Verse. 1227 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ اَنْ يَّكُوْنَ لَہٗۗ اَسْرٰي حَتّٰي يُثْخِنَ فِي الْاَرْضِ۝۰ۭ تُرِيْدُوْنَ عَرَضَ الدُّنْيَا۝۰ۤۖ وَاللہُ يُرِيْدُ الْاٰخِرَۃَ۝۰ۭ وَاللہُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ۝۶۷
Ma kana linabiyyin an yakoona lahu asra hatta yuthkhina fee alardi tureedoona AAarada alddunya waAllahu yureedu alakhirata waAllahu AAazeezun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر «ما كان لنبي أن تكون» بالتاء والياء «له أسرى حتى يثخن في الأرض» يبالغ في قتل الكفار «تريدون» أيها المؤمنون «عَرَض الدنيا» حطامها بأخذ الفداء «والله يريد» لكم «الآخرة» أي ثوابها بقتلهم «والله عزيز حكيم» وهذا منسوخ بقوله (فإما منّا بعد وإما فداءً).

67

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي صلى الله عليه وسلم وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمر {وَتَكُونُ } بالتاء والباقون بالياء، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم، والأسرى مذكرون في المعنى، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة. فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى. وقال صاحب «الكشاف»: قرىء للنبي صلى الله عليه وسلم على التعريف و {أُسَـٰرَىٰ } و {يُثْخِنَ } بالتشديد. المسألة الثانية: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك، فقام عمر وقال: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم. فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء. فمكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال {فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [إبراهيم: 36] ومثل عيسى في قوله: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [المائدة: 118] ومثلك يا عمر مثل نوح {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26] ومثل موسى حيث قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } [يونس: 88]" تفسير : ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر. روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه، تأمرني أن أقتل العباس، فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثكلته أمه، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك. وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تخرجوا أحداً منهم إلا بفداء أو بضرب العنق فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد خوفي. ثم قال من بعد:«إلا سهيل بن بيضاء» وعن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للقوم: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم» تفسير : فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد. وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً أو ستة دنانير. وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ـ لشجرة قريبة منه ـ ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ. هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية. المسألة الثالثة: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه: الوجه الأول: أن قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } صريح في أن هذا المعنى منهي عنه، وممنوع من قبل الله تعالى. ثم إن هذا المعنى قد حصل، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية: {أية : رَّحِيمٌ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ ٱلاْسْرَىٰ }تفسير : [الأنفال: 70] الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه عليه الصلاة والسلام ما قتل أولئك الكفار، بل أسرهم، فكان الذنب لازماً من هذا الوجه. الوجه الثاني: أنه تعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } تفسير : [الأنفال: 12] وظاهر الأمر للوجوب، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية. الوجه الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأخذ الفداء، وكان أخذ الفداء معصية، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء. والثاني: قوله تعالى: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأجمعوا على أن المراد بقوله: {أَخَذْتُمْ } ذلك الفداء. الوجه الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر بكيا، وصرح الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء، وذلك يدل على أنه ذنب. الوجه الخامس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر» تفسير : وذلك يدل على الذنب، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية. والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولاً: أن قوله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلاْرْضِ } يدل على أنه كان الأسر مشروعاً، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس. ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزاً بحكم هذه الآية، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنباً ومعصية؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } تفسير : [محمد: 4]. فإن قالوا: فعلى ما شرحتموه دلت الآية على أن ذلك الأسر كان جائزاً والإتيان بالجائز المشروع لا يليق ترتيب لعقاب عليه، فلم ذكر الله بعده ما يدل على العقاب؟ فنقول: الوجه فيه أن الإثخان في الأرض ليس مضبوطاً بضابط معلوم معين، بل المقصود منه إكثار القتل بحيث يوجب وقوع الرعب في قلوب الكافرين، وأن لا يجترئوا على محاربة المؤمنين، وبلوغ القتل إلى هذا الحد المعين لا شك أنه يكون مفوضاً إلى الاجتهاد، فلعله غلب على ظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن ذلك القدر من القتل الذي تقدم كفى في حصول هذا المقصود، مع أنه ما كان الأمر كذلك فكان هذا خطأ واقعاً في الاجتهاد في صورة ليس فيها نص، وحسنات الأبرار سيئات المقربين. فحسن ترتيب العقاب على ذكر هذا الكلام لهذا السبب، مع أن ذلك لا يكون البتة ذنباً ولا معصية. والجواب عن الوجه الذي ذكروه ثانياً أن نقول: إن ظاهر قوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ } أن هذا الخطاب إنما كان مع الصحابة لإجماع المسلمين على أنه عليه الصلاة والسلام ما كان مأموراً أن يباشر قتل الكفار بنفسه، وإذا كان هذا الخطاب مختصاً بالصحابة، فهم لما تركوا القتل وأقدموا على الأسر، كان الذنب صادراً منهم لا من الرسول صلى الله عليه وسلم. ونقل أن الصحابة لما هزموا الكفار وقتلوا منهم جمعاً عظيماً والكفار فروا ذهب الصحابة خلفهم وتباعدوا عن الرسول وأسروا أولئك الأقوام، ولم يعلم الرسول بإقدامهم على الأسر إلا بعد رجوع الصحابة إلى حضرته، وهو عليه السلام ما أسر وما أمر بالأسر، فزال هذا السؤال. فإن قالوا: هب أن الأمر كذلك، لكنهم لما حملوا الأسارى إلى حضرته فلم لم يأمر بقتلهم امتثالاً لقوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ }. قلنا: إن قوله: {فَٱضْرِبُواْ } تكليف مختص بحالة الحرب عند اشتغال الكفار بالحرب، فأما بعد انقضاء الحرب فهذا التكليف ما كان متناولاً له. والدليل القاطع عليه أنه عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة في أنه بماذا يعاملهم؟ ولو كان ذلك النص متناولاً لتلك الحالة، لكان مع قيام النص القاطع تاركاً لحكمه وطالباً ذلك الحكم من مشاورة الصحابة، وذلك محال، وأيضاً فقوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ } أمر، والأمر لا يفيد إلا المرة الواحدة، وثبت بالإجماع أن هذا المعنى كان واجباً حال المحاربة فوجب أن يبقى عديم الدلالة على ما وراء وقت المحاربة، وهذا الجواب شاف. والجواب عما ذكروه ثالثاً، وهو قولهم: إنه عليه الصلاة والسلام حكم بأخذ الفداء، وأخذ الفداء محرم. فنقول: لا نسلم أن أخذ الفداء محرم. وأما قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ } فنقول هذا لا يدل على قولكم، وبيانه من وجهين: الأول: أن المراد من هذه الآية حصول العتاب على الأسر لغرض أخذ الفداء، وذلك لا يدل على أن أخذ الفداء محرم مطلقاً. الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه قال الأولى: أن نأخذ الفداء لتقوى العسكر به على الجهاد، وذلك يدل على أنهم إنما طلبوا ذلك الفداء للتقوى به على الدين، وهذه الآية تدل على ذم من طلب الفداء لمحض عرض الدنيا ولا تعلق لأحد البابين بالثاني. وهذان الجوابان بعينهما هما الجوابان عن تمسكهم بقوله تعالى: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. والجواب عما ذكروه رابعاً: أن بكاء الرسول عليه الصلاة والسلام يحتمل أن يكون لأجل أن بعض الصحابة لما خالف أمر الله في القتل، واشتغل بالأسر استوجب العذاب، فبكى الرسول عليه الصلاة والسلام خوفاً من نزول العذاب عليهم، ويحتمل أيضاً ما ذكرناه أنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في أن القتل الذي حصل هل بلغ مبلغ الإثخان الذي أمره الله به في قوله: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلاْرْضِ } ووقع الخطأ في ذلك الاجتهاد، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فأقدم على البكاء لأجل هذا المعنى. والجواب عما ذكروه خامساً: أن ذلك العذاب إنما نزل بسبب أن أولئك الأقوام خالفوا أمر الله بالقتل، وأقدموا على الأسر حال ما وجب عليهم الاشتغال بالقتل، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة. والله أعلم. المسألة الرابعة: في شرح الألفاظ المشكلة في هذه الآية. أما قوله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن تَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } فلقائل أن يقول: كيف حسن إدخال لفظة كان على لفظة تكون في هذه الآية. والجواب: قوله {مَا كَانَ } معناه النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره ما كان لله أن يتخذ من ولد قال أبو عبيدة. يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكون لك، وأما من قرأ {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } فمعناه: أن هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام. قال الزجاج: {أَسْرَىٰ } جمع، و {أُسَـٰرَىٰ } جمع الجمع. قال ولا أعلم أحداً قرأ {أُسَـٰرَىٰ } وهي جائزة كما نقلنا عن صاحب «الكشاف»: أنه نقل أن بعضهم قرأ به وقوله: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلاْرْضِ } فيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: الإثخان في كل شيء عبارة عن قوته وشدته، يقال: قد أثخنه المرض إذا اشتد قوة المرض عليه، وكذلك أثخنه الجراح، والثخانة الغلظة فكل شيء غليظ، فهو ثخين. فقوله: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلاْرْضِ } معناه حتى يقوى ويشتد ويغلب ويبالغ ويقهر، ثم إن كثيراً من المفسرين. قالوا المراد منه: أن يبالغ في قتل أعدائه. قالوا وإنما حملنا اللفظ عليه لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل. قال الشاعر:شعر : لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم تفسير : ولأن كثرة القتل توجب قوة الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع من الجراءة، ومن الإقدام على ما لا ينبغي، فلهذا السبب أمر الله تعالى بذلك. البحث الثاني: أن كلمة {حَتَّىٰ } لانتهاء الغاية. فقوله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلاْرْضِ } يدل على أن بعد حصول الإثخان في الأرض له أن يقدم على الأسر. أما قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } فالمراد الفداء، وإنما سمى منافع الدنيا ومتاعها عرضاً، لأنه لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنه لا ثبات لها كثبات الأجسام لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها مع كون الأجسام باقية، ثم قال: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ } يعني أنه تعالى لا يريد ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول وإنما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الباقية الدائمة المصونة عن التبديل والزوال. واحتج الجبائي والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: لا كائن من العبد إلا والله يريده لأن هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونص الله على أنه لا يريده بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة دون ما يكون فيه عصيان. وأجاب أهل السنة عنه بأن قالوا: إنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأسر منهم طاعة، وعملاً جائزاً مأذوناً. ولا يلزم من نفي إرادة كون هذا الأسر طاعة، نفي كونه مراد الوجود، وأما الحكماء فإنهم يقولون الشيء مراد بالعرض مكروه بالذات. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } والمراد أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم لأن الله عزيز لا يقهر ولا يغلب حكيم في تدبير مصالح العالم. قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر، لأن المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } تفسير : [محمد: 4] وأقول إن هذا الكلام يوهم أن قوله: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } يزيد على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، فإن كلتاهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء. ثم قال تعالى: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }. واعلم أنه كثر أقاويل الناس في تفسير هذا الكتاب السابق. ونحن نذكرها ونذكر ما فيها من المباحث: فالقول الأول: وهو قول سعيد بن جبير وقتادة لولا كتاب من الله سبق يا محمد بحل الغنائم لك ولأمتك، لمسكم العذاب. وهو مشكل لأن تحليل الغنائم والفداء هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً في ذلك الوقت؟ فإن كان التحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم، لأن ما كان مأذوناً فيه من قبل لم يحصل العقاب على فعله، وإن قلنا: إن الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم الله أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت. فإن قالوا: إن كونه بحيث سيصير حلالاً بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب. قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب. القول الثاني: قال محمد بن إسحاق: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء، وهذا أيضاً ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا حصل، فيكون الله تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإذا لم يكن المنع حاصلاً كان الإذن حاصلاً، وإذا كان الإذن حاصلاً، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟ القول الثالث: قال قوم قد سبق حكم الله بأنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً مشكل لأنه يقتضي أن يقال: إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل. وأيضاً فلو صار كذلك، فكيف آخذهم الله تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي؟ والقول الرابع: لولا كتاب من الله سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب، وهذا من جنس ما سبق. واعلم أن الناس قد أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أما على قولنا: فنقول: يجوز أن يعفو الله عن الكبائر. فقوله: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ }تفسير : [الأنعام: 54] ومن قوله: «سبقت رحمتى غضبي» وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص. ثم قال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيّباً } روى أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت هذه الآية. وقيل هو إباحة الفداء. فإن قيل: ما معنى الفاء في قوله: {فَكُلُواْ }. قلنا التقدير: قد أبحت لكم الغنائم {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً } نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر، أي أكلاً حلالاً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } والمعنى: واتقوا الله فلا تقدموا على المعاصي بعد ذلك، واعلموا أن الله غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية، فقوله: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } إشارة إلى لمستقبل. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } إشارة إلى الحالة الماضية.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأُولى ـ قوله تعالىٰ: {أَسْرَىٰ} جمع أسِير؛ مثلُ قتيل وقتْلَىٰ وجَريح وجَرْحَىٰ. ويُقال في جمع أسير أيضاً: أُسَارَى (بضم الهمزة) وأَسارَى (بفتحها) وليست بالعالية. وكانوا يَشُدّون الأسير بالقِدّ وهو الإسار؛ فسُمِّيَ كل أخِيذ وإن لم يُؤسر أسيراً. قال الأعشى:شعر : وقَيَّدنِي الشّعر في بيتِهِ كما قَيّد الآسِراتُ الحِمارا تفسير : وقد مضى هذا في سورة «البقرة». وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثَقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون رَبْطاً. وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب. الثانية ـ هذه الآية نزلت يوم بدر، عتاباً من الله عزّ وجلّ لأصحاب نبيّه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان. ولهم هذا الإخبارُ بقوله {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا}. والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قطّ عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب؛ فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجهاً بسبب من أشار على النبيّ صلى الله عليه وسلم بأخذ الفِدية. هذا قول أكثر المفسرين، وهو الذي لا يصح غيره. وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم يَنْه عنه حين رآه من العَرِيش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة، ولكنه عليه السَّلام شغَله بَغْتُ الأمر ونزولُ النصر فترك النّهي عن الاستبقاء؛ ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات. والله أعلم. روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدّم أوّله في «آل عمران» وهذا تمامه. قال أبو زُمَيل: حديث : قال ابن عباس: فلما أسروا الأُسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى»؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العمّ والعشِيرة، أرى أن تأخذ منهم فِديةً، فتكون لنا قوّة على الكفار، فعسىٰ الله أن يهدِيهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترى يٱبن الخطاب»؟ قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنا فنضرب أعناقهم، فَتُمَكِّن عَلِيّاً من عَقِيل فيضِربَ عنقه، وتمكِّنِّي من فلان (نَسِيباً لعمر) فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها. فَهِويَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلتُ؛ فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ قاعِدَيْن يبكيان؛ فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبُك؛ فإن وجدتُ بكاء بكيتُ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَبْكي للذي عَرض عليّ أصحابُك من أخذهم الفداء لقد عُرض عليّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرةِ»تفسير : (شجرةٌ قريبةٌ كانت من نبيّ الله صلى الله عليه وسلم) وأنزل الله عزّ وجلّ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} إلى قوله تعالىٰ: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} فأحّل الله الغنيمة لهم. وروى يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيى قال حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مُرة عن أبي عبيدة حديث : عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترون في هؤلاء الأسارى» فقال أبو بكر: يا رسول الله قومُك وأهلُك، ٱستبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: كذّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدّمهم فٱضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: ٱنظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم. فقال العباس وهو يسمع: قطعتَ رحِمك. قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يردّ عليهم شيئاً. فقال أُناس: يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه. وقال أُناس: يأخذ بقول عمر. وقال أُناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله ليُلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويُشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة. مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى إذ قال {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118]. ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السَّلام إذ قال {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26]. ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السَّلام إذ قال {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88] أنتم عالة فلا ينفلتنّ أحد إلاَّ بفداء أو ضربة عنق». فقال عبد الله: ألاَّ سُهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما رأيتني أخوف أن تقع عليّ الحجارة من السماء منِّي في ذلك اليوم. فأنزل الله عزّ وجلّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} إلى آخر الآيتينتفسير : . في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن كاد ليصيبنا في خلاف ٱبن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلاَّ عُمر»تفسير : . وروى أبو داود عن عمر قال: لما كان يوم بدر وأخذ ـ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الفداء، أنزل الله عزّ وجلّ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} إلى قوله {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} ـ من الفداء ـ {عَذَابٌ عَظِيمٌ}. ثم أحل الغنائم. وذكر القُشيرِيّ أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، إنه أوّل وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحبّ إليّ. والإثخان: كثرة القتل؛ عن مجاهد وغيره. أي يبالغ في قتل المشركين. تقول العرب: أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ. وقال بعضهم: حتى يُقهِر ويَقْتُل. وأنشد المفضّل:شعر : تصلّي الضحى ما دهرها بتعبّد وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا تفسير : وقيل: «حَتَّىٰ يُثْخِنَ» يتمكّن. وقيل: الإثخان القوّة والشدّة. فأعلم الله سبحانه وتعالىٰ أن قتل الأسرى الذين فُودُوا ببدر كان أولى من فدائهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كفروا واشتدّ سلطانهم أنزل الله عزّ وجلّ بعد هذا في الأسارى: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}تفسير : [محمد: 4] على ما يأتي بيانه في سورة «القتال» إن شاء الله تعالىٰ. وقد قيل: إنما عُوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملّك. وذلك كله عظيم الموقع، فكان حقهم أن ينتظروا الوَحْيَ ولا يستعجلوا؛ فلما ٱستعجلوا ولم ينتظروا توجّه عليهم ما توجّه. والله أعلم. الثالثة ـ أسند الطبرِيّ وغيره حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: «إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويُقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قُتلوا وسَلِمتم». فقالوا: نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعونتفسير : . وذكر عبد بن حُميد بسنده أن جبريل عليه السَّلام نزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا وقد مضى في «آل عمران» القول في هذا. وقال عَبيدة السَّلْمَانِيّ: طلبوا الخِيرتين كلتيهما؛ فقتل منهم يوم أُحُد سبعون. وينشأ هنا إشكال وهي: الرابعة ـ وهو أن يُقال: إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله «لَمَسَّكُمْ». فالجواب ـ أن التوبيخ وقع أوّلاً لحرصهم على أخذ الفداء، ثم وقع التخيير بعد ذلك. ومما يدلّ على ذلك أن المِقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عُقبة بن أبي مُعَيط: أسيري يا رسول الله. وقال مُصعب بن عُمير للذي أسر أخاه: شُدّ عليه يدك، فإن له أمّاً موسرة. إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء. فلما تحصّل الأسارى وسِيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلَ في النّضر وعقبةَ وغيرِهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عزّ وجلّ؛ فٱستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ، فمرّ عمر على أوّل رأيه في القتل، ورأى أبو بكر المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء. ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر. وكلا الرأيين ٱجتهاد بعد تخيير. فلم ينزل بعدُ على هذا شيء من تعنيت. والله أعلم. الخامسة ـ قال ابن وهب: قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}. وكانوا يومئذ مشركين وفادَوْا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا. وكان عِدّة من قُتل منهم أربعة وأربعين رجلاً؛ ومثلهم أسِروا. وكان الشهداء قليلاً. وقال عمرو بن العلاء: إن القتلى كانوا سبعين، والأسرى كذلك. وكذلك قال ابن عباس وابن المسيِّب وغيرهم. وهو الصحيح كما في صحيح مسلم؛ فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وذكر البَيْهَقِيّ قالوا: فجيء بالأسارى وعليهم شُقْران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلاً الذين أُحصوا، وهم سبعون في الأصل، مُجْتَمَع عليه لا شك فيه. قال ابن العربيّ: إنما قال مالك «وكانوا مشركين» لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إني مسلم. وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: آمنا بك. وهذا كله ضعّفه مالك، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم وزيادة عليه أنهم غَزوه في أُحد. قال أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في وقت إسلام العباس؛ فقيل: أسلم قبل يوم بدر؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من لَقِيَ العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرهاً»تفسير : . وعن ٱبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «حديث : إن أُناساً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله ومن لقِي أبا الْبَخْتَرِيّ فلا يقتله ومن لقي العباس فلا يقتله فإنه إنما أخرج مستكرهاً» تفسير : وذكر الحديث. وذكر أنه أسلم حين أسر يوم بدر. وذكر أنه أسلم عام خيبر، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأخبار المشركين، وكان يحب أن يهاجر فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : امكث بمكة فمقامك بها أنفع لنا».

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن هاشم، عن حميد، عن أنس رضي الله عنه، قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: «حديث : إن الله قد أمكنكم منهم» تفسير : فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس» تفسير : فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد النبي صلى الله عليه وسلم فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، قال: فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء، قال: وأنزل الله عز وجل: { لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك، وقال الأعمش: عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟» تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم، واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: «يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنت في واد كثير الحطب، أضرم الوادي عليهم ناراً، ثم ألقهم فيه، قال: فقال العباس: قطعت رحمك قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئاً، ثم قام فدخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، قال: {فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى عليه السلام، قال: { إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} وإن مثلك يا عمر، كمثل موسى عليه السلام، قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} وإن مثلك يا عمر، كمثل نوح عليه السلام، قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً} أنتم عالة، فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء، أو ضربة عنق» تفسير : قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إلا سهيل بن بيضاء» تفسير : فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} إلى آخر الآية، رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري. وروى ابن مردويه أيضاً، واللفظ له، والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى: حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه» تفسير : فقال له عمر: أفآتهم؟ فقال: «حديث : نعم»تفسير : ، فأتى عمر الأنصار، فقال لهم: أرسلوا العباس، فقالوا: لا، والله لا نرسله، فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى، فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده، قال له: يا عباس أسلم، فو الله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، قال: واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فيهم، فقال أبو بكر: عشيرتك، فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} الآية، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال سفيان الثوري: عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: خير أصحابك في الأسارى، إن شاؤوا الفداء، وإن شاؤوا القتل، على أن يقتل عاماً مقبلاً منهم مثلهم، قالوا: الفداء، ويقتل منا، رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري به، وهذا حديث غريب جداً، وقال ابن عون: عن عبيدة عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى يوم بدر: «حديث : إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم، واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهم» تفسير : قال: فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة رضي الله عنه، ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلاً، فالله أعلم، وقال محمد بن إسحاق: عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عن ابن عباس: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} فقرأ حتى بلغ: {عَذَابٌ عَظِيمٌ}، قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال الأعمش: سبق منه أن لا يعذب أحداً شهد بدراً، وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء، وقال شعبة: عن أبي هاشم عن مجاهد: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} أي: لهم بالمغفرة. ونحوه عن سفيان الثوري رحمه الله. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} يعني: في أم الكتاب الأول: أن المغانم والأسارى حلال لكم {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} من الأسارى {عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيِّباً} الآية. وكذا روى العوفي عن ابن عباس، وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة والأعمش أيضاً: أن المراد: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} لهذه الأمة بإحلال الغنائم. وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. ويستشهد لهذا القول، بما أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : وقال الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا» تفسير : ولهذا قال الله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيِّباً} الآية، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء، وقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة، وقد استمر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل؛ كما فعل ببني قريظة، وإن شاء فادى بمال؛ كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسر من المسلمين؛ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الجارية وابنتها، اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما، وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما أخذوا الفداء من أسرى بدر: {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونُ } بالتاء والياء {لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ } يبالغ في قتل الكفار {تُرِيدُونَ } أيها المؤمنون {عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } حطامها بأخذ الفداء {وَٱللَّهُ يُرِيدُ } لكم {ٱلأَخِرَةَ } أي ثوابها بقتلهم {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ } وهذا منسوخ بقوله: { أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً }تفسير : [4:47].

الشوكاني

.تفسير : هذا حكم آخر من أحكام الجهاد. ومعنى {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ } ما صح له وما استقام، وقرأ أبو عمرو، وسهيل ويعقوب، ويزيد، والمفضل، أن تكون بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، وقرأ أيضاً يزيد والمفضل «أسارى» وقرأ الباقون {أسرى} والأسرى جمع أسير، مثل قتلى وقتيل، وجرحى وجريح، ويقال في جمع أسير أيضاً أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القيد، لأنهم كانوا يشدّون به الأسير، فسمي كل أخيذ وإن لم يشدّ بالقدّ أسيراً، قال الأعشى:شعر : وقيدني الشعر في بيته كما قيـدت الأسرات الحمارا تفسير : وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً. والإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه؛ تقول العرب: أثخن فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه. فالمعنى: ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك. وقيل معنى الإثخان: التمكن، وقيل: هو القوّة. أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم، وفدائهم؛ ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال: {أية : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء } تفسير : [محمد: 4] كما يأتي في سورة القتال إن شاء الله. قوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ } الحياة {ٱلدُّنْيَا } أي: نفعها ومتاعها بما قبضتم من الفداء، وسمي عرضاً لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابل الجواهر {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } أي: يريد لكم الدار الآخرة بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل. وقرىء «يريد الآخرة» بالجر على تقدير مضاف وهو المذكور قبله، أي والله يريد عرض الآخرة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } لا يغالب {حَكِيمٌ } في كل أفعاله. قوله: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو؟ على أقوال: الأوّل ما سبق في علم الله من أنه سيحلّ لهذه الأمة الغنائم بعد أن كانت محرّمة على سائر الأمم. والثاني: أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، كما في الحديث الصحيح «حديث : إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . القول الثالث هو: أنه لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم كما قال سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ } تفسير : [الأنفال: 33]. القول الرابع: أنه لا يعذب أحداً بذنب فعله جاهلاً لكونه ذنباً. القول الخامس: أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس: أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي، ولم يتقدّم نهي عن ذلك. وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ، وأنه يعمها {لَمَسَّكُمْ } أي: لحلّ بكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ } أي: لأجل ما أخذتم من الفداء {عَذَابٌ عظِيمٌ } والفاء في {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ } لترتيب ما بعدها عن سبب محذوف، أي قد أبحت لكم الغنائم، فكلوا مما غنمتم ويجوز أن تكون عاطفة على مقدّر محذوف، أي اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره. وقيل إن "مَا" عبارة عن الفداء، أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم و {حَلَـٰلاً طَيّباً } منتصبان على الحال، أو صفة المصدر المحذوف، أي أكلاً حلالاً طيباً {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما يستقبل، فلا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به {إِن ٱللَّهَ غَفُورٌ } لما فرط منكم {رَّحِيمٌ } بكم، فلذلك رخّص لكم في أخذ الفداء في مستقبل الزمان. وقد أخرج أحمد، عن أنس قال: استشار النبيّ صلى الله عليه وسلم الناس في الأسرى يوم بدر فقال: "حديث : إن الله قد أمكنكم منهم"تفسير : . فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم؛ وإنما هم إخوانكم بالأمس"تفسير : ، فقام عمر فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم عاد فقال مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال: يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فأنزل الله {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ترون في هؤلاء الأسارى؟"تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدّمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأضرمه عليهم ناراً، فقال العباس وهو يسمع: قطعت رحمك، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ولم يردّ عليهم شيئاً، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال قوم: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشدّ من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: {ومن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [إبراهيم: 36]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26]، ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلاْلِيمَ} [يونس: 88] أنتم عالة فلا ينفلتنّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق"تفسير : ، فقال عبد الله: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إلا سهيل بن بيضاء"تفسير : ، فأنزل الله {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } الآية. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عليّ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر: «حديث : إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدّتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس اسشهد باليمامة»تفسير : . وأخرج عبد الرزاق في مصنفه، وابن أبي شيبة عن عبيدة نحوه. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال: لما أسر الأسارى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه"تفسير : ، فقال له عمر: فآتيهم؟ قال "حديث : نعم"تفسير : ، فأتى عمر الأنصار فقال: أرسلوا العباس، فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا، قالوا: فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه، فأخذه عمر، فلما صار في يده قال له: يا عباس أسلم، فوالله إن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر: عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله، {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأرْضِ } يقول حتى يظهروا على الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد، قال: الإثخان هو: القتل. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، أيضاً في الآية قال: ثم نزلت الرخصة بعد، إن شئت فمنّ، وإن شئت ففاد. وأخرج ابن المنذر عن قتادة {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } قال: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } قال: الخراج. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } قال: سبق لهم المغفرة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال: ما سبق لأهل بدر من السعادة. وأخرج النسائي، وابن مردويه، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية. وأخرج أبو حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد قال: سبق أن لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدّم إليه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} وهذا نزل في أسرى بدر حين استقر رأي النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بعد مشاورة أصحابه على الفداء بالمال، كل أسير بأربعة آلاف درهم، فأنكر الله تعالى ذلك عليه وأنه ما كان له أن يفادي الأسرى. {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ} فيه وجهان: أحدهما هو الغلبة والاستيلاء، قاله السدي. والثاني: هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون ويذل به المشركين. قاله مجاهد. {يُرِيدُونَ عَرَضَ الْدُّنْيَا} يعني المال، سماه عرضاً لقلة بقائه. {وَاللَّهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ} يعني العمل بما يوجب ثواب الآخرة. {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} يعني ما أخذتموه من المال في فداء أسرى بدر. وفي قوله {لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ} أربعة أقاويل: أحدها: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر أن يعذبهم لمسهم فيما أخذوه من فداء أسرى بدر عذاب عظيم، قاله مجاهد وسعيد بن جبير. والثاني: لولا كتاب من الله سبق في أنه سيحل لكم الغنائم لمسكم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم، قاله ابن عباس وأبو هريرة والحسن وعبيدة. والثالث: لولا كتاب من الله سبق أن لا يؤاخذ أحداً بعمل أتاه على جهالة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم، قاله ابن اسحاق. والرابع: لولا كتاب من الله سبق وهو القرآن الذي آمنتم به المقتضي غفران الصغائر لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم شاور أبا بكر وعمر في أسرى بدر فقال أبو بكر: هم قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله أن يهديهم، وقال عمر: هم أعداء الله وأعداء رسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد انصرافه عنهم إلى قول أبي بكر وأخذ فدء الأسرى ليتقوى به المسلمون، وقال: "حديث : أَنتُم عَالَةٌ بعيني المُهَاجِرِينَ" تفسير : فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَو عُذِّبْنَا فِي هَذَا الأمْرِ يَا عُمَرُ لَمَا نَجَا غَيْرُكَ" تفسير : ثم إن الله تعالى بيَّن تحليل الغنائم والفداء بقوله {فَكُلُوْا مِمَّا غَنِمْتُمْ حََلاَلاً طَيِّباً}.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية تتضمن عندي معاتبة من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان، ولهم هو الإخبار ولذلك استمر الخطاب بـ {تريدون} ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية مشيراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العتب حين لم ينه عن ذلك حين رآه من العريش، وأنكره سعد بن معاذ ولكنه صلى الله عليه وسلم شغله بغت الأمر وظهور النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت هذه الآية، ومر كثير من المفسرين على أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسرى بدر استشار فيهم أصحابه، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله هم قرابتك ولعل الله أن يهديهم بعد إلى الإسلام ففادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم، وقال عمر بن الخطاب لا يا رسول الله بل نضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة بل نجعلهم في وادٍ كثير الحطب ثم نضرمه عليهم ناراً، وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى الأسر لقد كان الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ومال إليه، فنزلت هذه الآية مخبرة أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان قتل أسرى بدر، قال ابن عباس نزلت هذه الآية والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزل في الأسر {أية : فإما منّاً بعد وإما فداء} تفسير : [محمد:47] وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلم أصحابه في الأسرى بما ذكر دخل ولم يجبهم ثم خرج، فقال: إن الله تعالى يلين قلوب رجال ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال {أية : فمن يتبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} تفسير : [إبراهيم:36] ومثل عيسى قال: {أية : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} تفسير : [المائدة:118] ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {أية : رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} تفسير : [نوح:26] ومثل موسى قال: {أية : ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم} تفسير : [يونس:88] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : أنتم اليوم فلا يفلتن منهم رجل إلا بفدية أو ضرب عنق تفسير : , وفي هذا الحديث قال عمر: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. قال القاضي أبو محمد: وهذه حجة على ذكر الهوى في الصلاح، وقرأت فرقة "ما كان للنبيّ" معرفاً، وقرأ جمهور الناس "لنبي"، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وحده "أن تكون" على التأنيث العلامة مراعاة للفظ الأسرى، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس "أن يكون" بتذكير العلامة مراعاة لمعنى الأسرى، وقرأ جمهور الناس والسبعة "أسرى"، وقرأ بعض الناس "أسارى" ورواها المفضل عن عاصم، وهي قراءة أبي جعفر، والقياس والباب أن يجمع أسير على أسرى، وكذلك كل فعيل بمعنى مفعول وشبه به فعيل وإن لم يكن بمعنى مفعول كمريض ومرضى، إذا كانت أيضاً أشياء سبيل الإنسان أن يجبر عليها وتأتيه غلبة، فهو فيها بمنزلة المفعول، وأما جمعه على أسارى فشبيه بكسالى في جمع كسلان وجمع أيضاً كسلان على كسلى تشبيهاً بأسرى في جمع أسير، قاله سيبويه: وهما شاذان، وقال الزجّاج: أسارى جمع أسرى فهو جمع الجمع، وقرأ جمهور الناس "يثْخن" بسكون الثاء، وقرأ أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب "يَثخّن" بفتح الثاء وشد الخاء، ومعناه في الوجهين يبالغ في القتل، والإثخان إنما يكون في القتل والجارحة وما كان منها، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال {تريدون عرض الدنيا} أي مالها الذي يعن ويعرض، والمراد ما أخذ من الأسرى من الأموال، {والله يريد الآخرة} أي عمل الآخرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقرأ ابن جماز "الآخرةِ" بالخفض على تقدير المضاف، وينظر ذلك لقول الشاعر: [المتقارب] شعر : أكل امرىء تحسبين امرأً ونار توقّدُ بالليلِ نارا تفسير : على تقدير وكل نار، وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: حديث : إن شئتم أخذتم فداء الأسرى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم تفسير : , فقالوا نأخذ المال ويستشهد منا سبعون، وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا. قال القاضي أبو محمد: وعلى الروايتين فالأمر في هذا التخيير من عند الله فإنه إعلام بغيب، وإذا خيروا فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى: {لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} والذي أقول في هذا إن العتب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله {ما كان لنبي} إلى قوله {عظيم} إنما هو على استبقاء الرجال وقت الهزيمة رغبة في أخذ المال منهم وجميع العتب إذا نظر فإنما هو للناس، وهناك كان عمر يقتل ويحض على القتل ولا يرى الاستبقاء، وحينئذ قال سعد بن معاذ: الإثخان أحب إليَّ من استبقاء الرجال، وبذلك جعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجيين من عذاب أن لو نزل، ومما يدل على حرص بعضهم على المال قول المقداد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط: أسيري يا رسول الله، وقول مصعب أين عمير للذي يأسر أخاه شد يدك عليه فإن له أماً موسرة إلى غير ذلك من قصصهم، فلما تحصل الأسرى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة والمنّ في أبي عزة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله تعالى فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ، فمر عمر رضي الله عنه على أول رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء، ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب، وذكر المفسرون أن الآية نزلت بسبب هذه المشورة والآراء، وذلك معترض بما ذكرته، وكذلك ذكروا في هذه الآيات تحليل المغانم لهذه الأمة ولا أقول ذلك، لأن حكم الله تعالى بتحليل المغنم لهذه الأمة قد كان تقدم قبل بدر وذلك في السرية التي قتل فيها عمرو بن الحضرمي وإنما المبتدع في بدر استبقاء الرجال لأجل المال، والذي منَّ الله به فيها إلحاق فدية الكافر بالمغانم التي قد تقدم تحليلها، ووجه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول فوقع العتب، ولم يكن تخييراً في مستويين، وهذا كما أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل، و {عزيز حكيم} صفتان من قبل الآية لأن بالعزة والحكمة يتم مراده على الكمال والتوفية، وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارة هم الموثقون ربطاً. قال القاضي أبو محمد: وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب، وقد ذكره أيضاً أبو الحسن الأخفش، وقال: العرب لا تعرف هذا وكلاهما عندهم سواء، وقوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق} الآية، قالت فرقة: الكتاب السابق هو القرآن، والمعنى لولا الكتاب الذي سبق فآمنتم به وصدقتم لمسكم العذاب لأخذكم هذه المفاداة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن أيضاً وابن زيد: الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم أو تأخر، وقال الحسن وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم: الكتاب هو ما كان الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وكانت في سائر الأمم محرمة، وقالت فرقة: الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معيناً، وقالت فرقة: الكتاب هو أن الله عز وجل قضى أن لا يعاقب أحداً بذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف تعارضه مواضع من الشريعة، وذكر الطبري عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن الكتاب السابق هو أن لا يعذب أحداً بذنب إلا بعد النهي عنه ولم يكونوا نهو بعد، وقالت فرقة: الكتاب السابق هو ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ وأنه يعمها، ونكب عن تخصيص معنى دون معنى، واللام في {لمسكم} جواب {لولا}، و {كتاب} رفع بالابتداء والخبر محذوف، وهكذا حال الاسم الذي بعد لولا، وتقديره عند سيبويه لولا كتاب سابق من الله تدارككم، وما من قوله {فيما} يراد بها إما الأسرى وإما الفداء، وهي موصولة، وفي {أخذتم} ضمير عائد عليها، ويحتمل أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى العائد، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو نزل في هذا الأمر عذاب لنجا منه عمر بن الخطاب، وفي حديث آخر وسعد بن معاذ، وذلك أن رأيهما كان أن يقتل الأسرى، وقوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم} الآية، نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى وإلحاق له بالغنيمة التي كان تقدم تحليلها، قوله {حلالاً طيباً} حال في قوله، ويصح أن يكونا من الضمير الذي في {غنمتم} ويحتمل أن يكون {حلالاً} مفعولاً بـ "كلوا"، {واتقوا الله} معناه في التشرع حسب إرادة البشر وشهوته في نازلة، أخرى، وجاء قوله {واتقوا الله} اعتراضاً فصيحاً في أثناء الكلام، لأن قوله {إن الله غفور رحيم} هو متصل بالمعنى بقوله {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً}.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ} أن يفادي، نزلت لما استقر رأي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مشاورة أصحابه على أخذ الفداء بالمال عن كل أسير من أسرى بدر أربعة آلاف درهم، فنزلت إنكاراً لما فعلوه. {يُثْخِنَ} بالغلبة والاستيلاء، أو بكثرة القتل لِيُعَزَّ به المسلمون ويُذَلَّ الكفرة. {عَرَضَ الدُّنْيَا} سماه بذلك لقلة بقائه. {يُرِيدُ الأَخِرَةَ} العمل بما يوجب ثوابها.

النسفي

تفسير : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ } ما صح له ولا استقام {أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } {أَن تَكُونَ }: بصري {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ } الإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه من الثخانة وهي الغلظ والكثافة حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر، ثم الأسر بعد ذلك. رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً ـ فيهم العباس عمه وعقيل ـ فاستشار النبي عليه السلام أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر رضي الله عنه: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر، وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل، وحمزة من العباس، ومكني من فلان لنسيب له، فلنضرب أعناقهم. فقال عليه السلام: «حديث : مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم حيث قال: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} )إبراهيم: 36) ومثلك يا عمر كمثل نوح حيث قال: {رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً} )نوح: 26) تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: «حديث : إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم» تفسير : فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد فلما أخذوا الفداء نزلت الآية {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا } متاعها يعني الفداء سماه عرضاً لقلة بقائه وسرعة فنائه {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ } أي ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام بالإثخان في القتل {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ } يقهر الأعداء {حَكِيمٌ } في عتاب الأولياء. {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ } لولا حكم من الله {سَبَقَ } أن لا يعذب أحداً على العمل بالاجتهاد وكان هذا اجتهاداً منهم لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد، وخفي عليهم إن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم، أو ما كتب الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر، أو ألا يؤاخذ قبل البيان والإعذار. وفيما ذكر من الاستشارة دلالة على جواز الاجتهاد فيكون حجة على منكري القياس. {كِتَابٌ } مبتدأ و {مِنَ ٱللَّهِ } صفته أي لولا كتاب ثابت من الله و {سَبَقَ } صفة أخرى له، وخبر المبتدأ محذوف أي لولا كتاب بهذه الصفة في الوجود، و {سَبَقَ } لا يجوز أن يكون خبراً لأن «لولا» أبداً {لَمَسَّكُمْ } لنالكم وأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ } من فداء الأسرى {عَذَابٌ عظِيمٌ } روي أن عمر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت. فقال: «حديث : أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة»تفسير : لشجرة قريبة منه. وروي أنه عليه السلام قال: «حديث : لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ»تفسير : لقوله كان الإثخان في القتل أحب إليّ {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ } رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها فنزلت. وقيل: هو إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم. والفاء للتسبيب والسبب محذوف، ومعناه قد أحللت لكم الغنائم فكلوا {حَلَـٰلاً } مطلقاً عن العتاب والعقاب من حل العقال وهو نصب على الحال من المغنوم، أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً {طَيِّباً } لذيذاً هنيئاً أو حلالاً بالشرع طيباً بالطبع {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لما فعلتم من قبل {رَّحِيمٌ } بإحلال ما غنمتم. { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لّمَن فِي أَيْدِيكُم } في ملكتكم كأن أيديكم قابضة عليهم {مِّنَ ٱلاْسْرَىٰ } جمع أسير من الأسارى أبو عمرو جمع أسرى {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } خلوص إيمان وصحة نية {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء، إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه أو يثيبكم في الآخرة {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } رُوي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه، وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ منه ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأرجو المغفرة، وكان له عشرون عبداً وإن أدناهم ليتجر في عشرين ألفاً وكان يقول: أنجز الله أحد الوعدين وأنا على ثقة من الآخر {وَإِن يُرِيدُواْ } أي الأسرى {خِيَانَتَكَ } نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة أو منع ما ضمنوه من الفداء {فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ } في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } فأمكنك منهم أي أظفرك بهم كما رأيتم يوم بدر فسيمكن منهم إن أعادواالخيانة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بالمال {حَكِيمٌ } فيما أمر في الحال. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ } من مكة حباً لله ورسوله {وَجَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } هم المهاجرون {وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ } أي آووهم إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار {أُوْلَٰـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } أي يتولى بعضهم بعضاً في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالنصرة دون ذوي القرابات حتى نسخ ذلك بقوله {أية : وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ }تفسير : وقيل: أراد به النصرة والمعاونة {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ } من مكة {مَا لَكُم مّن وَلـٰيَتِهِم } من توليهم في الميراث {وَلـٰيَتِهِم } حمزة. وقيل: هما واحد {مّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ } فكان لا يرث المؤمن الذي لم يهاجر ممن آمن وهاجر، ولما أبقى للذين لم يهاجروا اسم الإيمان وكانت الهجرة فريضة فصاروا بتركها مرتكبين كبيرة، دل على أن صاحب الكبيرة لا يخرج من الإيمان {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ } أي من أسلم ولم يهاجر {فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ } أي إن وقع بينهم وبين الكفار قتال وطلبوا معونة فواجب عليكم أن تنصروهم على الكافرين {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } فإنه لا يجوز لكم نصرهم عليهم لأنهم لا يبتدئون بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تحذير عن تعدي حد الشرع. {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } ظاهره إثبات الموالاة بينهم، ومعناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار وموارثتهم وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم وإن كانوا أقارب وأن يتركوا يتوارثون بعضهم بعضاً. ثم قال {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولى بعضهم بعضاً حتى في التوارث تفضيلاً لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تجعلوا قرابة الكفار كلا قرابة {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا يداً واحدة على الشرك كان الشرك ظاهراً والفساد زائداً {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَٰـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لا منة فيه ولا تنغيص ولا تكرار، لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الوعد الكريم والأولى للأمر بالتواصل {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ } يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة {وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَٰـئِكَ مِنكُمْ } جعلهم منهم تفضلاً وترغيباً {وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ } وأولوا القرابات أولى بالتوارث وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة {فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } في حكمه وقسمته أوفى اللوح، أو في القرآن وهو آية المواريث وهو دليل لنا على توريث ذوي الأرحام {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه. قسم الناس أربعة أقسام: قسم آمنوا وهاجروا، وقسم آمنوا ونصروا، وقسم آمنوا ولم يهاجروا، وقسم كفروا ولم يؤمنوا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أن تكون} بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد {أسارى} يزيد والمفضل. الآخرون {أسرى} من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. {من ولايتهم} بكسر الواو حمزة. والباقون: بفتحها. الوقوف: {في الأرض} ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون {الآخرة} ط {حكيم} ه {عظيم} ه {واتقوا الله} ط {رحيم} ه {ويغفر لكم} ط {رحيم} ه {منهم} ط {حكيم} ه {أولياء بعض} ط {حتى يهاجروا} ج {ميثاق} ط {بصير} ه {أولياء بعض} ط {كبير} ه {حقا} ط {كريم} ه {منكم} ط {في كتاب الله} ط {عليم} ه. التفسير: هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسبعين أسيراً - فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب - فاستشار أبا بكر. فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن علياً من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب له فلنضرب أعناقهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح قال {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً} [نوح:26] ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنقتفسير : . وروي إنه قال لهم: حديث : إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدّتهم. فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقيةتفسير : . وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهماً. حديث : وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية فدخل عمر على رسول الله صل الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منهتفسير : . وروي أنه قال: حديث : لو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر. وسعد بن معاذ لقوله: كان الإثخان في القتل أحب إليّتفسير : . واعلم أن الطاعنين في عصمة الأنبياء عليهم السلام تمسكوا في هذا المقام بوجوه: الأول: {وما كان لنبي} صريح في النهي وقد حصل الأسر بدليل {قل لمن في أيديكم من الأسرى} الثاني: أنهم أمروا بالقتل يوم بدر في قوله {فاضربوا فوق الأعناق} فكان الأسر معصية. وأجيب بأن قوله {حتى يثخن} يدل على أن الأسر كان مشروعاً ولكن بشرط الإثخان ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقاً عظيماً فلعل العتاب إنما ترتب لأن الإثخان أمر غير مضبوط فظنوا أن ذلك القدر من القتل بلغ حد الإثخان فأخطأوا في الاجتهاد وكان قوله {فاضربوا فوق الأعناق} تكليفاً مختصاً بحالة الحرب فلم يتناول الأسر بعد انهزام الكفار. الثالث: قالوا: الحكم بأخذ الفداء معصية وإلا لم يتوجه الذم في قوله {تريدون عرض الدنيا} أي حطامها سمي بذلك لأنه سريع الزوال كالعرض قسيم الجوهر {والله يريد الآخرة} أي ثوابها أو ما هو سبب الجنة وهو إعزاز الإسلام بإشاعة القتل في أعدائه. وقرىء بجر الآخرة أي عرض الآخرة على التقابل. {والله عزيز} يغلب أولياؤه على أعدائه ويقهرونهم ويلجئونهم إلى القتل والفداء بعد الأسر ولكنه {حكيم} لا يرخص في أخذ الفداء إلا بعد إفشاء القتل في الأعداء. والجواب أن كل ذلك محمول على ترك الأولى وكذا الكلام في قوله {لولا كتاب من الله سبق} أي لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح وهو أنه لا يعاقب أحداً يخطىء في الاجتهاد لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سبباً في إسلامهم وتوبتهم وحصول أولاد منهم مسلمين، وإن فداءهم يتقوى به على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعزّ للإسلام وأهيب لمن وراءهم. قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر لأن المسلمين كانوا قليلين فلما كثروا وقوي إسلامهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى{أية : حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء}تفسير : [محمد: 4] قال بعض العلماء: هذا الكلام يوهم أن مقتضى الآيتين مختلف وليس كذلك فإن كلتاهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان على الداء. وعن سعيد بن جبير {لولا كتاب من الله سبق} بأنه سيحل لكم الفدية وكأن قرب الوقت من التحليل يوجب تخفيف العقاب. وقال محمد بن إسحق {لولا كتاب من الله سبق} أنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي. وحاصل هذا القول يرجع إلى ترك الأولى ذلك أن الأولى وغير الأولى يشتركان في كونهما مباحين وإنما يعاتب على ترك الأولى لا على سبيل العقوبة بل على سبيل الحث على فعل الأولى. وعن بعضهم المراد حكم الله بأنه لا يعذب من شهد بدراً. واعترض بأنه يلزم أن لا يكونوا مكلفين. والجواب أن عدم العقاب على الذنب لا يوجب عدم التكليف فلعل التكليف لأجل زيادة الثواب. وقيل: لولا كتاب سبق بالعفو عن هذه الواقعة لكان استحقاق مس العذاب حاصلاً. روي أنهم أمسكوا عن الغنائم أو عن أخذ الفداء لأنه من جملة الغنائم فنزلت {فكلوا} والفاء للتسبيب ومعنى الآية قد أبحت لكم الغنائم فكلوا و {حلالاً} نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً {واتقوا الله} فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم تؤمروا به {إن الله غفور} لما فرط منكم من ترك الأولى {رحيم} فبذلك رخص لكم فيما رخص من أخذ الفداء ثم قال لاستمالة قلوب الأسارى {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى أن يعلم الله} إن يظهر معلومه أن {في قلوبكم خيراً} وهو الإيمان والعزم على طاعة الله وطاعة رسوله في جميع التكاليف والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول والتوبة عن محاربته {يؤتكم} في الدنيا {خيراً مما أخذ منكم} من المنافع العاجلة {ويغفر لكم} في الآخرة، أو المراد بالخير إيصال الثواب وبالمغفرة إزالة العقاب. ثم إنا قد نعلم أن كل من خلص من الأسر وآمن فقد آتاه الله في الدنيا خيراً لدلالة الآية على ذلك إجمالاً، وذلك الخير إن كان دينياً فلا شك أن كلهم قد وجدوا ذلك لأن قليل الدنيا مع الإيمان أعظم من كثير الدنيا مع الكفر، وإن كان دنيوياً فتفضيل ذلك غير معلوم إلا ما روي عن بعضهم كالعباس روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفاً، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه وأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ ما قدر على حمله وكان يقول: هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو المغفرة. وقال ابن عباس: نزلت الآية في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث. وكان العباس أسر بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه النوبة حتى أسر فقال العباس. كنت مسلماً إلا أنهم استكرهوني فقال صلى الله عليه وسلم: إن يكن ما تذكره حقاً فالله يجزيك فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا. قال العباس: وكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يترك ذلك الذهب عليّ فقال: أما شيء خرجت به تستعين به علينا فلا. قال: وكلفني الرسول صلى الله عليه وسلم فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية وفداء نوفل بن الحرث. فقال العباس: تركتني يا محمد أتكفف قريشاً: فقال رسول الله عليه وسلم: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: لا أدري ما يصيبني في وجهي فإن حدث فيّ حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل. فقال العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي. قال العباس: فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب. قال العباس: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جمع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربي. ثم قال {وإن يريدوا خيانتك} أي نكث ما بايعوك عليه، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما أطلقهم من الأسر عهد معهم أن لا يعودوا إلى محاربته وإلى معاضدة المشركين كما هو العادة فيمن يطلق من الحبس والأسر. وقيل: المراد من الخيانة منع ما ضمنوا من الفداء. {فقد خانوا الله من قبل} في كفرهم به ونقض ما أخذ على كل عاقل من ميثاقه. {فأمكن} أي المؤمنين {منهم} يوم بدر قتلاً وأسراً فذاقوا وبال أمرهم فسيمكن المؤمنين منهم مرة أخرى إن أعادوا الخيانة {والله عليم} بأحوالهم {حكيم} فيجازيهم على حسب أعمالهم. واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ظهرت نبوته بمكة ودعا الناس هناك إلى الدين ثم انتقل منها إلى المدينة، فمن المؤمنين من وافقه في الهجرة وهم المهاجرون الأولون، ومنهم من لم يوافقه في ذلك، ومنهم من هاجر بعد هجرته فذكر في خاتمة هذه السورة أحكام هذه الأصناف وأحوالهم مع ذكر أنصاره بالمدينة ومع ذكر الكفار أيضاً فقال {إن الذين آمنوا} ويدخل فيه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والانقياد لجميع التكاليف {وهاجروا} فارقوا الأوطان وتركوا الأقارب والجيران في طلب مرضاة الله {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} أما المجاهدة بالأموال فلأنهم إذا فارقوا الديار ضاعت مساكنهم ومزارعهم وضيعاتهم وبقيت في أيدي الأعداء واحتاجوا إلى الإنفاق في تلك العزيمة والسفرة وفي الغزوات والمحاربات، وأما المجاهدة بالأنفس فيكفي في وصف ذلك أنهم أقدموا على قتال أهل بدر من غير آلة ولا عدّة والأعداء في غاية الكثرة ونهاية الشدّة، وذلك يدل على أنهم أزالوا أطماعهم عن الحياة وبذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانوا أول الناس إقداماً على هذه الأفعال والتزاماً لهذه الخصال، ولهذه المسابقة أثر عظيم في تقوية الدين{أية : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}تفسير : [الحديد: 10] وذلك أن غيرهم يقتدي بهم وتقوى دواعيهم بما يرون منهم، والمحن تخف على القلوب بالمشاركة، ولأن المهاجرين لهم سابقة في الإسلام ذكر الله تعالى الأنصار بعدهم فقال {والذين آووا ونصروا} أي الذين أنزلوا المهاجرين بهم وجعلوا لهم مأوى أي نصروهم على أعدائهم {أولئك بعضهم أولياء بعض} أطبق جم غفير من المفسرين كابن عباس وغيره على أن المراد بهذه الولاية الإرث؛ كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون القرابة حتى نسخ ذلك بقوله {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} واستبعد الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله هذا التفسير لأنه يستلزم النسخ واستلزام النسخ محذور منه ما أمكن، ولأن لفظ الولاية يشعر بالقرب حيث يطلق دون الإرث كقولهم: السلطان ولي من لا ولي له. وقال سبحانه {أية : ألا أن أولياء الله لا خوف عليهم}تفسير : [يونس: 62] فإذن المراد أن المهاجرين والأنصار يعظم بعضهم بعضاً وبينهم معاونة وتناصر وأنهم يد واحدة على الأعداء، وأن حب كل واحد لغيره جار مجرى حبه لنفسه، أما قوله {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء} فوجهت قراءة حمزة بأن تولي بعضهم بعضاً شبه بالعمل والصناعة والتجارة والقصارة كأنه بتولية صاحبه يزاول أمراً ويباشر عملاً. قال المفسرون: لا يجوز أن يكون المراد بهذه الولاية النصرة والمعونة وإلا لم يصح عطف {وإن استنصروكم} عليه لأن الشيء لا يعطف على مثله، فالمراد بها الإرث كما مر. وأجيب بأنا لو حملناهما على التعظيم زال الإشكال وحصل التغاير لأن أهل الإيمان قد ينصر بعض أهل الذمة في بعض الأحوال مع أنهم لا يوالونهم بمعنى الإجلال والتعظيم، وكذا قد ينصر المرء عبده ولا تعظيم جعل الله تعالى حكم هؤلاء المؤمنين متوسطاً بين الأولين وبين الكفرة من حيث إنه نفى عنهم الولاية قبل أن يهاجروا وأثبت لهم النصرة عند الاستنصار إلا على الكفار المعاهدين لأنهم لا يبدأون بالقتال. ثم قال {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} ظاهره إثبات الموالاة بينهم والغرض نهي المسلمين عن مولاتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتوارث بعضهم بعضاً. وفيه أن المشركين واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وإن كان كل واحد منهم في نهاية الإنكار لصاحبه وذلك من أدل الدلائل أن تلك العداوة ليست لأجل الدين ولكنها محض الحسد والعناد، ومن جعل الولاية في هذه الآيات بمعنى الإرث استدل بذلك على أن الكفار في التوارث على اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة، فالمجوسي يرث الوثني، والنصراني يرث المجوسي، واليهودي يرث النصراني وبالعكس. ثم قال {لا تفعلوه} أي ما أمرتكم به من موالاة المسلمين المهاجرين ومن عدم موالاة غير المهاجرين إلا في حالة الاستنصار ومن عدم موالاة الكفرة أصلاً {تكن فتنة} أي تحصل مفاسد عظيمة {في الأرض} من تفرق الكلمة واختلاط المؤمن بالكافر ووقوع الهرج والمرج. ثم كرر تعظيماً لشأن المؤمنين وثناء عليهم قوله {والذين آمنوا وهاجروا} الآية. فوصفهم بأنهم هم المؤمنون حقاً و {لهم مغفرة ورزق كريم} وقد تقدم تفسير مثله في أول السورة. والحاصل أن هذه السعادات العالية إنما حصلت لهم لأنهم أعرضوا عن اللذات الجسمانية فتركوا الأهل والوطن وبذلوا النفس والمال، وفيه تنبيه على أنه لا طريق إلى تحصيل السعادات إلا بالإعراض عن هذه الجسمانيات. ثم وصف اللاحقين بالهجرة بعد السابقين إليها فقال {والذين آمنوا من بعد} نقل الواحدي عن ابن عباس: أن المراد بعد الحديبية وهي الهجرة الثانية. وقيل: بعد نزول الآية. وقيل: بعد يوم بدر والأصح أن المراد والذين هاجروا بعد الهجرة الأولى {فأولئك منكم} ألحقهم بالأولين تشريفاً للآخرين وتعظيماً لشأن السابقين، ولولا كون القسم الأول أشرف لما صح هذا الإلحاق. ثم ختم الكلام بقوله {وأولوا الأرحام} أي ذوو القرابات {بعضهم أولى ببعض} أي أحق بهم وأجدر {في كتاب الله} أي في حكمه وقسمته أو في اللوح أو في القرآن وهو آية المواريث. وهذه الآية ناسخة عند الأكثرين للتوارث بالهجرة والنصرة، أما الذين فسروا تلك الولاية بالنصرة والمحبة والتعظيم فإنهم قالوا: لما كانت تلك الولاية مخالفة للولاية بسبب الميراث بيّن الله تعالى في هذه الآية أن ولاية الإرث إنما تحصل بسبب القرابة فيكون المقصود من هذا الكلام إزالة ذلك الوهم أعني إزالة وهم من يجعل الولاية بمعنى الإرث. وقد تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في توريث ذوي الأرحام وهم ذوو قرابة ليست بسبب فرض ولا عصوبة أو كل قريب يخرج عن أصحاب الفروض والعصبات وإنهم عشرة أصناف: الجد أو الأم وكل جد وجدة ساقطين، وأولاد البنات، وبنات الإخوة، وأولاد الأخوات، وبنو الإخوة للأم والعم للأم، وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات. والخلاف في أنه إذا لم يوجد ذو فرض أو عصبة فهل يورث ذوو الأرحام أو يوضع المال في بيت المال؟ فقدمهم أبو حنيفة على بيت المال للآية، وعكس الشافعي وقال: إن الآية مجملة في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية فلما قال {في كتاب الله} كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه فصارت هذه الآية مقيدة بأحكام آية الميراث فلا تبقى حجة في توريث ذوي الأرحام. واعلم أنه سبحانه قال في أول الآيات {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} في براءة بتقديم {في سبيل الله} لأن في هذه السورة تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة في قوله {تريدون عرض الدنيا} وفي قوله {لمسكم فيما أخذتم} أي من الفداء وفي قوله {فكلوا مما غنمتم} وفي براءة تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله وهو قوله{أية : ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم}تفسير : [التوبة: 16] وفي قوله{أية : كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} تفسير : [التوبة: 19] ثم إنه حذف من الآية الثانية {بأموالهم وأنفسهم} اكتفاء بما في الأولى وحذف في الثالثة {في سبيل الله} أيضاً اكتفاء بما في الآيتين قبلها والله أعلم. ثم ختم السورة بقوله {إن الله بكل شيء عليم} والمراد أن هذه الأحكام التي ذكرتها وفصلتها كلها حكم وصواب وصلاح وليس فيها عيب وعبث، لأن العالم بجميع المعلومات لا يحكم إلا بالصواب ونظيره أن الملائكة لما {قال أتجعل فيها من يفسد فيها} قال مجيباً لهم{أية : أني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30]. التأويل: {ما كان لنبي} الروح {أن يكون له أسرى} أي نفس مأسورة وقوى موجهة إلى تدبير أمور المعاش والدعوة إلى الله وإن كان تصرفاً بالحق للحق حتى يشيع في أرض البشرية قتل القوى والنفوس المنطبعة بسيف الرياضة والمجاهدة، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي يتحنث في غار حراء {تريدون عرض الدنيا} فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا وكل إلى نفسه وطبعه يكون مائلاً إلى الدنيا راغباً فيها {والله يريد الاخرة} منكم أي ليس الإنسان من سجيته وطبعه أن يميل إلى الآخرة إنما هو بتوفيق الله إياه وبعنايته الأزلية {لولا كتاب من الله سبق} بأن الإنسان لا يكون منجذباً نحو عالم الأرواح بالكلية وإنما يكون متوسطاً بين العالمين مراعياً للطرفين {لمسكم فيما أخذتم} من فداء النفس المأسورة وهو التفاتها إلى تدبير البدن {عذاب عظيم} هو عذاب القطيعة والبعد عن عالم النور {فكلوا مما غنمتم} من أوقات الجهاد الأكبر من الأنوار والأسرار عند رفع الأستار {حلالاً طيباً} نفوسكم عن لوث محبنها فكل ما يشغل المرء عن الالتفاف إلى الله فهو شرك وصنم. {واتقوا الله} عما سواه {إن الله غفور} يستر بأنوار وجوده ظلمات وجودكم {رحيم} بكم حيث يغنيكم عنكم ويبقيكم به. {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى} من النفوس المأسورة التي أسرت في الجهاد الأكبر عند استيلاء سلطان الذل عليها {أن يعلم الله في قلوبكم خيراً} من الاطمئنان إلى ذكر الله والانقياد لأحكامه {يؤتكم خيراً} مما أخذ منكم من اللذات الفانية وأسبابها وذلك البقاء الحقيقي والذوق السرمدي {وإن يريدوا خيانتك} يعني الميل إلى ما جبلت النفوس عليه من طموح إلى الزخارف الدنيوية {فقد خانوا الله من قبل} بالتجاوز عن حدود الشريعة ورسوم الطريقة {فأمكن منهم} عند استيلاء الذكر عليها وقتلها بسيف الرياضة {والله عليم} بأحوالهم {حكيم} فيما دبر من أمر جهادها وتزكيتها. {والذين آووا} ذكر الله ومحبته في القلوب {ونصروا} المحبة بالذكر الدائم والطلب القائم {أولئك بعضهم أولياء بعض} في المرافقة والموافقة في الطلب والسير إلى الله {والذين آمنوا} بأن الطلب حق {ولم يهاجروا} عن أوصافهم وأفعالهم ووجودهم المجازي. {وإن استنصروكم} تمسكوا بأذيال إرادة الواصلين منكم {فعليكم النصر} بأن تدلوهم على طريق الحق بمعاملتكم وسيركم ليقتدوا بكم وبأحوالكم {إلا على قوم} أي إلا على بعض أحوالكم مما سالحتهم عليه نفوسكم بعد ما جاهدتموها وأسرتموها وأمنتم شرها، فلا تدلوا الطلاب على هذه الأحوال لئلا يميلوا إلى الصلح في أوان الجهاد {فأولئك منكم} يشير إلى أن المتأخرين إذا دخلوا في زمرة المتقدمين الواصلين فهم منهم وإنهم ذوو رحم الوصول لأنه ليس عند الله صباح ولا مساء ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : أمتي كالمطر لا يدري أوّلهم خير أم آخرهم ".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ...} الآية: قال * ع *: هذه آية تتضمَّن عندي معاتَبةً مِنَ اللَّه عزَّ وجلَّ لأصحاب نبيِّه عليه السلام والمعنى: ما كان ينبغي لكُمْ أَنْ تفعلوا هذا الفعْلَ الذي أوْجَبَ أن يكون للنبيِّ أَسْرَى قبل الإِثخان؛ ولذلك استمرَّ الخطابُ لهم بـــ {تُرِيدُونَ } والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر بٱستبقاءِ الرِّجَالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أراد صلى الله عليه وسلم قَطُّ عَرَضَ الدنيا، وإِنما فعله جمهورُ مُبَاشِرِي الحَرْبِ، وجاء ذكْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الآية؛ مشيراً إِلى دخوله عليه السلام في العَتْبِ؛ حين لم يَنْهَ عن ذلك حين رآه من العَرِيشِ، وأنْكَره سعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ولكَنَّه صلى الله عليه وسلم شَغَلَهُ بَغْتُ الأمر، وظهورُ النصر؛ عن النهْي ومَرَّ كثيرٌ من المفسِّرين؛ على أنَّ هذا التوبيخَ إنما كان بسبب إشارة مَنْ أشار على النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بأخذ الفدْيَةِ، حين ٱستشارهم في شأن الأَسرَى، والتأويل الأول أَحْسَنُ، والإِثخانُ: هو المبالغةُ في القَتْل والجراحةِ، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا }، أي: مالها الذي يعز وَيَعْرِضُ، والمراد: ما أُخِذَ من الأَسْرَىٰ من الأموال، {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ}، أيْ: عمل الآخرة، وذكَر الطبريُّ وغيره؛ أن رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلنَّاس: « حديث : إِنْ شِئْتُمْ، أَخَذْتُمْ فِدَاءَ الأسرى، وَيُقْتَلُ مِنْكُمْ في الحَرْبِ سَبْعُونَ عَلَىٰ عَدَدِهِمْ، وإِنْ شِئْتُمْ، قُتِلُوا وَسَلِمْتُمْ، فَقَالُوا: نَأْخُذُ المَالَ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا »تفسير : ، وذكر عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بسنده؛ أَنَّ جبريلَ نَزَلَ عَلَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بتخْيِيرِ النَّاسِ هكذا؛ وعَلَى هذا، فالأمر في هذا التخيير مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فإِنه إِعلامٌ بغيب، وإِذا خُيِّروا رضي اللَّه عنهم، فكيف يقع التوبيخُ بعدُ بقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}؛ فهذا يدُّلك على صحَّة ما قدَّمناه، أنَّ العتب لهم إِنما هو على استبقاءِ الرجالِ وقْتَ الهزيمةِ؛ رغبةً في أخْذ المال، وهو الذي أقولُ به، وذكر المفسِّرون أيضاً في هذه الآيات تحليلَ المَغَانِمِ، ولا أَقولُ ذلك؛ لأن تحليل المغانم قد تقدَّم قبْل بَدْرٍ في السَّرِيَّة التي قُتِلَ فيها ابْنُ الحَضْرَمِيِّ، وإِنما المُبْتَدَعُ في بَدْرٍ ٱستبقاءُ الرِّجَال؛ لأجل المال، والذي مَنَّ اللَّه به فيها: إِلحاق فدية الكافر بالمغانمِ التي تقدَّم تحليلها، وقوله سبحانه: {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ...} الآية:، قال ابن عبَّاس، وأبو هريرة، والحَسَن، وغيرهم: الكِتَابُ: هو ما كان اللَّه قَضَاهُ في الأَزَلِ مِنْ إِحلالِ الغنائمِ والفداءِ لهذه الأمة، وقال مجاهد وغيره: الكتابُ السابق: مغفرةُ اللَّهِ لأهْلِ بدر، وقيل: الكتاب السابقُ: هو ألاَّ يعذب اللَّه أحداً بذَنْبٍ إِلا بعد النَّهْيِ عنه، حكاه الطبريُّ. قال ابنُ العربيِّ في «أحكام القُرآن»: وهذه الأقوالُ كلُّها صحيحةٌ ممكنَةٌ، لكن أقواها ما سبق مِنْ إِحلال الغنيمة، وقد كانوا غَنِمُوا أوَّلَ غنيمةٍ في الإِسلام حينَ أرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّه بْنَ جَحْش. انتهى، ورُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « لَوْ نَزَلَ في هَذَا الأَمْرِ عَذَابٌ، لَنَجَا مِنْهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب»، وفي حديث آخر: «وسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ»؛ وذلك أن رأيهما كان أنْ تُقْتَلَ الأَسْرَى، وقوله سبحانه: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ...} الآية: نصٌّ عَلَى إِباحة المال الذي أُخِذَ من الأسْرَى، وإِلحاقٌ له بالغنيمة التي كان تقدَّم تحليها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} الآية. قرأ أبو عمرو "تكون" بالتأنيث، مراعاةً لمعنى الجماعة، والباقون بالتَّذكير، مراعاةً للفظ الجمع، والجمهورُ هنا على "أسْرَى" وهو قياس "فعيل" بمعنى "مفعول" دالاًّ على أنه كـ: جَريح وجَرْحَى. وقرأ ابنُ القعقاع والمفضَّل عن عاصم "أسَارَى" شبَّهُوا "أسير" بـ: "كَسْلان" فجمعوهُ على "فُعَالَى" كَـ: "كُسَالَى"، كما شَبَّهُوا به "كسلان" فجمعوه على "كَسْلَى"، وقد تقدَّم القولُ فيهما في البقرة. قال الزمخشري: "وقرىء "ما كان للنَّبي" على التعريف" فإن قيل: كيف حسن إدخال لفظة "كان" على لفظة "يكون" في هذه الآية؟ فالجوابُ: قوله "مَا كانَ" معناه النفي والتنزيه، أي: ما يجب وما ينبغي أن يكون المعنى المذكور، كقوله: {أية : مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}تفسير : [مريم: 35]. قال أبو عبيدة "يقول: لم يكن لنبي ذلك، فلا يكن لك، ومن قرأ {مَا كَان للنَّبي} فمعناه: أنَّ هذا الحكم ما كان ينبغي حصوله لهذا النبي، وهو محمد عليه الصلاة والسلام". قوله: "حتَّى يُثخِنَ" قرأ العامَّةُ "يُثْخنَ" مخففاً، عدوهُ بالهمزة. وقرأ أبُو جعفر ويحيى بن وثاب ويحيى بن يعمر "يُثَخِّنَ" بالتشديد، عدوهُ بالتضعيف، وهو مشتقٌّ من الثَّخانة، وهي الغِلَظ والكثافة في الأجسام، ثمَّ يُسْتَعار ذلك في كثرة القتل، والجراحات، فيقال: أثْخَنَتْه الجراح، أي: أثقلته حتى أثْبَتَتْه، ومنه "حتَّى إذا أثخنتموهم". وقيل: حتى يقهر، والإثخان: القهرُ. وأنشد المفضلُ: [الطويل] شعر : 2738 - تُصَلِّي الضُّحَى ما دَهْرُهَا بتَعَبُّدٍ وقَدْ أثْخَنَتْ فرعَونَ في كُفُرِهِ كُفْرَا تفسير : كذا أنشده الهروي شاهداً على القهر، وليس فيه معنى، إذا المعنى على الزِّيادة والمبالغةِ المناسبةِ لأصل معناه، وهي الثَّخانة. ويقال منه: ثَخُنَ يَثْخُنُ ثَخَانَة فهو ثَخِين، كـ: ظَرُفَ يَظْرُف ظَرَافَةً، فهو ظريفٌ. قوله {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}. الجمهورعلى نصب "الآخرة". وقرأ سليمانُ بن جماز المدني بجرِّها، وخُرِّجتْ على حذفِ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه. وقدَّره بعضهم عرض الآخرة، فعيب عليه؛ إذْ لا يحسن أن يقال: والله يريد عرض الآخرة فأصلحه الزمخشريُّ بأنْ جعلهُ كذلك؛ لأجل المقابلة، قال: "يعني ثوابها" وقدَّره بعضهم بـ "أعمال"، أو "ثواب"، وجعله أبُو البقاءِ كقول الآخر: [المتقارب] شعر : 2739 -..................... ونَارٍ توقَّدُ باللَّيْلِ نَارَا تفسير : وقدَّر المضاف: "عَرَضَ الآخِرَةِ". قال أبُو حيان: "ليست الأيةُ مثل البيت، فإنهُ يجوزُ ذلك، إذَا لمْ يُفْصل بين حرف العطف وبين المجرور بشيء كالبيت، أو يفصل بـ "لا" نحو: "ما مثل زيد ولا أخيه يقولان ذلك" أمَّا إذَا فُصِل بغيرها كهذه القراءةِ فهو شاذٌّ قليل". فصل اعلم أنَّهُ تعالى علَّم في هذه الآية حكماً آخر من أحكام الجهادِ في حقّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قال الزجاج: "أسْرَى" جمع، و"أسَارَى" جمع الجمع. والإثخان: قال الواحديُّ: "الإثخان" في كُلِّ شيء: عبارة عن قوَّته وشدَّته. يقال: قد أثخنه المرض: إذا اشتد قوة المرض عليه وكذلك أثخنته الجراح. فقوله: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: حتى يقوى ويشتد ويغلب ويقهر. قال أكثر المفسرين: المرادُ منه: أين يبالغ في قتل أعدائه، قالوا: وإنَّما جعلنا اللَّفظ يدل عليه؛ لأنَّ الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتل؛ قال الشَّاعرُ: شعر : 2740 - لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفيعُ من الأذَى حتَّى يُراقَ على جوانبِهِ الدَّمُ تفسير : وكثرة القتل توجب قوة الرهب وشدة المهابة، وكلمة "حتّى" لانتهاء الغايةِ، فقوله {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} يدُلُّ على أنَّ بعد حصول الإثخان في الأرض فله أن يقدم على الأسارى. وقوله: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} المرادُ منه: الفداء، وإنَّما سمى منافع الدنيا عرضاً؛ لأنَّهُ لا ثبات له ولا دوام، فكأنه يعرض ثم يزول، ولذلك سمَّى المتكلمون الأعراض أعراضاً، لأنها لا ثبات لها كثبات الأجسام؛ لأنها تطرأ على الأجسام، وتزول عنها والأجسام باقية. وقوله: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} أي: أنه تعالى لا يريدُ ما يفضي إلى السعادات الدنيوية التي تعرض وتزول، وإنَّما يريد ما يفضي إلى السعادات الأخروية الدائمة الباقية المصونة عن التبدل والزوال. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوكم؛ لأنَّ الله عزيز لا يقهر ولا يغلب، حكيم في تدبير مصالح العالم. قال ابنُ عبَّاسٍ: "هذا الحكم إنَّما كان يوم بدر؛ لأنَّ المسلمين كانوا قليلين، فلما كثروا وقوي سلطانهم أنزل اللَّهُ بعد ذلك في الأسارى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً}تفسير : " [محمد: 4]. قال ابنُ الخطيبِ: "هذا الكلامُ يوهم أنَّ قوله: {فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً} يزيدُ على حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ كلتا الآيتين متوافقتان، فإنهما يدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء". فصل احتج الجبائيُّ والقاضي بهذه الآية على فساد قول من يقول: كلُّ ما يكون من العبد فاللَّهُ يريدُه؛ لأنَّ هذا الأسر وقع منهم على هذا الوجه، ونصَّ اللَّهُ على أنَّهُ لا يريده، بل يريد منهم ما يؤدي إلى ثواب الآخرة وهو الطاعة. وأجيبوا: بأنه تعالى ما أراد أن يكون هذا الأمر منهم طاعة وعملاً جائزاً مأذوناً فيه، فلا يلزم من نفي الإرادة كون هذا الأمر طاعة، نفي كونه مراد الوجود. فصل روي عن عبد الله بن مسعود قال: حديث : لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "ما تقُولُون في هؤلاءِ الأسْرَى" فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك اسْتَبْقِهِمْ، واستأن بهم لعلَّ الله أن يتوب عليهم، وخُذْ منهم فدية تكون لنا قوة على الكُفَّارِ. وقال عمرُ: يا رسول الله: كذبوك وأخرجوك، فَدَعْنَا نضرب أعناقهم، مكِّن عليًّا مِنْ عقيلٍ فيَضْرب عُنقَهُ، ومكِّنِي من فلانٍ: "نَسيباً لِعمَرَ" فأضْرِبَ عُنُقَهُ، فإن هؤلاء أئِمَّةُ الكفرِ. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب؛ فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم ناراً، فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إنَّ اللَّهَ ليليِّن قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ومثلك يا عمر، كمثل نوح، قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26] ومثلك كمثل موسى، قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} [يونس: 88] الآية". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم اليوم عالة فلا ينقلبن أحد منهم إلاَّ بفداء أو ضرب عنق". قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام فسكت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتَّى قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء. قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب: فَهَوِيَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكرٍ ولمْ يَهْوَ ما قلت، فلمَّا كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعديْن يبكيانِ، قلتُ: يا رسُول الله، أخبِرْنِي مِنْ أيِّ شيءٍ تَبْكِي أنتَ وصاحبُكَ، فإنْ وجَدْتُ بكاءً بكَيْتُ، وإنْ لَمْ أجِدْ بكاءً تَباكَيْتُ لبكائِكُما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبكي للَّذي عَرَض عليَّ أصحابُكَ مِنْ أخذهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهُم أدْنَى مِنْ هذه الشجَّرةِ"تفسير : . شجرةٍ قريبةٍ مِنَ النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} إلى قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} وأحَلَّ الله الغنيمةَ لهُمْ. وكان الفداء لكل أسيرٍ أربعين أوقية، والأوقيةُ: أربعون درهماً. قوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قال ابنُ عباسٍ: كانت الغنائمُ حراماً على الأنبياء؛ فكانُوا إذَا أصابوا مَغْنَماً جعلوه للقربان فكانت تنزل نار من السَّماءِ فتأكله، فلمَّا كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم، وأخذ الفداء، فأنزل اللَّهُ تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ}. يعني: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنَّهُ تحلُّ لكم الغنائم لمَسَّكُم العذاب. وهذا مشكل؛ لأنَّ تحليل الغنائم والفداء، هل كان حاصلاً في ذلك الوقت، أو ما كان حاصلاً فيه؟ فإن كان ذلك التَّحليل والإذن حاصلاً في ذلك الوقت امتنع إنزال العذاب عليهم؛ لأنَّ ما كان مأذوناً فيه من قبل الشرع لم يحصل العقابُ على فعله. وإن قلنا: إنَّ الإذن ما كان حاصلاً في ذلك الوقت كان ذلك الفعل حراماً في ذلك الوقت، أقصى ما في الباب أنَّهُ سيحكم بحله بعد ذلك، إلاَّ أنَّ هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت. فإن قالوا: إنَّ كونه بحيثُ يصير بعد ذلك حلالاً، يوجبُ تخفيف العقابِ. قلنا: فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب. قال ابنُ العربيِّ: "في هذه الآية دليلٌ على أنَّ العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراماً ممَّا هو في علم اللَّه حلال له لا عقوبة عليه، كالصَّائم إذا قال: هذا يوم نَوْبي فأفطر الآن، وتقولُ المرأة: هذا يوم حيضتي فأفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيضُ الموجبان للفطر، فمشهور المذهب أن فيه الكفارة، وهو قول الشافعيِّ. وقال أبُو حنيفة: لا كفارة عليه. وجه الأوَّل أنَّ طريق الإباحة لا يثبت عذراً غير عقوبة التَّحْريمِ عند الهتكِ، كما لَوْ وَطىء امرأة ثمَّ نكحها. ووجه قول أبي حنيفةَ: أنَّ حرمة اليوم ساقطة عند الله - عزَّ وجلَّ -، فصادف الهَتْكَ محلاًّ لا حرمةَ له في عِلْمِ اللَّه تعالى، كما لو قصد وطء امرأة زُفَّت إليه، وهو يعتقدُ أنَّها ليست بزوجةٍ له فإذا هي زوجته". قال القرطبيُّ: "وهذا أصحُّ". وقال ابن جريح: {لولا كتابٌ من اللَّهِ سبقَ} أنَّهُ لا يضلُّ قوماً بعد إذْ هداهم حتَّى يبين لهم ما يتقون، وأنَّهُ لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة، وأنَّهُ لا يعذب إلا بعد النهي، لعذبكم فيما صنعتم، وأنَّهُ تعالى ما نهاهم عن أخْذِ الفداءِ. وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لانَّا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء. فهل حصل دليل عقليّ يقتضي حرمته أم لا؟ فإن قلنا: حصل، فيكون اللَّهُ تعالى قد بيَّن تحريمه بواسطة ذلك الدَّليل العقلي، فلا يمكن أن يقال: إنَّهُ تعالى لم يُبيَِّن تلك الحرمة، وإن قلنا: إنه ليس في العقل ولا في الشَّرع ما يقتضي المنع؛ فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلاً وإذا كان الإذن حاصلاً فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله؟ وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: {لوْلاَ كتابٌ مِن الله سبقَ} أنَّهُ لا يعذِّب أحداً شهد بدراً مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً مشكلٌ؛ لأنَّهُ يقتضي أن يقال: إنهم ما منعُوا عن الكُفْرِ والمعاصي والزِّنا والخمر، وما هددوا بترتيب العذابِ على هذه القبائح، وذلك يوجبُ سقوط التَّكاليف عنهم، ولا يقوله عاقل، وأيضاً فلو كان كذلك، فكيف أخذهم اللَّهُ في ذلك الموضع بِعَيْنه في تلك الواقعةِ بعينها؟ قال ابنُ الخطيب: "واعلمْ أنَّ النَّاس أكثروا فيه، والمعتمد في هذا الباب أن نقول: أمَّا على قول أهل السنة: فيجوز أن يعفُو اللَّهُ عن الكبائر. فقوله {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمَسَّهُم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ}تفسير : [الأنعام: 54] وقوله "سبقت رحمتي غضبي". وأمَّا على قول المعتزلة: فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر، فكان معناه {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} في أنَّ من احترزَ عن الكبائر صارت صغائره مغفورة، وإلاَّ لمسَّهُم عذابٌ عظيمٌ، وهذا الحكمُ وإن كان ثابتاً في حقِّ جميع المسلمين، إلاَّ أنَّ طاعات أهل بدر كانت عظيمة، وهو قبولهم الإسلام، وانقيادهم لمحمَّدٍ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال: إنَّ الثَّوابَ الذي استحقُّوهُ على هذه الطاعات كان أزيدَ من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب، لا جرم صار هذا الذنب مغفوراً، ولو قدّرْنا صدور هذا الذنب من المسلمين، لما صار مغفوراً، فبسبب هذا القدر من التفاوت، حصل لأهْلِ بدر هذا الاختصاص". قال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحدٌ ممَّن حضر إلاَّ أحبَّ الفداء، إلاَّ عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسُول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا نَبِيَّ الله الإثْخَان في القَتْلِ أحب إليَّ من استبقاءِ الرِّحالِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو نزل من السَّماءِ عذابٌ لما نَجَا منه غير عمر بن الخطاب، وسعد بن معاذ ". تفسير : قوله تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} الآية. روي أنهم أمسكوا أيديهم عمَّا أخذُوا من الفداء، فنزلت هذه الآية. فإن قيل: ما معنى "الفاء" في قوله: "فَكُلُوا"؟ فالجوابُ: التقدير قد أبحت لكم الغنائم فكلوا. و "مَا" يجُوزُ أن تكون مصدرية، والمصدرُ واقعٌ موقع المفعول، ويجوزُ أن تكون بمعنى "الَّذي" وهو في المعنى كالذي قبله، والعائد على هذا محذوف. وقوله: "حَلاَلاً" نصبٌ على الحَالِ، إمَّا من ما الموصولةِ، أو من عائدها إذَا جعلناها اسمية. وقيل: هو نعتُ مصدرٍ محذوف، أي: أكْلاً حلالاً. وقوله: "واتَّقُوا" قال ابنُ عطية: "وجاء قوله: "واتَّقُوا اللَّهَ" اعتراضاً فصيحاً في أثناء القولِ؛ لأنَّ قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} متصلٌ بقوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُم} يعني: أنه متصلٌ به من حيث إنه كالعلة له. والمعنى: واتقوا اللَّهَ ولا تُقْدِمُوا بعد ذلك على المعاصي واعلموا أنَّ اللَّه غفور لما أقدمتم عليه من الزلة".

السيوطي

تفسير : أخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏أن يكون له أسرى‏} ‏ ‏"‏‏. وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال‏: إن الله أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله، اضرب أعناقهم‏؟‏ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ "يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس‏.‏ فقام عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله، اضرب أعناقهم‏؟‏ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد فقال مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء‏.‏ فعفا عنهم وقبل منهم الفداء، فنزل {لولا كتاب من الله سبق} [‏الأنفال: 68‏]‏ الآية ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في الآية قال ‏"‏حديث : استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله، قد أعطاك الظفر ونصرك عليهم ففادهم، فيكون عوناً لأصحابك، واستشار عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله، أضرب أعناقهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: رحمكما الله‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ما أشبهكما باثنين مضيا قبلكما‏:‏ نوح وإبراهيم، أما نوح فقال ‏{‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏} ‏[‏نوح: 26‏]‏ وأما إبراهيم فإنه يقول ‏{‏فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم‏}‏ ‏[‏إبراهيم: 36]‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏ حديث : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله، قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فأضرب أعناقهم‏.‏ وقال عبدالله بن رواحة رضي الله عنه‏:‏ أنظروا وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم نارا‏ً.‏ فقال العباس رضي الله عنه وهو يسمع ما يقول‏:‏ قطعت رحمك‏.‏ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً فقال أناس‏:‏ يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه‏؟‏ وقال أناس‏:‏ يأخذ بقول عمر رضي الله عنه‏؟‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال ‏{فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم‏} ‏[‏إبراهيم: 36‏]‏ ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال ‏{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم‏}‏ ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال ‏{‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏ً}‏ ‏[‏نوح: 26‏]‏ ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذ قال ‏{‏ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم‏}‏ ‏[‏يونس: 88‏] أنتم عالة، فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق‏. فقال عبدالله رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله، الا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليّ الحجارة مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إلا سهيل بن بيضاء، فأنزل الله تعالى ‏ {‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ‏إلى آخر الآيتين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ فضل عمر رضي الله عنه عن الناس بأربع‏:‏ بذكره الأسارى يوم بدر فأمر بقتلهم فأنزل الله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏} ‏، وبذكره الحجاب، أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت زينب رضي الله عنها‏:‏ وإنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا‏؟‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب‏} ‏تفسير : [‏الأحزاب: 53‏]‏، ودعوة نبي الله اللهم أيد الإِسلام بعمر، ورأيه في أبي بكر رضي عنه كان أول الناس بايعه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"حديث : ‏استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في أسارى بدر، فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله، استبق قومك وخذ الفداء‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله، اقتلهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو اجتمعتما ما عصيتكما، فأنزل الله ‏{‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى‏} ‏ الآية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسارى يوم بدر ‏"حديث : ‏إن شئتم فاقتلوهم وإن شئتم فاديتم واستمتعتم بالفداء واستشهد منكم بعدتهم، فكان آخر السبعين ثابت بن قيس رضي الله عنه استشهد يوم اليمامة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال ‏"‏نزل جبريل عليه السلام على النبي يوم بدر فقال‏:‏ إن ربك يخبرك إن شئت أن تقتل هؤلاء الأسارى وان شئت أن تفادي بهم ويقتل من أصحابك مثلهم، فاستشار أصحابه، فقالوا‏:‏ نفاديهم فنقوى بهم ويكرم الله بالشهادة من يشاء". ‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس من أسارى بدر‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏ملكان من الملائكة أحدهما أحلى من الشهد والآخر أمر من الصبر، ونبيان من الأنبياء أحدهما أحلى على قومه من الشهد والآخر أمر على قومه من الصبر، فإما النبيان فنوح قال {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً‏}‏ ‏[‏نوح : 26‏]‏، وأما الآخر فإبراهيم إذ قال ‏{‏فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ‏[‏إبراهيم: 36‏]‏، وأما الملكان فجبريل وميكائيل، هذا صاحب الشدة وهذا صاحب اللين‏.‏ ومثلهما في أمتي، أبو بكر وعمر‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما‏: ألا أخبركما بمثليكما في الملائكة ومثليكما في الأنبياء، مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال ‏{‏فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} ‏[‏إبراهيم: 36‏]‏ ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء مثل نوح قال ‏{‏رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا‏ً}‏ ‏[‏نوح: 26‏]‏‏ ".‏ تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عمر رضي الله عنهما ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار أبو بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ قومك وعشيرتك، فخل سبيلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ اقتلهم‏.‏ ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏{‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ كاد أن يصيبنا في خلافك شر". وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ‏"‏حديث : لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار وقد وعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه، فقال له عمر‏:‏ فآتيهم‏؟‏ قال‏: نعم‏. فأتى عمر رضي الله عنه الأنصار فقال لهم‏:‏ ارسلوا العباس‏.‏ فقالوا‏:‏ لا والله لا نرسله‏.‏ فقال لهم عمر رضي الله عنه‏:‏ فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا‏؟‏ قالوا‏:‏ فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضا فخذه‏.‏ فأخذه عمر رضي الله عنه، فلما صار في يده قال له‏:‏ يا عباس، أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك‏.‏ قال‏:‏ فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه، فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ عشيرتك فأرسلهم، فاستشار عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ اقتلهم‏.‏ ففاداهم رسول الله، فأنزل الله ‏ {‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى‏}‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل يوم بدر صبراً إلا ثلاثة‏.‏ عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحرث، وطعمة بن عدي، وكان النضر أسره المقداد‏"‏‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال ‏"حديث : ‏اختلف الناس في أسارى بدر، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ فادهم‏.‏ وقال عمر رضي الله عنه‏:‏ اقتلهم‏.‏ قال قائل‏:‏ أرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهدم الإِسلام ويأمره أبو بكر بالفداء‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وقال قائل‏:‏ لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلا عمر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ لما كان يوم بدر تعجل الناس إلى الغنائم فأصابوها قبل أن تحل لهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الغنيمة لا تحل لأحد سود الرؤوس قبلكم، كان النبي وأصحابه إذا غنموا جمعوها ونزلت نار من السماء فأهلكتها، فأنزل الله هذه الآية ‏{‏لولا كتاب من الله سبق‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلى آخر الآيتين ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏} ‏ قال‏:‏ يقول لولا أنه سبق في علمي أني سأحل المغانم ‏ {‏لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏} ‏ قال‏:‏ وكان العباس بن عبد المطلب يقول‏:‏ أعطاني الله هذه الآية ‏{أية : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى‏} ‏تفسير : [‏الأنفال : 70‏]‏ وأعطاني بما أخذ مني أربعين أوقية أربعين عبدا‏ً.‏ وأخرج إسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏} ‏ يعني غنائم بدر قبل أن يحلها لهم يقول‏:‏ لولا أني أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه لمسكم عذاب عظيم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى‏} ‏ قال‏:‏ ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى ‏{أية : ‏فإمَّا منَّا بعد وإما فداء‏}‏ ‏تفسير : [‏محمد: 4‏]‏ فجعل الله النبي والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادوهم، وفي قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏}‏ يعني في الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم ‏ {‏لمسكم فيما أخذتم‏}‏ من الأسارى ‏ {‏عذاب عظيم، فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً} ‏ قال‏:‏ وكان الله تعالى قد كتب في أم الكتاب المغانم والأسارى حلالاً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته ولم يكن أحله لأمة قبلهم، وأخذوا المغانم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل إليهم في ذلك‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏حتى يثخن في الأرض‏} ‏ يقول‏:‏ حتى يظهروا على الأرض‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الإِثخان هو القتل‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض‏} ‏ قال‏:‏ نزلت الرخصة بعد، إنْ شئتَ فمنّ وإنْ شئتَ ففاد‏. وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏تريدون عرض الدنيا‏} ‏ قال‏:‏ أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء، ففادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏تريدون عرض الدنيا‏} ‏ يعني الخراج‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد رضي الله عنه قال‏:‏ ليس أحد يعمل عملاً يريد به وجه الله يأخذ عليه شيئاً من عرض الدنيا إلا كان حظه منه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ لو لم يكن لنا ذنوب نخاف على أنفسنا منها إلا حبنا للدنيا لخشينا على أنفسنا، إن الله يقول ‏ {‏تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة‏} ‏ أريدوا ما أراد الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏}‏ قال‏:‏ سبق لهم المغفرة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏} ‏ قال‏:‏ سبق لأهل بدر من السعادة ‏ {‏لمسكم فيما أخذتم‏}‏ قال‏:‏ من الفداء ‏ {‏عذاب عظيم‏} ‏‏.‏ وأخرج النسائي وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏}‏ قال‏:‏ سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا المعصية‏. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن خيثمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان سعد رضي الله عنه جالساً ذات يوم وعنده نفر من أصحابه إذ ذكر رجلاً فنالوا منه، فقال‏:‏ مهلاً عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنا أذنبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذنباً، فأنزل الله ‏{‏لولا كتاب من الله سبق‏} ‏ قال‏:‏ فكنا نرى أنها رحمة من الله سبقت لنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق‏} ‏ قال‏:‏ في أنه لا يعذب أحداً حتى يبين له ويتقدم إليه‏. وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : فضلت على الأنبياء بست‏:‏ أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن المنذر عن أبي ذر رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي‏:‏ بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر، وقال لي‏:‏ سل تعطه‏.‏ فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً، وأحلت لأمتي الغنائم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : لم تكن الغنائم تحل لأحد كان قبلنا، فطيبها الله لنا لما علم الله من ضعفنا تفسير : ، فأنزل الله فيما سبق من كتابه إحلال الغنائم ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏} ‏ فقالوا‏:‏ والله يا رسول الله، لا نأخذ لهم قليلاً ولا كثيراً حتى نعلم أحلال هو أم حرام‏؟‏ فطيبه الله لهم، فأنزل الله تعالى ‏{‏فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم‏} ‏ فلما أحل الله لهم فداهم وأموالهم‏.‏ قال الأسارى‏:‏ ما لنا عند الله من خير قد قتلنا وأسرنا، فأنزل الله يبشرهم ‏{أية : ‏يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى‏} ‏تفسير : [‏الأنفال : 70‏]‏ إلى قوله ‏{أية : ‏والله عليم حكيم‏} تفسير : [الأنفال: 71].‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمم، إذا أصابوا منه جعلوه في القربان وحرم الله عليهم أن يأكلوا منها قليلاً أو كثيراً، حرم ذلك على كل نبي وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه ولا يغلون منه ولا يأخذون منه قليلاً ولا كثيراً إلا عذبهم الله عليه، وكان الله حرمه عليهم تحريماً شديداً فلم يحله لنبي إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم، قد كان سبق من الله في قضائه أن المغنم له ولأمته حلال، فذلك قوله يوم بدر في أخذه الفداء من الأسارى ‏ {‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم‏}‏‏ .‏ وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس رضي الله عنهما، لما رغبوا في الفداء أنزلت ‏ {‏ما كان لنبي‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ إلى قوله ‏{‏لولا كتاب من الله سبق‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ سبق من الله رحمته لمن شهد بدراً، فتجاوز الله عنهم وأحلها لهم‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [الآية: 67]. قال جعفر: تريدون الدنيا، والله يريد الآخرة وما يريده الله لكم خير مما تريدونه لأنفسكم.

القشيري

تفسير : أي لا ينبغي لنبي من الأنبياء - عليهم السلام - أن يأخذ أسارى من أعدائه ثم يرضى بأن يأخذ منهم الفِداء، بل الواجب عليه أن يُثْخِنَ في الأرض أي يبالغ في قتل أعدائه - إذ يُقال أثخنه المرضُ إذا اشتدَّ عليه. وقد أَخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدرٍ منهم الفِداء، وكان ذلك جائزاً لوجوب القول بعصمته، ولكن لو قاتلتم كان أوْلى. وأراد "بعَرَضِ الدنيا" أخذ الفداء، والله جعل الفداء، والله جعل رضاه في أن يقاتلوهم، وحرمة الشرع خلاف رحمة الطبع؛ فشرطُ العبودية أن يؤثر العبدُ الله، وإذا كان الأمر بالغِلظة فكما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}تفسير : [النور: 2]. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ}: بالانتقام من أعدائه "حكيمُ": في جميع ما يصنع من التمليك والإملاك، والتيسير والتدبير.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} اخبر سبحانه عن سر فطرة نفس الامارة التى من حيلتها ان تميل فى اكثر الاوقات الى شر مواتها وذلك ميلان النفس لا ميلان القلب اخبر عن الخطرات دون الوطنات وحاشا الذمم يريدون عرض الدنيا ولا يريدون مشاهدة الحق ولقاء الاخرة لكن ما مسامحهم الله فى حرمان تلك الخواطر بقدس اسرارهم وطهارة نياتهم فى معرفته وخدمته الاقوى كيف حذر نبيّه عليه السلام مع جلالته عن النظر الى عرض الدنيا بقوله ولا تعد عيناك عنهم تزيد زينة الحيوة الدنيا وقال لا تمدن عينيك الى ما متعنا به اى تريدون الرفاهية فى المجاهدة من قبيل النفس خاطر ان انا اريد بكم كشف مشاهدة الاخرة ووصولكم الى مقام القربة والمشاهدة قال جفعر ما يريد الله لكم خير ما يُريدون لانفسكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما كان} ما صح ما استقام {لنبى} من الانبياء عليهم السلام {ان يكون له اسرى} اى يثبت له فكان هذه تامة. واسرى جمع اسير كجرحى جمع جريح واسارى جمع الجمع -روى- انه عليه السلام اتى يوم بدر بسبعين اسيرا فيهم العباس وعقيل بن ابى طالب فاستشار فيهم فقال ابو بكر هم قومك واهلك استبقهم لعل الله يهديهم الى الاسلام وخذ منهم فدية وتقوى بها اصحابك وقال عمر كذبوك واخرجوك من ديارك وقاتلوك فاضرب اعناقهم فانهم ائمة الكفر مكنى من فلان لنسيب له ومكن عليا من عقيل وحمزة من العباس فلنضرب اعناقهم فلم يهو ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "حديث : ان الله ليلين قلوب رجال حتى تكون الين من اللبن وان الله ليشدد قلوب الرجال حتى لا تكون اشد من الحجارة وان مثلك ياابا بكر مثل ابراهيم قال فمن تبعنى فانه منى ومن عصانى فانك غفور رحيم ومثلك يا عمر مثل نوح قال لا تذر على الارض من الكافرين ديارا" تفسير : فخير اصحابه بان قال لهم "حديث : ان شئتم قتلتوهم وان شئتم اطلقتموهم" تفسير : بان تأخذوا من كل اسير عشرين اوقية والاقية اربعون درهما فى الدراهم وستة دنانير فى الدنانير "حديث : الا ان يستشهد منكم بعدتهم" تفسير : فقالوا بل ناخذ الفداء ويدخل منا الجنة سبعون وفى لفظ ويستشهد مناعدتهم فاستشهدوا يوم احد بسبب قولهم هذا واخذهم الفداء فنزلت الآية فى فداء اسارى بدر فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو وابو بكر يبكيان فقال يا رسول الله اخبرنى فان اجد بكاء بكيت والا تباكيت فقال "حديث : ابكى على اصحابك فى اخذهم الفداء ولقد عرض علىّ عذابهم ادنى من هذه الشجرة" تفسير : لشجرة قريبة منه. قال فى السيرة الحلبية اسرى بدر منهم من فدى ومنهم من خلى سبيله من غير فداء وهو ابو العاص ووهب بن عمير ومنهم من قتل وهو النضر بن الحارث وعقبة بن ابى معيط {حتى يثخن فى الارض} يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الاسلام ويستولى اهله وحتى لانتهاء الغاية فدل الكلام على ان له ان يقدم على الاسر والشد بعد حصول الاثخان وهو مشتق من الثخانة وهى الغلطة والكثافة فى الاجسام ثم استعير فى كثرة القتل والمبالغة فيه لان الامام اذا بالغ فى القتل يكون العدو كشيء ثقيل يثبت فى مكانه ولا يقدر على الحركة يقال اثخنه المرض اذا اضعفه واثقله وسلب اقتداره على الحركة {تريدون عرض الدنيا} استئناف مسوق للعتاب اى تريدون حطامها باحذكم الفداء وسمى المال عرضا لقل لبثه فمنافع الدنيا وما يتعلق بها لاثبات لها ولا دوام فصارت كأنها تعرض ثم تزول والخطاب لهم لا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واجله اصحابه فان مراد ابى بكر كان اعزاز الدين وهداية اسارى وفيه اشارة الىان اخذ الفداء من اسارى المشركين ما كان شيمة للنبى عليه السلام ولا لسائر الانبياء فانه رغبة فى الدنيا ومن شيمة النبى عليه السلام انه قال "حديث : مالى وللدنيا " شعر : كين جهان جيفه است ومردار ورخيص بر جنين مردار جون باشم حريص تفسير : وانما رغب فى بعضهم بعد ان شاورهم بامر الله تعالى اذا أمره بقوله وشاورهم فى الامر {والله يريد الآخرة} يريد لكم ثواب الآخرة الذى لا مقدار عنده للدنيا وما فيها. قال سعدى جلبى المفتى لعل المراد والله اعلم والله يرضى فاطلق الارادة على الرضى على سبيل المشاكلة فلا يرد ان الآية تدل على عدم وقوع مراد الله تعالى خلاف مذهب اهل السنة {والله عزيز} يغلب اولياؤه على اعدائه {حكيم} يعلم بما يليق بكل حال ويخصها به كما امر بالاثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المنّ بقوله تعالى {أية : فإما منّاً بعد وإما فدآء} تفسير : [محمد: 4] لما تحولت الحال وصار الغلبة للمؤمنين. قال بعضهم دلت الآية على ان الانبياء مجتهدون لان العتاب الذى فيها لا يكون فيما صدر عن وحى ولا فيما كان صوابا وانه قد يكون خطأ ولكن لا يتركون عليه بل ينبهون على الصواب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ما كان لنبي أن يكونَ له أسرى} يقبضها {حتى يُثخِنَ} أي: يبالغ {في الأرض}؛ بالقتل حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولي أهله. {تُريدون} بقبض الأسارى {عَرَض الدنيا}؛ حطامها بأخذ الفداء منهم، {والله يُريدُ الآخرة} أي: يريد لكم ثواب الآخرة، الذي يدوم ويبقى، أو يريد سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، {والله عزيز} يغلب أولياءه على أعدائه، {حكيم} يعلم ما يليق بكمال حالهم ويخصهم بها، كما أمر بالإثخان، ومَنَعَ مِنْ أخذ الفداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المنِّ لما تحولت الحال، وصارت الغلبة للمؤمنين. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام أُتِيَ يوم بدر بسَبْعِينَ أسِيراً، فيهم العَبَّاس وعَقيلُ بن أَبي طَالِبٍ، فاستأْذن فِيهِمْ؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه: قَومُكَ وأهلُك، اسْتَبِقهِمْ، لعلَّ الله يَتُوب عَلَيْهِمْ، وخُذْ مِنْهُمْ فدْيةً تُقَوِّي بِها أَصْحَابَكَ. وقال عمر رضي الله عنهم: اضْربْ أعْنَاقَهُمْ، فإنهم أئِمَّةُ الكُفْر وإنَّ الله أغْنَاكَ عَنِ الفِدَاءِ، فمكِّني من فُلاَن ـ لنَسِيبٍ لَهُ ـ ومكِّنَ عَليّاً وحَمْزَةَ مِنْ أخويهما، فَلْنَضْربْ أَعنَاقَهُمْ فلم يَهْو ذلك رسول الله صلى عليه وسلم، وقال:"حديث : إنَّ اللَّهَ لَيُلَيِّنَ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تكُونَ أَلْيَنَ من كُلّ لين، وإن الله ليُشَدِّدُ قُلوب رِجَالٍ حتَّى تَكُونَ أَشَدَّ من الحِجَارَةِ، وإن مَثلَكَ يا أَبَا بَكْر مَثَلُ إبراهيمتفسير : ، قال: {أية : فَمَن تَبِعَنىِ فَإِنَّهُ مِنّىِ وَمَن عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [إبراهيم: 36]، ومَثَلُكَ يا عُمَرُ مَثَلُ نوح، قال: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَر عَلَىالأَرضِ مِنَ الكَفِرينَ دِيَّاراً} تفسير : [نوح: 26]. فخيَّر أصحابه، فأخذوا الفداء، فنزلت، فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو وأبو بكر يَبْكِيانِ، فقال: يا رسول الله:أخْبِرْنيِ، فَإنْ أجد بُكاء بَكَيْتُ، وإلا تَبَاكيْتُ؟ فقال: "حديث : أبكِي على أصْحَابِكَ في أخْذِهُمُ الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابُهم أدْنَى مِنْ هذِهِ الشَّجَرةِ"تفسير : لِشَجَرَة قَرِيبَةٍ. والآية دليل على أن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ يجتهدون، وأنه قد يكون الخطأ، ولكن لا يقرون عليه. قاله البيضاوي. قال القشيري: أخَذَ النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر منهم الفداء، وكان ذلك جائزاً لوجوب العصمة، ولكن قتلهم كان أَوْلى. هـ. وقال ابن عطية: إنما توجه العتاب للصحابة على استبقاء الرجال دون قتلهم، لا على الفداء؛ لأن الله تعالى قد كان خيَّرهم، فاختاروا الفداء على أن يقتل منهم سبعين، كما تقدم في سورة آل عمران. ثم قال: والنبي عليه الصلاة السلام خارج عن ذلك الاستبقاء. انظر تمامه في الحاشية. فإن قلت: إذا كان الحق تعالى خيَّرهم فكيف عاتبهم، وهم لم يرتكبوا محظوراً؟ فالجواب: أن العتاب تابع لعلو المقام، فالخواص يُعاتبون على المباح، إن كان فعله مرجوحاً، والحق تعالى إنما عاتبهم على رغبتهم في أمر دنيوي، وهو الفداء، حتى آثروا قتل أنفسهم على أخذه، ويدل عليه قوله: {تُريدون عَرَض الدنيا}، وهذا إنما كان في بعضهم، وجُلهم إنما اختاروا الفداء استبقاء لقرابة الرسول عليه الصلاة والسلام. والله تعالى أعلم. ثم قال تعالى في تمام عتابهم: {لولا كتابٌ من الله سبق} أي: لولا حكم الله سبق إثباته في اللوح المحظوظ، وهو ألا يعاقب المخطئ في اجتهاده، أو أنه سيحل لكم الغنائم، أو ما سبق في الأزل من العفو عنكم، {لمسّكم فيما أخذتُم}؛ من الفداء أو من الأسارى، {عذابٌ عظيم}. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال، حيث نزلت: "حديث : لو نزل العذاب ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ"تفسير : ؛ وذلك لأنه أيضاً أشار بالإثخان. ثم أباح لهم الغنائم وأخذ الفداء فقال: {فكلوا مما غنمتُم} من الكفار، ومن جملته: الفدية، فإنها من الغنائم، {حلالاً طيباً} أي: أكلاً حلالاً، فائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب تلك المعاتبة، أو حرمتها على المتقدمين. رُوي أنه لما عاتبهم أمسكوا عنها حتى نزلت: {فكلوا مما غنمتم}، ووصفة بالطيب؛ تسكيناً لقلوبهم، وزيادة في حليتها. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُعْطِيتُ خَمْساً لِيَ لَمْ يُعْطَهُنَّ أّحّدٌ من الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسِيرَةَ شَهْرٍ وجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وطهُوراً وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وخُصصتُ بِجَوَامعِ الكلمِ"تفسير : . أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ثم قال تعالى: {واتقوا الله} في مخالفته؛ {إن الله غفور رحيم} أي: يغفر لكم ما فرط، ويرحمكم بإباحة ما حرم على غيركم؛ توسعةً عليكم. والله تعالى أعلم. الإشارة: ما ينبغي للفقير المتوجه أن يكون له أتباع يتصرف فيهم ويستفيد منهم، عوضاً عن الدنيا، حتى يبالغ في قتل نفسه وتموت، ويأمن عليها الرجوع إلى وطنها من حب الرئاسة والجاة، أو جمع المال، والتمتع بالحظوظ، فإن تعاطي ذلك قبل موت نفسه كان ذلك سبب طرده، وتعجيل العقوبة له، حتى إذا تداركه الله بلطفه، وسبقت له عناية من ربه، فيقال له حينئذٍ: لولا كتاب من الله سبق لمسك فيما أخذت عذاب عظيم. ثم بشَّر الأسارى بخلف ما أخذ منهم من الفداء بأكثر منه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل البصرة وابن شاهي {أن تكون} بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابو جعفر {أسارى} ومن الاسارى - بفتح الهمزة منهما وبألف بعد السين - وافقه ابو عمرو في الثاني. الباقون بفتح الهمزة وسكون السين من غير الف فيهما. من قرأ بالتاء فلان لفظ الأسرى لفظ التأنيث، فحمله على اللفظ. ومن قرأ بالياء فلان الفعل متقدم والأسرى المراد به المذكورون. وايضاً فقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من ذلك إذا انفرد يذكر الفعل معه، مثل جاء الرجل وحضر القاضي امرأة، فاذا اجتمعت هذه الاشياء كان التذكير اولى. واختار الأخفش التذكير. وقال ابو علي الفارسي: الأسرى اقيس من الأسارى لأن اسير فعيل بمعنى مفعول، وما كان كذلك لا يجمع بالواو والنون، ولا بالالف والتاء. وإنما يجمع على فعلى مثل جريح وجرحى وقتيل وقتلى وعفير وعفرى، ولديغ ولدغى، وكذلك لك من اصيب في بدنه مثل مريض ومرضى واحمق وحمقى وسكران وسكرى. ومن قرأ اسارى شبهه بكسالى وقالوا كسلى شبهوه باسرى. واسارى في جمع اسير ليس على بابه، وقال ابو الحسن: الاسرى ما لم يكن موثقاً والاسارى موثوقون. قال: والعرب لا تعرف ذلك بل هما عندهم سواء. وقال الأزهري: الاسارى جمع اسرى فهو جمع الجمع، والأسر الشد على المحارب بما يصير به في قبضة الأخذ له. واصله الشد، يقال: قتب مأسور اي مشدود وكانوا يشدون الاسير بالفداء. والمعنى: ما كان لنبي ان يحبس كافراً للفداء والمن حتى يثخن في الأرض، والاثخان في الأرض تغليظ الحال بكثرة القتل. وقال مجاهد: الاثخان القتل. والثخن والغلظ والكثافة نظائر. وقوله {يريدون عرض الدنيا} يعني تريدون الفداء والعرض متاع الدنيا وسماه عرضاً لقلة لبثه لانه بمعنى العرض في اللغة. وقوله {والله يريد الآخرة} معناه والله يريد عمل الاخرة من الطاعات التي تؤدي إلى الثواب وإرادة الله لنا خير من إرادتنا لانفسنا. وقوله {والله عزيز حكيم} معناه يريد عمل الاخرة، فانه يعزكم ويرشدكم إلى اصلاحكم، لانه عزيز حكيم، فلا تخافوا قهراً مع إعزازه اياكم. وهذه الاية نزلت في اسارى بدر قبل ان يكثر الاسلام، فلما كثر المسلمون قال الله تعالى {أية : فإما مناً بعد وإما فداء} تفسير : وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال فادوهم بأربعة آلاف، وفي الاية دليل على بطلان مذهب المجبرة لانه تعالى فصل إرادة نفسه من إرادتهم، ولو كان يريد ما ارادوه لم يصح هذا الفعل من التفصيل. فان قيل: كيف يكون القتل فيهم كان اصلح وقد اسلم منهم جماعة، ومن علم الله من حاله انه يؤمن يجب تبقيته؟! قلنا: في ذلك خلاف، فمن قال: لا يجب ذلك لا يلزمه السؤال. ومن قال: ذلك اوجب قال: ان الله اراد ان يأمرهم بأخذ الفداء وإنما عاتبهم على ذلك لانهم بادروا اليه قبل ان يؤمروا به.

الجنابذي

تفسير : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} جواب لاصحابه (ص) حين سألوه ان لا يقتل الاسرى ويأخذ منهم الفداء والمقصود من الاثخان كثرة القتل من اثخن فى العدوّ اذا غلب واكثر الجرح فيهم {تُرِيدُونَ} بأخذ الفداء {عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} لكم بان يكون جهادكم غير مشوب بالاغراض الدّنيويّة بل خالصاً للآخرة {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يخاف من ذلّة نبيّه على فرض اخذ الفداء من الاسرى فهو لاستدراك توهّم خوف الضّعف والمغلوبيّة {حَكِيمٌ} يأمر بالقتل لمصالح يعلمها.

الهواري

تفسير : قوله: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الأَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. كان هذا في أسارى بدر. قال بعضهم: كان أبو بكر أحب أن يقبل منهم الفداء، وأراد عمر أن يُقتَلُوا. فأنزل الله هذه الآية ثم قال: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. وقال الكلبي: ما كان لنبي قبلك يا محمد أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض. قال: لولا كتاب من الله سبق أنكم الذين تأكلون الغنائم لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وقال الحسن: يقول: فأخذتم الفداء من الأُسارى في أول وقعة كانت في المشركين من قبل أن تثخنوا في الأرض. وقال الحسن: لم يكن أوحِيَ إلى النبي في ذلك بشيء فاستشار المسلمين فأجمع رأيهم على لفداء. ذكر بعضهم قال: كان أراد أصحاب نبي الله يومئذٍ الفداء، ففادوا أسارى بدر يومئذٍ بأربعة آلاف أربعة آلاف. وما أثخن نبي الله يومئذٍ في الأرض. وقال بعضهم في قوله: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ} أي سبق لهم من الله الخير، وسبق لهم أنهم استُحلَّ لهم الغنائم. وقال الحسن: لولا كتاب من الله سبق أن لا يعذب أهل بدر لمسَّكم فيما أخذتم عذاب عظيم. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يدخل النار من شهد بدراً والحديبية، فقالت حفصة بلى، فانتهرها، في حديث بعضهم، فقالت: أليس يقول الله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} فقال: أوليس قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيِهَا جِثِيّاً} [مريم:71-72] . تفسير : ذكروا عن عكرمة قال: ما أُحلّت الغنيمة قبلكم ولا حُرّمت الخمر على أحد قبلكم. وقال بعضهم: لم تحل الغنيمة إلا لهذه الأمة؛ كانت تجمع فتنزل عليها نار من السماء فتأكلها.

اطفيش

تفسير : {ما كانَ لنبىٍّ} من الأنبياء ونبينا صلى الله عليه وسلم داخل فى هذا العموم، وقيل: ما كان لنبى قبلك فما يكون لك، وهذا لمعونة المقام، وإلا فكم من أمر لم يكن للأنبياء قبله وكان له، ويجوز أن يكون التنكير للتعظيم لا للعموم، والمراد النبى صلى الله عليه وسلم، والأصل ما كان لك فوضع الظاهر موضع المضمر، وما تقدم أولى، وقرئ: ما كان للنبى بتعريف الحضور، فالمراد نبينا صلى الله عليه وسلم، ويحتمل الجنس. {أنْ يَكونَ} وقرأ أبو عمرو بالفوقية، قيل: وابن عامر نظر إلى معنى الجماعة، وإلى ألف التأنيث كذا قيل، والصواب أنه نظر إلى معنى الجماعة، وإلا جاز قامت طلحة، وجاءت سلمى إذا أريد بهما رجلان، وليس بجائز {لَه أسْرَى} جمع أسير كقتيل وقتلى، وقرأ أبو جعفر: أسارى وهو رواية المفضل، عن عاصم، وهو كما قال الزجاج جمع أسرى، فهو جمع الجمع، وقيل: جمع أسير شاذا، وأصل المعنى واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء، وهو أبو عمرو القارئ من السبعة: إن الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا، وأنه جمع أسير كما أن أسرى جمع أسير. {حتَّى يُثْخِن فى الأرْضِ} حتى يكثر القتل والجراح، ويبالغ فى ذلك، فيذل الكفر وأهله، ويعز الإسلام وأهله، يقال: أثخنه المرض أثقله وذلك من الثخانة أى هى الغلظ والكثافة، وقرأ أبو جعفر، ويحيى ابن يعمر، ويحيى بن وثاب بفتح الثاء وتشديد الخاء للتعدية لا للمبالغة، كما قال بعض، إلا إن أراد أن التشديد تلويح للمبالغة لوقوعها به فى الجملة، ومعنى الآية إيجاب القتل وتحريم استبقاء الأسرى. قال ابن عباس: كان ذلك يوم بدر، ولما كثر المسلمون نزل: {أية : فإما منًّا بعدُ وإما فداء} تفسير : قيل: فكان ناسخا لذلك كما فى كتاب الناسخ والمنسوخ، وهو ظاهر كلام ابن عباس، وجار الله، قال الرازى: ليس ناسخا فإن الآيتين متوافقتان، وكلتاهما يدل على أنه لا بد من تقديم الإثخان، ثم بعده أخذ الفداء، وأقول كلامه يقتضى هذا فى كل قتال على حدة، وليس بشئ، وكان الفداء يومئذ أربعة آلاف درهم، أربعة آلاف لكل أسير. {تُريدُونَ} أيها المؤمنون {عَرضَ الدُّنيا} وهو ما يأخذون من فداء الأسارى، وسمى عرضا لأن متاع الدنيا حادث قليل اللبث، سريع الفناء، وقرئ: يريدون بالتحتية، ولا دليل فى الآية لمن يقدح فى عصمة الأنبياء، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما حكم بالفداء، لأنه قد فوض الله إليه الحكم فى المصالح، فرأى الحكم به مصلحة، ولما نهاه كف وكان حراما، بل قيل: إن الآية عتاب رقيق فى اختيار الفداء على القتل، لا تحريم له، وأما الأسر ففعلته الصحابة لا هو، فإن كان ذنبا فمنهم إذا مروا بالقتل فأسروا، بل لا ذنب لأنهم لم ينهوا عن الأسر يومئذ، والأمر بالقتل لا يحرم الأسر، فإنهم إذا أسروا فالأمر بعد للنبى، فإن شاء ألحق الأسرى بالقتلى بالقتل. ويدل على عدم تحريم الأسر، وأن الآية عتاب أن الملائكة تعين المؤمنين على أسر الكفار وتأسر، بل قيل: كان مشروعا بشرط الإثخان، وقد حصل الإثخان فى ظنهم بمن قتلوا وجرحوا، ويرده أن الأسر يوم بدر كان فى وسط القتال قبل الإثخان وبعده، لا بعده فقط، وأما بكاؤه هو وأبو بكر لنزول الآية فإشفاق من فعل الصحابة إذا اشتغلوا بالأسر وتركوا القتل، أو من فعلهم ما حدث تحريمه بعد الفعل، أو من ميلهم للفداء، أو موافقة حكمه بالفداء تحريم الفداء بعد الحكم، رغبة فى أن لو وفقوا ما لم يحدث تحريمه و تضعيفه. ولم يدخل صلى الله عليه وسلم فى الخطاب بإرادة عرض الدنيا ولا فى غيبتها، وإن دخل فالمراد بيان أن الراجح أن يختار القتل نفعا للإسلام حاضرا لا العرض للمسلمين، لأنه ولو كان نفعا للإسلام أيضا لكنه آجل وما أراد العرض لنفسه قط، وذكر بعضهم أنه دخل فى الآية من جهة المعاتبة فقط، حيث أسروا ولم ينههم من عريشه، وقد أنكر سعد بن معاذ، ولكنه صلى الله عليه وسلم أغفله بعد الأمر وظهور النصر، ولذلك بكى هو وأبو بكر خوفا من نزول العذاب لكمال خوفهم، واختار بعضهم أن العتب لأصحاب النبى كما يظهر مما مر، كأنه قيل: لا يستقيم أن تأخذوا الأسارى للنبى. {واللهُ يُريدُ الآخرةَ} أى يريد لكم ثوابها، أو سبب نيلكم ثوابها من إعزاز دينه بالإثخان، وقرأ ابن جماز بجر الآخرة على حذف المضاف، وإبقاء المضاف إليه مجرورا، فقدره ابن مالك، والله يريد عرض الآخرة من جنس المضاف المذكور ليشعر به، وليس فى القياس كقول أبى داود حارثة بن الحجاج، أو حارثة بن عمران الأيادى، أو عدى بن زائدة: شعر : أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا تفسير : أى وكل نار توقد بالليل نارا، لأن الشرط فى الغالب أن يكون المضاف المحذوف معطوفا على مضاف بمعناه، والمضاف فى الآية لم يعطف. بل عطفت الجملة، فقراءة ابن جماز من غير الغالب لذلك، وإنما سمى ابن مالك خير الآخرة عرضا تجوز للمناسبة، أو لأنه عارض بمعنى حادث، ولو كان يدوم، وللمناسبة ومن قدره هكذا، والله يريد عمل الآخرة كابن هشام، أو ثواب الآخرة ونحو ذلك، كان عنده من غير الغالب لما ذكر، ولعدم مماثلة لفظ المحذوف للمذكور. {واللهُ عَزيزٌ} فأولياؤه تكون غالبة لأعدائه {حَكيمٌ} فى أفعاله وأقواله، فمصلحتكم فى الإثخان لا فى الفداء، قال ابن مسعود: جئ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم: العباس، وعقيل بن أبى طالب، فاستشار فيهم أصحابه، فقال أبو بكر رضى الله عنه: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم ويهديهم إلى الإسلام، وخذ منهم فدية يتقوى بها أصحابك على الكفار. وقال عمر رضى الله عنه: كذبوك وأخرجوك، قدمهم واضرب أعناقهم، فإنهم أئمة الكفر، وأن الله أغناك عن الفداء، مكن عليا من عقيل وهو أخوه، وحمزة من العباس وهو أخوه أيضا، ومكننى من فلان نسيب لعمر نضرب أعناقهم. حديث : وقال عبد الله بن رواحة رضى الله عنه: انظر واديا كثير الحطب أدخلهم فيه وأضرمه عليهم نارا. فقال العباس: إذن تقطع رحمك وسكت ودخل العريش، وقد كان يهوى قول أبى بكر، وقد قال سعد بن معاذ حين رأى الأسرى، وقد وقد كان فى العريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان الإثخان فى القتل أحب إلىَّ يا رسول الله، فكان بعض يقول: يأخذ بقول أبى بكر، وبعض يقول، عمر، وبعض يقول ابن رواحة، ثم خرج فقال: "إن الله ليليِّن قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: {فمن تبعنى فإنه منِّى ومن عصانى فإنك غفور رحيم} تفسير : زاد فى رواية: حديث : ومثل عيسى قال: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ومثلك يا عمر مثل نوح قال: {ربى لا تذر على الأرض من الكافرين ديَّارا} تفسير : زاد فى رواية حديث : ومثل موسى قال: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم} الآية وأخذ بقول أبى بكر وقال: أنتم اليوم عالة لا يفلتن أحد منهم، إلا بفداء أو ضرب عنقه " حديث : وروى أنه لما خرج أعلمهم التخيير فاختار الأكثر الفداء ولما قال: "إلا بفداء أو ضرب عنقه" قال ابن مسعود رضى الله عنه إلا سهيل بن بيضاء، فإنى سمعته يذكر الإسلام، فسكت صلى الله عليه وسلم قال ابن مسعود: ما رأيتنى فى يوم أخوف أن تقع علىَّ حجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إلا سهيل ابن بيضاء" ونزلت الآية تفسير : بموافقة قول عمر بعد أخذ الفداء الألف أربعة آلاف من بعضهم. وذكر عبد الله بن حميد بسنده: أن جبريل نزل بالتخيير، فعلى هذا فالعتب على اختيارهم ما هو مرجوح، والعذاب فى قوله: {أية : لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} تفسير : على غير اختيارهم وإلا لم يصح ما ذكره، وذلك مثل أن يحمل على استبقاء الرجال وقت الهزيمة، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للناس: "حديث : إن شئتم أخذتم فداء الأسرى ويقتل فى الحرب منكم سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم" تفسير : فقالوا: نأخذ المال ويستشهد سبعون، وفى هذه الرواية ما فى التى قبلها.

الالوسي

تفسير : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} قرأ أبو الدرداء وأبو حيوة {لِلنَّبِيّ} بالتعريف والمراد به نبينا / صلى الله عليه وسلم وهو عليه الصلاة والسلام المراد أيضاً على قراءة الجمهور عند البعض، وإنما عبر بذلك تلطفاً به صلى الله عليه وسلم حتى لا يوجه بالعتاب، ولذا قيل: إن ذاك على تقدير مضاف أي لأصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى الآتي: {تُرِيدُونَ} ولو قصد بخصوصه عليه الصلاة والسلام لقيل: تريد، ولأن الأمور الواقعة في القصة صدرت منهم لا منه صلى الله عليه وسلم وفيه نظر ظاهر، والظاهر أن المراد على قراءة الجمهور العموم ولا يبعد اعتباره على القراءة الأخرى أيضاً وهو أبلغ لما فيه من بيان أن ما يذكر سنة مطردة فيما بين الأنبياء عليهم السلام، أي ما صح وما استقام لنبـي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام {أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ}. قرأ أبو عمرو ويعقوب {تكون} بالتاء الفوقية اعتباراً لتأنيث الجمع، وعن أبـي جعفر أنه قرأ أيضاً {أسارى} قال أبو علي: وقراءة الجماعة أقيس لأن أسيرا فعيل بمعنى مفعول، والمطرد فيه جمعه على فعلى كجريح وجرحى وقتيل وقتلى، ولذا قالوا في جمعه على أسارى: إنه على تشبيه فعيل بفعلان ككسلان وكسالى، وهذا كما قالوا كسلى تشبيهاً لفعلان بفعيل ونسب ذلك إلى الخليل، وقال الأزهري: إنه جمع أسرى فيكون جمع الجمع، واختار ذلك الزجاج وقال: إن فعلى جمع لكل من أصيب في بدنه أو في عقله كمريض ومرضى وأحمق وحمقى {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أي يبالغ في القتل ويكثر منه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله، وأصل معنى الثخانة الغلظ والكثافة في الأجسام ثم استعير للمبالغة في القتل والجراحة لأنها لمنعها من الحركة صيرته كالثخين الذي لا يسيل، وقيل: إن الاستعارة مبنية على تشبيه المبالغة المذكورة بالثخانة في أن في كل منهما شدة في الجملة، وذكر {فِي ٱلأَرْضِ} للتعميم، وقرىء {يثخن} بالتشديد للمبالغة في المبالغة. {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} استئناف مسوق للعتاب، والعرض ما لا ثبات له ولو جسماً. وفي الحديث «حديث : الدنيا عرض حاضر»تفسير : أي لا ثبات لها، ومنه استعاروا العرض المقابل للجوهر، أي تريدون حطام الدنيا بأخذكم الفدية، وقرىء {يريدون} بالياء، والظاهر أن ضمير الجمع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ} أي يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل الآخرة من الطاعة بإعزاز دينه وقمع أعدائه، فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذكر نيل في الاحتمال الثاني قيل: للتوضيح لا لتقدير مضافين، والإرادة هنا بمعنى الرضا، وعبر بذلك للمشاكلة فلا حجة في الآية على عدم وقوع مراد الله تعالى كما يزعمه المعتزلة، وزيادة لكم لأنه المراد، وقرأ سليمان بن جماز المدني {ٱلأَخِرَةَ} بالجر وخرجت على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه على جره، وقدره أبو البقاء عرض الآخرة وهو من باب المشاكلة وإلا فلا يحسن لأن أمور الآخرة مستمرة، ولو قيل: إن المضاف المحذوف على القراءة الأولى ذلك لذلك أيضاً لم يبعد، وقدر بعضهم هنا كما قدرنا هناك من الثواب أو السبب، ونظير ما ذكر قوله:شعر : أكل امرىء تحسبين أمرأ ونار توقد في الليل ناراً تفسير : في رواية من جرنار الأولى، وأبو الحسن يحمله على العطف على معمولي عاملين مختلفين. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ} يغلب أولياءه على أعدائه {حَكِيمٌ} يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذ الفدية حيث كان الإسلام غضاً وشوكة أعدائه قوية، وخير بينه وبين المن بقوله تعالى: {أية : فإمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } تفسير : [محمد: 4] لما تحولت الحال واستغلظ زرع الإسلام واستقام على سوقه. / أخرج أحمد والترمذي وحسنه والطبراني. والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: «لما كان يوم بدر جىء بالأسارى وفيهم العباس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله تعالى أن يتوب عليهم، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك وقاتلوك قدمهم فاضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فاضرمه عليهم ناراً. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك، فدخل النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئاً، فقال أناس: يأخذ بقول أبـي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله سبحانه ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: {فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام قال: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ومثلك يا عمر كمثل موسى عليه السلام إذا قال: {رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} [يونس: 88] ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلاْرْضِ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ دَيَّاراً} [نوح: 26] أنتم عالة فلا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، فقال عبد الله رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع عليَّ الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهيل بن بيضاء».تفسير : وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «حديث : قال عمر رضي الله تعالى عنه: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاءً بكيت وإن لم أجد تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم»تفسير : . واستدل بالآية على أن الأنبياء عليهم السلام قد يجتهدون وأنه قد يكون الوحي على خلافه ولا يقرون على الخطأ، وتعقب بأنها إنما تدل على ذلك لو لم يقدر في {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} لأصحاب نبـي ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر مع أن الإذن لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهاد منه عليه الصلاة والسلام إذ لا يمكن أن يكون تقليداً لأنه لا يجوز له التقليد، وأما أنها إنما تدل على اجتهاد النبـي صلى الله عليه وسلم لا اجتهاد غيره من الأنبياء عليهم السلام فغير وارد لأنه إذا جاز له عليه الصلاة والسلام جاز لغيره بالطريق الأولى، وتمام البحث في «كتب الأصول»، لكن بقي هٰهنا شيء وهو أنه قد جاء «من اجتهد وأخطأ فله أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران إلى عشرة أجور» فهل بين ما يقتضيه الخبر من ثبوت الأجر الواحد للمجتهد المخطىء وبين عتابه على ما يقع منه منافاة أم لا؟ لم أر من تعرض لتحقيق ذلك، وإذا قيل: بالأول لا يتم الاستدلال بالآية كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي مناسب لما قبله سواء نزل بعقبه أم تأخّر نزوله عنه فكان موقعه هنا بسبب موالاة نزوله لنزول ما قبله أو كان وضع الآية هنا بتوقيف خاصّ. والمناسبة ذكر بعض أحكام الجهاد، وكان أعظم جهاد مضى هو جهاد يوم بدر. لا جرم نزلت هذه الآية بعد قضية فداء أسرى بدر مشيرة إليها. وعندي أن هذا تشريع مستقبل أخّره الله تعالى رفقاً بالمسلمين الذين انتصروا ببدر وإكراماً لهم على ذلك النصر المبين، وسدّاً لخلّتهم التي كانوا فيها، فنزلت لبيان الأمر الأجدر فيما جرى في شأن الأسرى في وقعة بدر. وذلك ما رواه مسلم عن ابن عبّاس، والترمذي عن ابن مسعود، ما مُختصره حديث : أن المسلمين لما أسروا الأسارى يوم بدر وفيهم صناديد المشركين سأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفاديهم بالمال وعَاهدوا على أن لا يعودوا إلى حربه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين «ما تَرون في هؤلاء الأسارى»، قال أبو بكر: «يا نبي الله هم بنو العمّ والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكفّار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام» وقال عُمر: أرى أن تمكّننا فنضرب أعناقهم فإنّ هؤلاء أئمّة الكفر وصناديدها فَهوي رسولُ الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء تفسير : كما رواه أحمد عن ابن عباس فأنزل الله {ما كان لنبيء أن يكون له أسرى} الآية. ومعنى قوله: هَوِيَ رسولُ الله ما قال أبو بكر: أنّ رسول الله أحبّ واختار ذلك؛ لأنّه من اليسر والرحمة بالمسلمين إذ كانوا في حاجة إلى المال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً. وروي أنّ ذلك كان رغبة أكثرهم وفيه نفع للمسلمين، وهم في حاجة إلى المال. ولمّا استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَ مشُورته تعيّن أنّه لم يُوح الله إليه بشيء في ذلك، وأنّ الله أوْكل ذلك إلى اجتهاد رسوله عليه الصلاة والسلام فرأى أنّ يستشير الناس ثم رجَّح أحد الرأيين باجتهاد، وقد أصاب الاجتهادَ، فإنّهم قد أسلم منهم، حينئذ، سُهيل بن بيضاء، وأسلم من بعدُ العباسُ وغيره، وقد خفي على النبي صلى الله عليه وسلم شيء لم يعلمه إلاّ الله وهو إضمار بعضهم ـ بعد الرجوع إلى قومهم ـ أن يتأهّبوا لقتال المسلمين من بعد. وربّما كانوا يضمرون اللحاق بفل المشركين من موضع قريب ويعودون إلى القتال فينقلب انتصار المسلمين هزيمة كما كان يومَ أُحُد، فلأجل هذا جاء قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}. قال ابن العربي في «العارضة»: روى عبيدة السلماني عن علي حديث : أنّ جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فخيّره بين أن يقرِّب الأسارى فيضرب أعناقهم أو يقبلوا منهم الفداء، ويُقتل منكم في العام المقبل بعدّتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «هذا جبريل يخيّركم أن تقدّموا الأسارى وتضربوا أعناقهم أو تقبلوا منهم الفداء ويستشهد منكم في العام المقبل بعدتهم»، فقالوا: يا رسول الله نأخذ الفداء فنقوى على عدوّنا ويقتل منّا في العام المقبل بعدّتهم، ففعلواتفسير : . والمعنى أنّ النبي إذا قاتل فقتاله متمحّض لغاية واحدة، هي نصر الدين ودفع عدائه، وليس قتاله للملك والسلطان فإذا كان أتْباع الدين في قلّة كان قتل الأسرى تقليلاً لعدد أعداء الدين حتّى إذا انتشر الدين وكثر أتباعه صلح الفداء لنفع أتباعه بالمال، وانتفاء خشية عود العدوّ إلى القوة. فهذا وجه تقييد هذا الحكم بقوله: {ما كان لنبي}. والكلام موجّه للمسلمين الذين أشاروا بالفداء، وليس موجّهاً للنبي صلى الله عليه وسلم لأنّه ما فعل إلاّ ما أمره الله به من مشاورة أصحابه في قوله تعالى: {أية : وشاورهم في الأمر}تفسير : [آل عمران: 159] لا سيما على ما رواه الترمذي من أنّ جبريل بلّغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخيّر أصحابه ويدلّ لذلك قوله: {تريدون عرض الدنيا} فإنّ الذين أرادوا عرض الدنيا هم الذين أشاروا بالفداء، وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك حظّ. فمعنى {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} نفي اتّخاذ الأسرى عن استحقاق نبي لذلك الكون. وجيء بـ(نبي) نكرِة إشارة إلى أنّ هذا حكم سابق في حروب الأنبياء في بني إسرائيل، وهو في الإصحاح عشرين من سفر التثنية. ومثل هذا النفي في القرآن قد يجيء بمعنى النهي نحو {أية : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}تفسير : [الأحزاب: 53]. وقد يجيء بمعنى أنه لا يصْلح، كما هُنا، لأن هذا الكلام جاء تمهيداً للعتاب فتعيّن أن يكون مراداً منه ما لا يصلح من حيث الرأي والسياسة. ومعنى هذا الكون المنفي بقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} هو بقاؤهم في الأسر، أي بقاؤهم أرقّاء أو بقاء أعواضهم وهو الفداء. وليس المراد أنّه لا يصلح أن تقع في يد النبي أسرى، لأنّ أخذ الأسرى من شؤون الحرب، وهو من شؤون الغلَب، إذا استسلم المقاتلون، فلا يعقِل أحدٌ نفيه عن النبي، فتعيّن أنّ المراد نفي أثره، وإذا نفي أثر الأسر صدق بأحد أمرين: وهما المنّ عليهم بإطلاقهم، أو قتلُهم، ولا يصلح المنُّ هنا، لأنّه ينافي الغاية وهي حتى يثخن في الأرض، فتعيّن أنّ المقصود قتل الأسرى الحاصلين في يده، أي أنّ ذلك الأجدر به حين ضَعُف المؤمنين، خضِداً لشوكة أهل العناد، وقد صار حكم هذه الآية تشريعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فيمن يأسرهم في غزواته. والإثخان الشدة والغلظة في الأذى. يقال أثخنته الجراحة وأثخنه المرض إذا ثقل عليه، وقد شاع إطلاقه على شدّة الجراحة على الجريح. وقد حمله بعض المفسّرين في هذه الآية على معنى الشدّة والقوة. فالمعنى: حتى يتمكّن في الأرض، أي يتمكّن سلطانه وأمره. وقوله: {في الأرض} على هذا جار على حقيقة المعنى من الظرفية، أي يتمكّن في الدنيا. وَحَمَلَهُ في «الكشّاف» على معنى إثخان الجِراحة، فيكون جرياً على طريقة التمثيل بتشبيه حال الرسول صلى الله عليه وسلم المقاتل الذي يَجرَج قِرنَه جراحاً قوية تثخنه، أي حتّى يُثخن أعداءه فتصير له الغلبة عليهم في معظم المواقع، ويكون قوله: {في الأرض} قرينة التمثيلية. والكلام عتاب للذين أشاروا باختيار الفداء والميلِ إليه، وغضّ النظر عن الأخذ بالحزم في قطع دابر صناديد المشركين، فإنّ في هلاكهم خضداً لشوكة قومهم فهذا ترجيح للمقتضَى السياسي العَرضي على المقتَضَى الذي بُني عليه الإسلام وهو التيسير والرفق في شؤون المسلمين بعضهم مع بعض كما قال تعالى: {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29]. وقد كان هذا المسلك السياسي خفيّاً حتّى كأنه ممّا استأثر الله به، وفي الترمذي، عن الأعمش: أنّهم في يوم بدر سبقوا إلى الغنائم قبل أن تحلّ لهم، وهذا قول غريب فقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم، وهو في الصحيح. وقرأ الجمهور {أن يكون له} ـ بتحتية ـ على أسلوب التذكير. وقرأه أبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر ـ بمثناة فوقية ـ على صيغة التأنيث، لأنّ ضمير جمع التكسير يجوز تأنيثه بتأويل الجماعة. والخطاب في قوله: {تريدون} للفريق الذين أشاروا بأخذ الفداء وفيه إشارة إلى أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام غيرُ معاتَب لأنّه إنّما أخذ برأي الجمهور وجملة: {تريدون} إلى آخرها واقعة موقع العلّة للنهي الذي تضمّنته آية {ما كان لنبي} فلذلك فصلت، لأنّ العلّة بمنزلة الجملة المبيِّنة. و{عرض الدنيا} هو المال، وإنّما سُمّي عرضاً لأنّ الانتفاع به قليل اللبث، فأشبه الشيء العارض إذ العروض مرور الشيء وعدم مكثه لأنه يعرض للماشين بدون تهيّؤ. والمراد عرض الدنيا المحض وهو أخذ المال لمجرد التمتع به. والإرادة هنا بمعنى المحبّة، أي: تحبون منافع الدنيا والله يحبّ ثواب الآخرة، ومعنى محبّة الله إيّاها محبّته ذلك للناس، أي يحبّ لكم ثواب الآخرة، فعلّق فعل الإرادة بذات الآخرة، والمقصود نفعها بقرينة قوله: {تريدون عرض الدنيا} فهو حذف مضاف للإيجاز، وممّا يحسنه أنّ الآخرة المرادة للمؤمن لا يخالط نفعها ضرّ ولا مشقّة، بخلاف نفع الدنيا. وإنما ذكر مع {الدنيا} المضافُ ولم يحذف: لأنّ في ذكره إشعاراً بعروضه وسرعة زواله. وإنّما أحبّ الله نفع الآخرة: لأنّه نفع خالد، ولأنّه أثر الأعمال النافعة للدين الحقّ، وصلاح الفرد والجماعة. وقد نصب الله على نفع الآخرة أمارات، هي أمارات أمره ونهيه، فكلّ عرض من أعراض الدنيا ليس فيه حظّ من نفع الآخرة، فهو غير محبوب لله تعالى، وكلّ عرض من الدنيا فيه نفع من الآخرة ففيه محبّة من الله تعالى، وهذا الفداء الذي أحبّوه لم يكن يَحفّ به من الأمارات ما يدلّ على أنّ الله لا يحبّه، ولذلك تعيّن أنّ عتاب المسلمين على اختيارهم إيّاه حين استشارهم الرسول عليه الصلاة والسلام إنّما هو عتاب على نوايا في نفوس جمهور الجيش، حين تخيّروا الفداء أي أنهم مَا راعوا فيه إلا محبّة المال لنفع أنفسهم فعاتبهم الله على ذلك لينبّههم على أنّ حقيقاً عليهم أن لا ينسوا في سائر أحوالهم وآرائهم، الالتفات إلى نفع الدين وما يعود عليه بالقوة، فإنّ أبا بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الاستشارة «قومك وأهلك استبقهم لعلّ الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك» فنظر إلى مصلحة دينية من جهتين ولعلَّ هذا الملحظ لم يكن عند جمهور أهل الجيش. ويجوز عندي أن يكون قوله: {تريدون عرض الدنيا} مستعملاً في معنى الاستفهام الإنكاري، والمعنى: لعلّكم تحبّون عرض الدنيا فإنّ الله يحبّ لكم الثواب وقوة الدين، لأنّه لو كان المنظور إليه هو النفع الدنيوي؛ لكان حفظ أنفس الناس مقدّماً على إسعافهم بالمال، فلما وجب عليهم بذل نفوسهم في الجهاد. فالمعنى: يوشك أن تكون حالكم كحال من لا يحبّ إلاّ عرض الدنيا، تحذيراً لهم من التوغل في إيثار الحظوظ العاجلة. وجملة: {والله عزيز حكيم} عطف على جملة: {والله يريد الأخرة} عطفاً يؤذن بأنّ لهذين الوصفين أثراً في أنّه يريد الآخرة، فيكون كالتعليل، وهو يفيد أنّ حظ الآخرة هو الحظّ الحقّ، ولذلك يريده العزيز الحكيم. فوصف {العزيز} يدلّ على الاستغناء على الاحتياج، وعلى الرفعة والمقدرة، ولذلك لا يليق به إلاّ محبة الأمور النفيسة، وهذا يومىء إلى أن أولياءه ينبغي لهم أن يكونوا أعزّاء كقوله في الآية الأخرى: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : [المنافقون: 8] فلأجل ذلك كان اللائق بهم أن يربأوا بنفوسهم عن التعلّق بسفاسف الأمور وأن يجنحوا إلى معاليها. ووصف الحكيم يقتضي أنّه العالم بالمنافع الحقّ على ما هي عليه، لأنّ الحكمة العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه. وجملة: {لولا كتاب من الله سبق} إلخ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأنّ الكلام السابق يؤذن بأنّ مفاداة الأسرى أمر مرهوب تخشى عواقبه، فيستثير سؤالاً في نفوسهم عمّا يترقّب من ذلك، فبيّنه قوله: {لولا كتاب من الله سبق} الآية. والمراد بالكتاب المكتوب، وهو من الكتابة التي هي التعيين والتقدير، وقد نكر الكتاب تنكير نوعية وإبهام، أي: لولا وجود سنّة تشريع سبق عن الله. وذلك الكتاب هو عذر المستشار وعذر المجتهد في اجتهاده إذا أخطأ، فقد استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم فأشاروا بما فيه مصلحة رأوها وأخذ بما أشاروا به ولولا ذلك لكانت مخالفتهم لما يحبّه الله اجتراء على الله يوجب أن يمسّهم عذاب عظيم. وهذه الآية تدل على أن لله حكماً في كل حادثة، وأنه نَصَب على حكمه أمارة هي دليل المجتهد وأن مخطئه من المجتهدين لا يأثم بل يؤجر. و«في» للتعليل، والعذاب يجوز أن يكون عذاب الآخرة. ويجوز أن يكون العذاب المنفي عذاباً في الدنيا، أي: لولا قدر من الله سبق من لطفه بكم فصرف بلطفه وعنايته عن المؤمنين عذاباً كان من شأن أخذهم الفداء أن يسبّبه لهم ويوقعهم فيه. وهذا العذاب عذاب دنيوي، لأنّ عذاب الآخرة لا يترتّب إلاّ على مخالفة شرع سابق، ولم يسبق من الشرع ما يحرّم عليهم أخذ الفداء، كيف وقد خيّروا فيه لمّا استشيروا، وهو أيضاً عذاب من شأنه أن يجرّه عملهم جرّ الأسباب لمسبباتها، وليس عذابَ غضب من الله، لأنّ ذلك لا يترتّب إلاّ على معاص عظيمة، فالمراد بالعذاب أنّ أولئك الأسرى الذين فادَوهم كانوا صناديد المشركين وقد تخلّصوا من القتل والأسر يحملون في صدورهم حنقاً فكان من معتاد أمثالهم في مثل ذلك أن يسعَوا في قومهم إلى أخذ ثار قتلاهم واسترداد أموالهم فلو فعلوا لكانت دائرة عظيمة على المسلمين، ولكنّ الله سَلَّم المسلمين من ذلك فصرف المشركين عن محبّة أخذ الثأر، وألهاهم بما شغلهم عن معاودة قتال المسلمين، فذلك الصرف هو من الكتاب الذي سبق عند الله تعالى. وقد حصل من هذه الآية تحذير المسلمين من العودة للفداء في مثل هذه الحالة، وبذلك كانت تشريعاً للمستقبل كما ذكرناه آنفاً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 67- لا يسوغ لأحد من الأنبياء أن يكون له أسرى يحتجزهم، أو يأخذ منهم الفداء، أو يمن عليهم بالعفو عنهم حتى يتغلب ويظهر على أعدائه، ويثقلهم بالجراح، فلا يستطيعون قتالا فى الأرض، ولكنكم - يا جماعة المسلمين - سارعتم فى غزوة بدر إلى اتخاذ الأسرى قبل التمكن فى الأرض، تريدون منافع الدنيا واللَّه يريد لكم الآخرة بإعلاء كلمة الحق، وعدم الالتفاف إلى ما يشغلكم عن الدنيا، واللَّه قوى قادر غالب، يدبر الأمور لكم على وجه المنفعة. 68- لولا حكم سابق من اللَّه بالعفو عن المجتهد المخطئ لأصابكم فيما أخذتم عذاب كبير بسبب ما تعجلتم به. 69- فكلوا مما غنمتم من الفداء حلالاً لكم غير خبيث الكسب، واتقوا اللَّه فى كل أموركم، إن اللَّه عظيم الغفران والرحمة لمن شاء من عباده إذا أناب إلى ربه. 70- يأيها النبى، قل للذين وقعوا فى أيديكم من الأسرى: إن يكن فى قلوبكم خير يعلمه اللَّه، يخلف لكم خيرا مما أخذه المؤمنون منكم، ويغفر لكم ما كان من الشرك والسيئات، واللَّه كثير المغفرة والرحمة لمن تاب من كفره ومن ذنبه. 71- وإن يُريدوا خيانتك بما يُظهر بعضهم من الميل إلى الإسلام مع انطواء صدروهم على قصد مخادعتك، فلا تبتئس، فسيمكنك اللَّه منهم، كما خانوا اللَّه من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء والكفر بنعمته، فأمكن منهم إذ نصرك عليهم فى بدر، مع التفاوت بين قوتك فى القلة، وقوتهم فى الكثرة، واللَّه قوى غالب متصرف بحكمته، فأمكن من نصره عباده المؤمنين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أسرى: جمع أسير وهو من أخذ في الحرب يشد عادة بإسار وهو قيد من جلد فاطلق لفظ الأسير على كل من أخذ في الحرب. حتى يثخن في الأرض: أي تكون له قوة وشدة يرهب بها العدو. عرض الدنيا: أي المال لأنه عارض ويزول فلا يبقى. لولا كتاب من الله سبق: وهو كتاب المقادير بأن الله تعالى أحل لنبيّ هذه الأمة الغنائم. فيما أخذتم: أي بسبب ما أخذتم من فداء أسرى بدر. حلالاً طيباً: الحلال هو الطيب فكلمة طيباً تأكيد لحليّة اقتضاها المقام. واتقوا الله: أي بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة بدر من ذلك أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عمر وسعد بن معاذ رضي الله عنهما رغبوا في مفاداة الأسرى بالمال للظروف المعاشية القاسية التي كانوا يعيشونها، وكانت رغبتهم في الفداء بدون علم من الله تعالى بإحلالها أو تحريمها أما عمر فكان لا يعثر على أسير إلا قتله وأما سعد فقد قال (الاثخان في القتال أولى من استبقاء الرجال) ولما تم الفداء نزلت هذه الآية الكريمة تعاتبهم أشد العتاب فيقول تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ} أي ما صح منه ولا كان ينبغي له أن يكون له أسرى حرب يبقيهم ليفاديهم أو يمن عليهم مجاناً {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا عرف بالبأس والشدة وهابه الأعداء جاز له الأسر أي الإِبقاء على الأسرى أحياء ليمن عليهم بلا مقابل أو ليفاديهم بالمال، وقوله تعالى {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} هذا من عتابه تعالى لهم، إذ ما فادوا الأسرى إلا لأنهم يريدون حطام الدنيا وهو المال، وقوله {وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} فشتان ما بين مرادكم ومراد ربكم لكم تريدون العرض الفاني والله يريد لكم النعيم الباقي، وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب على أمره ينصر من توكل عليه وفوّض أمره إليه، حكيم في تصرفاته فلا يخذل أولياءه وينصره أعداءه فعليكم أيها المؤمنون بطلب مرضاته بترك ما تريدون لما يريد هو سبحانه وتعالى، وقوله تعالى {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي لولا أنه مضى علم الله تعالى بحلية الغنائم لهذه الأمة وكتب ذلك في اللوح المحفوظ لكان ينالكم جزاء رضاكم بالمفاداة وأخذ الفدية عذاب عظيم. وقوله تعالى {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً} إذن منه تعالى لأهل بدر أن يأكلوا مما غنموا، وحتى ما فادوا به الأسرى وهي منة منه سبحانه وتعالى، وقوله تعالى {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أمر منه عز وجل لهم بتقواه بفعل أوامره وأوامر رسوله وترك نواهيهما، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} إخبار منه تعالى أنه غفور لمن تاب من عباده رحيم بالمؤمنين منهم، وتجلى ذلك في رفع العذاب عنهم حيث غفر لهم وأباح لهم ما رغبوا فيه وأرادوه. وفي الحديث: "حديث : لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم ". تفسير : هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إرشاد الله تعالى لقادة الأمة الإِسلامية في الجهاد أن لا يفادوا الأسرى وأن لا يمنوا عليهم بإطلاقهم إلا بعد أن يخنثوا في أرض العدو قتلاً وتشريداً فإذا خافهم العدو ورهبهم عندئذ يمكنهم أن يفادوا الأسرى أو يمنوا عليهم. 2- التزهيد في الرغبة في الدنيا لحقارتها، والترغيب في الآخرة لعظم أجرها. 3- إباحة الغنائم. 4- وجوب تقوى الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله في الأمر والنهي.

القطان

تفسير : أسرى: جمع أسير وهو كل من يؤخذ من المحاربين. الإثخان: الشدة. حتى يثخن في الأرض: يُكثر القتال ويبالغ فيه. عرض الدنيا: حطام الدنيا وما فيها من زخارف. مسّكم: اصابكم. لا يسوغ لأحد من الانبياء ان يكون له أسرى يحتجزهم، أو يأخذ منهم الفِداء، او يمنّ عليهم بالعفو، حتى يتغلّب على أعدائه، ويُكثر القتل والجراح فيهم، فلا يستطعيوا قتالا بعد ذلك، ولكنّكم أيها المؤمنون سارعتم في غزوة بدر الى اتخاذ الأسرى قبل التمكّن في الارض تريدون منافع الدنيا وحُطامَها، والله يريد لكم الآخرة. {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز يَهَبُ العزة للمؤمنين وإن لم يكن لهم اسرى، وهو حيكم في تدبيره وأمره ونهيه. قراءات: قرأ اهل البصرة "ان تكون" بالتاء. روى الإمام أحمد عن أنس قال: حديث : استشار النبي صلى الله عليه وسلم في الاسارى يوم بدر فقال: ان الله مكّنكم منهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله اضربْ أعناقهم. فأعرض عنه النبي، ثم عاد رسول الله لمقالته، إنما هم إخوانكم بالأمس وعاد عمر لمقالته، فأعرض عنه فقام أبو بكر الصدّيق فقال: يا رسول الله نرى ان تعفو عنهم، وان تقبل منهم الفداء؟ قال: فذهب عن وجه رسول الله ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء . تفسير : وفي رواية ابن عباس عن عمر زيادة هي: حديث : فلما كان الغد جئتُ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان فقلت: يا رسولَ الله، أخبِرني من أي شيء تبكي انت وصاحبك... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي على أصحابك من أخذِهم الفداءَ، لقد عرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة. تفسير : فأنزل الله عز وجل "وما كان لنبي..." الآية. {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} لولا حكمٌ سابق من الله بالعفو عن المجتهد المخطىء لأصابكم فيما أخذتم من الفِداء عذابٌ كبير بسبب ما تعجّلتم به. بعد ان عاتبَهم الله على اخذ الفداء أباح لهم أكْل ما أخذوه، وعدَّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في اول السورة فقال: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. كلوا مما غنمتم من الفداء حلالا لكم طيبا في نفسه لا خبث فيه، واتقوا الله في كل أموركم، انه غفور لذنبكم السابق حين أخذتم الفداء. ثم يخاطب الاسرى بكلام رقيق يُحْيي فيهم الرجاء، ويُشيع فيهم النور، ويؤملهم بحياة أكرم مما كانوا فيه، وكسبٍ أطيب مما فقدوا من مال وديار، وبعد ذلك كلّه بالمغفرة والرحمة. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يا ايها النبي قل للأسرى الّذين اخذتم منهم الفداء: ان يكن في قلوبكم خير يعلمه الله فسيُخلِفُ لكم خيراً مما أخذه المؤمنون منكم ويغفر لكم ما كان من الشرك والسيئات. ان الله غفور لمن تاب من كفره وذنوبه، رحيم بالمؤمنين يشملهم بعنايته وتوفيقه. قراءات: قرأ ابو عمرو: "من الأسارى" والباقون: "من الأَسرى". وفي الوقت الذي يفتح الله للأسارى باب الرجاء، يحذرهم خيانة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما خانوا الله من قبل فلاقوا هذا المصير. {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. وان يريدوا خيانتك بما يظهر بعضهم من الميل الى الاسلام مع انطواء صدروهم على قصد مخادعتك بهذا الميل فلا تبتئس، فقد خانوا الله من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء لله والكفر بنعمته، فامكن منهم اذ نصرك في بدر مع قلة عَددكم وعُددكم، وكثرتهم، والله قوي غالب متصرف بحكمته، يعلم ما ينونه وما يستحقونه من عقاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرَةَ} (67) - أَسَرَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ عَدَداً مِنْ رُؤُوسِ الشِّرْكِ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَسَأَلَ الرَّسُولُ أَصْحَابَهُ مَا يَفْعَلُ بِالأَسْرَى، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِقَتْلِهِمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيُّ بِإِيقَادِ نَارٍ عَظِيمَةِ فِي الوَادِي وَإِحْرَاقِهِمْ فِيهَا، وَأَشَارَ أَبُو بَكْرٍ بِمُفَادَاتِهِمْ. وَقَالَ لِلْرَسُولِ صلى الله عليه وسلم: هُمُ الأَهْلُ وَالعَشِيرَةُ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ قَبِلَ الفِدَاءَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، وَفِيهَا يَلُومُ الرَّسُولَ وَالمُسْلِمِينَ عَلَى قُبُولِ الفِدَاءِ، وَتَفْضِيلِ عَرَضِ الحَيَاةِ الدُّنْيا عَلَى مَصْلَحَةِ الإِسْلاَمِ العُلْيَا، وَهِيَ إِبَادَةُ الكُفْرِ وَقَادَتِهِ، حَتَّى يَتَضَعْضَعَ الكُفْرُ، وَيَنْهَارَ بُنْيَانُهُ، وَتَتَقَطَّعَ أَوْصَالُهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}، أي إنَّهَ لاَ يَنْبَغِي لِلْنَّبِيِّ وَالمُؤْمِنينَ أَنْ يَعْدِلُوا عَنْ قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ إلى أَسْرِهِمْ إلاَّ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الغَلَبَةُ التَّامَةُ، وَالسَيْطَرَةُ الكَامِلَةُ، وَأَنْ تَكُونَ قُوَّتُهُمْ فِي مَوْضِعِ التَّفَوُّقِ المُطْلَقِ عَلَى الأَعْدَاءِ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ هؤُلاَءِ الأَعْدَاءُ الثَّأْرَ وَالعَوْدَةَ إِلى القِتَالِ إِذَا سَنَحَتْ لَهُم الفُرْصَةُ. فَإِذَا كَانَتْ لَهُم القُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ بَعْدَ أَنْ أَنْهَكُوا الأَعْدَاءَ قَتْلاً، جَازَ لَهُمُ العُدُولُ عَنِ القَتْلِ إِلَى الأَسْرِ. وَقَدْ نَبَّهَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ إِلَى أَنَّهُمْ فَضَّلُوا بِعُدُولِهِمْ إِلى الأَسْرِ، عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيا، أَمَّا هُوَ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ، وَاللهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ. الإِثْخَانُ - الشِّدَّةُ وَالغَلَبَةُ أَوْ هُوَ المُبَالَغَةُ فِي القَتْلِ لِيَتِمَّ إِذْلاَلُ الكُفْرِ وَأَهْلِهِ. عَرَضَ الدُّنْيا - حُطَامَهَا - وَذلِكَ بِأَخْذِ الفِدْيَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"أسرى" جمع كلمة "أسير"، وتعريف الأسير أنه مشدود عليه الوثاق ممن أخذه بحيث يكون في قبضة يده، والأسير في الإسلام هو نبع العبودية والرق؛ لأن الأسير يقع في قبضة عدوه الأقوى منه ويمكنه أن يقتله أو يأخذه عبداً. إذن ففي هذه الحالة لا نقارن بين أسير أصبح عبداً وبين حر، وإنما نقارن بين قتل الأسير وإبقائه على قيد الحياة. وأيهما أنفع للأسير أن يبقى على قيد الحياة ويصبح أسيراً أم يقتل؟. إن بقاءه على قيد الحياة أمر مطلوب منه ومرغوب فيه. وبذلك يكون تشريع الله سبحانه وتعالى في تملك الأسرى إنما أراد الله به أن يحقن دماءهم ويبقي حياتهم؛ لأن الأسير مقدور عليه بالقتل، وكان من الممكن أن يترك الأسرى ليقتلوا وتنتهي المشكلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يحفظ حتى دم الكافر؛ لأن الله هو الذي استدعاه إلى هذه الحياة وجعله خليفة، ولذلك يحفظه. ولعله من بعد ذلك أن يهتدي ويؤمن. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن من يهدم بنيان الله إلا بحقه. على أن الإسلام قد اتهم زوراً بأنه هو الذي شرع الرق، ولكن الحقيقة أنه لم يبتدع أو ينشيء الأسر والرق، ولكنه كان نظاماً موجوداً بالفعل وقت ظهور الإسلام، وكانت منابع الرق متعددة بحق أو بباطل، بحرب أو بغير حرب، فقد يرتكب أحد جناية في حق الآخر ولا يقدر أن يعوضه فيقول: "خذني عبداً لك"، أو "خذ ابنتي جارية"، وآخر قد يكون مَديناً فيقول: خذ ابني عبداً لك أو ابنتي جارية لك". وكانت مصادر الرق - إذن - متعددة، ولم يكن للعتق إلا مصرف واحد. وهو إرادة السيد أن يعتق عبده أو يحرره. ومعنى ذلك أن عدد الرقيق والعبيد كان يتزايد ولا ينقص؛ لأن مصادره متعددة وليس هناك إلا باب واحد للخروج منه، وعندما جاء الإسلام ووجد الحال هكذا أراد أن يعالج مشكلة الرق ويعمل على تصفيته. ومن سمات الإسلام أنه يعالج مثل هذه الأمور بالتدريج وليس بالطفرة؛ فألغي الإسلام كل مصادر الرق إلا مصدراً واحداً وهو الحرب المشروعة التي يعلنها الإمام أو الحاكم. وكل رق من غير الحرب المشروعة حرام ولا يجوز الاسترقاق من غير طريقها، وفي ذات الوقت، عدد الإسلام أبواب عتق العبيد، وجعله كفارة لذنوب كثيرة لا يكفر عنها ولا يغفرها سبحانه وتعالى إلا بعتق رقبة، بل إنه زاد على ذلك في الثواب الكبير الذي يناله من يعتق رقبة حبا في الله وإيماناً به فقال سبحانه وتعالى: {أية : فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ} تفسير : [البلد: 11-13]. فإذا لم يرتكب الإنسان ذنباً يوجب عتق رقبة ولا أعتق رقبة بأريحية إيمانية، فإنه في هذه الحالة عليه أن يعامل الأسير معاملة الأخ له في الإسلام. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه سيدنا أبو ذَر رَضي الله عنه. "حديث : إخوانكم خولكم جعلهم الله فتنة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه ". تفسير : إذن فقد ساوى هذا الحديث الشريف بين العبد والسيد، وألغي التمييز بينهما؛ فجعل العبد يلبس مما يلبس سيده ويأكل مما يأكل أو يأكل معه؛ وفي العمل يعينه ويجعل يده بيده، ولا يناديه إلا بـ"يا فتاي" أو "يا فتاتي". إذن فالإسلام قد جاء والرق موجود وأبوابه كثيرة متعددة ومصرفه واحد؛ فأقفل الأبواب كلها إلا باباً واحداً، وفتح مصارف الرق حتى تتم تصفيته تماماً بالتدريج. وبالنسبة للنساء جاء التشريع السماوي في قول الله تعالى: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}تفسير : [النساء: 3]. وكان ذلك باباً جديداً من ابواب تصفية الرق؛ لأن الأمة إن تزوجت عبداً مثلها تظل على عبوديتها وأولادها عبيد، فإن أخذها الرجل إلى متاعه وأصبحت أم ولده يكون أولادها أحراراً، وبذلك واصل الإسلام تصفية الرق، وفي ذات الوقت أزاح عن الأنثى الكبت الجنسي الذي يمكن أن يجعلها تنحرف وهي بعيدة عن أهلها مقطوعة عن بيئتها، وترى حولها زوجات يتمتعن برعاية وحنان ومحبة الأزواج وهذه مسألة تحرك فيها العواطف، فأباح للرجل إن راقت عواطفهما لبعضهما أن يعاشرها كامرأته الحرة وأن ينجب منها وهي أمَة، وفي ذلك رفع لشأنها لأنها بالإنجاب تصبح زوجة، وفي ذات الوقت تصفية للرق. إن هذه المسألة أثارت جدلاً كثيراً حول الإسلام، وقيل فيها كلام كله كذب وافتراء. والآن بعد أن ألغي الرق سياسيا بمعاهدات دولية انتهت إلى ذات المبادئ التي جاء بها الإسلام وهي تبادل الأسرى والمعاملة بالمثل. وهو مبدأ أول ما جاء، إنما جاء به الإسلام، فليس من المعقول أن يأخذ عدو لي أولادي يسخرهم عنده لما يريد، وأنا أطلق أولاده الأسرى عندي، ولكن المعاملة بالمثل فإن منّوا نُمنّ، وإن فدوا نفد. ويشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الرق الناشيء عن الأسر مقيداً في قَوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنفال: 67]. ونقول: إن هناك فرقاً بين حكم يسبق الحدث فلا يخالفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم يجيء مع الحدث، ولا بد أن نفرق بين الحكمين؛ حكم يسبق الحدث إن خولف تكون هناك مخالفة ولكنَّ حكماً يأتي مع الحدث، فهذا أمر مختلف، لنفرض أنك جالس وجاء لك من يقول إن قريبك فلان ذهب إلى المكان الفلاني، وأنه ينفق على كذا، وأعطي كمبيالة على نفسه بمبلغ كذا. اذهب إليه لتمنعه، فتذهب إليه وتمنعه، هنا جاء الحكم مع الحدث، فلا تكون هناك مخالفة. وقول الحق سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} [الأنفال: 67]. قد جاء هذا الحكم بعد أن تم أسر كفار قريش وأخذوا إل المدينة، وتشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بشأنهم ووصلوا إلى رأي. إذن فالحكم جاء بعد أن انتهت العملية، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يغير الحكم، فظل الأسر والفداء. إذن: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} أي ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى حتى يقسو على الكفار في القتال. ويريد الحق سبحانه وتعالى هنا أن ينبه المؤمنين إلى أنهم لو كانوا يريدون الأسرى لعرض الدنيا، كأن يطمع أي واحد في من يخدمه، أو يطمع في امرأة يقضي حاجته منها، أو في مال يبغي به رغد العيش، كل ذلك مرفوض؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يريد من المؤمن أن يجعل الدنيا أكبر همه، بل يريد الحق من المؤمنين أن يعملوا ويحسنوا الاستخلاف في الأرض؛ ليقيموا العدل على قدر الاستطاعة؛ وليجزيهم الله من بعد ذلك بالحياة الدائمة المنعمة في الجنة. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67]. وسبحانه العزيز الذي لا يغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. ويجيء من بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} معناهُ يَغْلِبُ ويُبالغُ. ويقالُ حتَّى يَظْهرَ عَلَى الأَرضِ. تفسير : وقوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} معنى عَرضُهَا: مَتَاعُهَا.

الجيلاني

تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى سر جواز أخذ الفدية والجزية للرسل والأنبياء، ووقَّته وسبَّبه فقال: {مَا كَانَ} أي: ما صح وجاز {لِنَبِيٍّ} من الأنبياء {أَن يَكُونَ لَهُ} وفي يده {أَسْرَىٰ} من الكفار يفديهم على المال، ويخلي سبيلهم {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} أي: لا يجوز لهم أخذ الفدية إلى أن يكثر القتل وبذل الكفار، ويعز الدين ويغلب أهله إلى حيث اضطر المخالفون لتخليص نفوسهم إلى الفدية، مع أنه لا يتوقع منهم المنازعة والمخاصمة أصلاً، وصاروا مهانين مقهورين، ومتى لم يصلوا إلى هذه المرتبة لم يصح أخذ الفدية، وإذا كان أمر الفدية هكذا، كيف {تُرِيدُونَ} أيها المؤمنون بأخذها {عَرَضَ ٱلدُّنْيَا} ومتاعها وحطامها {وَٱللَّهُ} المصلح لأحوالكم، المدبر لأموركم {يُرِيدُ} لكم {ٱلآخِرَةَ} وثوابها بأخذها، وما يترتب عليها من اللذات الروحانية، وأنتم تقصدون أن تستلذوا بحطام الدنيا ومزخرفاتها {وَٱللَّهُ} المراقب لحالاتكم {عَزِيزٌ} غالب فيما أراد لأجلكم {حَكِيمٌ} [الأنفال: 67] ريد لكم ما يليق بحالكم؟!. {لَّوْلاَ كِتَابٌ} حكم وأمر ثابت نازل {مِّنَ ٱللَّهِ} المنتقم الغيور {سَبَقَ} من سابق علمه بألا يأخذ المجتهد المخطئ بخطئه {لَمَسَّكُمْ} أصابكم ونزل عليكم {فِيمَآ أَخَذْتُمْ} وافتديتم من أسارى بدر {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 68] مقدار ما فوتم من حكمة الله وأبطلتم حكمه. حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم أتى يوم بدر بسبعين أسيراً فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ منهم فدية يقوى بها أصحابك، وقال عمر رضي الله عنه: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، فإن الله أغناك من الفداء فمكني من فلان؛ لنسب له، ومكن علياً وحمرمة من أخويهما، فنلضرب أعناقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام حيث قال: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، مثلك يا عمر مثل نوح حيث قال: {رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً}" فخير أصحابه فأخذوا الفداء، فزلت. فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني، فإن أجد بكاء بكيت و إلا تباكيت، فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه" لشجرةٍ قريبة عنده، فقال صلى الله عليه وسلم: "لو نزل العذاب لما برئ منه غير عغمر وسعد بن معاذ ". تفسير : ومتى اجتهدتم في أخذ الفدية من الأسرى فأخذتم الفدية، وإن كان اجتهادكم خطأ {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ} بعد إخراج الخمس وافتديتم من الأسرى؛ إذ هي من جملة الغنيمة {حَلاَلاً} مستحلين مستبيحين {طَيِّباً} خالياً عن وصمة الشبهة، لاجتهادكم في أخذها {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} من المبادرة في الأمور، واحتاطوا فيها {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأموركم {غَفُورٌ} لما صدر عنكم من المبادرة إلى الفدية {رَّحِيمٌ} [الأنفال: 69] أباح لكم ما أخذتم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه معاتبة من اللّه لرسوله وللمؤمنين يوم { بدر } إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء،. وكان رأي: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال، قتلهم واستئصالهم. فقال تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىَ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ } أي: ما ينبغي ولا يليق به إذا قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور اللّه ويسعوا لإخماد دينه، وأن لا يبقى على وجه الأرض من يعبد اللّه، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم،.فما دام لهم شر وصولة، فالأوفق أن لا يؤسروا. فإذا أثخنوا، وبطل شرهم، واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول تعالى: { تُرِيدُونَ } بأخذكم الفداء وإبقائهم { عَرَضَ الدُّنْيَا } أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم. { وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ } بإعزاز دينه، ونصر أوليائه، وجعل كلمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار من دون قتال لفعل، لكنه حكيم، يبتلي بعضكم ببعض. { لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } به القضاء والقدر، أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن اللّه رفع عنكم - أيها الأمة - العذاب { لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وفي الحديث: "حديث : لو نزل عذاب يوم بدر، ما نجا منه إلا عمر ". تفسير : { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا } وهذا من لطفه تعالى بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها. { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في جميع أموركم ولازموها، شكرا لنعم اللّه عليكم،. { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب،.ويغفر لمن لم يشرك به شيئا جميع المعاصي. { رَحِيمٌ } بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالا طيبا.