Verse. 127 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَنْ تَرْضٰى عَنْكَ الْيَہُوْدُ وَلَا النَّصٰرٰى حَتّٰى تَتَّبِعَ مِلَّتَھُمْ۝۰ۭ قُلْ اِنَّ ھُدَى اللہِ ھُوَالْہُدٰى۝۰ۭ وَلَىِٕنِ اتَّبَعْتَ اَھْوَاۗءَھُمْ بَعْدَ الَّذِيْ جَاۗءَكَ مِنَ الْعِلْمِ۝۰ۙ مَا لَكَ مِنَ اللہِ مِنْ وَّلِيٍّ وَّلَا نَصِيْرٍ۝۱۲ ۰ؔ
Walan tarda AAanka alyahoodu wala alnnasara hatta tattabiAAa millatahum qul inna huda Allahi huwa alhuda walaini ittabaAAta ahwaahum baAAda allathee jaaka mina alAAilmi ma laka mina Allahi min waliyyin wala naseerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملَّتهم» دينهم «قل إن هدى الله» أي الإسلام «هو الهدى» وما عداه ضلال «ولئن» لام قسم «اتبعت أهواءهم» التي يدعونك إليها فرضاً «بعد الذي جاءك من العلم» الوحي من الله «مالك من الله من ولي» يحفظك «ولا نصير» يمنعك منه.

120

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم وثباتهم على كفرهم أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم ولا يرضون منه بالكتاب، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول وشرح ما يوجب اليأس من موافقتهم والملة هي الدين ثم قال: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } بمعنى أن هدى الله هو الذي يهدي إلى الإسلام وهو الهدي الحق والذي يصلح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُمْ } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع، {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي من الدين المعلوم صحته بالدلائل القاطعة. {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } أي معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله قالوا: الآية تدل على أمور منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله، فإن في هذه الصورة علم الله أنه لا يتبع أهواءهم ومع ذلك فقد توعده عليه ونظيره قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] وإنما حسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هذا الوعيد أحد صوارفه. وثانيها: أن قوله: {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } يدل على أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة وإذا صح ذلك فبأن لا يجوز الوعيد إلا بعد القدرة أولى فبطل به قول من يجوز تكليف ما لا يطاق. وثالثها: فيها دلالة على أن اتباع الهوى لا يكون إلا باطلاً، فمن هذا الوجه يدل على بطلان التقليد. ورابعها: فيها دلالة على أنه لا شفيع لمستحق العقاب لأن غير الرسول إذا اتبع هواه لو كان يجد شفيعاً ونصيراً لكان الرسول أحق بذلك وهذا ضعيف، لأن اتباع أهوائهم كفر، وعندنا لا شفاعة في الكفر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} المعنى: ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام وٱتبّاعهم. يقال: رضِيَ يَرْضَى رِضاً ورُضاً ورِضْواناً ورُضْوانَا ومَرْضاة؛ وهو من ذوات الواو؛ ويقال في التثنية: رِضَوَانِ، وحكى الكسائي: رِضَيَانِ. وحُكي رضاء ممدود، وكأنه مصدر راضي يراضي مُرَاضاة ورِضاءً. و «تَتَّبِعَ» منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى؛ قاله الخليل. وذلك أن حتى خافضة للاسم؛ كقوله: {أية : حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [القدر: 5] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألْبَتّةَ، وما يخفض ٱسماً لا ينصب شيئاً. وقال النحاس: «تَتَّبِعَ» منصوب بحتى، و «حتى» بدل من أن. والمِلة: ٱسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله. فكانت المِلّة والشريعة سواء؛ فأمّا الدِّين فقد فرّق بينه وبين المِلّة والشريعة؛ فإن المِلّة والشريعة ما دعا اللَّهُ عبادَه إلى فعله، والدِّين ما فعله العباد عن أمره. الثانية: تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة؛ لقوله تعالى: {مِلَّتَهُمْ} فوحّد المِلّة، وبقوله تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6]، وبقوله عليه السلام: «حديث : لا يتوارث أهل مِلَّتين»تفسير : على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل قوله عليه السلام: «حديث : لا يرث المسلم الكافر»تفسير : . وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر مِللٌ، فلا يرث اليهوديّ النصرانيّ، ولا يرثان المجوسيّ؛ أخذا بظاهر قوله عليه السلام: «حديث : لا يتوارث أهل مِلّتين»تفسير : ؛ وأما قوله تعالى: «مِلّتهم» فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة؛ كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة ـ مثلاً ـ عِلْمَهم، وسمعت عليهم حديثهم؛ يعني علومهم وأحاديثهم. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهُدَى الحقيقي، لا ما يدّعيه هؤلاء. قوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} الأهواء جمع هَوًى؛ كما تقول: جمل وأجمال، ولمّا كانت مختلفة جمعت؛ ولو حُمل على أفراد المِلّة لقال هواهم. وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرسول، لتوجّه الخطاب إليه. والثاني: أنه للرسول والمراد به أمّته؛ وعلى الأوّل يكون فيه تأديب لأمّته، إذ منزلتهم دون منزلته. وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهُدنة، ويَعِدُون النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإسلام؛ فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع مِلّتهم، وأمره بجهادهم. قوله تعالى: {مِنَ ٱلْعِلْمِ} سُئل أحمد ابن حنبل عمن يقول: القرآن مخلوق؛ فقال: كافر؛ فقيل: بِمَ كفَّرته؟ فقال: بآيات من كتاب الله تعالى: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [البقرة: 145] والقرآن من علم الله. فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.

البيضاوي

تفسير : {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } مبالغة في إقناط الرسول صلى الله عليه وسلم من إسلامهم، فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، فكيف يتبعون ملته. ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله عنهم ولذلك قال: {قُلْ } تعليماً للجواب. {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ } أي هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى إلى الحق، لا ما تدعون إليه. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } آراءهم الزائفة. والملة ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، من أمللت الكتاب إذا أمليته، والهوى: رأي يتبع الشهوة {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي الوحي، أو الدين المعلوم صحته. {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يدفع عنك عقابه وهو جواب لئن.

ابن كثير

تفسير : قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل، قال قتادة في قوله: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} قال: خصومة علمها الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة، قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»تفسير : ، (قلت): هذا الحديث مخرج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} فيه تهديد ووعيد شديد للأمة، عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة، عياذاً بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، والأمر لأمته؛ وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: {حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ }تفسير : [الكافرون: 6] فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه، سواء كان من أهل دينه أم لا، لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه، وقال في الرواية الأخرى كقول مالك؛ إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى، كما جاء في الحديث، والله أعلم. وقوله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: هم اليهود والنصارى، وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وقال سعيد عن قتادة: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا إبراهيم بن موسى وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قال: أخبرنا يحيى بن يمان حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه عن عمر بن الخطاب: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار. وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً على غير تأويله، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة ومنصور بن المعتمر عن ابن مسعود، قال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك. وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا ابن أبي زائدة أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَٰهَا} يقول: اتبعها. قال: وروي عن عكرمة وعطاء ومجاهد وأبي رزين وإبراهيم النخعي نحو ذلك. وقال سفيان الثوري: أخبرنا زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود، في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يتبعونه حق اتباعه. قال القرطبي: وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: «حديث : يتبعونه حق اتباعه»تفسير : ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب، إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها، قال: وقد روي هذا المعنى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا مرَّ بآية رحمة سأل، وإذا مرَّ بآية عذاب تعوذ، وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} خبر عن {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم}تفسير : [المائدة: 66] الآية، وقال: {أية : قُلْ يَـٰۤأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [المائدة: 68] أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره وموازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157] الآية، وقال تعالى: {أية : قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً }تفسير : [الإسراء: 107 ـ 108] أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم لواقعاً، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ }تفسير : [القصص: 52 ـ 54] وقال تعالى: {أية : وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلأُمِّيِّينَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}تفسير : [آل عمران: 20] ولهذا قال تعالى: {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} كما قال تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ}تفسير : [هود: 17] وفي الصحيح: «حديث : والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي، إلا دخل النار».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } دينهم {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } أي الإسلام {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } وما عداه ضلال {وَلَئِنِ } لام قسم {ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم } التي يدعونك إليها فرضاً {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } الوحي من الله {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ } يحفظك {وَلاَ نَصِيرٍ } يمنعك منه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حقَّ تِلاَوَتِهِ} فيه قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، والكتاب هو القرآن، وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم علماء اليهود، والكتاب هو التوراة، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد. {يتلونه حق تلاوته} فيه تأويلان: أحدهما: يقرؤونه حق قراءة. والثاني: يتبعونه حق اتباعه، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، وهذا قول الجمهور. {أولئك يؤمنون به} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن من قرأ أحد الكتابين، آمن به، لِمَا فيهما من وجوب اتباعه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} وذلك أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله هذه الآية والمعنى إنك وإن هادنتهم فلا يرجون بها وإنما يطلبون ذلك تعللاً ولا يرجون منك إلا باتباع ملتهم. وقال ابن عباس: هذا في أمر القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم، حين كان يصلي إلى بيت المقدس، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود} يعني إلا باليهودية، {ولا النصارى} يعني إلا بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في وقت واحد وهو قوله: {حتى تتبع ملتهم} يعني دينهم وطريقتهم {قل} أي ما محمد {إن هدى الله} يعني دين الله الذي هو الإسلام {هو الهدى} أي يصح أن يسمى هدى {ولئن اتبعت} يا محمد {أهواءهم} يعني أهواء اليهود والنصارى، فيما يرضيهم عنك وقيل: أهواءهم أقوالهم التي هي أهواء وبدع {بعد الذي جاءك من العلم} أي البيان لأن دين الله هو الإسلام وأن القبلة هي قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة {ما لك من الله من ولي} يعني يلي أمرك ويقوم بك {ولا نصير} أي ينصرك ويمنعك من عقابه وقيل: في قوله ولئن اتبعت أهواءهم أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، والمعنى إياكم أخاطب ولكم أؤدب وأنهى فقد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق والصدق وقد عصيته فلا تتبعوا أنتم أهواء الكافرين. ولئن اتبعتم أهواءهم بعد الذي جاءكم من العلم والبينات ما لكم من الله من ولي ولا نصير. قوله عز وجل: {الذين آتيناهم الكتاب} قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا الرهب، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام وأصحابه. وقيل: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وقيل: هم مؤمنون عامة {يتلونه حق تلاوته} أي يقرؤونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرّفونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه يتبعونه حق اتباعه فيحلون حلاله ويحرمون حرامه ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ويقفون عنده ويكلون علمه إلى الله تعالى. وقيل: معناه تدبروه حق تدبره وتفكروا في معانيه وحقائقه وأسراره {أولئك} يعني الذين يتلونه حق تلاوته {يؤمنون به} أي يصدقون به. فإن قلنا: إن الآية في أهل الكتاب فيكون المعنى إن المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن في التوراة نعته وصفته. وإن قلنا: إنها نزلت في المؤمنين عامة فظاهر {ومن يكفر به} أي يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم {فأولئك هم الخاسرون} أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا الكفر بالإيمان.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ...} كان بعضهم يقول: غالب استعمال الملة فيما عدا الدّين المحمدي، ولذلك كانوا ينتقدون على أثير الدين الأبهري في كتابه في أصول الدين حيث قالوا: قال الملّيّون: يعني به الإسلاميين قال: وهذا على حذف وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ حَتّى تتبعَ مِلتهُم ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وفيه المبالغة في لفظ "لَن" و"حَتَّى" وفي تكرير "لاَ". قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ...} يحسن أن يكون أمرا لكل واحد من الناس أن يقول ذلك. قيل لابن عرفة: النصارى يوافقوننا على ذلك ويقولون: إن دينهم هُو هُدى الله؟ فقال: إن هُدَى الله على ثلاثة أقسام: هدى باعتبار ما في نفس الأمر، وهدى باعتبار الدليل العقلي، وهدى باعتبار الدعوى؛ فالمراد أن هدى الله الذي دل الدليل العقلي عليه هو الهدى، وهو الهادي إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم...} خطاب على سبيل التهييج والإلهاب، وعطف النصير على الولي تأسيس، لأن الولي إما أخص من النصير أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه. وعلى كل تقدير فالعطف تأسيس, وانظر ابن عطية وانظر ما قيدت في سورة العنكبوت وفي سورة الفتح.

ابن عادل

تفسير : والرِّضَا: ضد الغضب، وهو من ذوات "الواو" لقولهم: الرضوان، والمصدر: رضاً ورِضَاء بالقصر والمد، ورِضْواناً بكسر "الفاء" وضمها. قال القرطبي رحمه الله: رَضِيَ يَرْضَى رِضاً ورِضاءً ورِضْواناً ورُضْواناً ومَرْضاة، وهو من ذوات "الواو" ويقال في التثنية: رِضَوان، وحكى الكسائي رحمه الله: رِضيان، وحكى رضاء ممدود، وكأنه مصدر رَاضَى يُرَاضِي مُرَاضَاةً ورِضَاءً. وقد يتضمّن معنى "عَطَف" فيتعدى بـ "عَلى"؛ قال: [الوافر] شعر : 769ـ إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ..................... تفسير : والملّة في الأصل: الطريقة، يقال: طريق مُملٌّ، أي: أثَّر فيه [المشي]، ويعبر بها عن الشريعة تشبيهاً بالطريقة. وقيل: بل اشتقت من "أَمْلَلْتُ"؛ لأن الشريعة فيها مَن يُمْلي ويُمْلَى عليه. فصل في سبب نزول هذه الآية اعلم أنه ـ تعالى ـ لما بين أن العلّة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم، وأنه لا عذر لهم في الثبات على التكذيب به عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في [تشددهم في باطلهم، وثباتهم على كُفْرهم] أنهم يريدون منك أن تتبع ملّتهم، ولا يرضون منك بالكُفْر، بل الموافقة لهم في دينهم وطريقتهم. قال ابن عباس رحمه الله: هذا في القِبْلَةِ، وذلك أن يهود "المدينة" ونصارى "نجران" كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلِّي إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكَعْبة أَيسُوا منه الموافقة على دينهم فنزلت هذه الآية. وقيل: كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة، ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه، فأنزل الله هذه الآية. معناه: إنك إن هادنتهم، فلا يرضون بها، ولا يطلبون ذلك تعللاً ولا يرضون منك إلا باتباع ملتهم. قوله: "تَتَّبعَ" منصوب بـ "أن" مضمرة بعد "حتى" قاله الخليل، وذلك أن "حتى" خافضة بالاسم لقوله عز وجل: {أية : حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [القدر:5] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل ألبتة وما يخفض اسماً لا ينصب شيئاً. وقال النَّحاس: "تَتَّبع" منصوب بـ "حتى"، و "حتى" بدل من "أن". فصل في أن الكفر ملّة واحدة دلت هذه الآية على أن الكفر ملّة واحدة لقوله تعالى: "مِلَّتَهُمْ" فوحّد الملّة، وبقوله تعالى: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}تفسير : [الكافرون:6]، وأمّا قوله صلوات الله وسلامه عليه: "حديث : لا يتوارَثُ أَهْل ملّتين شيء"تفسير : المراد به الإسلام والكفر بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يُوَرّثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلا الكَافِرُ المُسْلِمَ"تفسير : . ثم قال تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} [البقرة:120] يعني الإسلام هو الهدى الحقّ الذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى. قوله تعالى: "هو" يجوز في "هو" أن يكون فصلاً أو مبتدأ، وما بعده خبره، ولا يجوز أن يكون بدلاً من "هُدَى اللهِ" لمجيئه بصيغة الرفع. وأجاز أبو البقاء رحمه الله تعالى فيه أن يكون توكيداً لاسم "إن"، وهذا لا يجوز فإن المضمر لا يؤكّد المظهر. قوله: "وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ" هذه تسمى "اللام" الموطِّئَة للقسم، وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط، وأكثر مجيئها مع "إن" وقد تأتي مع غيرها نحو: {أية : لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ}تفسير : [آل عمران:81]، {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ}تفسير : [الأعراف:18]، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولكونها مؤذنة بالقسم اعتبر سَبْقها، فأجيب القسم دون الشرط بقوله: {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} وحذف جواب الشَّرْط، ولو أجيب الشرط لوجبت "الفاء" وقد تحذف هذه "اللاَّم" ويعمل بمقتضاها، فيجاب القسم نحو قوله تعالى: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ}تفسير : [المائدة:73]. والأهواء جمع هوى، كما تقول: "جمل وأجمال"، ولما كانت مختلفة جمعت، ولو حمل على أفراد الملة لقال: هواهم. قوله: "مِن العِلْمِ" في محلّ نصب على الحال من فاعل "جَاءَكَ" و "مِن" للتبعيض، أي جاءك حال كونه بعض العلم. فصل في المراد بهذا الخطاب قيل: المراد بهذا الخطاب الأمة كقوله تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر:65]، فالخطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة. {بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} البيان بأن دين الله هو الإسلام، والقبلة قبلة إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهي الكَعْبَةُ. {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي معين يعصمك ويذبّ عنك. فصل فيما تدل عليه الآية قالوا: الآية تدلّ على أمور: منها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله. وثانيها: أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلّة، ويبطل القول بالتقليد. وثالثها: أن اتباع الهَوَى لا يكون إلا باطلاً فمن هذا الوجه يدلّ على بطلان التقليد. ورابعها: سئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر. فقيل: بم كفرته؟ فقال: بآية من كتاب الله تعالى، {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [البقرة:145] فالقرآن من علم الله تعالى، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.

السيوطي

تفسير : أخرج الثعلبي عن ابن عباس ‏"‏أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله ‏ {‏ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية"‏‏.‏

القشيري

تفسير : لا تبالِ برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، ودون ذلك لهم حظ القتال فَأَعْلِنْ التبري منهم، وأظهر الخلاف معهم، وانصب العداوة لهم، واعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك بِبالِك، وادعُ - إلى البراءةِ عنهم وعن طريقتهم - أُمَّتَكَ، وكُنْ بِنا لَنَا، مٌتَبرِّياً عمن سوانا، واثقاً بنصرتنا، فإنَّكَ بِنَا وَلَنَا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} اقناط له عليه السلام من طمعه فى اسلامهم حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل اليه وما يستحيل وجوده واذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته اى دينه اى لن ترضى عنك اليهود الا بالتهود والصلاة الى قبلتهم وهى المغرب ولا النصارى الا بالتنصر والصلاة الى قبلتهم وهى المشرق ووحد الملة لان الكفر ملة واحدة وهذه حكاية لمقالتهم بان قالوا لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا وادعوا بتلك المقالة ان ملتهم هى الهدى لا ما سواها فامره الله تعالى بقوله {قل} ان يرد عليهم بطريق قصر القلب ويقول {إن هدى الله} الذى هو الاسلام {هو الهدى} الى الحق لا ما تدعون اليه من الملة الزائغة فانها هوى كما يعرب عنه قوله تعالى {ولئن اتبعت اهواءهم} اى آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات انفسهم وهى التى عبر عنها فيما قبل بملتهم اذ هى التى ينتمون اليها. واما ما شرعه الله من الشريعة على لسان الانبياء عليهم السلام وهو المعنى الحقيقى للملة فقد غيروها تغييرا والاهواء جمع هوى وهو رأى عن شهوة داع الى الضلال وسمى بذلك لانه يهوى بصاحبه فى الدنيا الى كل واهية وفى الآخرة الى الهاوية وانما قال اهواءهم بلفظ الجمع ولم يقل هواهم تنبيها على ان لكل واحد هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى فلذلك اخبر انه لا يرضى الكل الا باتباع اهواء الكل. واعلم ان الطريقة المشروعة تسمى ملة باعتبار ان الانبياء الذين اظهروها قد املوها وكتبوها لامتهم كما انها تسمى دينا باعتبار طاعة العباد لمن سنها وانقيادهم لحكمه وتسمى ايضا شريعة باعتبار كونها موردا للمتعطشين الى زلال ثوابه ورحمته والخطاب فى قوله ولئن اتبعت متوجه الى النبى عليه السلام فى الحقيقة. وما قيل من انه تعالى حكم بعصمة الانبياء وعلم منهم انهم لا يعصون له ولا يخالفون امره ولا يرتكبون ما نهى عنه فكانت عصمتهم واجبة فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة فوجب ان يكون التحذير متوجها الى الامة لا الى انفسهم. فالجواب عنه ان التكليف والتحذير انما يعتمد على كون المكلف به محتملا ومتصورا فى ذاته من حيث تحقق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات والقوى والامتناع الحاصل من حكمه تعالى بعصمتهم وعلمه بها امتناع بالغير وهو لا ينافى الامكان الذاتى هو شرط التكليف والتحذير {بعد الذى جاءك من العلم} اى القرآن الموحى اليك وهو حال من ضمير جاءك {مالك من الله} اى من جهته العزيزة وهو جواب لئن {من ولى} اى قريب ينفعك من الولى وهو القرب {ولا نصير} يدفع عنك عقابه والفرق بين الولى والنصير العموم والخصوص من وجه لان الولى قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون اجنبيا عن المنصور كما يكون من اقرباء المنصور وهو مادة اجتماعهما وقوله من ولى مرفوع على الابتداء ولك خبره ومن صلة وقوله من الله منصوب المحل على انه حال لانه لما كان متقدما على قوله من ولى امتنع ان يكون صفة له ونظيره قوله لعزة موحشا طلل قديم ولما ذكر قبائح المتعنتين الطالبين للرياسة من اليهود والنصارى اتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وحب الرياسة منهم وطلب مرضاة الله وحسن ثواب الآخرة وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية فقال تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : b>: الملّة هي الشريعة، وهي ما شرع الله على لسان أنبيائه ورسله، من أملت الكتاب وأمليته، إذا قرأته. والهوى: رأى يتبع الشهوة. يقول الحقّ جلّ جلاله: لرسول صلى الله عليه وسلم: {ولن ترضى عنك اليهود} وتتبع دينك أبداً، {ولا النصارى} كذلك {حتى تتبع ملتهم} على فرض المحال، والمقصود قطعُ رجائه من إسلامهم باختيارهم؛ لأن اتباعه ملتهم محال، وكذلك إسلامهم. ولعله في قوم مخصوصين. ثم زاد في التنفير من اتباعهم فقال: {ولئن اتبعت أهواءهم} الباطلة فرضاً وتقديراً {بعد الذي جاءك من العلم} بالله وبأحكامه على المنهاج القويم، {ما لك من الله من ولي} يمنعك منا، {ولا نصير} ينصرك من غيرنا، أي: لا ولي ولا نصير لك إلا نحن؛ حيث واليتنا، وأحببتنا، وأظهرت ملتنا، فنحن لك على ما تحب وترضى. الإشارة: التماس رضى الناس من علامة الإفلاس، ولن يرضى عنك الناس حتى تتبع أهواءهم، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما تحققت ما هم فيه، إنك إذاً لمن الظالمين، فمن التمس رضى الناس وقع في سخط الله، ومن التمس رضى الله قطع يأسه من الناس، ولذلك قال بعضهم: كل ما سقط من عين الخلق عظم في عين الحق، وكل ما عظم في عين الخلق سقط من عين الحق، وقال آخر: إن الذي تكرهون مني هو الذي يشتهيه قلبي. هـ. وقال بعض الصالحين: (لقيتُ بعض الأبدال، فقلت له: دُلَّني على الطريق؟ فقال: لا تخالط الناس؟ فإن مخالطتهم ظلمة، فقلت: لا بد من مخالطتهم وأنا بين أظهرهم؟ فقال: لا تعاملهم، فإن معاملتهم خسران. قلت: لا بد من معاملتهم؟ فقال: لا تركن إليهم، فإن في الركون إليهم هلكة، فقالت: هذا لعله يكون؟ فقال: يا هذا، أتخالط البطالين، وتعامل الجاهلين، وتركن إلى الهلكى، وتحب أن يكون قلبك مع الله؟ هيهات... هذا لا يكون أبداً، ثم غاب عني ولم أره). ولما عاتب الله بني إسرائيل ووبخهم استثنى من آمن منهم.

الطوسي

تفسير : قيل في معنى هذه الآية قولان: احدهما ـ ان النبي "صلى الله عليه وسلم" كان مجتهداً في طلب ما يرضيهم، ليقبلوا إلى الاسلام ويتركوا القتال، فقيل له: دع ما يرضيهم إلى ما امر الله به من مجاهدتهم. والآخر ـ قال الزجاج: كانوا يسألونه "ع" الهدنة والمسالمة ويرونه انه ان امهلهم اسلموا. فاعلمه الله انهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم. وهذه الآية تدل انه لا يصح ارضاء اليهود ولا النصارى على حال، لانه تعالى علقه بان اليهود لا يرضون عنه حتى يكون "صلى الله عليه وسلم" يهوديا، والنصارى لا يرضون عنه حتى يكون نصرانيا، فاستحال ان يكون يهوديا نصرانيا في حال واستحال إرضاؤهم بذلك. اللغة: والرضا والمحبة، والمودة نظائر وضد الرضا الغضب. ويقال رضي يرضى رضاء. وارضاه إرضاء، وارتضاه ارتضاء، واسترضاه وترضاه ترضيا، وتراضوا تراضيا، والرضي والمرضي بمعنى واحد. والرضا مقصور من بنات الواو بدلالة الرضوان تقول: رجل رضى ورجال رضى وامرأة ونساء رضى. وأصل الباب الرضى نقيض الغضب. وقوله: {حتى تتبع ملتهم} فالملة، والنحلة، والديانة نظائر. وتقول وجد فلان ملة وملالا. وهو عدوى الحمى. ومللت الشيء أمله ملالة ومللا: إذا سئمته ومللت الخبزة املها ملا: اذا دفنتها في الجمر والجمر بعينه الملة. وقال صاحب العين: الملة الرماد والجمر وكل شيء تمله في الجمر فهو مملول. قال الشاعر في وصف الحرباء: شعر : كأنّ ضاحيه بالنار مملول تفسير : والمملول الممتل من الملة. وطريق ممل مليل: قد سلك حتى صار معلماً وملة رسول الله "صلى الله عليه وسلم" الامر الذي اوضحه. وامتل الرجل اذا اخذ في ملة الاسلام: اي قصدها ما امل منه. والأمل املال الكتاب، ليكتب. والمليلة من الحمى. المعنى: وقوله: {قل إن هدى الله هو الهدى} معناه هو الذي يهدي إلى الجنة. لا اليهودية، ولا النصرانية. وقيل ان معناه الدعاء إلى هدى الله الذي يكذب قولهم {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصار} تفسير : وهي الادلة الواضحة على ان المطيع لله هو الذي يفوز بثوابه في الجنة، لا من ذكروه من العصاة له. وهذه الآية تدل على ان من علم الله منه انه لا يعصي، يتناوله الوعيد والزجر، لانه تعالى علم ان النبي "صلى الله عليه وسلم" لا يعصي ولا يتبع اهواءهم، وفيها دلالة على ان كل من اتبع الكفار على كفرهم ما له من الله من ولي ولا نصير، لانه اذا وجب ذلك في متبع واحد، وجب ذلك في الجميع. الاعراب: {حتى تتبع} نصب بحتى وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، وجميع البصريين أن الناصب للفعل (أن) بعد حتى، لان حتى تخفض الاسم في قوله: {أية : حتى مطلع الفجر} تفسير : ولا يعرف في العربية حرف يعمل في اسم وفعل، ولا ما يكون خافضاً لاسم، يكون ناصباً لفعل. فصار ذلك مثل قولك جاء زيد ليضربك، فانها تنصب الفعل باضمار (ان) لكونها جارّة للاسم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ} عطف على جملة لا تسأل او جملة انّا أرسلناك {حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} اقناط له (ص) عن رضاهم بأنّهم لا يرضون عنه الاّ بما هو محالٌ عنده وردعٌ للمؤمنين عن طلب رضاهم {قُلْ} للمؤمنين {إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} لا استرضاء اليهود والنّصارى ورضاهم، او قل لليهود والنّصارى: {نَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} لا ما اعتدتموه من الملّة المأخوذة من الآباء المهويّة لكم بسبب اعتيادها {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} آراءِ أنفسهم من غير مداخلة العقل او مهويّاتهم {بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} بحقّيّة ملّتك وبطلان ملّتهم وآرائهم {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} لم يأت بالفاء لكونه جواباً للقسم لا للشّرط وهو على "ايّاك اعنى واسمعى يا جارة" تعريض بأمّته (ص).

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى} يعني بذلك العامة منهم، لأنه قد تسلم الخاصة منهم. وهذا الحرف من العام والخاص. {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى} أي: إن الدين دينُ الله، وهو الإِسلام الذي أنت عليه. {وَلَئِن اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الذِي جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} يثبّته بذلك، وقد علم ـ جلّ جلاله ـ أنه لا يتَّبع أهواءهم. قوله: {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}. قال بعضهم: يقرأونه كما أنزله الله، ولا يحرّفونه عن مواضعه. وقال بعضهم: هؤلاء أصحاب النبي عليه السلام؛ آمنوا بكتاب الله وصدّقوا به، فأحلّوا حلاله، واجتنبوا حرامه، واعملوا بما فيه. وذكروا عن ابن مسعود أنه قال: والله إن حق تلاوته أن يُحَلَّ حلالُه ويُحرَّم حرامُه، وأن يُقرأ كما أنزله الله، ولا يُحَرَّفَ عن مواضعه. وقال مجاهد: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي: يتَّبعونه حقّ اتباعه. قال مجاهد: وهو كقوله: (أية : وَالقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا) تفسير : [الشمس:2] أي: إذا تبعها. يعني صبيحة الهلال. قال: {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ} يعني بتأويله، {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي خسروا أنفسهم أن يُنجوها من عذاب الله فصاروا في النار. قال الكلبي: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} هم الرهط الذين آمنوا به من أهل الكتاب: اثنان وثلاثون من الحبشة الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، وسبعة من اليهود؛ منهم عبد الله بن سلام وابن صوريا.

اطفيش

تفسير : {ولَنْ تَرضَى عَنكَ اليهودُ ولا النَّصارَى حتَّى تتَّبع مِلتَهُم}: إقناط من الله لرسوله، صلى الله عليه وسلم، عن إسلامهم، إذ علق إسلامهم بما لا يكون منهُ، صلى الله عليه وسلم، وهو اتباع ملتهم، ولا يتصور أن يدعوهم للإسلام ويخرج منهُ، ولا أن يكون على دينهم وعلى دين الإسلام بمرة، وعبر برضاهم عنه، صلى الله عليه وسلم، عن إسلامهم، لأنه يلزم من اتباع دين أحد الرضا عنه من جهة دينه، ومن الرضا عنه من جهة دينه اتباع دينه فى الجملة، ويحتمل تقدير مضاف، أى لن ترضى عن دينك، وذلك أنهم قالوا: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم. وذكر بعض العلماء أنهم كانوا يطلبون الهدنة من النبى، صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إن هادنتنا وأمهلتنا اتبعناك، فطمع، صلى الله عليه وسلم، فى إسلامهم، فمال أن يهادنهم ويمهلهم، فأخبره الله ـ جل وعلا ـ بأنهم كاذبون لا يسلمون، ولو هادنتهم وأمهلتهم، ولا يرضون عنك إلا إن اتبعت ملتهم وهى دينهم الباطل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان يهود المدينة ونصارى نجران يرجون منه، صلى الله عليه وسلم، حين كان يصلى إلى بيت المقدس أن يتبع ملتهم، فلما صرفه الله ـ جل وعلا ـ إلى الكعبة أيسوا أن يوافقهم على ملتهم العوجاء، منزل: {ولن ترى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} أى انقطع طمعهم، واقتصروا على أن يتبع ملتهم صراحاً، والضمير فى ملتهم عائد إلى اليهود والنصارى، وأفرد الملة لأنهم جميعاً على ملة كفر، فملتهم واحدة فى الكفر، ولو اختلفت بعض اختلاف، أو لإرادة الجنس الصادق بملة اليهود وملة النصارى، أو يقدر لأحد الفريقين فى الملة المذكورة لأحدهما، ويقدر للآخر فهى للنصارى، فتقدر لليهود، أى ولن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتهم، ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وهى لليهود فتقدر للنصارى، وعلى هذا فأصل الكلام: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. فالملة الأولى لليهود، والثانية للنصارى، حذفت الثانية لئلا تتكرر. {قُلْ}: يا محمد. {إنّ هُدَى اللهِ}: وهو الإسلام. {هو الهدى}: أى هو الذى صح لهُ أن يسمى هُدى، وأما غيره فلا يصح أن يسمى هُدى كما يفيد الحصر بتعريف ركنى الإسناد، لأن هداه إلى الحق، ودعواكم إلى الباطل، وذلك تعليم من الله تعالى لنبيه الجواب عن قولهم لا نؤمن بك إلا إن اتَّبعتَ ديننا. {ولئن اتَّبعتَ}: يا محمد. {أهْواءهُم}: أى أهواء اليهود والنصارى فيما يرضيهم عنك، وهى اتباع أقوالهم وأفعالهم الباطلة التى يسمونها دينا. والملة ما شرع الله لعباده على لسان نبى. من أمللت الكتاب، أو من أمليته على، وهكذا قلبت الياء بعد اللام لاما أخرى، فكان المبطلون يسمون أهواءهم ملة كذبا على الله. وأيضا الملة لغة: ما اتخذ دينا صوابا أو خطأ، والهوى رأى يتبع الشهوة، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم. والمراد أمته لأن فيهم من يتبع أهواءهم: تنزل الآية، ويعرض عنها ويتبع أهواء أهل الكتاب، وهو مشرك، ولا مانع من أن يقال المراد هو وأمته، ولو زعم بعض أنهُ لا إذن فيه، لأن المعنى على الشرط ومعلوم أنه، صلى الله عليه وسلم، لا يفعل. ويجوز أن يراد من يمكن منه ذلك، والوجه الثانى أولى، وهو أن المراد هو وأمته، ولست أريد أن ضمير المفرد لذلك بل الضمير له، صلى الله عليه وسلم، خاصة وأحكام أمته تابعة لهُ مالم يقم دليل التخصيص، ولا يخفى أنه يجوز أن يقول الله تبارك وتعالى: إن كذا وكذا جزاؤك إن فعلت كذا أو لو فعلته، لكنك لا تفعل. كما قال فى حقه تعالى: {أية : لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ لفَسَدتا} تفسير : وقال: {أية : ما اتَّخَذَ الله مِن ولدٍ وما كانَ معهُ مِنْ إلهِ إذاً لَذَهَبَ كلّ إلهٍ بما خَلَق ولَعَلا بَعْضهم علَى بعْضٍ}،تفسير : ومعلوم استحالة تعدد الإله وليس قولهم: {جاءكم من العلم} مانعا من إرادة غيره، صلى الله عليه وسلم، لأن ما أوحى إليه جاء لأمته أيضاً، وكذا تقول بتلك الأوجه فى قوله تعالى: {أية : ولو تَقوَّل عَليْنا}، تفسير : وقوله عز وجل: {أية : إذاً لأذَقْناك} تفسير : وقوله سبحانه: {أية : وإن تُطِع أكْثَر مَن فى الأرض} تفسير : وقوله تبارك وتعالى: {أية : إن يشَأ يخْتمْ علَى قَلْبك}تفسير : وقولُه جل جلاله: {أية : لئنْ أشركْت}، تفسير : وقوله جل وعلا: {أية : ولا تطع الكافرين}تفسير : ونحو ذلك. {بَعْد الذِى جاءَك مِنَ العِلْم}: أى من الوحى المعلوم صحته بالبراهين أو من الدين المعلوم صحته، فالعلم مصدر بمعنى معلوم، وذلك على عمومه، وكذا المراد العموم فى قوله: {أهواءهم}، ودخل فى ذلك أمر القبلة وهى الكعبة، قبلة إبراهيم عليه السلام، أى لا تتابعوهم فى تركها، ويحتمل أن يراد بالعلم البيان للتلازم بين العلم والبيان، لأن من علم شيئاً فقد بان له، ولأنهُ إنما يبين الشئ لغيره من علمهُ، ولأن من شأن من علم أن يبينه لغيره، أى بعد ما بينه الله لك من أمر القبلة وسائر الدين. {ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِىٍّ ولاَ نَصير}: من الأولى متعلقة بولى، ونقدر أخرى لنصير والثانية صلة للتأكيد، أى مالك حافظ من عذاب الله ولا مانع منه، والولى مأخوذ من ولاية الأمر، لأن الولى يلى أمر وليهِ، وولى فاعل لك أو مبتدؤه، وجملة (مالك إلخ): جواب القسم، والمقدر قبل إن المدلول عليه باللام وجواب إن محذوف دل عليه القسم، وجوابه كما يقال فى قولك: والله إن عمراً قائم إن قام زيد.

اطفيش

تفسير : {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتِّبِعَ مِلَّتَهُمْ} أفرد الملة مع تعددها، لأن مللهم كلها كفر، والكفر ملة، وسميت ملة، لأن الشيطان أملها عليهم، أو أهواؤهم وأنفسهم، كما أن دين الله عز وجل أمله جبريل للنبى صلى الله عليه وسلم، قالوا له صلى الله عليه وسلم، لن نرضى عنك حتى تتبع ديننا وملتنا، فإنه الهدى، فأنزل الله عليه، وهو فى اللوح المحفوظ سابق، وأعلمه أن الأمر كما قالوا لا يرضون عنك إقناطا له عنهم، إذ اتباعه ملتهم فى غاية البعد التى لا غاية بعدها، كان يلاطفهم طمعا فى إيمانهم حتى نزلت، وعلمه أن يرد عليهم فى قوله {قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ} وهو دين الإسلام {هُوَ الْهُدَى} تحقيقا إلى الحق، لا ملتكم ولا غيرها، من كل ما خالفه، فأيسوا بعد ما كانوا يرجونه، {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ} والله لئن اتبعت {أَهْوَاءَهُمْ} أى ملتهم التى ادعوها دينا، ومقتضى الظاهر، ولئن اتبعتها أى الملة، وعبّر عنها بالأهواء ليصرح بأنها مجرد اتباع للنفس {بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} هو العلم والمراد الحقيقة، أو بعض العلم {مَالَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ} بلى أمرك، يحفظك من العذاب من أول {وَلاَ نَصِيرَ} يدفعه عنك إن جاءك، لا ولى ولا ناصر إلا الله، فإذا لم يجئك ولى من عنده ولا نصير هلكت، أو مالك ولى ولا نصير من عذاب الله.

الالوسي

تفسير : {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان ما يعمهما، والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللإشعار بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام، ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان، وهو الاتباع لملتهم التي جاء بنسخها فكيف يتصور اتباعهم لملته صلى الله عليه وسلم، واحتيج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على إيمانهم على ما روي أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت. والملة في الأصل اسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب، ومنه طريق ملول ـ أي مسلوك معلوم ـ كما نقله الأزهري ثم نقلت إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبـي صلى الله عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها، وقد تطلق الباطل كالكفر ملة واحدة، ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله، ولا إلى آحاد الأمة، والدين يرادفها صدقاً لكنه باعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والانقياد ولاتحاد ما صدقهما قال تعالى: {أية : دِينًا قِيَمًا مّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } تفسير : [الأنعام: 161] وقد يطلق الدين على الفروع تجوزاً، ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظراً إلى الأصل على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة، ويقع على الباطل أيضاً، وأما الشريعة فهي المورد في الأصل، وجعلت اسماً للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها، وتطلق على الأصول الكلية تجوزاً قاله بعض المحققين. ووحدت الملة وإن كان لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر، وهو ملة واحدة، ثم إن هذا ليس ابتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} فإنه على طريقة الجواب لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم/ حق وغير باطل فأجيبوا بالقصر القلبـي ـ أي دين الله تعالى هو الحق ودينكم هو الباطل، وهدى الله تعالى الذي هو الإسلام هو الهدى وما يدعون إليه ليس بهدى بل هوى ـ على أبلغ وجه لإضافة الهدى إليه تعالى وتأكيده بأن وإعادة الهدى في الخبر على حد:شعر : شعري شعري تفسير : وجعله نفس الهدى المصدري وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخبر، ويحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم، والأمر بهذا القول لهم لا يجب أن يكون جواباً لعين تلك العبارة بل جواب ورد لما يستلزم مضمونها أو يلزمه من الدعوة إلى اليهودية أو النصرانية وأن الاهتداء فيهما، وقيل: يصح أن يكون لإقناطهم عما يتمنونه ويطمعونه وليس بجواب. {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم} أي آراءهم الزائغة المنحرفة عن الحق الصادرة عنهم بتبعية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل ـ بالملة ـ وكان الظاهر ـ ولئن اتبعتها ـ إلا أنه غير النظم ووضع الظاهر موضع المضمر من غير لفظه إيذاناً بأنهم غيروا ما شرعه الله سبحانه تغييراً أخرجوه به عن موضوعه، وفي صيغة الجمع إشارة إلى كثرة الاختلاف بينهم وأن بعضهم يكفر بعضاً. {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي المعلوم وهو الوحي أو الدين لأنه الذي يتصف بالمجيء دون العلم نفسه ولك أن تفسر المجيء بالحصول فيجري العلم على ظاهره. {مَـٰلِكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} جواب للقسم الدال عليه السلام الموطئة ولو أجيب به الشرط هنا لوجبت الفاء، وقيل: إنه جواب له ويحتاج إلى تقدير القسم مؤخراً عن الشرط وتأويل الجملة الإسمية بالفعلية الاستقبالية أي ما يكون لك وهو تعسف إذ لم يقل أحد من النحاة بتقدير القسم مؤخراً مع اللام الموطئة، وتأويل الإسمية بالفعلية لا دليل عليه، وقيل: إنه جواب لِكِلاَ الأمرين القسم الدال عليه اللام وإن الشرطية لأحدهما لفظاً وللآخر معنى وهو كما ترى، والخطاب أيضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد الشرط بما قيد للدلالة على أن متابعة أهوائهم محال لأنه خلاف ما علم صحته فلو فرض وقوعه كما يفرض المحال لم يكن له ولي ولا نصير يدفع عنه العذاب، وفيه أيضاً من المبالغة في الإقناط ما لا يخفى، وقيل: الخطاب هناك وهنا وإن كان ظاهراً للنبـي صلى الله عليه وسلم إلا أن المقصود منه أمته، وأنت تعلم مما ذكرنا أنه لا يحتاج إلى التزام ذلك.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}تفسير : [البقرة: 119] أو على {أية : إنا أرسلناك}تفسير : [البقرة: 119] وقد جاء هذا الكلام المؤيس من إيمانهم بعد أن قدم قبله التأنيس والتسلية على نحو مجيء العتاب بعد تقديم العفو في قوله تعالى: {أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] وهذا من كرامة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. والنفي بلن مبالغة في التأييس لأنها لنفي المستقبل وتأبيده. والملة بكسر الميم الدين والشريعة وهي مجموع عقائد وأعمال يلتزمها طائفة من الناس يتفقون عليها وتكون جامعة لهم كطريقة يتبعونها، ويحتمل أنها مشتقة من أملَّ الكتاب فسميت الشريعة ملة لأن الرسول أو واضع الدين يعلمها للناس ويمللها عليهم كما سميت ديناً باعتبار قبول الأمة لها وطاعتهم وانقيادهم. ومعنى الغاية في {حتى تتبع ملتهم} الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته، ولما كان اتباع النبي ملتهم مستحيلاً كان رضاهم عنه كذلك على حد {أية : حتى يلج الجمل في سم الخياط}تفسير : [الأعراف: 40] وقوله: {أية : لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد}تفسير : [الكافرون: 2، 3] والتصريح بلا النافية بعد حرف العطف في قوله: {ولا النصارى} للتنصيص على استقلالهم بالنفي وعدم الاقتناع باتباع حرف العطف لأنهم كانوا يظن بهم خلاف ذلك لإظهارهم شيئاً من المودة للمسلمين كما في قوله تعالى: {أية : ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى}تفسير : [المائدة: 82] وقد تضمنتْ هذه الآية أنهم لا يؤمنون بالنبي لأنه غير متبع ملتهم وأنهم لا يصدقون القرآن لأنه جاء بنسخ كتابيْهم. وقوله: {قل إن هدي الله هو الهدى} أمر بالجواب عما تضمنه قوله: {ولن ترضى} من خلاصة أقوال لهم يقتضي مضمونها أنهم لا يُرضيهم شيء مما يدعوهم النبي إليه إلا أن يتبع ملتهم وأنهم يقولون إن ملتهم هدى فلا ضير عليه إن اتبعها مثل قولهم: {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هُوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 111] وغير ذلك من التلون في الإعراض عن الدعوة ولذلك جيء في جوابهم بما هو الأسلوب في المجاوبة من فِعل القول بدون حرف العطف. ويجوز أن يكونوا قد قالوا ما تضمنته الآية من قوله: {حتى تتبع ملتهم}. و{هدي الله} ما يقدره للشخص من التوفيق أي قل لهم لا أملك لكم هدى إلا أن يهديكم الله، فالقصر حقيقي. ويجوز أن يكون المراد بهُدى الله الذي أنزله إليَّ هو الهدى يعني أن القرآن هو الهدى إبطالاً لغرورهم بأنَّ ما هم عليه من الملة هو الهدى وأن ما خالفه ضلال. والمعنى أن القرآن هو الهدى وما أنتم عليه ليس من الهدى لأن أكثره من الباطل. فإضافة الهدى إلى الله تشريف، والقصر إضافي. وفيه تعريض بأن ما هم عليه يومئذ شيء حرفوه ووضعوه، فيكون القصر إما حقيقياً ادعائياً بأن يراد هو الهدى الكامل في الهداية فهدى غيره من الكتب السماوية بالنسبة إلى هدى القرآن كلاَ هدى لأن هدى القرآن أعم وأكمل فلا ينافي إثبات الهداية لكتابهم كما في قوله تعالى: {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور}تفسير : [المائدة: 44] وقوله: {أية : وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة}تفسير : [المائدة: 46] وإما قصراً إضافياً أي هو الهدى دون ما أنتم عليه من ملة مبدلة مشوبة بضلالات وبذلك أيضاً لا ينتفي الهدى عن كثير من التعاليم والنصايح الصالحة الصادرة عن الحكماء وأهل العقول الراجحة والتجربة لكنه هدى ناقص. وقوله: {هو الهدى} الضمير ضمير فصل. والتعريف في الهدى تعريف الجنس الدال على الاستغراق ففيه طريقان من طرق الحصر هما ضمير الفصل وتعريف الجزأين وفي الجمع بينهما إفادة تحقيق معنى القصر وتأكيده للعناية به فأيهما اعتبرته طريق قصر كان الآخر تأكيداً للقصر وللخبر أيضاً. والتوكيد بإن لتحقيق الخبر وتحقيق نسبته وإبطال تردد المتردد لأن القصر الإضافي لما كان المقصود منه رد اعتقاد المخاطب قد لا يتفطن المخاطب إلى ما يقتضيه من التأكيد فزيد هنا مؤكد آخر وهو حرف (إن) اهتماماً بتأكيد هذا الحكم. فقد اجتمع في هذه الجملة عدة مؤكدات هي: حرف إن والقصر، إذ القصر تأكيد على تأكيد ما في «المفتاح» فهو في قوة مؤكدين، مع تأكيد القصر بضمير الفصل وهي تنحل إلى أربعة مؤكدات لأن القصر بمنزلة تأكيدين وقد انضم إليهما تأكيد القصر بضمير الفصل وتأكيد الجملة بحرف (إن). ولعل الآية تشير إلى أن استقبال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة إلى القبلة التي يستقبلها اليهود لقطع معذرة اليهود كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه}تفسير : [البقرة: 143]، فأعلم رسوله بقوله: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى} بأن ذلك لا يلين من تصلب اليهود في عنادهم فتكون إيماء إلى تمهيد نسخ استقبال بيت المقدس. وقوله: {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم}. اللام موطئة للقسم وذلك توكيد للخبر وتحقيق له. وعبر عن طريقتهم هنالك بالملة نظراً لاعتقادهم وشهرة ذلك عند العرب، وعبر عنها هنا بالأهواء بعد أن مهد له بقوله: {إن هدى الله هو الهدى} فإن الهوى رأي ناشىء عن شهوة لا عن دليل، ولهذا لم يؤت بالضمير الراجع للملة وعبر عنها بالاسم الظاهر فشملت أهواؤهم التكذيبَ بالنبي وبالقرآن واعتقادَهم أن ملتهم لا ينقضها شرع آخر. وقوله: {مالك من الله من ولي ولا نصير} تحذير لكل من تلقى الإسلام أن لا يتبع بعد الإسلام أهواء الأمم الأخرى، جاء على طريقة تحذير النبي صلى الله عليه وسلم مثل: {أية : لَئن أشركتَ ليحبَطنَّ عملك}تفسير : [الزمر: 65] وهو جواب القسم ودليل جواب الشرط لأن اللام موطئة للقسم فالجواب لها. وجيء بإن اشرطية التي تأتي في مواقع عدم القطع بوقوع شرطها لأن هذا فرض ضعيف في شأن النبي والمسلمين. والولي القريب والحليف. والنصير كل من يعين أحداً على من يريد به ضراً وكلاهما فعيل بمعنى فاعل. و(من) في قوله {من الله} متعلقة بولي لتضمينه معنى مانع من عقابه ويقدر مِثله بعد {ولا نصير} أي نصير من الله. و(مِن) في قوله: {من ولي} مؤكدة للنفي. وعطف النصير على الولي احتراس لأن نفي الولي لا يقتضي نفي كل نصير إذ لا يكون لأحد ولي لكونه دخيلاً في قبيلة ويكون أنصاره من جيرته. وكان القصد من نفي الولاية التعريض بهم في اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه فنفى ذلك عنهم حيث لم يتبعوا دعوة الإسلام ثم نفى الأعم منه وهذه نكتة عدم الاقتصار على نفي الأعم. وقد اشتملت جملة {ولئن اتبعت أهواءهم} إلى آخرها على تحذير من الطمع في استدناء اليهود أو النصارى بشيء من استرضائهم طمعاً في إسلامهم بتألف قلوبهم فأكد ذلك التحذير بعشرة مؤكدات وهي القسم المدلول عليه باللام الموطئة للقسم. وتأكيد جملة الجزاء بإنَّ وبلام الابتداء في خبرها. واسميةُ جملة الجزاء وهي {مَالَك من الله من ولي ولا نصير}. وتأكيدُ النفي بِمنْ في قوله {من ولي}. والاجمالُ ثم التفصيل بذكر اسم الموصول وتبيينه بقوله {من العِلم}. وجعل الذي جاء (أي أنزل إليه) هو العلم كله لعدم الاعتداد بغيره لنقصانه. وتأكيدُ {من ولي} بعطف {ولا نصير} الذي هو آيل إلى معناه وإن اختلف مفهومه، فهو كالتأكيد بالمرادف.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 120- فلا ترهق نفسك فى استرضاء المعاندين من اليهود والنصارى، فإن هؤلاء لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم التى يزعمون أنها الهدى، وليس ثمة هدى إلا هدى الله فى الإسلام، ومن يتبع أهواء هؤلاء من بعد أن علم ما أنزلناه إليك من الحق، فلن يكون له يوم القيامة من دون الله ولى يعينه، ولا نصير يدفع عنه العذاب. 121- غير أن ثمة فريقاً من اليهود والنصارى قد تفقهوا فى أسفارهم الأصيلة، وتلوها حق التلاوة، وفطنوا إلى ما دخلها من تحريف، فأولئك يؤمنون بحقائقها ويؤمنون تبعاً لذلك بالقرآن، ومن يكفر بكتاب منزل فأولئك هم الخاسرون. 122- يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى العظيمة التى أنعمت بها عليكم بإخراجكم من ظلم فرعون وإغراقه، وإعطائكم المن والسلوى، وبعث الأنبياء فيكم، وتعليمكم الكتاب.. وغير ذلك مما شرفتكم به، وأنى فضلتكم - وقتاً من الزمان - على الناس فى جعل مصدر النبوات منكم. 123- وخافوا عقاب الله فى يوم لا تدفع فيه نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها فداء، ولا تنفعها شفاعة، ولا يجد فيه الكافرون نصيراً لهم من دون الله. 124- واذكروا إذ ابتلى الله جدكم إبراهيم بتكاليف، فقام بها على أتم وجه، فقال له: إنى جاعلك للناس إماماً يتبعونك ويقتدون بك، فطلب إبراهيم من ربه أن يجعل من ذريته أئمة كذلك، فأجابه بأن هذا لن يصل إليه منهم الظالمون، وأشار أنه سيكون من ذريته الأبرار والفجار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ملتهم: دينهم الذي هم عليه من يهودية ونصرانية. قل إن الهدى هدى الله: الهدى ما أنزل به كتابه وبعث به رسوله وهو الإِسلام، لا ما ابتدعه اليهود والنصارى من بدعة اليهودية والنصرانية. من ولي ولا نصير: الولي من يتولاك ويكفيك أمرك والنصير من ينصرك ويدفع عنك الأذى. يتلونه حق تلاوته: لا يحرفون كلمه عن مواضعه ولا يكتمون الحق الذي جاء فيه من نعت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وغيره. أولئك هم الخاسرون: المشار إليهم كفار أهل الكتاب والخسران خسران الدنيا والآخرة. معنى الآيتين: ما زال السياق في أهل الكتاب يكشف عوارهم ويدعوهم إلى الهدى لو كانوا يهتدون ففي الآية الأولى [120] يخبر تعالى رسوله وأمته تابعة له أن اليهود والنصارى لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم الباطلة وهي اليهودية أو النصرانية، وفي هذا نهي عن اتباعهم ثم أمره أن يخبرهم أن الهدى هدى الله الذي هو الإِسلام وليس اليهودية ولا النصرانية إذ هما بدعتان من وضع أرباب الأهواء والأطماع الماديّة. ثم يحذر الله رسوله وأمته من اتباع اليهود والنصارى بعد الذي جاءهم من العلم والنعمة التي أتمها عليهم وهي الإِسلام فيقول: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وفي الآية الثانية [121] يخبر تعالى أن الذين آتاهم الله الكتاب التوراة والإِنجيل فكانوا يتلونه حق تلاوته فلا يحرفون ولا يكتمون هؤلاء يؤمنون بالكتاب حق الإِيمان أما الذين يحرفون كلام الله ويكتمون ما جاء فيه من نعوت النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء لا يؤمنون به وهم الخاسرون دون غيرهم، ومن آمن من أهل الكتاب بكتابه وتلاه حق تلاوته سوف يؤمن بالنبي الأمي ويدخل في دينه قطعاً. هداية الآيات: من هداية الآيتين: 1- لا يحصل المسلم على رضا اليهود والنصارى إلا بالكفر بالإِسلام واتباع دينهم الباطل وهذا ما لا يكون للمسلم أبداً فلذا طَلَب رضا اليهود والنصارى محرم لا يحل أبداً. 2- لا دين حق إلا الإِسلام فلا ينبغي أن يُلْتَفَتَ إلى غيره بالمرة. 3- من يوالي اليهود والنصارى باتباعهم على باطلهم يفقد ولاية الله تعالى ويحرم نصرته. 4- طريق الهداية في تلاوة كتاب الله حق تلاوته بأن يجوده قراءة ويتدبّره هداية ويؤمن بحكمه ومتشابهه، ويحلل حلاله ويحرم حرامه، ويقيم حدوده كما يقيم حروفه.

القطان

تفسير : الملة: الطريقة، الدين، الشريعة، جمعها ملل. الاهواء: جمع هوى، وأهل الأهواء أهل البدع، قال السيد الجرجاني "الهوى ميلان النفس الى ما تستلذ من الشهوات من غير داعية للشرع". ولا يستعمل في الغالب الا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه. كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على ان يبادر أهلُ الكتاب الى الايمان به، فكبُر عليه إعراضهم عن اجابة دعوته، مع انها موافقة لأصول دينهم. وهنا يخاطبه الله تعالى بأنهم لن يرضوا عنه ابدا. فيقول له: لا ترهق نفسك في استرضاء المعاندين من اليهود والنصارى، فان هؤلاء لن يرضوا عنك حتى تتبع دينهم الذي يزعمون انه هو الصواب. ولا يوجد هدي حقيقي الا ما أنزل الله على أنبيائه وما أنزلتُه عليك من الاسلام. لا ما أضافه اليهود والنصارى من تحريف وتغيير حتى فرّقوا دينهم وكانوا شيعا. ولئن اتبعتَ أهواءهم وما أضافوا الى دينهم وجعلوه أصلاً من أصول شريعتهم فان الله لن ينصرك أو يساعدك على ذلك. وهذا انذار شديد الى الرسول الكريم الذي عصمه الله من الزيغ والزلل، ولكنه في الحقيقة موجه للناس كافة. وقد جاء الكلام هنا على هذا الأسلوب الشديد ليرشد من يأتي بعده ان يصدع بالحق ولا يبالي بمن خالفه مهما قوي حزبه واشتد امره. فمن عرف ان الله ناصره لا يخاف انكار المعاندين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلنَّصَارَىٰ} {وَلَئِنِ} (120) - كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْجُو أَنْ يُبَادِرَ أَهْلُ الكِتَابِ إِلَى الإِيْمَانِ بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، لِذلِكَ كَبُرَ عَلَيهِ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، وَإِلحَافُهُمْ فِي مُجَاحَدَتِهِ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ أَنْ يُيْئِسَهُ مِنَ الطَّمَعِ فِي إِسْلاَمِهِمْ، إِذْ عَلَّقَ رِضَاهُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ أَنُ يَكُونَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصارَى لَنْ يَرْضَوْا عَنْكَ أَبداً مَا لَمْ تَتْبَعُ مِلَّتَهُمْ وَشَرِيعَتَهُمْ، لِذلِكَ عَلَيكَ تَرْكُ طَلَبِ مَرْضَاتِهِمْ، وَالاتِّجَاهُ إِلى طَلَبِ مَرْضَاةِ اللهِ في دَعْوَتِكَ إِيَّاهُمْ إِلى مَا بَعَثَكَ اللهُ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الدِّينَ الذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، والذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ (هُدَى اللهِ) هُوَ الدِّينُ الصَّحِيح. وَيَتَوَعَّدَ اللهُ المُؤْمِنينَ الذِينَ يَتَّبِعُونَ طَرائِقَ اليَهُودِ والنَّصَارَى وَيَقْبلُونَ مَا أَضَافُوهُ إِلى دِينِهِمْ مِنْ عِنْدِ أنفُسِهِمْ، بِحَسَبِ أَهْوَائِِهِمْ وَغَايَاتِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّهُمْ لَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَاصِرٌ من عَذَابِ اللهِ، لأَنَّهُمْ أَصْبَحُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنَ الحَقِّ بَعْدَ مَا عَلِمُوهُ مِنَ القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، (وَالخِطَابُ هُنَا لِلرَّسُولِ وَالتحذيرُ لأُِمَّتِهِ، لأَِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم مَعْصُومٌ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كان اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخل لؤم وكيد فيقولون هادنا، أي قل لنا ما في كتابنا حتى ننظر إذا كنا نتبعك أم لا .. يريد الله تبارك وتعالى أن يقطع على اليهود سبيل الكيد والمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم .. بأنه لا اليهود ولا النصارى سيتبعون ملتك .. وإنما هم يريدون أن تتبع أنت ملتهم .. أنت تريد أن يكونوا معك وهم يطمعون أن تكون معهم .. فقال الله سبحانه: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] .. نلاحظ هنا تكرار النفي وذلك حتى نفهم أن رضا اليهود غير رضا النصارى .. ولو قال الحق تبارك وتعالى، ولن ترضى عنك اليهود والنصارى بدون لا .. لكان معنى ذلك أنهم مجتمعون على رضا واحد أو متفقون .. ولكنهم مختلفون بدليل أن الله تعالى قال: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ..} تفسير : [البقرة: 113]. إذن فلا يصح أن يقال فلن ترضى عنك اليهود والنصارى .. والله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لن ترضى عنك اليهود ولن ترضى عنك النصارى .. وإنك لو صادفت رضا اليهود فلن ترضى عنك النصارى .. وإن صادفت رضا النصارى فلن ترضى عنك اليهود .. ثم يقول الحق سبحانه: {حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] .. والملة هي الدين وسميت بالملة لأنك تميل إليها حتى ولو كانت باطلاً .. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 3-6]. فجعل لهم ديناً وهم كافرون ومشركون .. ولكن ما الذي يعصمنا من أن نتبع ملة اليهود أو ملة النصارى .. الحق جل جلاله يقول: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 73]. فاليهود حَرَّفوا في ملتهم والنصارى حرفوا فيها .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه هدى الله .. والهدى هو ما يوصلك إلى الغاية من أقصر طريق .. أو هو الطريق المستقيم باعتباره أقصر الطرق إلى الغاية .. وهدى الله طريق واحد، أما هدى البشر فكل واحد له هدى ينبع من هواه. ومن هنا فإنها طرق متشعبة ومتعددة توصلك إلى الضلال .. ولكن الهدى الذي يوصل للحق هو هدى واحد .. هدى الله عز وجل. وقوله تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} [البقرة: 120] إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أن ملة اليهود وملة النصارى أهواء بشرية .. والأهواء جمع هوى .. والهوى هو ما تريده النفس باطلاً بعيداً عن الحق .. لذلك يقول الله جل جلاله: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120].. والله تبارك وتعالى يقول لرسوله لو اتبعت الطريق المعوج المليء بالشهوات بغير حق .. سواء كان طريق اليهود أو طريق النصارى بعدما جاءك من الله من الهدى فليس لك من الله من ولي يتولى أمرك ويحفظك ولا نصير ينصرك. وهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن نقف معه وقفة لنتأمل كيف يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه .. فالله حين يوجه هذا الخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام .. فالمراد به أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَتْباع رسول الله الذين سيأتون من بعده .. وهم الذين يمكن أن تميل قلوبهم إلى اليهود والنصارى .. أما الرسول فقد عصمه الله من أن يتبعهم. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم يقيناً أن ما لم يقبله من رسوله عليه الصلاة والسلام .. لا يمكن أن يقبله من أحد من أمته مهما علا شأنه .. وذلك حتى لا يأتي بعد رسول الله من يَدَّعِي العلم .. ويقول نتبع ملة اليهود أو النصارى لنجذبهم إلينا .. نقول له لا ما لم يقبله الله من حبيبه ورسوله لا يقبله من أحد. إن ضرب المثل هنا برسول الله صلى الله عليه وسلم مقصود به أَنَّ اتِّبَاعَ ملة اليهود أو النصارى مرفوض تماماً تحت أي ظرف من الظروف، لقد ضرب الله سبحانه المثل برسوله حتى يقطع على المغرضين أي طريق للعبث بهذا الدين بحجة التقارب مع اليهود والنصارى.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} معناهُ دِينَهُمْ. والجمعُ: المِلَلُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى رسوله، أنه لا يرضى منه اليهود ولا النصارى، إلا باتباعه دينهم، لأنهم دعاة إلى الدين الذي هم عليه، ويزعمون أنه الهدى، فقل لهم: { إِنَّ هُدَى اللَّهِ } الذي أرسلت به { هُوَ الْهُدَى } . وأما ما أنتم عليه، فهو الهوى بدليل قوله { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } . فهذا فيه النهي العظيم، عن اتباع أهواء اليهود والنصارى، والتشبه بهم فيما يختص به دينهم، والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمته داخلة في ذلك، لأن الاعتبار بعموم المعنى لا بخصوص المخاطب، كما أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.