Verse. 128 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَلَّذِيْنَ اٰتَيْنٰھُمُ الْكِتٰبَ يَتْلُوْنَہٗ حَقَّ تِلَاوَتِہٖ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ يُؤْمِنُوْنَ بِہٖ۝۰ۭ وَمَنْ يَّكْفُرْ بِہٖ فَاُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْخٰسِرُوْنَ۝۱۲۱ۧ
Allatheena ataynahumu alkitaba yatloonahu haqqa tilawatihi olaika yuminoona bihi waman yakfur bihi faolaika humu alkhasiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين آتيناهم الكتاب» مبتدأً «يتلونه حق تلاوته» أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال وحق نصب على المصدر والخبر «أولئك يؤمنون به» نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا «ومن يكفر به» أي بالكتاب المؤتى بأن يحرفه «فأولئك هم الخاسرون» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

121

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: {ٱلَّذِينَ } موضعه رفع بالابتداء. و {أُوْلَـٰئِكَ } ابتداء ثان و {يُؤْمِنُونَ بِهِ } خبره. المسألة الثانية: المراد بقوله: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } من هم فيه قولان: القول الأول: أنهم المؤمنون الذين آتاهم الله القرآن واحتجوا عليه من وجوه. أحدها: أن قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } حث وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، ومدح على تلك التلاوة، والكتاب الذي هذا شأنه هو القرآن لا التوراة والإنجيل، فإن قراءتهما غير جائزة. وثانيها: أن قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يدل على أن الإيمان مقصود عليهم، ولو كان المراد أهل الكتاب لما كان كذلك. وثالثها: قوله: {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } والكتاب الذي يليق به هذا الوصف هو القرآن. القول الثاني: أن المراد بالذين آتاهم الكتاب، هم الذين آمنوا بالرسول من اليهود، والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد عليه السلام. أما قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } فالتلاوة لها معنيان. أحدهما: القراءة. الثاني: الإتباع فعلاً، لأن من اتبع غيره يقال تلاه فعلاً، قال الله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلـٰهَا } تفسير : [الشمس: 2] فالظاهر أنه يقع عليهما جميعاً، ويصح فيهما جميعاً المبالغة لأن التابع لغيره قد يستوفي حق الاتباع فلا يخل بشيء منه، وكذلك التالي يستوفي حق قراءته فلا يخل بما يلزم فيه، والذين تأولوه على القراءة هم الذين اختلفوا على وجوه. فأولها: أنهم تدبروه فعملوا بموجبه حتى تمسكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما. وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته، وخشعوا إذا قرأوا القرآن في صلاتهم وخلواتهم. وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه وفوضوه إلى الله سبحانه. ورابعها: يقرؤنه كما أنزل الله، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتأولونه على غير الحق. وخامسها: أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها لفظاً ومعنى، فوجب حمل اللفظ على هذا القدر المشترك تكثيراً لفوائد كلام الله تعالى والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} قال قتادة: هم أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ والكتاب على هذا التأويل القرآن. وقال ٱبن زيد: هم من أسلم من بني إسرائيل. والكتاب على هذا التأويل: التوراة؛ والآية تَعُمّ. و «الذين» رفع بالابتداء، «آتيناهم» صلته، {يَتْلُونَهُ} خبر الابتداء، وإن شئت كان الخبر {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}. وٱختلف في معنى {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} فقيل: يتَّبعونه حق ٱتباعه، بٱتباع الأمر والنهي؛ فيحلّلون حلاله، ويحرّمون حرامه، ويعملون بما تضمَّنه؛ قاله عكرمة. قال عكرمة: أما سمعت قول الله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}تفسير : [الشمس: 2] أي أتبعها؛ وهو معنى قول ٱبن عباس وٱبن مسعود رضي الله عنهما. وقال الشاعر:شعر : قد جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي تفسير : وروى نصر بن عيسى عن مالك عن نافع عن ٱبن عمر "حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: «يتَّبعونه حق ٱتباعه»"تفسير : . في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكر الخطيب أبو بكر أحمد، إلا أن معناه صحيح. وقال أبو موسى الأشعري: من يتَّبع القرآن يهبط به على رياض الجنة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الذين إذا مَرُّوا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مَرُّوا بآية عذاب ٱستعاذوا منها. وقد روي هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: كان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب تَعَوّذ. وقال الحسن: هم الذين يعملون بمُحْكَمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلُون ما أشكل عليهم إلى عالمه. وقيل: يقرأونه حق قراءته. قلت: وهذا فيه بُعْدٌ، إلا أن يكون المعنى يرتّلون ألفاظه، ويفهمون معانيه؛ فإنّ بفهم المعاني يكون الاتباع لمن وُفق.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} يريد به مؤمني أهل الكتاب {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه، وهو حال مقدرة والخبر ما بعده، أو خبر على أن المراد بالموصول مؤمنوا أهل الكتاب {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بكتابهم دون المحرفين. {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} بالتحريف والكفر بما يصدقه {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} حيث اشتروا الكفر بالإيمان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } مبتدأ {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } أي يقرؤونه كما أنزل والجملة حال (وحقَّ) نُصِبَ على المصدر والخبر {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } نزلت في جماعة قدموا من الحبشة وأسلموا {وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالكتاب المؤتى بأن يحرّفه {فَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ } لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، والكتاب: القرآن، أو علماء اليهود، والكتاب: التوراة، {يَتْلُونَهُ} يقرؤونه حق قراءته، أو يتبعونه حق اتباعه بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، قاله الجمهور. {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم.

النسفي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } مبتدأ { ءَاتَيْنَٰهُمْٱلْكِتَـٰبَ} صلته وهم مؤمنو أهل الكتاب وهو التوراة والإنجيل، أو أصحاب النبي عليه السلام والكتاب القرآن. {يَتْلُونَهُ } حال مقدرة من «هم» لأنهم لم يكونوا تالين له وقت إيتائه، ونصب على المصدر. {حَقَّ تِلاَوَتِهِ } أي يقرأونه حق قراءته في الترتيل وأداء الحروف والتدبر والتفكر، أو يعملون به ويؤمنون بما فيه مضمونه ولا يغيرون ما فيه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم. {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ خبره {يُؤْمِنُونَ بِهِ} والجملة خبر «الذين» ويجوز أن يكون «يتلونه» خبراً، والجملة خبر آخر. {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } حيث اشتروا الضلالة بالهدى { يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي أنعمتها عليكم {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } وتفضيلي إياكم على عالمي زمانكم {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } «هم» رفع بالابتداء والخبر «ينصرون». والجمل الأربع وصف لـ «يوماً» أي واتقوا يوماً لا تجزى فيه ولا يقبل فيه ولا تنفعها فيه ولا هم ينصرون فيه. وتكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم، وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به. {وَإِذْ } أي واذكر إذ {ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ } اختبره بأوامر ونواه. والاختبار منا لظهور ما لم نعلم، ومن الله لإظهار ما قد علم، وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى. وقيل: اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك. وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه: «إبراهيمُ ربه»، يرفع إبراهيم وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنهما، أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا. {فَأَتَمَّهُنَّ } أي قام بهن حق القيام وأدّاهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ ونحوه {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }تفسير : [النجم: 37] ومعناه في قراءة أبي حنيفة رحمه الله فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً. والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا }تفسير : [البقرة: 126]. {أية : وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ }تفسير : [البقرة: 128]. {أية : وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ }تفسير : [البقرة: 129]. {أية : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } تفسير : [البقرة: 127]. والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس: الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق. وخمس في الجسد: الختان وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هي ثلاثون سهماً من الشرائع: عشر في براءة {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ }تفسير : [الآية: 12]، الآية وعشر في الأحزاب {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب:35] الآية، وعشر في «المؤمنين» و«المعارج» إلى قوله {يُحَافِظُونَ } وقيل: هي مناسك الحج {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } هو اسم من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم. {قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى } أي واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به. ذرية الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء. فعيلة من الذرء أي الخلق فأبدلت الهمزة ياء. {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } بسكون الياء: حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر. أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال الله تعالى: {أية : وَبَـٰرَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَـٰقَ وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ مُبِينٌ }تفسير : [الصافات: 113]. والمحسن المؤمن والظالم الكافر. قالت المعتزلة: هذا دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا: وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جـاء المثل السائر «من استرعى الذئب ظلم». ولكنا نقول: المراد بالظالم الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق. وقيل: إنه سأل أن يكون ولده نبياً كما كان هو فأخبر أن الظالم لا يكون نبيا.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ...} ابن عطية: عن قتادة: هم المؤمنون بمحمد، والكتاب القرآن. وعن ابن زيد: هم المؤمنون بموسى عليه السلام، والكتاب التوراة، وقيل: الأربعون الواردون مع جعفر بن أبي طالب في السفينة. قال ابن عرفة: المراد به الأنبياء والرّسل فقط. لكن يضعف لقوله "يُؤْمِنُونَ بِهِ" فكأنه إخبار بالمعلوم. ابن عطية: ويصح أن يكون "يَتْلُونَهُ"حالا والخبر "أُوْلئِكَ يُؤْمِنُونَ". ورده ابن عرفة: بأنه إخبار بالمعلوم فيمتنع كما امتنع أنّ الذاهبة جاريته مالكها، لأنّهم فسّروا "يتلونه" بمعنى يتبعونه بامتثال أوامره ونواهيه، وهذا هو حقيقة الإيمان به. لكن قال: هذا إنما يلزم إذا جعلنا الهاء من "به" عائدة على الكتاب، وأما إن أعدناها على محمد صلى الله عليه وسلم أو على "الهُدَى" فيتم له ما قال. قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن الحال من شرطها الانتقال فالتلاوة غير لازمة؟ فقال: الإخبار عن (المبتدإ) إنما هو (بصفته) والحال من صفته فإذا انتقلت انتقل الخبر. قال ابن عرفة: وفي الآية رحمة وترجّ لكونها لم يذكر فيها إلا من آمن بالكتاب ومن كفر به، ويبقى من كان في زمن الفترة والمجانين والصغار مسكوتا عنهم لم يتناولهم هذا الوعيد. وجاءت الآية مفصولة بغير عطف غير موصولة مع أنهم شرطوا في ذلك اختلاف الجملتين بأن تكون إحداهما طلبية، والأخرى خبرية وكذا الأمر والنهي وهاتان متفقتان في الخبر لكنهما مختلفان.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ...} الآية: قال قتادة: المراد بـ «الَّذِينَ» في هذا الموضع: مَنْ أَسْلَمَ من أمَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والكتابُ علَىٰ هذا: التأويل القرآن، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل، والكِتَابُ؛ على هذا التأويلِ: التوراةُ، و {ءَاتَيْنَـٰهُمُ}: معناه: أعطيناهم، و {يَتْلُونَهُ }: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بٱمتثالِ الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلاناً، أي: يتبعه؛ ومنه: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَـٰهَا} تفسير : [الشمس:2] أي: تبعها. انتهى. وللَّه دَرُّ مَنِ ٱتَّبَعَ كلامَ ربِّهِ، وٱقتفىٰ سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِــ «المدارك»: قال في ترجمة سُحْنُون: كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها. انتهى. وقيل: {يَتْلُونَهُ}: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والاِمتثالَ، و {حَقَّ}: مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب»، وقيل: يعود على محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في {يَكْفُرْ بِهِ } يحتمل من العود ما ذكر في الأول. وقوله تعالى: {يابَنِى إِسْرٰءِيلَ...} الآيةَ: تقدَّم بيان نظيرها، ومعنى: {وَلاَ تَنفَعُهَـا شَفَـٰعَةٌ}: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنَىٰ أنه يشفع فيهم أحَد، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة. * ت *: ولم ينبِّه - رحمه اللَّه - علَىٰ هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، و {ٱبْتَلَىٰ } معناه: ٱخْتَبَرَ، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ»: {ٱبْتَلَىٰ }، أي: ٱختَبَرَ، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده علَىٰ علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابقُ علمه فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ - رضي اللَّه عنه - في قوله عز وجَلَّ: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَـٰرَكُمْ } تفسير : [محمد:31] فقال رضي اللَّه عنه: إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ }، أي: حتَّىٰ نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم. انتهى، وهو كلام حسنٌ. وقد نبه * ع *: عَلىٰ هذا المعنَىٰ فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجَرَىٰ على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو. و {إِبْرَاهِيمَ }: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات»، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْماً هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ - عليه السلام - منْها في «براءة»: {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ... }تفسير : الآية [التوبة:112]، وعشرة في «الأحزاب»: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ...}، تفسير : [الأحزاب:35]، وعَشَرة في {أية : سَأَلَ سَائِلٌ } تفسير : [المعارج:1]. * ت *: وقيل غير هذا. وفي «البخاريِّ»: أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه {إِنِّي جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} والإِمام القُدْوة. وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ؛ لأنها اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالَىٰ: {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ } تفسير : [النجم:37]. وقول إبراهيم عليه السلام: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه، أي: ومن ذريتي، يا ربِّ، فٱجعلْ. وقوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ}، أي: قال اللَّه، والعهد فيما قال مجاهد: الإِمامة.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان: أحدهما: "يَتْلُونَهُ"، وتكون الجملة من قوله: "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ": إما مستأنفة وهو الصحيح. وإما حالاً على قول ضعيف تقدم مثله أول السورة. والثاني: أن الخبر هو الجملة من قوله: "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ". ويكون "يَتْلُونَهُ" في محلّ نصب على الحال إما من المفعول في "ءَاتْنَاهُمْ" وإما من الكتاب، وعلى كلا القولين فهي حال مقدرة؛ لأن وقت الإيتاء لم يكونوا تالين، ولا كان الكتاب متلوًّا. وجوز الحوفي أن يكون "يتلونه" خبراً، و "أولَئِكَ يُؤْمِنُونَ" خبراً بعد خبر، قال: مثل قولهم: "هذا حلو حامض" كأنه يريد جعل الخبرين في معنى خبر واحد، هذا إن أريد بـ "الذين" قوم مخصوصون. وإن أريد بهم العموم، كان "أولئِكَ يُؤْمِنُونَ" الخبر. قال جماعة ـ منهم ابن عطية رحمه الله وغيره ـ و "يَتْلُونَهُ" حالاً لا يستغنى عنها، وفيها الفائدة. وقال أيضاً أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون "يَتْلُونَهُ" خبراً؛ لئلا يلزم منه أنّ كل مؤمن يتلو الكتاب حَقَّ تلاوته بأي تفسير فسرت التلاوة قال أبو حيان: ونقول: ما لزم من الامتناع مِنْ جَعْلِهَا خبراً يلزم في جعلها حالاً؛ لأنه ليس كل مؤمن على حال التلاوة بأي تفسير فسرت التلاوة. قوله تعالى: "حَقَّ تِلاَوَتِهِ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه نصب على المصدر وأصله: "تلاوةً حقًّا" ثم قدم الوصف، وأضيف إلى المصدر، وصار نظير "ضربت شديد الضرب" أي: ضَرْباً شديداً. فلما قدم وصف المصدر نصب نصبه. الثاني: أنه حال من فاعل "يَتْلُونَهُ" أي: يتلونه محقين. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف. وقال ابن عطية: و "حَقَّ" مصدر، والعامل فيه فعل مضمر، وهو بمعنى "أفعل"، ولا تجوز إضافته إلى واحد معرف، إنما جازت هنا؛ لأن تَعَرُّفَ التلاوة بإضافتها إلى الضمير ليس بتعرف محض، وإنما هو بمنزلة قولهم: رجل وَاحِدُ أُمِّه ونَسِيجُ وحده يعني: أنه في قوة "أفعل" التفضيل بمعنى أحقّ التلاوة، وكأنه يرى أن إضافة "أفعل" غير محضة، ولا حاجة إلى تقدير عامل فيه؛ لأن ما قبله يطلبه. والضمير في "به" فيه أربعة أقوال: أحدها ـ وهو الظاهر ـ: عوده على الكتاب. الثاني: عوده على الرسول، قالوا: "ولم يَجْرِ له ذكر لكنه معلوم"، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار، فإنه مذكور في قوله: {أية : أَرْسَلْنَاكَ}تفسير : [البقرة:119]، إلا أن فيه التفاتاً من خطاب إلى غيبة. الثالث: أنه يعود على الله تعالى، وفيه التفات أيضاً من ضيمر المتكلّم المعظم في قوله: "أَرْسَلْنَاكَ" إلى الغيبة. الرابع: قال ابن عطية: إنه يعود على "الهدى" وقرره بكلام حسن. فصل فيمن نزلت فيهم هذه الآية قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أهل السَّفينة الذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلاً اثنان وثلاثون من "الحبشة" وثمانية من رهبان "الشام" منهم بحيرى. وقال الضحاك: هو من آمن من اليهود: عبد الله بن سلام، وشعبة بن عمرو، وتمام ابن يهوذا، وأسيد وأسد ابنا كعب وابن تامين، وعبد الله بن صوريا. دليل هذين التأويلين تقدم ذكر الكتاب. وقال قتادة وعكرمة: هم المؤمنون عامة لقوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} وهذا حثّ وترغيب في تلاوة هذا الكتاب، وهذا شأن القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل لا يجوز قراءتهما، وأيضاً قوله: {يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} وهذا الوصف لا يليق إلا بالقرآن. والتلاوة لها معنيان: أحدهما: الاتباع فعلاً؛ لأن من اتبع غيره يقال: تلاه فعلاً، قال تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}تفسير : [الشمس:2]. والثاني: القراءة. وفي حق التلاوة وجوه: أحدها: أنهم يدبّروه، فعملوا بموجبه [حتى تمسّكوا بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما]. وثانيها: أنهم خضعوا عند تلاوته. وثالثها: أنهم عملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وتوقفوا فيما أشكل عليهم منه، وفوضوه إلى الله تعالى. ورابعها: يقرءونه كما أنزله الله، ولا يحرفونه، ولا يتأولونه على غير حق. وخامسها: روي عن عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوا، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا. وسادسها: المراد أن تحمل الآية على كل هذه الوجوه؛ لأنها مشتركة في مفهوم واحد، وهو تعظيمها، والانقياد لها.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏ {‏الذين أتيناهم الكتاب‏} ‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {يتلونه ‏حق تلاوته‏} ‏ قال‏:‏ يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والهروي في فضائله عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ قال‏:‏ يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ {أية : ‏والقمر إذا تلاها‏} تفسير : ‏[‏الشمس: 2‏]‏ يقول‏:‏ اتبعها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله {‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ قال‏:‏ إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوّذ بالله من النار‏.‏ وأخرج الخطيب في كتاب الرواة عن مالك بسند فيه مجاهيل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ‏ {‏يتلونه حق تلاوته‏} ‏ قال‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏. ‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طرق عن ابن مسعود قال‏:‏ في قوله ‏ {‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ قال‏:‏ أنّ يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً غير تأويله‏.‏ وفي لفظ‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏{‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ قال‏:‏ يتكلمونه كما أنزل الله ولا يكتمونه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به‏} ‏ قال‏:‏ منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها‏.‏ قال‏:‏ وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول‏:‏ والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه‏.‏ قال‏:‏ وحدثنا عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ لقد مضى بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم. وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن في قوله ‏ {‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ قال‏:‏ يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏ {‏يتلونه حق تلاوته‏} ‏ قال‏:‏ يتبعونه حق اتباعه‏.‏

ابو السعود

تفسير : {الَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} وهم مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} بمراعاة لفظِه عن التحريف وبالتدبّر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرةٌ والخبرُ ما بعده أو خبرٌ وما بعده مقرِّرٌ له {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصوفين بإيتاء الكتاب وتلاوتِه كما هو حقُّه، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِهم في الفضل {يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بكتابهم دون المحرِّفين فإنهم بمعزل من الإيمان به فإنه لا يجامِعُ الكفرَ ببعضٍ منه {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} بالتحريف والكفرِ بما يصدِّقه {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} حيث اشترَوُا الكفر بالإيمان {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ومن جملتها التوراةُ، وذكرُ النعمة إنما يكون بشكرها، وشكرُها الإيمانُ بجميع ما فيها ومن جملته نعتُ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن ضرورة الإيمان بها الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} أفرِدَتْ هذه النعمةُ بالذكر مع كونها مندرجةً تحت النعمة السالفةِ لإنافتها فيما بـين فنونِ النعم.

القشيري

تفسير : الذين فتحنا أبصارهم بشهود حقنا وَكَلْنَا أسماع قلوبهم بسماع خطابنا، وخصصناهم بإسبال نور العناية عليهم، وأيَّدناهم بتحقيق التعريف في أسرارهم، يقومون بحق التلاوة، ويتصفون بخصائص الإيمان والمعرفة فهم أهل التخصيص، ومَنْ سِواهم أصحابُ الرد.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} يريد مؤمنى اهل الكتاب كعبدالله بن سلام واصحابه من الذين اسلموا من اليهود وانما خصهم بذكر الايتاء لانهم هم الذين عملوا به فخصوا به والكتاب التوراة {يتلونه حق تلاوته} بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر فى معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب فى آتيناهم او من الكتاب لانهم لم يكونوا تالين له وقت الاتيان. وقوله حق تلاوته نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل المذكور اى يتلونه تلاوة حق تلاوته واختار الكواشى كونه منصوبا على المصدرية على تقدير تلاوة حقا فان نعت المصدر اذا قدم عليه واضيف اليه نصب نصب المصادر نحو ضربت اشد الضرب بنصب اشد على المصدرية {أولئك} الموصوفون بايتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه وهو مبتدأ ثان خبره قوله تعالى {يؤمنون به} اى بكتابهم دون المحرفين فان بناء الفعل على المبتدأ وان كان اسما ظاهرا يفيد الحصر مثل الله يستهزئ بهم {ومن يكفر به} اى بالكتاب سواء كان كفره بنفس التحريف او بغيره كالكفر بالكتاب الذى يصدقه {فأولئك هم الخاسرون} اى الهالكون المغبونون حيث اشتروا الكفر بالايمان.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة {يتلونه} حال، و {أولئك} خبر الموصول. يقول الحقّ جلّ جلاله: {الذين آتيناهم الكتاب}، كعبد الله بن سلام وأصحابه، حالتهم {يتلونه حق تلاوته} غير محرّفين له، ولا كاتمين ما فيه، {أولئك} هم الذين {يؤمنون به} حقيقة، وأما غيرهم ممن حرف وكتم صفة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كفر به، {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} أي: الكاملون في الخسران، حيث بخسوا أنفسهم من عَزِّ الدارين. الإشارة: ما قيل في التوراة وأصحابه يقال مثله في القرآن وأهله؛ فمن آتاه الله القرآن، وتلاه حق تلاوته، بحيث جَوَّدَ حروفه وتَدبَّر معانيه، وعمل بما فيه، فأولئك هم المؤمنون به حقّاً، والفائزن بثمار معانيه حلاوة وذوقاً، ومن ترك التدبر في معانيه فقد حرم نفسه ثمار حلاوته، وذلك عين الخسران عند أهل الإيقان. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: المعني بهذه الآية ـ في قول قتادة واختيار الجبائي ـ اصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين آمنوا بالقرآن وصدقوا به. وقال ابن زيد: هو من آمن بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من بني اسرائيل. والكتاب على قوله: التوراة. ومعنى قوله: {يتلونه حق تلاوته} قال ابن عباس: يتبعونه حق اتباعه، ولا يحرفونه، ثم يعملون بحلاله ويقفون عند حرامه. ومثله قوله: {أية : والقمر إذا تلاها} تفسير : اي تبعها. به قال ابن مسعود، ومجاهد وقتادة، وعطاء. وروي عن ابي عبد الله (ع) حق التلاوة الوقوف عند ذكر الجنة والنار يسأل في الأولى، ويستجير من الاخرى. وقال قوم {يتلونه حق تلاوته} يقرؤونه حق قراءته. اللغة والتلاوة في اللغة على وجهين: احدهما ـ القراءة. والثاني ـ الاتباع. والاول اقوى، وعليه اكثر المفسرين ولا يجوز ان يقال: يتلونه حق التلاوة على مذهب الكوفيين، كما لا يجوز يتلونه: ايّ التلاوة، لان ايا اذا كانت مدحاً وقع على النكرة، ولم يقع على المعرفة. فلا يجوز مررت بالرجل حق الرجل كما لا يجوز مررت بالرجل اي الرجل. وكما لا يجوز مررت بابي عبد الله ابي زيد. وانما جاز تلاوته. كما يجوز رب رجل واخيه. وقال بعض البصريين يجوز مررت بالرجل حق الرجل. ولا يجوز مع اي لان اياً تدل على اليعيض. ليس كذلك حق. فاما مررت بالرجل كل الرجل فجائز عند الجميع، لان اصله التوكيد، فترك على حاله. المعنى: والمعني بقوله {ومن يكفر به} اليهود ـ على قول ابن زيد ـ والاولى ان يكون ذلك محمول على عمومه في جميع الكفار. وبه قال الجبائي واكثر المفسرين.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} لا للّذين اوتوا الكتاب فأشار الى امتيازهم من أهل الكتاب بتشريف نسبة الايتاء الى نفسه يعنى الّذين استعدّوا بفطرتهم وبقابليّتهم المكتسبة لايتاء الكتاب فآتيناهم أحكام النّبوّة وصور الكتب السّماويّة مشتملة على معانيها الواقعيّة والجملة مستأنفة جواب لسؤال مقدّر كأنّه قيل: فلا يؤمن أهل الكتاب بمحمّد (ص) ورسالته او بكتابهم او بكتابه (ص) او بجنس الكتاب ولا يتلوه وهو تسلية للرّسول والمؤمنين بأنّ الّذين آتاهم الله الكتاب وكلّ واحد منهم خير من الف الف من الّذين آتاهم الشّيطان كتاباً {يَتْلُونَهُ} خبر او حال او معترضة جواب لسؤال مقدّر قبل تمام الكلام كأنّه قيل: ما يفعل من شرفته بايتاء الكتاب؟ - فقال تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} نسب الى الباقر (ع) أنّه قال: يتلون آياته ويتفقّهون فيه ويعملون بأحكامه ويرجون وعده ويخافون وعيده ويعتبرون بقصصه ويأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه ما هو والله حفظ آياته ودرس حروفه وتلاوة سوره ودرس أعشاره وأخماسه؛ حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وانّما هو تدبّر آياته والعمل بأحكامه؛ قال الله تعالى: {أية : كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوۤاْ آيَاتِهِ} تفسير : [ص:29] فالّذين آتاهم الله الكتاب وشرّفهم بذلك يحزنهم ترك الرّعاية والقصور والتّقصير فى مراعاته والّذين آتاهم الشّيطان الكتاب او أخذوه من الآباء بحسب ما اعتادوه او تلقّفوه من الرّجال بحسب ما تدارسوه فانّهم يعجبهم حفظ الرّواية ولا يبالون بترك الرّعاية {أُوْلَـٰئِكَ} العظماء {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالكتاب او بمحمّد (ص) او بالله على ان يكون فى الكلام التفات ومحلّ الجملة يعلم بالمقايسة الى الجملة السّابقة {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} لا خاسر سواهم.

اطفيش

تفسير : {الذِينَ آتيناهُمُ الكِتَابَ}: قال ابن عباس: نزلت فى أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبى طالب، وهم أربعون رجلا، اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، منهم بحيرا الراهب. وقال الكلبى: هم الرهط الذين آمنوا من أهل الكتاب، اثنان وثلاثون من الحبشة الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وثمانية من رهبان الشام، وسبعة من اليهود منهم عبدالله بن سلام، وابن صوريا. وقال ابن زيد: المراد من أسلم من بنى إسرائيل، وقيل مؤمنو أهل الكتاب مثل عبدالله بن سلام. وقال ابن مسعود، ومجاهد، وقتادة، المراد الذين أسلموا من العرب وغيرهم فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، ولقوه. وقيل المؤمنون عامة، فاكتاب على قول ابن عباس وقول الكلبى وقول ابن زيد والقول بعده هو التوراة وعلى القولين الآخرين: القرآن. والذين مبتدأ خبره قوله تبارك وتعالى. {يتْلُونهُ حقَّ تِلاوتِهِ}: واستأنف فى مدحهم بقوله: {أولئكَ يُؤمنونَ بِه}: ويجوز أن يكون هذا خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون {يتلُونه حقَّ تِلاوتِه} حالا مقدرة من (هاء) آتيناه، أو من الكتاب أو الهاء والكتاب، وإنما قلت مقدرة لأن إيتاء الله الكتاب لهم لم تقارنه تلاوتهم إياه من أول الأمر، بل بعد {وأولئك يؤمنون به} خبر، ومعنى: {يتلونه} أي يقرءونه حق قراءته بألا يحرفوه ولا يزيدوا فيه ولا ينقصوا منه، وسميت القراءة تلاوة، لأن القارئ يتبع فى قراءته حرفاً بحرف، وكلمة بكلمة، وآية بآية، وسورة بسورة ونحو ذلك من الأجزاء، يقال: تلاه أى تبعه. قال الله تعالى: {أية : والقمر إذا تلاها} تفسير : أى تبعها، وقد فسره بن عباس وعكرمة ومجاهد باتباعه فى العلم حق الاتباع، بأن يفعلوا ما أمرهم به الله فيه، وينتهوا عما نهاهم عنه فيه، ويؤمنوا بمتشابهه ويكلوه إلى الله تعالى، ويحتمل أن يكون المعنى يتبعونه بتدبر معانيه، والتفكر فيها واستخراج أسراره، وعن ابن مسعود معنى (يتلونه حق تلاوته): أن يحلوا حلاله ويحرموا حرامه، وأن يقرأ كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه، ويحتمل أن يراد مجموع ما ذكر عن ابن مسعود مع التدبر والتفكر، واستخراج أسراره، والهاء فى به عائدة للكتاب، سواء قلنا إنه التوراة أو القرآن، أى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، الذين هم يؤمنون به دون من يحرف لفظه، أو يزيد أو ينقص أو يحرف معناه، ويجوز عودها للعلم فى قوله تعالى: {أية : بعد الذى جاءك من العلم}،تفسير : فإن من يحرف التوراة مثلا لا يؤمن بما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، من العلم، ويجوز عودها إلى هدى الله، ويجوز عودها إلى محمد، صلى الله عليه وسلم، فإن من يتلو التوراة حق تلاوتها هو الذى يؤمن به، صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة قد وصفته. {ومَنْ يَكفرْ بهِ}: أى بالكتاب بأن حرفه أو جحده أو زاد أو نقص فيه، أو كذب بما يصدقه، فإن التوراة تصدق القرآن، وفى هذه الهاء الأوجه المذكورة فى هاء يؤمنون به. {فَأولئكَ هُم الخاسرِونَ}: فى اعتقادهم وقولهم وفعلهم، إذ تركوا الإيمان الذى به دخول الجنة ورضا الله، وأخذوا الكفر الموجب لدخول النار وسخط الله سبحانه وتعالى، ولا يخفى خسران من استبدل النعمة الدائمة بالعذاب الدائم، ودخل بالمعنى فى هذا الوعيد للفاسق من أهل التوحيد، ولو كان أقرأ الناس بكتاب الله وأعلمهم به، قال شيخ من المالكية: مثل العلم القليل فى الرجل الصالح، مثل العين العذبة فى الأرض العذبة، يزرع عليها صاحبها ما ينتفع به، ومثل العلم الكثير فى الرجل غير الصالح، مثل العين الحرارة فى السبخة تخر الليل والنهار ولا ينتفع بها.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ} خبره أولئك يؤمنون به {ءَاتَيْنَٰهُمُ الْكِتَٰبَ} الإنجيل والتوراة، وقيل المراد، المؤمنون والقرآن {يَتْلُونَهُ} أى القرآن، والجملة حال، أى مقدرا بفتح الدال، لهم أن يتلوه {حَقَّ تِلاَوَتِهِ} لا يغيرون لفظه ولا معناه، ولا يزيدون ولا ينقصون، ويعملون به، ويتفكرون فى معانيه، ويكلون متشابهه إلى الله، وذلك هو قراءته حق قراءته، وأما قراءته بإخلال ذلك أو بعضه فكلا قراءة، أو يتلونه يلونه بتلك الحقوق، وهم عبدالله بن سلام ونحوه من أهل المدينة وغيرها من علماء أهل الكتاب العاملين به، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية رهابين من أهل الشام، منهم بحيرا الراهب، ودخلوا الحبشة ورجعوا مع الاثنين والثلاثين منها مع جعفر رضى الله عنه وأصحابه فى سفينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما جعلت يتلونه حالا مقدرة لأنهم حال إيتاء الكتاب ليسوا يتلون القرآن حق تلاوته، بل بعد {أُوْلَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالكتاب، أو بالله، لا إله إلا الله، أو الذين الأنبياء، والكتاب الجنس، وإنما قلت، والتوراة، لأن من آمن بالإنجيل تحقيقاً حتى آمن بالقرآن لا يكفر بها، ولا يجوز أن يراد علماء أهل الكتاب مطلقاً كقوله "أية : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه"تفسير : [البقرة: 146]... الآية، لأنه ليس كل من عرفه يتلوه حق تلاوته {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ} بالكتاب، التوراة والإنجيل، بأن يحرفه بزيادة أو نقص، أو كتم، أو تفسير بما ليس حقّاً، وقيل القرآن كما هو {فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْخَٰسِرُونَ} إذ بدلوا الضلال بالهدى، والنار بالجنة. وهذا لعمومه أولى من التفسير بأخذ الرشا على الدين.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} اعتراض لبيان حال مؤمني أهل الكتاب بعد ذكر أحوال كفرتهم ولم يعطف تنبيهاً على كمال التباين بين الفريقين والآية نازلة فيهم وهم المقصودون منها سواء أريد بالموصول الجنس أو العهد على ما قيل إنهم الأربعون الذين قدموا من الحبشة مع جعفر بن أبـي طالب اثنان وثلاثون منهم من اليمن وثمانية من علماء الشام. {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي يقرءونه حق قراءته وهي قراءة تأخذ بمجامع القلب فيراعى فيها ضبط اللفظ والتأمل في المعنى وحق الأمر والنهي، والجملة حال مقدرة أي آتيناهم الكتاب مقدراً تلاوتهم لأنهم لم يكونوا تالين وقت الإيتاء وهذه الحال مخصصة لأنه ليس كل من أوتيه يتلوه، و {حَقّ} منصوب على المصدرية لإضافته إلى المصدر، وجوز أن يكون وصفاً لمصدر محذوف وأن يكون حالاً أي محقين والخبر قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} ويحتمل أن يكون {يتلونه} خبراً لا حالاً، {أُوْلَـٰئِكَ} الخ خبراً بعد خبر أو جملة مستأنفة، وعلى أول الاحتمالين يكون الموصول للجنس، وعلى ثانيهما يكون للعهد أي مؤمنو أهل الكتاب، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للحصر والتعريض، والضمير للكتاب أي ـ أولئك يؤمنون بكتابهم ـ دون المحرفين فإنهم غير مؤمنين به، ومن هنا يظهر فائدة الإخبار على الوجه الأخير، ولك أن تقول محط الفائدة ما يلزم الإيمان به/ من الربح بقرينة ما يأتي، ومن الناس من حمل الموصول على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عكرمة وقتادة، فالمراد من (الكتاب) حينئذ القرآن، ومنهم من حمله على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وإليه ذهب ابن كيسان، فالمراد من الكتاب حينئذ الجنس ليشمل الكتب المتفرقة، ومنهم من قال بما قلنا إلا أنه جوز عود ضمير {بِهِ} إلى {أية : ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 120] أو إلى النبـي صلى الله عليه وسلم أو إلى الله تعالى، وعلى التقديرين يكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة أو من التكلم إليها ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد البعيد. {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} أي الكتاب بسبب التحريف والكفر بما يصدقه، واحتمالات نظير هذا الضمير مقولة فيه أيضاً. {فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} من جهة أنهم اشتروا الكفر بالإيمان، وقيل: بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ناشىء عن قوله: {أية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى}تفسير : [البقرة: 120] مع قوله: {أية : إن هدى الله هو الهدى}تفسير : [البقرة: 120] لتضمنه أن اليهود والنصارى ليسوا يومئذ على شيء من الهدى؟ كأنَّ سائلاً سأل: كيف وهم متمسكون بشريعة؟ ومَن الذي هو على هدى ممن اتَّبع هاتين الشريعتين؟ فأجيب بأن الذين أوتوا الكتاب وَتَلْوه حقَّ تلاوته هم الذين يؤمنون به. ويجوز أن يكون اعتراضاً في آخر الكلام لبيان حال المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب لقصد إبطال اعتقادهم أنهم على التمسك بالإيمان بالكتاب، وهو ينظر إلى قوله تعالى: {أية : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه}تفسير : [البقرة: 91] إلخ. وهو صدر هاته المحاورات وما تخللها من الأمثال والعِبر والبيان. فقوله: {الذين آتيناهم الكتاب} فذلكة لما تقدم وجواب قاطع لمعذرتهم المتقدمة، وهو من باب رَد العجز على الصدر. ولأحد هذين الوجهين فُصلت الجملة ولم تعطف لأنها في معنى الجواب، ولأن المحكي بها مباين لما يقابله المتضمن له قوله: {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} ولِما انتُقِلَ منه إليه وهو قوله: {أية : وقالوا اتخذ الله ولداً}تفسير : [البقرة: 116] وقوله: {أية : وقال الذين لا يعلمون}تفسير : [البقرة: 118]. وقوله: {يتلونه حق تلاوته} حال من الذين أوتوا الكتاب إذ هم الآن يتلونه حق تلاوته. وانتصب {حقَّ تلاوته على المفعول المطلق وإضافته إلى المصدر من إضافة الصفة إلى الموصوف أي تلاوةً حَقاً. و(الحق) هنا ضد الباطل أي تلاوة مستوفية قِوام نوْعها لا ينقصها شيء مما يعتبر في التلاوة وتلك هي التلاوة بفهم مقاصد الكلام المتلو فإن الكلام يراد منه إفهام السامع فإذا تلاه القارىء ولم يفهم جميع ما أراده قائلُه كانت تلاوته غامضة، فحق التلاوة هو العلم بما في المتلو. وقولُه: {أولئك يؤمنون به} جملة هي خبر المبتدأ وهو اسم الموصول، وجيء باسم الإشارة في تعريفهم دون الضمير وغيره للتنبيه على أن الأوصاف المتقدمة التي استحضروا بواسطتها حتى أشير إليهم باتصافهم بها هي الموجبة لجدارتهم بالحكم المسند لاسم الإشارة على حد {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] فلا شك أن تلاوتهم الكتاب حق تلاوته تثبت لهم أوْحَدِيَّتهم بالإيمان بذلك الكتاب لأن إيمان غيرهم به كالعدم. فالقصر ادعائي. فضمير {به} راجع إلى (الكتاب) من قوله: {الذين آتيناهم الكتاب}. وإذا كانوا هم المؤمنين به كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم لانطباق الصفات التي في كتبهم عليه ولأنهم مأخوذ عليهم العهد أن يؤمنوا بالرسول المقفى وأن يجتهدوا في التمييز بين الصادق من الأنبياء والكذبة حتى يستيقنوا انطباق الصفات على النبي الموعود به فمن هنا قال بعض المفسرين إن ضمير {به} عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يتقدم له معاد. ويجوز أن يعود الضمير من قوله: {يؤمنون به} إلى الهدي في قوله: {أية : قل إن الهدى هدى الله}تفسير : [البقرة: 120] أي يؤمنون بالقرآن أنه منزل من الله فالضمير المجرور بالباء راجع للكتاب في قوله: {آتيناهم الكتاب} والمراد به التوراة والإنجيل واللام للجنس، أو التوراة فقط لأنها معظم الدينين والإنجيل تكملة فاللام للعهد. ومن هؤلاء عبد الله بن سلام من اليهود وعدي بن حاتم وتميم الداري من النصارى. والقول في قوله: {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون} كالقول في {أولئك يؤمنون به} وهو تصريح بحكم مفهوم {أولئك يؤمنون به} وفيه اكتفاء عن التصريح بحكم المنطوق وهو أن المؤمنين به هم الرابحون ففي الآية إيجاز بديع لدلالتها على أن الذين أوتوا الكتاب يتلونه حق تلاوته هم المؤمنون دون غيرهم فهم كافرون فالمؤمنون به هم الفائزون والكافرون هم الخاسرون.

الواحدي

تفسير : {الذين آتيناهم الكتاب} يعني: مؤمني اليهود {يتلونه حق تلاوته} يقرؤونه كما أُنزل ولا يُحرِّفونه، ويتَّبعونه حقَّ اتِّباعه.

القطان

تفسير : يذكر الله سبحانه في هذه الآية ان هناك فريقاً من أهل الكتاب يرجى ايمانهم، وهم الذين يتدبرون كتابهم ويتبعون ما جاء فيه من الحق فيؤمنون به، ولا يحرّفونه عن موضعه. وقد آمن منهم جماعة وكانوا من خيرة الصحابة كعبدالله بن سلام. أما من يكفر بما أُنزل اليك يا محمد بعد ان تبيَّّن له الحق ـ فأولئك هم الذين خسروا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاهُمُ} {ٱلْكِتَابَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (121) - وَمِنْ أَهْلِ الكِتاب طَائِفَةٌ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بِخُشُوعٍ وَإِمْعَانٍ، وَيَتدبَّرُونَ مَعْنَاهَا، وَيَفْقَهُونَ أَسْرَارهَا وَحِكََمَها، وَأُولئِكَ هُمُ الذِينَ يَعْقِلُونَ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الحَقُّ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ إِلى سَوَاءِ السَّبِيلِ، (كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ). وَمَنْ يَكْفُرْ بِمَا أُنْزِلَ إِليكَ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الحَقُّ، مِنَ الرُّؤَسَاءِ المَعَانِدِينَ، وَالجُهَّالِ المُقَلِّدِينَ، فَأُولئِكَ هُمُ الذِينَ خَسِرُوا سَعَادَةَ الدُّنْيَا، وَالمَجْدَ وَالسِّيَادَةَ التِي يُعْطِيهَا اللهُ مَنْ يَنْصُرُ دِينَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن اليهود والنصارى قد حَرَّفوا كتبهم، أراد أن يبين أن هناك من اليهود والنصارى من لم يحرفوا في كتبهم .. وأن هؤلاء يؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام وبرسالته .. لأنهم يعرفونه من التوراة والإنجيل. ولو أن الله سبحانه لم يذكر هذه الآية لقال الذين يقرأون التوراة والإنجيل على حقيقتيهما .. ويفكرون في الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقالوا كيف تكون هذه الحملة على كل اليهود وكل النصارى ونحن نعتزم الإيمان بالإسلام .. وهذا ما يقال عنه قانون الاحتمال .. أي أن هناك عدداً مهما قل من اليهود أو النصارى يفكرون في اعتناق الإسلام باعتباره دين الحق .. وقد كان هناك جماعة من اليهود عددهم أربعون قادمون من سيناء مع جعفر بن أبي طالب ليشهدوا أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قرأوا التوراة غير المحرفة وآمنوا برسالته .. وأراد الله أن يكرمهم ويكرم كل من سيؤمن من أهل الكتاب .. فقال جل جلاله: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ..} [البقرة: 121]. أي يتلونه كما أُنْزِلَ بغير تحريف ولا تبديل .. فيعرفون الحقائق صافية غير مخلوطة بهوى البشر .. ولا بالتحريف الذي هو نقل شيء من حق إلى باطل. يقول الله تبارك وتعالى: {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .. ونلاحظ أَنَّ القرآن الكريم يأتي دائماً بالمقارنة .. ليكرم المؤمنين ويلقي الحسرة في نفوس المكذبين .. لأن المقارنة دائماً تظهر الفارق بين الشيئين. إن الله سبحانه يريد أن يعلم الذين آتاهم الله الكتاب فلم يحرفوه وآمنوا به .. ليصلوا إلى النعمة التي ستقودهم إلى النعيم الأبدي .. وهي نعمة الإسلام والإيمان .. مقابل الذين يحرفون التوراة والإنجيل فمصيرهم الخسران المبين والخلود في النار.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [الآية: 121]. قال: يعملون به حق عمله. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [الآية: 122]. قال: فمن نعمه أَنه فجر لهم الحجر، وأَنزل عليهم المن والسلوى، وأَنجاهم من عبودية آل فرعون في نعم كثيرة. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، قال: سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: حديث : قال الله لإِبراهيم: إِني مبتليك بأَمر، فما هو؟ فقال إِبراهيم: تجعلني للناس إِمَاماً. فقال الله، عز وجل: نعم. فقال إِبراهيم: وأَمنا. فقال الله: نعم. فقال إِبراهيم: وتجعلنا مسلمين لك. فقال الله: نعم. فقال إِبراهيم: {وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً} [الآية: 128] قال الله: نعم.... قال إِبراهيم: وتتوب علينا. قال الله: نعم. قال إِبراهيم: وتجعل هذا بلداً آمنا. قال الله: نعم. قال الله: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ} [الآية: 126]، أَيضاً. فإِني أَرزقه في الدنيا حين استرزق إِبراهيم لمن آمن به، ثم / 4و / مصير الكافرين إِلى النار . تفسير : قال ابن أَبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة، ثم عرضته على مجاهد فلم ينكره. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} [الآية: 125]. ويقول: (لاَ يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَراً أَبَداً)، {وَأَمْناً} [الآية: 125]. يقول: لا يخاف من دخله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم. قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عطاءٍ بن أَبي رباح، في قوله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [الآية: 125]. قال: مقامة عرفة والمزدلفة والجمار. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [الآية: 128]. يقول: أَرنا مذبحنا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} [الآية: 138]. قال: يعني فطرة الاسلام التي فطر الناس عليها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، قال: هذا في قول اليهود والنصارى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} [الآية: 140]. فقال الله، عز وجل، لهم: لا تكتموا مني شهادة إِن كانت عندكم فيهم، وقد علم الله أَنهم يكذبون.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ يعلمونَ حَقَّ عِلمهِ ويتَّبِعونَهُ حقَّ اتباعِهِ.

الأندلسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب وكانوا اثنين وثلاثين وعلى هذا السبب فالكتاب التوراة والانجيل {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} من حسن التلفظ به وتتبع معانيه. ويتلونه: حال، والخبر: الجملة بعد ذلك، وحق: مصدر لإِضافته إلى المصدر، والضمير في به: عائد على الكتاب. {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} أي بالكتاب. حمل أولاً على لفظ من، وثانياً بأولئك على المعنى ودل الحكم بالخسران على الكافر على حصول الربح والفوز للمؤمنين. {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} كرر نداءهم تذكيراً بنعمته وكان النداء الأول عقيب ذكر متبع الهدى والكافر المكذب. وهذا الثاني عقيب ذكر المؤمنين والكافرين. وتخللت بين النداءين اخبار لبني إسرائيل كثيرة تشتمل على مخالفاتهم وتعنتهم فوعظوا وخوفوا. وتقدم الكلام على هذه الآيات والفرق بين التعيين في قوله: ولا يقبل ولا تنفعها وتقابلهما.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب، ومنَّ عليهم به منة مطلقة، أنهم { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } أي: يتبعونه حق اتباعه، والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب، الذين عرفوا نعمة الله وشكروها، وآمنوا بكل الرسل، ولم يفرقوا بين أحد منهم. فهؤلاء، هم المؤمنون حقا، لا من قال منهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } . تفسير : ولهذا توعدهم بقوله { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } وقد تقدم تفسير الآية التي بعدها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 31 : 16 - سفين عن منصور عن أبي رزين في قول الله تبارك اسمه {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال، يتبعونه حق اتباعه. [الآية 121].

همام الصنعاني

تفسير : 113- عبد الرزّاق، قال أخبرنا مَعْمَر، عن قَتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود في قوله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}: [الآية: 121]، قال: حقَّ تلاوَتِهِ؛ أن تحل حَلاله، وتحرم حرَامَه، ولا تحرِّفه عن مواضعِهِ.