون من الإزالة، وآذن العشب: بدأ يجف فبعضه رطب وبعضه يابس كأنه أمكن من جره وجمعه ببدو صلاحه، والآذن: الحاجب، لأنه للتمكين والمنع، والأذنة محركة: صغار الإبل والغنم كأنها تبيح كل أحد ما يريد منها، وطعام لا أذنة له: لا شهوة لريحه، فكأنه ممنوع منه لعدم اشتهائه، وتأذن الأمير في الناس: نادى فيهم بتهدد، فهو يرجع إلى المنع والزجر عن شيء تعزيراً، والذين - بالكسر والياء: العنب، وكذا الذان - بالألف منقلبة عن واو: العنب، كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن من نفسه، والتذوّن - بالواو مشددة: الغنى والنعمة، كأنهما سبب للإمكان مما يشتهي، والذؤنون - مهموزاً كزنبور: نبت من نبات الأرض؛ والمعنى أنه إنما أذن لكم في ذلك إذا فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم أمركم فيه على دعائمها الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر، فكان الله معكم، وهو مع كل صابر هذا الصبر المثبت في الدعائم الخمس في كل أوان، ومما يسأل عنه في الآية أنه ابتدىء في العشرات بثاني عقودها، وفي المئات والآلاف بأولها. سألت شيخنا الإمام الراسخ محقق زمانه شمس الدين محمد بن علي القاياتي قاضي الشافعية بالديار المصرية: ما حكمته؟ فقال: الأصل الابتداء بأول العقود، لكن لو قيل: إن يكن منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة، لربما توهم انه لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا العقد، فعدل إلى الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتفي هذا المحذور، فلما انتفى وعلم أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة، ذكر باقي المراتب في الباقي على الأصل المعتاد، وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة لأكثر منها مرتين: قبل التخفيف وبعده فللدلالة - كما قال في الكشاف - على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته، وكأنه لم يذك الآحاد بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ليستوفي مراتب الأعداد الأصلية - والله أعلم. ولما تقدم الأمر بالإثخان في {فشرد بهم} ثم بإعداد القوة، ثم التحريض على القتال بعد الإعلام بالكفاية ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين؛ كذن ذلك مقتضياً للإمعان في الإثخان، فحسن عتاب الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب، لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى فداء الأسارى فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فأشار أبو بكر رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر، وأشار عمر رضي الله عنه بضرب أعناقهم، وروي أنه قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو نزل من السماء عذاب - أي في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهما" تفسير : . فقال تعالى استئنافاً واستنتاجاً: {ما كان} أي ما صح وما استقام {لنبي} أي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر، ولعله عبر بوصف النبوة ليفيد مع العموم أن كلاً من رفعه القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام على فعل بدون إذن خاص {أن يكون له أسرى} أي أن يباح له أسر العدو {حتى يثخن في الأرض} أي يبالغ في قتل أعدائه، فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك، وإنما أسند إلى نبي - وقرىء شاذاً بالتعريف - ولم يقل: ما كان في شرع نبي، تهويلاً للأسر تعظيماً للعفو للمبالغة في القيام بالشكر، وهذا كان يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى{أية : فإما منّاً بعد وإما فداء} تفسير : [محمد: 4] قاله ابن عباس رضي الله عنهما، ومادة ثخن تدور على الضخامة، وتارة يلزمها اللين والضعف، وتارة الصلابة والقوة، فحقيقته: يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى، ويلين له أعداؤه ويضعفوا؛ ثم بين لهم أن الميل عن ذلك إنما هو لإرادة الأعراض الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى{أية : يأخذون عرض هذا الأدنى} تفسير : [الأعراف: 196] كما أن النزاع في الأنفال ميل إلى الدنيا، وكل ذلك بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا، معللاً لعدم الكون المذكور بما تقديره: لأن الأسر إنما يراد به الدنيا، هكذا الأصل ولكنه أبرز في أسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال: {تريدون} أي أنها المؤمنون المرغبون في الإنفاق لا في الجمع، باستبقائهم {عرض الدنيا} قال الراغب: العرض ما لا ثبات له، ومنه استعاره المتكلمون لما لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة، أي المتاع الفداء بأخذ الرجال {والله} أي الذي له الكمال كله {يريد} أي لكم {الآخرة} اي جوهرها لأنه يأمر بذلك أمراً هو في تأكيده ليمتثل كالإرادة التي لا يتخلف مرادها، وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به تدرك الآخرة، ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه {والله} أي الملك الأعظم {عزيز} أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه أدنى سفول {حكيم*} أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يأمر بالإثخان عند ظهور قوة المشركين، فإذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار، ولا يصح ادعاء ولايته إلا لمن ترقى في معارج صفاته، فيكون عزيزاً في نفسه فلا يدنسها بالأطماع الفانية، وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إلى حضيض المهاوي، وحكيماً فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان.
السيوطي
تفسير : أخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه قال المشركون: قد انتصف القوم منا اليوم، وأنزل الله {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} . وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة وثلاثون رجلاً وامرأة، ثم إن عمر رضي الله عنه أسلم، فصاروا أربعين فنزل {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: لما أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم عمر نزلت {يا أيها النبي حسبك الله...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه، أنزل الله في إسلامه {يا أيها النبي حسبك الله} . وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه في قوله {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال: فقال: نزلت في الأنصار. وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} قال: حسبك الله وحسبك من اتبعك. وأخرج أبو محمد اسمعيل بن علي الحطبي في الأول من تحديثه من طريق طارق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أسلمت رابع أربعين، فنزلت {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} . وأخرج عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: يقول: حسبك الله والمؤمنون.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: حسبك الله وليًا وحافظًا وناصرًا، ومن اتبعك من المؤمنين فالله حسبهم.
القشيري
تفسير : أحسنُ التأويلات في هذه الآية أن تكون "مَنْ" في محل النَّصب؛ أي ومَنْ اتبعك من المؤمنين يَكفيهم الله. ومن التأويلات في العربية أن تكون "مَنْ" في محل الرفع أي حسبُك مَنْ اتبعك من المؤمنين. وقد عُلِمَ أن استقلال الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان بالله لا بمن سوى الله، وكلُّ مَنْ هو سوى الله فمحتاجٌ إلى نصرة الله، كما أن رسول الله محتاج إلى نصرة الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها النبى} المخبر عن الله تعالى المرتفع شأنه {حسبك الله} اى كافيك فى جميع امورك {ومن اتبعك من المؤمنين} الواو بمعنى مع اى كفاك وكفى اتباعك ناصرا كقولك حسبك وزيدا درهم او عطف على اسم الله تعالى اى كفاك الله والمؤمنون والكافى الحقيقى هو الله تعالى واسناد الكفاية الى المؤمنين لكونهم اسبابا ظاهرة لكفاية الله تعالى. والآية نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال تقوية للحضرة النبوية وتسلية للصحابة رضى الله عنهم فالمراد بالمؤمنين الانصار. وقال ابن عباس رضى الله عنهما نزلت فى اسلام عمر رضى الله عنه فتكون الاية مكية كتبت فى سورة مدنية بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم -روى- انه اسلم مع النبى عيه السلام ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم اسلم عمر رضى الله عنه فكمل الله الاربعين باسلامه فنزلت وكان صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول "حديث : اللهم اعز الاسلام " .تفسير : وفى رواية "حديث : ايد الاسلام باحد الرجلين اما بابى جهل بن هشام واما بعمر بن الخطاب" تفسير : وكان دعاؤه بذلك يوم الاربعاء فاسلم عمر رضى الله عنه يوم الخميس وكان وقتئذ ابن ست وعشرين سنة وسبقه حمزة بن عبد المطلب بالاسلام بثلاثة ايام او بثلاثة اشهر -روى- انه لما نزل قوله تعالى {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أَنتم لها واردون}تفسير : [الأنبياء: 98]. قام ابو جهل بن هشام وكان يكنى فى الجاهلية بأبى الحكم لانهم يزعمون انه عالم ذو حكمة ثم كناه النبى عليه السلام بابى جهل وغلبت عليه كنيته وكان خال عمر لان ام عمر اخت ابى جهل لان ام عمر بنت هشام بن المغيرة والد ابى جهل فابو جهل خال عمر اولان ام عمر بنت عم ابى جهل وعصبة الام اخوال الابن فلما قام خطب فقال يا معشر قريش ان محمدا قد شتم آلهتكم وسفه احلامكم وزعم انكم وآباءكم وآلهتكم فى النار فهل من رجل يقتل محمدا وله على مائة ناقة حمراء وسوداء والف اوقية من فضة فقام عمر بن الخطاب وقال أتضمن ذلك يا أبا الحكم فقال نعم يا عمر فاخذ عمر بيد ابى جهل ودخلا الكعبة وكان عندها صنم عظيم يسمونه هبل فتحالفا عنده واشهدا على انفسهما هبل فانهم كانوا اذا ارادوا امرا من سفر او حرب او سلم او نكاح لم يفعلوا شيئاً حتى يستأمروا هبل ويشهدوه عليه وتلك الاصنام التى كانت حوله كانت الف صنم وخمسمائة صنم ثم خرج عمر متقلدا سيفه منتكبا كنانته اى واضعا لها فى منكبه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبى عليه السلام مختفيا مع المؤمنين فى دار الارقم رضى الله عنه تحت الصفا يعبدون الله تعالى فيها ويقرأون القرآن فلما أتى الى البيت الذى هم فيه قرع الباب فنظر اليه رجل من خلال الباب فرآه متوشحا سيفه فرجع الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو فزع فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه ولم يرد الا سفك الدم وهتك العرض فقال حمزة فائذن له فان جاء يريد بذلنا له وان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه فاذن له فى الدخول فلما رآه النبى عليه السلام قالحديث : "ما انت منتهى يا عمر حتى ينزل الله بك قارعة" ثم اخذ بساعده او بمجامع ثوبه وحمائل سيفه وانتهره فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس فقال اعرض علىّ الاسلام الذى تدعو اليه فقال النبى عليه السلام "تشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله" فقال اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة وضرب النبى عليه السلام صدر عمر بيده حين اسلم ثلاث مرات وهو يقول "اللهم اخرج ما فى صدر عمر من غل وابد له ايمانا" ونزل جبرائيل عليه السلام فقال يا محمد لقد استبشر اهل السماء باسلام عمر تفسير : ولما اسلم قال المشركون لقد انتصف القوم منا وقيل له رضى الله عنه ما تسميه النبى عليه السلام لك بالفاروق قال لما اسلمت والنبى عليه السلام واصحابه مختفون حديث : قلت يا رسول الله ألسنا على الحق ان متنا وان حيينا قال "بلى" فقلت ففيم الاختفاء والذى بعثك بالحق ما بقى مجلس كنت اجلس فيه بالكفر الأ ظهرت فيه الاسلام غير هائب ولا خائف والله لا نعبد الله سرا بعد اليوم فخرج ينادى لا اله الا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد ثم صاح مسمعا لقريش كل من تحرك منكم لامكنن سيفى منه ثم تقدم امام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف والمسلمون ثم صلوا حول الكعبة وقراوا القرآن جهرا كانوا قبل ذلك لا يقدرون على الصلاة عند الكعبة ولا يجهرون بالقرآنتفسير : فسماه النبى عليه السلام الفاروق لانه فرق الله به الحق والباطل. وجاء بسند حسن "حديث : ان اول من جهر بالاسلام عمر بن الخطاب " .تفسير : وكان عمر شديدا من حيث مظهريته للاسم الحق وجاء "حديث : ما ترك الحق لعمر من صديق" شعر : لما لزمت النصح والتحقيقا لم يتركا لى فى الوجود صديقا تفسير : قال اسماعيل بن حماد بن ابى حنيفة كان لنا جار طحان رافضىّ ملعون وكان له بغلان سمى احدهما ابا بكر والآخر عمر فرمحه ذات ليلة احد البغلين فقتله فاخبر جدى ابو حنيفة فقال انظروا فانى اخال ان البغل الذى اسمه عمر هو الذى رمحه فنظروا فكان كما قال. حديث : "واستأذن عمر رضى الله عنه فى العمرة فاذن عليه السلام وقال "يا اخى لا تنسنا من دعائك" قال ما احب ان لى بقوله يا اخى ما طلعت عليه الشمستفسير : وجاء "حديث : اول من يصافحه الحق عز وجل عمر بن الخطاب واول من يسلم عليه " .تفسير : وجاء "حديث : لو كان بعدى نبى لكان عمر بن الخطاب" تفسير : وجاء"حديث : ان الله تعالى ايدنى باربعة وزراء اثنين من اهل السماء جبرائيل وميكائيل عليهما السلام واثنين من اهل الارض ابى بكر وعمر رضى الله عنهما " .تفسير : فكانا بمنزلة الوزيرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصلاة والسلام يشاورهما فى الامور كلها وفيهما نزل {أية : وشاورهم فى الامر} تفسير : [آل عمران: 159]. وجاء "حديث : انه كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون " .تفسير : المحدث بفتح الدال المشددة هو الذى يلقى فى نفسه الشيء فيخبر به فراسة ويكون كما قال وكأنه حدث الملا الاعلى وهذه منزلة جليلة من منازل الاولياء "حديث : فانه ان كان فى امتى هذه فهو عمر بن الخطاب " .تفسير : لم يرد النبى عليه السلام بقوله ان كان فى امتى التردد فى ذلك فان امته افضل الامم فاذا وجد فى غيرها محدثون ففيها اولى بل اراد به التأكد لفضل عمر كما يقال ان يكن لى صديق فهو فلان يرد بذلك اختصاصه بكمال الصداقة لا نفى سائر الاصدقاء وقد قيل فى فضيلة عمر شعر : له فضائل لا تخفى على احد الا على احد لا يعرف القمرا تفسير : وجاء "حديث : انه يا ابن الخطاب والذى نفسى بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط الا سلك فجا غير فجك" تفسير : والفج طريق واسع. وفيه دليل على علة درحة عمر رضى الله عنه حيث لا يقدر الشيطان ان يسلك طريقا فيه عمر والطريق واسع فكيف يتصور ان يجرى منه مجرى الدم كما يجرى فى سائر الخلق. وفيه تنبيه على صلابته فى الدين واستمرار حاله على الحق المحض. وكان نقش خاتم ابى بكر نعم القادر الله وكان نقش خاتم عمر كفى بالموت واعظا يا عمر. وكان نقش خاتم عثمان آمنت بالله مخلصا. وكان نقش خاتم على رضى الله عنه الملك لله. وكان نقش خاتم ابى عبيدة بن الجراح الحمد لله هذا هو النقش الظاهر المضاف الى البدن واما نقش الوجود فنفسه فقد قيل شعر : كرت صورت حا بد يانكوشت نكاريده دست تقدير اوست تفسير : وقيل شعر : نقش مستورى ومستى نه بد بدست من وتست آنجه سلطان ازل كفت بكن آد كردم تفسير : نسأل اله تعالى ان يحفظ نقش ايماننا فى لوح القلب من مس يد الشك والريب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب واجعلنا من اهل الايقان الذين قلت فيهم {أية : أولئك كتب فى قلوبهم الايمان} تفسير : [المجادلة: 22]. فما نقشه قبضة جمالك لا يطرأ عليه محو من جلالك وان تطاول الزمان وامتد عمر الانسان
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (حسبك): مبتدأ، و(الله): خبر، ويصح العكس، و(من اتبعك): إما عطف على (الله)، أي: كفاك الله والمؤمنون، أو في محل نصب على المفعول معه، أو في محل جر؛ عطف على الضمير، على مذهب الكوفيين، أي: حسبك وحسب من اتبعك الله، والأول: أصح. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها النبي حَسْبُكَ الله} أي: كافيك الله، فلا تلتفت إلى شي سواه، أي: لَمّا مَنَنْتُ عليك بائتلاف قلوب المؤمنين في نصرتك، فلا تلتفت إليهم في محل التوحيد، فإني حسبك وحدي بغير معاونة الخلق، فينبغي أن تفرد القدم عن الحدوث في سيرك مني إليَّ، وأنا حسب المؤمنين عن كل ما دوني، وإن كان مَلَكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، ولا ينبغي في حقيقة التوحيد النظر إلى غيري، إنما أيدتك بواسطة المؤمنين، وذَكَرتُهم معي؛ تشريفاً لأمتك، وستراً لقدرتي، وإظهار لكمال حكمتي، وإلا فقدرتي لا يفوتها شيء، ولا تتوقف على شيء؛ "جل حكم الأزل أن يضاف إلى العلل". قال البيضاوي: نزلت الآية تأييداً في غزوة بدر، وقيل: أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة، ثم أسلم عمر رضي الله عنه. فنزلت. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في إسلامه. الإشارة: ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب به ورثته الكرام، من الاكتفاء بالله وعدم الالتفات إلى ما سواه، وتصحيح عقد التوحيد، والاعتماد على الكريم المجيد. والله تعالى أعلم. ثم أمر بالتحريض على الجهاد، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يقول له: يكفيك ان يكون ناصرك على اعدائك الله تعالى، والذين اتبعوك من المؤمنين من المهاجرين والانصار، وانما كرر قوله {حسبك} مع انه قد ذكر فيما قبل، لأن المعنى هناك إن أرادوا اخداعك كفاك الله امرهم. وها هنا معناه عام في كل ما يحتاج فيه إلى كفاية الله اياه. وقوله {ومن اتبعك} يحتمل اعرابه وجهين: احدهما - ان يكون نصباً. والمعنى ويكفي من اتبعك على التأويل، لأن الكاف في موضع خفض بالاضافة لكنه مفعول به في المعنى، فعطف على المعنى، وليس ذلك بكثير. واجاز الفراء الرفع لقوله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين} ومثله قوله {أية : إنا منجوك وأهلك } تفسير : وقال الشاعر: شعر : اذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند تفسير : وهو معنى قول الشعبي وابن زيد. وقال الحسن: هو عطف على اسم الله، فيكون رفعاً. والكسائي، والفراء، والزجاج أجازوا الوجهين وحمل عليهما معاً ابو علي الجبائي. والاتباع موافقة الداعي فيما يدعوا اليه من اجل دعائه. والمؤمنون يوافقون النبي صلى الله عليه وآله في كل ما دعا اليه. وقال الواقدي: نزلت هذه الاية في بني قريظة وبني النضير لما قالوا له: نحن نسلم ونتبعك.
الجنابذي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ...} كرّره مقدّمة للامر بالتّحريض ولانّ التّكرار مرغوب فيه فى مقام الامتنان واظهار المحبّة والاحسان.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} أي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين. قوله: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ} أي: حثهم على القتال، حرضهم بما وعد الله الشهداء في الجنة والمجاهدين. قوله: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} قال الحسن: كان الله افترض هذا في هذه الآية فأمر المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم. ثم أنزل الله التخفيف بعد ذلك فقال: {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فأمر الله المسلمين أن يصبروا لمِثلَيْهم إذا لقوهم. فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله الإِسلام وصار الإِسلام تطوّعاً. ذكروا عن ابن عباس قال: كان جعل على كل رجل عشرة فجعل بعد ذلك على كل رجل رجلين.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النبىُّ حَسْبُك اللهُ} حسبك مبتدأ، والله خبر، بدليل "فإن حسبك الله" {ومَنِ اتَّبعكَ مِنَ المؤمِنينَ} العطف على اسم الجلالة كأنه قيل: يكفيك الله والمؤمنون، هذا هو الأظهر السالم من ضعف وقلة، وقال عامر الشعبى، وابن زيد، والشيخ هود: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، وعليه فالعطف على الكاف بناء على جواز العطف على ضمير الخفض المتصل بلا إعادة الخافض مطلقا، وهو مذهب الكوفيين، أو على مذهب المجيز إن وجد الفصل، وقول بعض: إنه مخفوض بحسب محذوفا كقوله: شعر : أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا تفسير : غير صحيح لأنه لا دليل له فيه على تقديره، بخلاف قوله: نارا آخر البيت، فإنه مع السياق السابق يدل على تقدير كل قبل نار توقد، ويجوز العطف على الكاف على أنها مفعول حسب، على أن حسب اسم فعل بمعنى يكفى، و الله فاعل، ويجوز كون الواو بمعنى مع، ومن مفعولا معه، والمراد بالمؤمنين كل من آمن به واتبعه، وعن ابن عباس: الأوس والخزرج، وقيل: المهاجرون والأنصار، ونزلت قبل الخروج لبدر، وقيل: نزلت بالبيداء فى غزوة بدر قبل القتال، وعليه النقاش. قال بعض: فالمراد من اتبعك إلى القتال، وقال ابن عمر، وأنس، وابن عباس فى رواية ابن جبير عنده: الآية مكية كتبت فى سورة مدنية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت حين أسلم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وقد أسلم قبله ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، فذلك أربعون.
اطفيش
تفسير : نزلت فى البيداءِ فى غزوة بدر قبل القتال، ومن معه ثم ثلاثة مائة وثلاثة عشر، المهاجرون والأَنصار، أَمره الله عز وجل أَن يكتفى بهم ويلقى قريشا كائنين ما كانوا بهم، والبيداء هنا اسم مخصوص قرب المدينة، أَو الصحراء، والآية مدنية، وما نزل بعد الهجرة مدنى ولو نزل فى غير المدينة، وقيل: واسطة. وعن ابن عباس أَنها مكية، أَمر النبى صلى الله عليه وسلم أَن توضع فى هذه السورة المدنية، وأَنه أَسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، وكانوا يجتمعون فى دار الأَرقم عند الصفا خفية، وأَسلم عمر ونزلت الآية فى إِسلامه تابعا لمن قبله، وجهر بالإِسلام، وقال: لا نعبد الله سرا، ومن معطوف على لفظ الجلالة، فالمعنى كافيك الله وكافيك من اتبعك من المؤمنين فى أَمر القتال وإِقامة الدين، أَو على الكاف بلا إِعادة للجار لأَنه قد ورد العطف على المجرور المتصل بلا إِعادة جار، وهو مذهب الكوفيين، وذكر بعض أَن الفصل كاف عن الإِعادة كما يكفى فى العطف على المتصل المرفوع، وفى الآية فصل ولو أعيد لقيل: وحسب من اتبعك، ويجوز كون حسب اسم فعل، والكاف مفعول والعطف عليه، والمعنى على الوجهين يكفيك الله، ويكفى الله من اتبعك من المؤمنين، وهو مخالف بكونه اسم فعل بحسب الواقع اسما لأَن، ولا يتكرر هذا مع ما تقدم، فإِن هذا فى أَن الله يكفيه ويكفى المسلمين أَمر القتال بالنصر إِن نزلت فى بدر، أَو يكفيك الله والمؤمنون فى ذلك. وإِن نزلت فى مكة، فالمعنى يكفيك الله ويكفيك المؤمنون، أَو يكفى لك الله ويكفى المؤمنين فى الجهر بالدين، أَو هذه فى أُمور الدين والدنيا كلها، وما تقدم بمعنى يكفيك خداعهم.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} شروع في بيان كفايته تعالى إياه عليه الصلاة والسلام في جميع أموره وحده أو مع أمور المؤمنين أو في الأمور المتعلقة بالكفار كافة إثر بيان الكفاية في مادة خاصة؛ وتصدير الجملة بحرفي النداء والتنبيه للنداء والتنبيه على الاعتناء بمضمونها، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان النبوة للإشعار بعلية الحكم كأنه قيل: يا أيها النبـي {حَسْبُكَ ٱللَّهُ} أي كافيك في جميع أمورك أو فيما بينك وبين الكفرة من الحراب لنبوتك. {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال الزجاج: في محل النصب على المفعول معه كقوله على بعض الروايات:شعر : فحسبك والضحاك سيف مهند إذا كانت الهيجاء واشتجر القنا تفسير : وتعقبه أبو حيان بأنه مخالف لكلام سيبويه فإنه جعل زيداً في قولهم: حسبك وزيداً درهم منصوباً بفعل مقدر أي وكفى زيداً درهم وهو من عطف الجمل عنده انتهى، وأنت تعلم أن سيبويه كما قال ابن تيمية لأبـي حيان لما احتج عليه بكلامه حين أنشد له قصيدة فغلطه فيها ليس نبـي النحو فيجب اتباعه، وقال الفراء: إنه يقدر نصبه على موضع الكاف، واختاره ابن عطية، وورده السفاقسي بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم وفيه ما فيه. وجوز أن يكون في محل الجر عطفاً على الضمير المجرور وهو جائز عند الكوفيين بدون إعادة الجار ومنعه البصريون بدون ذلك لأنه كجزء الكلمة فلا يعطف عليه، وأن يكون في محل رفع إما على أنه مبتدأ والخبر محذوف أي ومن اتبعك من المؤمنين كذلك أي حسبهم الله تعالى، وإما على أنه خبر مبتدأ محذوف أي وحسبك من اتبعك، وإما على أنه عطف على الاسم الجليل واختاره الكسائي وغيره. وضعف بأن الواو للجمع ولا يحسن هٰهنا كما لم يحسن في «ما شاء الله تعالى وشئت» والحسن فيه ثم وفي الأخبار ما يدل عليه اللهم إلا أن يقال بالفرق بين وقوع ذلك منه تعالى وبين وقوعه منا. والآية على ما روي عن الكلبـي نزلت في البيداء في غزوة بدر قبل القتال، والظاهر شمولها للمهاجرين والأنصار. وعن الزهري أنها نزلت في الأنصار. وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس وابن المنذر عن ابن جبير وأبو الشيخ عن ابن المسيب أنها نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مكملاً أربعين مسلماً ذكوراً وإناثاً هن ست وحينئذٍ تكون مكية. / و {مِنْ} يحتمل أن تكون بيانية وأن تكون تبعيضية وذلك للاختلاف في المراد بالموصول.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي بالإقبال على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم بأوامر وتعاليم عظيمة، مُهّد لقبولها وتسهيلها بما مضى من التذكير بعجيب صنع الله والامتنان بعنايته برسوله والمؤمنين، وإظهار أن النجاح والخير في طاعته وطاعة الله، من أوّل السورة إلى هنا، فموقع هذه الآية بعد التي قبلها كَامل الاتّساق والانتظام، فإنّه لمّا أخبره بأنّه حَسبه وكافيه، وبيّن ذلك بأنّه أيّده بنصره فيما مضى وبالمؤمنين، فقد صار للمؤمنين حظّ في كفاية الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم فلا جرم أنتج ذلك أنّ حسبه الله والمؤمنون، فكانت جملة: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} كالفذلكة للجملة التي قبلها. وتخصيص النبي بهذه الكفاية لتشريف مقامه بأنّ الله يكفي الأمّة لأجله. والقول في وقوع «حسب» مسنداً إليه هنا كالقول في قوله آنفاً {أية : فإنّ حسبك الله}تفسير : [الأنفال: 62]. وفي عطف المؤمنين «على اسم الجلالة هنا: تنويه بشأن كفاية الله النبي صلى الله عليه وسلم بهم، إلاّ أنّ الكفاية مختلفة وهذا من عموم المشترك لا من إطلاَق المشترك على معنيين، فهو كقوله: {إن الله وملائكة يصلون على النبي}. وقيل يُجعل {ومن اتبعك} مفعولاً معه لقوله: {حسبك} بناء على قول البصريين إنّه لا يعطف على الضمير المجرور اسم ظاهر، أو يجعل معطوفاً على رأي الكوفيين المجوّزين لمثل هذا العطف. وعلى هذا التقدير يكون التنويه بالمؤمنين في جعلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا التشريف، والتفسير الأول أولى وأرشق. وقد روي عن ابن عبّاس: أنّ قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} نزلت يوم أسلم عمر بن الخطاب. فتكون مكّيّة، وبقيت مقروءة غير مندرجة في سورة، ثم وقعت في هذا الموضع بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم لكونه أنسب لها. وعن النقّاش نزلت هذه الآية بالبيداء في بدر، قبل ابتداء القتال، فيكون نزولها متقدّما على أوّل السورة ثم جعلت في هذا الموضع من السورة. والتناسب بينها وبين الآية التي بعدها ظاهر مع اتّفاقهم على أنّ الآية التي بعدها نزلت مع تمام السورة فهي تمهيد لأمر المؤمنين بالقتال ليحقّقوا كِفايتهم الرسول.
الشنقيطي
تفسير : قال بعض العلماء: إن قوله: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ} في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضاً من اتبعك من المؤمنين. وممن قال بهذا. والحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي، وقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله: {حَسْبُكَ} وعليه، فالمعنى حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ} تفسير : [التوبة: 59]، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ} تفسير : [الحشر: 7]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصاً به وقال: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر: 36]؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3]، وقال تعالى: {أية : وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنفال: 62] ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده. وقد أثنى سبحانه وتعالى على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث افردوه بالحسب، فقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ} تفسير : [آل عمران: 173] وقال تعالى: {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ}تفسير : [التوبة: 129] الآية. إلى غير ذلك من الآيات، فإن قيل: هذا الوجه الذي دل عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، ضعفه غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك في (الخلاصة): شعر : وعود خافض لدى عطف على ضمير خفض لازماً قد جعلا تفسير : فالجواب من أربعة أوجه: الأول: أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض، قال ابن مالك في (الخلاصة): شعر : وليس عندي لازماً إذ قد أتى في النظم والنثر الصحيح مثبتا تفسير : وقد قدمنا في "سورة النساء" في الكلام على قوله: {أية : وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَابِ} تفسير : [النساء: 127] شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه، في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ} تفسير : [النساء: 1]. الوجه الثاني: أنه من العطف على المحل، لأن الكاف مخفوض في محل نصب، إذ معنى {حَسْبُكَ} يكفيك، قال في (الخلاصة): شعر : وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن تفسير : الوجه الثالث: نصبه بكونه مفعولاً معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال في (الخلاصة): شعر : والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق والنصب مختار لدى ضعف النسق تفسير : الوجه الرابع: أن يكون {وَمَن} مبتدأ خبره محذوف، أي {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فحسبهم الله أيضاً، فيكون من عطف الجملة، والعلم عند الله تعالى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: حسبك الله: أي كافيك الله كل ما يهمك من شأن أعدائك وغيرهم. ومن اتبعك من المؤمنين: أي الله حسبهم كذلك أي كافيهم ما يهمهم من أمر أعدائهم. حرض المؤمنين على القتال: أي حثهم على القتال مرغباً لهم مرهباً. صابرون: أي على القتال فلا يضعفون ولا ينهزمون بل يثبتون ويقاتلون. لا يفقهون: أي لا يعرفون أسرار القتال ونتائجه بعد فنونه وحذق أساليبه. معنى الآيات: ينادي الرب تبارك وتعالى رسوله بعنوان النبوة التي شرفه الله بها على سائر الناس فيقول {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} ويخبره بنعم الخبر مطمئناً إياه وأتباعه من المؤمنين بأنه كافيهم أمر أعدائهم فما عليهم إلا أن يقاتلوهم ما دام الله تعالى ناصرهم ومؤيدهم عليهم، فيقول: {حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ثم يُنَاديه ثانية قائلا {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} ليأمره بالأخذ بالأسباب الموجبة للنصر بإذن الله تعالى وهي تحريض المؤمنين على القتال وحثهم عليه وترغيبهم فيه فيقول {حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} ويخبره آمراً له ولأتباعه المؤمنين بأنه {إِن يَكُن} أي يوجد منهم في المعركة {عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}، وإن يكن منهم مائة صابرة يغلبوا ألفاً من الكافرين، ويعلل لذلك فيقول {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لا يفقهون أسرار القتال وهي أن يعبد الله تعالى ويرفع الظلم من الأرض ويتخذ الله من المؤمنين شهداء فينزلهم منازل الشهداء عنده، فالكافرون لا يفقهون هذا فلذا هم لا يصبرون على القتال لأنهم يقاتلون لأجل حياتهم فقط فإذا خافوا عنها تركوا القتال طلباً لحياة زيادة على ذلك أنهم جهال لا يعرفون أساليب الحرب ولا وسائلها الناجعة بخلاف المؤمنين فإنهم علماء، علماء بكل شيء هذا هو المفروض، وإن ضَعُفِ الإِيمان ضعف تبعاً له الفقه والعلم وحل الجهل والضعف كما هو مشاهد اليوم في المسلمين وقوله تعالى {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} الآن بعد علمه تعالى بضعفكم حيث لا يقوى الواحد على قتال عشرة، ولا العشرة على قتال مائة ولا المائة على قتال الألف خفف تعالى رحمة بكم ومنّة عليكم، فنسخ الحكم الأول بالثاني الذي هو قتال الواحد للإِثنين، والعشرة للعشرين والمائة للمائتين، والألف للألفين، ومفاده أن المؤمن لا يجوز له أن يفر من وجه اثنين ولكن يجوز له أن يفر إذا كانوا أكثر من اثنين وهكذا سائر النِسب فالعشرة يحرم عليهم ان يفروا من عشرين ولكن يجوز لهم أن يفروا من ثلاثين أو أربعين مثلاً. وهذا من باب رفع الحرج فقط وإلا فإنه يجوز للمؤمن أن يقاتل عشرة أو أكثر، فقد قاتل ثلاثة آلاف صحابي يوم مؤتة مائة وخمسين ألفاً من الروم والعرب المتنصرة وقوله تعالى {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بمعونته وتأييده إذ لا نصر بدون عون من الله تعالى وإذن، وقوله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} أي بالتأييد والنصر، والصبر شرط في تأييد الله وعونه فمن لم يصبر على القتال فليس له على الله وعد في نصره وتأييده. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا كافي إلا الله تعالى، ومن زعم أن هناك من يكفي سوى الله تعالى فقد أشرك. 2- وجوب تحريض المؤمنين على الجهاد وحثهم عليه في كل زمان ومكان. 3- حرمة هزيمة الواحد من الواحد والواحد من الاثنين، ويجوز ما فوق ذلك. 4- وجوب تثقيف المجاهدين عقلاً وروحاً وصناعة. 5- وجوب الصبر في ساحة المعارك ويحرم الهزيمة إذا كان عدد المؤمنين اثني عشر ألف مقاتل أو أكثر إذ هذا العدد لا يغلب من قلة بإذن الله تعالى. 6- معية الله بالعلم والتأييد والنصر للصابرين دون الجزعين.
القطان
تفسير : حسبك: كافيك ما يهمك. التحريض: الحث على الشيء. التخفيف: رفع المشقة. الضعف: بالفتح والضم، ضد القوة. يا أيها النبيّ إن الله كافٍ كلَّ ما يهمّك من أمر الاعداء، متكفل بك ومن اتبعك من المؤمنين. فشجِّع المؤمنين على القتال لاعلاءِ كلمة الله، ورغِّبهم فيما وراء ذلك من خير الدنيا والآخرة. واعلم يا محمد أنه إن يوجد منكم عشرون معتصمون بالإيمان والصبر يغلبوا مئتين من الذين كفروا، ذلك بأن الكافرين لا يدرِكون حقائق الأمور، فليس لهم ايمان ولا صبر ولا مطمع في ثواب. {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. ان واجبكم أيها المؤمنون ان تصبروا على ملاقاة أعدائكم ولو كانوا عشرة أمثالكم، لكن الله قد خفف عنكم الآن فجعل عليكم ان تصبروا امام مِثَلْيكم فقط، لعلمه ان فيكم ضعفاً يقتضي التيسير عليكم والترخيص لكم، فان يكن منكم مئةُ مجاهدٍ صابر يغلبوا مئتين من الكفار، وان يكن منكم الف يغلبوا الفين بارادة الله ومعونته، والله مع الصابرين. قراءات: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: "ان تكن" بالتاء في الآيتين. وقرأ عاصم وحمزة: "ضعْفاً " بفتح الضاد والباقون: "ضُعفاً" بضمها.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} (64) - يُحَرِّض اللهُ تَعَالَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالمُؤْمِنينَ عَلَى القِتَالِ وَمُنَاجَزَةِ الأَعْدَاءِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ حَسْبُهُمْ وَكَافِيهِمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَإِنْ كَثُرَتِ أَعْدَادُهُمْ، وَتَتَابَعَتْ إِمْدَادَاتُهُمْ، وَلُوْ قَلَّ عَدَدُ المُؤْمِنينَ عَنْ عَدَدِ الكُفَّارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وإياك أن تظن أن الله عز وجل يعاقب الكفار لأنهم لم يؤمنوا برسل الله فقط، ولكن لأن الكون يفسد بسلوكهم، وهو سبحانه غير محتاج لأن يؤمن به أحد، ثم إن دين الحق سينتصر سواء آمن الناس به أم لم يؤمنوا، وسبحانه يريد بالمنهج الذي أنزله كل الخير والسعادة لعباده؛ لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ}تفسير : [الحجرات: 17]. فإذا دخل أحد في الإسلام فلا يمن على الله أنه أسلم؛ لأن إسلامه لن يزيد في ملك الله شيئاً، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى قد منّ عليه بهدايته للإسلام وهي لصالحه. ويريد الله من رسوله ألا يلتفت إلى عدد الكفار أو قوتهم؛ لأن معه الأقوى، وهو الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك يقول: {حَسْبُكَ ٱللَّهُ} [الأنفال: 64]. أي يكفيك الله. وقوله تعالى: {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64]. هي داخلة في {حَسْبُكَ ٱللَّهُ}. لأن الله هو الذي هدى هؤلاء المؤمنين للإيمان فآمنوا. ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، أي يكفيكم الله، وعلى ذلك فلا تلتمس العزة إلا من الحق سبحانه وتعالى. ويمكن أن يكون المعنى يكفيك الله فيما لا تستطيع أن تحققه بالأسباب. ويكفيك المؤمنون فيما توجد في أسباب. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى قال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} [الأنفال: 64]. وهذا النداء إنما يأتي في الأحداث؛ أما البلاغ فيقول الله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تفسير : [المائدة: 67]. إذن فالحق سبحانه وتعالى ينادي الرسول بـ{يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} حين يكون الأمر متعلقا بالأسوة السلوكية، أما إذا كان الأمر متعلقا بتنزيل تشريع، فالحق سبحانه يخاطبه صلى الله عليه وسلم بقوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ} ذلك أن الرسل جاءوا مبلغين للمنهج عن الله، ويسيرون وفق هذا المنهج كأسوة سلوكية. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد ذكر كل رسول باسمه في القرآن الكريم فقال: "يا موسى"، وقال: "يا عيسى بن مريم"، وقال: "يا إبراهيم". إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد خاطبه بـ: "يأيها النبي"، وبـ"يأيها الرسول"، وهذه لفتة انتبه إليها أهل المعرفة، وهذا النداء فيه خصوصية لخطاب الحضرة المحمدية، فالله سبحانه وتعالى يقول: {أية : يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35]. وينادي سيدنا نوحاً قائلاً سبحانه: {أية : يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ} تفسير : [هود: 48]. وينادي سيدنا موسى فيقول: {أية : أَن يٰمُوسَىٰ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [القصص: 30] . وينادي سيدنا عيسى فيقول: {أية : يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة: 116]. فكل نبي ناداه الحق تبارك وتعالى ناداه باسمه مجرداً إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له قط: يا محمد، وإنما قال: "يأيها النبي"، و"يأيها الرسول". والحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها أراد أن يلفت نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أن يعلم أنه يكفيه الله والمؤمنين مهما قل عددهم لينتصروا على الكفار. ثم يأتي النداء الثاني من المولى تبارك وتعالى في قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ...}
الأندلسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ} الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال والظاهر رفع ومن عطفا على ما قبله أي حسبك الله والمؤمنون. وقال الشعبي وابن زيد: معنى الآية حسبك الله وحسب من اتبعك. قال ابن عطية: فمن هذا التأويل في موضع نصب عطفاً على موضع الكاف لأن موضعها نصب على المعنى بيكفيك الذي سدت حسبك مسدّها. "انتهى". وهذا ليس بجيد لأن حسبك ليس مما تكون الكاف فيه في موضع نصب بل هذه إضافة، صحيحة ليست من نصب، وحسبك مبتدأ مضاف إلى الضمير، وليس مصدراً، ولا إسم فاعل، والذي ينبغي أن يحمل عليه كلام الشعبي وابن زيد هو أن يكون، ومن مجرورة على حذف وحسب لدلالة حسبك عليه فيكون كقول الشاعر: شعر : أكل امرىءٍ تحسبين أمرأً ونار توقد بالنيل ناراً تفسير : أي وكل نار فلا يكون من العطف على الضمير المجرور. قال ابن عطية: وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بابه ضرورة الشعر "انتهى". وليس بمكروه ولا ضرورة وقد أجازه سيبويه في الكلام وخرج عليه البيت وغيره من الكلام الفصيح. قال الزمخشري: ومن اتبعك الواو بمعنى مع وما بعده منصوب، تقول: حسبك مبتدأ وزيداً درهم. ولا يجر لأن عطف الظاهر المجرور على المكنى ممتنع، قال: شعر : فحسبك والضحاك سيف مهنّد تفسير : والمعنى، كفاك وكفى اتباعك من المؤمنين الله ناصراً. "انتهى". وهذا الذي قاله الزمخشري مخالف لكلام سيبويه قال سيبويه: قالوا حسبك وزيداً درهم لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قال: حسبك وبحسب أخاك درهم. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} الآية، هاتان الجملتان شرطيتان في ضمنهما الأمر بصبر عشرين لمائتين وبصبر مائة لألف ولذلك دخلها النسخ إذ لو كان خبراً محضاً لم يكن فيه نسخ لكن الشرط إذا كان فيه معنى التكليف جاز فيه النسخ وهذا من ذلك، ولذلك نسخ بقوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} الآية، والتقييد بالصبر في أول كل شرط لفظاً هو محذوف من الثانية لدلالة ذكره في الأولى. وتقييد الشرط الثاني بقوله: من الذين كفروا لفظاً هو محذوف من الشرط الأول في قوله: يغلبوا مائتين، فانظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت قيد في الجملة الأولى وحذف نظيره من الثانية، وأثبت قيد في الثانية وحذف من الأولى، ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في أول جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ثم ختمت الآية بقوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}، مبالغة في شدة المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف قيد الكفر اكتفاء بما قبل ذلك. {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} الآية نزلت في أسارى بدر وكان عليه السلام قد استشار أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم. فأشار أبو بكر بالاستحياء وعمر بالقتل، في حديث طويل يوقف عليه في صحيح مسلم. وقرأ أبو الدرداء وأبو حَيْوَة: ما كان للنبي معرفاً، والمراد به في التنكير والتعريف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن في التنكير إبهام في كون النفي لم يتوجه عليه معيناً، وتقدم مثل هذا التركيب وكيفية هذا النفي في آل عمران في قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} تفسير : [الآية: 161]، وهو هنا على حذف مضاف أي ما كان لأصحاب نبي أو لأتباع نبيّ، فحذف اختصاراً ولذلك جاء الجمع في قوله: تريدون عرض الدنيا، ولم يجيء التركيب تريد عرض الدنيا لأنه عليه السلام لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد عرض الدنيا قط وإنما فعله جمهور مباشري الحرب. {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} الاثخان: المبالغة في القتل والجراحات. يقال: أثخنته الجراحات أثبتته حتى تثقل عليه الحركة، وأثخنه المرض أثقله من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة. {لَمَسَّكُمْ} فيما تعجلتم منها ومن الفداء يوم بدر، قبل أن تؤمروا بذلك، عذاب عظيم.
الجيلاني
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المؤيَّد من عند الله بالنصر والظفر على الأعداء {حَسْبُكَ ٱللَّهُ} المولي لأمورك {وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ} بإذن الله ومشيئته {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] الموقنين بتوحيد الله، الموفين بعهوده، الباذلين مهجهم في سبيله. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ} المظفر المنصور بنصر الله {حَرِّضِ} ورغب {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموحدين {عَلَى ٱلْقِتَالِ} في سبيل الله؛ لترويج توحيده، وقل لهم نيابةً عنا ووعداً منا: {إِن يَكُن مِّنكُمْ} أيها المؤمنون {عِشْرُونَ صَابِرُونَ} مستقرون ثابتون تجاه العدو {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} منهم بتأييد منَّا وعون {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ} صابرة راسخة، متمكنة {يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بإمدادنا إياكم إلى حيث يقاوم واحد منكم عشرة منهم، ذلك المغلوبية والانهزام إنما عرض عليهم {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] أي: لا يصلون إلى مرتبة العلم اليقيني بالله وكتبه ورسله، حتى يترقوا منه إلى مرتبة العين والحق، بل يبقون على مرتبة الحيوانية مهانين مغلوبين مخذولين. هذا في بدء الإسلام وضعف المسلمين وقلتهم، وبعدما ارتفع قدره وعلا رتبته وكثر أ÷له وانتشر في الآفاق قال سبحانه: {ٱلآنَ} أي: حين كثر عددكم وعُددكم، وثقل عليكم ما أمرتم {خَفَّفَ ٱللَّهُ} الميسر لأموركم أثقالكم {عَنكُمْ وَعَلِمَ} بعلمه الحضوري {أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} تستثقلون بتحمل المأمور به، أمركم ثابتاً بقوله: {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ} ثابتة {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} منهم {وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ونصره وتأييده {وَٱللَّهُ} المراقب لأحوال عباده {مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] المتجملين في متاعب أمور الدين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 320 : 26 : 3 - سفين عن شوذب مولى الشعبي عن الشعبي {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الله. [الآية 64].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):