Verse. 1228 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

لَوْلَا كِتٰبٌ مِّنَ اللہِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِــيْمَاۗ اَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ۝۶۸
Lawla kitabun mina Allahi sabaqa lamassakum feema akhathtum AAathabun AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لولا كتاب من الله سبق» بإحلال الغنائم والأسرى لكم «لمسَّكم فيما أخذتم» من الفداء «عذاب عظيم».

68

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} في أنه لا يعذّب قوماً حتى يبيّن لهم ما يتقون. وٱختلف الناس في كتاب الله السابق على أقوال؛ أصحها ما سبق من إحلال الغنائم، فإنها كانت محرّمة على مَن قبلنا. فلما كان يوم بدر، أسرع الناس إلى الغنائم فأنزل الله عزّ وجلّ {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} أي بتحليل الغنائم. وروى أبو داود الطّيالِسِيّ في مسنده: حدّثنا سلام عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: لما كان يوم بدر تعجّل الناس إلى الغنائم فأصابوها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الغنيمة لا تَحِلّ لأحد سود الرؤوس غيركم»تفسير : . فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا غنِموا الغنيمة جمعوها ونزلت نار من السماء فأكلتها؛ فأنزل الله تعالىٰ: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} إلى آخر الآيتين. وأخرجه التّرمذِيّ وقال: حديث حسن صحيح، وقاله مجاهد والحسن. وعنهما أيضاً وسعيد بن جبير: الكتاب السابق هو مغفرة الله لأهل بدر، ما تقدّم أو تأخر من ذنوبهم. وقالت فرقة: الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب، معيَّناً. والعموم أصح؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر في أهل بدر: «حديث : وما يُدْريك لعلّ الله ٱطّلَع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . خرّجه مسلم. وقيل: الكتاب السابق هو ألاّ يعذبهم ومحمد عليه السَّلام فيهم. وقيل: الكتاب السابق هو ألاّ يعذب أحداً بذنب أتاه جاهلاً حتى يتقدّم إليه. وقالت فرقة: الكتاب السابق هو مما قضى الله من مَحْوِ الصغائر بٱجتناب الكبائر. وذهب الطبريّ إلى أن هذه المعاني كلّها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمّها، ونَكَب عن تخصيص معنًى دون معنًى. الثانية ـ ٱبن العربيّ: وفي الآية دليل على أن العبد إذا ٱقتحم ما يعتقده حراماً مما هو في علم الله حلال له لا عقوبة عليه؛ كالصائم إذا قال: هذا يوم نَوْبِي فأفطر الآن. أو تقول المرأة: هذا يوم حيضتي فأُفطر، ففعلا ذلك، وكان النوب والحيض الموجبان للفطر، ففي المشهور من المذهب فيه الكفارة، وبه قال الشافعيّ. وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وهي الرواية الأُخرىٰ. وجه الرواية الأولىٰ أن طروّ الإباحة لا يثبت عذراً في عقوبة التحريم عند الهتك؛ كما لو وطِىء امرأة ثم نكحها. وجه الرواية الثانية أن حرمة اليوم ساقطةٌ عند الله عز وجل فصادف الهتك محلا لا حرمة له في علم الله، فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زُفتّ إليه وهو يعتقدها أنها ليست بزوجته فإذا هي زوجته. وهذا أصح. والتعليل الأول لا يلزم؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى مع علمنا قد ٱستوىٰ في مسألة التحريم، وفي مسألتنا ٱختلف فيها علمنا وعلم الله فكان المعوّل على علم الله. كما قال: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَّوْلاَ كِتَٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } بإحلال الغنائم والأسرى لكم {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ } من الفداء {عَذَابٌ عظِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَخَذْتُمْ} من الفداء، {لَّوْلا كِتَابٌ} سبق لأهل بدر أن لا يعذبوا لمسهم في أخذ الفداء عذاب عظيم، أو سبق في إحلال الغنائم لمسهم في تعجلها من أهل بدر عذاب عظيم، أو سبق بأن لا يعذب من أتى عملاً على جهالة، أو الكتاب القرآن المقتضي لغفران الصغائر، ولما شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: قومك وعشيرتك فاستبقهم لعل الله ـ تعالى ـ أن يهديهم، وقال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: أعداء الله ـ تعالى ـ ورسوله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، فمال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ، وأخذ الفداء ليقوى به المسلمون، وقال: أنتم عالة ـ يعني للمهاجرين ـ فلما نزلت هذه الآية قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ: " حديث : لو عذبنا في هذا الأمر ـ يا عمر ـ لما نجا غيرك "تفسير : ثم، أحل الغنائم، بقوله ـ تعالى ـ {أية : فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ}تفسير : [الأنفال: 69].

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} قال ابن عباس: كانت الغنائم محرمة على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا مغنماً جعلوه للقربان فكانت النار تنزل من السماء فتأكله فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في أخذ الغنائم والفداء فأنزل الله عز وجل: {لولا كتاب من الله سبق} يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم. ثم لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون وأنه لا يأخذ قوماً فعلوا بجهالة لمسكم يعني لأصابكم بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به عذاب عظيم قال محمد بن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر بدراً إلا وأحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى وسعد ابن معاذ فإنه قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ " تفسير : وقوله تعالى: {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً} يعني قد أحلت لكم الغنائم وأخذ الفداء فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً. روي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزلت فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً فأحل الله الغنائم بهذه الآية لهذه الأمة وكانت قبل ذلك حراماً على جميع الأمم الماضية صح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم وذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا ". تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {واتقوا الله إن الله غفور رحيم} يعني وخافوا الله أن تعودوا وإن لم تفعلوا شيئاً من قبل أنفسكم قبل أن تؤمروا به واعلموا أن الله قد غفر لكم ما أقدمتم عليه من هذا الذنب ورحمكم وقيل في قوله واتقوا الله إشارة إلى المستقبل وقوله إن الله غفور رحيم إشارة إلى الحالة الماضية.

البقاعي

تفسير : ولما علم من الآية ما أشرت إليه، فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم: تقتضي عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به؟ استأنف تعالى الجواب عن ذلك ممتناً غاية لامتنان ومحذراً من التعرض لمواقع الخسران فقال: {لولا كتاب} أي قضاء حتم ثابت مبرم {من الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء قدرة وعلماً {سبق} أي في أم الكتاب من الحكم بإسعادكم، ومن أنه لا يعذب أحداً إلا بعد التقدم إليه بالنهي، ومن أنه سيحل لكم الفداء والغنائم التي كانت حراماً على من قبلكم تشريفاً لكم - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما {لمسكم فيما أخذتم} أي من الأسرى المراد بهم الفداء {عذاب عظيم*} ولكن سبق حكمي بأن المغنم - ولو بالفداء - لكم حل وإن تعجلتم فيه أمري. ولما ساق سبحانه هذه البشارة في النذارة، سبب عنها قوله: {فكلوا مما غنمتم} أي من الفدية وغيرها حال كونه {حلالاً} أي لا درك ولا تبعة فيه من جهتي {طيباً} أي شهياً لكم ملائماً لطباعكم، وهذا إذا كان مع الشروط التي أقمتها لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستثار وشديد الرغبة السائقة إلى ما لا يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت فيه إليكم {واتقوا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا تغلوا ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم الرسول صلى الله عليه وسلم {إن الله} أي المتصف بالجلال والإكرام {غفور} أي لمن يعلم من قبله أنه من أهل التقوى {رحيم*} أي له، فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه، ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم، انظر إلى قوله تعالى {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم} تعرف حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة والرحمة، ويجوز أن يكون علة للأكل، أي كلوا فإن الله قد غفر لكم ما عاتبكم عليه، وفائدة الأمر بالتقوى التحذير من العود اعتماداً على سعة الحلم، وايضاً فقد تقدم تهديد ومغفرة فناسب أن يدلهم على أن علة المغفرة التقوى، فكان ترجمة ذلك انه لما رهبهم بمس العذاب عند أخذ الفداء لولا سبق الكتاب، رغبهم بأنه كلما صدهم عن جنابه صارف ذنب فردهم إليه عاطف تقوى، أسبل عليهم ذيل المغفرة والرحمة، ولما علم من هذا إباحة ما يؤخذ من الأسر من الفداء، وكان ما يؤخذ منهم تعظم مشقته عليهم، أقبل عليهم مستعطفاً لهم ترغيباً في الإسلام، فأقبل على نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بمخاطبتهم تنبيهاً على أنهم ليسوا بأهل لخطابه سبحانه بما أبعدوا أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء على الكون في عداد الأولياء، فقال معبراً بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ترغيباً في التلقي منه صلى الله عليه وسلم: {يا أيها النبي} أي الذي أنبئه بكل معنى جليل، يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره {قل لمن في أيديكم} أي في أيدي أصحابك وأهل دينك، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب {من الأسرى} ترغيباً لهم فيما عند الله {إن يعلم الله } بما له من صفات الجلال والجمال {في قلوبكم خيراً} أي شيئاً من تقواه الحاملة على الإيمان الذي هو رأس الخير وعلى كل خير {يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} أي مما يفتح به عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى {ويغفر لكم} أي ما سلف من ذنوبكم {والله} أي الذي بيده كل شيء {غفور رحيم} أي من شأنه ذلك، والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتيه رضي الله عنه أنه سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما يأخذه منكم جنده بالكرم، وأما إنه يحكم بإسقاط الفداء عنكم ويأمرهم بتركه وإطلاقكم مجاناً بما يعلم في قلوبكم من خير وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح باب الدعاوى الباطلة المانعة من الغنائم الموهنة للدين؛ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في سيرته: قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: حديث : كان العباس رضي الله عنه في الأسرى فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: افد نفسك وابني أخيك عقيلاً ونوفلاً وخليتك فإنك ذو مال، فقال: يارسول الله! إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أعلم بإسلامك، إن كان حقاً ما تقول فالله يجزيك به، وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، قال: ليس لي مال، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأين المال الذي وضعت عند أم الفضل حين خرجت وليس معك أحد؟ ثم قلت: إن أصبت في سفري هذا فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا! فقال: والذي بعثك بالحق! ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية وقال: تركتني أسأل الناس، وأسلم وأمر عقيلاً فأسلم، ولم يسلم من الأساري غيرهما . تفسير : ولما كان التقدير: فإن صدقوك وقبلوا - بشرى الله، وفي لهم، عطف عليه قوله: {وإن يريدوا} أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة {خيانتك} أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به في المن على أحد منهم، بغير فداء، يرد الله أن يكون وبال ذلك راجعاً إليهم فيمكن منهم، فلا تخش من أمرهم {فقد خانوا الله} أي الملك الأعظم؛ ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي من قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق {فأمكن} أي فأوجد الإمكان منهم، وقصره ليدل على أنهم صاروا سلماً لكل أحد {منهم} أي يوم بدر بسبب خيانتهم، فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا أرادوا الخيانة، فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم مطلقاً فهو يعلم الأشياء كلها التي منها أحوالهم {حكيم*} أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة، وكذا فعل سبحانه في أبي عزة الجمحي فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه بغير شيء لفقره وعياله وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحداً ومدحه ثم خان فظهر به في غزوة حمراء الأسد عقب يوم أحد أسيراً، فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال: ألا تمسح عارضيك بمكة وتقول: سخرت بمحمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، وأمر به فضربت عنقه، وقال أبو حيان في الخيانه: هي كونهم اظهر بعضهم الإسلام ثم رجعوا إلى دينهم.

ابو السعود

تفسير : {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} أي لولا حكمٌ منه تعالى سبق إثباتُه في اللوح المحفوظِ وهو أن لا يعاقبَ المخطىءَ في اجتهاده أو أن لا يعذب أهلَ بدر أو قوماً لم يصرِّح لهم بالنهي، وأما أن الفدية التي أخذوها ستحِل لهم فلا يصلح أن يعد من موانع مساسِ العذاب فإن الحِلَّ اللاحقَ لا يرفع حكمَ الحرمةِ السابقة كما أن الحرمةَ اللاحقة كما في الخمر مثلاً لا ترفع حكمَ الإباحةِ السابقة على أنه قادحٌ في تهويل ما نُعي عليهم من أخذ الفداء {لَمَسَّكُمْ} أي لأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ} أي لأجل ما أخذتم من الفداء {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادَر قدرُه. {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ} رُوي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزلت قالوا: الفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوفٍ أي قد أبحت لكم الغنائمَ فكلوا ما غنمتم والأظهر أنها للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي دعوه فكلوا مما غنمتم وقيل: ما عبارة عن الفدية فإنها من جملة الغنائم ويأباه سباقُ النظمِ الكريم وسياقُه {حَلَـٰلاً} حال من المغنوم أو صفةٌ للمصدر أي أكلاً حلالاً وفائدتهُ الترغيبُ في أكلها وقوله تعالى: {طَيّباً} صفةٌ لحلالاً مفيدةٌ لتأكيد الترغيبِ {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي في مخالفة أمرِه ونهيِه {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيغفرُ لكم ما فرَط منكم من استباحة الفداءِ قبل ورود الإذنِ فيه ويرحمُكم ويتوبُ عليكم إذا اتقيتموه {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم} أي في مِلكتكم كأن أيديَكم قابضةٌ عليهم {مّنَ ٱلأَسْرَىٰ} وقرىء من الأُسارى {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} خلوصَ إيمانٍ وصحةَ نيةٍ {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء، وقرىء أخَذَ على البناء للفاعل. روي أنها نزلت في العباس كلفه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يَفدِيَ ابني أخيه عَقيلَ بن أبـي طالب ونوفلَ بنَ الحارث فقال: يا محمد تركتَني أتكفف قريشاً ما بقِيتُ فقال له عليه الصلاة والسلام: «حديث : فأين الذهبُ الذي دفعتَه إلى أم الفضلِ وقت خروجِك من مكة وقلت لها: ما أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بـي حدثٌ فهو لك ولعبد اللَّه وعبـيد اللَّه والفضلِ» تفسير : فقال العباس: ما يدريك؟ فقال: «أخبرني به ربـي»، قال العباس: فأنا أشهد أنك صادقٌ وأن لا إلٰه إلا الله وأنك عبدُه ورسوله، والله لم يطلعْ عليه أحدٌ إلا الله ولقد دفعتُه إليها في سواد الليل ولقد كنت مرتاباً في أمرك فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس بعد حين: فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً وإنّ أدناهم ليُضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزمَ ما أُحب أن لي بها جميعَ أموالِ أهل مكة وأنا أنتظر المغفرةَ من ربـي، يتأول به ما في قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فإنه وعدٌ بالمغفرة مؤكدٌ بما بعده من الاعتراض التذيـيلي.

القشيري

تفسير : لولا أن حكم في آزاله بإحلال الغنيمة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته لَمَسَّكُم - لأَجْلِ ما أخذتُم من الفداء منهم يومَ بدر - عذابٌ عظيم، ولكن الله أباح لكم الغنيمة فأَزال عنكم العقوبة.

اسماعيل حقي

تفسير : {لولا كتاب من الله سبق} لولا حكم من الله سبق اثباته فى اللوح المحفوظ وهو ان لا يعاقب المخطئ فى اجتهاده. وان لا يعذب اهل بدر او قوما لا يصرح لهم بالنهى. وفى التأويلات النجمية {لولا كتاب من الله سبق} باستبقاء هؤلاء الاسارى ليؤمن بعضهم ويؤمن اولاد بعضهم وذراريهم {لمسكم} اى لاصابكم {فيما أخذتم} اى لاجل ما اخذتم من الفداء {عذاب عظيم} لا يقادر قدره -روى- انه عليه السلام قال "حديث : لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ " .تفسير : وذلك لانه ايضا اشار بالاثخان. وفيه دليل على انه لم يكن احد من المؤمنين ممن حضر بدرا الا احب اخذ الفداء غيرهما. قال عبد الله بن عمر ما نزل بالناس امر فقال الناس وقال عمر الا نزل القرآن على نحو ما قال عمر وفى الحديث "حديث : ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" تفسير : وقد وافق الوحى فى مواضع منها ما فى هذه القصة ومنها انه قال يا رسول الله ان نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو امرتهن ان يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغيرة فقال لهن عسى ربه ان طلقكن ان يبدله ازواجا خيرا منكن

الطوسي

تفسير : قيل في معنى قوله {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم} قولان: قال الحسن لولا ما كتبه الله في اللوح المحفوظ من انه لا يعذبهم على ذلك. وقال غيره: لولا ما كتب الله فيه انه يغفر لأهل بدر ما تقدم وما تأخر. الثاني - قال مجاهد: يعني ما ذكره من قوله {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } تفسير : فكأنه قال: لا اعذب إلا بعد المظاهرة في البيان وتكرير الحجة به. وقال قوم "لولا ما كتبه الله" من ان الفدية ستحل لهم فيما بعد، ذهب اليه سعيد ابن جبير. ومعنى الاية {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم} من فداء الاسرى والغنيمة عذاب عظيم، لانهم اخذوه قبل ان يؤذن لهم. وقد كان سبق ان الله سيحله لهم في قول ابن عباس والحسن، وقال الجبائي: والمعنى {لولا كتاب من الله سبق} وهو القرآن الذي آمنتم به واستحقيتم لذلك غفران الصغائر لمسكم فيما اخذتم به من الفداء عذاب عظيم. ولا يجوز ان يكون المراد به الا الصغائر لانهم قبل الغفران لم يكونوا فساقاً اجماعاً. قال الجبائي: وقد كان من النبي صلى الله عليه وآله في هذا معصية اجماعاً من غير تعيين ما هي، واظن انها في ترك قتل الاسرى وهذا الذي ذكره غير صحيح، لانه لا إجماع في ذلك بل عندنا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وآله فعل شيء من القبائح صغيراً كان او كبيراً لما في ذلك من التنفير عنه على ما بيناه في غير موضع. واكثر المفسرين على ان النبي صلى الله عليه وآله لم يقع منه خلاف لأمر الله وقد روي ان النبي صلى الله عليه وآله كره اخذ الفداء حتى راى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه، فقال يا رسول الله هذا اول حرب لقينا فيه المشركين اردت ان يثخن فيهم القتل حتى لا يعود احد بعد هذا إلى خلافك وقتالك، فقال رسول الله: قد كرهت ما كرهت، ولكن رايت ما صنع القوم، فالمعصية في ذلك كانت من قوم من الصحابة الذين مالوا إلى الدنيا واخذ الفداء. وقد قال البلخي ايضاً إن اجلاء الصحابة براء من ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال حديث : إن الغنائم احلت لي ولم تحل لنبي قبلي . تفسير : ومعنى {لولا} امتناع الثاني لوقوع الأول كقولك: لولا زيد بالمكان الذي هو به لاتيتك، فامتنع الاتيان لمكان زيد. والسبق يكون تقدماً في الزمان والمكان والرتبة بأن يكون له وإن لم يكن فيها. والمس مماسة يقع معها إدراك، وهو كاللمس في الحقيقة. والعظيم ما يصغر فيه قدر غيره، ويكون ذلك بعظم الجثة تارة وبعظم الشأن أخرى. والعظيم هو المستحق للصفة بأن قدر غيره صغير عنده. وقال أبو جعفر عليه السلام كان الفداء يوم بدر كل رجل من المشركين بأربعين أوقية من فضة والاوقية أبعون مثقالا إلا العباس فان فداءه كان مئة اوقية وكان أخذ منه حين أسر اثنين وعشرين اوقية ذهباً، فقال النبي صلى الله عليه وآله ذاك غنيمة ففاد نفسك وابني اخيك عقيل ونوفل بن الحارث، فقال: ليس معي، فقال: اين الذهب الذي سلمته إلى ام الفضل وقلت: ان حدث بي حدث، فهو لك وللفضل وعبد الله وميثم، فقال من اخبرك بهذا؟ قال: الله، قال: اشهد انك رسول الله، والله ما اطلع على هذا احد إلا الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} اى حكم سبق فى اللّوح من اباحة الفداء واعزاز المؤمنين او ابقاءهم الى اجلٍ موعود حتّى يعزّ دين الله بهم وهو تهديد وردع عن مثل ما فعلوا ببدرٍ فى باب اخذ الفداء من الاسرى واصرّوا على ذلك مع انكار الرّسول (ص) حتّى رضوا بقتل عدد الاسرى ومن يأخذون منه الفداء من المؤمنين فى عام قابل {لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ} من الفدية او فيما فعلتم من الاصرار على اخذ الفدية {عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ} اى اذا كان سبق كتاب فى اباحة الفداء واعزازكم فكلوا {مِمَّا غَنِمْتُمْ} من الفداء فانّه غنيمة او هو اباحة للغنيمة كأنّهم أمسكوا عنها وتردّدوا فى اباحتها اى اذا كان سبق كتابٍ فى اباحة الفداء واعزازكم واعلاء كلمتكم فلا تتحرّجوا من الغنيمة وكلوا منها {حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فى السّرف فيها، او فى الخيانة فيها، او فى مخالفته (ص) فيها وارضوا فيها بما اعطاكم الرّسول (ص) {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} اذ غفر تجرّيكم على الاصرار فى الفدية {رَّحِيمٌ} اذ رحمكم باباحة الغنيمة والفدية.

اطفيش

تفسير : {لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَق} نعت لكتاب، والخبر محذوف، أى موجود، وقيل: أغنى عنه الجواب، وقيل: يجوز ذكر الخبر بعد لولا إذا كان خاصا فيجوز كونه جملة سبق، والمراد بكتاب الله حكمه أى لولا حكم الله السابق إثباته فى اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطئ فى اجتهاده، وما قاله النبى، والعباس، وأبو بكر، لم يوافق الحق عند الله، وقد قالوه اجتهادا لا تشهيا، أو هو أى لا يعذب أهل بدر كما قال الحسن، وفى الحديث: "حديث : لا يدخل النار من شهد بدرا أو من شهد الحديببية إلا تخلة القسم" تفسير : وبذلك الذى قال الحسن. قال ابن جبير، ومجاهد، وابن زيد: أو هو أن لا يعذب قوما بما لم يصرح لهم بالنهى عنه، كما قال محمد بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب. وزعم بعض أن المراد أن لا يعذب قوما فعلوا ذنبا بجهالة، وقيل: محو الصغائر على أن ذلك الفعل فى حقهم صغير فى تلك الوقعة، وقال الحسن فى رواية، وابن عباس، وأبو هريرة: هو ما قضاه الله من إحلال الغنائم والفداء لمحمد وأمته لضعفهم، وكانت فى سالف الأمم محرمة، وكانت تنزل عليها النار فتحرقها، قال عكرمة: ما أحلت الغنيمة قبلكم، ولا حرمت الخمر على أحد قبلكم، وقيل: هو أنه سبق فى علمه أنه استحل لهم الفدية التى أخذوها، وقيل: المراد عفو الله عن هذا الذنب، وقيل: المراد بالكتاب القرآن، سبق نزوله فآمنوا به، وكان سببا للعفو عنهم، وقال الطبرى: المراد ذلك كله. {لمسَّكُم فيما أخذْتُم} ما مصدرية أى فى أخذكم الفداء أو اسم أى فى ما أخذتموه وهو الفداء، وذلك أنهم أخذوه قبل أن يؤمروا به، قال ابن إسحاق: لم يبق أحد ممن حضر بدرا إلا وأحب الغنائم إلا عمر ابن الخطاب، وسعد بن معاذ لم يحضر لهم أن قتلهم أعز للإسلام وأهيب لمن وراءهم. {عَذابٌ عَظيمٌ} هو عذاب الآخرة أو عذاب مهلك كالصيحة والخسف، أو عذاب غير ذلك، روى حديث : أنهم لما أخذوا الفداء جاء عمر من الغد فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر قاعدين يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرنى من أى شئ تبكى أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أبكى للذى عرض علىَّ أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علىَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة يريد العذاب المذكور فى الآية، ولو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا عمر وسعد بن معاذ "

اطفيش

تفسير : {لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} نعتان لكتاب، ويجوز على الصحيح كون{سبق}خبر إِلا أَنه كون خاص من الله متعلق به، أَى سبق بأَلا يمسكم عذاب فى هذا الفداء والأَسر وغيرهما، والكتاب الحكم، سبق فى علم الله وفى اللوح المحفوظ، أَو سبق لا يؤاخذ المجتهد فى خطئه، أَو أَلا يعذب أَهل بدر، بمعنى التوفيق إِلى التوبة، لا بمعنى إِسقاط التكليف عنهم، أَو أَلا يعذبكم، لأَنه لم يصرح لكم بالنهى عن الفداءِ، أَو أَن لا يعذبهم وأَنت فيهم، أَو أَن الفداءَ سيحل لهم، وفيه أَن ما سيحل لهم باق على التحريم حتى يحل، وأَما من وطئَ زوجه يظنها غيرها فليس كذلك لأَنها حلال فى حينه، ولو عصى أَو كفر بنيته، وأَما الفداء فحرام فى حينهم حتى ينزل حله بعد، وفيه أَيضا أَنه معطل للتخويف فى الآية، وقد يجاب بأَن المعنى: سبق من الله العفو عنكم فضلا لسبب أَنه سيحله، وقد تجمع تلك الأَوجه كلها، أَو أَن رحمتى سبقت غضبى {لَمَسَّكُمْ فِيمَا} بسبب ما {أَخَذْتُمْ} من الفداءِ {عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى الدنيا عقاباً وتكفيرًا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو نزل العذاب لما نجا منه إِلا عمر وسعد ابن معاذ"تفسير : ، لأَنهما لم يقبلا الفداءَ، وغيرهما قبله، أَتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعين أَسيرا فاستشار فيهم، فقال الصديق رضى الله عنه: قومك وأَهلك لعلهم يتوبون، وخذ منهم فدية تقوى بها أَصحابك على العدو، أَى هم قومك، أَو ارحم قومك، وقال عمر رضى الله عنه: اقتلهم فإِنهم أَئمة الكفر، كذبوك وأَخرجوك وقد أَغناك الله عن فدائهم، ومكِّنى من نسيبى فلان، ومكِّن عليا من أَخيه عقيل، وحمزة من أَخيه العباس، وقال ابن رواحة: اضرم عليهم نارا فى واد كثير الحطب، فقال العباس: قطعت رحمك. وكره صلى الله عليه وسلم قوله فدخل. فقيل: يأخذ بقول الصديق، وقيل: يأخذ بقول عمر، وقيل: بقول ابن رواحة. فخرج صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إِن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون أَلين من اللين، ويشد قلوب رجال حتى تكون أَشد من الحجارة، وإِن مثلك يا أَبا بكر مثل إِبراهيم، قال: "فمن تبعنى فإِنه منى، ومن عصانى فإِنك غفور رحيم" ومثل عيسى "إِن تعذبهم فإِنهم عبادك وإِن تغفر لهم فإِنك أَنت العزيز الحكيم" ومثلك يا عمر مثل نوح قال "رب لا تذر على الأَرض من الكافرين ديارا" أَو مثل موسى قال "ربنا اطمس على أَموالهم واشدد على قلوبهم"تفسير : الآية، ولم يمثل لابن رواحة، ولا يليق به مثال عمر لأَن قتلهم بالنار غير جائز أَلبتة، وبعيد عن أَمر الشرع، رضى الله عن ابن رواحة، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يفلتن أَحدكم إِلا بفداء أَو قتل"تفسير : قال ابن مسعود للأَسهل ابن بيضاءَ: سمعته يذكر الإِسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن مسعود: فما رأَيتنى فى يوم أَخوف أَن تقع على الحجارة من السماءِ من ذلك اليوم، حتى قال صلى الله عليه وسلم، للأَسهل ابن بيضاءَ، وأَخذ عن كل واحد أَربعين أُوقية من الذهب، أَلفا وستمائة درهم إِلا العباس فثمانين أُوقية، وقيل قال: أَعط عنك أَربعين، وعن ابن أَخيك أَربعين، وهو عقيل، وعن ابن أَخيك نوفل بن الحارث أَربعين، وروى أَن فداءَ العباس أَربعون أُوقية وفداءَ سائرهم عشرون، وعن ابن سيرين: فداؤهم مائة أُوقية، والأُوقية أَربعون درهما، وقد أَخذت منه عشرون أُوقية خرج بها ليطعم الناس يوم بدر فوقع القتال فلم يطعم وقال: احسبها من فدائى يا رسول الله، فقال: لا أَترك لك شيئا خرجت تستعين به علينا، ولم يعط عن عقيل ولا عن نوفل، قيل: وقال أَيضا: فاد حليفك عتبة بن عمرو وكأَنه صلى الله عليه وسلم أَراد أَن يعذبهم لأَنهم لا مال لهم لصغرهم، وله مال. وقيل: قال له: أعط عم عقيل عشرين أُوقية، وقال: يا رسول الله، تركتنى أَتكفف الناس، فقال: فأَين الذهب الذى دفنت عند أَم الفضل؟ وقلت: إِن مت فهو لك ولأَولادك عبد الله وعبيد الله وقثم، وإِن رجعت أَر فيه رأيى؟ قال: من أَخبرك؟ قال: أَخبرنى ربى.. فقال: أَشهد أَنك رسول الله، قد كان ذلك فى جوف الليل ما سمعنا أَحد. ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأَبو بكر يبكيان. فقال: يا رسول الله أَخبرنى، فإِن وجدت بكاء بكيت وإِلا تباكيت. فقال: ابك على أَصحابك فى أَخذهم الفداءَ، ولقد عرض على عذابهم أَدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة -. وذكرهم بالعذاب لأَنهم الراضون بالفداءِ الآمرون به، حيث استشارهم، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو نزل عذاب ما نجا منه إِلا عمر وسعد بن معاذ" تفسير : يعنى أَنه حضر وقال كعمر، أَو قال: الإِثخان أَحب إِلى، وروى أَنه خيرهم أَن يأَخذوا الفداءَ فيقتل منهم سبعون فاختاروه وقتل منهم سبعون فى أُحد، والآية دليل على أَن الأَنبياءَ يجتهدون، إِلا أَنهم إِن أَخطأُوا أَخبرهم الله فيرجعوا إِلى الصواب، وإِن قدر ما كان لأَصحاب نبى فلا دلالة أَن الآية تفيد أَن المجتهد يعاقب على خطئه، والمروى أَن له أَجرا وله على إِصابته أَجران إِلى عشرة. الجواب أَن المراد "لولا كتاب من الله سبق" أَن لا عقاب على مجتهد.

الالوسي

تفسير : {لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} قيل: أي لولا حكم منه تعالى سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعذب قوماً قبل تقديم ما يبين لهم أمراً أو نهياً، وروى ذلك / الطبراني في «الأوسط » وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ورواه أبو الشيخ عن مجاهد أو المخطىء في مثل هذا الاجتهاد، وقيل: هو أن لا يعذبهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أو أن لا يعذب أهل بدر رضي الله تعالى عنهم، فقد روى الشيخان وغيرهما «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه في قصة حاطب وكان قد شهد بدراً: وما يدريك لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : وقريب من هذا ما روي عن مجاهد أيضاً وابن جبير وزعم أن هذا قول بسقوط التكليف لا يصدر إلا عمن سقط عنه التكليف، والعجب من الإمام الرازي كيف تفوه به لأن المراد أن من حضر بدراً من المؤمنين يوفقه الله تعالى لطاعته ويغفر له الذنب لو صدر منه ويثبته على الإيمان الذي ملأ به صدره إلى الموافاة لعظم شأن تلك الوقعة إذ هي أول وقعة أعز الله تعالى بها الإسلام وفاتحة للفتوح والنصر من الله عز وجل، وليس الأمر في الحديث على حقيقته كما لا يخفى، وقيل: هو أن الفدية التي أخذوها ستصير حلالاً لهم. واعترض بأن هذا لا يصلح أن يعد من موانع مساس العذاب فإن الحل اللاحق لا يرفع حكم الحرمة السابقة كما أن الحرمة اللاحقة كما في الخمر مثلاً لا ترفع حكم الإباحة السابقة، على أنه قادح في تهويل ما نعى عليهم من أخذ الفداء كما يدل عليه قوله سبحانه: {لَمَسَّكُمْ} أي لأصابكم {فِيمَا أَخَذْتُمْ} أي لأجل أخذكم أو الذي أخذتموه من الفداء {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادر قدره. وأجيب بأنه لا مانع من اعتبار كونها ستحل سبباً للعفو ومانعاً عن وقوع العذاب الدنيوي المراد بما في الآية وإن لم يعتبر في وقت من الأوقات كون المباح سيحرم سبباً للانتقام ومانعاً من العفو تغليباً لجانب الرحمة على الجانب الآخر، وحاصل المعنى أن ما فعلتم أمر عظيم في نفسه مستوجب للعذاب العظيم لكن الذي تسبب العفو عنه ومنع ترتب العذاب عليه إني سأحله قريباً لكم، ومثل ذلك نظراً إلى رحمتي التي سبقت غضبـي يصير سبباً للعفو ومانعاً عن العذاب، وكأن الداعي لتكلف هذا الجواب أن ما ذكر أخرجه ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه وأخرجاهما والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً، ولا يبعد عندي أن يكون المانع من مساس العذاب كل ما تقدم، وفي ذلك تهويل لما نعى عليهم حيث منع من ترتب مساس العذاب عليه موانع جمة ولولا تلك الموانع الجمة لترتب، وتعدد موانع شيء واحد جائز وليس كتعدد العلل واجتماعها على معلول واحد شخصي كما بين في موضعه، وبهذا يجمع بين الروايات المختلفة عن الحبر في بيان هذا الكتاب، وذلك بأن يكون في كل مرة ذكر أمراً واحداً من تلك الأمور، والتنصيص على الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه وليس في شيء من الروايات ما يدل على الحصر فافهم، وقال بعضهم: إن المعنى لولا حكم الله تعالى بغلبتكم ونصركم لمسكم عذاب عظيم من أعدائكم بغلبتهم لكم وتسليطهم عليكم يقتلون ويأسرون وينهبون وفيه نظر، لأنه إن أريد بهذه الغلبة المفروضة الغلبة في بدر فالأخذ الذي هو سببها إنما وقع بعد انقضاء الحرب، وحينئذٍ يكون مآل المعنى لولا حكم الله تعالى بغلبتكم لغلبكم الكفار قبل بسبب ما فعلتم بعد وهو كما ترى، وإن أريد الغلبة بعد ذلك فهي قد مست القوم في أحد فإن أعداءهم قد قتلوا منهم سبعين عدد الأسرى وكان ما كان؛ فلا يصح نفي المس حينئذٍ. نعم أخرج ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال عند نزول هذه الآية: «حديث : لو أنزل من السماء عذاب لما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ لقوله: كان الأثخان في القتل أحب إلي» تفسير : وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر لكن لم يذكر فيه سعد بن معاذ وذلك يدل على أن المراد / بالعذاب عذاب الدنيا غير القتل مما لم يعهد لمكان نزل من السماء، وحينئذٍ لا يرد أنه استشهد منهم بعدتهم لأن الشهادة لا تعد عذاباً، لكن هذا لا ينفع ذلك القائل لأنه لم يفسر العذاب إلا بالغلبة وهي صادقة في مادة الشهادة.

الواحدي

تفسير : {لولا كتاب من الله سبق} يا محمَّد أنَّ الغنائم وفداء الأسرى لك ولأمَّتك حلال {لَمَسَّكُمْ فيما أخذتم} من الفِداء {عذاب عظيم} فلمَّا نزل هذا أمسكوا أيديهم عمَّا أخذوا من الغنائم، فنزل: {فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله} بطاعته {إنَّ الله غفور} غفر لكم ما أخذتم من الفِداء {رحيم} رحمكم لأنَّكم أولياؤه. {يأ أيها النبيُّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً} إرادةً للإِسلام {يؤتكم خيراً مما أخذ منكم} من الفِداء. يعني: إِنْ أسلمتم وعلم الله إسلام قلوبكم أخلف عليكم خيراً ممَّا أُخذ منكم {ويغفر لكم} ما كان من كفركم وقتالكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وإن يريدوا خيانتك} وذلك أنَّهم قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: آمنَّا بك، ونشهد أنَّك رسول الله، فقال الله تعالى: إن خانوك وكان قولهم هذا خيانة {فقد خانوا الله من قبل} كفروا به {فأمكن منهم} المؤمنين ببدرٍ، وهذا تهديدٌ لهم إن عادوا إلى القتال {والله عليم} بخيانةٍ إن خانوها {حكيم} في تدبيره ومجازاته إيَّاهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} (68) - وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى المُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَوْلاَ كِتَابٌ سَبَقَ مِنْهُ لَمَسَّهُمْ فِي أَخْذِهِم الفِدَاءَ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَقِيلَ: إِنَّ عِبَارَةَ (كِتَابُ مِنَ اللهِ سَبَقَ) تَحْتَمِلُ أَقْوَالاً: - أَوَّلَها : لَوْلاَ أَنَّ اللهَ لاَ يُعَذِّبُ مَنْ عَصَاهُ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيهِ بِالإِعْذَارِ، لَعَاقَبَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَخْذِهِم الفِدَاءَ. - وَثَانِيها - أَنَّهُ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ الأَزَلِيِّ ألاَّ يُعَذِّبَكُمْ وَالرَّسُولُ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ تَسْتَغْفِرُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمَسَّكُمْ بِسَبَبِ أَخْذِكُم الفِدَاءَ عَذَابٌ عَظِيمٌ. - وَثَالِثَهَا - أَنَّهُ لَوْلاَ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ سَبَقَ مِنْهُ الوَعْدُ لِلْمُسْلِمينَ الذِينَ شَهِدُوا بَدْراً بِالمَغْفِرَةِ لَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَرَابِعَها - لَوْلاَ حُكْمٌ سَابِقٌ مِنَ اللهِ بِالعَفْوِ عَنِ المُجْتَهِدِ المُخْطِىءِ لأَصَابَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ كَبِيرٌ.

الثعلبي

تفسير : {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} الآية، قال ابن عباس كانت الغنائم قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم حرام على الأنبياء والأُمم كلهم كانوا إذا أصابوا مغنماً جعلوه للنيران وحرّم عليه أن يأخذوا منه قليلاً أو كثيراً، وكان الله عز وجل كتب في أم الكتاب أن الغنائم والأُسارى حلال لمحمد وأُمته، فلمّا كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم، فأنزل الله تعالى {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله تعالى أحل لكم الغنيمة. وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذِّب أحداً شهد بدر مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لولا كتاب سبق أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لايضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم ما يتقون، وأنه لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة {لَمَسَّكُمْ} لنالكم أصابكم {فِيمَآ أَخَذْتُمْ} من الغنيمة والفداء قبل أن يؤمروا به {عَذَابٌ عَظِيمٌ}. روى محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في أسارى بدر: إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم"تفسير : ، وكانت الاسارى سبعون. فقالوا: بل نأخذ الفداء ونتمتع به ونقوى على عدونا ويستشهد منا بعدتهم، قال عبيدة طلبوا الخيرتين كليهما فقتل منهم يوم أحد سبعون، قال ابن إسحاق وابن زيد: حديث : لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلاّ أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال لرسول الله: ما لنا والغنائم نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يُعبد الله، وأشار على رسول الله بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ تفسير : فقال الله {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد قال: قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا" تفسير : ذلك أن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا. عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعُطيت خمساً لم يُعطهنَّ نبي قبلي من الأنبياء وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى بلغ محرابه وأُعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين شهر فيقذف الله الرعب في قلوبهم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى خاصة قومه، وبعثت إلى الجن والإنس، وكان الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أن أقاسمها في فقراء أمتي ولم يبقَ نبي إلا قد أُعطي سؤله وأُخّرت شفاعتي لأمتي ". تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} حديث : نزلت في العباس بن عبد المطلب وكان أسيراً يومئذ، وكان العباس أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر فبلغته التوبة يوم بدر، وكان خرج بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا قبل ذلك وبقيت العشرون أوقية مع العباس فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرون أوقية من فدائه فأبى، وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك، وكلّفه فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال العباس: يا محمد تركتني اتكفف قريشاً ما بقيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل أوّل خروجك من مكة، فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقثم يعني بنيه" فقال له العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني ربي" فقال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله الا الله وأنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله تفسير : فذلك قوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ} الذين أخذتم منهم الفداء. وقرأ أبو محمد وأبو جعفر: من الأُسارى وهما لغتان {إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً} أي إيماناً {يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ} من الفداء {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم، قال العباس: فأبدلني الله مكانها عشرين عبداً كلهم يضرب بمال كثير، فأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين الأُوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي، وقال قتادة: ذُكر لنا حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكناً ولا حرم سايلا حتى فرّقه، فأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ، فكان العباس يقول: هذا خير مما أُخذ منا، وأرجو المغفرة . تفسير : {وَإِن يُرِيدُواْ} يعني الأسرى {خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ} قومهم وعشيرتهم ودورهم يعني المهاجرين {وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آوَواْ} رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين رضي الله عنهم، أي أسكنوهم منازلهم {وَّنَصَرُوۤاْ} على أعدائهم، وهم الأنصار { أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} دون أقربائهم من الكفار، وقال ابن عباس: هذا في الميراث، كانوا يتوارثون بالهجرة، وجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، وكان الذي آمن ولم يهاجر لايرث لأنه لم يهاجر، ولم ينصر، وكانوا يعملون بذلك، حتى أنزل الله عز وجل: {وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} فنسخت هذا وصار الميراث لذوي الارحام المؤمنين ولا يتوارث أهل ملّتين. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ} يعني الميراث {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ} وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بكسر الواو، والباقون بالفتح وهما واحد، وقال الكسائي: الولاية بالنصب: الفتح، والولاية بالكسر: الإِمارة. {وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ} لأنهم مسلمون {إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} عهد {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} في العون والنصرة. قال ابن عباس: نزلت في مواريث مشركي أهل العهد وقال السدّي: قالوا نورث ذوي أرحامنا من المشركين فنزلت هذه الآية، وقال ابن زيد: كان المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لايتوارثان. وإن كانا أخوين مؤمنَين، وذلك لأن هذا الدين بهذا البلد كان قليلاً، حتى كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا بالأرحام حيثما كانوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح إنّما هي الشهادة ". تفسير : وقال قتادة: كان الرجل ينزل بين المسلمين والمشركين فيقول إنْ ظهر هؤلاء كنت معهم، وإنْ ظهر هؤلاء كنت معهم فأبى، الله عليهم ذلك، وأنزل فيه {وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} فلا تراءى نار مسلم و[نار] مشرك إلا صاحب جزية مقرَّاً بالخراج. {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} قال عبد الرحمن بن زيد: إلاّ تتركهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون، وقال ابن عباس: إلاّ تأخذوه في الميراث ما أمرتكم به، وقال ابن جريج: إلاّ تعاونوا وتناصروا، وقال ابن إسحاق: جعل الله سبحانه المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: إلاّ تفعلوه، هو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن. {تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} إلى قوله تعالى {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} قال ابن كيسان حققوا ايمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في دين الله {لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} الذي عنده وهو اللوح المحفوظ، وقيل: كتاب الله في قسمته التي قسمها وبيّنها في القرآن في سورة النساء. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقال قتادة: كان الاعرابي لايرث المهاجر فأنزل الله هذه الآية، وقال ابن الزبير: كان الرجل يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك فنزلت هذه الآية.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية الكريمة تشرح وتبيِّن أن الحق سبحانه وتعالى لا يحاسب أحداً إلا بعد أن ينزل التشريع الذي يرتب المقدمات والنتائج، ويحدد الجرائم والعقوبات، ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين العذاب لأخذ الأسرى، من قبل أن تستقر الدعوة، وبما أن الحق تبارك وتعالى لا ينزل العذاب إلا بمخالفة يسبقها التشريع الذي يحددها، لولا ذلك لأنزل العذاب بالمؤمنين، ولكن بما أن هذا الفعل لم يجرَّم من قبل فلا عقاب عليه. وينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى الغنائم التي حصل عليها المؤمنون في غزوة بدر فيقول تبارك وتعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً...}

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 325 : 31 : 20 - سفين عن الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة قال، لم تحل الغنيمة لأحد أسود الرأس قبلكم - كانت الغنيمة تنزل النار فتأكلها. فنزلت {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} قال، سبق في الكتاب السابق. [الآية 68].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} [68] 231- أنا الرَّبيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن يوسف، نا عبد الله بن سالم، نا علي بن أبي طلحة عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قال: سبقت لهم من الله الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية.

همام الصنعاني

تفسير : 1030- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ}: [الآية: 68]، قال: سبق من الله خير لأهل بدر. 1031- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الأعمش: سبق من الله أن أحلّ لهم الغنيمة.