Verse. 1226 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اَلْـــٰٔـنَ خَفَّفَ اللہُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ اَنَّ فِيْكُمْ ضَعْفًا۝۰ۭ فَاِنْ يَّكُنْ مِّنْكُمْ مِّائَۃٌ صَابِرَۃٌ يَّغْلِبُوْا مِائَتَيْنِ۝۰ۚ وَاِنْ يَّكُنْ مِّنْكُمْ اَلْفٌ يَّغْلِبُوْۗا اَلْفَيْنِ بِـاِذْنِ اؘ۝۰ۭ وَ اللہُ مَعَ الصّٰبِرِيْنَ۝۶۶
Alana khaffafa Allahu AAankum waAAalima anna feekum daAAfan fain yakun minkum miatun sabiratun yaghliboo miatayni wain yakun minkum alfun yaghliboo alfayni biithni Allahi waAllahu maAAa alssabireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضُعفا» بضم الضاد وفتحها عن قتال عشرة أمثالكم «فإن يكن» بالياء والتاء «منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين» منهم «وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله» بإرادته وهو خبر بمعنى الأمر أي لتقاتلوا مثليكم وتثبتوا لهم «والله مع الصابرين» بعونه.

66

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث العشرة إلى وجه المائة، بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر إلى قوم فلقيهم أبو جهل في ثلثمائة راكب وأرادوا قتالهم، فمنعهم حمزة وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان الهذلي وكان في جماعة، فابتدر عبد الله وقال: يا رسول الله صفه لي، فقال: «حديث : إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة وقد بلغني أنه جمع لي فاخرج إليه واقتله» تفسير : قال: فخرجت نحوه فلما دنوت منه وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟ قلت له من العرب سمعت بك وبجمعك؟ ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرت أني قتلته. فأعطاني عصا وقال: «حديث : أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة»تفسير : ثم إن هذا التكليف شق على المسلمين فأزاله الله عنهم بهذه الآية قال عطاء عن ابن عباس: لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون، وقالوا: يا رب نحن جياع وعدونا شباع، ونحن في غربة وعدونا في أهليهم، ونحن قد أخرجنا من ديارنا وأموالنا وأولادنا وعدونا ليس كذلك، وقال الأنصار: شغلنا بعدونا وواسينا إخواننا، فنزل التخفيف، وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة، والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين، فلما كثروا خفف الله تعالى عنهم، ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر، والحاصل أن الجمهور ادعوا أن قوله: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } ناسخ للآية المتقدمة وأنكر أبو مسلم الأصفهاني هذا النسخ، وتقرير قوله أن يقال: إنه تعالى قال في الآية الأولى: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } فهب أنا نحمل هذا الخبر على الأمر إلا أن هذا الأمر كان مشروطاً بكون العشرين قادرين على الصبر في مقابلة المائتين، وقوله: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } يدل على أن ذلك الشرط غير حاصل في حق هؤلاء، فصار حاصل الكلام أن الآية الأولى دلت على ثبوت حكم عند شرط مخصوص، وهذه الآية دلت على أن ذلك الشرط مفقود في حق هذه الجماعة، فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم، وعلى هذا التقدير لم يحصل النسخ البتة. فإن قالوا: قوله: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } معناه: ليكن العشرون الصابرون في مقابلة المائتين، وعلى هذا التقدير فالنسخ لازم. قلنا: لم لا يجوز أن يقال إن المراد من الآية إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين، فليشتغلوا بجهادهم؟ والحاصل أن لفظ الآية ورد على صورة الخبر خالفنا هذا الظاهر وحملناه على الأمر، أما في رعاية الشرط فقد تركناه على ظاهره، وتقديره إن حصل منكم عشرون موصوفون بالصبر على مقاومة المائتين فليشتغلوا بمقاومتهم، وعلى هذا التقدير فلا نسخ. فإن قالوا: قوله: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } مشعر بأن هذاالتكليف كان متوجهاً عليهم قبل هذا التكليف. قلنا: لا نسلم أن لفظ التخفيف يدل على حصول التثقيل قبله، لأن عادة العرب الرخصة بمثل هذا الكلام، كقوله تعالى عند الرخصة للحر في نكاح الأمة {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ }تفسير : [النساء: 28] وليس هناك نسخ وإنما هو إطلاق نكاح الأمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر، فكذا ههنا. وتحقيق القول أن هؤلاء العشرين كانوا في محل أن يقال إن ذلك الشرط حاصل فيهم، فكان ذلك التكليف لازماً عليهم، فلما بين الله أن ذلك الشرط غير حاصل وأنه تعالى علم أن فيهم ضعفاء لا يقدرون على ذلك فقد تخلصوا عن ذلك الخوف، فصح أن يقال خفف الله عنكم، ومما يدل على عدم النسخ أنه تعالى ذكر هذه الآية مقارنة للآية الأولى، وجعل الناسخ مقارناً للمنسوخ لا يجوز. فإن قالوا: العبرة في الناسخ والمنسوخ بالنزول دون التلاوة فإنها قد تتقدم وقد تتأخر، ألا ترى أن في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ. قلنا: لما كان كون الناسخ مقارناً للمنسوخ غير جائز في الوجود، وجب أن لا يكون جائزاً في الذكر، اللهم إلا لدليل قاهر وأنتم ما ذكرتم ذلك، وأما قوله في عدة الوفاة الناسخ مقدم على المنسوخ فنقول: إن أبا مسلم ينكر كل أنواع النسخ في القرآن فكيف يمكن إلزام هذا الكلام عليه؟ فهذا تقرير قول أبي مسلم. وأقول: إن ثبت إجماع الأمة على الإطلاق قبل أبي مسلم على حصول هذا النسخ فلا كلام عليه، فإن لم يحصل هذا الإجماع القاطع فنقول: قول أبي مسلم صحيح حسن. المسألة الثانية: احتج هشام على قوله إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلا عند وقوعها بقوله: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } قال: فإن معنى الآية: الآن علم الله أن فيكم ضعفاً وهذا يقتضي أن علمه بضعفهم ما حصل إلا في هذا الوقت. والمتكلمون أجابوا بأن معنى الآية: أنه تعالى قبل حدوث الشيء لا يعلمه حاصلاً واقعاً، بل يعلم منه أنه سيحدث، أما عند حدوثه ووقوعه فإن يعلمه حادثاً واقعاً، فقوله: {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } معنا: أن الآن حصل العلم بوقوعه وحصوله، وقبل ذلك فقد كان الحاصل هو العلم بأنه سيقع أو سيحدث. المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة {عِلْمٌ إِنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } بفتح الضاد وفي الروم مثله، والباقون فيهما بالضم، وهما لغتان صحيحتان، الضعف والضعف كالمكث والمكث. وخالف حفص عاصماً في هذا الحرف وقرأهما بالضم وقال: ما خالفت عاصماً في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف. المسألة الرابعة: الذي استقر حكم التكليف عليه بمقتضى هذه الآية أن كل مسلم بالغ مكلف وقف بإزاء مشركين، عبداً كان أو حراً فالهزيمة عليه محرمة ما دام معه سلاح يقاتل به، فإن لم يبق معه سلاح فله أن ينهزم، وإن قاتله ثلاثة حلت له الهزيمة والصبر أحسن. روى الواحدي في «البسيط» أنه وقف جيش موتة وهم ثلاثة آلاف وأمراؤهم على التعاقب زيد بن حارثة ثم جعفر بن أبي طالب ثم عبد الله بن رواحة في مقابلة مائتي ألف من المشركين، مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة وهم لخم وجذام. المسألة الخامسة: قوله: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } فيه بيان أنه لا تقع الغلبة إلا بإذن الله. والإذن ههنا هو الإرادة. وذلك يدل على قولنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات. واعلم أنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } والمراد ما ذكره في الآية الأولى من قوله: {أية : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 65] فبين في آخر هذه الآية أن الله مع الصابرين والمقصود أن العشرين لو صبروا ووقفوا فإن نصرتي معهم وتوفيقي مقارن لهم، وذلك يدل على صحة مذهب أبي مسلم وهو أن ذلك الحكم ما صار منسوخاً بل هو ثابت كما كان، فإن العشرين إن قدروا على مصابرة المائتين بقي ذلك الحكم، وإن لم يقدروا على مصابرتهم فالحكم المذكور ههنا زائل.

البيضاوي

تفسير : {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم وثقل ذلك عليهم خفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين، وقيل كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد والضعف ضعف البدن. وقيل ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين فيها، وفيه لغتان الفتح وهو قراءة عاصم وحمزة والضم وهو قراءة الباقين. {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون. {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ} وقرىء «للنبي» على العهد. {أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} وقرأ البصريان بالتاء. {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإِسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض إذا أثقله وأصله الثخانة، وقرىء {يُثْخِنَ} بالتشديد للمبالغة. {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} حطامها بأخذكم الفداء. {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ} يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل ثواب الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه. وقرىء بجر "الآخِرَةِ" على إضمار المضاف كقوله:شعر : أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَأ وَنَارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نَاراً تفسير : {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يغلب أولياءه على أعدائه. {حَكِيمٌ} يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها، كما أمر بالإِثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين. روي أنـه عليه الصلاة والسلام أتى يوم بدر بسبعين أسيراً فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكني من فلان ـ لنسيب له ـ ومكن علياً وحمزة من أخويهما فنضرب أعناقهم، فلم يهو ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: {أية : فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح قال:{أية : رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً }تفسير : [نوح: 26] فخير أصحابه فأخذوا الفداء، فنزلت فدخل عمر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: «يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال: حديث : ابك على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة»تفسير : والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه. {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قوماً بما لم يصرح لهم بالنهي عنه، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم. {لَمَسَّكُمْ} لنالكم. {فِيمَا أَخَذْتُمْ} من الفداء. {عَذَابٌ عظِيمٌ} روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ»تفسير : وذلك لأنه أيضاً أشار بالإثخان. {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ} من الفدية فإنها من جملة الغنائم. وقيل أمسكوا عن الغنائم فنزلت. والفاء للتسبب والسبب محذوف تقديره: أبحت لكم الغنائم فكلوا، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة. {حَلَـٰلاً} حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على الأولين ولذلك وصفه بقوله: {طَيّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في مخالفته. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} غفر لكم ذنبكم {رَّحِيمٌ} أباح لكم ما أخذتم. {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ٱلأَسْرَىٰ} وقرأ أبو عمرو «من الأسارى». {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} إيماناً وإخلاصاً. {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء. روي (حديث : أنها نزلت في العباس رضي الله عنه كلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفدي نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فقال: يا محمد تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت فقال: أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم، فقال العباس: وما يدريك، قال: أخبرني به ربي تعالى، قال: فأشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك رسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، قال العباس فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم) تفسير : يعني الموعود بقوله: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلئَٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً } بضم الضاد وفتحها عن قتال عشرة أمثالكم {فَإِن يَكُن } بالياء والتاء {مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } منهم {وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بإرادته، وهو خبر بمعنى الأمر: أي لتقاتلوا مثليكم وتثبتوا لهم {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ } بعونه.

الخازن

تفسير : {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}(خ). عن ابن عباس: قال لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين كتب عليهم أن لا يفر واحد من عشرة ولا عشرون من مائتين ثم نزلت الآن خفف الله عنكم الآية فكتب أن لا يفر مائة من مائتين.وفي رواية أخرى عنه قال: لما نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين شق ذلك على المسلمين فنزلت الآن خفف الله عنكم الآية فلما خفف الله عنهم من العدة نقص عنهم عن الصبر بقدر ما خفف عنهم فظاهر هذا أن قوله سبحانه وتعالى الآن خفف الله عنكم ناسخ لما تقدم من الآية الأولى وكان هذا الأمر يوم بدر فرض الله سبحانه وتعالى على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين فثقل ذلك على المؤمنين فنزلت الآن خفف الله عنكم أيها المؤمنون وعلم أن فيكم ضعفاً يعني في قتال الواحد للعشرة فإن تكن منكم مائة صابرة محتسبة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله فرد من العشرة إلى الأثنين فإذا كان المسلمون على قدر النصف من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا فأيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فرّ {والله مع الصابرين} يعني بالنصر والمعونة. قال سفيان: قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل ذلك. قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} روي عن عبد الله ابن مسعود قال: حديث : لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولن في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فدعهم نضرب أعناقهم مكن علياً من عقيل فيضرب عنقه ومكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، ومكني من فلان نسيب لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم ناراً فقال له العباس: قطعت رحمك فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ومثلك يا عبد الله بن رواحة كمثل موسى قال: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اليوم أنتم عالة فلن يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق" قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاءتفسير : . قال ابن عباس قال عمر بن الخطاب: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة"، لشجرةٍ قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلمتفسير : فأنزل الله عز وجل عليه: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} الآية خرج هذا الحديث الترمذي مختصراً وقال: في الحديث قصة وهي هذه القصة التي ذكرها البغوي. وأخرج مسلم في إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يبكيان فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "أبكي على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة"، لشجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلمتفسير : فأنزل الله عز وجل: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} إلى قوله {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً} فأحل الله الغنيمة لهم ذكره الحميدي في مسنده عن عمر بن الخطاب من إفراد مسلم بزيادة فيه. أما تفسير الآية، فقوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى يعني ما كان ينبغي ولا يجب لنبي. وقال أبو عبيدة: معناه لم يكن لنبي ذلك فلا يكون لك يا محمد والمعنى ما كان لنبي أن يحبس كافراً قدر عليه وصار في يده أسيراً للفداء والمن، والأسرى جمع أسير وأسارى جمع الجمع {حتى يثخن في الأرض} الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته. يقال: أثخنه المرض إذ اشتدت قوته عليه والمعنى حتى يبالغ في قتال المشركين ويغلبهم ويقهرهم فإذا حصل ذلك فله أن يقدم على الأسر فيأسر الأسارى {تريدون عرض الدنيا} الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعني تريدون أيها المؤمنون عرض الدنيا بأخذكم الفداء من المشركين وإنما سمى منافع الدنيا عرضا لأنه لا ثبات لها ولا دوام فكأنها تعرض ثم تزول بخلاف منافع الآخرة فإنها دائمة الانقطاع لها، وقوله سبحانه وتعالى: {والله يريد الآخرة} يعني أنه سبحانه وتعالى يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصركم الدين لأنها دائمة بلا زوال ولا انقطاع {والله عزيز} لا يقهر ولا يغلب {حكيم} يعني في تدبير مصالح عباده. قال ابن عباس: كان ذلك يوم بدر والمؤمنون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى في الأسارى فأما مناً بعد وإما فداء فجعل الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وإن شاؤوا فادوهم وإن شاؤوا أعتقوهم. قال الإمام فخر الدين: إن هذا الكلام يوهم أن قوله فأما مناً بعد وإما فداء يزيل حكم الآية التي نحن في تفسيرها وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء. قال العلماء: كان الفداء لكل أسير أربعين أوقية والأوقية أربعون درهماً فيكون مجموع ذلك ألفاً وستمائة درهم. وقال قتادة: كان الفداء يومئذ لكل أسير أربعة ألاف درهم. فصل قد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء. وبيانه من وجوه: الأول: أن قوله ما كان لنبي أن يكون له أسرى صريح في النهي عن أخذ الأسارى وقد وجد ذلك يوم بدر. الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقومه بقتل المشركين يوم بدر فلما لم يقتلوهم بل أسروهم دل ذلك على صدور الذنب منهم. الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء وهو محرم وذلك ذنب. الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قعدا يبكيان لأجل أخذ الفداء وخوف العذاب وقرب نزوله. والجواب عن الوجه الأول: أن قوله سبحانه وتعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض يدل على أنه كان الأسر مشروعاً ولكن بشرط الإثخان في الأرض وقد حصل لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قتلوا يوم بدر سبعين رجلاً من عظماء المشركين وصناديدهم وأسروا سبعين وليس من شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس فدلت الآية على جواز الأسر بعد الإثخان وقد حصل. والجوابذ عن الوجه الثاني: أن الأمر بالقتل إنما كان مختصاً بالصحابة لإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بمباشرة قتال الكفار بنفسه وإذا ثبت أن الأمر بالقتل كان مختصاً بالصحابة كان الذنب صادراً منهم لا من النبي صلى الله عليه وسلم. والجواب عن الوجه الثالث: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء وهو محرم فنقول لا نسلم أن أخذ الفداء كان محرماً وأما قوله سبحانه وتعالى تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ففيه عتاب لطيف على أخذ الفداء من الأسارى والمبادرة إليه ولا يدل على تحريم الفداء إذ لو كان حراماً في علم الله لمنعهم من أخذه مطلقاً. والجواب عن الوجه الرابع: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قعدا يبكيان يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف الأمر بالقتل واشتغل بالأسر استوجب بذلك الفعل العذاب فبكى النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً وإشفاقاً من نزول العذاب عليهم بسبب ذلك الفعل وهو الأسر وأخذ الفداء والله أعلم.

ابو السعود

تفسير : . {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} لمّا كان الوعدُ السابقُ متضمناً ألا يجابَ مقاومةُ الواحد للعشرة وثباتُه لهم كما نقل عن ابن جريج أنه كان عليهم أن لا يفِرّوا ويثبُتَ الواحدُ للعشرة وقد بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حمزةَ في ثلاثين راكباً فلقي أبو جهل في ثلمثمائة راكبٍ فهزمهم ثقُل عليهم ذلك وضجّوا منه بعد مدة فنُسخ وخُفف عنهم بمقاومة الواحدِ للاثنين وقيل: قلةٌ في الابتداء ثم لما كثُروا نزل التخفيفُ والمرادُ بالضعف ضعفُ البدنِ وقيل: ضعفُ البصيرةِ وكانوا متفاوتين في الاهتداء إلى القتال لا الضعفِ في الدين كما قيل، وقرىء ضُعفاً بضم الضاد وهي لغةٌ فيه كالفَقر والفُقر والمَكْث والمُكث وقيل: الضعفُ بالفتح ما في الرأي والعقل، وبالضم ما في البدن وقرىء ضُعفاءَ جمعُ ضعيف والمرادُ بعلمه تعالى بضعفهم علمه تعالى به من حيث هو متحققٌ بالفعل لا علمُه تعالى به مطلقاً كيف لا وهو ثابتٌ في الأزل، وقوله تعالى: {فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} تفسيرٌ للتخفيف وبـيانٌ لكيفيته وقرىء (تكن) هٰهنا وفيما سبق بالتاء الفوقانية {وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بتيسيره وتسهيلِه وهذا القيدُ معتبرٌ فيما سبق من غلبة المائةِ المائتين والألفِ وغلبة العشرين المائتين كما أن قيد الصبرِ معتبرٌ هٰهنا وإنما تُرك ذكرُه ثقةً بما مر وبقوله تعالى {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} فإنه اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبله والمرادُ بالمعية معيَّةُ نصرِه وتأيـيدِه، ولم يُتعرَّض هٰهنا لحال الكفرةِ من الخذلان كما لم يتعرض هناك لحال المؤمنين مع أن مدارَ الغلبة في الصورتين مجموعُ الأمرين أعني نصرَ المؤمنين وخذلانَ الكفرةِ اكتفاءً بما ذُكر في كل مقامٍ عما ترك في المقام الآخر وما تشعرُ به كلمةُ مع من متبوعية مدخولِها لأصالتهم من حيث إنهم المباشرون للصبر كما مر مراراً. {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ} وقرىء للنبـي على العهد والأولُ أبلغُ لما فيه من بـيان أن ما يذكر سنةٌ مطردة فيما بـين الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام أي ما صح وما استقام لنبـيَ من الأنبـياء عليهم السلام {أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} وقرىء بتأنيث الفعلِ وأُسارى أيضاً {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أي يُكثر القتلَ ويبالغَ فيه حتى يذِل الكفرُ ويقِلُ حزبُه ويعِزّ الإسلامُ ويستوليَ أهلُه، من أثخنه المرَضُ والجُرحُ إذا أثقله وجعله بحيث لا حَراك به ولا براحَ، وأصلُه الثخانةُ التي هي الغِلَظ والكثافة وقرىء بالتشديد للمبالغة {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} استئنافٌ مَسوقٌ للعتاب أي تريدون حُطامَها يأخذكم الفداءَ وقرىء يريدون بالياء {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} أي يريد لكم ثوابَ الآخرة الذي لا مقدار عنده للدنيا وما فيها أو يريد سببَ نيلِ الآخرة من إعزاز دينِه وقمعِ أعدائِه وقرىء بجر الآخرةِ على إضمار المضاف كما في قوله: شعر : أكلَّ امرىء تحسبـين أمراً ونارٍ تَوقَّدُ بالليل ناراً تفسير : {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يغلّب أولياءَه على أعدائه {حَكِيمٌ} يعلم ما يليق بكل حال ويخصصه بها كما أمر بالإثخان ونهىٰ عن أخذ الفداء حين كانت الشوْكةُ للمشركين وخيّر بـينه وبـين المنِّ بقوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} لما تحولت الحال وصارت الغلبةُ للمؤمنين. رويحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتيَ بسبعين أسيراً فيهم العباسُ وعقيل بنُ أبـي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر: قومُك وأهلك استَبْقِهم لعل الله يتوب عليهم وخُذ منهم فديةً تقوِّي أصحابَك، وقال عمر: اضرِبْ فلنضرِبْ أعناقَهم فإنهم أئمةُ الكفر والله أغناك من الفداء، مكّنْ علياً من عقيلٍ وحمزةَ من العباس، ومكني من فلان ـ نسيبٍ له ـ فلنضرِب أعناقَهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليُلين قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوبَ رجالٍ حتى تكون أشدَّ من الحجارة وإن مثلَك يا أبا بكر مثلُ إبراهيم قال: فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلُك يا عمرُ مثل نوحٍ قال: ربِّ لا تذر على الأرض من الكافرين دياراًَ" فخيّر أصحابَه فأخذوا الفداء فنزلت فدخل عمرُ رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسولَ الله أخبرني فإني إن وجدت بكاءً بكَيْتُ وإلا تباكيتُ فقال: "أبكي على أصحابك في أخذهم الفداءَ ولقد عُرِضَ علي عذابُهم أدنى هذه الشجرةِ"» تفسير : ـ لشجرة قريبةِ منه ـ وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لو نزل عذابٌ من السماء لما نجا غيرُ عمرَ وسعدُ بنُ معاذ» تفسير : وكان هو أيضاً ممن أشار بالإثخان.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} [الآية: 66]. قال ابن عطاء: ما فى السماء لا يوجد إلا بالافتقار، وما فى الأرض لا يوجد إلا بالاضطرار. قال النصرآباذى: هذا التخفف كان للأمة دون الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن لا يثقله حمل أمانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد، وكيف يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذى يقول: " حديث : بك أصول وبك أجول "تفسير : ، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يثقل عليه بعمل النبوة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} كل مسامحة من الله فى المجاهدة يكون من كشف المشاهدة فالمستانس بالله يكون خفيف القلب خفيف البدن خفيف الحال شريف الهمة لا يحتمد مع انوار مشاهدته كثرة اثقال العبودية فيخفف الله اوليائه رحمة عليهم وتلطفا منه عليهم ليزيد روح قلوبهم من المراقبة ولاستيناس من المخاصرة ولذلك اكرم نبيه عليه السّلام بان رفع مشقة كثرة العبودية عنه حين تورمت قدماه فى كثرة العبادة بقوله طه ما انزلنا عليك القران لتشقى بعد ان كان فى البداية قد اقامه فى اجواف الليالى لخدمته بقوله يا ايها لامرء قم الليل ثم منّ على اصحابه حين بلغوا هذه الرتبة بقوله {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} اى ما تفعلون بقوتكم فى المجاهدات والجهاد فانصركم بقوتى واريحكم بكشف مشاهدتى عن مشقة المجاهدة وما افعل لكم خير ممّا تفعلون لانفسكم قال ابن عطا ما فى السّماء لا يوجد الا بالافتقار وما فى الارض لا يوجد الا بالاضطرار وقال النصرابادى هذا التخفيف كان للامة دون الرسول عليه السّلام ومن لا تقبّله حمل امانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف القلم للاضداد وكيف يخاطب به الرّسول صلى الله عليه وسلم وهو الذى يقول بك اصول وبك احول ومن كان به كيف يخفف عنه او يثقل عليه.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة "إن يكن... مئة. وإن يكن... ألف" بالياء فيهما وافقهم اهل البصرة في الاولى. وقرأ اهل الكوفة الا الكسائي {ضعفاً} بفتح الضاد الباقون بضمها، ولكنهم سكنوا العين الا ابا جعفر، فانه فتحها ومد وهمز على وزن "فعلاء" على الجمع. ومن قرأ {إن يكن} بالياء فلان المراد به المذكر بدلالة قوله {يغلبوا} وكذلك ما وصف به المئة بقوله {صابرة} لأنهم رجال: حملا على المعنى كما حمل على المعنى في قوله {أية : فله عشر أمثالها } تفسير : فأنث لما كانت في المعنى حسنات. ومن قرأ بالتاء فلان اللفظ لفظ التأنيث. ومن قرأ الاول بالتاء والثاني بالياء فلان القراءة بالتاء في الاولى أشد مشاكلة لقوله {مئة صابرة} وليس كذلك في الاخرى، لانه اخبر عنهم بقوله {يغلبوا}. وقال سيبويه يقال: ضعف ضعفاً فهو ضعيف. قال وقالوا الفقر كما قالوا الضعف، فعل ذلك انهما لغتان. هذه الاية نسخت حكم ما تقدمها، لأن في الاولى كان وجوب ثبات الواحد للعشرة والعشرة للمئة، فلما علم الله تعالى ان ذلك يشق عليهم وتغيرت المصلحة في ذلك نقلهم إلى ثبات الواحد للاثنين والمئة للمئتين، فخفف ذلك عنهم، وهو قول ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد والسدي وعطا والبلخي والجبائي والرماني، وجميع المفسرين. والتخفيف رفع المشقة بالخفة. والخفة نقيض الثقل والخفة والسهولة بمعنى واحد. والضعف نقصان القوة، وهو من الضعف لانه ذهاب بعض القوة وقوله {بإذن الله} فالاذن الاطلاق في الفعل، لأنه يسمع بالاذن، ومنه الأذان والايذان والاستئذان، وقوله {الآن} مبني مع الالف واللام لأنه خرج عن التمكن بشبه الحرف، لأنه ينكر تارة ويعرف أخرى، فاستبهم استبهام الحروف بأنه للفصل بين الزمانين على انتقال معناه إلى الذي يليه من الوقت كما ينتقل امس، فالامس والغد والان نظائر واحكامها مختلفة لعلل لزمتها. وقوله تعالى {والله مع الصابرين} معناه انه معهم بالمعونة لهم. والمعنى ان معونة الله مع الصابرين وحقيقة "مع" ان تكون للمصاحبة للجهة بالمعونة وذلك لا يجوز عليه تعالى. وقيل هذه الآية نزلت بعد الاولى بمدة.

الجنابذي

تفسير : {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً} هذه الآية نزلت بعد ما كثر المؤمنون ولذا ورد انّها ناسخة لما قبلها {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِين} والمراد بالضّعف الضّعف فى القلوب لافى الابدانّ حتّى ينافى كثرتهم.

فرات الكوفي

تفسير : {الآن خفف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً66} فرات قال: حدثنا الحسن بن العباس معنعناً: عن الأصبغ بن نباتة قال: قال [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام: لا يكون الناس في حال شدة إلا كان شيعتي أحسن الناس حالاً، أما سمعتم الله يقول [الله!. ر] في كتابه [المبين. ر] {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً} فخفف عنهم ما لا يخفف عن غيرهم.

اطفيش

تفسير : {الآنَ خَفَّفَ اللهُ عنْكُم} بإزالة تلك المشقة التى هى ثبات الواحد للعشرة {وعَلم أنَّ فيكُم ضَعفاً} أى ظهر فى الخارج أن فيكم ضعفا، فعبر عن الظهور فى الخارج بالعلم، لأنه لازم للظهور ومعيب له فى الجملة، وإلا فالله عالم بالأشياء فى الأزل، قبل أن تكون، أو الواو للحال، أى وقد علم أن فيكم ضعفا، فالعلم على بابه، والضعف ضعف البدن، وقيل: ضعف البصيرة لا ضعف قلة، لأنه إنما خفف عنهم حين شق عليهم مقاومة الواحد العشرة وهم كثير حين التخفيف لا قليل، وكان بعضهم أضعف من بعض فى البدن، وبعض أضعف من بعض فى البصيرة، وبعض أضعف فيهما. ولو قيل: المراد بالضعف ضعف البدن والبصيرة لجاز، وقرأ عاصم، وحمزة، وشيبة، وطلحة بفتح الضاد، وهما لغتان، والضم لغة الحجاز، والفتح لغة تميم، وكذلك اختلاف القراء فى الروم، وقرأ عيسى بن عمرو ضعفا بضم الضاد والعين، والمعنى واحدا وثلاثة مصادر، وقيل: الضم فى الجسم، والفتح فى الرأى والعقل، وعليه فيختلف معنى القراءات، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: ضعفاء بضم الضاد وبفتح العين و الفاء مع المد جمع ضعيف، وحكاها النقاش عن ابن عباس وبين التخفيف بقوله: {وإنْ يَكُنْ مِنْكُم مائةٌ صابرةٌ} بالفوقية عند نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وإنما قرأ أبو عمرو، وعاصم هنا تكن بفقية، ويكن هناك بالتحتية نظرا إلى التأنيث فى صابرة، والتذكير فى يغلبوا، ولم يعتبر يغلبوا هنا لتأخره عن صابرة، وقرأ الباقون بالتحتية، وقرأ الأعرج بالفوقية فى المواضع الثلاثة، ولم يقرأ بها أحد فى {وإن يكن منكم ألف} {يغلبوا مائتَيْن} منهم وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين منهم {بإذْنِ اللهِ واللهُ معَ الصَّابرينَ} بالنصر و العون، والإشارة بذلك إلى أن الواحد يثبت للاثنين، ولا يحب عليه أن يثبت لثلاثة، وإنما مثل هنالك بمثالين، وهنا بمثالين، مع أنه يكفى المثال الواحد هنالك، والواحد هنا، للدلالة على أن القليل والكثير واحد. قال ابن جريج: كان عليهم أن يثبت الواحد للعشرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حمزة فى ثلاثين راكبا، فلقوا أبا جهل فى ثلاثمائة راكب، فثقل ذلك عليهم وضجوا منه، ثم نسخ بمقاومة الاثنين بالواحد فقوله: {إن يكن منكم عشرون} إلى آخر منسوخ لقوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} الخ، ولا يشكل عليه أن الإخبار لا ينسخ لما مر أن قوله: {إن يكن منكم عشرون} الخ فى معنى الأمر، وكذا {فإن يكن منكم مائة صابرة} الخ وكذا قال الحسن بالنسخ، وذكر أنه ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر الإسلام وصار الجهاد تطوعا. وكذا قال ابن عباس بالنسخ، قال: لما نزل {إن يكن منكم عشرون} الخ شق ذلك على المؤمنين ثم نسخ بقوله: {الآن خفف الله عنكم} الخ، ونقص عنهم من الصبر بقدر ما خفف عنهم، قال بعضهم: كان الفرار من الزحف كبيرة موبقة يوم بدر لمن فر حتى جاوز صف النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل: كان على العموم ثم نسخ بقوله: {إن يكن منكم عشرون} الخ، ثم نسخ هذا "بالآن خفف الله" الخ نزلت بعد قتال بدر بسنة فى أمر أحد، ثم حل بعد ذلك الفرار، فمن قتل مقبلا أو مدبرا فإلى الجنة وهو شهيد إن وافق السنة، والمقبل يسبق المدبر وهو ضعيف، وقال أبو الحوارى: من قتل مدبرا فليس بشهيد، وعن بعضهم: {أية : ومن يولهم يومئذ دبره} تفسير : الخ منسوخ بقوله: {أية : إذ تصعدون ولا تلوون على أحد}تفسير : الخ وهو ضعيف. وعن أبى الحسن العمانى: الفرار فى الجهاد غير الغرض ليس كبيرة، وزعم بعض أن قتال الدفع يجوز الفرار منه، وعن ابن عباس فى رواية وغيره: إن ثبات الواحد للعشرة كان على الندب والتحريض، فعملوا به، ولو كان غير لازم، ثم خفف الله عنهم ببيان الحد الواجب للاثنين، فليس ذلك بنسخ وهو ضعيف، ومذهبنا أنه كان الثبات لعشرة واجبا ثم نسخ بوجوب الثبات للاثنين وهو من نسخ الثقيل بالخفيف، قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر مثل ذلك. من قرأ {الآن خفف الله عنكم} إلى {الصابرين} عقب الصلاة فى سبعة أيام أولها العصر من يوم الجمعة إلى صلاة يوم الجمعة ليلا ونهارا، وعند الفراغ من الأشغال زال عنه ما يخشاه، وخفف عنه حمل الأثقال، وثقل الأعمال، قال الغزالى: كان الحسن البصرى يكتب رقاعا للحمَّى فتوضع على المحموم فتزول، ولما مات وجد فيها: {أية : بسم الله الرحمن الرحيم.. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} {أية : ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون} {أية : وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله}تفسير : "وإن يردك بخير فهو على كل شئ قدير".

الالوسي

تفسير : {ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت {أية : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ } تفسير : [الأنفال: 65] الخ شق ذلك على المسلمين إذ فرض عليهم أن لا يفر واحد من عشرة فجاء التخفيف، وكان ذلك كما قيل بعد مدة، وقيل: كان فيهم قلة في الابتداء ثم لما كثروا بعد نزل التخفيف وهل يعد ذلك نسخاً أم لا؟ قولان اختار مكي الثاني منهما وقال: إن الآية مخففة؛ ونظير ذلك التخفيف على المسافر بالفطر، وذهب الجمهور إلى الأول وقالوا: إن الآية ناسخة وثمرة الخلاف قيل تظهر فيما إذا قاتل واحد عشرة فقتل هل يأثم أم لا فعلى الأول لا يأثم وعلى الثاني يأثم، والضعف الطارىء بعد عدم القوة البدنية على الحرب لأنه قد صار فيهم الشيخ والعاجز ونحوهما وكانوا قبل ذلك طائفة منحصرة معلومة قوتهم وجلادتهم أو ضعف البصيرة والاستقامة وتفويض النصر إلى الله تعالى إذ حدث فيهم قوم حديثو عهد بالإسلام ليس لهم ما للمتقدمين من ذلك، وذكر بعضهم في بيان كون الكثرة سبباً للضعف أن بها يضعف الاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه سبحانه ويقوى جانب الاعتماد على الكثرة كما في حنين والأول هو الموجب للقوة كما يرشد إليه وقعة بدر، ومن هنا قال النصراباذي: إن هذا التخفيف كان للأمة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه الذي يقول بك أصول وبك أحول، وتقييد التخفيف بالآن ظاهر وأما تقييد علم الله تعالى به فباعتبار تعلقه، وقد قالوا: إن له تعلقاً بالشيء قبل الوقوع وحال الوقوع وبعده وقال الطيبـي: المعنى الآن خفف الله تعالى عنكم لما ظهر متعلق علمه أي كثرتكم التي هي موجب ضعفكم بعد ظهور قلتكم وقوتكم. وقرأ أكثر القراء {ضعفا} بضم الضاد وهي لغة فيه كالفقر والمكث. ونقل عن الخليل أن الضعف بالفتح ما في الرأي والعقل وبالضم ما في البدن. وقرأ أبو جعفر {ضعفاء} جمع ضعيف، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر يكن المسند إلى المائة في الآيتين بالتاء اعتباراً للتأنيث اللفظي، ووافقهم أبو عمرو ويعقوب في يكن في الآية الثانية لقوة التأنيث بالوصف بصابرة المؤنث وأما {أية : إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ } تفسير : [الأنفال: 65] فالجميع على التذكير فيه. نعم روي عن الأعرج أنه قرأ بالتأنيث. {وٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، وفي النظم الكريم صنعة الاحتباك قال في «البحر»: ((انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت قيداً في الجملة الأولى وهو {أية : صابرون} تفسير : [الأنفال: 65] وحذف نظيره من الثانية وأثبت قيداً في الثانية وهو {أية : مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 65] وحذفه من الأولى ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في [أولى] جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه ثم ختم الآية بقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} مبالغة في شدة المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاءً بما قبله)) انتهى. وذكر الشهاب أنه بقي عليه أنه سبحانه ذكر في التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما وأن قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتماً لأن من كان الله تعالى معه لا يغلب، وأنا أقول: لا يبعد أن يكون في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تحريض لهم على الصبر بالإشارة إلى أن أعداءهم إن صبروا كان الله تعالى معهم فأمدهم ونصرهم، وبقي في هذا الكلام الجليل لطائف غير ما ذكر فللَّه تعالى در التنزيل ما أعذب ماء فصاحته وأنضر رونق بلاغته.

ابن عاشور

تفسير : هذه الآية نزلت بعد نزول الآية التي قبلها بمدّة. قال في «الكشّاف»: «وذلك بعد مدّة طويلة». ولعلّه بعد نزول جميع سورة الأنفال، ولعلّها وضعت في هذا الموضع لأنّها نزلت مفردة غير متّصلة بآيات سورة أخرى، فجعل لها هذا الموضع لأنّه أنسب بها لتكون متّصلة بالآية التي نَسخت هي حكمَها، ولم أر من عيّن زمن نزولها. ولا شكّ أنّه كان قبل فتح مكّة فهي مستأنفة استئنافاً ابتدائياً محضاً لأنّها آية مستقلة. و{الآن} اسم ظرف للزمان الحاضر. قيل: أصله أوان بمعنى زمان، ولمّا أريد تعيينه للزمان الحاضر لازَمته لام التعريف بمعنى العهد الحضوري، فصار مع اللام كلمة واحدة ولزمهُ النصب على الظرفية. وروى الطبري عن ابن عبّاس: «كان لكلّ رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي أن يفرّ منهم، وكانوا كذلك حتّى أنزل الله {آلآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً}» الآية، فعبّأ لكلّ رجل من المسلمين رجلين من المشركين، فهذا حكم وجوب نسخ بالتخفيف الآتي، قال ابن عطية: وذهب بعض الناس إلى أنّ ثبوت الواحد للعشرة إنّما كان على جهة ندب المؤمنين إليه ثم حطَّ ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين. وروي هذا عن ابن عباس أيضاً. قلت: وكلام ابن عبّاس المروي عند ابن جرير مناف لهذا القول. والوقت المستحضر بقوله: {آلآن} هو زمن نزولها. وهو الوقت الذي علم الله عنده انتهاء الحاجة إلى ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين، بحيث صارت المصلحة في ثبات الواحد لاثنين، لا أكثر، رفقاً بالمسلمين واستبقاء لعددهم. فمعنى قوله: {آلآن خفف الله عنكم} أنّ التخفيف المناسب لِيُسْر هذا الدين روعي في هذا الوقت، ولم يراع قبله لمانع منَع من مراعاته فرُجّح إصلاح مجموعهم. وفي قوله تعالى: {آلآن خفّف الله عنكم}. وقوله: {وعلم أن فيكم ضعفا} دلالة على أنّ ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين كان وجوباً وعزيمة وليس ندباً خلافاً لما نقله ابن عَطِية عن بعض العلماء. ونسب أيضاً إلى ابن عباس كما تقدّم آنفاً، لأنّ المندوب لا يثقل على المكلّفين، ولأنّ إبطال مشروعية المندوب لا يسمّى تخفيفاً، ثم إذا أبطل الندب لزم أن يصير ثبات الواحد للعشرة مباحاً مع أنه تعريض الأنفس للتهلكة. وجملة: {وعلم أن فيكم ضعفاً} في موضع الحال، أي: خفف الله عنكم وقد علم من قبل أنّ فيكم ضعفاً، فالكلام كالاعتذار على ما في الحكم السابق من المشقّة بأنّها مشقة اقتضاها استصلاح حالهم، وجملة الحال المفتتحة بفعل مضي يغلب اقترانها بـ(قَد). وجعل المفسّرون موقع و{علم أن فيكم ضعفاً} موقع العطف فنشأ إشكال أنّه يوهم حدوث علم الله تعالى بضعفهم في ذلك الوقت، مع أنّ ضعفهم متحقّق، وتأوّلوا المعنى على أنّه طرأ عليهم ضعف، لما كثر عددهم، وعلمه الله، فخفّف عنهم، وهذا بعيد لأنّ الضعف في حالة القلّة أشدّ. ويحتمل على هذا المحمل أن يكون الضعفُ حدث فيهم من تكرّر ثبات الجمع القليل منهم للكثير من المشركين، فإنّ تكرر مزاولة العمل الشاقّ تفضي إلى الضجر. والضعفُ: عدم القدرة على الأعمال الشديدة والشاقّة، ويكون في عموم الجسد وفي بعضه وتنكيره للتنويع، وهو ضعف الرهبة من لقاء العدد الكثير في قلّة، وجعْله مدخول(في) الظرفية يومىء إلى تمكّنه في نفوسهم فلذلك أوجب التخفيف في الكليف. ويجوز في ضاد (ضعف) الضمّ والفتح، كالمُكث والمَكثِ، والفُقر والفَقر، وقد قرىء بهما؛ فقرأه الجمهور ـ بضمّ الضاد ـ وقرأه عاصم، وحمزة، وخلف ـ بفتح الضاد ـ. ووقع في كتاب «فقه اللغة» للثعالبي أنّ الفتح في وهن الرأي والعقلِ، والضم في وهن الجسم، وأحسب أنّها تفرقة طارئة عند المولّدين. وقرأ أبو جعفر {ضُعَفاء} ـ بضمّ الضاد وبمدّ في آخره ـ جمعَ ضعيف. والفاء في قوله: {فإن تكن منكم مائة صابرة} لتفريع التشريع على التخفيف. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب {تكن} بالمثناة الفوقية. وقرأه البقية ـ بالتحتية ـ للوجه المتقدّم آنفاً. وعبّر عن وجوب ثبات العدد من المسلمين لمثليْه من المشركين بلفظي عددين معيّنين ومِثْليْهما: ليجيء الناسخ على وفق المنسوخ، فقوبل ثبَات العشرين للمائتين بنسخه إلى ثَبات مائة واحدة للمائتين فأُبقِيَ مقدار عدد المشركين كما كان عليه في الآية المنسوخة، إيماء إلى أنّ موجب التخفيف كثرة المسلمين، لا قلّة المشركين، وقوبل ثبات عدد مائة من المسلمين لألف من المشركين بثبات ألف من المسلمين لألفين من المشركين إيماء إلى أنّ المسلمين الذين كان جيشهم لا يتجاوز مرتبة المئات صار جيشهم يعدّ بالآلاف. وأعيد وصف مائة المسلمين بـ{صابرة} لأنّ المقام يقتضي التنويه بالاتّصاف بالثبات. ولم توصف مائة الكفّار بالكفر وبأنّهم قوم لا يفقهون: لأنّه قد عُلم، ولا مقتضي لإعادته. و{إذنُ اللَّه} أمره فيجوز أن يكون المراد أمرَه التكليفي، باعتبار ما تضمّنه الخبر من الأمر، كما تقدّم، ويجوز أن يراد أمره التكويني باعتبار صورة الخبر والوعد. والمجرور في مَوقع الحال من ضمير {يغلبوا} الواقع في هذه الآية. وإذن الله حاصل في كلتا الحالتين المنسوخة والناسخة. وإنّما صرّح به هنا، دون ما سبق، لأنّ غلبَ الواحد للعشرة أظهر في الخرق للعادة، فيعلم بدْءاً أنّه بإذن الله، وأمّا غلبَ الواحد الاثنين فقد يحسب ناشئاً عن قوة أجساد المسلمين، فنبّه على أنّه بإذن الله: ليعلم أنّه مطّرد في سائِر الأحوال، ولذلك ذيّل بقوله: {والله مع الصابرين}

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآنَ} {ٱلصَّابِرِينَ} (66) وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يُخَفِّفُ اللهُ تَعَالَى عَنِ المُؤْمِنينَ، وَيَجْعَلُ المُسْلِمَ الوَاحِدَ فِي مُقَابَلَةِ اثْنَيْنِ مِنَ الكُفَّارِ (بَيْنَمَا كَانَ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ الوَاحِدُ بِعَشَرَةٍ)، فَإِذَا كَانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ نِصْفَ عَدَدِ عَدُوِّهِمْ، لَمْ يَسُغْ لَهُم التَّرَدُّدُ فِي لِقَاءِ العَدُوِّ، وَإِذَا كَانُوا دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِم القِتَالُ، وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا، فَالعَشَرَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصَّابِرِينَ يَغْلِبُونَ العِشْرِينَ بِإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ يُؤَيِّدُ الصَّابِرِينَ وَيَنْصُرُهُمْ، فَالنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَلَيْسَ بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي هذا الحكم تخفيف عن الحكم السابق، الذي جاء فيه أن عشرين صابرين يغلبوا مائتين، ونعلم أن هناك شروطا للقتال، أولها أن يكون المقاتل قوي البدن وقوي الإيمان وعلى دراية بحيل الحرب وفنونه بحيث يستطيع أن يناور ويغير مكانه في المعركة ويخدع عدوه؛ لأن نتيجة المعركة لا تحسمها معركة واحدة، بل لا بد من كرّ وفرّ وإقبال وإدبار وخداع للقتال ومناورات مثلما فعل خالد بن الوليد في كثير من المعارك. إذن فلكي تضمن أن عشرين صابرين يغلبون مائتين لا بد أن يتحقق في هؤلاء جميعاً قوة وصبر وجلد، ولكن قد لا تكون قوة البدن متوافرة والجلد ضعيفاً. وقد تأتي للإنسان فترات ضعف، وتأتيه أيضاً فترات قوة. ومن رحمته سبحانه وتعالى بالمؤمنين أنه خفف عنهم؛ لأنه يعلم أن هناك فترات ضعف تصيب الإنسان؛ لذلك جعل النسبة واحداً إلى اثنين. وقال سبحانه وتعالى: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66]. وهل معنى ذلك أن الآية الأولى قد نسخت؟ نقول: لا، ولكن الآية الثانية أعطت حالات الأغيار والضعف البشري وحسب لها حساباً. ولذلك نجد الحكم الأول قائما وهو الحد الأعلى، كما أن الحكم الثاني - أيضاً - قائم وهو الحد الأدنى، فإذا لقي مؤمن ثلاثة كفار وفر منهم لا يعدُّ فارّاً يوم الزحف، ولا يؤاخذه الله على ذلك. لكن إن واجهه اثنان فانسحب وتركهما يعتبر فارّاً؛ لأن الحد الأدنى هو واحد لاثنين. وتكون هذه أقل نسبة موجودة. والنسب تتفاوت بين واحد إلى اثنين حتى واحد إلى عشرة، حسب قوة الصبر وقوة الجسم وعدم التحيز إلى فئة. وبطبيعة الحال نعلم أن القوي قد يصير ضعيفاً. وكذلك فإن بعضاً من النفوس قد تضيق بالصبر، وأيضاً حين زاد عدد المؤمنين، فمن المحتمل أن يتكل بعضهم على بعض. ولكنهم عندما كانوا قلة، كان كل واحد منهم يبذل أقصى قوته في القتال للدفاع عن عقيدته. والمشرع لا يشرع للمؤمنين بما يحملهم ما لا يطيقون، ولكنه يشرع لهم ليخفف عنهم، والمثال على ذلك نجد أن الله قد أباح الإفطار في رمضان إذا كان الإنسان مريضاً أو على سفر، وكذلك شرع الحق تبارك وتعالى قصر الصلاة أثناء السفر، إذن فالمشرع قد عرف مواطن الضعف في النفس البشرية التي تجعلها لا تقوى على التكليف. وفي هذه الحالة يقوم المشرع ذاته بالتخفيف، ولا يتركنا نحن لنخفف كما نشاء. وبعض الناس يقول: إن الحياة العصرية لم تعد تتحمل تنفيذ هذه التشريعات، وأنه ليس في وسعنا في هذا العصر أن نلتزم، وأن ربنا سبحانه وتعالى يقول: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا..}تفسير : [البقرة: 286]. ونقول لكل من يقول ذلك: لقد فهمت وسع النفس خطأ، وكان عليك أن تقيس وسعك بالتكليف، ولا تقيس التكلف بوسعك. والسؤال: هل كلَّف الله سبحانه وتعالى أو لك يكلف؟ فإن كان قد كلف فذلك تأكيد على أنه في استطاعتك، ولا تقل: أنا سأقيس استطاعتي. ثم ابحث هل التكليف في نطاق هذه الاستطاعة أو لا؟ وعليك أن تبحث أولاً: هل كلفت بهذا الأمر أو لم تكلف؟ فإذا كنت قد كلفت به يكون في استطاعتك أداء ما كلفت به؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يكلف نفساً إلا ما آتاها؛ لا تفرض أنت استطاعة ثم تُخْضع التكليف لها، ولكن اخضع استطاعتك للتكليف. وقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً..} [الأنفال: 66]. و"الآن" تعني الزمن، وقد خفف الله أي هو سبحانه وتعالى الذي رفع المشقة، وأنت تقول هذا الشيء خفيف وهذا الشيء ثقيل. لكن أتعرف بأي شيء حكمت بمقدار المشقة التي تتحملها في أدائه؟. فإن رفعت قلماً تقول: هذا خفيف، وإذا رفعت قطعة حجر كبيرة تقول: هذه ثقيلة، بأي شيء حكمت؟ هل بمجرد النظر؟ لا. فأنت لا تستطيع أن تفرق بالنظر بين حقيبتين متماثلتين لتقول هذه ثقيلة وهذه خفيفة؛ لأن إحداهما قد تكون مملوءة بالحديد، والثانية فيها أشياء خفيفة؛ ولا تستطيع أن تحكم باستخدام حاسة السمع ولا حاسة اللمس؛ لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة، ولا بحاسة الشم أيضاً. إذن فكل وسائل الإدراك عاجزة عن أن تدرك خفة الشيء أو ثقله، فبأي شيء ندرك؟. ونقول: قد اهتدى علماء وظائف الأعضاء أخيراً إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة العضل، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل، فهو يختلف عن تقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد؛ لأن هذا الثقل يكون خفيفاً. إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث. أنت مثلاً حين تمسك قماشاً بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها حاسة "البين" فقد ابتعدت أصابعك قليلاً في القماش الثقيل، وقربت من بعضها في القماش الرقيق، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر؛ ولكن تدركه بحاسة البين. وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد؛ لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله، أو إنَّما تفتنون بالأسباب، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله تبارك وتعالى. ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفاً وخفف عنكم؟ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب؛ منها أن حكم الله أزلي. ولذلك وضع الله سبحانه وتعالى حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في المسلمين الأوائل، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور الزمن، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل، وعلى الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم، أو مع قلة الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه. ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66]. وأنت قد تقول: فلان سافر إلى الخليج ومعه عشرون جنيهاً. فإذا اندهش من يسمعك وتساءل: "ماذا يفعل بهذا المبلغ الصغير"؟ تقول له: إن معه فلاناً "المليونير" فيطمئن السائل. فإن قلت: إن فلاناً وهو رجل كبير السن ذهب إلى الجبل ليحضر صخرة.. نتساءل: كيف؟. يقال لك: إن معه فلاناً القوي فتطمئن. إذن فمعية الضعيف للقوي أو الأدنى للأعلى تصنع نوعاً من الاستطراق، وتعطي من القوي للضعيف، ومن الغني للفقير، ومن العالم للجاهل، إذن فالمعية تعطي من قوة التفوق قدرة للضعيف. وهنا يوضح المولى سبحانه وتعالى للمؤمين: إن قوتكم وقدرتكم على الصبر محدودة لأنكم بشر، فلا تعزلوا هذه القوة المحدودة عن قدرة الله غير المحدودة، واصبروا لأن الله مع الصابرين. ولأنه سبحانه معكم فهو يعطيكم من قوته فلا تستطيع أي قوة أن تتغلب عليكم وتقهركم. ولقد تعرضنا لهذا وقت أن تكلمنا عن الغار، حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبو بكر رضي الله عنه الغار في طريق الهجرة إلى المدينة وجاء الكفار ووقفوا على باب الغار فماذا قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. وهذا كلام منطقي مع الأسباب. فماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له ليطمئنه؟. قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولكن ما وجه الحجة في ذلك؟. لقد قال: ما دام الله ثالثهما، والله لا تدركه الأبصار، فالذين في معيته لا تدركهم الأبصار. وفي هذه الآية مثل سابقتها؛ يتحدث المولى سبحانه وتعالى عن المعارك والنصر. ومن الطبيعي أن يكون من معايير النصر كسب الغنائم. والغنائم التي تمت في بدر قسمان؛ منقولات، وقد نزل حكم الله فيها بأن لله ولرسوله الخمس، بقي جزء آخر من الغنائم لم ينزل حكم الله فيه وهم الأسرى، ففي معركة بدر قتل من قريش سبعون وأسر سبعون، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ إنَّ الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس. فقال أبو بكر: يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم، هؤلاء بنو العمّ والعشيرة والإخوان استبقهم، وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقول يابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم الله تعالى أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلفون. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال أبو أيوب: فقلنا - يعني الأنصار - إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}تفسير : [نوح: 26] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: {أية : رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 88] لو اتفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش. وسبق له صلى الله عليه وسلم أن استشار الصحابة في معركة بدر. وحدث أن اختار رسول الله صلى الله عليه الصلاة والسلام أماكن جيش المسلمين، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار. إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على الكلام؛ لأن لله علماً آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود؛ والله له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى؛ لم يكن فيها حكم قد نزل من الله. ولذلك استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته، وكان أمامه رأي فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق. وكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجز ما قاله الفريقان؛ فريق اللين بقيادة أبي بكر رضي الله عنه وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله العباس في بيعة العقبة؛ حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقد حضر العباس هذه البيعة، وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج.. خزرجها وأوسها. قال العباس: إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم؛ فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده إذن فالعباس قد وقف موقفاً لا بد أن يجازى بمثله، ورغم أنه كان كافراً وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف بمثله؛ لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}تفسير : [النساء: 86]. فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على أنه مجاملة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في بيعة العقبة. وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله عز وجل منك. قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشاً، فضحك النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا؛ فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم. إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية. ثم ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوج ابنته زينب وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تجهز. ومن بعد ذلك نزل قول الحق تبارك وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ...}

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 323 : 29 : 21 - سفين عن ليث عن عطآء فأنزل الله {فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ} قال، لا ينبغي لواحد أن يفر من اثنين. [الآية 66]. 324 : 30 : 22 - سفين عن بن جريج عن عطآء مثله.