Verse. 129 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰبَنِىْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ اذْكُرُوْا نِعْمَتِىَ الَّتِىْۗ اَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَاَنِّىْ فَضَّلْتُكُمْ عَلَي الْعٰلَمِيْنَ۝۱۲۲
Ya banee israeela othkuroo niAAmatiya allatee anAAamtu AAalaykum waannee faddaltukum AAala alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم و أني فضَّلتكم على العالمين» تقدم مثله.

122

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله: { يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } إلى قوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } شرع سبحانه ههنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه. وثانيها: أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل. وثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك. ورابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم. وخامسها: أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام. واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف. أما التكليف فقوله تعالى: {وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: العامل في {إِذَا } إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ }. المسألة الثانية: أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، وقال هشام ابن الحكم: إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال: إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [محمد:31] وقال: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } تفسير : [هود:7] وقال في هذه السورة بعد ذلك: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ } تفسير : [البقرة: 155] وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وكلمة {لَعَلَّ } للترجي وقال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [البقرة: 21] فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه. أحدها: أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة: أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا: إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة. وثانيها: أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل: الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا: العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال. وثالثها: أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي. ورابعها: أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً. وخامسها: أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل: يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة، قلنا: هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، وليس جواباً عن كلامنا، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة، قال هشام: فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها، والوقوع يدل على الإمكان، وإنما قلنا: أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، وذلك محال، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب. أما الشبهة الأولى: فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة. وأما الشبهة الثانية: فالجواب عنها: أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها. وأما الشبهة الثالثة: فالجواب عنها: أن الله تعالى لا يعلم عددها، ولا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا: أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل. وأما الشبهة الرابعة: فالجواب عنها: أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها. وأما الشبهة الخامسة: فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، وإذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض، وبالله التوفيق. المسألة الثالثة: اعلم أن الضمير لا بد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى، وإما أن يكون بالعكس منه. أما القسم الأول: وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز، وقال ابن جني بجوازه، واحتج عليه بالشعر والمعقول، أما الشعر فقوله:شعر : جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات وقد فعل تفسير : وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز. القسم الثاني: وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى، وهذا لا نزاع في صحته، كقولك: ضرب زيد غلامه. القسم الثالث: أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك: ضرب غلامه زيد، فههنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير، فيصير كأنك قلت: زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً. القسم الرابع: أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: {وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب، فيصير التقدير: وإذ ابتلى ربه إبراهيم، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً. المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: (إبراهام) بألف بين الهاء والميم، والباقون (إبراهيم) وهما لغتان، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه (إبراهيم ربه) برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا. المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟ فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الأشياء أمور شاقة، أما الإمامة فلأن المراد منها ههنا هو النبوة، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة، وأن لا يخون في أداء شيء منها، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق، ولهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليف شاقة شديدة، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل، وقال: إني جاعلك للناس إماماً، بل قال: {إنى جَـٰعِلُكَ } فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة، واعترض القاضي على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن، إلا أنه ليس كذلك، بل ذكر قوله: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } بعد قوله: {فَأَتَمَّهُنَّ } وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا مما لا يعد فيه. القول الثاني: أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين، أحدهما: بكلمات كلفه الله بهن، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ } مما شاء كلفه بالأمر بها. والوجه الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه، أي يبلغهم إياها، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال. أحدها: قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا، خمس في الرأس وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والإستنشاق وفرق الرأس، وقص الشارب، والسواك، وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء بالماء. وثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة: {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } تفسير : [التوبة: 112] إلى آخر الآية، وعشر منها في سورة الأحزاب: {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية، وعشر منها في المؤمنون: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1] إلى قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 10] وروى عشر في: {أية : سَأَلَ سَائِلٌ } تفسير : [المعارج: 1] إلى قوله: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } تفسير : [المعارج: 34] فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس. وثالثها: أمره بمناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس. ورابعها: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس، والقمر، والكواكب، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى: {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } تفسير : [النجم: 37] عن الحسن. وخامسها: أن المراد ما ذكره في قوله: {أية : إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 131]. وسادسها: المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم، والضيافة، والصبر عليها، قال القفال رحمه الله: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات، فوجب التوقف والله أعلم. المسألة السادسة: قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسبب، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة، وقال آخرون: إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلا بد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة، وكذا الختان، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة، ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله: {أتمهن} أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة. المسألة السابعة: الضمير المستكن في { فَأَتَمَّهُنَّ } في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط وتوان. ونحوه: {وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ } وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً. أما قوله تعالى: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينك. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل التحقيق: المراد من الإمام ههنا النبي ويدل عليه وجوه. أحدها: أن قوله: {لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ يبطل العموم. وثانيها: أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً. وثالثها: أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } تفسير : [الأنبياء: 73] والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به. قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم»تفسير : فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [القصص: 41] إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى: {يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ } كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد، قال الله تعالى: {أية : فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْء } تفسير : [هود: 101] وقال: {أية : وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } تفسير : [طه: 97] إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ ههنا عليه، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام ههنا في معرض الامتنان، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة. المسألة الثانية: أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام، وقال الله تعالى في كتابه: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 123] وقال: {أية : مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } تفسير : [البقرة: 130] وقال في آخر سورة الحج: {أية : مّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰهِيمَ هُوَ سَمَّـٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ } تفسير : [الحج: 78] وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. المسألة الثالثة: القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة ههنا النبوة، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات. المسألة الرابعة: قوله: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال. أما قوله: {مِن ذُرّيَّتِى } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهوأن تكون منسوبة إلى الذر. المسألة الثانية: قوله؛ {وَمِن ذُرّيَتِى } عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً. المسألة الثالثة: قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟ فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم، فإن قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } أو لم يكن مأذوناً فيه؟ فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟ وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً، قلنا: قوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام. أما قوله تعالى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم: {عَهْدِي } بإسكان الياء، والباقون بفتحها، وقرأ بعضهم: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي. المسألة الثانية: ذكروا في العهد وجوهاً. أحدها: أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا. وثانيها: {عَهْدِي } أي رحمتي عن عطاء. وثالثها: طاعتي عن الضحاك. ورابعها: أماني عن أبي عبيد، والقول الأول أولى لأن قوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } فقوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة. المسألة الثالثة: الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل، ولولا ذلك لكان الجواب: لا، أو يقول: لا ينال عهدي ذريتك، فإن قيل: أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين، قلنا: بلى، ولكن لم يعلم حال ذريته، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. المسألة الرابعة: الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه. الأول: أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، فقد كانا حال كفرهما ظالمين، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة. الثاني: أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة. الثالث: قالوا: كانا مشركين، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم، وقولنا: وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين، فلا يلزم من نفى كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الاسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلاً، وأنه باطل قطعاً فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة؟ والجواب: كل ما ذكرتموه معارض، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، فدل على ما قلناه، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً والتائب عن المعصية لا يسمى عاصياً، فكذا القول في نظائره، ألا ترى إلى قوله: {أية : وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } تفسير : [هود: 113] فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم، وقوله:{أية : مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } تفسير : [التوبة: 91] معناه: ما أقاموا على الإحسان، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية: النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة. المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارىء هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول: ما بينا أن قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } جواب لقوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } وقوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فإن قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال: {أية : سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 87] وقال آدم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام. الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَـٰنَ } تفسير : [يۤس: 60] يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى: {أية : قَالُواْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } تفسير : [آل عمران: 183] يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله؛ {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام: «حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، تفسير : ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته، قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، قال: وهذا خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء، وضربه فامتنع من ذلك فحبس، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه، قال له الفقهاء: تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، ثم قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، والصلاة خلفه جائزة، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم. المسألة السادسة: الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين. الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد: الإمامة. ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى. الثاني: قال: {لاَ يَنَال عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم. المسألة السابعة؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً، ولك معه عهداً، وبين أنك متى تفي بعهدك، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر، أما عهدك فقال فيه: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ } تفسير : [البقرة: 177] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رٰعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 8] وقال: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ } تفسير : [المائدة: 1] وقال: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } تفسير : [الصف: 32] وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 111] ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدم من قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] ثم بين كيفية عهده إلينا فقال: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم وَإِذْ أَخَذ } تفسير : [يۤس: 60] ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } تفسير : [آل عمران: 183] ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: {أية : وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } تفسير : [البقرة: 125] ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول: أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهَا لاَعِبِينَ } تفسير : [الأنبياء: 16] {أية : مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الدخان: 39] وقال أيضاً: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [ص: 27] وقال: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 115] ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته. وثانيها: أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق: {أية : وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية. وثالثها: أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53] ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال: {أية : فَأُولَـئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } تفسير : [الإسراء: 19] فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال: {أية : قُتِلَ ٱلإِنسَـٰنُ مَا أَكْفَرَهُ } تفسير : [عبس: 17] فهو تعالى وفى بعهده، وأنت نقضت عهدك. ورابعها: أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّءاهُ ٱسْتَغْنَىٰ } تفسير : [العلق: 6، 7]. وخامسها: أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء: {وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم: {أية : ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } تفسير : [الحديد: 24] [النساء: 37]. وسادسها: أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } وهذا تخويف شديد لكنا نقول: إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين.

البيضاوي

تفسير : {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} لما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح، وإيذاناً بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكررت ههنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم؛ ونعته واسمه وأمره وأمته، فحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك على الحسد على مخالفته وتكذيبه والحيد عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ } تقدّم مثله.

الشوكاني

تفسير : قوله: { يا بني إسرائيل} إلى قوله: {ولا هم ينصرون} قد سبق مثل هذا في صدر السورة، وتقدم تفسيره، ووجه التكرار الحثّ على اتباع الرسول النبي الأميّ، ذكر معناه ابن كثير في تفسيره. وقال البقاعي في تفسيره: إنه لما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك أستارهم، وختم ذلك بالترهيب لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم، وأقوالهم، أعاد ما صدّر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النقم يوم تجمع الاْمم، ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك، فذلكة القصة، والمقصود بالذات الحثّ على انتهاز الفرصة. انتهى. وأقول: ليس هذا بشيء، فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول المدى، وأنه أعاد ما صدّر به قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار، والأحق بإعادة الذكر هو قوله سبحانه: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ }تفسير : [البقرة: 40] فإن هذه الآية مع كونها أوّل الكلام معهم والخطاب لهم في هذه السورة، هي أولى بأن تعاد، وتكرر لما فيها من الأمر بذكر النعم، والوفاء بالعهد، والرهبة لله سبحانه، وبهذا تعرف صحة ما قدّمناه لك عند أن شرع الله سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه السورة فراجعه، ثم حكى البقاعي بعد كلامه السابق عن الحوالي أنه قال: كرّره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوّله، وليتخذ هذا الإفصاح، والتعليم أصلاً، لما يمكن بأن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كان الخطاب إذاً انتهى إلى غاية خاتمه يجب أن يلحظ القلب بذاته تلك الغاية، فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي الثناء، وفي تفهيمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى. انتهى. وأقول: لو كان هذا هو سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك. وأما قوله: وليتخذ ذلك أصلاً لما يرد من التكرار في سائر القرآن فمعلوم أن حصول هذا الأمر في الأذهان، وتقرره في الأفهام، لا يختص بتكرير آية معينة يكون افتتاح هذا المقصد بها، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما، ولله الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام، ولا تدركها العقول، فليس في تكلف هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر. قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ } الابتلاء: الامتحان والاختبار، أي: ابتلاه بما أمره به، و {إِبْرَاهِيمَ } معناه في السريانية أب رحيم، كذا قال الماوردي، قال ابن عطية: ومعناه في العربية ذلك. قال السهيلي: وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني، والعربي. وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالاً في رجوع الضمير إلى إبراهيم مع كون رتبته التأخير، وأجاب عنه بأنه قد تقدّم لفظاً، فرجع إليه، والأمر في هذا أوضح من أن يشتغل بذكره، أو ترد في مثله الأسئلة، أو يسوّد وجه القرطاس بإيضاحه. قوله: {بِكَلِمَـٰتِ } قد اختلف العلماء في تعيينها، فقيل: هي شرائع الإسلام، وقيل ذبح ابنه، وقيل أداء الرسالة، وقيل: هي خصال الفطرة، وقيل: هي قوله {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقيل: بالطهارة كما سيأتي بيانه. قال الزجاج: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة؛ لأن هذا كله مما ابتلى به إبراهيم. انتهى. وظاهر النظم القرآني أن الكلمات هي قوله: {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ } وما بعده، ويكون ذلك بياناً للكلمات، وسيأتي عن بعض السلف ما يوافق ذلك، وعن آخرين ما يخالفه. وعلى هذا، فيكون قوله: {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ للناس} مستأنفاً كأنه قيل: ماذا قال له. وقال ابن جرير ما حاصله إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين، إلا بحديث أو إجماع، ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له، ثم قال: فلو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب: يعني أن الكلمات هي قوله: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } وقوله: {أية : وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [البقرة: 125] وما بعده، ورجح ابن كثير أنها تشمل جميع ما ذكر، وسيأتي التصريح بما هو الحق بعد إيراد ما ورد عن السلف الصالح. وقوله: {فَأَتَمَّهُنَّ } أي قام بهنّ أتم قيام، وامتثل أكمل امتثال. والإمام هو: ما يؤتم به، ومنه قيل: للطريق: إمام، وللبناء إمام، لأنه يؤتمّ بذلك، أي: يهتدي به السالك، والإمام لما كان هو القدوة للناس، لكونهم يأتمون به، ويهتدون بهديه، أطلق عليه هذا اللفظ. وقوله: {وَمِن ذُرّيَتِى } يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي: واجعل من ذريتي أئمة، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم بقصد الاستفهام، وإن لم يكن بصيغته: أي: ومن ذريتي ماذا يكون يا ربّ؟ فأخبره أن فيهم عصاة، وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك، ولا يقومون به، ولا ينالهم عهد الله سبحانه. والذرية مأخوذة من الذرّ؛ لأن الله أخرج الخلق من ظهر آدم حين أشهدهم على أنفسهم كالذرّ، وقيل مأخوذة من ذرأ الله الخلق يذرؤهم: إذا خلقهم. وفي الكتاب العزيز: {أية : فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ ٱلرّياحُ }تفسير : [الكهف: 45] قال في الصحاح: ذرت الريح السحاب وغيره تذروه وتذريه ذرواً وذرياً، أي: نسفته، وقال الخليل: إنما سموا ذرية؛ لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر. واختلف في المراد بالعهد، فقيل الإمامة، وقيل النبوّة، وقيل: عهد الله: أمره. وقيل الأمان من عذاب الآخرة، ورجّحها الزجاج، والأوّل أظهر كما يفيده السياق. وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل، والعمل بالشرع، كما ورد؛ لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً. ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد، وما تفيده الإضافة من العموم، فيشمل جميع ذلك اعتباراً بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب، ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور الدينية. وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية، وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالماً، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه. انتهى. ولا يخفاك أنه لا جدوى لكلامه هذا. فالأولى أن يقال: إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا أمور الشرع ظالماً، وإنما قلنا: إنه في معنى الأمر؛ لأن أخباره تعالى لا يجوز أن تتخلف. وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة، وغيرها كثيراً من الظالمين. قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ } هو: الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا، و {مَثَابَةً } مصدر من ثاب يثوب مثاباً، ومثابة، أي: مرجعاً يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، ومنه قول ورقة بن نوفل في الكعبة:شعر : مَثاب لأفْنَاءِ القبائل كُلَّها تَخُبُّ إلَيها اليَعْمَلاتُ الذَّوابلُ تفسير : وقرأ الأعمش «مثابات» وقيل المثابة من الثواب، أي: يثابون هنالك. وقال مجاهد: المراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم، قال الشاعر:شعر : جُعِل البيْتُ مَثابات لَهُم ليْسَ منه الدهرَ يَقْضُونَ الوَطرْ تفسير : قال الأخفش: ودخلت الهاء لكثرة من يثوب إليه، فهي كعلامة ونسابة. وقال غيره: هي للتأنيث، وليست للمبالغة. وقوله: {وَأَمْناً } هو اسم مكان أي: موضع أمن. وقد استدل بذلك جماعة من أهل العلم على أنه لا يقام الحدّ على من لجأ إليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِناً } تفسير : [آل عمران: 97] وقيل إن ذلك منسوخ. وقوله: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلّىً } قرأ نافع، وابن عامر بفتح الخاء على أنه فعل ماض: أي: جعلنا البيت مثابة للناس، وأمناً، واتخذوه مصلى. وقرأ الباقون على صيغة الأمر عطفاً على {اذكروا} المذكور أوّل الآيات، أو على "اذكروا" المقدّر عاملاً في قوله: {وَإِذْ } ويجوز أن يكون على تقدير القول، أي: وقلنا اتخذوا. والمقام في اللغة: موضع القيام، قال النحاس، هو من قام يقوم، يكون مصدراً واسماً للموضع، ومقام من أقام، وليس من هذا قول الشاعر:شعر : وَفيِهم مَقَامات حِسانٌ وجوهها وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ تفسير : لأن معناه أهل مقامات. واختلف في تعيين المقام على أقوال، أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس، ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحج كله، روى ذلك عن عطاء، ومجاهد، وقيل: عرفة، والمزدلفة، روي عن عطاء أيضاً، وقال الشعبي: الحرم كله مقام إبراهيم، وروى عن مجاهد. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ } قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس؛ وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل مكان الغائط، والبول بالماء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عنه نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، وابن عساكر عنه؛ قال: ما ابتلى أحد بهذا الدين، فقام به كله إلا إبراهيم. وقرأ هذه الآية فقيل له: ما الكلمات؟ قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً: عشرة في براءة {أية : ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } تفسير : إلى آخر الآية [التوبة: 112]، وعشرة في أوّل سورة {قد أفلح} و{سأل سائل} [المعارج: 1] {أية : وَٱلَّذِينَ يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ ٱلدّينِ }تفسير : الآيات [المعارج: 26]، وعشرة في الأحزاب {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : إلى آخر الآية [الأحزاب: 35]، فَأَتَمَّهُنَّ كلهنّ فكتب له براءة قال تعالى: {أية : وَإِبْرٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰ }تفسير : [النجم: 37]. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه قال: منهنّ مناسك الحج. وأخرج ابن جرير عنه قال: الكلمات: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} و{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ} والآيات في شأن المناسك، والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، وبعث محمد في ذريتهما. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا ٱبْتَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ } قال: ابتلي بالآيات التي بعدها. وأخرجا أيضاً، عن الشعبي مثله. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم، فأتمهنّ: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه، من خطر الأمر الذي فيه خلافهم، وصبره على قذفهم إياه في النار، ليحرقوه في الله، والهجرة بعد ذلك من وطنه، وبلاده حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة، والصبر عليها، وما ابتلى به من ذبح ولده، فلما مضى على ذلك كله: قَالَ الله له: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس، فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة، فرضي عنه، وابتلاه بالختان، فرضي عنه، وابتلاه بابنه، فرضي عنه. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {فَأَتَمَّهُنَّ } قال: فأداهُنّ. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فطرة إبراهيم السواك»تفسير : قلت: وهذا على تقدير أن إسناده إلى عطاء صحيح، فهو مرسل لا تقوم به الحجة، ولا يحلّ الاعتماد على مثله في تفسيره كلام الله سبحانه، وهكذا لا يحل الاعتماد على مثل ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: من فطرة إبراهيم غسل الذكر والبراجم، ومثل ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه قال: ست من فطرة إبراهيم: قص الشارب، والسواك، والفرق، وقص الأظفار، والاستنجاء، وحلق العانة، قال: ثلاثة في الرأس وثلاثة في الجسد. وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح، وغيره من طريق جماعة من الصحابة مشروعية تلك العشر لهذه الأمة، ولم يصح عن النبي أنها الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم. وأحسن ما روي عنه ما أخرجه الترمذي، وحسنه عن ابن عباس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصّ، أو يأخذ من شاربه". قال: "وكان خليل الرحمن إبراهيم يفعله". ولا يخفاك أن فعل الخليل له لا يستلزم أنه من الكلمات التي ابتلى بها، وإذا لم يصح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا جاءنا من طريق تقوم بها الحجة تعيين تلك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول: إنها ما ذكره الله سبحانه في كتابه بقوله: {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ } إلى آخر الآيات، ويكون ذلك بياناً للكلمات، أو السكوت، وإحالة العلم في ذلك على الله سبحانه، وأما ما روي عن ابن عباس، ونحوه من الصحابة، ومن بعدهم في تعيينها، فهو أوّلاً أقوال صحابة لا تقوم بها الحجة فضلاً عن أقوال من بعدهم، وعلى تقدير أنه لا مجال للاجتهاد في ذلك، وأن له حكم الرفع، فقد اختلفوا في التعيين اختلافاً يمتنع معه العمل ببعض ما روى عنهم دون البعض الآخر، بل اختلفت الروايات عن الواحد منهم كما قدمنا عن ابن عباس، فكيف يجوز العمل بذلك؟ وبهذا تعرف ضعف قول من قال: إنه يصار إلى العموم، ويقال تلك الكلمات هي: جميع ما ذكر هنا، فإن هذا يستلزم تفسير كلام الله بالضعيف، والمتناقض، وما لا تقوم به الحجة. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس، {قَالَ إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } يقتدى بدينك، وهديك، وسنتك {قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى } إماماً لغير ذريتي: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } أن يقتدي بدينهم، وهديهم، وسنتهم. وأخرج الفريابي، وابن أبي حاتم، عنه قال: قال الله لإبراهيم: {إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى } فأبى أن يفعل، ثم قال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ }. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالم، فأما في الدنيا، فقد نالوا عهده، فوارثوا به المسلمين، وغازوهم، وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده، وكرامته على أوليائه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في تفسير الآية أنه قال: لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به، وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: يخبره أنه إن كان في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئاً من أمره. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عنه أنه قال: ليس لظالم عليك عهد في معصية الله. وقد أخرج وكيع، وابن مردويه من حديث عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: "حديث : لا طاعة إلا في المعروف"تفسير : ، وإسناده عند ابن مردويه هكذا: قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. وأخرج عبد بن حميد، من حديث عمران بن حصين، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لا طاعة لمخلوق في معصية الله»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، أنه قال في تفسير الآية: ليس للظالم عهد، وإن عاهدته فانقضه. قال ابن كثير: وروى عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل، وابن حبان نحو ذلك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً } قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون. وأخرج ابن جرير، عنه أنه قال: لا يقضون منه وطراً يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَأَمْناً } قال: أمناً للناس. وأخرج البخاري، وغيره من حديث أنس، عن عمر بن الخطاب قال: وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى } وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ، والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهنّ: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوٰجاً خَيْراً مّنكُنَّ } تفسير : [التحريم: 5] فنزلت كذلك، وأخرجه مسلم، وغيره مختصراً من حديث ابن عمر عنه. وأخرج مسلم، وغيره من حديث جابر: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: {وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى }»تفسير : وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات، وغيرها، والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو: الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو: الذي كان ملصقاً بجدار الكعبة، وأوّل من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي، بإسناد صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال: حديث : لما طاف النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له عمر: هذا مقام إبراهيم؟ تفسير : قال: حديث : نعم.تفسير : وأخرج نحوه ابن مردويه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن} فيه محذوف وتقديره: واذكر إذا ابتلى يعني اختبر، وإبراهيم بالسريانية أب رحيم، وفي الكلمات التي ابتلاه الله عز وجل بها، ثمانية أقاويل: أحدها: هي شرائع الإِسلام، قال ابن عباس: ما ابتلى الله أحداً بهن، فقام بها كلها، غير إبراهيم، ابتلي بالإِسلام فأتمه، فكتب الله له البراءة فقال: {أية : وإبراهيم الذي وَفَّى} تفسير : [النجم: 37] قال: وهي ثلاثون سهماً: عشرة منها في سورة براءة: {أية : التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون} تفسير : [التوبة: 112]. وعشرة في الأحزاب: {أية : إنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، وَالصَادِقينَ والصَادِقَاتِ، وَالصَابِرِينَ وَالصَابِرَاتِ، وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ، وَالْمُتَصَدِّقِينَ، واَلْمُتَصَدِّقَاتِ، وَالصَائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ، وَالْحَافِظِينَ فروجَهُم وَالْحافِظَاتِ، وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالْذَّاكِرَاتِ، أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغَفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الأحزاب: 35]. وعشرة في سورة المؤمنين: {أية : قَدْ أفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِم خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُم عَنِ اللَّغُوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذيِنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إلاَّ عَلَى أزْوَاجِهِم أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُم فَإِنَّهُم غَيرُ مَلُومِينَ، فَمن ابتغى وَرَاءَ ذلِكَ فَأولئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمُ لأَمَانَاتِهِم وَعَهْدِهِم رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ، أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونِ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. تفسير : [المؤمنون: 1 - 11] وفي سورة سأل سائل من {أية : إلا المُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ} تفسير : [المعارج: 23]، إلى {أية : وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِم يُحَافظُون}. تفسير : [المعارج: 34]. والقول الثاني: إنها خصال من سُنَنِ الإسلام، خمس في الرأس، وخمس في الجسد، فروى ابن عباس في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر البول والغائط بالماء. وهذا قول قتادة. والقول الثالث: إنها عشر خصال، ست في الإنسان وأربع في المشاعر، فالتي في الإنسان: حَلْقُ العانة، والختان، ونَتْفُ الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغُسل يوم الجمعة. والتي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. روى ذلك الحسن عن ابن عباس. والقول الرابع: إن الله تعالى قال لإبراهيم: إني مبتليك يا إبراهيم، قال: تجعلني للناس إماماً؟ قال نعم، قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين، قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم، قال: وأمناً؟ قال: نعم، قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال: نعم، قال: وأرنا مناسكنا وتب علينا؟ قال: نعم، قال: وتجعل هذا البلد آمناً؟ قال: نعم، قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن؟ قال: نعم، فهذه الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم، وهذا قول مجاهد. والخامس: أنها مناسك الحج خاصة، وهذا قول قتادة. والقول السادس: أنها الخلال الست: الكواكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، التي ابتلي بهن فصبر عليهن، وهذا قول الحسن. والقول السابع: ما رواه سهل بن معاذ بن أنس عن أمه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: سبحان الله حين تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحُونَ، وله الحمْدُ في السّموَاتِ والأرْضِ وعَشِيّاً وحين تُظْهِرُونَ". تفسير : والقول الثامن، ما رواه القاسم بن محمد، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَإبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} قَالَ: أتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قَالَ: وَفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكْعَاتٍ فِي النَّهَارِ" . تفسير : {قَالَ إنَّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً} أي مقصوداً متبوعاً، ومنه إمام المصلين، وهو المتبوع في الصلاة. {قال ومن ذريتي} فاحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أنه طمع في الإمامة لذريته، فسأل الله تعالى ذلك لهم. والثاني: أنه قال ذلك استخباراً عن حالهم، هل يكونون أهل طاعة فيصيروا أئمة؟ فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصياً وظالماً، لا يستحق الإمامة، فقال: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. وفي هذا العهد، سبعة تأويلات: أحدها: أنه النبوة، وهو قول السدي. والثاني: أنه الإمامة، وهو قول مجاهد. والثالث: أنه الإيمان، وهو قول قتادة. والرابع: أنه الرحمة، وهو قول عطاء. والخامس: أنه دين الله وهو قول الضحاك. والسادس: أنه الجزاء والثواب. والسابع: أنه لا عهد عليك لظالم أنه تطيعه في ظلمة، وهو قول ابن عباس.

ابن عطية

تفسير : قرأ الحسن وغيره "نعمتي" بتسكين الياء تخفيفاً، لأن أصلها التحريك كتحريك الضمائر لك وبك، ثم حذفها الحسن للالتقاء، وفي السبعة من يحرك الياء، ومنهم من يسكنها، وإن قدرنا فضيلة بني إسرائيل مخصوصة في كثرة الأنبياء وغير ذلك فالعالمون عموم مطلق، وإن قدرنا تفضيلهم على الإطلاق فالعالمون عالمو زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بالنص، وقد تقدم القول على مثل هذه الآية إلى قوله: {ينصرون} ومعنى {لا تنفعها شفاعة} أي ليست ثم، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحد فيرد، وإنما نفى أن تكون ثم شفاعة على حد ما هي في الدنيا، وأما الشفاعة التي هي في تعجيل الحساب فليست بنافعة لهؤلاء الكفرة في خاصتهم، وأما الأخيرة التي هي بإذن من الله تعالى في أهل المعاصي من المؤمنين فهي بعد أن أخذ العقاب حقه، وليس لهؤلاء المتوعدين من الكفار منها شيء. والعامل في {إذ} فعل، تقديره: واذكر إذ، {ابتلى} معناه اختبر، و {إبراهيم} يقال إن تفسيره بالعربية أب رحيم، وقرأ ابن عامر في جميع سورة البقرة "أبراهام"، وقدم على الفاعل للاهتمام، إذ كون الرب مبتلياً معلوم، فإنما يهتم السامع بمن {ابتلي}، وكون ضمير المفعول متصلاً بالفاعل موجب تقديم المفعول، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام. واختلف أهل التأويل في الكلمات، فقال ابن عباس: هي ثلاثون سهماً، هي الإسلام كله لم يتمه أحد كاملاً إلا إبراهيم صلوات الله عليه، عشرة منها في براءة {أية : التائبون العابدون} تفسير : [التوبة: 112]، وعشرة في الأحزاب {أية : إن المسلمين والمسلمات} تفسير : [الأحزاب: 35]، وعشرة في {أية : سأل سائل} تفسير : [المعارج: 1]، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة: الكلمات عشر خصال خمس منها في الرأس المضمضة والاستنشاق وقص الشارب والسواك وفرق الرأس، وقيل بدل فرق الرأس: إعفاء اللحية، وخمس في الجسد تقليم الظفر، وحلق العانة، ونتف الإبط، والاستنجاء بالماء، والاختتان، وقال ابن عباس أيضاً: هي عشرة خصال، ست في البدن وأربع في الحج: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والغسل يوم الجمعة، والطواف بالبيت، والسعي، ورمي الجمار، والإفاضة، وقال الحسن بن أبي الحسن: هي الخلال الست التي امتحن بها، الكوكب، والقمر، والشمس، والنار، والهجرة، والختان، وقيل بدل الهجرة: الذبح، وقالت طائفة: هي مناسك الحج خاصة، وروي أن الله عز وجل أوحى إليه أن تطهر، فتمضمض، ثم أن تطهر فاستنشق، ثم أن تطهر فاستاك، ثم أن تطهر فأخذ من شاربه، ثم أن تطهر ففرق شعره، ثم أن تطهر فاستنجى، ثم أن تطهر فحلق عانته، ثم أن تطهر فنتف إبطه، ثم أن تطهر فقلم أظفاره، ثم أن تطهر فأقبل على جسده ينظر ما يصنع فاختتن بعد عشرين ومائة سنة. قال القاضي أبو محمد: وفي البخاري أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم. وقال الراوي: فأوحى الله إليه {إني جاعلك للناس إماماً} يأتمون بك في هذه الخصال، ويقتدي بك الصالحون. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا أقوى الأقوال في تفسير هذه الآية، وعلى هذه الأقوال كلها فإبراهيم عليه السلام هو الذي أتم. وقال مجاهد وغيره: إن الكلمات هي أن الله عز وجل قال لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال إبراهيم: تجعلني للناس إماماً، قال الله: نعم، قال إبراهيم: تجعل البيت مثابة، قال الله: نعم، قال إبراهيم وأمناً، قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترينا مناسكنا وتتوب علينا، قال الله: نعم، قال إبراهيم: تجعل هذا البلد آمناً، قال الله: نعم، قال إبراهيم: وترزق أهله من الثمرات، قال الله: نعم. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم، وقد طول المفسرون في هذا، وذكروا أشياء فيها بعد فاختصرتها، وإنما سميت هذه الخصال كلمات، لأنها اقترنت بها أوامر هي كلمات، وروي أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أتم هذه الكلمات أو أتمها الله عليه كتب الله له البراءة من النار، فذلك قوله تعالى: {أية : وإبراهيم الذي وفى} تفسير : [النجم: 37]. والإمام القدوة، ومنه قيل لخيط البناء: إمام، وهو هنا اسم مفرد، وقيل في غير هذا الموضع: هو جمع آم وزنه فاعل أصله آمم، فيجيء مثل قائم وقيام وجائع وجياع ونائم ونيام. وجعل الله تعالى إبراهيم إماماً لأهل طاعته، فلذلك أجمعت الأمم على الدعوى فيه، وأعلم الله، تعالى أنه كان حنيفاً، وقول إبراهيم عليه السلام: {ومن ذريتي}، هو على جهة الدعاء والرغبى إلى الله، أي ومن ذريتي يا رب فاجعل،وقيل: هذا منه على جهة الاستفهام عنهم، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون؟ والذرية مأخوذة من ذرا يذرو أو من ذرى يذري أو من ذر يذر أو من ذرأ يذرأ، وهي أفعال تتقارب معانيها، وقد طول في تعليلها أبو الفتح وشفى. وقوله تعالى: {قال لا ينال عهدي}، أي قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة، وقال السدي: النبوءة، وقال قتادة: الأمان من عذاب الله، وقال الربيع والضحاك: العهد الدين: دين الله تعالى. وقال ابن عباس: معنى الآية لا عهد عليك لظالم أن تطيعه، ونصب {الظالمين} لأن العهد ينال كما ينال، وقرأ قتادة وأبو رجاء والأعمش "الظالمون" بالرفع، وإذا أولنا العهد الدين أو الأمان أو أن لا طاعة لظالم فالظلم في الآية ظلم الكفر، لأن العاصي المؤمن ينال الدين والأمان من عذاب الله وتلزم طاعته إذا كان ذا أمر، وإذا أولنا العهد النبوءة أو الإمامة في الدين فالظلم ظلم المعاصي فما زاد.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي أيادي لديكم وصنعي بكم واستنقاذي إياكم من أيدي عدوكم في نعم كثيرة أنعمت بها عليكم {وأني فضلتكم على العالمين} أي واذكروا تفضيلي إياكم على عالمي زمانكم، وفي هذه الآية عظة لليهود الذي كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} وفي هذه الآية ترهيب لهم والمعنى يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي المحرفين له، خافوا عذاب يوم لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئاً {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة} أي لا يقبل منها فدية ولا يشفع لها شافع وهذا من العام الذي يراد به الخاص كقوله تعالى {أية : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} تفسير : [سبأ: 23] ومعنى الآية ولا تنفعها شفاعة إذا وجب عليها العذاب ولم تستحق سواه. وقيل: إنه رد على اليهود في قولهم إن آباءنا يشفعون لنا {ولا هم ينصرون} أي ولا ناصر لهم ينصرهم من الله إذا انتقم منهم قوله عز وجل: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} إبراهيم اسم أعجمي ومعناه أب رحيم وهو إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناخور بن شاروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، وكان مولد إبراهيم بالسوس من أرض الأهواز وقيل: ببابل وقيل بكوثى وهي قرية من سواد الكوفة. وقيل: بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي أرض نمروذ الجبار. وإبراهيم عليه السلام تعترف بفضله جميع الطوائف قديماً، وحديثاً فأما اليهود والنصارى فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه وأنهم من أولاده وأما العرب في الجاهلية فإنهم أيضاً يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به لأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه وخدام بيته، ولما جاء الإسلام زاده الله شرفاً وفضلاً فحكى الله تعالى عن إبراهيم أموراً توجب على المشركين والنصارى واليهود قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه لأن ما أوجبه الله على إبراهيم عليه السلام هو من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في وجوب الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به وتصديقه. وأصل الابتلاء الامتحان والاختبار ليعرف حال الإنسان وسمي التكليف بلا ء لأنه يشق على الأبدان. وقيل: ليختبر به حال الإنسان فإذا قيل: ابتلى فلان بكذا يتضمن أمرين: أحدهما تعرف حاله والوقوف على ما يجهل من أمره. والثاني ظهور جودته ورداءته وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم، والوقوف على ما يجهل منها لأنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد. ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة ورداءة وعلى هذا ينزل قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات}. واختلفوا في تلك الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس: هي ثلاثون سماهن شرائع الإسلام لم يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب الله له البراءة فقال: {أية : وإبراهيم الذي وفى} تفسير : [النجم: 37] ومعنى هذا الكلام إنه لم يبتل أحد قبل إبراهيم فأما بعده فقد أتى الأنبياء بجميع ما أمروا به من الدين خصوصاً، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتى بجميع ما أمر به، وهي عشرة مذكورة في سورة براءة في وقوله: {أية : التائبون العابدون} تفسير : [التوبة: 112] الآية وعشرة في سورة الأحزاب في قوله: {أية : إن المسلمين والمسلمات} تفسير : [الأحزاب: 35] الآية وعشرة في سورة المؤمنون في قوله: {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} تفسير : [المؤمنون: 1-2] الآيات وهي مذكورة أيضاً في سورة سأل سائل. وعن ابن عباس أيضاً قال: ابتلاه الله بعشرة أشياء هن الفطرة خمس في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء (ق). عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الفطرة خمس، في رواية خمس من الفطرة الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط" تفسير : (م) عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء" تفسير : . يعني الاستنجاء قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء قال العلماء: الفطرة السنة. وقيل: الملة وقيل: الطريقة وهذه الأشياء المذكورة في الحديث وأنها من الفطرة قيل كانت على إبراهيم عليه السلام فرضاً وهي لنا سنة واتفقت العلماء على أنها من الملة وأما معانيها فقد قيل: أما قص الشارب وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم فإنهم كانوا يقصون لحاهم، أو يوفرون شواربهم أو يوفرونهما معاً، وذلك عكس الجمال والنظافة وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم، والأنف من الطعام والقلح والوسخ، وأما قص الأظافر فللجمال، والزينة فإنها إذا طالت قبح منظرها، واحتوى الوسخ فيها وأما غسل البراجم وهي العقد التي في ظهور الأصابع فإنه يجتمع فيها الوسخ ويشين المنظر، وأما حلق العانة ونتف الإبط فللتنظف عما يجتمع من الوسخ في الشعر وأما الاستنجاء، فلتنظيف ذلك المحل عن الأذى وأما الختان فلتنظيف القلفة، عما يجتمع فيها من البول. واختلف العلماء في وجوبه فذهب الشافعي إلى أن الختان واجب لأنه تنكشف له العورة، ولا يباح ذلك إلا في الواجب وذهب غيره إلى أنه سنّة. وأول من ختن إبراهيم عليه السلام ولم يختتن أحد قبله (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اختتن إبراهيم بالقدوم" تفسير : يروى القدوم بالتخفيف والتشديد، فمن خفف ذهب إلى أنه اسم للآلة التي يقطع بها ومن شدد قال: إنه اسم موضع. عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: "كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف وأول الناس قص شاربه وأول الناس رأى الشيب: قال: رب ما هذا قال الرب تبارك وتعالى وقاراً يا إبراهيم قال رب زدني وقاراً" أخرجه مالك في الموطأ وقيل: في الكلمات إنها مناسك الحج. وقيل: ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فأحسن النظر فيهن وبالنار والهجرة وذبح ولده والختان، فصبر عليها وقيل: إن الله اختبر إبراهيم بكلمات أوحاها إليه وأمره أن يعمل بهن فأتمهن أي أداهن حق التأدية، وقام بموجبهن حق القيام وعمل بهن من غير تفريط وتوان ولم ينتقص منهن شيئاً. واختلفوا هل كان هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها فقيل: كان قبل النبوة بدليل قوله في سياق الآية: {إني جاعلك للناس إماماً} والسبب يتقدم على المسبب. وقيل: بل كان هذا الابتلاء بعد النبوة لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة الوحي الإلهي وذلك بعد النبوة. والصواب أنه إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس كان ذلك قبل النبوة، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك بعد النبوة. وقوله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماماً} أي يقتدى بك في الخير ويأتمون بسنّتك وهديك، والإمام هو الذي يؤتم به {قال ومن ذريتي} أي قال إبراهيم: واجعل من ذريتي وأولادي أئمة يقتدى بهم {قال} الله {لا ينال} أي لا يصيب {عهدي} أي نبوتي. وقيل الإمامة {الظالمين} يعني من ذريتك والمعنى لا ينال ما عاهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالماً من ذريتك وولدك.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ...} ذكّرهم بنعمة واحدة إشارة إلى أن التذكير باستحضار النعم الكثيرة من حيز المحال (تكليف) بما لا يطاق فلا يطيقون إلا الشكر على النعمة الواحدة. قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. أي فضلت أمتّكم على الأمم: إمّا على أمم زمانكم لأن بعثة موسى عليه السلام لم تكن عامة لجميع الناس فكان في زمانه أمم أخرى، وإما على جميع الأمم التي قبله وبعده فتدخل فيه أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكثرة ما كان في زمن بني إسرائيل من الأنبياء. وليس المراد بـ "العَالَمِينَ" جميع النّاس لأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق (على الإطلاق).

القشيري

تفسير : جرت سُنتُه - سبحانه - في الخطاب مع قوم موسى عليه السلام أن يناديهم بنداء العلامة فيقول: يا بني إسرائيل اذكروا، أي يا بني يعقوب، ومع هذه الأُمة أن يخاطبهم بنداء الكرامة فيقول: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم} ومن جملتها التوراة وذكر النعمة انما يكون بشكرها وشكرها الايمان بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن ضرورة الايمان بها الايمان به صلى الله عليه وسلم {و} اذكروا {انى فضلتكم على العالمين} اى عالمى زمانكم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة {لا تجزي}: نعت ليوم، وحذف العائد، أي: لا تجزي فيه نفس، قال المرادي: (إذا نعت بالجملة اسم زمان جاز حذف عائده) ثم استدل بالآية. وهل حذف برمته أو بالتدريج؟ قولان. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} بأن جعلت الأنبياء تسوسكم، والملوك منكم يدبرون أموركم، و {فضلتكم} على عالم زمانكم، فاشكروا هذه النعم بالإيمان بالرسول الذي أرسلته إليكم، وخافوا أهوال يوم القيامة، الذي لا تغنى فيه {نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها} فداء إن أرادت الفداء، {ولا تنفعها شفاعة} شافع، ولا يدفع عنها أهوال ذلك اليوم ولي ولا ناصر، إلا من اتخذ يداً عند الملك القادر، وبالله التوفيق، وتقدمت إشارة هذه الآية في الآية الأولى. ولما أراد الحق تعالى أن ينسخ القبلة ويردها إلى بيت الله الحرام بعد أن كانت إلى بيت المقدس، ذكر خصوصيةَ مَنْ بناه، وكيفية بنائه، وفي ضمن ذلك ذكر شرفه ليكون ذلك داعياً إلى الامتثال.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب من الله لبني اسرائيل الذين كانوا في عهد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" امرهم الله ان يذكروا نعمته التي انعم بها عليهم. اللغة: والنعمة: النفع يستحق به الشكر. والانعام والاحسان والافضال نظائر. ونقيض النعمة: النقمة: وهو الضرر المستحق. المعنى: ومعنى قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} يعني عالمي زمانهم. وتفضيله اياهم بان جعل فيهم النبوة والحكم وهذه الآية قد تقدم ذكر مثلها في رأس نيف واربعين. وقيل في سبب تكريرها ثلاثة اقوال: احدها ـ ان نعم الله لما كانت الاصل الذى به يجب شكره، وعبادته ذكر بها، ليقبلوا إلى طاعته واتباع امره، وليكون مبالغة في استدعائهم إلى ما يلزمهم لربهم التظاهر بالنعم عليهم. والثاني ـ انه لما ذكر الكتاب وعنى به التوراة، وكان فيه الدلالة على شأن عيسى ومحمد "صلى الله عليه وسلم" في النبوة والبشارة المتقدمة، ذكرهم عز وجل بما انعم عليهم من ذلك، وفضلهم كما جاء {أية : فبأى آلاء ربكما تكذبان }تفسير : بعد نعم ذكرهم بها، ثم عدد نعماً اخر، وقال فيها {أية : فبأى آلاء ربكما تكذبان} تفسير : اى فبأى هذه تكذبان وكل تقريع جاء، فانما هو موصول بتذكير نعمه غير الاول. والثالث غير الثاني. وهكذا إلى آخر السورة. وكذلك الوعيد ـ في سورة المرسلات ـ بقوله: {أية : ويل يومئذ للمكذبين }تفسير : انما هو بعد الدلالة على اعمال يعظم التكذيب بما تدعو اليه الادلة. الثالث ـ انه مقدمة لما بعده، لانه تعالى اراد وعظهم ذكرهم قبل ذلك بالنعم عليهم، لانه استدعاء إلى قبول الوعظ لهم. وقيل: فيه وجه رابع. وهو انه لما تباعد بين الكلامين حسن التنبيه والتذكير. وموضع "التي" نصب بالعطف على نعمتي.

الجنابذي

تفسير : قد مضى الآيتان الاّ انّ الآية الاخيرة كانت فيما مضى هكذا {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}تفسير : [البقرة: 48] وكرّر الآيتين لكمال الاهتمام بالنّصح وللاشعار بأنّ أصل جملة النّصائح تذكير النّعم والموت والتّهديد منه بجعلها مقدّمة للنّصائح وفذلكة لها.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قد فسّرناه في الآية الأولى {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أي على عالم زمانه، ولكل زمان عالم، أي ولكل زمان خلق. قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فداء. وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. {وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} أي لا يشفع لها أحد عند الله، لأنه لا تكون الشفاعة إلا للمؤمنين خاصة. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا أحد ينصرهم يومئذ؛ كقوله: (أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ)تفسير : [الصافّات:25-26]. قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} أي: عمل بهن. وقال بعضهم: فأكملهن ووفّى بهن، وهو واحد. ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول: هي المناسك. وكان الحسن يقول: ابتلاه الله بأمور فصبر عليها؛ ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس فحبس نفسه في ذلك، وعلم أن الله دائم لا يزول، فوجَّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض. ثم ابتلاه بالنار فصبر على ذلك. ثم ابتلاه بالهجرة، فخرج من بلاده ومن عند قومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله. ثم ابتلاه بذبح ابنه فصبر. وابتلاه بالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله. ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : اختتن إبراهيم بعدما أتى عليه ثمانون سنة بالقدوم . تفسير : وتفسير الكلبي أنها العشر خصال: خمسة في الرأس وخمسة في الجسد. فأما اللواتي في الرأس: فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والسواك وفرق الرأس. وأما اللواتي في الجسد: فالاختتان وحلق العانة ونتف الإِبطين وتقليم الأظافر والاستنجاء. وقال بعضهم: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإِنسان سنة: الإستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإِبطين، وتقليم الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج. قال الكلبي: فلما فعلهن سأل ربه كلمات فأعطاهن إياه. منهن قوله: (أية : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) تفسير : [البقرة: 128-129] ففعل الله ذلك، ثم زاده ما لم يسأل. {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ} يا إبراهيم {لِلنَّاسِ إِمَاماً} يقتدون بك فيهتدون بهداك وبسنتك. فأعجب ذلك إبراهيم فـ {قَالَ} صلى الله عليه وسلم {وَمِن ذُرِّيَّتِي} وفي الآية إضمار. يقول: يا رب ومن ذريتي فاجعل إماماً، أي من كان من ذريتي، فأجابه ربه فـ {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وفي الآية إضمار فتفهموها فإنها تقضي بين الخلائق. أي لا ينال عهدي الظالمين من ذريتك، أي: لا أجعلهم أئمة يقتدى بهم في ظلمهم. وقال مجاهد: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} هو قوله: {إِني جاعلك للناس إِماماً} والمقام والآيات التي في المناسك. وقال بعضهم: {لا ينال عهدي الظالمين} أي: ينقطع عهدهم في الآخرة. والتأويل ما وصف أولاً. وقال مجاهد: لا عهد لظالم في ظلم يأمرك به أن تطيعه فيه. وقول مجاهد: عدل صحيح. وقال بعضهم: ذلك يوم القيامة عند الله لا ينال عهدَه ظالم. فأما في الدنيا فقد نالوا عهد الله؛ يعني بذلك المنافقين؛ قال: فوارثونا بالعهد الذي أقرّوا به للمسلمين وغازوهم به وناكحوهم به: فإذا كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه وأهل طاعته الذين أوفوا بعهده، وأكملوا فرائضه. وهو كقوله: (أية : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) تفسير : [البقرة: 40] فالوفاء بعهد الله إكمال فرائضه وإتمام شرائعه والوفاء بعهدهم أن يدخلهم الجنة إذا فعلوا ذلك.

اطفيش

تفسير : {يَا بَنِى إسْرائيلَ اذْكُروا نِعْمَتِىَ التِى أنعمْتُ عَليْكُم}: أراد بالنعمة كل ما أنعم به عليهم من تنجية أبائهم من فرعون وغير ذلك، وقد تقدم فى أوائل السورة، فهى جنس ما أنعم عليهم. {وأنِّى فضَّلتكُم}: عطف لمصدر فضل على نعمتى على حذف مضاف، أى تفضيلى آباءكم. {على العَالَمِينَ}: أى على ناس زمانهم، أو على الناس عموماً ما خلا هذه الأمة، بدليل أن موسى نفسه، صلى الله عليه وسلم، دعى أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لما وجد أن الأمة التى صفتها كذا وكذا هى أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا أمته: شعر : ولك الأمة التى غبطتها بك لما أوتيتها الأنبياء

اطفيش

تفسير : {يَٰبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} على زمانكم ومن قبلكم ومن بعدكم، إلا هذه الأمة، فإنها أفضل الأمم على الإطلال، لقوله"أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس" تفسير : [آل عمران: 100] ولا تكون خير أمة إلا لمن خير الرسل، صدر قصتهم بهذا، وختمها به تأكيداً لتذكر النعم، أو للتحذير من إضاعتها.

الالوسي

تفسير : تكرير لتذكير بني إسرائيل وإعادة لتحذيرهم للمبالغة في النصح، وللإيذان بأن ذلك فذلكة القصة والمقصود منها ـ وقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة أولاً: بلفظ القبول متقدمة على ـ العدل ـ وهنا: بلفظ ـ النفع ـ متأخرة عنه، ولعله ـ كما قيل ـ إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما يترتب عليه، وأعطي المقدم وجوداً تقدمه ذكراً، والمتأخر وجوداً تأخره ذكراً، وقيل: إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة، وما هنا لتذكير ـ نعمة بها فضلهم على العالمين ـ وهي نعمة الإيمان ببني زمانهم، وانقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين ـ لا المفضولين ـ وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها ـ كما اتقوا بمتابعة موسى عليه السلام.

ابن عاشور

تفسير : أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله، فإنه ابتدأ نداءهم أولاً بمثل هاته الموعظة في ابتداء التذكير بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها عقب قوله: {أية : وأنهم إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 46] فذكر مثل هاته الجملة هناك كذكر المطلوب في صناعة المنطق قبل إقامة البرهان وذكرها هنا كذكر النتيجة في المنطق عقب البرهان تأييداً لما تقدم وفذلكة له وهو من ضروب رد العجز على الصدر. وقد أعيدت هذه الآية بالألفاظ التي ذكرت بها هنالك للتنبيه على نكتة التكرير للتذكير ولم يخالف بين الآيتين إلا من الترتيب بين العدل والشفاعة فهنالك قدمولا يقبل منها شفاعة [البقرة: 48] وأخر {أية : ولا يؤخذ منها عدل}تفسير : [البقرة: 48] وهنا قدم {ولا يقبل منها عدل} وأخر لفظ الشفاعة مسنداً إليه {تنفعها} وهو تفنن والتفنن في الكلام تنتفي به سآمة الإعادة مع حصول المقصود من التكرير. وقد حصل مع التفنن نكتة لطيفة إذ جاءت الشفاعة في الآية السابقة مسنداً إليها المقبولية فقدمت على العدل بسبب نفي قبولها ونفي قبول الشفاعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء فعطف نفي أخذ الفداء للاحتراس، وأما في هذه الآية فقدم الفداء لأنه أسند إليه المقبولية ونفي قبول الفداء لا يقتضي نفي نفع الشفاعة فعطف نفي نفع الشفاعة على نفي قبول الفداء للاحتراس أيضاً. والحاصل أن الذي نفي عنه أن يكون مقبولاً قد جعل في الآيتين أولاً وذكر الآخر بعده. وأما نفي القبول مرة عن الشفاعة ومرة عن العدل فلأن أحوال الأقوام في طلب الفكاك عن الجناة تختلف، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل قدموا الشفعاء، ومرة يقدمون الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء. وقوله: {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة} مراد منه أنه لا عدل فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له. قال ابن عرفة فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله:شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره تفسير : يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة له كقولهم:شعر : ولا ترى الضب بها ينجَحِر تفسير : وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالاً في أصل العربية فلا والمناطقة تبعوا فيه أساليب اليونان. والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها. وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إسرائيل: لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام. وبنو إسرائيل: هم اليهود. العالمين: البشر الذين كانوا في زمانهم مطلقاً. لا تجزي: لا تقضي ولا تغني. العدل: الفداء. شفاعة: وساطة أحد. معنى الآيتين: يعظ الرحمن عز وجل اليهود فيناديهم بأشرف ألقابهم ويأمرهم بذكر نعمه تعالى عليهم وهي كثيرة، ويأمرهم أن يذكروا تفضيله تعالى لهم على عالمي زمانهم والمراد من ذكر النعم شكرها فهو تعالى في الحقيقة يأمرهم بشكر نعمه وذلك بالإِيمان به وبرسوله والدخول في دينه الحق (الإِسلام). كما يأمرهم باتقاء عذاب يوم القيامة حيث لا تغني نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها فداء ولا تنفعها شفاعة وهذه هي نفس الكافر والمشرك حيث لا شفاعة تنال الكافر أو المشرك، ولا يوجد لهم ناصر ينصرهم فيدفع عنهم العذاب إذ اتقاء عذاب يوم القيامة يكون بالإِيمان بالله ورسوله والعمل الصالح، بعد التخلي عن الكفر والمعاصي. هداية الآيتين: 1- وجوب ذكر نعم الله على العبد ليجد بذلك دافعاً نفسياً لشكرها، إذ غاية الذكر هي الشكر. 2- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإِيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والعصيان. 3- استحالة الفداء يوم القيامة، وتعذر وجود شافع يشفع لمن مات على الشرك لا بإخراجه من النار، ولا بتخفيف العذاب عنه.

القطان

تفسير : هذه الآية عظة من الله تعالى لليهود في عصر الرسول الكريم، وتذكير لهم بما سلف من نعمة الله على آبائهم بانقاذهم من أيدي عدوهم، واعطائهم كثيرا من النعم. فخاطبهم على هذه الصورة. يا بني اسرائيل، اذكروا نعمتي عليكم وانقاذي اياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه، وانزالي عليكم المنَّ والسلوى في تيهكم، واختصاصي الرسل منكم، وتفضيلي اياكم على غيركم ممن كانوا في ذلك الزمان.. وذلك كله حتى يترك اليهود المعاصرون للرسول تماديهم في الغي والضلال ويثوبوا الى رشدهم. ثم يورد الآية التي بعدها "واتقوا يوما.." ترهيبا منه للذين وعظهم بالآية التي قبلها. فيقول: اتقوا يا معشر بني اسرائيل، المبدّلين كتابي وتنزيلي، المحرفين تأويله عن وجهه، المكذبين برسولي محمد ـ عذاب يوم لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا، ولا يشفع فيما وجب عليها شافع، ولا يمنعها احد من عذاب الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (122) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأَفْضَالِهِ وَأَنْعُمِهِ عَلَى أَسْلاَفِهِمْ، وَتَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عََلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ، الذِينَ لَمْ يَكُونُوا يَدِينُونَ بِدِينٍ سَمَاوِيٍّ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى شُكْرِ اللهِ عَلَى إِنْزَالِهِ التَّورَاةَ إِليهِمْ. وَشُكْرُ اللهِ يَكُونَ بِالإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ فِيها، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا جَاءَ فِيهَا وَصْفُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَالبِشَارَةُ بِهِ، وَالمِيثَاقُ الذِي أَخَذَهُ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الإِيمَانِ بِهِ وَمُنَاصَرَتِهِ. فَاللهُ تَعَالَى يُذَكِّرُهُمْ بِذلِكَ لِيُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَرِسَالَتِهِ، وَلِكَيْلا يَحْمِلَهُمْ الحَسَدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَتَكْذِيبِهِ وَالكَيْدِ لَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لو رجعنا إلى ما قلناه عندما تعرضنا للآية [40] من سورة البقرة .. وقوله تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : .. فالحق سبحانه وتعالى لم ينه الجولة مع بني إسرائيل قبل أن يذكرهم بما بدأهم به .. إنه سبحانه لا ينهي الكلام معهم في هذه الجولة .. إلا بعد أن يذكرهم تذكيراً نهائياً بنعمه عليهم وتفضيله لهم على كثير من خلقه .. ومن أكبر مظاهر هذا التفضيل .. الآية الموجودة في التوراة تبشر بمحمد عليه الصلاة والسلام وذلك تفضيل كبير. التذكير بالنعمة هنا وبالفضل هو تقريع لبني إسرائيل أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه مذكور عندهم في التوراة .. وكان يجب أن يأخذوا هذا الذكر بقوة ويسارعوا للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه تفضيل كبير من الله سبحانه وتعالى لهم .. والله جل جلاله قال حين أخذت اليهود الرجفة .. وطلب موسى عليه السلام من ربه الرحمة .. قال كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الأعراف: 156-157].

الجيلاني

تفسير : ثم لما خاطب سبحانه بني إسرائيل أولاً بإيفاء العهد الذي هو شعار الإيمان، وما يتعلق بإيفاء العهد من الرجوع إليه، والإيمان بكتبه ورسله وعدم المبادرة إلى الفكر، وعدم استبدال آيات الله الدالة على ذاته علماً وعيناً وحقاً بالمزخرفات الفانية التي لا مداد لها أصلاً، وعدم لبس الحق الظاهر المكشوف المحقق بالباطل الموهوم المعدوم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة المنبئين من التوجه الفطري، والرجوع الحقيقي الأصلي، الركوع والخشوع على وجه التذلل والانكسار، إلى أن يصل إلى الفناء في ذاته بل إلى فناء الفناء لينعكس البقاء. ثم عبر سبحانه تعبيراً فوق تعبيرٍ على الناسين نفوسهم في الغفلة بلا توجهٍ ورجوعٍ، ثم أمر خلص عباده باستعانة الصبر المورث للتمكين، والصلاة المشعر بالتوجه التام المسقط لجميع الآثام، هذا لتصفية ذواتهم. ثم خاطبهم سبحانه ثانياً وأوصاهم بشكر نعم تفضيلهم وتكريمهم على بني نوعهم بأنواع الكرامات الدينية والدنيوية. ثم حذرهم وخوفهم عن يوم الجزاء على وجه المبالغة والتأكيد؛ لتصفية أوصافهم في معاشهم في النشأة الأولى. ثم لما ذكر سبحانه كفرانهم وطغيانهم وعدم انقيادهم بالكتب والرسل، وتكذيبهم وقتلهم وخبث طينتهم ودناءة طبعهم، وقساوة قلبهم وشدة عداوتهم مع المؤمنين، وقبح صنيعهم مع الأنبياء الماضين كرر خطابه سبحانه إليهم ثالثاً بما سبق ثانياً، مبالغةً وتأكيداً وتلطفاً وإمهالاً لهم؛ كي يتنبهوا، ومع ذلك لم يتنبهوا لخبث طينتهم، فقال: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} المعرضين عني بأنواع الإعراضات، والمعترضين لآيأتي بأصناف الاعتراضات مضى ما مضى {ٱذْكُرُواْ} واشكروا {نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بفضلي وإحساني مع عدم شكركم وكفرانكم {وَ} خصوصاً اذكروا من النعم نعمة الجاه والتفضيل على جميع البرايا؛ إذ {أَنِّي} بحولي وطولي {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [البقرة: 122] من بني نوعكم، وامتثلوا أمري ولا تجاوزوا عن حكمي، واحذروا عن قهري وانتقامي. {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} وصفه أنه {لاَّ تَجْزِي} لا تحمل {نَفْسٌ} مطيعة {عَن نَّفْسٍ} عاصيةٍ {شَيْئاً} قليلاً من اوزارها {وَ} مع ذلك {لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} فدية حتى تتخلص بها {وَ} أيضاً {لاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} من شفيعٍ حميمٍ حتى يخفف عذابها لأجلها {}وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 123] بغيرهم في تحمل العذاب، بل ما يحمل رزاياهم إلا مطاياهم، ومع هذه المبالغة والتأكيد قليلاً منهم يؤمنون بخلاف الملة الحنيفية البيضاء الجليلة، فإنهم بأجمعهم يرجى منهم الإيمان بوحدانية الله إن أقاموا الصلاة إليه مخلصين إلا المصلين الذين هم في صلاتهم ساهون بما يلهيهم محبة المال والجاه عصمنا من ذلك. ثم لما ذكر سبحانه قصة بني إسرائيل وإنعامه عليهم بأنواع النعم، وكفرانهم لنعمه من خبث طينتهم، أراد أن يذكر طيب طينة الملة الجليلة وصفاء عقائدهم واصطبارهم، وتحملهم على الاختبارات والابتلاءات الإلهية، فقال: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ} اي: واذكر يا أكمل الرسل وقت ابتلاء أبيك {إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} الذي ابتلاه واختبر خليله بأنواع البلاء من النار والمنجنيق وذبح الولد وإجلاءٍ من الوطن وغير ذلك من البليات النازلة عليه {بِكَلِمَاتٍ} صادرة من ربه حين أراد اختباره {فَأَتَمَّهُنَّ} على الوجه الذي صدر قصورٍ ولا فتورٍ تتميماً لمرتبة الخلة والخلافة. ثم لما اختبر سبحانه خلة خليله بأنواع البلاء أظهر خلته له بأنواع العطاء حيث {قَالَ} سبحانه: {إِنِّي} من غاية محبتي وخلتي معك أيها الخليل الجليل {جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ} الناسين التوحه والرجوع إلي {إِمَاماً} مقتدى لهم، هداياً يهديهم إلى طريق التوحيد، لما رأى إبراهيم عليه السلام انبساط ربه معه وإفضاله عليه وإظهاره الخلة له {قَالَ}: {وَ} اجعل يا ربي {مِن ذُرِّيَّتِي} أيضاً أئتمةً إلى يوم القيامة {قَالَ} سبحانه تلطفاً له وامتناناً عليه: ومن ذريتك أيضاً الصالحين منهم لا الفاسقين؛ إذ {لاَ يَنَالُ عَهْدِي} الذي هو نيابتي وخلافتي {ٱلظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] المتجاوزين عن حدودي وعهودي. {وَ} بعدما جعلناه إماماً هداياً إلى طريق الحق هيأنا له طريق الاهتداء {إِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ} أي: الكعبة المعدة للتوجه إلينا بترك المألوفات وقطع التعلقات من الأهل والمال والوطن، والاجتناب عن التصرفات المانعة عن التوجه الحقيقي من الرفت والفسوق والجدال والقتل، وغير ذلك من الأمور المتعلقة للحياة المستعارة {مَثَابَةً} موضع ثواب {لِّلنَّاسِ} ليتقربوا إلينا ويتوجهوا نحونا {وَأَمْناً} من جميع المخافات الدينية إذا كانت الزيارة على نية الإخلاص {وَ} بعدما جعلنا البيت مثابة للناس قلنا للزائرين لها والطائفين حولها: {ٱتَّخِذُواْ} أيها الزوار {مِن مَّقَامِ} خليلنا {إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} موضع ميل وتوجه؛ اقتداءً له صلوات الرحمن عليه {وَ} بعدما أمرنا الزوار بما أمرنا {عَهِدْنَآ} وصينا {إِلَىٰ} خليلنا {إِبْرَاهِيمَ وَ} ذبيحنا {إِسْمَاعِيلَ} ابنه {أَن طَهِّرَا} بالمظاهرة {بَيْتِيَ} المعدة للطهارة الحقيقة عن جميع الشواغل {لِلطَّائِفِينَ} الذين قصدوا الميل إلى جنابنا ببذل المهج {وَٱلْعَاكِفِينَ} القائمين المقيمن ببابنا رجاء أن ينكشف لهم أسرار التكاليف التي كلفوا بها {وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [البقرة: 125] أي: الراكعين الساجدين في فنائنا تذللاً وانكساراً حتى يتحققوا بمقام العبودية.