٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
118
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة، وقال أكثر المفسرين؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] وقالوا: {أية : فليأتنا بآية كما أرسل الأولون } تفسير : [الأنبياء: 5]، وقالوا {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } تفسير : [الفرقان: 21] هذا قول أكثر المفسرين، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ } تفسير : [النساء: 153] فإن قيل: الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأهل الكتاب أهل العلم، قلنا: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب كانوا كذلك. المسألة الثانية: تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلا بد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات، إذا ثبت هذا فنقول: إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول: يا محمد، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 10] فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا: هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه. الأول: أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آية من ربه قل إِنَّمَا ٱلاْيَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 50، 51] فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية. وثانيها: لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } تفسير : [الأنفال: 23]. وثالثها: إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة. أما قوله تعالى: {تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ } تفسير : [البقرة: 61] وقولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] وقولهم: {أية : أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } تفسير : [البقرة: 67] وقولهم: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153] فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد واللجاج وطلب الباطل. أما قوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} قال ٱبن عباس: هم اليهود. مجاهد: النصارى؛ ورجّحه الطبري؛ لأنهم المذكورون في الآية أوّلاً. وقال الربيع والسُّدّى وقتادة: مشركو العرب. و «لولا» بمعنى «هَلاّ» تحضيض؛ كما قال الأشهب بن رُمَيْلة:شعر : تَعُدّون عَقْر النِّيب أفضل مجدكم بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيّ المُقَنَّعَا تفسير : وليست هذه «لولا» التي تعطي منع الشيء لوجود غيره؛ والفرق بينهما عند علماء اللسان أن «لولا» بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مُظْهراً أو مقدّراً، والتي للامتناع يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر. ومعنى الكلام هَلاّ يكلمنا الله بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبيّ فنؤمن به، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوّته. والآية: الدلالة والعلامة؛ وقد تقدّم. و {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} اليهود والنصارى في قول من جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} النصارى. {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} قيل: في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان. وقال الفَرّاء. «تَشابَهتْ قلوبُهم» في ٱتفاقهم على الكفر. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} تقدم.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي جهلة المشركين، أو المتجاهلون من أهل الكتاب. {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ } هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، أو يوحي إلينا بأنك رسوله. {أَوْ تَأْتِينَا آيةٌ} حجة على صدقك، والأول استكبار والثاني جحود، لأن ما أتاهم آيات الله استهانة به وعناداً، {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } من الأمم الماضية {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } فقالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً }تفسير : [النساء: 153] {أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [المائدة: 112] {تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد. وقرىء بتشديد الشين. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي يطلبون اليقين، أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد اليقين، وإنما قالوه عتواً وعناداً.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ}، وقال مجاهد: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ}، قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن السياق فيهم، وفي ذلك نظر، وحكى القرطبي: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ}، أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد، (قلت): وهو ظاهر السياق، والله أعلم، وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب {كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ}، قال: هم اليهود والنصارى، ويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب، قوله تعالى: {أية : وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنعام: 124] الآية. قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا}تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله: {أية : قُلْ سُبْحَـٰنَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 93]، وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}تفسير : [الفرقان: 21] الآية، وقوله تعالى: {أية : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً}تفسير : [المدثر: 52]؛ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً}تفسير : [النساء: 153]، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة: 55]، وقوله تعالى: {تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ}؛ أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَـٰحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ}تفسير : [الذاريات: 52 ـ 53] الآية، وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل، بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل، وفهم ما جاؤوا به عن الله تبارك وتعالى، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ}تفسير : [يونس: 96 ـ 97].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي كفار مكة للنبي صلى الله عليه وسلم {لَوْلاَ } هلا {يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ } بأنك رسوله {أًوْ تَأْتِيَنَآ ءَايَةٌ } مما اقترحناه على صدقك {كَذٰلِكَ } كما قال هؤلاء {قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } من التعنت وطلب الآيات {تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } في الكفر والعناد، فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراح آية معها تعنُّت.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِيَنَآ ءَايَةٌ} فيهم ثلاثة أقاويل:ـ أحدها: أنهم النصارى، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم اليهود، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنهم مشركو العرب، وهو قول قتادة والسدي. وقوله: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ} يعني هَلاَّ يكلمنا الله، كقول الأشهب بن رملية: شعر : تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضَوْطَرَى لولا الكمى المقنعا تفسير : بمعنى هل لا تعدون الكمى المقنعا. {كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، وهو قول مجاهد. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، وهو قول قتادة. قوله تعالى: {تَشَابَهتْ قُلُوْبُهُمْ} يعني في الكفر، وفيه وجهان: أحدهما: تشابهت قلوب اليهود لقلوب النصارى، وهذا قول مجاهد. والثاني: تشابهت قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى، وهذا قول قتادة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} اليهود، أو النصارى، أو مشركو العرب {الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} اليهود, أو اليهود والنصارى. {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} شابهت قلوب النصارى قلوب اليهود، أو قلوب مشركي العرب لقلوب اليهود والنصارى.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ...} قال ابن عرفة: إن أريد بهم مشركو العرب فواضح، وإن أريد أهل الكتاب فواضح، لأن جهل المشركين بسيط، وجهل أهل الكتاب مركب. واستشكل الفخر قول من فسره بأهل الكتاب قال: لأنّهم يعلمون. قال ابن عرفة: ويجاب بما قلناه: من أنهم جاهلون جهلا مركبا وكان بعضهم يقول: إنما نفى عنهم العلم لوضعهم الشيء في غير محله، لأنّهم طُلب منهم الإقرار بصحة الرسالة فَطَلَبُوا هم أن يكلمهم الله مشافهة وهذا مناف للرسالة لأن هؤلاء إذا حصلت لهم المباشرة بالكلام فلا حاجة إلى الرسالة. قيل لابن عرفة: إنهم طلبوا أن يكلّمهم الله (بتصديق رسوله). فقال: وفي هذا وقع الكلام معه، فإذا (بُوشروا) به فلا حاجة إلى الرسالة. وقال: وتنكير "ءَايَة" لتعم (في) المعجزات كلها، وتفيد التقليل فهو محض مكابرة ومباهتة منهم (حتى) (كأنه) لم يأتهم بشيء من الآيات. قوله تعالى: {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ...} قيل لابن عرفة: ما فائدة زيادة "مِّثْلَ قَوْلِهِمْ" مع أنه مستغنى عنه لأن التشبيه الأول (يكفي) في حصول المثلية؟ فأجاب بوجهين: - إما أنه تأكيد في مقام التسلية للنَّبي صلى الله عليه وسلّم بتكذيب من قبله وتعنتهم. - وإما أن قوله "كَذلِكَ" تشبيه لا يقتضي المساواة من جميع الوجوه بل (المقابلة)، لأن المشبه بالشيء لا يقوى قوّته فزاد "مِّثْلَ قَوْلِهِمْ" ليفيد كمال المماثلة والمساواة، ولم يقل: مثل كلامهم، لأن القول أعم من الكلام، ولازم الأعم لازم الأخص، فأفاد حصول المساواة في قولهم المفرد والمركب. قوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلأَيَاتِ...} رد عليهم في قوله: {أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ} ولم يرد عليهم قولهم: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} لظهور بطلانه بالبَديهة. قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ابن عطية: اليقين عند الفقهاء أخص من العلم لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به، واليقين معتقد يقع للموقن في حقّه، والشيء على خلاف معتقده كتيقن (المقلدة) ثبوت الصانع. ثم قال: وحقيقة الأمر أنّ اليقين هو الأخص، وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه. قال ابن عرفة: كان ابن عبد/ السلام يقول: هذا كلام خلف، لأنه ذكر أنّ اليقين أخص ثم فسر بما يقتضي أنه أعم من العلم. والصواب أن يقال: اليقين أخص من العلم لأن العلم أخص من الاعتقاد، فالاعتقاد أعمها ثم العلم، ثم اليقين، واليقين هو اعتقاد الشيء بدليل قاطع لا تعرض له الشكوك، والعلم اعتقاد الشيء بدليل يقبل الشكوك والمعارضة، وهي مسألة المدنة قال: إنّما اللغو أن يحلف بالله على أمر تيقّنه ثم تبين له خلاف ذلك فلا شيء عليه. وانظر ما قيدت في سورة الذاريات.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ...} الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيِّ صلى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارَىٰ، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم من اليهود؛ لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: أَسْمِعْنَا كَلاَمَ اللَّهِ، وقيل: الإشارة إلى جميع هذه الطوائف؛ لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، و {لَوْلاَ } تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ»، والآية هنا العلامة الدالَّة، و {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} هم اليهودُ والنصارَىٰ في قول من جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} العربَ النصارَىٰ واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يَصِحُّ أوفى الكفر. وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم. وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا}، أي: لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم؛ كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ. * ت *: وزاد في «مختصر الطبرِّي»، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو، واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ؛ نظيرَ قوله عز وجل: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ }، تفسير : [فاطر:8]، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه؛ من أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله. انتهى. وقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تُسْأَلُ»؛ بضم التاء واللام. و {الجَحِيمِ}: إحدى طبقات النار. وقوله تعالى: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ }، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَـا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} فهذا شرط خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه. * ت *: والأدب أن يقال: خُوطِبَ به صلى الله عليه وسلم والمراد أُمَّتُهُ؛ لوجودِ عصمته صلى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنَىٰ من الآيِ، وقد نبَّه - رحمه اللَّه - علَىٰ هذا المعنَىٰ في نظيرتها؛ كما سيأتي، وكان الأولَىٰ؛ أن ينبِّه علَىٰ ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال - رحمه اللَّه -: ٱعْلَمْ، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه - عليه السلام - لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم علَىٰ قلبه، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالَىٰ: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة:67] كما قال لموسَىٰ وهارون - عليها السلام: {أية : لاَ تَخَافَا } تفسير : [طه:46] لتشتد بصائرهم في الإِبلاغ وإِظهار دين اللَّهِ، ويذهب عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ... } تفسير : [الحاقة:44] وقوله{أية : إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ }، تفسير : [الإسراء:75] فمعناه: أنَّ هذا هو جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنعام:116] فالمراد غيره، كما قال: {أية : إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} تفسير : [آل عمران:149] وقوله: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ }، تفسير : [الشورى:24] وَ {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر:65] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى{أية : ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ }، تفسير : [الأحزاب:1] فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء؛ كما قال تعالَىٰ: {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } تفسير : [الأنعام:52] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ - عليه السلام - ولا كَانَ من الظالمين. انتهى من «الشِّفَا». * ص *: {وَلَئِنِ }: هذه اللام هي الموطِّئة والموذنةُ، وهي مشعرةٌ بِقَسَمٍ مقدَّر قبلها. انتهى.
ابن عادل
تفسير : "لو" و "لولا" يكونان حرفي ابتداء، وقد تقدم عند قوله: {أية : فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:64] ويكونان حرفي تحضيض بمنزلة: "هلا" فيختصَّان بالأفعال ظاهرة أو مضمرة، كقوله: [الطويل] شعر : 766ـ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أَفْضَلَ مَجْدِكُمْ بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا تفسير : أي: لولا تعدُّون الكمَيَّ، فإن ورد ما يوهم وقوع الاسم بعد حرف التخصيص يؤوَّل؛ كقوله: [الطويل] شعر : 767ـ ونُبِّئْتُ لَيْلَى أَرْسَلَتْ بِشَفَاعَةٍ إلَيَّ فَهَلاَّ نَفْسُ لَيْلَى شَفِيعُهَا تفسير : فـ "نفس ليلى" مرفوع بفعل محذوف يفسره "شفيعها" أي: فهلا شفعت نفس ليلى. وقال أبو البقاء: إذا وقع بعدها المستقبل كانت للتحضيض، وإن وقع بعدها الماضي كانت للتوبيخ وهذا شيء يقوله علماء البيان، وهذه الجملة التحضيضية في محلّ نصب بالقول. قوله: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ} قد تقدم الكلام على نظيره فليطلب هناك. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي إسحاق: "تَشَّابَهَت" بتشديد الشين. قال الدَّاني: "وذلك غير جائز؛ لأنه فعل ماض"، يعني: أن التاءين المزيدتين إنما تجيئان في المضارع فتدغم أما الماضي فلا. فصل في قبائح اليهود والنصارى والمشركين هذا نوع آخر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، فإنهم قدحوا في التوحيد باتَّخاذ الولد، وَقَدَحُوا الآن في النبوّة. قال ابن عباس: "هم اليهود". وقال مجاهد: "هم النصارى" لأنهم المذكورون أولاً، ويدلّ على أن المراد أهل الكتاب قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ}تفسير : [النساء:153]. فإن قيل: المراد مشركو العرب، لأنه ـ تعالى ـ وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأهل الكتاب أهل العلم. [قلنا]: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب كانوا كذلك. وقال قتادة وأكثر المفسرين: هم مشركو العرب لقوله: {أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ}تفسير : [الأنبياء:5]، وقالوا: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا}تفسير : [الفرقان:21]. وتقرير هذه الشبهة أنك تقول: إن الله ـ تعالى ـ يكلّم الملائكة وكلم موسى، ويقول: يا محمد إن الله ـ تعالى ـ كلّمك فلم لا يكلمنا مُشَافهة، ولا ينص على نبوتك حتى يتأكّد الاعتقاد، وتزول الشبهة، فأجابهم أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبالآيات وهي القرآن، وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنّت، فلم يجب إجابتها لوجوه: أحدها: أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة، فقد تمكّن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها، وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك من باب العناد، ويدل له قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ}تفسير : [العنكبوت:51]. وثانيها: لو كان في [علم الله تبارك وتعالى] أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لَفَعَلَهَا، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك، ولذلك قال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنفال:23]. وثالثها: إنه ربما كان كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة؛ لأن الخوارق متى توالت صار انخراقُ العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً. وأما قوله تعالى: "تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ" [فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم]، فكما أن قوم موسى، [كانوا أبداً في التعنت واقتراح] الأباطيل، كقولهم: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ}تفسير : [البقرة:61] وقولهم: {أية : ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ}تفسير : [الأعراف:138] وقولهم: {أية : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً}تفسير : [البقرة:67] وقولهم: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النساء:152]، فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العِنَادِ واللّجاج، وطلب الباطل. قوله: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يعنى القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة، وكلام الذِّئْب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرةٌ، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين.
البقاعي
تفسير : ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتاً لهم وتنفيراً منهم بأنه لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال: {وقال الذين لا يعلمون} أي ليس لهم علم من العرب {لولا} أي هلا {يكلمنا الله} أي يوجد كلامه لنا على ما له من جميع الصفات {أو تأتينا آية} أي على حسب اقتراحنا عادّين ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلاً - عدماً. ولما كان قولهم هذا جديراً بأن لا يصدق نبه عليه بقوله: {كذلك} أي الأمر كما ذكرنا عنهم. ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ قيل: نعم، وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه {قال الذين} ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال: {من قبلهم} ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب {مثل قولهم}، ثم علله بقوله: {تشابهت قلوبهم} في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله. ولما كان ذلك توقّع السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلاً أو عناداً؟ فقيل: بل عناداً لأنا {قد بينا الآيات} في كل آية في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي. ولما كان يقع البيان خاصاً بأهل الإيقان قال: {لقوم يوقنون} وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر بطرق الريب لاجتماع شاهدي السمع والعين. قال الحرالي: وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. استظهاراً لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالاً للفهم عن واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير {بينا}؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان. ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله مؤكداً لكثرة المنكرين {إنا أرسلناك} هذا على أن يكون المراد بذلك جميع الأمم، أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى: قد بينا الآيات الدالات على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حُذّاق أهل الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من الأدلة، ثم علل ذلك لقوله: {إنا أرسلناك} إرسالاً ملتبساً {بالحق} أي بالأمر الكامل الذي يطابقه الواقع في كل جزئية يخبر بها. قال الحرالي: والحق التام المكمل بكلمة "أل" هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية الخاصة به عن عموم مّا وقعت به رسالة المرسلين من دون هذا الخصوص، وذلك "حق" منكر، كما تقدم أي عند قوله: { أية : وهو الحق مصدقاً لما معهم } تفسير : [البقرة: 91] لأن ما أحق غيباً مما أنزله الله فهو "حق" حتى السحر، وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من نفوذ مشيئته في متقابل ما أبداه من خلقه فهو "الحق" الذي خلقت به السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر كمالاً، حال كونك {بشيراً ونذيراً} وقال الحرالي: لما أجرى الله سبحانه من الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبّأ ردهم لما أنزل أولاً وآخراً ونبأ ما افتروه مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي صلى الله عليه وسلم تسلية له وتأكيداً لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى على تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق، فأنبأه تعالى أنه ليس مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه، وأن مضمون رسالته أن يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال، فيبشر المهتدي والثابت على هدى سابق، وينذر الأبيّ والمنكر لما سبق إقراره به قبل، فعم بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس عليك إلا ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل النعيم {ولا تسأل} ويجوز أن يكون حالاً من {أرسلناك} أو من {بشيراً} {عن أصحاب الجحيم} والمراد بهم من ذكر في الآية السابقة من الجهلة ومن قبلهم، أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم، كما قال تعالى { أية : ولا تسألون عما كانوا يعملون } تفسير : [البقرة: 141] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم. لأنك إن بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم، وإن تركت بعض ذلك محاسنة لهم لم يحبّوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، وهو معنى قراءة نافع {ولا تسأل} على النهي، أي احتقرهم فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت عليه؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله: { أية : لن تمسنا النار } تفسير : [البقرة: 80] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم: { أية : لن يدخل الجنة } تفسير : [البقرة: 111] الآية، والجحم قال الحرالي: انضمام الشيء وعظم فيه، ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار. ولما جرت العادة بأن المبشر يسرّ بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين فهم لا يزالون عليه غضاباً فقال عطفاً على ما اقتضاه ما قبله: {ولن ترضى} من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن إرادة - قاله الحرالي: {عنك اليهود ولا النصارى} لشيء من الأشياء {حتى تتبع ملتهم} أي حتى تكون بشيراً لهم، ولن تكون بشيراً لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما أفهمته إضافة الملة إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام، ويكون ذلك برغبة منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، والملة قال الحرالي: الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من إعلام المحسوسات. ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالاً وهو: فما أقول؟ فقال: {قل} ولم يقيده بلهم إعراضاً عنهم {إن هدى الله} الذي هو جميع ما أنزل الجامع لصفات الكمال على رسله من كتابي وكتابكم {هو} أي خاصة {الهدى} أي كله مشيراً بأداة التعريف إلى كمال معناه، وبالحصر إلى أن غيره هو الهوى؛ وأضافه إلى الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير الفصل رداً لإنكارهم له، فإن اتبعوه كله فآمنوا بأن كتابهم داع إلى كتابك فبشرهم، وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم، وفي الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ريب فيه. ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو: فلئن زغت عنه لتتركن الهدى كله باتباع الهوى، قوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} الداعية لهم إلى تغيير كتابهم. قال الحرالي: فأظهر إفصاحاً ما أفهمته إضافة الملة إليهم من حيث كانت وضعاً بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى. ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى بالذي بخلاف ما يأتي في القبلة فقال: {بعد الذي} قال الحرالي: أشارت كلمة {الذي} إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه عَلَم ظاهر، ففيه إنباء بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم وأهوائهم {جاءك من العلم} بأنهم على ضلال وأنك على جميع الهدى. وخاطبهم بذلك صلى الله عليه وسلم والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد الإسلام من المنافقين تمسكاً بولايتهم طمعاً في نصرتهم ولذا ختم بقوله: {ما لك من الله} الذي له الأمر كله ولا كفؤ له، وأكد النفي بالجار فقال: {من ولي ولا نصير}. ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم فأفهم من يستحق البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين: من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة، فقال: {الذين آتيناهم الكتاب} أي التوراة والإنجيل {يتلونه حق تلاوته} قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتبعونه حق اتباعه، من تلا فلان فلاناً إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد. وهي ناظرة إلى قوله قريباً: {وهم يتلون الكتاب} أي لا حق تلاوته بل تلاوة ليس فيها تدبّر لمعانيه ولا عمل بما فيه؛ هذا إذا جعلناه حالاً، وإن جعلناه خبراً وقوله: {أولئك} أي العظيمو الرتبة خاصة {يؤمنون به} خبراً ثانياً فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له، لا إخفاء لشيء فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب المؤتى انتفى عنهم أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة؛ والضمير في {به} يصح أن يكون للهدى. قال الحرالي: وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته، والإحاطة به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية إشعاراً باشتمال الكتاب على أمر محمد صلى الله عليه وسلم. ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ما لهم أتبعه بالكافرين فقال: {ومن يكفر به} أي بالكتاب، ثم حصر الخسر فيهم بقوله: {فأولئك} أي البعداء البغضاء {هم} خاصة {الخاسرون} فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون؛ ومن الوصف بالخسار يعلم أنهم كانوا على حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة الإيمان بكتابهم بالإيمان بالكتاب الخاتم فضيعوه فخسروا، فإنه لا يخسر إلا من له أصل مال متهيىء للنماء والربح - والله أعلم. ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع أديانهم بأعمالهم وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصّي عن حرمة النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر. قال الحرالي: فلبعده بالتقدم كرره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلاً لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي البناء وفي تفهمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى؛ انتهى - فقال تعالى: {يا بني إسرائيل} أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء السعداء {اذكروا نعمتي} أي الشريفة بالنسبة إليّ {التي أنعمت عليكم} بها في الدنيا {وأني فضلتكم} واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء الذي هو فضيلة النفس الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في الظاهر على {العالمين} في تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع الدين المقتضى للنعمة في الأخرى، فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها فقيدتموها واستوجبتم من الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى {واتقوا يوماً لا تجزي} أي تقضى، أي يصنع فيه {نفس عن نفس شيئاً} أي من الجزاء. ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي القبول فقال: {ولا يقبل منها عدل} يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة {ولا تنفعها شفاعة} غير مأذون فيها {ولا هم ينصرون} وإن كثرت جموعهم. قال الحرالي: أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله {واتقوا يوماً} إلى آخره ليجمع النبأ في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة، ويكون عدلها لا مأخوذاً ولا مقبولاً، ذلك لأن المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذاً بحسبه من أخذ سمع أو عين، ثم ينظر إليه نظر تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور، فإذا صححه التحقيق والتبصير قُبل، وإذا لم يصححه رد، وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع الخبرة، فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن هؤلاء ليس في حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه مَّا، ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبّىء به عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية، وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتديّنوا بقبول ما جاء مصدقاً لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم، فنظم تعالى بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه ليجتمع عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية واللاحقة بحسب الدين المحمدي، كان صلى الله عليه وسلم يقول في الصباح: " حديث : أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ملة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم " تفسير : فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض وتفاصيلها بتفاصيلها، وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلاً لما في سائره من ذلك، وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن الله توحيده من ذوات الحنيفيين، وأن الدين الإسلام، والإسلام إلقاء ما باليد ظاهراً وباطناً، وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى. ولما عاب سبحانه أهل الضلال وكان جُلُّهم من ذرية إبراهيم عليه السلام وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر الجميع ما أنعم به عليه تذكيراً يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالماً قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى تعظيماً لأمره وتفخيماً لعلي قدره؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث على الاقتداء به، وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك. وقال الحرالي: لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله تعالى: {يا أيها الناس} ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين في اجتماعهم في أب واحد ولدين واحد نظم تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم، ليقع بذلك اجتماعهم أيضاً في أب واحد وملة واحدة اختصاصاً بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية الخلافة الآدمية تنزيلاً للكتاب وترفيعاً للخلق إلى علو اختصاص الحق، فكما ذكر تعالى في الابتداء تذكيراً معطوفاً على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم عطف أيضاً التذكير بابتداء أمر إبراهيم عليه السلام على أمور تجاوزها الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس وراءها مرمى فقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم} انتهى. والمعنى أنه عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن، وقال: {ربه} أي المحسن إليه إشعاراً بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء قصته بقوله: {بكلمات فأتمهن} بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ولا بحث عن علة، وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه وآخره فأورثهم ذلك نكالاً وبعداً، فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأنهم المنعم عليهم؛ والظاهر عطف {إذ} على {نعمتي} في قوله {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: 122] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين، والإتمام التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي. فكأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام قبل؟ {قال} له ربه، ويجوز أن يكون "قال" بياناً لابتلى {إني جاعلك للناس} أي كافة {إماماً} كما كانت خلافة أبيه آدم لبنيه كافة، والإمام ما يتبع هداية إلى سداد - قاله الحرالي. واستأنف قوله: {قال} أي إبراهيم {ومن} أي واجعل من {ذريتي} أئمة {قال لا ينال} أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال {عهدي} الذي عهدته إليك بالإمامة {الظالمين} منهم، لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد عنهم شيئاً ولا هم ينصرون؛ والذرية مما يجمع معنى الذرّ والدرء، والذريّ مختلف كونه على وجوه اشتقاقه، فيكون فعلولة كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء استثقالاً للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقاً لهما. لأنه اجتمع بعد القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء، أو تكون فعليّة من الذر منسوباً، ومن الذر مخفف فعولة بقلب الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها معها سابقة إحداهما بالسكون ثم الإدغام، أو فعيلة إن يكن في الكلام لما فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - قاله الحرالي، وفيه تصرف. ولما كان من إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه قال إثر ذلك ناعياً على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئاً لأمر القبلة: {وإذ جعلنا البيت} أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى {مثابة للناس} أي مرجعاً يرجعون إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم. قال الحرالي: وهو مفعلة من الثوب وهو الرجوع ترامياً إليه بالكلية. وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة {وأمناً} لكونه بيت الملك. من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من استثناه الله من الكافرين فعلاً بالشرك وقوة بالإلحاد، والأمن براءة عيب من تطرق أذى إليه - قاله الحرالي. وقد كانوا في الجاهلية يرى الرجل قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له. قال الأصبهاني: وهذا شيء توارثوه من زمن إسماعيل عليه السلام فقرأ عليه إلى أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع. ولما كان التقدير: فتاب الناس عليه ائتماماً ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف عليه قوله: {واتخذوا}، وعلى قراءة الأمر يكون التقدير: فتوبوا إليه أيها الناس ائتماماً به واتخذوا {من مقام إبراهيم} خليلنا {مصلى} وهو مفعل لما تداوم فيه الصلاة، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده، فغسلت امرأة إسماعيل رأسه وهو معتمد برجله عليه وهو راكب، غسلت شق رأسه الأيمن وهو معتمد على الحجر برجله اليمنى، ثم أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر وغسلت شقه الأيسر، فغاصت رجلاه فيه؛ ولهذا أثر قدميه مختلف، أصابع هذه عند عقب هذه، وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده. {وعهدنا} عطف على قوله {جعلنا} {إلى إبراهيم} الوفي {وإسماعيل} ابنه الصادق الوعد، وفي ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله: { أية : ومن ذريتي } تفسير : [البقرة: 124] و [إبراهيم: 37] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله: {أن طهرا بيتي} أي عن كل رجس حسي ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من البلد - قاله الحرالي. {للطائفين} به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه {والعاكفين} فيه، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته والاقتصار عليه، والطواف التحليق بالشيء في غيب أو لمعنى غيب - قاله الحرالي. {والركع السجود} قال الحرالي: وفي ذكر الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم، وفي ذلك تبكيت لمن أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت، وفي تكرير تفصيل هذه الآيات بإذ تنبيه على توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم وهو العدو.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك {وقال الذين لا يعلمون} قال: هم كفار العرب {لولا يكلمنا الله} قالا: هلا يكلمنا {كذلك قال الذين من قبلهم} يعني اليهود والنصارى وغيرهم {تشابهت قلوبهم} يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} قال: النصارى يقوله، والذين من قبلهم يهود.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [الآية: 118]. قال الواسطى: قد كلمتُهُم حيثُ أنزلت عليهم خطابى فلم يفهموا، وأى آية أشرف من محمد صلوات الله وسلامه عليه؟ وقد أظهرت لهم ذلك...
القشيري
تفسير : كلام الله سبحانه متعلق بجميع المخلوقات بأعيانها وآثارها، وأمر التكوين (يتناول المكلفين وأفعال المكلفين)، لكن من عَدم سمع الفهم تصامم عن استماع الحق، فإنه - سبحانه - خاطب قوماً من أهل الكتاب، وأسمعهم خطابه، فلم يطيقوا سماعه، وبعدما رأوا من عظيم الآيات حرَّفوا وبدَّلوا. وفي الآيات التي أظهرها ما يزيح العِلَّة من الأغيار، ويشفي الغُلَّة من الأخيار، ولكن ما تُغْنِي الدلائل - وإنْ وَضُحَتْ - عمن حُقَّتْ لهم الشقاوة وسبقت؟
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذين لا يعلمون} اى مشركوا العرب الجاهلون حقيقة او اهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم لعدم انتفاعهم بعلمهم لان المقصود هو العمل {لولا يكلمنا الله} لولا هنا للتحضيض وحروف التحضيض اذا دخلت على المضى كان معناها التوبيخ واللوم على ترك الفعل بمعنى لم لم يفعله ومعناها فى المضارع تحضيض الفاعل على الفعل والطلب له فى المضارع بمعنى الامر والمعنى هلا يكلمنا الله عيانا بانك رسوله كما يكلم الملائكة بلا واسطة او يرسل الينا ملكا ويكلمنا بواسطة ذلك الملك انك رسوله كما كلم الانبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه وهذا القول من الجهلة استكبار يعنون به نحن عظماء كالملائكة والنبيين فلم اختصوا به دوننا {او} للتخيير {تأتينا آية} حجة تدل على صدقك وهذا جحود منهم لان يكون ما أتاهم من القرآن وسائر المعجزات آيات والجحود هو الانكار مع العلم والعجب انهم عظموا انفسهم وهى احقر الاشياء واستهانوا بآيات الله وهى اعظمها {كذلك قال الذين من قبلهم} من الامم الماضية {مثل قولهم} فقال اليهود لموسى عليه السلام ارنا الله جهرة ولن نصبر على طعام واحد ونحوه وقال النصارى لعيسى عليه السلام هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ونحوه وقوله كذلك قال مع قوله مثل قولهم على تشبيهين تشبيه المقول بالمقول فى المؤدى والمحصول وتشبيه القول بالقول فى الصدور بلا رؤية بل بمجرد التشهى واتباع الهوى والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الارشاد وقصد الجدوى والكاف فى كذلك منصوب المحل على انه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق اى قال كفار الامم الماضية مثل ذلك القول الذى قالوه قولا مثل قولهم فيما ذكر فظهر ان احد التشبيهين لا يغنى عن الآخر {تشابهت قلوبهم} اى تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم فى العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فان الالسنة ترجمان القلوب والقلب ان استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجرى على اللسان الا ما ينبئ عن التعلل والتباعد عن الايمان كما قيل شعر : مرد بنهان بود بزير زبان جون بكويد سخن بدانندش خوب كويد لبيب كويندش زشت كويد سفيه خوانندش تفسير : {قد بينا الآيات} اى نزلناها بينة بان جعلناها كذلك فى انفسها كما فى قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا انا بيناها بعد ان لم تكن بينة {لقوم يوقنون} اى يطلبون اليقين واليقين ابلغ العلم واوكده بان يكون جازما اى غير محتمل للنقيض وثابتا اى غير زائل بالتشكيك بعد ان يكون مطابقا للواقع فالايقان هنا مجاز عن طلب اليقين على طريق ذكرالمسبب وارادة السبب ولا بعد فى نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وانما حمل على المجاز لان الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج الى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين، قالوا ذلك تعنتاً وعناداً، لا طلباً لليقين، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأساً، والمقصود في هذه الآيات كلها توبيخ اليهود. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال الذين} لا علم عندهم: هلا {يكلمنا الله} حتى نسمع منه أنك رسوله، {أو تأتينا آية} ظاهرة، نراها جهرة تدل على رسالتك، كما كانت لموسى - عليه السلام -. وهذه المقالة التي صدرت من اليهود، تَعنتاً وعناداً، قد صدرت ممن قبلهم من أسلافهم، فقالوا: {أرنا الله جهرة}، ومن النصارى فقالوا:{أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ}تفسير : [المَائدة: 112]، ومن المشركين فقالوا: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً}تفسير : [الإسراء: 90، 91] الآية. فقد تماثلت قلوبهم في الكفر والعناد، وتشابهت في العتو والفساد، قد أوضحنا لك الآيات البينات، تحقق رسالتك وتقرر اصطفائيتك، لمن طلب مزيد الإيقان، وكشف البيان على نعت العيان، فأعظمُها القرآن، ثم ما أوضحته من شرائع الأحكام، وما بينته من الحلال والحرام، ثم ما أخبرت به من الغيوب، وما كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد كشفته عن القلوب من الكروب، ثم نطق الجمادات والأحجار، كحنين الجذع وانقياد الأشجار، وتسبيح الحصى، وتسليم الحجر، وقد نبع الماء من بين أصابعه وانهمر، إلى ما لا يعد ولا يحصى. فقد {أرسلناك بالحق}، أي: متلبساً بالحق ومبيناً له، {بشيرا} لمن صدقتك واتبعك بالنعيم المقيم، و {نذيرا} لمن خالفك بعذاب الجحيم. فلا تسأل عن حالهم إذا أفضوا إليه، فإنه أعظم من أن يذكر، وأفظع من أن يسمع، إذ لا يمكن تفسير حالهم، ولا يستطيع أحد سماع أهوالهم، فالله يعصمنا من موارد الردى، ويوفقنا لاتباع الحق والهدى، أو لا يسألك ربك عنهم فهو أعلم بحالهم، وبالله التوفيق. الإشارة: طلب الكرامات وظهور الآيات من طبع أهل الجهل والعناد، وليس هو من شيم أهل الهداية والاسترشاد. فالطريق واضح لمن طلب السبيل، والحق لائح لمن أبصر الدليل، فمن كحل عين بصرته بإثمد التوحيد الخاص، لم يقع بصره إلا على إلا على الحق، ولا يعرف إلا إياه، ورأى الأشياء كلها قائمة بالله، بل لا وجود لها مع الله، ومن فتح الله سمع قلبه لم يسمع إلا من الحق، ولا يسمع إلا به، كما قال القائل: أنا بالله أنطق ومن الله أسمع. وقال الجنيد رضي الله عنه: (لي أربعون سنة أُناجي الحق، والناس يَروْن أني أناجي الخلق). فالخالق محذوفون عند أهل العلم بالتحقيق، مُثْبَتُونَ عند أهل الجهل والتفريق. يقولون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، مع أنه يكلمهم في كل وقت وساعة، كذلك قال مَن شاركهم في الجهل بالله، مع وضوح الآيات لمن عرف الله. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ولمَّا قالت اليهود والنصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك هُدْنة نتبعك بعدها، وأضمَرُوا في نفوسهم أنهم لا يتبعونه حتى يتبع ملتهم، فضحهم الله تعالى.
الطوسي
تفسير : المعنى: المعني بهذه الآية في قول مجاهد: النصارى. وقول ابن عباس: اليهود. وفي قول الحسن وقتادة: مشركوا العرب. وكل ذلك يحتمل. غير انه لمشركي العرب أليق، لانه يشاكل ما طلبوا حين قالوا: {أية : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا}تفسير : إلى قوله: {أية : هل كنت إلا بشراً رسولا} تفسير : ويقوي ذلك قوله: {وقال الذين لا يعلمون}: الكتاب. فبين أنهم ليسوا أهل كتاب. من اختار ان المراد بها النصارى قال: لانه قال قبلها {أية : وقالوا اتخذ الله ولداً}تفسير : وهذا لا دلالة فيه، ولا يمتنع ان يذكر قوماً، ويخبر عنهم، ثم يستأنف قوماً آخرين، فيخبر عنهم على ان مشركي العرب قد اضافوا إلى الله البنات فدخلوا في جملة من قال: {اتخذ الله ولدا}. ومعنى قوله: {لولا} هلاّ، كما قال الأشهب بن رميلة: شعر : تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم بنى ضو طرى لولا الكمي المقنعا تفسير : أي هلاّ تعقرون الكمي المقنعا. وانما قال: {أو تأتينا آية} وقد جاءتهم الآيات، لانهم طلبوا آية، كما ان آية الرسل توافق دعوتهم، ويكلمهم الله كما كلمهم الله. والمعني بقوله {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} اليهود على قول مجاهد. وعلى قول قتادة والسدي والربيع: اليهود والنصارى. والضمير في قوله: {تشابهت قلوبهم} يعني كناية عن قلوب اليهود والنصارى ـ على قول مجاهد ـ وعلى قول الربيع وقتادة: عن العرب واليهود والنصارى وغيرهم، فقوله {تشابهت قلوبهم} يعني في الكفر، بالاعتراض على انبياء الله بالجهل، لان اليهود قالت لموسى: {أرنا الله جهرة} وقالت النصارى للمسيح: {أنزل علينا مائدة من السماء}. وقالت العرب لمحمد (صلى الله عليه وسلم): حول لنا الصفا ذهباً، وغير ذلك. وكذلك قال الله تعالى: {أية : أتوا صوا به} تفسير : وروي عن ابن إسحاق انه قرأ "تشابهت" بتشديد الشين ـ خطأ، لان ذلك انما يجوز في المضارع. بمعنى تتشابه ـ فتدغم احدى التاءين في الشين ـ هكذا قال الفراء، وغيره من أهل العلم. وقوله: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} معناه أيقن بها قوم من حيث دلتهم على الحق، فالواجب على كل هؤلاء ان يستدلوا بها، ليصلوا إلى اليقين كما وصل غيرهم اليه بها. اللغة: واليقين والعلم والمعرفة نظائر في اللغة. ونقيضه الشك، والجهل. تقول أيقن ايقاناً، وتيقن تيقنا، واستيقن استيقانا. وقال صاحب العين: اليقين النفس. قال الشاعر: شعر : وما بالذي ابصرته العيو ن من قطع يأس ولا من يقن تفسير : واليقين: علم يثلج به الصدر، ولذا يقولون: أجد برد اليقين، ولا يقولون: وجد برد العلم. فان قيل: لم لم يؤتوا الآيات التي طلبوها، لتكون الحجة أأكد قلنا: اظهار الآيات يعتبر فيه المصالح، وليس بموقوف على اقتراح العباد. ولو علم الله ان ما اقترحوا من الآيات فيه مصلحة، لاظهرها، فلما لم يظهرها، علمنا انه لم يكن فيها مصلحة لنا اصلا.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} من المشركين وكذا من اليهود والنّصارى وهو عطف على أقوالهم السّابقة واظهار لسفاهة أخرى لهم ومفعول الفعل امّا منسىّ او مقدّر اى لا يعلمون انّ الخلق لا يطيقون استماع كلام الله تعالى ولو سمعوا لهلكوا ما لم يصف نفوسهم عن رين المادّة وانّ الآية المقترحة لعلّهم لا يطيقونها او لا يكون صلاحهم فيها {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} حتّى نسمع كلامه ونؤمن به {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} حتّى نشاهدها ونؤمن بها {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلِ قَوْلِهِمْ} كما قال أمّة موسى (ع) له {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} تفسير : [النساء:153] وكما قال امّة عيسى (ع) {أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [المائدة:112] {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} فى الجهل والعمى عمّا ينفعهم والعناد واللّجاج {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} استئناف بيانى كأنّه قيل الم يظهر حقّيّة الحقّ ورسوله حتّى سألوا مثل هذا السّؤال فقال تعالى: {قد بيّنا الآيات} ولم نتركهم بلا بيّنة لكنّهم اهل شكّ وريبة وليسوا أهل عقل وايقانٍ حتّى أيقنوا بما من شأنه ان يوقن به ولو جئناهم بكلّ آية مقترحة او غير مقترحة لما أيقنوا وما قبلوا.
اطفيش
تفسير : {وقال}: للنبى صلى الله عليه وسلم. {الذينَ لا يعْلَمُونَ}: هم مشركو العرب فى عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عند ابن عباس رضى الله عنهما والربيع والسيد، وفى رواية عنه رضى الله عنه هم من كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من اليهود، لأن رافع بن خزيمة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله. وقال مجاهد: هم النصارى، قلت هم مشركو العرب وجاهلو اليهود ومتجاهلوهم، وجاهلو النصارى ومتجاهلوهم، وقد طلب عبدالله بن أمية وغيره من العرب من النبى، صلى الله عليه وسلم، أن يسمعوا من الله الكلام، تعالى الله عن كل شبيه ونقص، ومرادى بالمتجاهل من يجعل نفسه فى صورة الجاهل ومن يفعل فعل الجاهل. {لوْلا يُكَلّمْنا الله}: هل يكلمنا الله عياناً بأنك يا محمد رسول من الله، ولولا هذه للتخصيص. {أوْ تَأتينَا آيةٌ}: من الآيات التى نطلبها منك، كتوسيع الجبال عن مكة، وإحياء قصى فيخبرنا بأنك رسول من الله ونحو ذلك، وهذا منهم إهانة بآياته، صلى الله عليه وسلم، ومعجزاته وعدم الاعتداد بهن، فإنهن لسن ناطقات برسالته حتى طلبوا غيرها، وذلك عناد ومكابرة، كما أن قولهم: لولا يكلمنا الله استكبار ترفعوا عن أن يكون محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم فتعللوا بطلب أن يكلمهم الله برسالته، ويجوز أن يكون مرادهم لولا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة، وكما كلم موسى، ولولا كلمنا الله كذلك لكنا مؤمنين بك. {كذلك قَالَ الذينَ مِنْ قَبْلِهم}: لأنبيائهم. {مثْلَ قولهم}: من التعنت بطلب ما تسولهم به أنفسهم من الآيات، وإلقاء ما جاءت به رسلهم من الآيات، وهم كفار الأمم، قبل اليهود والنصارى ومشركى العرب المعاصرين له، صلى الله عليه وسلم، وهم أسلاف اليهود والنصارى، ومن قال الذين لا يعلمون هم اليهود، فالذين من قبلهم هم أسلافهم وأسلاف النصارى، ومن تقدمهم من أمم الكفر، كقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم صالح. ومن قال الذين لا يعلمون هم النصارى، فالذين من قبلهم أسلافهم وأسلاف اليهود ومن تقدم من أمم الكفر. ومن قال الذين لا يعلمون هم العرب، قال الذين من قبلهم هم اليهود والنصارى ومن تقدم من أمم الكفر، ومن كلام اليهود: أرنا الله جهرة، ومن كلام النصارى هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ ومن كلام العرب قولهم لصالح عليه السلام: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء. {تَشَابَهَت قُلُوبهم}: أى قلوب هؤلاء الذين لا يعلمون، القائلين لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية، وقلوب الذين من قبلهم القائلين مثل قولهم، ووجه الشبه العمى والفساد فى القلب، فتولد منه القول الباطل، أو وجه الشبه هو طلب ما لا يجوز لهم طلبه والكفر، وقوله: {تَشَابَهت قُلُوبهم} هو مثل قوله: {أتواصَوْا بهِ} وقوله: {كذَلكَ قَالَ الذين مِنْ قَبلِهِم مِثلَ قَوْلهم} تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم بالإخبار بأنه قد قيل للرسل قبله مثل ما قيل له، ليصبر كما صبروا، وقرئ تشابهت (بتشديد الشين) أصله تتشابهت أبدلت التاء شينا أدغمت فى الشين. {قد بيّنّا الآيات لِقوم يُوقِنُونَ}: أى قد أوجدنا من الآيات ما ينطق برسالة محمد ويوضحها لقوم قضى الله لهم بأنهم يوقنون، أو لقوم يوقنون الحقائق مطلقاً، لا يخالطهم عناد ولا شبهة، أو لقوم يطلبون اليقين، وأما هؤلاء الذين تشابهت قلوبهم فإنما كفروا عناداً لا لخفاء فى الآيات، إذ هن بينات لكل ذى عقل غريزى، فهن يكفين كل من يعقل كل الكفاية حتى لا يطلب سواهن إلا ليزداد إيمانا، فقد علمت من كلامى جواز أن يرد بقوم يوقنون: المسلمون رضى الله عنهم، وأن يراد كل من يعقل ويدرك معنى الخطاب وتيقنه، فإن الإيقان واليقين لا يختصان بالمسلم ولا بالموحد، لأن حاصله إدراك الأمر بلا شبهة، فقد يكون للكافر فى الآيات ويكفر عناداً، والمراد بالآيات آيات القرآن وسائر معجزاته، صلى الله عليه وسلم، وقال غيرى ممن تقدم من المفسرين المراد بالقوم الموقنون: المسلمون، خصوصاً وأن اليقين صفة لعلمهم خصوصاً، وأن الكلام مدح لهم، وإن قلت كيف يقال أيقن بمعنى طلب اليقين؟ قلت: صح، من باب قولك أعرق بمعنى دخل العراق، فإن من طلب اليقين فهو داخل فى شأن اليقين إذا اعتنى باكتسابه.
اطفيش
تفسير : {وَقَالَ} إلخ، عطف على قالوا، اتخذ الله، أو على ما عطف عليه، وذلك قدح فى التوحيد، وهذا قدح فى النبوة {الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} مشركو العرب من مكة وغيرها، أو مع اليهود والنصارى وغيرهم، وقيل المراد اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما روى ابن عباس رضى الله عنهما، أن رافع بن خزيمة اليهودى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت رسول الله تعالى فقل له يكلمنا حتى نسمع كلامه فنزلت هذه الآية، وقوله تعالى: يسألك أهل الكتب... إلخ، وقيل النصارى، وأنهم المرادون فى قوله تعالى، وقالوا اتخذ الله ولدا، المذكورون فى الآية، وهو ضعيف {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ} جهرة، أو بإنزال الوحى إلينا {أَوْ تَأْتِينَا ءَايَةٌ} على صدقك، كتصيير الصفا ذهبا، وإفساح الجبال عن مكة، وبعث قصىّ، وأن يأتى بالله والملائكة قبيلا، أو نحو ذلك مما مر، لولا أنزل علينا الملائكة، أو ترى ربنا {كذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم الماضية لأنبيائهم {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} كما قالوا، أرنا الله جهرة، هل يستطيع ربك... الخ، وليس من طلب الآيات، لن نصبر على طعام واحد... الخ، اجعل لنا إلها، بل مجرد عناد وفساد {تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ} قلوب هؤلاء وأولئك فى الكفر والعناد فلا يشتد حزنك يا محمد، إذ قيل لك ما قيل لمن قبلك {قَدْ بَيَّنَّا الآيَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بأنها آيات توجب الإيمان، أى نزلناها بينة من أول الأمر لا غير، مبينة، ثم بيناها، وهذا كقولك، وسع فم البئر، وأدر جيب القميص، وسبحان من صغر البعوض.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} عطف على قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ }تفسير : [البقرة: 116] ووجه الارتباط أن الأول: كان قدحاً في التوحيد وهذا قدح في النبوة، والمراد من الموصول جهلة المشركين، وقد روي ذلك عن قتادة والسدي والحسن وجماعة، وعليه أكثر المفسرين ويدل عليه قوله تعالى: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] وقالوا: {أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 5] وقالوا: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا }تفسير : [الفرقان: 21] وقيل: المراد به اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رافع بن خزيمة من اليهود قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت رسولاً من عند الله تعالى فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ }تفسير : [النساء: 153] وقال مجاهد: المراد به النصارى ورجحه الطبري بأنهم المذكورون في الآية، وهو كما ترى، ونفي العلم على الأول عنهم على حقيقته لأنهم لم يكن لهم كتاب ولا هم أتباع نبوة/، وعلى الأخيرين لتجاهلهم أو لعدم علمهم بمقتضاه. {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ} أي هلا يكلمنا بأنك رسوله إما بالذات كما يكلم الملائكة أو بإنزال الوحي إلينا، وهو استكبار منهم بعدّ أنفسهم الخبيثة كالملائكة والأنبياء المقدسين عليهم الصلاة والسلام {أَوْ تَأْتِينَا ءايَةٌ} أي حجة على صدقك وهو جحود منهم قاتلهم الله تعالى لما آتاهم من الآيات البينات، والحجج الباهرات التي تخر لها صم الجبال، وقيل: المراد إتيان آية مقترحة، وفيه أن تخصيص النكرة خلاف الظاهر {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} جواب لشبهتهم يعني أنهم يسألون عن تعنت واستكبار مثل الأمم السابقة والسائل المتعنت لا يستحق إجابة مسألته {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} هذا الباطل الشنيع {أية : فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً }تفسير : [النساء: 153] {أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً } تفسير : [المائدة: 112] {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا }تفسير : [الأعراف: 138] وقد تقدم الكلام على هذين التشبيهين، ولبعضهم هنا زيادة على ما مر احتمال تعلق {كَذٰلِكَ} بـ {تَأْتِينَا} وحينئذ يكون الوقف عليه لا على {ءايَةً} أو جعل {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} متعلقاً بـ {تَشَـٰبَهَتْ} وحينئذ يكون الوقف على {مِن قَبْلِهِمُ} وأنت تعلم أنه لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الكريم على مثل هذه الاحتمالات الباردة. {تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد، وقيل: في التعنت والاقتراح، والجملة مقررة لما قبلها، وقرأ أبو حيوة وابن أبـي إسحٰق بتشديد الشين قال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض والتاآن المزيدتان إنما يجيئان في المضارع فيدغم أما الماضي فلا، وفي "غرائب التفسير" أنهم أجمعوا على خطئه، ووجه ذلك الراغب بأنه حمل الماضي على المضارع فزيد فيه ما يزاد فيه ولا يخفى أنه بهذا القدر لا يندفع الإشكال، وقال ابن سهمي في الشواذ: إن العرب قد تزيد على أول تفعل في الماضي تاء فتقول تتفعل وأنشد.شعر : تتقطعت بي دونك الأسباب تفسير : وهو قول غير مرضي ولا مقبول فالصواب عدم صحة نسبة هذه القراءة إلى هذين الإمامين وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ} أي نزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في أنفسها فهو على حد سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي يعلمون الحقائق علماً ذا وثاقة لا يعتريهم شبهة ولا عناد وهؤلاء ليسوا كذلك فلهذا تعنتوا واستكبروا وقالوا ما قالوا، والجملة على هذا معللة لقوله تعالى: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} كما صرح به بعض المحققين، ويحتمل أن يراد من الإتيان طلب الحق واليقين. و ـ الآية ـ رد لطلبهم الآية وفي تعريف الآيات وجمعها وإيراد التبيين مكان الإتيان الذي طلبوه ما لا يخفى من الجزالة، والمعنى أنهم اقترحوا آية فذة ونحن قد بينا الآيات العظام لقوم يطلبون الحق واليقين وإنما لم يتعرض سبحانه لرد قولهم {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ} إيذاناً بأنه منهم أشبه شيء بكلام الأحمق وجواب الأحمق السكوت.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : وقالوا اتخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116] المعطوف على قوله: {أية : وقالت اليهود ليست النصارى}تفسير : [البقرة: 113]. لمناسبة اشتراك المشركين واليهود والنصارى في الأقوال والعقائد الضالة إلا أنه قدم قول أهل الكتاب في الآية الماضية وهي {وقالت اليهود} لأنهم الذين ابتدأوا بذلك أيام مجادلتهم في تفاضل أديانهم ويومئذ لم يكن للمشركين ما يوجب الاشتغال بذلك إلى أن جاء الإسلام فقالوا مثل قول أهل الكتاب. وجمع الكل في{وقالوا اتخذ الله ولداً} إلا أنه لم يكن فريق من الثلاثة فيه مقتبساً من الآخر بل جميعه ناشىء من الغلو في تقديس الموجودات الفاضلة ومنشؤه سوء الفهم في العقيدة سواء كانت مأخوذة من كتاب كما تقدم في منشأ قول أهل الكتابين {اتخذ الله ولداً} أم مأخوذة من أقوال قادتهم كما قالت العرب: الملائكة بنات الله. وقدم قول المشركين هنا لأن هذا القول أعلق بالمشركين إذ هو جديد فيهم وفاشٍ بينهم، فلما كانوا مخترعي هذا القول نسب إليهم، ثم نظر بهم الذين من قبلهم وهم اليهود والنصارى، إذ قالوا مثل ذلك لرسلهم. و{لولا} هنا حرف تحضيض قصد منه التعجيز والاعتذار عن عدم الإصغاء للرسول استكباراً بأن عدوا أنفسهم أحرياء بالرسالة وسماع كلام الله تعالى وهذا مبالغة في الجهالة لا يقولها أهل الكتاب الذين أثبتوا الرسالة والحاجة إلى الرسل. وقوله: {أو تأتينا آية} أرادوا مطلق آية فالتنكير للنوعية وحينئذ فهو مكابرة وجحود لما جاءهم من الآيات وحسبك بأعظمها وهو القرآن وهذا هو الظاهر من التنكير وقد سألوا آيات مقترحات {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] الآيات وهم يحسبون أن الآيات هي عجائب الحوادث أو المخلوقات وما دروا أن الآية العلمية العقلية أوضح المعجزات لعمومها ودوامها وقد تحداهم الرسول بالقرآن فعجزوا عن معارضته وكفاهم بذلك آية لو كانوا أهل إنصاف. وقوله: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} أي كمثل مقالتهم هذه قال الذين من قبلهم من الأمم مثل قولهم. والمراد بالذين من قبلهم اليهود والنصارى فقد قال اليهود لموسى: {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}تفسير : [البقرة: 55] وسأل النصارى عيسى {أية : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء}تفسير : [المائدة: 112]. وفي هذا الكلام تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله: {أية : إنا أرسلناك بالحق}تفسير : [البقرة: 119] الآية. ثم يجوز أن تكون جملة {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} واقعة موقع الجواب لمقالة الذين لا يعلمون وهو جواب إجمالي اقتصر فيه على تنظير حالهم بحال من قبلهم فيكون ذلك التنظير كناية عن الإعراض عن جواب مقالهم وأنه لا يستأهل أن يجاب لأنهم ليسوا بمرتبة من يكلمهم الله وليست أفهامهم بأهل لإدراك ما في نزول القرآن من أعظم آية وتكون جملة {تشابهت قلوبهم} تقريراً أي تشابهت عقولهم في الأفن وسوء النظر، وتكون جملة {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} تعليلاً للإعراض عن جوابهم بأنهم غير أهل للجواب لأن أهل الجواب هم القوم الذين يوقنون وقد بينت لهم آيات القرآن بما اشتملت عليه من الدلائل، وأما هؤلاء فليسوا أهلاً للجواب لأنهم ليسوا بقوم يوقنون بل ديدنهم المكابرة. ويجوز أن تكون جملة {كذلك قال} إلى آخرها معترضة بين جملة {وقال الذين لا يعلمون} وبين جملة {قد بيَّنَّا الآيات} وتجعل جملة {قد بينا الآيات} هي الجواب عن مقالتهم. والمعنى لقد أتتكم الآية وهي آيات القرآن ولكن لا يعقلها إلا الذين يوقنون أي دونكم فيكون على وزان قوله تعالى: {أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم}تفسير : [العنكبوت: 51]. ووقع الإعراض عن جواب قولهم {لولا يكلمنا الله} لأنه بديهي البطلان كما قال تعالى: {أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً}تفسير : [الفرقان: 21]. والقول في مرجع التشبيه والمماثلة من قوله {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم} على نحو القول في الآية الماضية {أية : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم}تفسير : [البقرة: 113]. وقوله: {تشابهت قلوبهم} تقرير لمعنى {قال الذين من قبلهم مثل قولهم}، أي كانت عقولهم متشابهة في الأفن وسوء النظر فلذا اتحدوا في المقالة. فالقلوب هنا بمعنى العقول كما هو المتعارف في اللغة العربية. وقوله {تشابهت} صيغة من صيغ التشبيه وهي أقوى فيه من حروفه وأقرب بالتشبيه البليغ، ومن محاسن ما جاء في ذلك قول الصابىء:شعر : تشابه دمعي إذ جرى ومُدامتي فمِن مثل ما في الكأس عيني تسكُب تفسير : وفي هذه الآية جعلت اليهود والنصارى مماثلين للمشركين في هذه المقالة لأن المشركين أعرق فيها إذ هم أشركوا مع الله غيره فليس ادعاؤهم ولداً لله بأكثر من ادعائهم شركة الأصنام مع الله في الإلاهية فكان اليهود والنصارى ملحقين بهم لأن دعوى الابن لله طرأت عليهم ولم تكن من أصل ملتهم وبهذا الأسلوب تأتى الرجوع إلى بيان أحوال أهل الكتابين الخاصة بهم وذلك من رد العجز على الصدر. وجيء بالفعل المضارع في {يوقنون} لدلالته على التجدد والاستمرار كناية عن كون الإيمان خُلقاً لهم فأما الذين دأبهم الإعراض عن النظر والمكابرة بعد ظهور الحق فإن الإعراض يحول دون حصول اليقين والمكابرة تحول عن الانتفاع به فكأنه لم يحصل فأصحاب هذين الخلقين ليسوا من الموقنين. وتبيين الآيات هو ما جاء من القرآن المعجز للبشر الذي تحدى به جميعهم فلم يستطيعوا الإتيان بمثله كما تقدم، وفي الحديث: «حديث : ما من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»تفسير : فالمعنى قد بينا الآيات لقوم من شأنهم أن يوقنوا ولا يشككوا أنفسهم أو يعرضوا حتى يحول ذلك بينهم وبين الإيقان أو يكون المعنى قد بينا الآيات لقوم يظهرون اليقين ويعترفون بالحق لا لقوم مثلكم من المكابرين.
القطان
تفسير : الذين لا يعلمون: مشركوا العرب والجهلة من أهل الكتاب. ولقد أمعنوا في عنادهم فطلبوا من الرسول آية حسّية أو يكلمهم الله بنفسه. وهكذا طلبت الأمم السابقة من أنبيائهم، فقد قال بنو اسرائيل لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهارا. وطلب أصحاب عيسى اليه ان ينزل عليهم مائدة من السماء. اما نحن فقد بيّنّا للناس الآيات على يديك يا محمد، بما لا يدع مجالاً للريب لدى طالبي الحق بالدليل والبرهان. ثم يلتفت تعالى الى الرسول الكريم فيخاطبه بما معناه: "إنّا ارسلناك بالشيء الثابت الذي لا تضل فيه الأوهام وجعلناك بشيراً لمن اطاع بأنه من الفائزين، ونذيراً لمن عصى انه من الكافرين الجاحدين. فلا عليك إن أصرّوا على الكفر والعناد، فانك لن تُسأل عن أصحاب الجحيم. فأنت لم تُبعث ملزماً ولا جبارا، وانما بعثت معلماً وهادياً بالدعوة والأسوة الحسنة. وفي هذا تسلية للنبي الكريم لئلا يضيق صدره. القراءات: قرأ نافع ويعقوب: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} بالنهي. والباقون "لا تسئلُ".
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٌ} {تَشَابَهَتْ} {ٱلآيَاتِ} (118) - وَقَالَ الكُفَّارُ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً عَنِ النُّبُوَّاتِ، وَعَمَّا يَصِحُّ أَنْ يُعطَاهُ الأَنْبِياءُ مِنَ الآيَاتِ: هَلاَّ يُكَلِّمُنَا اللهُ وَيَقُولُ لَنَا إِنَّكَ رَسُولُهُ حَقّاً، أَوْ يُرْسِلُ إِلَينا مَلَكاً فَيُخْبِرُنا بِذلِكَ، كَمَا كَلَّمَكَ، وَأَنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنَا. وَهَلاَّ تَأْتِينَا بِبُرْهاَنٍ عَلَى صِدْقِكَ فِي دَعْوَاكَ النُّبُوَّةَ. وَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والاسْتِكْبَارِ وَالتَّعْجِيزِ، لاَ لِلْوُصُولِ إِلى الحَقِيقَةِ، وَجَلاَءِ الغَوَامِضِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ هذِهِ الأَقْوالِ، التِي يُرادُ بِهَا التَّعَنُّتُ وَالعِنَادُ، مَنْ جَاءَ قَبْلَهُمْ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فَسَأَلَ اليَهُودُ مُوسَى أَنْ يَرَوْا اللهَ جَهْرَةً، فَأَشْبَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِِكِي العَرَبِ قُلُوبَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الكُفْرِ وَالعُتُوِّ والعِنَادِ. وَقَدَ بَيَّنَ اللهُ الدَّلاَلاَتِ، وَأَقَامَ الحُجَجَ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ بِمَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدٍ من الأَدِلَّةِ، لِمَنْ كَانَ فِي قُلُوبِهِمْ إِيمَانٌ. أَمَّا الذِينَ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِْمْ وَأَبْصَارِهِمْ، فَهؤلاءِ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ. (وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَافِعَ بْنَ حَرْمَلَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَى الله عليه وسلم: يَا مُحَمَّدُ إِْنْ كُنْتَ رَسُولَ اللهِ كَمَا تَقُولُ فَقُلْ للهِ أَنْ يُكَلِّمَنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلاَمَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ).
الثعلبي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني اليهود قاله ابن عبّاس. مجاهد: هم النّصارى. قتادة: هم مشركو العرب. {لَوْلاَ} هلاّ {يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} عياناً بأنك رسوله. {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} دلالة وعلامة على صدقك. قال الله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي كفّار الأمم الخالية {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أشبه بعضها بعضاً في الكفر والفرقة والقسوة. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} يا محمّد {بِٱلْحَقِّ} بالصدق من قولهم فلان محقّ في دعواه إذا كان صادقاً دليله قوله تعالى {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} تفسير : [يونس: 53] أحقٌّ هو؟ أي صدق. مقاتل: معناه لن نرسلك عبثاً بغير شيء بل أرسلناك بالحق، دليله قوله تعالى: {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأحقاف: 3] وهو ضد الباطل. ابن عبّاس: بالقرآن دليله قوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} تفسير : [ق: 5]. ابن كيسان: بالاسلام دليله قوله عزّ وجلّ: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ} تفسير : [الإسراء: 81] {بَشِيراً} مبشراً لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم. {وَنَذِيراً} منذراً مخوفاً لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} عطاء وإبن عبّاس: وذلك إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "حديث : ليت شعري ما فعل أبواي" تفسير : فنزلت هذه الآية. وقال مقاتل: هو إنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو أنزل الله بأسه باليهود لأمنوا"تفسير : . فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} وفيه قراءتان: بالجزم على النهي وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ويعقوب ووجهها القول الأول في سبب نزول الآية. وقرأ الباقون: بالرفع على النفي يعني: ولست بمسؤول عنهم دليلها قراءة ابن مسعود: ولن تسأل وقراءة أُبي: وما نسألك عن أصحاب الجحيم ولا تؤخذ بذنبهم والجحيم وهو الجحم والجحمة: معظم النّار. {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وذلك إنّهم كانوا يسألون النبيّ صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمّعونه ويرون إنّه إن هادنهم إتّبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال ابن عبّاس: هذا في القبلة وذلك إنّ يهود أهل المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلّي النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم فلمّا صرف الله القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ} دينهم وقبلتهم، وزعم الزجّاج: إنّ الملّة مأخوذة من التأثير في الشيء كما تؤثر الملّة في الموضع الّذي يختبز فيه. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} البيان بأنّ دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم عليه السلام هي الكعبة. {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وكانوا أربعين رجلاً وإثنا وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشّام منهم بحيرا. وقال الضحّاك: من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه وسعيّة بن عمرو ويمام بن يهودا وأسيد وأسد إبنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا. قتادة وعكرمة: هم أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم المؤمنون عامّة. {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} الكلبي: يصفونه في كتبهم حقّ صفته لمن سألهم من النّاس وعلى هذا القول الهاء راجعة إلى محمّد صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: هي عائدة إلى الكتاب ثمّ اختلفوا في معنى قوله {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} سعيد عن قتادة قال: بلغنا عن ابن مسعود في قوله {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويقرأونه كما أُنزل، ولا يحرفونه عن مواضعه، وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم منه إلى عالمه. مجاهد: يتبعونه حقّ اتباعه. {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ * يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ * وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} إلى قوله {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى حين قال: {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 118] .. أي لا يعلمون عن كتاب الله شيئاً لأنهم كفار .. وهؤلاء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله .. ومعنى أن يكلمهم الله أن يسمعوا كلاما من الله سبحانه .. كما سمع موسى كلام الله. وماذا كانوا يريدون من كلام الله تبارك وتعالى .. أكانوا يريدون أن يقول لهم الله إنه أرسل محمداً رسولاً ليبلغهم بمنهج السماء .. وكأن كل المعجزات التي أَيَّدَ الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم - لم تكن كافية لإقناعهم .. مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي .. سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل .. جاء القرآن ليتحدى في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية .. وكان ذلك يكفيهم لو أنهم استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا آية أخرى .. والله سبحانه وتعالى قد أبلغنا أنه لا يمكن لطبيعة البشر أن تتلقى عن الله مباشرة .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ ..} تفسير : [الشورى: 51]. إذن فالبشر حتى المصطفى من الله والمؤهل للتلقي عن الله .. لا يكلمه الله إلا وحيا أو إلهام خاطرٍ أو من وراء حجاب كما كلم موسى .. أو يرسل رسولا مبلغا للناس لمنهج الله .. أما الاتصال المباشر فهو أمر تمنعه بشرية الخلق. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [البقرة: 118] .. والآيات التي يطلبها الكفار ويأتي بها الله سبحانه وتعالى ويحققها لهم .. لا يؤمنون بها بل يزدادون كفراً وعناداً .. والله جل جلاله يقول: {أية : وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا ..} تفسير : [الإسراء: 59]. إذن فالآيات التي يطلبها الكفار ليؤمنوا لا تجعلهم يؤمنون .. ولكن يزدادون كفراً حتى ولو علموا يقينا أن هذه الآيات من عند الله سبحانه وتعالى كما حدث لآل فرعون .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [النمل: 13-14]. وهكذا فإن طلبهم أن يكلمهم الله أو تأتيهم آية كان من باب العناد والكفر .. والحق سبحانه يقول: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 118] .. فبنو إسرائيل قالوا لموسى أرنا الله جهرة .. الذين لا يعلمون قالوا لولا يكلمنا الله .. ولكن الذين قالوا أرنا الله جهرة كانوا يعلمون لأنهم كانوا يؤمنون بالتوراة .. فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون .. لذلك قال الله تبارك وتعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] .. أي قلوب أولئك الذين كانوا خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد. ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر .. وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا .. ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا الله جهرة .. إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى .. إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة .. وما دام القلب غير خالص لله فيستوي الذي يعلم والذي لا يعلم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] .. ما هو اليقين؟ هو استقرار القضية في القلب استقراراً لا يحتمل شكا ولا زلزلة .. ولا يمكن أن تخرج القضية مرة أخرى إلى العقل .. لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا .. واليقين يأتي من إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا .. فإذا قال الله قال اليقين .. وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم فكلامه حق .. ولذلك من مصداقية الإيمان أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه .. عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صُعد به إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة .. قال إن كان قد قال فقد صدق. إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم يقين .. وقد يرتقي الأمر ليصير عين يقين .. عندما ترى الشيء بعينك بعد أن حُدثت عن رؤية غيرك له .. ثم تدخل في حقيقة الشيء فيصبح حق يقين .. إذن اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به .. وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين .. وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء .. والله سبحانه وتعالى يشرح هذا في قوله تعالى: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ} تفسير : [التكاثر: 1-6]. هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من الله سبحانه وتعالى .. ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى: {أية : ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 7]. أي أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة .. هذا علم يقين وعين يقين .. يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [الواقعة: 92-95]. والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين .. إنه سيراها وهو يمر على الصراط .. ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين .. ولقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم ما يوافق قول غير المؤمنين .. فاليهود قالوا لموسى: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] .. والمسيحيون قالوا لعيسى: {أية : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [المائدة: 112] قال: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [المائدة: 112] .. وهكذا شجع المؤمنون بالكتاب غير المؤمنين بأن يطلبوا رؤية الله ويطلبوا المعجزات المادية.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} معناهُ هَلاَّ يُكلِّمُنا الله.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} هم كفار العرب وبعض اليهود اقترحوا ذلك. {لَوْلاَ} بمعنى هلا. {يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} كما كلم موسى عليه السلام. {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} أي مقترحة لهم. {مِن قَبْلِهِمْ} وهم أسلافهم. {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} في القسوة والتعنت والاقتراح. وقرىء: تشابهت بشد الشين وتخريجها مشكل. {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ} أي أوضحناها. فاقتراح آية مع تقدم الآيات تعنت. {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي لمن ليس في شك ولا ارتياب ولا تغافل ولا جهل. {بَشِيراً} لمن آمن. {وَنَذِيراً} لمن كفروا وفي ذلك تسلية له عليه السلام وبالحق أي مصحوباً بالحق لا يفارقك وهما صفتا مبالغة فبشيراً من بشر مخففاً، ونذيراً من أنذر ومحسنه العطف فيما لا ينقاس على ما ينقاس. {وَلاَ تُسْأَلُ} عن الكفار ما لهم لا يؤمنون. لأن هذا إليه تعالى. وقرىء: لا تسأل خبراً محضاً منفياً مستأنفاً سلى عليه السلام بذلك ويبعد فيه الحال. روي أن اليهود والنصارى طلبوا منه عليه السلام الهدنة ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعاً منهم وترجئة من وقت إلى وقت فأطلعه الله على سرهم، فنزلت: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ} علق رضاهم بغاية يستحيل صدورها منه عليه السلام والمعلق على المستحيل مستحيل. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أتى به مضافاً إلى الله ومؤكداً بهود ومحصوراً بألْ ثم ذكر ان ما هم عليه إهواء وضلالات. واللام في: {وَلَئِنِ} تسمى الموطئة والمؤذنة بقسم مقدر قبلها ولذلك جاء الجواب: {مَا لَكَ} وكان فعل الشرط ماضياً في اللفظ لأن جوابه محذوف يدل عليه جواب القسم وجمع الاهواء دلالة على كثرة الاختلاف فأضيفت إليهم لأنها بدعهم. {بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} وهو الدين والشرع الذي جاء به. وجعله علماً لأنه معلوم بالبراهين الصحيحة. {مَا لَكَ} جواب القسم المحذوف المقدر قبل لام التوطئة.
الجيلاني
تفسير : ثم لما ظهر واشتهر أن القرآن ناسخ للكتب السالفة مع كونه مصدقاً لها، ناطقاً بأنها منزلة من عند الله على الرسل الماضين الهادين إلى طريق الحق، وأن حكم الناسخ ماضٍ باقٍ، وحكم المنسوخ مضى ولم يبق أثره، مع أن كلا منهما حكم الله في زمانين {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} لا يعرفون ظهور الله وتجلياته بحسب أسمائه الحسنى وصفاته العليا في كل آنٍ وشأنٍ: لا نقبل هذ الحكم ولا نؤمن به {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} مشافهة، بأن هذا ناسخ راجح وذاك منسوخ مرجوح {أَوْ تَأْتِينَآ} على الله من يدعي الرسالة {آيَةٌ} ملجئة تدل على هذا الحكم بلا احتمال آخر، ولولا هذا ولا ذاك لم نقبله ولم نؤمن به، ولا تستبعد يا أكمل الرسل منهم هذا القول؛ إذ {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ} كفروا للأنبياء الماضين {مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} بلا تفاوتٍ بل {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} المنكرة المخمرة لهذه الأباطيل، المموهة مع أنا {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ} المنزلة الدالة على توحيدنا {لِقَوْمٍ} ذوي قلوبٍ صافيةٍ عن كدر الإنكار {يُوقِنُونَ} [البقرة: 118] بها سواء الآيات الظاهرة على الآفاق والأنفس، وهم لا نهماكهم في كدر الإمكان والإنكار لا يرجى منهم الإيمان والإقرار. {إِنَّا} من مقام جودنا {أَرْسَلْنَاكَ} يا أكمل الرسل ملتبساً {بِٱلْحَقِّ بَشِيراً} إلى طريقه {وَنَذِيراً} عن طريق الباطل {وَ} وإن لم يبششروا ولم ينذروا بعدما بلغت إليهم التبشير والإنذار {لاَ تُسْأَلُ} أنت {عَنْ} إعراض {أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} البقرة: 119] المجبولين على الكفر والعناد. {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ} بمجرد المؤانسة وإظهار المحبة وإرخاء العنان {حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} التي ادعوا حقيتها وهدايتها، بل حصروا الهداية عليها {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً على وجه التذكير النصح: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ} الذي يهدي به عباده {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} النازل من عنده، وهو دين الإسلام، فاتبعوه لتهتدوا {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ} يا أكمل الرسل، ومن تبعك بعد يأسكم في اتباعهم بكل {أَهْوَآءَهُمْ} الباطلة {بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} من لدنا على هدايتك وإهداء من تبعك {مَا لَكَ مِنَ} عند {ٱللَّهِ} الهادي للكل إلى سواء السبيل {مِن وَلِيٍّ} يحفظك من الضلال {وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120] يدفع عنك المكاره. قال سبحانه: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} واصطفيناهم من بين الأمم بإرسال الرسل، وهم {يَتْلُونَهُ} أي: الكتاب، متأملاً متدبراً مما يشتمل عليه من الأمور والنواهي والمعارف والحقائق، مراعياً {حَقَّ تِلاَوَتِهِ} بلا تحريف ولا تبديل {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} وبما فيه من الأحكام والآيات والأخبار {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} بتحريفه أو تبديله إلى ما تهوى أنفسهم {فَأُوْلَـٰئِكَ} المحرفون المغيرون كتاب الله لمصلحة نفوسهم {هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} [البقرة: 121] الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة بسبب تحريف كتاب الله وتبديله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هلا يكلمنا، كما كلم الرسل، { أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } يعنون آيات الاقتراح، التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الكاسدة، التي تجرأوا بها على الخالق، واستكبروا على رسله كقولهم: {أية : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ } تفسير : الآية، وقالوا: { لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ } الآيات وقوله: {أية : وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : الآيات. فهذا دأبهم مع رسلهم، يطلبون آيات التعنت، لا آيات الاسترشاد، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، ولهذا قال تعالى: { قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فكل موقن، فقد عرف من آيات الله الباهرة، وبراهينه الظاهرة، ما حصل له به اليقين، واندفع عنه كل شك وريب. ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. فالأول والثاني، قد دخلا في قوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } والثالث دخل في قوله: { بِالْحَقِّ } . وبيان الأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران، والصلبان، وتبديلهم للأديان، حتى كانوا في ظلمة من الكفر، قد عمتهم وشملتهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، قد انقرضوا قبيل البعثة. وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا لأنه حكيم عليم، قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده، أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم، يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له، فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه، وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، وعرف سيرته وهديه قبل البعثة، ونشوءه على أكمل الخصال، ثم من بعد ذلك، قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين، فمن عرفها، وسبر أحواله، عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين، لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم. وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم، والقرآن الكريم، المشتمل على الإخبارات الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل قبيح، والمعجزات الباهرة، فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة. قوله: { بَشِيرًا } أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، { نَذِيرًا } لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي. { وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } أي: لست مسئولا عنهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):