٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
65
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} أي حُثّهم وحُضّهم. يقال: حارض على الأمر وواظب وواصب وأكبّ بمعنى واحد. والحارض: الذي قد قارب الهلاك؛ ومنه قوله عزّ وجلّ: {أية : حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً}تفسير : [يوسف: 85] أي تذوب غمّاً، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} لفظُ خبر، ضِمْنُه وعْدٌ بشرط؛ لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين. وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها ٱسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد. ويجري هذا الاسم مجرى فِلسطين. فإن قال قائل: لم كُسر أوّل عشرين وفُتح أوّل ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلاَّ سِتّين؟ فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد؛ فكسِر أوّل عشرين كما كسر اثنان. والدليل على هذا قولهم: ستون وتسعون؛ كما قيل: ستة وتسعة. وروى أبو داود عن ٱبن عباس قال: نزلت {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} فشقّ ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم ألا يفِرّ واحد من عشرة، ثم إنه جاء التخفيف فقال: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} قرأ أبو تَوبة إلى قوله: {مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}. قال: فلما خفف الله تعالىٰ عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفّف عنهم. وقال ابن العربيّ: قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونُسخ. وهذا خطأ من قائله. ولم يُنقل قطُّ أن المشركين صافوا المسلمين عليها، ولكن الباري جلّ وعزّ فرض ذلك عليهم أوّلاً، وعلق ذلك بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه، وهو الثواب. وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه. قلت: وحديث ابن عباس يدلّ على أن ذلك فرض. ثم لما شقّ ذلك عليهم حطّ الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين؛ فخفّف عنهم وكتب عليهم ألاّ يفرّ مائة من مائتين؛ فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ. وهذا حسن. وقد ذكر القاضي ابن الطيّب أن الحكم إذا نُسخ بعضُه أو بعضُ أوصافه، أو غُيّر عدده فجائز أن يُقال إنه نسخ؛ لأنه حينئذ ليس بالأول، بل هو غيره. وذكر في ذلك خلافاً.
البيضاوي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} بالغ في حثهم عليه، وأصله الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت وقرىء «حرص» من الحرص. {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله وتأييده. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تكن بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في {وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ}. {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} بسبب أنهم جهلة بالله واليوم الآخر لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثواب وعوالي الدرجات قَتَلُوا أو قُتِلُوا ولا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ } حُثَّ {ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } للكفار {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } منهم {وَإِن يَكُنْ } بالياء والتاء {مّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } وهذا خبر بمعنى الأمر: أي ليقاتل العشرون منكم المائتين، والمائةالألف ويثبتوا لهم، ثم نسخ لما كثروا بقوله.
ابن عطية
تفسير : قوله {حرض} معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت "حرص" بالصاد غير منقوطة والمعنى متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء، وقالت فرقة من المفسرين: المعنى حرض على القتال حتى يبين لك فيمن تركه أنه حرض. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول غير ملتئم ولا لازم من اللفظ، ونحا إليه الزجّاج، و {القتال} مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية، وإنما تضمنت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضهم على أمر قد وجب عليهم من غير هذا الموضع، وقوله {إن يكن} إلى آخر الآية في لفظ خبر ضمنه وعد بشرط لأن قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون} بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي ضمنه الأمر بالصبر وكسرت العين من "عِشرون" لأن نسبة عشرين من عشرة نسبة اثنين من واحد فكما جاء أول اثنين مكسوراً كسرت العين من عِشرين ثم اطرد في جموع أجزاء العشرة، فالمفتوح كأربعة وخمسة وسبعة فتح أول جمعه، والمكسور كستة وتسعة كسر أول جمعه، هذا قول سيبويه، وذهب غيره إلى أن عشرين جمع عشر الإبل وهو وردها للتسع، فلما كان في عشرة وعشرة وعشر ويومان من الثالث جمع ذلك على عشرين، كما قال امرؤ القيس: شعر : ثلاثون شهراً في ثلاثة أحوال لما كان في الثلاثين حول تفسير : وحول وبعض الثالث وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة كان فرضاً من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو النسخ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، وفي ضمنه التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضاً هذا عن ابن عباس، قال كثير من المفسرين: وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي: وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزأه. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحاً من أن يقال نسخ، واعتبر ذلك في صدقة النجوي، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضاً أو ندباً هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو غير عدده فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافاً. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على الحكم الأول مقيداً لا بإطلاق واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم "إن يكن منكم مائة" في الموضعين بياء على تذكير العلامة، ورواها خارجة عن نافع. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب المعنى لأن الكائن في تلك المائة إنما هم رجال فذلك في الحمل على المعنى كقوله تعالى: {أية : من جاء بالحسنة له عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام:160] إذ أمثالها حسنات، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر "إن تكن منكم مائة" في الموضعين على تأنيث العلامة. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب اللفظ والمقصد كأنه أراد إن تكن عددها مائة وقرأ أبو عمرو بالياء في صدر الآية وبالتاء في آخرها، ذهب في الأولى إلى مراعاة {يغلبوا} وفي الثانية إلى مراعاة {صابرة} قال أبو حاتم: وقرأ "إن تكن" بالتاء من فوق منكم "عشرون صابرون" الأعرج وجعلها كلها على "ت". قال القاضي أبو محمد: إلا قوله {وإن يكن منكم ألف} فإنه لا خلاف في الياء من تحت، قوله {لا يفقهون} معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدماً لا محالة، وروى المفضل عن عاصم "وعُلِمَ" بضم العين وكسر اللام على البناء للمفعول، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن عمرو والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي إسحاق "ضُعْفاً" بضم الضاد وسكون العين، وقرأ عاصم وحمزة وشيبة وطلحة "ضَعْفاً" بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ عيسى بن عمر "ضُعُفاً" بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم: من ضم الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضُّعف بضمها في الجسم. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ترده القراءة وذكره أبو غالب بن التياني غير منسوب، وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع أيضاً "ضعفاء" بالجمع كظريف وظرفاء، وحكاها النقاش عن ابن عباس، وقوله {والله مع الصابرين} لفظ خبر في ضمنه وعد وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب.
ابن عبد السلام
تفسير : {عِشْرُونَ} أُمروا يوم بدر أن لا يفر أحدهم عن عشرة فشقَّ عليهم فنسخ بقوله ـ تعالى ـ {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ}تفسير : [الأنفال: 66]، أو وُعدوا أن يُنْصر كل رجل على عشرة.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق سفيان عن عمرو بن دينارعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً} فكتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، وأن لا يفر عشرون من مائتين، ثم نزلت {الآن خفف الله عنكم...} الآية. فكتب أن لا يفر مائة من مائتين قال سفيان: وقال ابن شبرمة رضي الله عنه: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا، إن كانا رجلين أمرهما وإن كانا ثلاثة فهو في سعة من تركهم. وأخرج البخاري والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، فجاء التخفيف {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} فلما خفف الله عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وأخرج اسحق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: افترض أن يقاتل كل رجل عشرة، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} إلى آخر الآيات. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: افترض عليهم أن يقاتل كل رجل عشرة، فثقل ذلك عليهم وشق عليهم، فوضع عنهم ورد عنهم إلى أن يقاتل الرجل الرجلين، فأنزل الله في ذلك {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} إلى آخر الآيات. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} ثقلت على المسلمين فاعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفاً، فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً...} الآية. قال: فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحرزوا عنهم، ثم عاتبهم في الأسارى وأخذ المغانم ولم يكن أحد قبله من الأنبياء عليهم السلام يأكل مغنماً من عدوّ هو لله. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون...} الآية. قال: ففرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم، فجهد الناس ذلك وشق عليهم، فنزلت الآية {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله {ألفين} ففرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم من مثليهم، ونقص من الصبر بقدر ما تخفف عنهم من العدة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {إن يكن منكم عشرون...} الآية. قال: كان يوم بدر، جعل الله على المسلمين أن يقاتل الرجل الواحد منهم عشرة من المشركين لقطع دابرهم، فلما هزم الله المشركين وقطع دابرهم خفف على المسلمين بعد ذلك، فنزلت {الآن خفف الله عنكم} يعني بعد قتال بدر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال: نزلت في أهل بدر، شدد عليهم فجاءت الرخصة بعد. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: هذا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل الله كل رجل منهم يقاتل عشرة من الكفار، فضجوا من ذلك فجعل على كل رجل منهم قتال رجلين تخفيف من الله عز وجل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمير رضي الله عنهما في قوله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} قال: نزلت فينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيرازي في الألقاب وابن عدي والحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً} رفع". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي. أنه قرأ {وعلم أن فيكم ضعفاً} . وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه قرأ {وعلم أن فيكم ضعفاً} وقرأ كل شيء في القرآن ضعف".
ابو السعود
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ} بعد ما بـين كفايتَه إياهم بالنصر والإمدادِ أُمر عليه الصلاة والسلام بترتيب مبادي نصرِه وإمدادِه وتكريرُ الخطاب على الوجه على المذكور لإظهار كمالِ الاعتناءِ بشأن المأمور به {حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} أي بالِغْ في حثّهم عليه وترغيبِهم فيه بكل ما أمكن من الأمور المرغّبة التي أعظمُها تذكيرُ وعدِه تعالى بالنصر وحُكمُه بكفايته تعالى أو بكفايتهم وأصلُ التحريضِ الحَرَضُ وهو أن ينهكه المرضُ حتى يُشفيَ على الموت وقال الراغب: كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَض وهو ما لا خير فيه ولا يعتد به قلت: فالأوجهُ حينئذ أن يُجعل الحرَضُ عبارةً عن ضعف القلب الذي هو من باب نَهْكِ المرض، وقيل: معنى تحريضِهم تسميتُهم حرضاً بأن يقال: إني أراك في هذا الأمر حَرَضاً أي محرّضاً فيه لتهيـيجه إلى الأقدام وقرىء حرِّص بالصاد المهملة وهو واضح. {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} وعدٌ كريمٌ منه تعالى بتغليب كلِّ جماعةٍ من المؤمنين على عشرة أمثالِهم بطريق الاستئنافِ بعد الأمر بتحريضهم، وقوله تعالى: {وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا} مع انفهام مضمونِه مما قبله لكون كل منهما عدةً بتأيـيد الواحدِ على العشرة لزيادة التقريرِ المفيدةِ لزيادة الاطمئنان على أنه قد يجري بـين الجمعين القليلين ما لا يجري بـين الجمعين الكثيرين مع أن التفاوتَ فيما بـين كلَ من الجمعين القليلين والكثيرين على نسبة واحدة فبـيّن أن ذلك لا يتفاوت في الصورتين وقوله تعالى: {مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بـيانٌ للألف وهذا القيدُ معتبرٌ في المِائتين أيضاً وقد تُرك ذكرُه تعويلاً على ذكره هٰهنا كما ترك قيدُ الصبر هٰهنا مع كونه معتبراً حتماً ثقةً بذكره هناك {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} متعلق بـيغلبوا أي بسبب أنهم قومُ جَهلةٌ بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً بأمر الله تعالى وإعلاءً لكلمته وابتغاءً لرضوانه كما يفعله المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهليةِ واتّباعِ خطواتِ الشيطانِ وإثارةِ ثائرةِ البغي والعُدوانِ فلا يستحقون إلا القهرَ والخِذلانَ، وأما ما قيل من أن مَنْ لا يؤمن بالله واليوم الآخِر لا يؤمن بالميعاد فالسعادةُ عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية فيشِحّ بها ولا يعرِّضها للزوال بمزاولة الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامةُ فيفِر فيُغلب، وأما من اعتقد أن لا سعادةَ في هذه الحياة الفانية وإنما السعادةُ هي الحياةُ الباقيةُ فلا يبالي بهذه الحياةِ الدنيا ولا يقيم لها وزناً فيُقدم على الجهاد بقلب قوي وعزمٍ صحيحٍ فيقوم الواحدُ من مثله مقامُ الكثير فكلامٌ حقٌّ لكنه لا يلائم المقام.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ}. المؤمن لا يزداد بنفسه ضعفاً إلاَّ ازداد بقلبه قوةً، لأن الاستقلال بقوة النَّفس نتيجةُ الغفلة، وقوةُ القلب بالله - سبحانه - على الحقيقة. قوله جلّ ذكره: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}. هذا لهم، فأمَّا النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو بتوحيده كان مُؤمِّلاً بأَنْ يَثْبُتَ لجميع الكفار لكمال قوَّته بالله تعالى، قال عليه السلام: "بِكَ أصول"، وفي تحريضه للمؤمنين على القتال كانت لهم قوة، وبأمر الله كانت لهم قوة؛ فقوة الصحابة كانت بالنبي - عليه الصلاة والسلام، وتحريضه إياهم وقوتهم بذلك كانت بالله وبأمره إياه... وشتَّان ما هما! قوله: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً}: والضَّعْفُ الذي علم فيهم كان ضَعْفَ الأشباح فخفَّفَ عنهم، أما القلوبُ فلم يتداخلها الضعف فحُمِلَ من ممارسة القتال بالعذر المذكور في الكتاب. والعوام يحملون المشاقَّ بنفوسهم وجسومهم، والخواص بقلوبهم وهممهم، وقالوا: "والقلبُ يحْمِلُ مَا لاَ يَحْمِلُ البَدَنُ" وقال آخر: شعر : وإنْ تَرَوْني أُعاديها فلا عَجَبٌ على النفوسِ جناياتٌ من الهِمَم
اسماعيل حقي
تفسير : {يا أيها النبى} يا رفيع القدر {حرض المؤمنين على القتال} اى بالغ فى حثهم على قتال الكفار ورغبتهم فيه بوعد الثواب او التنفيل عليه. والتحريض على الشيء ان يحث الانسان غيره ويحمله على شيء حتى يعلم منه انه ان تخلف عنه كان حارضا اى قريبا من الهلاك فتكون الآية اشارة الى ان المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبى عليه السلام اياهم على القتال لكانوا حارضين مشرفين على الهلاك والحث انما يكون بعد الاقدام بنفسه ليقتدى القوم به ولهذا كان النبى عليه السلام اذا اشتدت الحرب اقرب الى العدو منهم كما قال علي رضى الله عنه كنا اذا احر البأس ولقى القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فما يكون احد اقرب الى العدو منه: قال السلطان سليم فاتح مصر شعر : كرلشكر عدو بود از قاف تابقاف بالله كه هيج روى نمى تابم از مصاف جون آفتاب ظلمت كفر از جهان برم كاهى جو صبح تيغ برون آرم از غلاف تفسير : وفى الآية بيان فضل الجهاد والا لما وقع الترغيب عليه وفى الحديث "حديث : ما جميع اعمال العباد عند المجاهدين فى سبيل الله الا كمثل خطَّاف اخذ بمنقاره من ماء البحر " .تفسير : {ان يكن منكم} ايها المؤمنون {عشرون صابرون} فى معارك القتال {يغلبوا مائتين وان يكن منكم مائة يغلبوا الفا من الذين كفروا} بيان للالف وهذا القيد معتبر فى المائتين ايضا كما ان قيد الصبر معتبر فى كل من المقامين {بأنهم قوم لا يفقهون} متعلق بيغلبوا اى بسبب انهم قوم جهلة بالله وباليوم الآخر لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لامر الله واعلاء لكلمته وابتغاء لمرضاته وانما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع الشهوات وخطوات الشيطان واثارة نائرة البغى والعدوان فيستحقون القهر والخذلان وهذا القول وعد كريم منه تعالى متضمن لايجاب مقاومة الواحد للعشرة وثباته لهم. وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فى ثلاثين راكبا فلقى ابا جهل فى ثلاثمائة راكب فهزمهم فثقل عليهم ذلك وضجوا منه بعد مدة فنسخ الله هذا الحكم بقوله {الآن خفف الله عنكم} ففرض على الواحد ان يثبت لرجلين. قال ابن عباس رضى الله عنهما من فر من ثلاثة لم يفر ومن فر من اثنين فقد فر اى ارتكب المحرم وهو كبير الفرار من الزحف. قال الحدادى وهذا اذا كان للواحد المسلم من السلاح والقوة ما لكل واحد من الرجلين الكافرين كان فارا. واما اذا لم يكن لم يثبت حكم الفرار {وعلم ان فيكم ضعفا} اى ضعف البدن. قال التفتازانى تقييد التخفيف بقوله الآن ظاهر الاستقامة لكن فى تقييد العلم به اشكال توهم انتفاء العلم بالحادث قبل وقوعه. والجواب ان العلم متعلق به ابدا اما قبل الوقوع فبانه سيقع وحال الوقوع بانه يقع وبعد الوقوع بانه وقع. وقال الحدادى وعلم فى الازل ان فى الواحد منكم ضعفا عن قتال العشرة والعشرة عن قتال المائة والمائة عن قتال الالف {فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وان يكن منكم الف يغلبوا الفين باذن الله} بتيسيره وتسهيله وهذا القيد معتبر فيما سبق ايضا ترك ذكره تعويلا على ذكره ههنا {والله مع الصابرين} بالنصر والتأييد فكيف لا يغلبون وما تشعر به كلمة مع متبوعية مدخولها لاصالتهم من حيث انهم المباشرون للصبر دلت الاية على ان من صبر ظفر فان الصبر مطية الظفر. شعر : صبر وظفر هردو دوستان قديمند صبر كن اى دل كه بعد زان ظفر آيد از جمن صبر رخ متاب كه روزى باغ شود سبز وشاخ كل ببرآيد تفسير : قال السلطان سليم الاول شعر : سليمى خصم سيه دل جه داند اين حالت كه از ظهور آلهيست فتح لشكرما تفسير : قال فى التأويلات النجمية فى قوله تعالى {بإذن الله} يعنى ان الغلبة والظفر ليس من قوتكم لانكم ضعفاء وانما هو بحكم الله الازلى ونصره. واما الاقوياء وهم محمد عليه السلام {أية : والذين معه اشداء على الكفار} تفسير : [الفتح: 29] لقوة توكلهم ويقينهم وفه قلوبهم لا يفر واحد منهم من مائة من العدو كما كن حال النبى عليه السلام ومن معه من اهل القوة على ما قال عباس بن عبد المطلب شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم افارقه ورسول الله على بغلة بيضاء فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق النبى عليه السلام يركض بغلته قبل الكفار وانا آخذ بلجام بغلته اكفها ارادة ان لا يسرع وابو سفيان آخذ بركاب رسول الله فلما كان رسول الله ومن معه صابرين اولى قوة لم يفروا مع القوم: قال السلطان سليم شعر : سيمرغ جان ماكه رميدست ازدوكون منت خدايرا كه بجان رام مصطفاست تفسير : وفى ترجمة وصايا الفتوحات الملكية [آدمى از جهت انسانيت مخلوقست برهلع وبردلى واما از روى ايمان مخلوقست برقوت وشجاعت واقدام ودر روايت آمده است از بعضى از او صحابه رسول الله عليه السلام رسول اورا خبر داده بود كه تو والى شوى در مصر وحكم كنى وقتى قلعه را حصار كرده بودند وآن صحابى نيز درميان بود سائر اصحابرا كفت مرا دركفه منجنيق نهيد وسوى كفار در قلعه انداز بدجون من آنجار سم قتال كنم ودر حصار بكشايم جون از سبب اين جرأت برسيدند كفت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرا خبر داده است كه در مصر والى شوم وهنوز نشدم يقين ميدانم كه نميرم تاوالى نشوم فهم كن كه قوت ايمان اينست والاازروى عرف معلومست كه جون كسى را در كفه منجنيق نهند وبيندازند حال اوجه باشد بس دل مؤمن قوى ترين دلهاست] ألا انما الانسان عمد لقلبه ولا خير فى غمد اذا لم يكن نصل وجاء فى دعاء النبى عليه السلام "حديث : اللهم انى اعوذ بك من الشك فى الحق بعد اليقين واعوذ بك من الشيطان الرجيم واعوذ بك من شر يوم الدين" تفسير : قال بعضهم العمل سعى الاركان الى الله والنية سعى القلوب الى الله تعالى والقلب ملك والاركان جنوده ولا يحارب الملك الا بالجنود ولا الجنود الا بالملك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: التحريض: هو الحث على الشيء والمبالغة في طلبه، وهو من الحرض، الذي هو الإشفاء على الهلاك. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها النبي حرّض المؤمنينَ} أي: حثهم {على القتال} أي: الجهاد. ثم أمرهم بالصبر والثبات للعدو بقوله: {إنْ يكنْ منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا}، وهذا خبر بمعنى الأمر، أي: يقاتل العشرون منكم المائتين، والمائة الألف، وليثبتوا لهم، ولا يصح أن يكون خبراً محضاً؛ إذ لو كان خبراً محضاً لَمَا تخلف في الواقع، ولو في جزئية؛ إذ خبره تعالى لا يخلف. قال الفخر الرازي: حَسُن هذا التكليف لِما كان مسبوقاً بقوله: {حسبُكَ الله ومن اتبعك من المؤمنين}؛ فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلاً؛ لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إذايته.هـ. وإنما كان القليل من المؤمنين يقاوم الكثير من الكفار {بأنهم}؛ بسبب أنهم {قوم لا يفقهون}، أي: لأنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فلا يثبتون ثبات المؤمنين، رجاء الثواب والترقي في الدرجات، قتلوا أو ماتوا، بخلاف الكفار؛ فلا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان. ولمّا كلفهم بهذا في أول الإسلام، وشقَّ ذلك عليهم، خفف عنهم فقال: {الآن خففَ الله عنكم وعَلِمَ أن فيكم ضعفاً}؛ فلا يقاوم الواحدُ منكم العشرة، ولا المائةُ الألفَ، {فإن يكن منكم مائة صابرة يَغْلِبُوا مائتين، وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفين بإذن الله}؛ أمرهم بمقاومة الواحد لاثنين. وقيل: كان فيهم قلة، فلما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة؛ للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد، والضعف: ضعف البدن، لا ضعف القلب. قال بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: لما نزل التخفيف ذهب من الصبر تسعة أعشار، وبقي العشر. ولذلك قال تعالى هنا: {والله مع الصابرين} أي: بالنصر والمعونة، فكيف لا يغلب من يقاومهم ولو كثر عدده؟. الإشارة: ينبغي لأهل التذكير أن يُحرضوا الناس على جهاد نفوسهم، الذي هو الجهاد الأكبر، وإنما كان أكبر؛ لأن العدد الحسي يقابلك وتقابله، بخلاف النفس فإنها جاءت تحت الرماية خفية عدو حبيب، فلا يتقدم لجهادها إلا الرجال، فينبغي للشيوخ أن يحضوا المريدين على جهادها، ويهونوا لهم شأنها، فإنَّ النفس لا يهول أمرها إلا قبل رمي اليد فيها، فإذا رميت يدك فيها بالعزم على قتلها ضعفت ولانت، وسهل علاجها، وإذا خِفت منها، وسوَّفت لها، طالت عليك وملكتك، ولا بد في جهادها من شيخ يريك مساوئها، ويعينك بهمته على قتلها، وإلاّ بقيتَ في العَنَتِ معها، والشغل بمعاناتها حتى تموت بلا حصول نتيجة جهادها، وهي المعرفة بسيدها وخالقها. والله تعالى أعلم. ثم عاتبهم على أخذ الفداء من الأسارى، فقال: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ}.
الطوسي
تفسير : وهذا ايضاً خطاب للنبى صلى الله عليه وآله يأمره الله بأن يحرض المؤمنين على قتال المشركين. والتحريض والحث نظائر، وهو الدعاء الأكيد بتحريك النفس على أمر من الامور. وضده التفتير. والمعنى حثهم على القتال. والتحريض الحث على الشيء الذي يعلم معه انه حارض إن خالف وتأخر. والحارض هو الذي قارب الهلاك. ومنه قوله: {حتى تكون حرضاً} اي حتى تذوب غما على ذلك وتقارب الهلاك { أية : أو تكون من الهالكين} تفسير : وحارض فلان على أمره إذا واظب عليه. والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة اليه مع الصبر عليه. والقتال محاولة الصد والمنع بما فيه تعرض للقتل. والمجاهدة ان يقصد إلى قتل المشركين بقتاله، ومن يدفع عن نفسه فليس كذلك. والصبر هو حبس النفس عما تنازع اليه من صد ما ينبغي أن يكون عليه وضده الجزع، وقال الشاعر: شعر : فان تصبروا فالصبر خير مغبة وان تجزعا فالامر ما تريان تفسير : والغلبة الظفر بالبغية في المحاربة قتلا او اسراًِ او هزيمة. وقد يقال في الظفر بالبغية في المنازعة بالغلبة. ومعنى {لا يفقهون} ها هنا انهم على جهالة، خلاف من يقاتل على بصيرة، وهو يرجو به ثواب الاخرة. وقال قوم: معناه لا يعلمون ما لهم من استحقاق الثواب بالقتال. وقوله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين} وان كان بلفظ الخبر، فالمراد به الأمر، ويدل على ذلك قوله {الآن خفف الله عنكم} لأن التخفيف لا يكون الا بعد المشقة.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} لنصرة الله {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} فلا يثبتون ثبات من آمن بالله وعلم انّ النّصر بيد الله والظّفر من الله.
اطفيش
تفسير : {يا أيُّها النَّبىُّ حَرِّضِ المؤمنينَ عَلى القتالِ} بالغ فى حث المؤمنين على القتال، بذكر الثواب وتسهيل أمر القتال، والوعد بالنصر، وأصل الحرض القرب من الموت، فيجوز أن يكون ذلك تلويحا إلى إزالة الهلاك والقرب منه، فإنهم إذا لم يتأهبوا هلكوا أو قربوا من الهلاك، وقرئ: حرص بصاد مهملة من الحرص، حكاه الأخفش والنقاش. {إنْ يَكُن مِنْكم عِشْرونَ صابِرُونَ يغْلبُوا مائتَيْن} من الكفار {وإن تَكُن} بالمثناة بالفوقية عند نافع، و ابن كثير، و ابن عامر، وقرأ الباقون بالتحتية، وروى خارجة، عن نافع يكن بالتحتية منكم {مائةٌ يغْلبُوا ألفاً مِنَ الَّذينَ كفَرُوا} بإذن الله، ظاهر الكلام الإخبار، ومعناه الأمر بمصابرة الواحد للعشرة، فتكون الغلبة بعون الله إن صبروا، وذلك يوم بدر وما بعده حتى كان تخفيف {بأنَّهم} بسبب أنهم {قومٌ لا يفْقَهون} أى جهلة بالله واليوم الآخر فلا يثبتون كما كثبت المؤمنون رجاء للثواب، والدرجات العالية، و النجاة من النار.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} حثهم {عَلَى الْقِتَالِ} قتال الكفرة، أَى أَزل حرضهم وهو الإِشراف على الهلاك بالقتال، إِذ لو لم يقاتلوا لأَشرفوا عليه، قال الله عز وجل "أية : حتى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين"تفسير : [يوسف: 85] والإِزالة من معانى التفعيل كما يقال: قذَّيته أَى أَزلت قذاه، بتشديد ذال قذيته، {إِنْ يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُون} بقوة وشجاعة {يَغْلِبُوا مِائَتيْنِ} من الذين كفروا الواحد بعشرة، ذكر هنا قوله صابرون ولم يذكره فى قوله {وإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِائَة} أَى صابرة ولم يذكر الذين كفروا وذكره فى قوله {يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وذلك احتباك وهو فصاحة عظيمة وهى أَن يذكر فى كل من الكلمتين ما حذف من الآخر، ولا يحل للواحد الفرار من عشرة رجال كافرين يصبر فيغلبهم، وله الفرار من أَحد عشر، واللفظ إِخبار والمراد أَمر، أَى اثبت يا واحد لعشرة، أَو إِخبار لفظا ومعنى، أَى حكم الشرع لزوم ثبوت الواحد للعشرة، وعلى الوجهين تكون الآية حكما، والحكم ينسخ فينسخ كون ذلك شرعا بما بعد، فكان الشرع أَن لا يلزم ثبوت المسلم لثلاثة من الكفار، وإِنما الخبر الذى لا ينسخ هو مالا حكم فيه، كما لو كان المعنى أَن الله عز وجل أَعطى المؤمن قوة عشرة من الكفار فلا وجه لنسخه إِلا على معنى أَن الله أَزال بعد ذلك تلك القوة وردها إِلى قوة رجلين من الكفار {بِأَنَّهُمْ قوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ} لأَنهم قوم لا يفقهون أَمر الدنيا والآخرة فليسوا يقاتلون لدين الله ولا رجاء لثواب الآخرة الدائم فيرغبوا، ولا يرجون البعث فشحوا على الحياة الدنيا إِذ ليس لهم عندهم إِلا هى ونعيمها فلا يبالغون فى القتال بخلاف من اعتقد السعادة فى الآخرة ويقاتل رغبة فى الله عز وجل، فتكون الآية إِخبارا بضعف المشركين فلا يخافهم المؤمنون، واختير أَن المعنى استحقاق الكفرة للقتل لأَنهم لا يفقهون فاقهروهم بالقتل، وهو متعلق بيغلبوا، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة لما كثر المؤمنون، وقيل: نسخ بعد مدة قبل كثرتهم، وتضرعوا إِلى الله فنسخ، واختار مكى أَن ذلك تخفيف لا نسخ، وهو رجل أندلسى جاور مكة فنسب إِليها، وعلى النسخ إِن قاتل واحد عشرة فقتل فلا إِثم عليه لأَنه نسخ الوجوب، وعلى أَنه تخفيف غير نسخ يأثم، كذا قيل. قلت: لا إِثم لأَنه خفف له عن الوجوب ولم يحرم عليه مقابلتها، فإِنه إِذا ترك الوجوب بقى الجواز بقوله: {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعلِمَ} لعلم الله تعلق بالشئِ بلا أَول، قبل وجوده وحال وجوده وبعد عدمه {أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} حادثا لاعتماد كل على الآخر، فالضعف قلبى، وقيل ضعفا فى الأَبدان، وقيل ضعف البصيرة، إِذ حدث قوم فى الإِسلام ولم يحسنوه، وقيل ضعف فى رأى الحرب، ولم يكن الضعف من قبل فلا يتصف بأَنه علم أَنه موجود بل علم أَنه سيوجد {فَإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِّائةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} الواحد باثنين ويجوز له الفرار لثلاثة وإِن زال سلاحه فر ولو لواحد. {وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ} صابرون {يغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ} بإِرادته وذلك أَيضا إِخبار بمعنى الأَمر، أَو حقيقة كما مر، وقوله {إِن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} وقوله {وإِن يكن منكم مائة صابرة} يغنى عن قوله: وإِن يكن منكم أَلف يغلبوا أَلفين، ووجه ذكرهما أَنه واقعة حال، فإِنه صلى الله عليه وسلم يبعث السرية وما ينقص عددها عن العشرين ولا تزيد على المائة، وإِن ذلك دلالة على عدم تفاوت القلة والكثرة، فإِن العشرين قد لا تغلب المائتين، ولم يذكر فى جملتى التخفيف قيد الكفر اكتفاء بذكره قبل، وذكر فى التخفيف بإِذن الله وهو قيد لهما {وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} عن الشهوات والمعاصى وعلى الشدائد فى دين الله بالنصر والتوفيق والثواب، روى أَن المسلمين ثلاثة آلاف فى غزوة مؤتة صبروا لمائتى أَلف من المشركين: مائة أَلف من الروم ومائة أَلف من المستعربة لخم وجذام، والأَفضل صبر الواحد لأَحد عشر فصاعدا، وصبر الواحد لثلاثة فصاعدا، ولزوم ثبوت الواحد للعشرة يوم بدر ونسخ بعده، قال المهاجرون: يا ربنا نحن جياع وعدونا شباع. ونحن فى غربة وعدونا فى أَهليهم، وأُخرجنا من ديارنا وأَموالنا وعدونا فى ديارهم وأَموالهم. وقال الأَنصار: شغلنا بعدونا وأنسينا إِخواننا فنزل التخفيف. والصبر قبل التخفيف وبعده واجب على الحر والعبد. ولما أَخذوا الفداءَ من أَسارى بدر بلا إِذن من الله وإِنما أَمرهم الله عز وجل بالقتال والقتل لكل من قدر عليه لا بالأَسر ولا بالفداءِ نزل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ} من الأَنبياءِ، ويجوز أن يراد نبينا صلى الله عليه وسلم فنكر للتعظيم، ولئلا يواجه بالعتاب، ويدل له قراءَة أَبى الدرداء وأَبى حيوة "ما كان للنبى" بأَل، إِلا أَنه يحتمل أَن يكون للاستغراق وعلى وجه الكلية، أَو للجنس، والعموم أَولى كما هو ظاهر قراءَة الجمهور، وقدر بعض لأَصحاب نبى، أَو لأَصحاب النبى، لأَن ذلك المنفى لا يصدر عن نبى، فيجاب بأَنه يخاطب النبى بما فعل قومه كأَنه منهم {أَنْ يَكُونَ لَهُ} من أَعدائه {أَسْرَى} فضلا عن أَن يطلب الفداءَ أَو يقبله، جمع أَسير أَى مسلوب القوة، والأَسر القوة، أَو مربوط بالأَسر وهو الحبل، ومن شأن المأخوذ أَن يربط به {حَتَّى يُثخِنَ فِى الأَرْضِ} يوقع الثخانة فيها عليها بكثرة القتلى كأَنها لكثرتها ثقلت على الأَرض، أَثخنه المرض أَثقله، وأَيضا الثخين الغليظ الصلب، ومن شأنه الثقل، أَو المعنى حتى يقوى ويشتد ويغلب عدوه فيعز الإِسلام ويذل الكفر وأَهله، فأَثخن للصيرورة، أَى صار ثخينا، أَى غليظا بالمبالغة فى قتل الأَعداءِ، أَو كثرة القتل توجب قوة الرهبة فعبر عنها بسببها وهو الإثخان، أَو استعمل الثخن فى لازم الغلظة وهو القوة، أَو شبه المبالغة فى القتل بالثخانة لجامع الشدة فى كل، وذكر الأَرض للتعظيم. وفى الأُصول قول بأَن تعميم الأَمكنة تعميم للأَزمنة، أَو مفعول يثخن محذوف، أَى يثخن الكفار كما قال: "أية : حتى إِذا أَثخنتموهم"تفسير : [محمد: 4].. أَو أَكثرتم فيها الجراح، فضعفوا بالقتل شدد الله على آخذى الفداءِ عن الأَسرى بالاستشهاد بغيره صلى الله عليه وسلم من الأَنبياءِ بأَنهم أمروا بإِكثار القتل وترك الأَسر وبعد ذلك يجمعون ما حصل فتنزل نار من السماءِ وتحرقه غير بنى آدم والحيوان، وزاد تشديدا بقوله تعالى {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا عرض حاضر" تفسير : {وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} تريدون أَيها المؤمنون مال الدنيا العارض الذى لا يثبت بل يسرع زواله فأَخذتم الفداءَ، والله يرضى لكم ثواب الآخرة الذى لا يزول، وهو يحصل بقتلهم، أَو يرضى لكم سبب نيل ثواب الآخرة، وهو إِعزاز دينه بقتل الكفرة فعبر عن الرضى بالإِرادة للمشاكلة فلا يشكل علينا بأَن إِرادة الله لا تتخلف فإِن الإِرادة التى لا تتخلف هى التى بمعنى القضاء، وإِن أَراد فى الخطاب السعداءَ فالإِرادة على أَصلها من عدم التخلف ولكن الظاهر التعميم لا بقيد السعادة {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فهو يعز أَولياءَه ويذل أَعداءَه، ويحكم بما يليق من تحريم الفداء قبل الإِثخان، قيل: ولما قوى الإِسلام وضعف الكفر نسخ تحريم الفداء بقوله تعالى: "أية : فإِما منا بعد وإِما فداء"تفسير : [محمد: 4] وبقوله "أية : لولا كتاب من الله سبق"تفسير : [الأَنفال: 68] وقوله "أية : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا"تفسير : [الأَنفال: 69] قلت: لا نسخ فى ذلك لأَن معنى قوله عز وجل "أية : لولا كتاب من الله" تفسير : [الأَنفال: 68] أَنه عز وجل قضى أَلا يمسكم عذاب عظيم فى ذلك الفداء مع أَنكم أَخطأتم فيه، ومعنى "أية : فكلوا مما غنمتم"تفسير : [الأَنفال: 69] كلوا من سائر المغانم ولا تقصدوا الأَسر والفداءَ، ولو سامحكم الله تعالى فى ذلك الفداء الواقع، وفى قوله: {حتى يثخن} وقوله "أية : حتى إِذا أَثخنتموهم" تفسير : [محمد: 4] جواز الأَسر والفداء بعد الإِثخان.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} بعد أن بين سبحانه الكفاية أمر جل شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم بترتيب بعض مباديها، وتكرير الخطاب على الوجه المذكور لإظهار كمال الاعتناء بشأن المأمور به، والتحريض الحث على الشيء. وقال الزجاج: هو في اللغة أن يحث الإنسان على شيء حتى يعلم منه أنه حارض أي مقارب للهلاك، وعلى هذا فهو للمبالغة في الحث، وزعم في «الدر المصون» أن ذلك مستبعد من الزجاج، والحق معه، ويؤيده ما قاله الراغب من أن ((الحَرِض يقال لما أشرف على الهلاك والتحريض الحث على الشيء بكثرة التزيين وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحَرَض نحو قذيته أزلت عنه القذى ويقال: أحرضته إذا أفسدته نحو أقذيته إذا جعلت فيه القذى))، فالمعنى هنا يا أيها النبـي بالغ في حث المؤمنين على قتال الكفار. وجوز أن يكون من تحريض الشخص وهو أن يسميه حرضاً ويقال له: ما أراك إلا حرضاً في هذا الأمر ومحرضاً فيه، ونحوه فسقته أي سميته فاسقاً، فالمعنى سمهم حرضاً وهو من باب التهييج والإلهاب، والمعنى الأول هو الظاهر. وقرىء {حرص} بالصاد المهملة من الحرص وهو واضح. {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا} شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد العشرة والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله تعالى وتأييده، فالجملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، والمراد ليصبرن الواحد لعشرة وليست بخبر محض، وجعلها الزمخشري عدة من الله تعالى وبشارة وهو ظاهر في كونها خبرية، والآية كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى منسوخة، والنسخ في الخبر فيه كلام في الأصول، على أنه قد ذكر الإمام أنه لو كان الكلام خبراً لزم أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ومعلوم أنه ليس كذلك، والاعتراض عليه بأن التعليق الشرطي يكفي فيه ترتب الجزاء على الشرط في بعض الأزمان لا في كلها ليس بشيء كما بينه الشهاب، وذكر الشرطية الثانية مع انفهام مضمونها مما قبلها للدلالة على أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت لأن الحال قد تتفاوت بين مقاومة العشرين المائتين والمائة الألف وكذا يقال فيما يأتي. و {يَكُنْ} يحتمل أن يكون تاماً والمرفوع فاعله و {مِّنكُمْ} حال منه أو متعلق بالفعل ويحتمل أن يكون ناقصاً والمرفوع اسمه و {مِّنكُمْ} خبره. وقوله تعالى: {مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بيان للألف، وقوله سبحانه: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} متعلق بيغلبوا أي بسبب أنهم قوم جهلة بالله تعالى وباليوم الآخر لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعل المؤمنون وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان وإثارة ثائرة البغي والعدوان فلا يستحقون إلا القهر والخذلان، وقال بعضهم: وجه التعليل بما ذكر أن من لا يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر لا يؤمن بالمعاد والسعادة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيا فيشح بها ولا يعرضها للزوال بمزاولة الحروب واقتحام موارد الخطوب فيميل إلى ما فيه السلامة فيفر فيغلب، وأما من اعتقد أن لا سعادة في هذه الحياة الفانية وإنما السعادة هي الحياة الباقية فلا يبالي بهذه الحياة الدنيا / ولا يلتفت إليها فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح فيقوم الواحد من مثله مقام الكثير انتهى. وتعقب بأنه كلام حق لكنه لا يلائم المقام.
ابن عاشور
تفسير : أعيد نداء النبي صلى الله عليه وسلم للتنويه بشأن الكلام الوارد بعد النداء وهذا الكلام في معنى المقصد بالنسبة للجملة التي قبله، لأنّه لما تكفّل الله له الكفاية، وعطف المؤمنين في إسناد الكفاية إليهم، احتيج إلى بيان كيفية كفايتهم، وتلك هي الكفاية بالذبّ عن الحوزة وقتال أعداء الله، فالتعريف في {القتال} للعهد، وهو القتال الذي يعرفونه، أعني: قتال أعداء الدين. والتحريض: المبالغةُ في الطلب. ولمّا كان عموم الجنس الذي دل عليه تعريف القتال يقتضي عموم الأحوال باعتبار المقاتَلين ـ بفتح التاء ـ وكان في ذلك إجمال من الأحوال، وقد يكون العدو كثيرين ويكون المؤمنون أقلّ منهم، بيّن هذا الإجمال بقوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} الآية. وضمير {منكم} خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وفصلت جملة {إن يكن منكم عشرون صابرون} لأنها لمّا جعلت بياناً لإجمال كانت مستأنفة استئنافاً بيانيا، لأن الإجمال من شأنه أن يثير سؤال سائل عمّا يعمل إذا كان عدد العدوّ كثيراً، فقد صار المعنى: حرض المؤمنين على القتال بهذه الكيفية. و{صابرون} ثابتون في القتال، لأنّ الثبات على الالآم صبر، لأنّ أصل الصبر تحمّل المشاقّ، والثباتُ منه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} وفي الحديث: «حديث : لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا الله العافية فإذا لاقيتم فاصبروا»تفسير : . وقال النابغة: شعر : تجنب بَني حُنَ فإنّ لقاءهم كَريه وإن لم تَلق إلاّ بصابر تفسير : وقال زفر بن الحارث: الكلابي شعر : سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا تفسير : والمعنى: عُرفوا بالصبر والمقدرة عليه، وذلك باستيفاء ما يقتضيه من أحوال الجسد وأحوال النفس، وفيه إيماء إلى توخّي انتقاء الجيش، فيكون قيداً للتحريض، أي: حرّض المؤمنين الصابرين الذين لا يتزلزلون، فالمقصود أن لا يكون فيهم من هو ضعيف النفس فيفشل الجيش، كقول طالوت {أية : إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني}تفسير : [البقرة: 249]. وذُكر في جانب جيش المسلمين في المرّتين عدد العشرين وعددُ المائة، وفي جانب جيش المشركين عددُ المائتين وعدد الألف، إيماءً إلى قلّة جيش المسلمين في ذاته، مع الإيماء إلى أنّ ثباتهم لا يختلف باختلاف حالة عددهم في أنفسهم، فإنّ العادة أنّ زيادة عددُ الجيش تقوي نفوس أهله، ولو مع كون نسبة عددهم من عدد عدوّهم غير مختلفة، فجعل الله الإيمان قوّةً لنفوس المسلمين تدفع عنهم وهَن استشعار قلّة عدد جيشهم في ذاته. أمّا اختيار لفظ العشرين للتعبير عن مرتبة العشرات دون لفظ العشرة: فلعل وجهه أنّ لفظ العشرين أسعد بتقابل السكنات في أواخر الكلم لأنّ للفظِه مائتين من المناسبة بسكنات كلمات الفواصل من السورة، ولذلك ذكر المائة مع الألف، لأنّ بعدها ذِكرَ مميز العدد بألفاظ تناسب سكنات الفاصلة، وهو قوله: {لا يفقهون} فتعيّن هذا اللفظ قضاء لحقّ الفصاحة. فهذا الخبر كفالة للمسلمين بنصر العدد منهم على عشرة أمثاله، من عددهم وهو يستلزم وجوب ثبات العدد منهم، لِعشرة أمثاله، وبذلك يفيد إطلاق الأمر بالثبات للعدوّ الواقع في قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا}تفسير : [الأنفال: 45]، وإطلاق النهي عن الفرار الواقع في قوله: {أية : فلا تولوهم الأدبار}تفسير : [الأنفال: 15] الآية كما تقدّم. وهو من هذه الناحية التشريعية حكم شديد شاقّ اقتضته قلّة عدد المسلمين يومئذ وكثرة عدد المشركين، ولم يصل إلينا أنّ المسلمين احتاجوا إلى العمل به في بعض غزواتهم، وقصارى ما علمنا أنّهم ثبتوا لثلاثة أمثالهم في وقعة بدر، فقد كان المسلمون زهاء ثلاثمائة وكان المشركون زهاء الألف، ثمَّ نزل التخفيف من بعد ذلك بالآية التّالية. والتعريف بالموصول في {الذين كفروا} للإيماء إلى وجه بناء الخير الآتي: وهو سلب الفقاهة عنهم. والباء في قوله: {بأنهم} للسببية. أي بعدم فقههم. وإجراء نفي الفقاهة صفة لـ{قوم} دون أن يجعل خبراً فيقال: ذلك بأنّهم لا يفقهون، لقصد إفادة أنّ عدم الفقاهة صفة ثابتة لهم بما هم قوم، لئلاّ يتوهّم أنّ نفي الفقاهة عنهم في خصوص هذا الشأن، وهو شأن الحرب المتحدّث عنه، للفرق بين قولك: حدّثت فلاناً حديثاً فوجدته لا يفقه، وبين قولك: فوجدته رجلاً لا يفقه. والفقه فهم الأمور الخفية، والمراد نفي الفقه عنهم من جانب معرفة الله تعالى بقرينة تعليق الحكم بهم بعد إجراء صلة الكفر عليهم. وإنّما جعَل الله الكفر سبباً في انتفاء الفقاهة عنهم: لأنّ الكفر من شأنه إنكار ما ليس بمحسوس فصاحبه ينشأ على إهمال النظر، وعلى تعطيل حركات فكره، فهم لا يؤمنون إلاّ بالأسباب الظاهرية، فيحسبون أنّ كثرتهم توجب لهم النصر على الأقلّين لقولهم: «إنما الغرة للكاثر»، ولأنّهم لا يؤمنون بما بَعد الموت من نعيم وعذاب، فهم يخشون الموت فإذا قاتلوا ما يقاتلون إلاّ في الحالة التي يكون نصرهم فيها أرجح، والمؤمنون يعوّلون على نصر الله، ويثبتون للعدوّ رجاء إعلاء كلمة الله، ولا يهابون الموت في سبيل الله، لأنّهم موقنون بالحياة الأبدية المسِرّة بعد الموت. وقرأ الجمهور "إن تكن" ـ بالتاء المثناة الفوقية ـ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، وذلك الأصل، لمراعاة تأنيث لفظ مائة. وقرأها الباقون بالمثنّاة التحتية، لأنّ التأنيث غير حقيقي، فيجوز في فعله الاقتران بتاء التأنيث وعدمه، لا سيما وقد وقع الفصل بين فعله وبينه. والفصل مسوّغ لإجراء الفعل على صيغة التذكير.
الواحدي
تفسير : {يا أيها النبيُّ حرِّض المؤمنين على القتال} حُضَّهم على نصر دين الله {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} يريد: الرَّجل منكم بعشرة منهم في الحرب، {وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهون} أَيْ: هم على جهالةٍ، فلا يثبتون إذا صدقتموهم القتال خلاف مَنْ يقاتل على بصيرةٍ يرجو ثواب الله، وكان الحكم على هذا زماناً، يُصابر الواحد من المسلمين العشرة من الكفَّار، فتضرَّعوا وشكوا إلى الله عزَّ وجلَّ ضعفهم، فنزل: {الآن خفف الله عنكم} هوَّن عليكم {وعلم أنَّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين} . فصار الرَّجل من المسلمين برجلين من الكفَّار، وقوله: {بإذن الله} أَيْ: بإرادته ذلك. {ما كان لنبي أن يكون له أسرى...} الآية. نزلت في فداء أسارى بدر، فادوهم بأربعة ألاف ألف، فأنكر الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: لم يكن لنبيِّ أن يحبس كافراً قَدَر عليه للفداء، فلا يكون له أيضاً حتى يُثخن في الأرض: يُبالغ في قتل أعدائه {تريدون عرض الدنيا} أي: الفِداء {والله يريد الآخرة} يريد لكم الجنة بقتلهم، وهذه الآية بيان عمَّا يجب أن يجتنب من اتِّخاذ الأسرى للمنِّ أو الفِداء قبل الإِثخان في الأرض بقتل الأعداء، وكان هذا في يوم بدر، ولم يكونوا قد أثخنوا، فلذلك أنكر الله عليهم، ثمَّ نزل بعده: {أية : فإمَّا منَّاً بعدُ وإمَّا فداءً }.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {صَابِرُونَ} (65) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِحَثِّ المُؤْمِنينَ، وَتَحْرِيضِهِمْ عَلَى القِتَالِ، لِدَفْعِ عُدْوانِ الكَافِرِينَ عَلَى الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَلإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ وَأَهْلِهَا، عَلَى كَلِمَةِ البَاطِلِ وَالظُّلْمِ وَأَنْصَارِهِمَا. وَيُخْبِرُ اللهُ نَبِيَّهُ وَالمُؤْمِنينَ أَنَّهُ إِذا وُجِدَ مِنَ المُؤْمِنينَ عِشْرُونَ مُعْتَصِمُونَ بِالإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مِئَتَيْنِ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الكُفَّارِ، لأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ مَا تَفْقَهُونَهُ أَنْتُمْ مِنْ حِكْمَةِ الحَرْبِ، وَمَا يُرَادُ بِهَا مِنْ مَرْضَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلاَ يَنْتَظِرُونَ هُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ أَنْتُمْ مِنَ الحَرْبِ: نَصْراً مِنَ اللهِ أَوْ فَوْزاً بِالشَّهَادَةِ وَرِضْوَانِ اللهِ. وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمينَ، فَخَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ. حَرِّضِ المُؤْمِنينَ - بَالِغْ فِي حَثِّهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع أن فلانا يحرض فلاناً، فهذا يعني أنه يحثه، ويثير حماسه ويغريه على أن يفعل، وأنواع الطلب كثيرة، فهناك طلب نسميه نداء، أي تناديه، وطلب نسميه أمراً أي تفعله، وطلب نسميه نهياً، أي لا تفعله. هذه كلها أفعال طلب يسبقها النداء. هناك مثلاً طلب أن يُقبل عليه، وطلب آخر أن يبتعد عنه، وطلب ثالث أن يقضي له حاجة، كل هذا يعني أن المتكلم يعرض على السامع أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا. وهناك لون من الطلب لا يحمل الإلزام، بل هو عَرْض فقط (وهو الطلب برفق ولين) كقولك لمن تعلوه: أنا لا آمرك، بل أعرض عليك فقط. وهناك لون ثالث من الطلب تحمله كلمة "حض" وهو الطلب بشدة؛ لأن المعروض معه دليل الإقبال عليه. فأنت حين تحض ابنك على المذاكرة مثلاً فهناك مبرر الإقبال على المذاكرة وهو النجاح. وأنت حين تحض الإنسان على فعل، فأنت لا تنهاه أو تأمره لأنك تريد أن يقبل على الشيء بحب، ولكن حين تأمره بقسوة قد يكره هذا الشيء. وقد تعرض على إنسان شيئاً فتجده يحب أن يفعله ولو بدون أمر منك. إذن فقول الله تعالى: {حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: 65]. أي حثهم وحضهم وحمسهم، والفعل يتكون من الحاء والراء والضاد، ومنها "حرض" و"يحرض" ومادة هذه الكلمة معناها القرب من الهلاك. ونجد قول الحق تبارك وتعالى على لسان إخوة يوسف لأبيهم: {أية : قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ}تفسير : [يوسف: 85]. أي أنك ستستمر في ذكر يوسف حتى تقترب من الهلاك أو تهلك بالفعل. ولكن هل معنى "حرِّض" هنا يعني: قرب المؤمنين من الهلاك؟ نقول: لا؛ لأن ما يسمونه الإزالة، وهي أن يأتي الفعل على صورة يزيل أصل اشتقاقه، عندما تقول: "قشرت البرتقالة" أي أزلت قشرتها. وكذلك قولنا: "مرّض" الطبيب فلانا وليس المعنى أن الطبيب قد أحضر له المرض، ولكن معناها أزال المرض، إذن فهناك أفعال تأتي وفيها معنى الإزالة. ويأتي معنى الإزالة مرة بتضعيف الحرف الأوسط مثل "حرَّض" و"قشَّر" ومرة تأتي بهمزة، فتعطي معنى الإزالة، فإذا قلت: "أعجم الكتاب". فمعناها أنه أزال عجمته، ولذلك نسمي كتب اللغة "المعاجم"، أي التي تزيل خفاء اللغة وتعطينا معاني الكلمات. ومن قبل شرحنا معنى "قسط" و "أقسط"؛ وقسط تعني "الجور" أي الظلم مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً}تفسير : [الجن: 15]. وأقسط أي أزال الظلم. إذن فهناك حروف حين تزاد على الكلمة؛ تزيل المعنى الأصلي لمادتها. وهناك تشديد يزيل أصل الانشقاق مثل "قشّر" أي أزال القشر، و"مَّرض" أي أزال المرض. و"حرَّض" أي أزال الحرض. ومعنى الآية الكريمة: اطلب منهم يا محمد أن يزيلوا قربهم من الهلاك بالقتال. وهذه القاعدة اللغوية تفسر لنا كثيراً من آيات القرآن الكريم. ففي قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه: 15]. الذين يأخذون بالمعنى السطحي يقولون: "أكاد أخفيها" أي أقرب من أن أسترها ولا أجعلها تظهر، ونقول: الهمزة في قوله: "أكاد" هي همزة الإزالة، فيكون معنى "أكاد" أي أنني أكاد أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى والعلامات الكبرى التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وبعضهم قد أرهق نفسه في شرح "أكاد أخفيها" ولم ينتبهوا إلى أن إزالة الاشتقاق تأتي إما بتضعيف الحرف الأوسط، وإما بوجود الهمزة. وقول الحق تبارك وتعالى هنا: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} [الأنفال: 65]. أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من رسوله صلى الله عليه وسلم تحريض المؤمنين على الجهاد وكأنه يقول له: ادع قومك إلى أن يبعدوا الدنو من الهلاك عن أنفسهم؛ لأنهم إن لم يجاهدوا لتغلب عليهم أهل الكفر، فأهل الكفر يعيشون في الأرض بمنهج السيطرة والغلبة والجبروت، وحين يجاهدهم المؤمنون إنما ليوقفوهم عند حدهم. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} [الأنفال: 65]. فكأنهم إن لم يحاربوا أهل الكفر سوف يحيط بهم الهلاك في الدنيا وفي الآخرة. والله سبحانه وتعالى يريد لهم الحياة الآمنة الكريمة في الدنيا والجنة في الآخرة. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد وضع معياراً إيمانيا في القتال بين المؤمن والكافر، والمعيار هنا وضعه خالقهم، وخالق قواهم وملكاتهم وعواطفهم. والمعيار الإيماني هو في قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال: 65]. إذن فالمعيار الإيماني باختصار يساوي واحداً إلى عشرة، أي أن القوة الإيمانية تجعل من قوة المؤمن ما يعادل قوة عشرة من الكفار، هذا هو المقياس. وهنا يأتي بعض الناس ليقول: أساليب القرآن مبنية على الإيجاز وعلى الإعجاز، فلماذا يقول الحق سبحانه وتعالى: "عشرون يغلبوا مائتين". ثم يقول "مائة يغلبوا ألفا"؛ ألم يكن من الممكن أن يقال: إن الواحد يغلب عشرة وينتهي القول؟. نقول: إنك لم تلاحظ واقع الإسلام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب مع المؤمنين في قتالهم ويحضر معهم بعضاً من أحداث القتال التي نسميها "غزوات". أما البعثات القتالية التي لم يخرج فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يكتفي فيها بإرسال عدد من المؤمنين، فقد كانت تسمى سرايا، وهذه السرايا كانت لا تقل عن عشرين مقاتلاً ولا تزيد على مائة، فذكرها الله تعالى مرة بالعشرين ومرة بالمائة. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65]. ونحن نرى أن المقياس هنا ليس بعدد المقاتلين فقط، ولكن لا بد أن يكونوا موصوفين بالصبر، وفي آية أخرى بالصبر والمثابرة، فمن الجائز أن يصبر عدوك فعليك حينئذ أن تصابره، أي إن صبر قليلاً، تصبر أنت كثيراً، وإن تحمل مشقة القتال، تتحمل أنت أكثر. إذن فالقوة القتالية لكي يتحقق بها ولها النصر لا بد أن تكون قوة صابرة قوية في إيمانها قادرة على تحمل شدة القتال وعنفه. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى تعليل هذا الحكم الإيماني الذي أبلغنا به فيقول عز من قائل: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]. إذن فالسبب في أن المؤمن يغلب عشرة من الكفار، هو أن الكفار قوم لا يفقهون، وما داموا لا يفقهون، يكون المقابل لهم من المؤمنين قوما يفقهون. وهنا نقارن بين المؤمنين الذين يفقهون، والكفار الذين لا يفقهون ونقول: إن الكافر حين يقاتل لا يعتقد في الآخرة، وليس له إلا الدنيا ويخاف أن يفقدها، ولذلك حين يوجد الكافر في ساحة الحرب فهو يريد أن يحافظ على حياته ولو بالفرار، ولكن الدنيا بالنسبة للمؤمن رحلة قصيرة والشهادة هي الفوز برضوان الله ودخول الجنة بلا حساب، ولذلك فإنه يقبل على القتال بشجاعة من يريد الاستشهاد. ونجد خالد بن الوليد يقول للفرس: أتيتكم برجال يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة. فلو أن الكفار فقهوا أي فهموا أن الدنيا دار ممر ومعبر للآخرة، وأن الآخرة هي المستقر لأنها الدار الباقية، لامتلكوا قوة دافعة للقتال، ولكنهم يريدون هذه الحياة لأنها بالنسبة لهم هي كل شيء. ولذلك يعلمنا القرآن الكريم فيقول: {أية : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ} تفسير : [التوبة: 52]. أي لن يحدث لنا في هذه الحرب إلا ما هو حسن، فإما أن ننتصر ونقهركم ونغنم أموالكم، وإما أن نُسْتَشْهَدَ فندخل الجنة وكلاهما حسن. ويكمل الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} تفسير : [التوبة: 52]. أي أنكم أيها الكفار لن يصيبكم إلا السوء والخزي. إما عذاب شديد من عند الله بغير أسباب، وإما عذاب بأيدينا أي بالأسباب. إذن فالكافر حين يدخل المعركة لا ينتظر إلا السوء، إما أن يقتل ويذهب إلى جهنم - والعياذ بالله -، وإما أن يصيبه الله بعذاب يدفع الخوف في قلبه أثناء المعركة. والكفار في القتال لا يعتمدون إلا على قوتهم وعددهم وعُدتِهم؛ أما المؤمنون فيعتمدون أولاً على الله القوي العزيز ويثقون في نصره. ولذلك يقبلون على القتال ومعهم رصيد كبير من طاقة الإيمان وهي طاقة تفوق العدد والعدة، ويكون المقاتل منهم قويا في قتاله متحمساً له؛ لأنه يشعر أنه مؤيد بنصر الله. ونعلم أن كل إنسان يحرص على الغاية من وجوده؛ وغاية الكفار متاع الحياة الدنيا المحدود، أما غاية المؤمنين فممتدة إلى الآخرة. ولذلك فالكافر يحارب بقوته فقط وهو مجرد من الإيمان. ونلاحظ أن النصوص خبرية في قوله الحق تبارك وتعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65]. والنصوص الخبرية ليس فيها طلب، ، وإن كان الطلب يخرج مخرج الخبر ليوهمك أن هذا أمر ثابت. وعندما قام بعض المتمردين من سنوات ودخلوا الحرم بأسلحتهم وحاصروا الناس فيه قال بعض السطحيين: إنَّ القرآن يقول: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]. وأن هذا خبر كوني معناه أن كل من دخل الحرم كان آمناً، وقلنا: إن قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97]. هذا كلام الله؛ فمن أطاع الله فليؤمِّن من يدخل الحرم. وقد تطيعون فتؤمِّنون من يدخل الحرم وقد تعصون فلا تؤمِّنونهم. إذن فالمسألة هي حكم تطيعونه أو لا تطيعونه، كذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة: 228]. هذا كلام خبري. فإن أطاعت المطلقة الله؛ انتظرت هذه الفترة، وإن عصت لم تنتظر، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ}تفسير : [النور: 26]. وقد نرى في الكون زيجات عكس ذلك؛ تجد رجلاً لئيماً يتزوج بامرأة طيبة؛ وامرأة لئيمة تتزوج رجلاً طيباً، وقد تتساءل: لماذا لم يتزوج الطيب طيبة مصداقاً لقول الحق، ولماذا لم يتزوج الخبيث خبيثة؟ ونقول: لقد أخطأت الفهم لقول الله تعالى، فما قاله الله ليس خبراً كونيا، ولكنه خبر تشريعي ومعناه: زوجوا الطيبات للطيبين، وزوجوا الخبيثات للخبيثين، فإن فعلتم استقامت الحياة، وإن عصيتم لا تستقيم الحياة؛ لأن الرجل الخبيث إن عاير امرأته وأهانها فهي ترد عليه الإهانة بالمثل ويكون التكافؤ موجوداً حتى في القبح. ولكن الشقاء في الكون إنما يأتي من زواج الطيب بالخبيثة، والخبيث بالطيبة، وليس معنى الآية - إذن - أنك لا تجد طيباً إلا متزوجاً من طيبة، ولا خبيثاً إلا متزوجاً من خبيثة؛ لأن هذا أمر تكليفي تشريعي، فإن فعلت تكون قد أطعت، وإن لم تفعل تكون قد عصيت. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن طريق الوصال أنه بالقتال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} [الأنفال: 65] إلى قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] الإشارة فيها: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ} يعني: بالإقدام عليه بنفسك؛ ليقتدوا بك، ويحرضوا على القتال بحرصك عليه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحرب أقرب إلى العدو، ومنهم كما قال علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه -: كنا إذا احمر البأس في القوم فعينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحداً أقرب إلى العدو منه، ولذلك قال تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65] جعل النبي صلى الله عليه وسلم منهم عند لقاء العدو وصابرون في البأساء والضراء وتحت أحكام القضاء، {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] لأن الله مع الصابرين بالنصر والعون، {وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ} [الأنفال: 65] متوكلة على الله لهم صابرة في بذل الروح يعلمون بفقه القلب أنهم لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. {يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] أي: ليسوا يفقهون بفقه القلب ليتوكلوا على الله، وليعلموا أنه لا يصيبهم إلا ما قدر لهم، {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} [الأنفال: 66] أيها الضعفاء، {وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} [الأنفال: 66] في التوكل واليقين، {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ} [الأنفال: 66] يعني: من أهل يصبرون على لقاء المائتين، {يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 66] يعني: الغلبة والظفر ليس من قوتكم؛ لأنكم ضعفاء، وإنما هو بحكم الله الأزلي ونصره، وإلى الأقوياء وهم محمد صلى الله عليه وسلم والذين معه أشداء على الكفار؛ لقوة توكلهم ويقينهم وفقه قلوبهم لا يفر واحد منهم من مائة من العدو كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أهل القوة، ما قال عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلم أفارقه ورسول الله على بغلة بيضاء أهداها له فرقة بن بغامة المذامي، فلما التقى المسلمون بالكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، قال عباس رضي الله عنه: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم إرادة ألاَّ تسرع، وأبو سفيان أخذ ركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه صابرين أولي قوة لم يفروا مع القوم، {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ}[الأنفال: 66] في التثبيت والتصبر كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يصبر يصبره الله تعالى ". تفسير : ثم أخبر عمن اختار الأولى عن الآخرة بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} [الأنفال: 67] إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 69] الإشارة فيها: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} ما كان أخذ الفداء من الأسارى شيمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - فإنه رغبة في الدنيا، ومن شيمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما لي وللدنيا"،تفسير : {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} [الأرض: 67] أي: يبالغ في قهره الأعداء، وقذف الرعب في قلوبهم، ورسوخ أمر الدين في قلوب المؤمنين، فأمَّا أخذ الفداء كان لرغبة بعضكم في الدنيا بعد أن شاوركم فيه بأمر الله تعالى إذ أمره بقوله: {أية : وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ}تفسير : [آل عمران: 159] فرغب أكثركم فيه. والذي يدل على هذا التأويل قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} [الأنفال: 67] خاطب به القوم إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يشير: أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها بالطبع، {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [الأنفال: 67] يعني: والذي يريد الآخرة منكم ليس سجيته وطبعه، وإنما هو من توفيق الله إياه وتأثير نظر عنايته ورحمته إلى قلبه ونفسه، فإن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} [الأنفال: 67] لا ينظر بنظر العناية إلا الجاهل العزة، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] فيمن يعزه بنظر العناية، وفيمن يذله بالسخط والخذلان، {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] بالبقاء على هؤلاء الأسارى ليؤمن بعضهم ويؤمن أولاد بعضهم وذراريهم، {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] من الغنائم وملتم إلى الدنيا وأخذتم جعلا على الجهاد في سبيل الله، {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] بأن يجعل جهادكم في سبيل الدنيا، ويخرجكم عن ثوابه في الآخرة بل يعاقبكم عليه، {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً} [الأنفال: 69] بأن تجعلوه في عدة الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر. {طَيِّباً} [الأنفال: 69] أي: طيباً به نفوسكم في الإنفاق طيباً عن لون محبته وتعلقه بقلوبكم، {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الأنفال: 69] أي: اتقوا بالله عما سواه، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [الأنفال: 69] يغفر بأنوار جوده ظلمات وجودكم، {رَّحِيمٌ} [الأنفال: 69] بكم فيما يفنيكم عنكم ويبقيكم به.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } أي: حثهم وأنهضهم إليه بكل ما يقوي عزائمهم وينشط هممهم، من الترغيب في الجهاد ومقارعة الأعداء، والترهيب من ضد ذلك، وذكر فضائل الشجاعة والصبر، وما يترتب على ذلك من خير في الدنيا والآخرة، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة، وأن الشجاعة بالمؤمنين أولى من غيرهم {أية : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ }. تفسير : { إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ } أيها المؤمنون { عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يكون الواحد بنسبة عشرة من الكفار،.وذلك بأن الكفار { قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } أي: لا علم عندهم بما أعد اللّه للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون لأجل العلو في الأرض والفساد فيها،.وأنتم تفقهون المقصود من القتال، أنه لإعلاء كلمة اللّه وإظهار دينه، والذب عن كتاب اللّه، وحصول الفوز الأكبر عند اللّه،.وهذه كلها دواع للشجاعة والصبر والإقدام على القتال. ثم إن هذا الحكم خففه اللّه على العباد فقال: { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } فلذلك اقتضت رحمته وحكمته التخفيف،. { فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } بعونه وتأييده. وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار، وأن اللّه يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية. ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن اللّه أمر المؤمنين - في أول الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، والمائة من الألف. ثم إن اللّه خفف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار، ولكن يرد على هذا أمران: أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأن المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع. والثاني: تقييد ذلك العدد أن يكونوا صابرين بأن يكونوا متدربين على الصبر. ومفهوم هذا أنهم إذا لم يكونوا صابرين، فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم [إذا غلب على ظنهم الضرر] كما تقتضيه الحكمة الإلهية. ويجاب عن الأول بأن قوله: { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ } إلى آخرها، دليل على أن هذا أمر لازم وأمر محتم، ثم إن اللّه خففه إلى ذلك العدد،. فهذا ظاهر في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر. وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر، نكتة بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر،.وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين. ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين، أنه حث على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك[فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر اللّه به من النصر لهذا العدد القليل].
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 321 : 27 : 18 - سفين عن ليث عن عطآء في قول الله {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} قال، كان لا ينبغي لواحد أن يفر من عشرة - فخفف الله عنهم. [الآية 65]. 322 : 28 : 19 - سفين عن جريج عن عطآء مثله.
همام الصنعاني
تفسير : 1027- عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهِد في قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ}: [الآية: 65]، قال: كان فرضَ عليهم إذا لقي عشرون مائتين ألاَّ يفِرُّوا، فإنَّهم إنْ لَمْ يفروا غَلَبُوا، ثم خفف عنهم فقال: {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ}: [الآية: 66]، شفيقول: لا ينْبغي أن يَفرَّ أَلْفٌ من أَلْفَيْن فإنهم إن صبروا لهم غلبوهم. 1028- حدثنا بعد الرزاق، عن الثوري، عن جُويْبر، عن الضحاك في قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ}: [الآية: 65]، قال: هَذَا واجب عليهم أن لا يفرّ واحدٌ منهم من عشرة. 1029- عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن عطاء مثل ذلك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):