٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
119
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله: {بِٱلْحَقّ } وجوه. أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالاً بالحق. وثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به. وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع الله بالثواب ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذراً لمن كفر بك وضل عن دينك. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } ففيه قراءتان: الجمهور برفع التاء واللام على الخبر، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي. أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه. أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } تفسير : [الرعد: 40]، وقوله: {أية : عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } تفسير : [النور: 54]. والثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } تفسير : [فاطر: 8]. الثالث: لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً. أما القراءة الثانية ففيها وجهان، الأول: روي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم، وكان عالماً بأن الكافر معذب، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول: ليت شعري ما فعل أبواي. والثاني: معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك: لا تسأل عنه، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي: (وما تسأل) وقراءة عبد الله (ولن تسأل).
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً} «بشيراً» نصب على الحال، «ونَذِيراً» عطف عليه؛ وقد تقدّم معناهما. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} قال مقاتل: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا»تفسير : ؛ فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} برفع تسأل، وهي قراءة الجمهور، ويكون في موضع الحال بعطفه على {بَشِيراً وَنَذِيراً}. والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير مسؤول. وقال سعيد الأخفش: ولا تَسألُ (بفتح التاء وضم اللام)؛ ويكون في موضع الحال عطفاً على {بَشِيراً وَنَذِيراً}. والمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً غير سائل عنهم؛ لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم. هذا معنى غير سائل. ومعنى غير مسؤول لا يكون مؤاخذاً بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار. وقال ٱبن عباس ومحمد بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «حديث : ليت شعري ما فعل أبواي»تفسير : . فنزلت هذه الآية؛ وهذا على قراءة من قرأ «ولا تسألْ» جزماً على النّهي، وهي قراءة نافع وحده؛ وفيه وجهان: أحدهما: أنه نهى عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء؛ لأنه قد يتغيّر حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان، وعن المعصية إلى الطاعة. والثاني: وهو الأظهر، أنه نهى عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته، تعظيماً لحاله وتغليظاً لشأنه، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان! أي قد بلغ فوق ما تحسب. وقرأ ٱبن مسعود «ولن تسأل». وقرأ أُبَيّ «وما تسأل»؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نَفي أن يكون مسؤولاً عنهم. وقيل: إنما سأل أيّ أبويه أحدث موتاً؛ فنزلت. وقد ذكرنا في كتاب «التذكرة» أن الله تعالى أحيا له أباه وأمّه وآمنَا به، وذكرنا «حديث : قوله عليه السلام للرجل: إن أبي وأباك في النار»تفسير : وبيّنا ذلك، والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ} متلبساً مؤيداً به. {بَشِيراً وَنَذِيراً} فلا عليك إن أصروا وكابروا. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت. وقرأ نافع ويعقوب: لا تَسْأَل، على أنه نهي للرسول صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه. أو تعظيم لعقوبة الكفار كأنها لفظاعتها لا يقدر أن يخبر عنها، أو السامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السؤال. والجحيم: المتأجج من النار.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا عبد الرحمن بن صالح أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الفزاري، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنزلت عليَّ {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}، قال: بشيراً بالجنة، ونذيراً من النار»تفسير : ، وقوله: {وَلاَ تُسْـأََلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} قراءة أكثرهم: ولا تسأل، بضم التاء، على الخبر، وفي قراءة أبيّ بن كعب: وما تسأل، وفي قراءة ابن مسعود: ولن تسأل عن أصحاب الجحيم، نقلها ابن جرير، أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك؛ كقوله: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ}تفسير : [الرعد: 40]، وكقوله تعالى: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ }تفسير : [الغاشية: 21 ـ 22] الآية، وكقوله تعالى: {أية : نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ}تفسير : [ق: 45]؛ وأشباه ذلك من الآيات، وقرأ آخرون: «ولا تسأل عن أصحاب الجحيم» بفتح التاء على النهي، أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد ابن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي ليت شعري ما فعل أبواي؟»تفسير : فنزلت: {وَلاَ تُسْـأََلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ}، فما ذكرهما حتى توفاه الله عز وجل، ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة، وقد تكلموا فيه، عن محمد بن كعب بمثله، وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب، قال القرطبي: وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان، أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به، وأجبنا عن قوله: «حديث : إنّ أبي وأباك في النار»تفسير : ، (قلت): والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام، ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: وحدثني القاسم أخبرنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم به، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «حديث : أين أبواي»تفسير : ؟ فنزلت: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْـأَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ}، وهذا مرسل كالذي قبله، وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى، وهذا الذي سلكه ههنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه، قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في الصحيح، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكر ابن جرير، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: أخبرنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن؛ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح به، وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال، وقال: سعيد بن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام، ورواه في التفسير عن عبد الله عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به، فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب، وزعم ابن مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء، وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان عن فليح به، وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعباً قال بلغته: أعيناً عمومى، وآذاناً صمومى، وقلوباً غلوفاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَٰكَ } يا محمد {بِٱلْحَقّ } بالهدى {بَشِيراً } مَنْ أجاب إليه بالجنة {وَنَذِيرًا } مَنْ لم يجب إليه بالنار {وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ } النار أي الكفار ما لهم لم يؤمنوا؟ إنما عليك البلاغ وفي قراءة[تسأل] بجزم( تُسْألْ) نهياً.
الشوكاني
تفسير : قوله: {بَشِيراً وَنَذِيراً } يحتمل أن يكون منصوباً على الحال، ويحتمل أن يكون مفعولاً له، أي: أرسلناك لأجل التبشير، والإنذار. وقوله: {وَلاَ تُسْـئَلُ } قرأه الجمهور بالرفع مبنياً للمجهول، أي: حال كونك غير مسؤول، وقرىء بالرفع مبنياً للمعلوم. قال الأخفش: ويكون في موضع الحال عطفاً على {بَشِيراً وَنَذِيراً } أي: حال كونك غير سائل عنهم؛ لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم، وقرأ نافع: {وَلاَ تُسْـئَلُ } بالجزم: أي: لا يصدر منك السؤال عن هؤلاء، أو لا يصدر منك السؤال عمن مات منهم على كفره، ومعصيته تعظيماً لحاله، وتغليظاً لشأنه، أي أن هذا أمر فظيع، وخطب شنيع، يتعاظم المتكلم أن يجريه على لسانه، أو يتعاظم السامع أن يسمعه. قوله: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ } الآية، أي: ليس غرضهم، ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويوردونه من التعنتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم ردّ عليهم سبحانه، فأمره بأن يقول لهم: {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرّفة ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن اتبع أهواءهم وحاول رضاهم وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم. ويحتمل أن يكون تعريضاً لأمته، وتحذيراً لهم أن يوافقوا شيئاً من ذلك، أو يدخلوا في أهوية أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل البدع. وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما؛ فإن غالب هؤلاء، وإن أظهر قبولاً، وأبان من أخلاقه ليناً لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه، وسنّة رسوله، لا ماهم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة، ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ما له من الله من وليّ، ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك، ولا شبهة. وقوله: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } قيل: هم المسلمون، والكتاب هو: القرآن، وقيل من أسلم من أهل الكتاب. والمراد بقوله: {يَتْلُونَهُ } أنهم يعلمون بما فيه، فيحلُّون حلاله، ويحرّمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } تفسير : [الشمس: 2] أي: اتبعها، كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة: أي: يقرءونه حق قراءته لا يحرّفونه، ولا يبدّلونه. وقوله: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } مبتدأ وخبره {يَتْلُونَهُ } أو الخبر قوله: {أُوْلَـٰئِكَ } مع ما بعده. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليت شعري ما فعل أبواي»تفسير : فنزل: {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } فما ذكرهما حتى توفاه الله. قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، ثم رواه من طريق ابن جرير، عن داود بن أبي عاصم مرفوعاً، وقال: هو معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به، ولا بالذي قبله حجة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: {ٱلْجَحِيمِ } ما عظم من النار. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال: إن يهود المدينة، ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم. فأنزل الله: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ } الآية. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } قال: هم اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } قال: يحلون حلاله، ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه. وأخرجوا عنه أيضاً قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرءوا: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا }تفسير : [الشمس: 2] يقول اتبعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب، قال في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } إذا مرَّ بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مرّ بذكر النار تعوَّذ بالله من النار. وأخرج الخطيب في كتاب الرواة بسند فيه مجاهيل، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } قال: حديث : يتبعونه حق اتباعه تفسير : ،وكذا قال القرطبي في تفسيره: أن في إسناده مجاهيل، قال: لكن معناه صحيح، وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير من طرق، عن ابن مسعود في تفسيره هذه الآية مثل ما سبق عن ابن عباس في قوله: (يحلون حلاله) إلى آخره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم قال: يتكلمون به كما أنزل، ولا يكتمونه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في هذه الآية قال: هم أصحاب محمد، ثم حكى نحو ذلك عن عمر بن الخطاب. وأخرج وكيع، وابن جرير عن الحسن في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} يعني محمداً أرسله بدين الحق. {بَشِيراً وَنَذِيراً} يعني بشيراً بالجنة لمن أطاع، ونذيراً بالنار لمن عصى. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} أي لا تكون مؤاخذاً بكفرةِ من كفر بعد البشرى والإنذار، وقرأ بعض أهل المدينة: ولا تَسَلْ عن أصحاب الجحيم، بفتح التاء وجزم اللام، وذكر أن سبب نزولها، ما رواه موسى بن عبيد عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْتَ شِعري مَا فَعَلَ أَبَوَاي"، تفسير : فأنزل الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}.
ابن عطية
تفسير : المعنى {بشيراً} لمن آمن، {ونذيراً} لمن كفر، وقرأ نافع وحده "ولا تسألْ" بالجزم على النهي، وفي ذلك معنيان: أحدهما لا تسأل على جهة التعظيم لحالهم من العذاب، كما تقول: فلان لا تسأل عنه، تعني أنه في نهاية تشهره من خير أو شر، والمعنى الثاني روي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت {ولا تسأل}. وحكى المهدوي رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليت شعري أي أبوي أحدث موتاً"، فنزلت. قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ ممن رواه أو ظنه لأن أباه مات وهو في بطن أمه، وقيل وهو ابن شهر، وقيل ابن شهرين، وماتت أمه بعد ذلك بخمس سنين منصرفة به من المدينة من زيارة أخواله، فهذا مما لا يتوهم أنه خفي عليه صلى الله عليه وسلم، وقرأ باقي السبعة "ولا تُسألُ" بضم التاء واللام، وقرأ قوم "ولا تَسألُ" بفتح التاء وضم اللام، ويتجه في هاتين القراءتين معنيان: أحدهما الخبر أنه لا يسأل عنهم، أو لا يسأل هو عنهم، والآخر أن يراد معنى الحال كأنه قال: وغير مسؤول أو غير سائل عنهم، عطفاً على قوله {بشيراً ونذيراً}، وقرأ أبي كعب "وما تسأل" وقرأ ابن مسعود "ولن تسأل"، وهاتان القراءتان تؤيدان معنى القطع والاستئناف في غيرهما، و {الجحيم} إحدى طبقات النار. ويقال: رضي يرضى رضىً ورضاً ورضواناً، وحكي رضاءً ممدوداً، وقال: {ملتهم} وهما مختلفتان بمعنى لن ترضى اليهود حتى تتبع ملتهم ولن ترضى النصارى حتى تتبع ملتهم، فجمعهم إيجازاً، لأن ذلك مفهوم، والملة الطريقة، وقد اختصت اللفظة بالشرائع والدين، وطريق ممل أي قد أثر المشي فيه. وروي أن سبب هذه الآية أن اليهود والنصارى طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدنة، ووعدوه أن يتبعوه بعد مدة خداعاً منهم، فأعلمه الله تعالى أن إعطاء الهدنة لا ينفع عندهم، وأطلعه على سر خداعهم. وقوله تعالى: {قل إن هدى الله هو الهدى} أي ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء. ثم قال تعالى لنبيه {ولئن اتبعت أهواءهم} الآية، فهذا شرط خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم وأمته معه داخلة فيه، و"أهواء" جمع هوى، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على إفراد الملة لقيل هواهم، والولي الذي يتولى الإصلاح والحياطة والنصر والمعونة، و {نصير} بناء مبالغة في اسم الفاعل من نصر. وقوله تعالى: {الذين آيتناهم الكتاب} الآية، {الذين} رفع بالابتداء، و {آيتناهم الكتاب} صلة، وقال قتادة: المراد بـ {الذين} في هذا الموضع من أسلم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، و {الكتاب} على هذا التأويل القرآن، وقال ابن زيد: المراد من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، و {الكتاب} على هذا التأويل التوراة، و {آتيناهم} معناه أعطيناهم، وقال قوم: هذا مخصوص في الأربعين الذين وردوا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في السفينة، فأثنى الله عليهم، ويحتمل أن يراد بـ {الذين} العموم في مؤمني بني إسرائيل والمؤمنين من العرب، ويكون {الكتاب} اسم الجنس، و {يتلونه} معناه يتبعونه حق اتباعه بامتثال الأمر والنهي، وقيل {يتلونه} يقرؤونه حق قراءته، وهذا أيضاً يتضمن الاتباع والامتثال، و {يتلونه} إذا أريد بـ {الذين} الخصوص فيمن اهتدى يصح أن يكون خبر الابتداء ويصح أن يكون {يتلونه} في موضع الحال والخبر {أولئك}، وإذا أريد بــ {الذين} العموم لم يكن الخبر إلا {أولئك}، و {يتلونه} حال لا يستغنى عنها وفيها الفائدة، لأنه لو كان الخبر في {يتلونه} لوجب أن يكون كل مؤمن يتلو الكتاب {حق تلاوته}، و {حق} مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى أفعل، ولا يجوز إضافته إلى واحد معرف، وإنما جازت هنا لأن تعرف التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم رجل واحد أمة، ونسيج وحده، والضمير في {به} عائد على {الكتاب}، وقيل: يعود على محمد صلى الله عليه وسلم، لأن متبعي التوراة يجدونه فيها فيؤمنون به. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أن يعود الضمير على {الهدى} الذي تقدم، وذلك أنه ذكر كفار اليهود والنصارى في أول الآية وحذر رسوله من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأن {هدى الله هو الهدى} الذي أعطاه وبعثه به، ثم ذكر له أن المؤمنين التالين لكتاب الله هم المؤمنون بذاك الهدى المقتدون بأنواره، والضمير في {يكفر به} يحتمل من العود ما ذكر في الأول، و {فأولئك هم الخاسرون} ابتداء وعماد وخبر، أو ابتداء وابتداء وخبر، والثاني خبره خبر الأول، والخسران نقصان الحظ.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَشِيراً} لمن أطاع بالجنة، {وَنَذِيراً} لمن عصى بالنار. {وَلا تُسْئَلُ} لا تؤاخذ بكفرهم {وَلا تُسْئَلُ} نزلت لما قال: "ليت شعري ما فعل أبواي".
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ...} الظاهر أن المعجزات هي المراد. وقدم البشارة على النذارة لأنّ القاعدة في محاولة الأمور الصعبة أن يبدأ فيها بالتلطّف والتيسير ليكون أدعى للقبول، كما إذا كان لك جمل معك وأردت أن تدخله موضعا فإنك تسايسه بربيع تطعمه له أو تفتل شعره أو نحو ذلك، كما قال {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً }. تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} الظاهر أنها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولا تسئل} على النهي: نافع ويعقوب. الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر. الوقوف: {ونذيراً} (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ {ولا تسئل} على النهي لاختلاف الجملتين {الجحيم} (ه) {ملتهم} (ط) {الهدى} (ط) {من العلم} (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر {نصير} (ه) {تلاوته} (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره. وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله {أولئك يؤمنون به} الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء {يؤمنون به} (ط) للابتداء بالشرط {الخاسرون} (ه) {العالمين} (ه) {ينصرون} (ه). التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق. والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء {أية : فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} تفسير : [فاطر: 8] فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله تعالى {أية : قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم} تفسير : [الصافات: 97] والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله {أية : فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} تفسير : [الرعد: 40] وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله. وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه صلى الله عليه وسلم مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟ والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر. وقوله {ولن ترضى} فيه إقناط لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى {قل إن هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها {ولو اتبعت أهواءهم} مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة {بعد الذي جاءك من العلم} بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل {ما لك من الله} من عقابه وسخطه {من ولي} معين يعصمك {ولا نصير} يذب عنك. قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية {بعدما جاءك من العلم} كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام. بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران {أية : من بعدما جاءك من العلم} تفسير : [آل عمران: 61] فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه {أية : ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم} تفسير : [الرعد: 37] لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه. وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله {بعدما جاءك من العلم} فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق. وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك} تفسير : [الزمر: 65] وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي صلى الله عليه وسلم لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك {الذين آتيناهم الكتاب} قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن. والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم. ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى {ومن يكفر به} من المحرفين أو من الواضعين من حقه {فأولئك هم الخاسرون} حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين. {يا بني إسرائيل} الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن القوم لما أَصرُّوا على العِنَادِ واللّجَاج الباطل، واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بيّن الله ـ تعالى ـ لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة. قوله: "بالحَقِّ" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مفعولاً به، أي: بسبب إقامة الحق. الثاني: أن يكون حالاً من المفعول في "أَرْسَلْنَاكَ" أي: أرسلناك ملتبساً بالحق. الثالث: أن يكون حالاً من الفاعل، أي: ملتبسين في الحق. وفيه وجوه: أحدها: أنه الصدق كقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ}تفسير : [يونس:53] أي: صدق وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "بالقرآن"، لقوله تعالى: {أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ}تفسير : [ق:5]. وقال ابن كيسان: "بالإسلام وشرائعه"، لقوله تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ}تفسير : [الإسراء:81]، وقال مقاتل: "لم نُرسِلْك عبثاً وإنما أرسلناك بالحق" لقوله عز وجل: {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأحقاف:3] وعلى هذه الأقوال في تعلّق هذا الجار وجوه: أحدها: أنه متعلّق بالإرسال. وثانيها: أنه متعلّق بالبشير والنذير أي: أنت مبشر بالحق ومنذر به. وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونك بشيراً لمن أطاع الله بالثواب، ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير حالاً من الرسول، أي: أرسلناك بالحق لتكون بشيراً ونذيراً لمن اتبعك [ونذيراً لمن كفر بك] ويجوز أن يكون بشيراً ونذيراً حالاً من "الحق"؛ لأنه يوصف أيضاً بالبشارة والنَّذَارة، وبشير ونذير على صيغة "فعيل". أما بشير فتقول: هو من بَشَرَ مخففاً؛ لأنه مسموع فيه، و "فعيل" مطرد من الثلاثي. وأما: "نذير" فمن الرباعي، ولا ينقاس عَدْل مُفْعِل إلى فَعِيل، إلا أن له هنا مُحَسِّناً. قوله تعالى: "وَلاَ تُسْأَلُ" قرأ الجمهور: "تُسْأَلُ" مبنيًّا للمفعول مع رفع الفعل على النفي، وفي معنى هذه القراءة وجوه: أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم، فمعصيتهم لا تضّرك، ولست مسؤولاً عن ذلك، وهو كقوله: {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ}تفسير : [الرعد:40] وقوله: {أية : عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ}تفسير : [النور:54]. الثاني: أنك هَادٍ وليس لك من الأمر شيء، ولا تَغْتَمّ لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب، ونظيره قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}تفسير : [فاطر:8]. الثالث: أنك لا تسأل عن ذَنْب غيرك ويعضد هذه القراءة قراءة أُبَيّ: "وما تسأل"، وقراءة عبد الله "ولن تسأل". وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لَوْ أنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لآمَنُوا"تفسير : ؛ فأنزل الله تعالى: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} وقُرىء "تَسْألُ" مبيناً للفاعل مرفوعاً أيضاً، وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنه حال، فيكون معطوفاً على الحال قبلها، كأنه قيل: بشيراً أو نذيراً، وغير مسؤول. والثاني: أن تكون مستأنفةً. وقرأ نافع ويعقوب: "تَسْأَلْ" على النَّهي، وهذا مستأنف فقط، ولا يجوز أن تكون حالاً؛ لأن الطَّلب لا يقع حالاً. وفي المعنى على هذه القراءة وجهان: الأول: روي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة. قال ابن الخطيب رحمه الله: وهذه الرواية بعيدة؛ لأنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ كان عالماً بكفرهم، وكان عالماً بأن الكافر معذّب، فمع هذا العلم لا يجوز أن يسأل. والثاني: معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكُفَّار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بليّة، فيقال لك: لا تسأل عنه. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه: "ولن تسأل". وقرأ أبي: "وما تسأل"؛ ومعناهما موافق لقراءة الجمهور، نفي أن يكون مسؤولاً عنهم. والجحيم: شدّة توقّد النار، ومنه قيل لعين الأسد: "جَحْمَة" لشدة توقُّدها، يقال: جَحِمَتِ النَّارُ تَجْحَمُ؛ ويقال لشَّدة الحر: "جاحم"؛ قال: [مجزوء الكامل] شعر : 768ـ وَالحَرْبُ لاَ يَبْقَى لِجَا حِمِهَا التَّخَيُّلُ وَالمِرَاحُ
السيوطي
تفسير : أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : ليت شعري ما فعل أبواي، فنزل {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} فما ذكرهما حتى توفاه الله "تفسير : قلت: هذا مرسل ضعيف الإِسناد. وأخرج ابن جرير عن داود بن أبي عاصم "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: أين أبواي؟ فنزلت" تفسير : قلت: والآخر معضل الإِسناد ضعيف لا يقوم به ولا بالذي قبله حجة. وأخرج ابن المنذر عن الأعرج أنه قرأ {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} أي أنت يا محمد. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: الجحيم ما عظم من النار.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ} أي ملتبساً بالقرآن كما في قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ} أو بالصدق كما في قوله تعالى: {أَحقٌّ هو}. وقولُه تعالى: {بَشِيراً وَنَذِيراً} حال من المفعول باعتبار تقيـيدِه بالحال الأولى أي أُرْسلناك ملتبساً بالقرآن حالَ كونك بشيراً لمن آمن بما أُنزِل عليك وعمِل به ونذيراً لمن كفَر به أو أرسلناك صادقاً حال كونِك بشيراً لمن صدّقك بالثواب ونذيراً لمن كذّبك بالعذاب ليختاروا لأنفسهم ما أحبّوا لا قاسرَ لهم على الإيمان فلا عليك إنْ أصرُّوا وكابروا {وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} ما لهم لم يؤمنوا بعدما بلّغْتَ ما أُرسلتَ به وقرىء (لن تُسأل) وقرىء لا تَسْألْ على صيغة النهي إيذاناً بكمال شدةِ عقوبةِ الكفار وتهويلاً لها كأنها لغاية فظاعتها لا يقدِرُ المخبِرُ على إجرائها على لسانه أو لا يستطيع السامعُ أن يسمع خبرَها، وحملُه على نهي النبـي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه مما لا يساعدُه النظمُ الكريمُ والجحيمُ: المتأججُ من النار، وفي التعبـير عنهم بصاحبـية الجحيم دون الكفر والتكذيب ونحوهما وعيدٌ شديد لهم وإيذانٌ بأنهم مطبوعٌ عليهم لا يُرجىٰ منهم الإيمانُ قطعاً. وقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} بـيانٌ لكمال شدةِ شكيمةِ هاتين الطائفتين خاصة إثْرَ بـيانِ ما يعُمُّهما والمشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت، وإيرادُ لا النافية بـين المعطوفَيْن لتأكيد النفي لما مر من أن تصلُّبُ اليهودِ في أمثال هذه العظائم أشدُّ من النصارى والإشعارِ بأن رضى كلٍّ منهما مباينٌ لرضى الأخرى أي لن ترضىٰ عنك اليهودُ ولو خلَّيتَهم وشأنَهم حتى تتبعَ ملّتهم ولا النصارى ولو تركتهم ودينَهم حتى تتبع مِلَّتَهم فأُوجِزَ النظمُ ثقةً بظهور المراد، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غايةَ وراءه فإنهم حيث لم يرضَوْا عنه عليه السلام ولو خلاّهم يفعلون ما يفعلون بل أملّوا منه صلى الله عليه وسلم ما لا يكاد يدخُل تحت الإمكان من اتباعه عليه السلام لمِلّتهم فكيف يُتوهم اتباعُهم لملته عليه السلام؟ وهذه حالتُهم في أنفسهم ومقالتُهم فيما بـينهم، وأما أنهم أظهروها للنبـي صلى الله عليه وسلم وشافهوه بذلك وقالوا: لن نرضىٰ عنك وإن بالغْتَ في طلب رضانا حتى تتبعَ مِلَّتنا كما قيل فلا يساعده النظمُ الكريم بل فيه ما يدل على خلافه، فإن قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} صريحٌ في أن ما وقع هذا جواباً عنه ليس عينَ تلك العبارةِ بل ما يستلزم مضمونَها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية والنصرانية وأداءٌ أن الاهتداءَ فيهما كقوله عز وجل حكايةً عنهم: {أية : كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 135] أي قل رداً عليهم إن هدى الله الذي هو الإسلامُ هو الهدى بالحق والذي يحِقُّ ويصح أن يُسمَّى هُدىً. وهو الهدى كلُّه ليس وراءه هُدىً وما تدْعون إليه ليس بهُدىً بل هو هوىً كما يعرب عنه قوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم} أي آراءَهم الزائغةَ الصادرةَ عنهم بقضية شهواتِ أنفسِهم وهي التي عُبّر عنها فيما قبلُ بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها، وأما ما شرعه الله تعالى لهم من الشريعة على لسان الأنبـياء عليهم الصلاة والسلام وهو المعنىٰ الحقيقيُّ للملة فقد غيّروها تغيـيراً {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي الوحي أو الدين المعلومِ صحتُه {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ} من جهته العزيزة {مِن وَلِىّ} يلي أمرَك عموماً {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعُ عنك عقابَه. وحيث لم يستلزم نفيُ الوليِّ نفيَ النصيرِ وُسِّط (لا) بـين المعطوفين لتأكيد النفي وهذا من باب التهيـيج والإلهابِ وإلا فأَنىٰ يُتوهم إمكانُ اتباعِه عليه السلام لمِلّتهم. وهو جوابٌ للقسم الذي وطّأه اللامُ واكتُفي به عن جواب الشرط.
القشيري
تفسير : أفردناكَ بخصائص لم نُظْهِرْها على غيرك؛ فالجمهور والكافة تحت لوائك، والمقبول من وافَقَك، والمردود من خالفَك، وليس عليك من أحوال الأغيار سؤال، ولا عنك لأحدٍ (...).
اسماعيل حقي
تفسير : {إنا أرسلناك} حال كونك ملتبسا {بالحق} مؤيدا به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها الى الحق {بشيرا} حال كونك مبشرا لمن تبعك بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب احد {ونذيرا} اى منذرا ومخوفا لمن كفر بك وعصاك والمعنى ان شأنك بعد اظهار صدقك فى دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس الا الدعوة والابلاغ بالتبشير والانذار لا ان تجبرهم على القبول والايمان فلا عليك ان أصروا على الكفر والعناد فان الاحوال اوصاف لذى الحال والاوصاف مقيدة للموصوف {ولا تسئل عن اصحاب الجحيم} ما لهم لم يؤمنوا بعد ان بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرئ ولا تسأل فتح التاء وجزم اللام على انه نهى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال ابويه على ما روى انه عليه السلام قال "حديث : ليت شعرى ما فعل ابواى ". تفسير : اى ما فعل بهما والى اى حال انتهى امرهما فنزلت. واعلم ان السلف اختلفوا فى ان ابوى النبى صلى الله عليه وسلم هل ماتا على الكفر او لا ذهب الى الثانى جماعة متمسكين بالادلة على طهارة نسبه عليه الصلاة والسلام من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنما وان كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول ابراهيم عليه السلام {أية : واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام} تفسير : [إبراهيم: 35]. وقوله تعالى فى حق ابراهيم {أية : وجعلها كلمة باقية فى عقبه} تفسير : [الزخرف: 28]. وذهب الى الاول جمع منهم صاحب التيسير حيث قال ولما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبشير المؤمنين وانذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال يا رسول الله اين والدى فقال فى النار فحزن الرجل فقال عليه السلام "حديث : ان والديك ووالدى ووالدى ابراهيم فى النار" تفسير : فنزل قوله تعالى {ولا تسئل عن أصحاب الجحيم} [البقرة: 119]. فلم يسألوه شيأ بعد ذلك وهو كقوله {أية : لا تسئلوه عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} تفسير : [المائدة: 101]. وذهب نفر من هذا الجمع بنجاتهما من النار منهم الامام القرطبى حيث قال فى التذكرة ان عائشة رضى الله عنها قالت حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انه ظفر فنزل فقال "حديث : يا حميراء استمسكى ". تفسير : اى زمام الناقة فاستندت الى جنب البعير فمكث عنى طويلا ثم انه عاد الى وهو فرح متبسم فقلت له بأبى انت وامى يا رسول الله نزلت من عندى وانت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله ثم انك عدت الى وانت فرح متبسم فعماذا يا رسول الله فقال "حديث : ذهبت لقبر آمنة امى فسألت الله ربى ان يحييها فاحياها فآمنت ". تفسير : وروى ان الله احيى له اباه وامه وعمه ابا طالب وجده عبد المطلب قال الحافظ شمس الدين الدمشقى شعر : حبا الله النبى مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا فاحيى امه وكذا اباه لايمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم به قدير وان كان الحديث به ضعيفا تفسير : وفى الاشباه والنظائر من مات على الكفر ابيح لعنه الا والدى رسول الله صلى الله عليه وسلم لثبوت ان الله تعالى احياهما له حتى آمنا كذا فى مناقب الكردرى * وذكر ان النبى عليه السلام بكى يوما بكاء شديدا عند قبر ابويه وغرس شجرة يابسة وقال "حديث : ان خضرت فهو علامة امكان ايمانهما ". تفسير : فاخضرت ثم خرجا من قبرهما ببركة دعاء النبى صلى الله عليه وسلم واسلما ثم ارتحلا. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ومما يدل على ذلك ان اسم ابيه كان عبد الله والله من الاعلام المختصة بذاته تعالى لم يسم به صنم فى الجاهلية فان اسم بعض اصنامهم اللات وبعضها العزى انتهى كلامه وليس احياهما وايمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا وقد ورد فى الكتاب احياء قتيل بنى اسرائيل واخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى وكذلك نبينا عليه السلام احيى الله على يديه جماعة من الموتى واذا ثبت هذا فما يمنع من ايمانهما بعد احيائهما زيادة فى كرامته وفضيلته وما روى من انه عليه السلام زار قبر امه فبكى وابكى من حوله فقال "حديث : استأذنت فى ان استغفر لها فلم يؤذن لى واستأذنت فى ان ازور قبرها فاذن لى فزوروا القبور فانها تذكركم الموت ". تفسير : فهو متقدم على احيائهما لانه كان فى حجة الوداع ولم يزل عليه السلام راقبا فى المقامات السنية صاعدا فى الدركات العلية صاعدا فى الدرجات العلية الى ان قبض الله روحه الطاهرة فمن الجائز ان تكون هذه درجة حصلت له عليه السلام بعد ان لم تكن. فان قلت الايمان لا يقبل عند المعاينة فكيف بعد الاعادة. قلت الايمان عند المعاينة ايمان يأس فلا يقبل بخلاف الايمان بعد الاعادة وقد دل على هذا {أية : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} تفسير : [الأنعام: 28]. وورد ان اصحاب الكهف يبعثون فىآخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الامة تشريفا لهم بذلك وورد مرفوعا "حديث : اصحاب الكهف اعوان المهدى فقد اعتد بما يفعله اصحاب الكهف بعد احيائهم من الموت ". تفسير : ولا يمنع ان يكون الله تعالى كتب لابوى النبى عمرا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم اعادهما لاستيفائه تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به وتكون تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الايمان من جملة ما اكرم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم كما ان تأخير اصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما اكرموا به ليجوزوا شرف الدخول فى هذه الامة. وذهب خاتمة الحافظ والمحدثين الامام السخاوى فى هذه المسئلة الى التوقف حيث قال فى المقاصد الحسنة بعدما اورد الشعر المذكور للحافظ الدمشقى وقد كتبت فيه جزأ والذي اراه الكف عن التعرض لهذا اثباتا ونفيا انتهى. وسئل القاضى ابو بكر ابن العربى احد الائمة المالكية عن رجل قال ان آباء النبى عليه السلام فى النار فأجاب بانه ملعون لان الله تعالى يقول {أية : ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة} تفسير : [الإحزاب: 57]. وفى الحديث "حديث : لا تؤذوا الاحياء بسبب الاموات ". تفسير : وسئل الامام الرستغفى عن قول بعض الناس ان آدم عليه السلام لما بدت منه تلك الزلة اسود منه جميع جسده فلما هبط الى الارض امر بالصيام والصلاة فصام وصلى فابيض جسده أيصح هذا القول قال لا يجوز فى الجملة القول فى الانبياء عليهم السلام بشئ يؤدى الى العيب والنقصان فيهم وقد امرنا بحفظ اللسان عنهم لان مرتبتهم ارفع وهم على الله اكرم وقد قال عليه السلام "حديث : اذا ذكرت اصحابى فأمسكوا ". تفسير : فلما امرنا ان لا نذكر الصحابة رضى الله عنهم بشئ يرجع الى العيب والنقص فلأن نمسك ونكف عن الانبياء اولى واحق فحق المسلم ان يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا عليه السلام ليست من الاعتقاديات فلا حظ للقلب منها واما اللسان فحقه ان يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصا الى وهم العامة لانهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فهذا هو البيان الشافى فى هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفيسة وقرنت كل نظير الى مثله والحمد لله تعالى وحده.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ نافع "لا تسأل". بفتح التاء وجزم اللام. على النهي، وروي ذلك عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع)، وابن عباس. ذكر ذلك الفراء، والبلخي الباقون على لفظ الخبر على ما لم يسم فاعله. المعنى: معنى قوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} تسلية للنبي (صلى الله عليه وسلم) فقيل له "إنما أنت بشير ونذير" ولست {تسأل عن أصحاب الجحيم} ومثله قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وقوله {أية : ليس عليك هداهم} تفسير : وقوله {أية : عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} تفسير : الاعراب: وموضع "تسأل" يحتمل أمرين: احدهما ـ ان يكون استئنافا ولا موضع له. والآخر ـ ان يكون حالا، فيكون موضعه نصباً. ذكر ذلك الزجاج، لانه قال: {أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} غير مسئول عن اصحاب الجحيم. ومن فتح التاء على الخبر. تقديره: غير سائل. وانكر قوم الحال. واعتلوا ان في قراءة أبي: "وما تسأل" وفي قراءة عبد الله: "ولن تسأل" وهذا غير صحيح، لان ليس قياس (لا) قياس لن وما، لانه يجوز أرسلناك لا سائلا، ولا يجوز ما سائلا. ولذلك احتمل مع لا الحال، ولن يحتمل مع ما ولن، لان للا تصرفا ليس لهما فيجوز ان يعمل ما قبلها في ما بعدها، ولا يجوز ذلك فيهما. تقول: جئت بلا خبر، ولا يجوز بما خبر. والجحيم النار بعينها اذا شبت وقودها. قال امية بن ابي الصلت: شعر : اذا شبت جهنم ثم زادت واعرض عن قوابسها الجحيم تفسير : فصار كالعلم على جهنم. وقال صاحب العين: الجحيم: النار الشديدة التأجج، والالتهاب كما اججوا نار ابراهيم. وهي تجحم جحوما يعني توقدت جمرتها وجاحم الحرب: شدة القتل في معركتها. وقال سعيد بن مالك بن ضبيعة. شعر : والحرب لا يبقى لجا حمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النـ ـجدات والفرس الوقاح تفسير : والجحمة: العين بلغة حمير قال الشاعر: شعر : أيا جحمتا بكي على أم مالك اكيلة قلوب بأعلى المذانب تفسير : وجحمتا الاسد: عيناه. وتقول: جحمت النار جحماً: اذا اضطرمت. وجمر جاحم: اذا اشتد اشتعاله. ومنه اشتقاق الجحيم. واصل الباب الالتهاب. ومنه الاجحم: الشديد حمرة العين شبه بالنهار في حمرتها. الحرب تشبه بالتهاب النار. المعنى: وفي الآية دلالة على انه لا يؤخذ احد بذنب غيره قريبا كان منه أو بعيداً. كما بين الله انه لا يطالب احد بذلك غيره. وان كان قد فرض على النبي "صلى الله عليه وسلم" ان يدعو الى الحق، ويزجر عن الباطل. وليس عليه ان يقبل المدعو. ومن قرأ بلفظ النهي. قال الزجاج: يحتمل أمرين: أحدهما ـ ان يكون امره بترك المسألة. والآخر ـ ما قاله الاخفش: ان يكون المعنى علي تفخيم ما أعد لهم من العقاب. كما يقال لا تسال عن فلان أي قد صار الى امر عظيم. وقال قوم: لو كان على النهي: لقال فلا "بالفاء"، لانه يصير بمنزلة الجواب كأنه يدل على لانا ارسلناك إلا بالحق ولا تسأل عن اصحاب الجحيم. ولا يحتاج بالرفع إلى الفاء، واذا كان على الرفع فظاهر الكلام الاول يقتضيه اقتضاء الاحوال، أو اقتضاء البيان الذي يجري مجرى الحجاج على من اعترض بان فعل الداعي إلى الايمان لا يحل موقعه الا بان يقبل المدعو اليه. واما ايصاله ما تقدم على الجزم، فانما هو على معنى التغليظ لشان الجحيم، ليزحر بذلك عن ترك اتباعه (صلى الله عليه وسلم) والتصديق بما اتى به من البشارة. قال أبو علي الفارسي إنما تلزم الفاء اذا كان الكلام الاول علة فيما بعد ذلك، كقولك اعطيك فرسا فلا تسأل شيئاً اخراً والآية بخلاف ذلك. وفي الناس من قال: القراءة بالجزم مردودة، لانه لم يتوجه له اتصال الكلام، ولا كيف جاء بالواو دون الفاء. وقد بينا الاتصال. فاما المجيء بالواو فلأنه لم يرد الدلالة على معنى الجواب، ولكن عطف جملة على جملة تتعلق بها وتقتضي على ما انطوى عليه معناها. ومعنى الحق في قوله: {إنا أرسلناك بالحق} الاسلام، بشيرا من اتبعك عليه بالثوب نذيرا من خالفك فيه بالعقاب. وقيل: {إنا أرسلناك بالحق} يعني على الحق. كما قال: {أية : خلق الله السماوات والأرض بالحق } تفسير : كأنه قال: على انهما حق لا باطل.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} استئناف بيانىّ ايضاً كأنّه قال (ص): فما أصنع مع هؤلاء وليس من شأنهم الايقان وقد أمرتنى بدعوتهم؟ - فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} برسالة حقّة او متلبّساً بالحقّ او مسبّباً رسالتك عن الحقّ {بَشِيراً وَنَذِيراً} يعنى شأنك التّبشير والانذار قبلوا او ردّوا أيقنوا او شكّوا، وليس من شكّهم وردّهم وبالٌ وعقوبة عليك {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} قرء بالنّفى مبنيّاً للمفعول وبالنّهى مبنيّاً للفاعل وعلى قراءة النّهى فالمقصود تهويل عذابهم ونارهم لا ما قاله بعض العامّة انّه نهى للرّسول (ص) عن السّؤال عن حال أبويه العياذ بالله و{ٱلْجَحِيمِ} النّار الشّديدة التّأجّج وكلّ نارٍ بعضها فوق بعض وكلّ نارٍ عظيمة فى مهواتها، والمكان الشّديد الحرّ وجحم من باب منع بمعنى اوقد، ومن باب كرم وفرح بمعنى اضطرم.
اطفيش
تفسير : {إنَّا أرسَلْنَاكَ}: يا محمد. {بالحقِّ}: الباء بمعنى مع متعلقة بأرسلناك، أو بمحذوف حال، أى ثابتا مع الحق، أو للإلصاق المجازى، أى ملتبسا بالحق أو للإله أى مؤيداً بالحق، والمراد بالحق، والله أعلم، ما ختاره الله وجعله ديناً لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، على العموم مما كان وحياً أو غير وحى، وفسره ابن عباس بالقرآن، وبعض بالإسلام، وبعض بالصدق، وبعض بالحكمة خلاف العبث والجور، وبعض بالهدى وما صدق ذلك كله واحد. {بشيراً}: بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً. {ونذيراً}: بعذاب النار لأهل المعاصى، فإنما عليك التبشير والإنذار لا التوفيق، فلا حرج عليك إن أصروا على المعصية، وهذه تسلية له، صلى الله عليه وسلم، إذ كان يغتم ويضيق صدره بإصرارهم. {ولا تَسْأَلُ عنْ أصْحاب الجَحِيم}: بفتح التاء وإسكان اللام عند نافع ويعقوب، وهذا الكلام عندى مجاز مرسل مركب، لأنه وضع للنهى عن السؤال عن أصحاب الجحيم، واستعمل فى تعظيم عقوبة الكفار حتى كأنها لشدتها وشناعتها وكثرتها لا يقدر أحد أن يخبر عنها، ولا أنت يا محمد، ولا يقدر أحد، ولا أنت، عن سماع الإخبار بها، وهذا كما تسأل الإنسان عن حال بلدة فيقول: أما الحبوب فرخيصة، وأما الماء فلا تسأل عنه، يعنى أنه كثير جدا. ويحتمل معنى آخر وهو النهى عن السؤال عن أحوال الكفار مما هم فيه من الكفر، أو مما يصيبهم سؤال مكثرة. قال ابن هشام اللخمى: إنه أظهر وهو نظير قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَذْهَب نَفْسكَ عَليهِم حَسَرات} تفسير : وكان صلى الله عليه وسلم، يتشوف إلى أحوال الكفار، ويرغب جدا فى أن يتركوها ويؤمنوا، حتى قال الله عز وجل له: {أية : فَلَعَلَّكَ باخعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهم إِنْ لم يُؤمنوا بهذا الحديثِ أسَفا}. تفسير : والمراد جملة الكفار، وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما، حديث : أن النبى، صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم: "ليست شعرى ما فعل أبواى".تفسير : فنزلت الآية. وكذا روى عن محمد بن كعب القرضى، قال ابن هشام، وابن جرير: هذا بعيد ولا يتصل بالآية قبلهُ. وكذا حديث : روى أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن قبرى أبويه فدله عليهما، فذهب إليهما فدعا لهما، وتمنى أن يعرف حالهما فى الآخرة فنزلت الآية. تفسير : قال الشيخ زكريا الملقب بشيح الإسلام وهو من الشافعية: هذا الخبر ضعيف والمختار أنها إنما نزلت فى كفار أهل الكتاب. انتهى. وحفظت خيراً أنهُ لما فتح مكة جاء قبراً فجلس كهيئة من يتكلم، فرجع يبكى فقال: "حديث : سألت ربى فى زيارة أمى فأذن لى، وسألته فى الدعاء لها فلم يأذن لى". تفسير : وهذا أصح كيف يدعو لهما وهما قد ماتا على شرك؟ على المشهور فى أمه، وقد نزل قبل ذلك آية المنع من الاستغفار للمشركين، قال المدابغى: روى من حديث عائشة، رضى الله عنها، أحيا أبويه ـ صلى الله عليه وسلم ـ معاً حتى آمنا به، ونفع الإيمان بعد الموت من خصائصه صلى الله عليه وسلم، والحديث بإحيائهما وإن كان ضعيفاً فالقدرة صالحة لذلك، والحديث الضعيف يعمل به فى المناقب، كما يعمل به فى الفضائل، وفائدة إحيائهما، مع أنهما ناجيان لكونهما من أهل الفترة زيادة إظهار مسرته، وما أحسن قول الحافظ الشمس بن ناصر الدين الدمشقى فى ذلك: شعر : حبى الله النبى مزيد فضل على فضل وكان به رءوفا فأحيا أمه وكذا أباه لإيمان به فضلا منيفا فلم فالإلهُ بذا قدير وإن كان الحديث به ضعيفا تفسير : انتهى كلام المدابغى، وهو شافعى، وما ذكره من نجاة أهل الفترة غير صحيح عندنا، فإن الفترى لا يعذر فى الشرك ويعذر فيما لم يصله من الشريعة، ويدل لذلك مامر من الحديث فى نزول الآية فى سؤاله عن حال أبويه، وقد صح حديث : أن رجلا قال: يا رسول الله أين موضع أبويك فى النار؟ فقال: "إنهُ قريب من موضعك فيها" تفسير : إلا أن يدعى أن هذا قبل إحيائهما وإيمانهما إن صح إحياؤهما. وقرأ غير نافع ويعقوب: (ولا تسأل) بضم التاء واللام، وهو نفى معطوف على الحال قبله، أى إنا أرسلناك بشيراً ونذيراً وغير مسئول عن أصحاب الجحيم، فإنهم المسئولون عن أعمالهم لا أنت، وقرأ عبدالله بن مسعود: ولن تُسأل بالبناء للمفعول والنصب وقراءة أبىِّ: وما تُسأل بالرفع والبناء للمفعول، وهما قراءتان متناسبتان لقراءة الجمهور، مقويتان لها، وقرئ (ولا تُسأل) بالرفع والبناء للفاعل وهو نفى بمعنى النهى فتناسب قراءة نافع ويعقوب وتقويها، أو نفى لفظا ومعنى عطفاً على الحال، وعلى قراءة الجزم ولن، وتأويل النفى بلا بالنهى تكون الجملة مستأنفة، وعلى باقى القراءات معطوفة، وكذا على غير تأويل النفى بالنهى، والجحيم النار مطلقا، وتطلق على إحدى طبقات النار، وتطلق على المتأجج من النار، وهو هنا أولى، وقيل سميت جحيما لشدة جحمها، والجحم شدة الحرة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَٰكَ} يا محمد {بَالْحَقِّ} مع الحق، أو مؤيدا به، وهو دين الإسلام، أو لأجل إقامته {بَشِيراً} لمن اتبعه بالجنة {وَنَذِيراً} لمن خالفه بالنار، ولم نرسلك لتجبر عليه، إن أنت إلا بشير ونذير، لست عليهم بمسيرط {وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَٰبِ الْجَحِيمِ} النار الملتهبة وأصحابها اليهود والنصارى، ومشركو العرب وسائر المشركين، لا تسأل عنهم، فإن عقابهم لا يسعه إخبارك به، ولا يحتمله فهمك، فلا فائدة فى السؤال عنه، والله قادر على الإخبار به ولكن لا يمكنك الاطلاع عليه فى الدنيا فتسلَّ بشناعته عن ضرهم لك، أو لا نسأل عنهم سؤال تحسر، لِمَ لم يؤمنوا مع وضوح الدلائل. وعن ابن عباس، حديث : أنه صلى الله عليه وسلم سأل الله عن أبويهتفسير : ، فنزلت نهيا عن السؤال عن الكفرة عموما، وإنما سأل عن خفة عذابهما وشدته، أو عن حال أهل الفترة، فأخبره بأنهم غير معذورين، وذلك قبل أن يحييهما الله ويؤمنا به، على ما روى ضعيفا. وروى حديث : أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما، فذهب إليهما، فدعا لهما، وتمنى أن يعرف حالهما، وقال: ليت شعري، ما حالهما في الآخرة، فنزلت الآية . تفسير : والصحيح أن الآية فى أهل الكتاب، أو فيهم، وفى سائر المشركين، لا فيهما، ولا بأس على من وقف فيها لشبهة ما ذكروا من الأحاديث فى إيمانهما، إذ كانت ضعيفة، لا للحمية، والضعف فى الولاية والبراءة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ} أي متلبساً مؤيداً به فالظرف مستقر، وقيل: لغو متعلق بأرسلنا أو بما بعده، وفسر الحق بالقرآن أو بالإسلام وبقاؤه على عمومه أولى {بَشِيراً وَنَذِيراً} حالان من الكاف، وقيل: من الحق والآية اعتراض لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان يهتم ويضيق صدره لإصرارهم على الكفر والمراد: إنا أرسلناك لأن تبشر من أطاع وتنذر من عصى لا لتجبر على الإيمان فما عليك إن أصروا أو كابروا. والتأكيد لإقامة غير المنكر مقام المنكر بما لاح عليه من أمارة الإنكار والقصر إفرادي. {وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} تذييل معطوف على ما قبله، أو اعتراض أو حال أي أرسلناك غير ـ مسؤول عن أصحاب الجحيم ـ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت ما أرسلت به وألزمت الحجة عليهم؟!، / وقرأ أبـيّ و (ما) بدل و {لا} وابن مسعود (ولن) بدل (ذلك) وقرأ نافع، ويعقوب ـ لا تسأل ـ على صيغة النهي إيذاناً بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلاً لها كما تقول كيف حال فلان وقد وقع في مكروه فيقال لك لا تسأل عنه أي أنه لغاية فظاعة ما حل به لا يقدر المخبر على إجرائه على لسانه أو لا يستطيع السامع أن يسمعه، والجملة على هذا اعتراض أو عطف على مقدر أي فبلغ، والنهي مجازي، ومن الناس من جعله حقيقة، والمقصود منه بالذات نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روي ـ أنه عليه الصلاة والسلام سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فذهب فدعا لهما وتمنى أن يعرف حالهما في الآخرة وقال: ليت شعري ما فعل أبواي؟ فنزلت ـ ولا يخفى بعد هذه الرواية لأنه صلى الله عليه وسلم ـ كما في «المنتخب» ـ عالم بما آل إليه أمرهما، وذكر الشيخ ولي الدين العراقي أنه لم يقف عليها، وقال الإمام السيوطي: لم يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد فلا يعول عليه، والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والتالية لها لا في أبويه صلى الله عليه وسلم، ولتعارض الأحاديث في هذا الباب وضعفها، قال السخاوي: الذي ندين الله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما. والذي أدين الله تعالى به أنا أنهما ماتا موحدين في زمن الكفر، وعليه يحمل كلام الإمام ـ أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إن صح بل أكاد أقول: إنهما أفضل من عَلِيّ القاري وأضرابه. و ـ الجحيم ـ النار بعينه إذا شب وقودها ويقال: جحمت النار تجحم جحماً إذا اضطربت.
ابن عاشور
تفسير : جملة معترضة بين حكايات أحوال المشركين وأهل الكتاب، القصد منها تأنيس الرسول عليه الصلاة والسلام من أسفه على ما لقيه من أهل الكتاب مما يماثل ما لقيه من المشركين وقد كان يود أن يؤمن به أهل الكتاب فيتأيد بهم الإسلام على المشركين فإذا هو يلقى منهم ما لقي من المشركين أو أشد وقد قال «حديث : لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم» تفسير : فكان لتذكير الله إياه بأنه أرسله تهدئة لخاطره الشريف وعذر له إذ أبلغ الرسالة وتطمين لنفسه بأنه غير مسؤول عن قوم رضوا لأنفسهم بالجحيم. وفيه تمهيد للتأييس من إيمان اليهود والنصارى. وجيء بالتأكيد وإن كان النبي لا يتردد في ذلك لمزيد الاهتمام بهذا الخبر وبيان أنه ينوه به لما تضمنه من تنويه شأن الرسول. وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بعز الحضور لمقام التكلم مع الخالق تعالى وتقدس كأن الله يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة فلذا لم يقل له إن الله أرسلك. وقوله: {بالحق} متعلق بأرسلناك. والحق هو الهدى والإسلام والقرآن وغير ذلك من وجوه الحق المعجزات وهي كلها ملابسة للنبي صلى الله عليه وسلم في رسالته بعضها بملابسة التبليغ وبعضها بملابسة التأييد. فالمعنى إنك رسول الله وإن القرآن حق منزل من الله. وقوله: {بشيراً ونذيراً} حالان وهما بزنة فعيل بمعنى فاعل مأخوذان من بشر المضاعف وأنذر المزيد فمجيئهما من الرباعي على خلاف القياس كالقول في {أية : بديع السماوات والأرض}تفسير : [البقرة: 117] المتقدم آنفاً، وقيل: البشير مشتق من بشر المخفف الشين من باب نصر ولا داعي إليه. وقوله: {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} الواو للعطف وهو إما على جملة {إنا أرسلناك} أو على الحال في قوله: {بشيراً ونذيراً} ويجوز كون الواو للحال. قرأ نافع ويعقوب بفتح الفوقية وسكون اللام على أنَّ (لا) حرف نهي جازم للمضارع وهو عطف إنشاء على خبر والسؤال هنا مستعمل في الاهتمام والتطلع إلى معرفة الحال مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم لأن المعني بالشيء المتطلع لمعرفة أحواله يكثر من السؤال عنه، أو هو كناية عن فظاعة أحوال المشركين والكافرين حتى إن المتفكر في مصير حالهم ينهى عن الاشتغال بذلك لأنها أحوال لا يحيط بها الوصف ولا يبلغ إلى كنهها العقل في فظاعتها وشناعتها، وذلك أن النهي عن السؤال يرد لمعنى تعظيم أمر المسؤول عنه نحو قول عائشة: «يصلي أربعاً فلا تَسْأَلْ عن حسنهن وطولهن» ولهذا شاع عند أهل العلم إلقاء المسائل الصعبة بطريقة السؤال نحو (فإن قلت) للاهتمام. وقرأه جمهور العشرة بضم الفوقية ورفع اللام على أن (لا) نافية أي لا يسألك الله عن أصحاب الجحيم وهو تقرير لمضمون {إنا أرسلناك بالحق} والسؤال كناية عن المؤاخذة واللوم مثل قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : وكلكم مسؤول عن رعيته» تفسير : أي لست مؤاخذاً ببقاء الكافرين على كفرهم بعد أن بلغت لهم الدعوة. وما قيل إن الآية نزلت في نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه في الآخرة فهو استناد لرواية واهية ولوصحت لكان حمل الآية على ذلك مجافياً للبلاغة إذ قد علمت أن قوله: {إنا أرسلناك} تأنيس وتسكين فالإتيان معه بما يذكِّر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد الوضع.
د. أسعد حومد
تفسير : (119) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبيِّه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالشَّيءِ الثَّابِتِ الحَقِّ لِتُبَشِّرَ بِهِ مَنْ أَطَاعَ، وَتُنْذِرَ بِهِ مَنْ عَصَى وَاسْتَكْبَرَ، لاَ لِتُجْبِرَ النَّاسَ عَلَى الإِيمَانِ، فَلاَ عَلَيكَ إِذَا أَصَرُّوا عَلَى الكُفْرِ وَالعِنَادِ، فَلاَ يَضُرَّنَّكَ تَكْذِيبُ المُكَذِّبِينَ، فَأَنْتَ لَمْ تُبْعَثْ مُلْزِماً وُمُجْبِراً، فَتَكُونَ مُقَصِّراً إذَا لَمْ يُؤْمِنُوا لَكَ. الحَقُّ - الشَّيءُ الثَّابِتُ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا لابد أن نلتفت إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يخبرنا عن قضية من فعله. يأتي دائما بنون العظمة التي نسميها نون المتكلم .. ونلاحظ أن نون العظمة يستخدمها رؤساء الدول والملوك ويقولون نحن فلان أمرنا بما هو آت .. فكأن العظمة في الإنسان سخرت المواهب المختلفة لتنفيذ القرار الذي يصدره رئيس الدولة .. فيشترك في تنفيذه الشرطة والقضاء والدولة والقوات المسلحة إذا كان قرار حرب .. تشترك مواهب متعددة من جماعات مختلفة تتكاتف لتنفيذ القرار .. والله تبارك وتعالى عنده الكمال المطلق .. كل ما هو لازم للتنفيذ من صفات الله سبحانه وتعالى .. فإذا تحدث الله جل جلاله عن فعل يحتاج إلى كمال المواهب من الله تبارك وتعالى يقول "إنا": {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. ولكن حين يتكلم الله عن ألوهيته وحده وعن عبادته وحده يستخدم ضمير المفرد .. مثل قوله سبحانه: {أية : إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} تفسير : [طه: 14]. ولا يقول فاعبدنا .. إذن ففي كل فعل يأتي الله سبحانه بنون العظمة .. وفي كل أمر يتعلق بالعبادة والتوحيد يأتي بالمفرد .. وذلك حتى نفهم أن الفعل من الله ليس وليد قدرته وحدها .. ولا علمه وحده ولا حكمته وحدها ولا رحمته وحدها .. وإنما كل فعل من أفعال الله تكاملت فيه صفات الكمال المطلق لله. إن نون العظمة تأتي لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز للعقل تكامل الصفات في الله .. لأنك قد تقدر ولا تعلم .. وقد تعلم ولا تقدر، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة .. إذن فتكامل الصفات مطلوب. قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} [البقرة: 119] يعني بعثناك بالحق رسولاً .. والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض .. فإذا رأيت حدثاً أمامك ثم طلب منك أن تحكي ما رأيت رويت ما حدث .. فإذا طلب منك بعد فترة أن ترويه مرة أخرى فإنك ترويه بنفس التفاصيل .. أما إذا كنت تكذب فستتناقض في أقوالك .. ولذلك قيل إن كنت كذوباً فكن ذكوراً. إن الحق لا يتناقض ولا يتغير .. وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل بالحق .. فإنَّ عليه لأن يبلغه للناس وسيبقى الحق حقا إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: {بَشِيراً وَنَذِيراً} [البقرة: 119] .. البشارة هي إخبار بشيء يسرك زمنه قادم .. والإنذار هو الإخبار بشيء يسوؤك زمنه قادم ربما استطعت أن تتلافاه .. بشير بماذا؟ ونذير بماذا؟ يبشر من آمن بنعيم الجنة وينذر الكافر بعذاب النار .. والبشرى والإنذار يقتضيان منهجاً يبلغ .. من آمن به كان بشارة له. ومن لا يؤمن كان إنذاراً له. ثم يقول الحق جل جلاله: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} [البقرة: 119] .. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مسئولاً عن الذين سيلقون بأنفسهم في النار والعذاب. إنه ليس مسئولاً عن هداهم وإنما عليه البلاغ .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. ويقول جل جلاله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. فالله سبحانه وتعالى لو أرادنا أن نؤمن قسراً وقهراً .. ما استطاع واحد من الخلق أن يكفر .. ولكنه تبارك وتعالى يريد أن نأتيه بقلوب تحبه وليس بقلوب مقهورة على الإيمان .. إن الله سبحانه وتعالى خلق الناس مختارين أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا .. وليس لرسول أن يرغم الناس على الإيمان بالقهر .. لأن الله لو أراد لقهر كل خلقه. أما أصحاب الجحيم فهم أهل النار. والجحيم مأخوذة من الجموح .. وجمحت النار يعني اضطربت، وعندما ترى النار متأججة يقال جمحت النار .. أي أصبح لهيبها مضاعفا بحيث يلتهم كل ما يصل إليها فلا تخمد أبداً. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن رسوله لله .. أنه لا يجب أن ينشغل قلبه بالذين كفروا لأنه قد أنذرهم .. وهذا ما عليه، وهذه مهمته التي كلفه الله بها.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن كمال عنايته فيه وحال مخالفيه بقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} [البقرة: 119]، والإشارة فيها: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ} شواهد دليله قوله أن الله هو الحق يعني: أرسلناك بنا مبشراً للمؤمنين وهذا الاختصاص خصصتك به من بين سائر الأنبياء؛ لأنهم كانوا مبشرين بالجنة ومنذرين بالنار، وأنت مبشر بالله ومنذر بالله دليل هذا القول قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ شَٰهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب: 45-46]، الحقيقية بشر من أجابك ومن اتبعك بالوصول إلى الله، وأنك سراج تبين طريق الوصول إلى الله، وأنذر من لم يجيبك بالأنقطاع عن الله {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} [البقرة: 119]، الذين زلت أقدامهم عن الصراط المستقيم. ثم أخبر تعالى عن جهالة أهل الضلالة بقوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، والإشارة فيها أن الله تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم غاية جهالتهم وغلوهم في ضلالتهم أنهم يرجون رجوعه إلى ملتهم والصلاة إلى قبلتهم، وأشار إليه أن لا تبالي برضائهم إذا حصل لك رضانا، فأظهر عداوتهم وأعلى التبرؤ عنهم ولا تمهلهم {قُلْ إِنَّ} [البقرة: 120]، طريق {ٱلْهُدَىٰ} [البقرة: 120]، الذي هداني {هُدَى ٱللَّهِ} [البقرة: 120]، وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} [البقرة: 120]، حرصاً على أن يتبعوك ويقبلوا دينك ويؤمنوا بك {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}تفسير : [يوسف: 103] {بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} [البقرة: 120]، بأنك لا تهدي من أحببت {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [البقرة: 120]، في هدايتهم {وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120]، على استتباعهم فكن بنا لنا متبرئاً عما سوانا، وقبلها إشارة أخرى أنه لن ترضى عن روح السالك يهود نفسه ولا نصارى هواه حتى تتبع ملتهم، يوافقهم في طلب الشهوات النفسانية وتتبع لذات الجسمانية، وتخلع عن الصفات الروحانية، قل إن هدى الله الذي دعاني إليه من التخلق بأخلاقه والتنور بأنواره هو الهدى، لا الذي تدعونني إليه من الصفات البهيمية والحيوانية والأخلاق الشيطانية، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من الإلهامات الربانية وواردات الألطاف الإلهية والمكاشفات الروحانية ما لك من الله من ولي في الخلاص عن الدركات السفلية، ولا نصير على نيل الدرجات العلية، وإياك أن تلحظ هذه الكرامات الواردات من تلك الحضرة بعين التقصير وبميل هواجس النفس إلى طرف تقصير فتعمى حينئذٍ عمى لا يصلح عنك بعده قادح ولا يفتح بابه عليك فاتح، فإن الأنفاس الرحمانية والنفحات الربانية لا تهب عن كل أرضي وسمائي ولا تمر على كل ماء وهواء إلا من قبل بمن الإيمان ولا تمر إلا على أرواح هي أدعية القرآن لا يدري ما مصحوبها إليك ومنشورها إلا عليك هي حوامل آلاء ونعماء ووفاء وورد وصفاء معها تُحفَ الربوبية وطرف الخصوصية ومحو العبودية واستيلاء الألوهية. ثم أخبر عن أهل الإيمان الحقيقي بقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} [البقرة: 121]، والإشارة آتينا هاهنا بمعنى أعطينا أي: الذي أعطيانهم الكتاب دراية وفهماً وقبولاً {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121]، يدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [البقرة: 87]، وقوله تعالى: {أية : وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ}تفسير : [البقرة: 253]، وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي}تفسير : [الحجر: 87]، كلها بمعنى الإعطاء فالفرق بينهما بمعناه وغير معناه أن الذي بمعنى الإعطاء إضافة إلى نفسه فقال {وَآتَيْنَا} وبمعنى غيره ذكره بصيغة ما لم يسم فاعله فقال تعالى: {أية : أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [آل عمران: 19]، كقوله تعالى: {أية : وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [آل عمران: 19]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [البينة: 4]، وأمثاله أي: يتدبرون ويتفكرون في معانيه وأسراره وحقائقه ولطائفه وظاهره فإن القرآن ظهراً وبطناً يدل على هذا قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [البقرة: 121]، {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [النساء: 82]، {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121]، الإيمان الحقيقي ما يكون من إعطاء الله حقائق كتابه لقلوب عباده ليتلوه حق تلاوته ويؤمن به والدليل على هذا قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22]، {وَمن يَكْفُرْ} [البقرة: 121]، أي: ومن ينكر هذا المعنى ويجحد {بِهِ} [البقرة: 121]، ولا يعرف قدر معاني القرآن وحقائقها ويقنع بما ظهر عنده من لغة العرب والأحكام الظاهرة والقصص فقد مر حقائق ما أشار إليه الله عز وجل بقوله: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي}تفسير : [الكهف: 109]، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} [البقرة: 121]. ثم أخبر تعالى عما أنعم به على اليهود وما عرفوا بقوله تعالى: {أية : يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 40]، الآيتين الإشارة فيهما أن يتذكر النعمة المضافة إلى نفسه التي من خصائصها أن ينعم الله بها على عباده بما يفضلهم على العالمين {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً}تفسير : [البقرة: 48]، فهاهنا الاتقاء من عذاب يوم {أية : لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً}تفسير : [البقرة: 48]، من العذاب من نفس مثله {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ}تفسير : [البقرة: 48] أي: فداء من نفس دون نفس ولا ينفعها شفاعة؛ لأنها لم تكن أهلاً للشفاعة {أية : وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}تفسير : [البقرة: 48]، يدفع العذاب عنهم أبداً؛ لأنهم أبطلوا استعداد قبول فيض النصرة عن أنفسهم باتباع الهوى وترك التقوى. ثم أخبر تعالى عن أهل التقوى وتارك الهوى بقوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]، والإشارة فيها أن الولاء مظنة البلاء، فإن إبريز الولاء لا يبرز من معدن الإنسان الذي هو محل الابتلاء إلا بالتهاب نار الهوى، كما قيل البلاء للولاء كاللهب للذهب، فأصدقهم ولا أشدهم بلاء، فلما ابتلي الخليل عليه السلام بكلمات هي أحكام النبوة ولوازم الرسالة وموجبات الخلقة فوفى {فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124]. أما أحكام النبوة: فما ابتلاه الله تعالى بالخصال العشرة في جسده كما ذكره في تفسير الآية، وأما لوازم الرسالة فمنها الصبر عن صدمات المكروهات وفقدان المألوفات، كما قال تعالى: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ}تفسير : [الأحقاف: 35]، فصبر على كل مكروه وحادثة في ماله وولده ونفسه، وعن كل مألوف فقده في المال بالبذل وفي الولد بالذبح وفي النفس بالفداء. وأما موجبات الخلة: فمنها التبرؤ عما سوى الخليل، ورفع الوسائط فيما بينه وبين الخليل، والتسليم والرضا تحت تصرفات الخليل فيما أراده له الخليل. أما التبرؤ فقوله: {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 78]، وأما العداوة فإنه قال: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]. وأما رفع الوسائط فقوله حين عرضه جبريل عليه السلام في الهوا وهم يعذبونه في لجة الهلاك، وما الرضا ففي ذبح الولد قد أظهر الرضا، بما أمره وما راجع الحق تعالى في ولده كما راجعه نوح عليه السلام في ولده {أية : إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي}تفسير : [هود: 45]، فأخبره تعالى كمال رضاه بقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}تفسير : [الصافات: 103] فلما خرج عن عهده إتمام كلمات الابتلاء فزيد له في الاصطفاء والاجتباء وأكرم بكرامة الأنبياء والاقتداء بقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124]، وقد قيل: وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ} [البقرة: 124]، معنيان: أحدهما: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} [البقرة: 124]، تهدي الناس إلى طريق خلتي بأقوالك وأفعالك وأخلاقك على طريق هدايتك إليها بعد أن أسلموا الأحكام منا كما أسلمت وصبروا على بلائنا كما صبرت وأيقنوا بآياتنا كما أيقنت يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ}تفسير : [السجدة: 24]. والثاني: جاعلك إماماً لمن يدعي محبتي ويريد خلتي أبداً ليقتدى بك فيما ابتليتك من موجبات الخلة ذكره بأداء حقوقها والخروج عن عهدة شرائطها كما أجرى منك والذي يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31]. ثم التمس الخليل عليه السلام من الله تعالى إمامة لأوليائه {قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [البقرة: 124]، فأخبر تعالى أنها ليست باستحقاق فما نسب أو باستحقاق سبب، وإنما هي باستعداد أزلي وقسم سرمدي {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] أي: غير المستعدين لقبول هذه الكرامة الله أعلم حيث يجعل رسالته من ذريتك، وغرهم إذا ليس هذا كنعيم الدنيا وسعة الأرزاق فيها فإنه لا ادخار لها عن أحد وإن كان كافراً كما كان في أهل ملكه لما دعوت، فقلت: {أية : وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [البقرة: 126]، قال: ومن كفر فليس بالدنيا من الخطر ما يمنعها من الكفار ولكن عهدي لا ينال إلا الخواص من عبادي وأخص.
همام الصنعاني
تفسير : 126- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كَعْبٍ القرظي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أبواي، لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبواي، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ"تفسير : فَنَزَلَتْ {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ}: [الآية: 119]. قال: فَمَا ذَكَرَها حتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):